Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

حصہ V06/P148–V06/P149

المسألة الأولى : أن مجيء ذلك التابوت لا بد وأن يقع على وجه يكون خارقا للعادة حتى يصح أن يكون آية من عند الله ، دالة على صدق تلك الدعوى ، ثم قال أصحاب الأخبار : إن الله تعالى أنزل على آدم عليه السلام تابوتا فيه صور الأنبياء من أولاده ، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب ، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل ، فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم ، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا بالنصرة ، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه ، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت ، قال ذلك النبي : إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره ، ثم إن الكفار الذين سلبوا ذلك التابوت كانوا قد جعلوه في موضع البول والغائط ، فدعا النبي عليهم في ذلك الوقت ، فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله تعالى بالبواسير ، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت ، فأخرجوه ووضعوه على ثورين فأقبل الثوران يسيران ووكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما ، حتى أتوا منزل طالوت ، ثم إن قوم ذلك النبي رأوا التابوت عند طالوت ، فعلموا أن ذلك دليل على كونه ملكا لهم ، فذلك هو قوله تعالى : { وقال لهم نبيهم إن ءاية ملكه } والإتيان على هذا مجاز ، لأنه أتى به ولم يأت هو فنسب إليه توسعا ، كما يقال : ربحت الدراهم ، وخسرت التجارة . والرواية الثانية : أن التابوت صندوق كان موسى عليه السلام يضع التوراة فيه ، وكان من خشب ، وكانوا يعرفونه ، ثم إن الله تعالى رفعه بعد ما قبض موسى عليه السلام لسخطه على بني إسرائيل / ثم قال نبي ذلك القوم : إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء ، ثم إن التابوت لم تحمله الملائكة ولا الثوران ، بل نزل من السماء إلى الأرض ، والملائكة كانوا يحفظونه ، والقوم كانوا ينظرون إليه حتى نزل عند طالوت ، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت ، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعا ، لأن من حفظ شيئا في / الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء وإن لم يحمله كما يقول القائل : حملت الأمتعة إلى زيد إذا حفظها في الطريق ، وإن كان الحامل غيره . واعلم أنه تعالى جعل إتيان التابوت معجزة ، ثم فيه احتمالان أحدهما : أن يكون مجىء التابوت معجزا ، وذلك هو الذي قررناه والثاني : أن لا يكون التابوت معجزا ، بل يكون ما فيه هو المعجز ، وذلك بأن يشاهدوا التابوت خاليا ، ثم إن ذلك النبي يضعه بمحضر من القوم في بيت ويغلقوا البيت ، ثم إن النبي يدعي أن الله تعالى خلق فيه ما يدل على واقعتنا ، فإذا فتحوا باب البيت ونظروا في التابوت رأوا فيه كتابا يدل على أن ملكهم هو طالوت ، وعلى أن الله سينصرهم على أعدائهم فهذا يكون معجزا قاطعا دالا على أنه من عند الله تعالى ، ولفظ القرآن يحتمل هذا ، لأن قوله : { يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم } يحتمل أن يكون المراد منه أنهم يجدون في التابوت هذا المعجز الذي هو سبب لاستقرار قلبهم واطمئنان أنفسهم فهذا محتمل .

حصہ V06/P149–V06/P150

المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : وزن التابوت إما أن يكون فعلوتا أو فاعولا ، والثاني مرجوح ، لأنه يقل في كلام العرب لفظ يكون فاؤه ولامه من جنس واحد ، نحو : سلس وقلق ، فلا يقال : تابوت من تبت قياسا على ما نقل ، وإذا فسد هذا القسم تعين الأول ، وهو أنه فعلوت من التوب ، وهو الرجوع لأنه ظرف يوضع فيه الأشياء ، ويودع فيه فلا يزول يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته . المسألة الثالثة : قرأ الكل : التابوت بالتاء ، وقرأ أبي وزيد بن ثابت { التابوه } بالهاء وهي لغة الأنصار . المسألة الرابعة : من الناس من قال : إن طالوت كان نبيا ، لأنه تعالى أظهر المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبيا ، ولا يقال : إن هذا كان من كرامات الأولياء ، لأن الفرق بين الكرامة والمعجزة أن الكرامة لا تكون على سبيل التحدي ، وهذا كان على سبيل التحدي ، فوجب أن لا يكون من جنس الكرامات . والجواب : لا يبعد أن يكون ذلك معجزة لنبي ذلك الزمان ، ومع كونه معجزة له فإنه كان آية قاطعة في ثبوت ملكه . أما قوله تعالى : { التابوت فيه سكينة من ربكم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : { السكينة } فعيلة من السكون ، وهو ضد الحركة وهي مصدر وقع موقع الاسم ، نحو : القضية والبقية والعزيمة . المسألة الثانية : اختلفوا في السكينة ، وضبط الأقوال فيها أن نقول : المراد بالسكينة إما أن يقال إنه كان شيئا حاصلا في التابوت أو ما كان كذلك . / والقسم الثاني : هو قول أبي بكر الأصم ، فإنه قال : { ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية } أي تسكنون عند مجيئه وتقرون له بالملك ، وتزول نفرتكم عنه ، لأنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة فلا بد وأن تسكن قلوبهم إليه وتزول نفرتهم بالكلية . وأما القسم الأول : وهو أن المراد من السكينة شيء كان موضوعا في التابوت ، وعلى هذا ففيه أقوال الأول : وهو قول أبي مسلم أنه كان في التابوت بشارات من كتب الله تعالى المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام ، بأن الله ينصر طالوت وجنوده ، ويزيل خوف العدو عنهم الثاني : وهو قول علي عليه السلام : كان لها وجه كوجه الإنسان ، وكان لها ريح هفافة والثالث : قول ابن عباس رضي الله عنهما : هي صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس كرأس الهر ، وذنب كذنبه ، فإذا صاحت كصياح الهر ذهب التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا وقف وقفوا ونزل النصر . القول الرابع : وهو قول عمرو بن عبيد : إن السكينة التي كانت في التابوت شيء لا يعلم . واعلم أن السكينة عبارة عن الثبات والأمن ، وهو كقوله في قصة الغار : { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } ( الفتح : 26 ) فكذا قوله تعالى : { فيه سكينة من ربكم } معناه الأمن والسكون . واحتج القائلون بأنه حصل في التابوت شيء بوجهين الأول : أن قوله : { فيه سكينة } يدل على كون التابوت ظرفا للسكينة والثاني : وهو أنه عطف عليه قوله : { وبقية مما ترك ءال موسى } فكما أن التابوت كان ظرفا للبقية وجب أن يكون ظرفا للسكينة . والجواب عن الأول : أن كلمة { فى } كما تكون للظرفية فقد تكون للسببية قال عليه الصلاة والسلام : ( في النفس المؤمنة مائة من الإبل ) وقال : ( في خمس من الإبل شاة ) أي بسببه فقوله في هذه الآية : { فيه سكينة } أي بسببه تحصل السكينة .

حصہ V06/P150–V06/P151

والجواب عن الثاني : لا يبعد أن يكون المراد بقية مما ترك آل موسى وآل هارون من الدين والشريعة ، والمعنى أن بسبب هذا التابوت ينتظم أمر ما بقي من دينهما وشريعتهما . وأما القائلون بأن المراد بالبقية شيء كان موضوعا في التابوت فقالوا : البقية هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفير من المن الذي كان ينزل عليهم . أما قوله : { وقال لهم نبيهم إن } ففيه قولان الأول : قال بعض المفسرين يحتمل أن يكون المراد من آل موسى وآل هارون هو موسى وهارون أنفسهما ، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام لأبي موسى الأشعري : ( لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود ) وأراد به داود نفسه ، لأنه لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن مثل ما كان لداود عليه السلام . / والقول الثاني : قال القفال رحمه الله : إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون ، لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت ، وما في التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون ، فيكون الآل هم الأتباع ، قال تعالى : { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } ( غافر : 46 ) . وأما قوله : { تحمله الملائكة } فقد تقدم القول فيه . وأما قوله : { إن في ذالك لأية لكم إن كنتم مؤمنين } فالمعنى أن هذه الآية معجزة باهرة إن كنتم ممن يؤمن بدلالة المعجزة على صدق المدعي . قوله تعالى : { فلما فصل طالوت بالجنود } فيه مسائل . المسألة الأولى : اعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها يظهر بتقدير محذوف يدل عليه باقي الكلام ، والتقدير أنه لما أتاهم بآية التابوت أذعنوا له ، وأجابوا إلى المسير تحت رايته . فلما فصل بهم أي فارق بهم حد بلده وانقطع عنه ، ومعنى الفصل القطع ، يقال : قول فصل ، إذا كان يقطع بين الحق والباطل وفصلت اللحم عن العظم فصلا وفاصل الرجل شريكه وامرأته فصالا ، ويقال للفطام فصال ، لأنه يقطع عن الرضاع ، وفصل عن المكان قطعه بالمجاوزة عنه ، ومنه قوله : { ولما فصلت العير } ( يوسف : 94 ) قال صاحب ( الكشاف ) قوله : فصل عن موضع كذا أصله فصل نفسه ، ثم لأجل الكثرة في الاستعمال حذفوا المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كما يقال انفصل والجنود جمع جند وكل صنف من الخلق جند على حدة ، يقال للجراد الكثيرة إنها جنود الله / ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : ( الأرواح جنود مجندة ) . المسألة الثانية : روي أن طالوت قال لقومه : لا ينبغي أن يخرج معي رجل يبني بناء لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة ، ولا متزوج بامرأة لم يبن عليها ولا أبغي إلا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع إليه ممن اختار ثمانون ألفا . أما قوله تعالى : { قال إن الله مبتليكم بنهر } ففيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن هذا القائل من كان فقال الأكثرون : أنه هو طالوت وهذا هو الأظهر لأن قوله لا بد وأن يكون مسندا إلى مذكور سابق ، والمذكور السابق هو طالوت ، ثم على هذا يحتمل أن يكون القول من طالوت لكنه تحمله من نبي الوقت ، وعلى هذا التقدير لا يلزم أن يكون طالوت نبيا ويحتمل أن يكون من قبل نفسه فلا بد من وحي أتاه عن ربه ، وذلك يقتضي أنه مع الملك كان نبيا . والقول الثاني : أن قائل هذا القول هو النبي المذكور في أول الآية ، والتقدير : فلما فصل طالوت بالجنود قال لهم نبيهم : { إن الله مبتليكم بنهر } ونبي ذلك الوقت هو اشمويل عليه السلام .

حصہ V06/P151–V06/P152

/ المسألة الثانية : في حكمة هذا الابتلاء وجهان الأول : قال القاضي : كان مشهورا من بني إسرائيل أنهم يخالفون الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة فأراد الله تعالى إظهار علامة قبل لقاء العدو يتميز بها من يصبر على الحرب ممن لا يصبر لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو ، فلما كان هذا هو الصلاح قبل مقاتلة العدو لا جرم قال : { فإن الله مبتليكم بنهر } الثاني : أنه تعالى ابتلاهم ليتعودوا الصبر على الشدائد . المسألة الثالثة : في النهر أقوال أحدها : وهو قول قتادة والربيع ، أنه نهر بين الأردن وفلسطين والثاني : وهو قول ابن عباس والسدي : أنه نهر فلسطين ، قال القاضي : والتوفيق بين القولين أن النهر الممتد من بلد قد يضاف إلى أحد البلدين . القول الثالث : وهو الذي رواه صاحب ( الكشاف ) : أن الوقت كان قيظا فسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهرا فقال : إن الله مبتليكم بما اقترحتموه من النهر . المسألة الرابعة : قوله : { مبتليكم بنهر } أي ممتحنكم امتحان العبد كما قال : { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه } ( الإنسان : 2 ) ولما كان الابتلاء بين الناس إنما يكون لظهور الشيء ، وثبت أن الله تعالى لا يثبت ، ولا يعاقب على علمه ، إنما يفعل ذلك بظهور الأفعال بين الناس ، وذلك لا يحصل إلا بالتكليف لا جرم سمي التكليف ابتلاء ، وفيه لغتان بلا يبلو ، وابتلى يبتلي ، قال الشاعر : ولقد بلوتك وابتليت خليفتي ولقد كفاك مودتي بتأدب فجاء باللغتين . المسألة الخامسة : نهر ونهر بتسكين الهاء وتحريكها لغتان ، وكل ثلاثي حشوه حرف من حروف الحلق فإنه يجىء على هذين ، كقولك : صخر وصخر ، وشعر وشعر ، وقالوا : بحر وبحر ، وقال الشاعر : كأنما خلقت كفاء من حجر فليس بين يديه والندى عمل يرى التيمم في بر وفي بحر مخافة أن يرى في كفه بلل أما قوله تعالى : { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه منى } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { فليس مني } كالزجر ، يعني ليس من أهل ديني وطاعتي ، ونظيره قوله تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } ثم قال قبل هذا : { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف } وأيضا نظيره قوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا ) أي ليس على ديننا ومذهبنا والله أعلم . المسألة الثانية : قال أهل اللغة { لم يطعمه } أي لم يذقه ، وهو من الطعم ، وهو يقع على الطعام / والشراب هذا ما قاله أهل اللغة ، وعندي إنما اختير هذا اللفظ لوجهين من الفائدة أحدهما : أن الإنسان إذا عطش جدا ، ثم شرب الماء وأراد وصف ذلك الماء بالطيب واللذة قال : إن هذا الماء كأنه الجلاب ، وكأنه عسل فيصفه بالطعوم اللذيذة ، فقوله : { ومن لم يطعمه } معناه أنه وإن بلغ به العطش إلى حيث يكون ذلك الماء في فمه كالموصوف بهذه الطعوم الطيبة فإنه يجب عليه الاحتراز عنه ، وأن لا يشربه والثاني : أن من جعل الماء في فمه وتمضمض به ثم أخرجه من الفم ، فإنه يصدق عليه أنه ذاقه وطعمه ، ولا يصدق عليه أنه شربه ، فلو قال : ومن لم يشربه فإنه مني كان المنع مقصورا على الشرب ، أما لما قال : { ومن لم يطعمه } كان المنع حاصلا في الشرب وفي المضمضة ، ومعلوم أن هذا التكليف أشق ، وأن الممنوع من شرب الماء إذا تمضمض به وجد نوع خفة وراحة .

حصہ V06/P152–V06/P153

المسألة الثالثة : أنه تعالى قال في أول الآية : { فمن شرب منه فليس مني } ثم قال بعده : { ومن لم يطعمه } وكان ينبغي أن يقال : ومن لم يطعم منه ليكون آخر الآية مطابقا أولها ، إلا أنه ترك ذلك اللفظ ، واختير هذا لفائدة ، وهي أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث ؟ قال أبو حنيفة لا يحنث إلا إذا كرع من النهر ، حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث ، لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربه متصلا بذلك الشيء ، وهذا لا يحصل إلا بأن يشرب من النهر ، وقال الباقون إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث ، لأن ذلك وإن كان مجازا إلا أنه مجاز معروف مشهور . إذا عرفت هذا فنقول : إن قوله : { فمن شرب منه فليس مني } ظاهره أن يكون النهي مقصورا على الشرب من النهر ، حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلا تحت النهي ، فلما كان هذا الاحتمال قائما في اللفظ الأول ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام ، فقال : { ومن لم يطعمه فإنه منى } أضاف الطعم والشرب إلى الماء لا إلى النهر إزالة لذلك الإبهام . أما قوله : { إلا من اغترف غرفة بيده } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { غرفة } بفتح الغين ، وكذلك يعقوب وخلف ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالضم ، قال أهل اللغة الغرفة بالضم الشيء القليل الذي يحصل في الكف ، والغرفة بالفتح الفعل ، وهو الاغتراف مرة واحدة ، ومثله الأكلة والأكلة ، يقال : فلان يأكل في النهار أكله واحدة ، وما أكلت عندهم إلا أكلة بالضم أي شيئا قليلا كاللقمة ، ويقال : الحزة من اللحم بالضم للقطعة اليسيرة منه ، وحززت اللحم حزة أي قطعته مرة واحدة ، ونحوه : الخطوة والخطوة بالضم مقدار ما بين القدمين ، والخطوة أن يخطو مرة واحدة ، وقال المبرد : غرفة بالفتح مصدر يقع على قليل ما في يده وكثيره والغرفة بالضم اسم ملء / الكف أو ما اغترف به . المسألة الثانية : قوله : { إلا من اغترف } استثناء من قوله : { فمن شرب منه فليس مني } وهذه الجملة في حكم المتصلة بالاستثناء ، إلا أنها قدمت في الذكر للعناية . المسألة الثالثة : قال ابن عباس رضي الله عنهما : كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه / ويحمل منها . وأقول : هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما : أنه كان مأذونا أن يأخذ من الماء ما شاءه مرة واحدة ، بغرفة واحدة ، بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه وخدمه ، ولأن يحمله مع نفسه والثاني : أنه كان يأخذ القليل إلا أن الله تعالى يجعل البركة فيه حتى يكفي لكل هؤلاء ، وهذا كان معجزة لنبي ذلك الزمان ، كما أنه تعالى كان يروي الخلق العظيم من الماء القليل في زمان محمد عليه الصلاة والسلام . أما قوله تعالى : { فشربوا منه إلا قليلا منهم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبي والأعمش { إلا قليل } قال صاحب ( الكشاف ) : وهذا بسبب ميلهم إلى المعنى ، وإعراضهم عن اللفظ ، لأن قوله : { فشربوا منه } في معنى : فلم يطيعوه ، لا جرم حمل عليه كأنه قيل : فلم يطيعوه إلا قليل منهم .

حصہ V06/P153–V06/P154

المسألة الثانية : قد ذكرنا أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز الصديق عن الزنديق ، والموافق عن المخالف ، فلما ذكر الله تعالى أن الذين يكونون أهلا لهذا القتال هم الذين لا يشربون من هذا النهر ، وأن كل من شرب منه فإنه لا يكون مأذونا في هذا القتال ، وكان في قلبهم نفرة شديدة عن ذلك القتال ، لا جرم أقدموا على الشرب ، فتميز الموافق عن المخالف ، والصديق عن العدو ، ويروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد ، وقع أكثرهم في النهر ، وأكثروا الشرب ، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله تعالى ، فلم يزيدوا على الاغتراف ، وأما الذين شربوا وخالفوا أمر الله فاسودت شفاههم وغلبهم العطش ولم يرووا ، وبقوا على شط النهر ، وجبنوا على لقاء العدو ، وأما الذين أطاعوا أمر الله تعالى ، فقوي قلبهم وصح إيمانهم ، وعبروا النهر سالمين . المسألة الثالثة : القليل الذي لم يشرب قيل : إنه أربعة آلاف ، والمشهور وهو قول الحسن أنهم كانوا على عدد أهل بدر ثلثمائة وبضعة عشر وهم المؤمنون ، والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر : أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن ، قال البراء بن عازب : وكنا يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا . أما قوله : { فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس } ففيه مسألتان : / المسألة الأولى : لا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاع الله تعالى في باب الشرب من النهر ، وإنما اختلفوا في أن رجوعهم إلى بلدهم كان قبل عبور النهر أو بعده ، وفيه قولان الأول : أنه ما عبر معه إلا المطيع ، واحتج هذا القائل بأمور الأول : أن الله تعالى قال : { فلما فصل طالوت بالجنود قال إن } فالمراد بقوله : { الذين ءامنوا معه } الذين وافقوه في تلك الطاعة ، فلما ذكر الله تعالى كل العسكر ، ثم خص المطيعين بأنهم عبروا النهر ، علمنا أنه ما عبر النهر أحد إلا المطيعين . الحجة الثانية : الآية المتقدمة وهي قوله تعالى حكاية عن طالوت { فمن شرب منه فليس مني } أي ليس من أصحابي في سفري ، كالرجل الذي يقول لغيره : لست أنت منا في هذا الأمر ، قال : ومعنى { فشربوا منه } أي ليتسببوا به إلى الرجوع ، وذلك لفساد دينهم وقلبهم . الحجة الثالثة : أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي والمتمرد ، حتى يصرفهم عن نفسه ويردهم قبل أن يرتدوا عند حضور العدو ، وإذا كان المقصود من هذا الابتلاء ليس إلا هذا المعنى كان الظاهر أنه صرفهم عن نفسه في ذلك الوقت وما أذن لهم في عبور النهر .

حصہ V06/P154–V06/P155

القول الثاني : أنه استصحب كل جنوده وكلهم عبروا النهر واعتمدوا في إثبات هذا القول على قوله تعالى حكاية عن قوم طالوت { قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه ، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق ، وهذه الحجة ضعيفة ، وبيان ضعفها من وجوه أحدها : يحتمل أن يقال : إن طالوت لما عزم على مجاوزة النهر وتخلف الأكثرون ذكر المتخلفون أن عذرنا في هذا التخلف أنه لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فنحن معذورون في هذا التخلف ، أقصى ما في الباب أن يقال : إن الفاء في قوله : { فلما جاوزه } تقتضي أن يكون قولهم : { لا طاقة لنا اليوم بجالوت } إنما وقع بعد المجاوزة ، إلا أنا نقول يحتمل أن يقال : إن طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه ، سألهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك ، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع من المكالمة ، ويحتمل أن يكون المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة ، وعلى هذا التقدير فالإشكال أيضا زائل . والجواب الثاني : أنه يحتمل أن يقال : المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين : بعضهم ممن يحب الحياة ويكره الموت وكان الخوف والجزع غالبا على طبعه ، ومنهم من كان شجاعا قوي القلب لا يبالي بالموت في طاعة الله تعالى . فالقسم الأول : هم الذين قالوا : { لا طاقة لنا اليوم } . والقسم الثاني : هم الذين أجابوا بقولهم : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة } . والجواب الثالث : يحتمل أن يقال : القسم الأول من المؤمنين لما شاهدوا قلة عسكرهم قالوا : / { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } فلا بد أن نوطن أنفسنا على القتل ، لأنه لا سبيل إلى الفرار من أمر الله ، والقسم الثاني قالوا : لا نوطن أنفسنا بل نرجو من الله الفتح والظفر ، فكان غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة ، وغرض الفريق الثاني الترغيب في طلب الفتح والنصرة ، وعلى هذا التقدير لا يكون في واحد من القولين ما ينقض الآخر . المسألة الثانية : الطاقة مصدر بمنزلة الإطاقة ، يقال : أطقت الشيء إطاقة وطاقة ، ومثلها أطاع إطاعة ، والاسم الطاعة ، وأغار يغير إغارة والاسم الغارة ، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة وفي المثل : أساء سمعا فأساء جابة ، أي جوابا . أما قوله تعالى : { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى لم جعلهم ظانين ولم يجعلهم حازمين ؟ . وجوابه : أن السبب فيه أمور الأول : وهو قول قتادة : أن المراد من لقاء الله الموت ، قال عليه الصلاة والسلام : ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ) وهؤلاء المؤمنون لما وطنوا أنفسهم على القتل ، وغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت ، لا جرم قيل في صفتهم : إنهم يظنون أنهم ملاقوا الله الثاني : { الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } أي ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة ، وذلك لأن أحدا لا يعلم عاقبة أمره ، فلا بد أن يكون ظانا راجيا وإن بلغ في الطاعة أبلغ الأمر ، إلا من أخبر الله بعاقبة أمره ، وهذا قول أبي مسلم وهو حسن . الوجه الثالث : أن يكون المعنى : قال الذين يظنون أنهم ملاقوا طاعة الله ، وذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يكون قاطعا بأن هذا العمل الذي عمله طاعة ، لأنه ربما أتى فيه بشيء من الرياء والسمعة ، ولا يكون بنية خالصة فحيئذ لا يكون الفعل طاعة ، إنما الممكن فيه أن يظن أنه أتى به على نعت الطاعة والإخلاص .

حصہ V06/P155–V06/P156

الوجه الرابع : أنا ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم } أن المراد بالسكينة على قول بعض المفسرين أنه كان في التابوت كتب إلهية نازلة على الأنبياء المتقدمين / دالة على حصول النصر والظفر لطالوت وجنوده ، ولكنه ما كان في تلك الكتب أن النصر والظفر يحصل في المرة الأولى أو بعدها ، فقوله : { الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } يعني الذين يظنون أنهم ملاقوا وعد الله بالظفر ، وإنما جعله ظنا لا يقينا لأن حصوله في الجملة وإن كان قطعا إلا أن حصوله في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل حسن الظن . الوجه الخامس : قال كثير من المفسرين : المراد بقوله : { يظنون أنهم ملاقوا الله } أنهم يعلمون ويوقنون ، إلا أنه أطلق لفظ الظن على اليقين على سبيل المجاز لما بين الظن واليقين من المشابهة في تأكد الإعتقاد . / أما قوله : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } ففيه مسائل : المسألة الأولى : المراد منه تقوية قلوب الذين قالوا : { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } والمعنى أنه لا عبرة بكثرة العدد إنما العبرة بالتأييد الإلهي ، والنصر السماوي ، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة ، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة . المسألة الثانية : الفئة : الجماعة ، لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة ، وقال الزجاج : أصل الفئة من قولهم : فأوت رأسه بالسيف ، وفأيت إذا قطعت ، فالفئة الفرقة من الناس ، كأنها قطعة منهم . المسألة الثالثة : قال الفراء : لو ألغيت من ههنا جاز في فئة الرفع والنصب والخفض ، أما النصب فلأن { كم } بمنزلة عدد فنصب ما بعده نحو عشرين رجلا ، وأما الخفض فبتقدير دخول حرف { من } عليه ، وأما الرفع فعلى نية تقديم الفعل كأنه قيل : كم غلبت فئة . وأما قوله : { والله مع الصابرين } فلا شبهة أن المراد المعونة والنصرة ، ثم يحتمل أن يكون هذا قولا للذين قالوا : { كم من فئة قليلة } ويحتمل أن يكون قولا من الله تعالى ، وإن كان الأول أظهر . ! 7 < { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنآ أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين } . > 7 ! < < البقرة : ( 250 ) ولما برزوا لجالوت . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : المبارزة في الحروب ، هي أن يبرز كل واحد منهم لصاحبه وقت القتال ، والأصل فيها أن الأرض الفضاء التي لا حجاب فيها يقال لها البراز ، فكان البروز عبارة عن حصول كل واحد منهما في الأرض المسماة بالبراز ، وهو أن يكون كل واحد منهما بحيث يرى صاحبه .

حصہ V06/P156–V06/P157

المسألة الثانية : أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع العوام والضعفاء أنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، وأوضحوا أن الفتح والنصرة لا يحصلان إلا بإعانة الله ، لا جرم لما برز عسكر طالوت إلى عسكر جالوت ورأوا القلة في جانبهم ، والكثرة في جانب عدوهم ، لا جرم اشتغلوا بالدعاء والتضرع ، فقالوا : { ربنا أفرغ علينا صبرا } ونظيره ما حكى الله عن قوم آخرين أنهم قالوا حين الالتقاء مع المشركين : { وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير } ( آل عمران : 146 ) / إلى قوله : { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين } ( آل عمران : 147 ) وهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل المواطن ، وروي عنه في قصة بدر أنه عليه السلام لم يزل يصلي ويستنجز من الله وعده ، وكان متى لقي عدوا قال : ( اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم ) وكان يقول : ( اللهم بك أصول وبك أجول ) . المسألة الثالثة : الإفراغ الصب ، يقال : أفرغت الإناء إذا صببت ما فيه ، وأصله من الفراغ ، يقال : فلان فارغ معناه أنه خال مما يشغله ، والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه ، وإنما يخلو بصب كل ما فيه . إذا عرفت هذا فنقول قوله : { أفرغ علينا صبرا } يدل على المبالغة في طلب الصبر من وجهين أحدهما : أنه إذا صب الشيء في الشيء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول عنه ، وهذا يدل على التأكيد والثاني : أن إفراغ الإناء هو إخلاؤه ، وذلك يكون بصب كل ما فيه ، فمعنى : أفرغ علينا صبرا : أي أصبب علينا أتم صب وأبلغه . المسألة الرابعة : اعلم أن الأمور المطلوبة عند المحاربة مجموع أمور ثلاثة فأولها : أن يكون الإنسان صبورا على مشاهدة المخاوف والأمور الهائلة ، وهذا هو الركن الأعلى للمحارب فإنه إذا كان جبانا لا يحصل منه مقصود أصلا وثانيها : أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات والاتفاقات الحسنة مما يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار وثالثها : أن تزداد قوته على قوة عدوه حتى يمكنه أن يقهر العدو . إذا عرفت هذا فنقول المرتبة الأولى : هي المراد من قوله : { أفرغ علينا صبرا } والثانية : هي المراد بقوله : { وثبت أقدامنا } والثالثة : هي المراد بقوله : { وانصرنا على القوم الكافرين } .

حصہ V06/P157–V06/P158

المسألة الخامسة : احتج الأصحاب على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بقوله : { ربنا أفرغ علينا صبرا } وذلك لأنه لا معنى للصبر إلا القصد على الثبات ، ولا معنى للثبات إلا السكون والاستقرار وهذه الآية دالة على أن ذلك القصد المسمى بالصبر من الله تعالى ، وهو قوله : { أفرغ علينا صبرا } وعلى أن الثبات والسكون الحاصل عند ذلك القصد أيضا بفعل الله تعالى ، وهو قوله : { وثبت أقدامنا } وهذا صريح في أن الإرادة من فعل العبد وبخلق الله تعالى ، أجاب القاضي عنه بأن المراد من الصبر وتثبيت القدم تحصيل أسباب الصبر / وأسباب ثبات القدم ، وتلك الأسباب أمور أحدها : أن يجعل في قلوب أعدائهم الرعب والجبن منهم فيقع بسبب ذلك منهم الاضطراب فيصير ذلك سببا لجراءة المسلمين عليهم ، ويصير داعيا لهم إلى الصبر على القتال وترك الانهزام ، وثانيها : أن يلطف ببعض أعدائهم في معرفة بطلان ما هم عليه فيقع بينهم الاختلاف والتفرق ويصير ذلك سببا لجراءة المؤمنين عليهم وثالثها : أن يحدث تعالى فيهم وفي ديارهم وأهاليهم من / البلاء مثل الموت والوباء ، وما يكون سببا لاشتغالهم بأنفسهم ، ولا يتفرغون حينئذ للمحاربة فيصير ذلك سببا لجراءة المسلمين عليهم ورابعها : أن يبتليهم بمرض وضعف يعمهم أو يعم أكثرهم ، أو يموت رئيسهم ومن يدبر أمرهم فيعرف المؤمنون ذلك فيصير ذلك سببا لقوة قلوبهم ، وموجبا لأن يحصل لهم الصبر والثبات ، هذا كلام القاضي . والجواب عنه من وجهين : الأول : أنا بينا أن الصبر عبارة عن القصد إلى السكوت والثبات عبارة عن السكون ، فدلت هذه الآية على أن إرادة العبد ومراده من الله تعالى وذلك يبطل قولكم وأنتم تصرفون الكلام عن ظاهره وتحملونه على أسباب الصبر وثبات الأقدام ، ومعلوم أن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز . الوجه الثاني : في الجواب أن هذه الأسباب التي سلمتم أنها بفعل الله تعالى إذا حصلت ووجدت فهل لها أثر في الترجيح الداعي أوليس لها أثر فيه وإن لم يكن لها أثر فيه لم يكن لطلبها من الله قائدة وإن كان لها أثر في الترجيح فعند صدور هذه الأسباب المرجحة من الله يحصل الرجحان ، وعند حصول الرجحان يمتنع الطرف المرجوح ، فيجب حصول الطرف الراجح ، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض وهو المطلوب والله أعلم . ! 7 < { فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشآء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولاكن الله ذو فضل على العالمين } . > 7 ! < < البقرة : ( 251 ) فهزموهم بإذن الله . . . . .

حصہ V06/P158–V06/P159

> > المعنى : أن الله تعالى استجاب دعاءهم ، وأفرغ الصبر عليهم ، وثبت أقدامهم ، ونصرهم على القوم الكافرين : جالوت وجنوده وحقق بفضله ورحمته ظن من قال : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله بالخيرات بإذن الله } وأصل الهزم في اللغة الكسر ، يقال سقاء منهزم إذا تشقق مع جفاف ، وهزمت العظم أو القصبة هزما ، والهزمة نقرة في الجبل ، أو في الصخرة ، قال سفيان بن عيينة في زمزم : هي هزمة جبريل يريد هزمها برجله فخرج الماء ، ويقال : سمعت هزمة / الرعد كأنه صوت فيه تشقق ، ويقال للسحاب : هزيم ، لأنه يتشقق بالمطر ، وهزم الضرع وهزمه ما يكسر منه ، ثم أخبر تعالى أن تلك الهزيمة كانت بإذن الله وبإعانته وتوفيقه وتيسيره ، وأنه لولا إعانته وتيسيره لما حصل ألبتة ثم قال : { وقتل داوود جالوت } قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن داود عليه السلام كان راعيا وله سبعة أخوة مع طالوت فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم إيشا أرسل ابنه داود إليهم ليأتيه بخبرهم ، فأتاهم وهم في المصاف وبدر جالوت الجبار وكان من قوم عاد إلى البراز فلم يخرج إليه أحد فقال : يا بني إسرائيل لو كنتم على حق لبارزني بعضكم فقال داود لإخوته أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف ؟ فسكتوا ، فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت وهو يحرض الناس ، فقال له داود : ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف ؟ فقال طالوت : أنكحه ابنتي وأعطيه نصف ملكي فقال داود : فأنا خارج إليه وكان عادته أن يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في الرعي ، وكان طالوت عارفا بجلادته ، فلما هم داود بأن يخرج رماه فأصابه في صدره ، ونفذ الحجر فيه ، وقتل بعده ناسا كثيرا ، فهزم الله جنود جالوت { وقتل داوود جالوت } فحسده طالوت وأخرجه من مملكته ، ولم يف له بوعده ، ثم ندم فذهب يطلبه إلى أن قتل ، وملك داود وحصلت له النبوة ، ولم يجتمع في بني إسرائيل الملك والنبوة إلا له . اعلم أن قوله : { فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت } يدل على أن هزيمة عسكر جالوت كانت من طالوت وإن كان قتل جالوت ما كان إلا من داود ولا دلالة في الظاهر على أن انهزام العسكر كان قبل قتل جالوت أو بعده ، لأن الواو لا تفيد الترتيب . أما قوله تعالى : { وآتاه الله الملك والحكمة } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال بعضهم آتاه الله الملك والنبوة جزاء على ما فعل من الطاعة العظيمة ، وبذل النفس في سبيل الله ، مع أنه تعالى كان عالما بأنه صالح لتحمل أمر النبوة ، والنبوة لا يمتنع جعلها جزاء على الطاعات كما قال تعالى : { ولقد اخترناهم على علم على العالمين وءاتيناهم من الايات ما فيه بلؤ ا مبين } ( الدخان : 32 ، 33 ) وقال : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ) وظاهر هذه الآية يدل أيضا على ذلك لأنه تعالى لما حكى عن داود أنه قتل جالوت ، قال بعده : { وآتاه الله الملك والحكمة } والسلطان إذا أنعم على بعض عبيده الذين قاموا بخدمة شاقة ، يغلب على الظن أن ذلك الإنعام لأجل تلك الخدمة ، وقال الأكثرون : إن النبوة لا يجوز جعلها جزاء على الأعمال ، بل ذلك محض التفضل والإنعام / قال تعالى : { الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس } ( الحج : 75 ) .

حصہ V06/P159–V06/P160

المسألة الثانية : قال بعضهم : ظاهر الآية يدل على أن داود حين قتل جالوت آتاه الله الملك والنبوة ، وذلك لأنه تعالى ذكر إيتاء الملك والنبوة عقيب ذكره لقتل داود جالوت ، وترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وبيان المناسبة أنه عليه السلام / لما قتل مثل ذلك الخصم العظيم بالمقلاع والحجر ، كان ذلك معجزا ، لا سيما وقد تعلقت الأحجار معه وقالت : خذنا فإنك تقتل جالوت بنا ، فظهور المعجز يدل على النبوة ، وأما الملك فلأن القوم لما شاهدوا منه قهر ذلك العدو العظيم المهيب بذلك العمل القليل ، فلا شك أن النفوس تميل إليه وذلك يقتضي حصول الملك له ظاهرا ، وقال الأكثرون : إن حصول الملك والنبوة له تأخر عن ذلك الوقت بسبع سنين على ما قاله الضحاك ، قالوا والروايات وردت بذلك ، قالوا : لأن الله تعالى كان قد عين طالوت للملك فيبعد أن يعزله عن الملك حال حياته ، والمشهور في أحوال بني إسرائيل كان نبي ذلك الزمان أشمويل ، وملك ذلك الزمان طالوت ، فلما توفي أشمويل أعطى الله تعالى النبوة لداود ، ولما مات طالوت أعطى الله تعالى الملك لداود ، فاجتمع الملك والنبوة فيه . المسألة الثالثة : { الحكمة } هي وضع الأمور مواضعها على الصواب والصلاح ، وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة ، فلا يبعد أن يكون المراد بالحكمة ههنا النبوة ، قال تعالى : { ما ءاتاهم الله من فضله فقد ءاتينا ءال إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم ملكا عظيما فمنهم من ءامن به } ( النساء : 54 ) وقال فيما بعث به نبيه عليه السلام { ويعلمهم الكتاب والحكمة } ( آل عمران : 146 ) . فإن قيل : فإذا كان المراد من الحكمة النبوة ، فلم قدم الملك على الحكمة ؟ مع أن الملك أدون حالا من النبوة . قلنا : لأن الله تعالى بين في هذه الآية كيفية ترقي داود عليه السلام إلى المراتب العالية ، وإذا تكلم المتكلم في كيفية الترقي ، فكل ما كان أكثر تأخرا في الذكر كان أعلى حالا وأعظم رتبة . أما قوله تعالى : { وعلمه مما يشاء } ففيه وجوه أحدها : أن المراد به ما ذكره في قوله : { وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم } ( الأنبياء : 80 ) وقال : { وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر فى السرد } ( سبأ : 10 ، 11 ) وثانيها : أن المراد كلام الطير والنمل ، قال تعالى حكاية عنه : { علمنا منطق الطير } ( النمل : 16 ) وثالثها : أن المراد به ما يتعلق بمصالح الدنيا وضبط الملك ، فإنه ما ورث الملك من آبائه ، لأنهم ما كانوا ملوكا بل كانوا رعاة ورابعها : علم الدين ، قال تعالى : { وءاتينا داوود زبورا } ( النساء : 163 ) وذلك لأنه كان حاكما بين الناس ، فلا بد وأن يعلمه الله تعالى كيفية الحكم والقضاء وخامسها : الألحان الطيبة ، ولا يبعد حمل اللفظ على الكل . فإن قيل : إنه تعالى لما ذكر إنه آتاه الحكمة ، وكان المراد بالحكمة النبوة ، فقد دخل العلم في ذلك ، فلم ذكر بعده { علمه مما يشاء } . قلنا : المقصود منه التنبيه على أن العبد قط لا ينتهي إلى حالة يستغني عن التعلم ، سواء كان نبيا أو لم يكن ، ولهذا السبب قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وقل رب زدنى علما } ( طه: 114 ) ثم قال تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض } .

حصہ V06/P160–V06/P161

/ اعلم أنه تعالى لما بين أن الفساد الواقع بجالوت وجنوده زال بما كان من طالوت وجنوده / وبما كان من داود من قتل جالوت بين عقيب ذلك جملة تشتمل كل تفصيل في هذا الباب ، وهو أنه تعالى يدفع الناس بعضهم ببعض لكي لا تفسد الأرض ، فقال : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض } وههنا مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { ولولا دفع الله } ( البقرة : 25 ) بغير ألف ، وكذلك في سورة الحج { ولولا دفع الله } وقرآ جميعا { إن الله يدافع عن الذين ءامنوا } ( الحج : 38 ) بغير ألف ووافقهما عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر اليحصبي على دفع الله بغير ألف إلا أنهم قرؤا { إن الله يدافع عن الذين ءامنوا } بالألف ، وقرأ نافع { ولولا عبد الله } و { إن الله يدافع } بالألف . إذا عرفت هذه الروايات فنقول : أما من قرأ : { ولولا دفع الله } ، { إن الله } فوجهه ظاهر ، وأما من قرأ : { ولولا عبد الله } ، { إن الله يدافع عن الذين ءامنوا } فوجه الإشكال فيه أن المدافعة مفاعلة ، وهي عبارة عن كون كل واحد من المدافعين دافعا لصاحبه ومانعا له من فعله ، وذلك من العبد في حق الله تعالى محال ، وجوابه أن لأهل اللغة في لفظ دفاع قولين أحدهما : أنه مصدر لدفع ، تقول : دفعته دفعا ودفاعا ، كما تقول : كتبته كتبا وكتابا ، قالوا : وفعال كثيرا يجيء مصدرا للثلاثي من فعل وفعل ، تقول : جمح جماحا ، وطمح طماحا ، وتقول : لقيته لقاء ، وقمت قياما ، وعلى هذا التأويل كان قوله : { ولولا عبد الله } معناه ولولا دفع الله . والقول الثاني : قول من جعل دفاع من دافع ، فالمعنى أنه سبحانه إنما يكف الظلمة والعصاة عن ظلم المؤمنين على أيدي أنبيائه ورسله وأئمة دينه وكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات ومكافحات ، فحسن الإخبار عنه بلفظ المدافعة ، كما قال : { يحاربون الله ورسوله } ( المائدة : 33 ) ، { وشاقوا الله } ( الأنفال : 13 ) وكما قال : { قاتلهم الله } ( التوبة : 30 ) ونظائره والله أعلم . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية المدفوع والمدفوع به ، فقوله : { ولولا دفع الله الناس بعضهم } إشارة إلى المدفوع ، وقوله : { ببعض } إشارة إلى المدفوع به ، فأما المدفوع عنه فغير مذكور في الآية ، فيحتمل أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدين ويحتمل أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدنيا ، ويحتمل أن يكون مجموعهما . أما القسم الأول : وهو أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدين ، فتلك الشرور إما أن يكون المرجع بها إلى الكفر ، أو إلى الفسق ، أو إليهما ، فلنذكر هذه الاحتمالات . الاحتمال الأول : أن يكون المعنى : ولولا دفع الله بعض الناس عن الكفر بسبب البعض ، وعلى هذا التقدير فالدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى فإنهم الذين يمنعون الناس عن الوقوع في الكفر بإظهار الدلائل والبراهين والبينات قال تعالى : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ( إبراهيم : 1 ) .

حصہ V06/P161

/ والاحتمال الثاني : أن يكون المراد : ولولا دفع الله بعض الناس عن المعاصي والمنكرات بسبب البعض ، وعلى هذا التقدير فالدافعون هم القائمون بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر على ما قال تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } ( آل عمران : 110 ) ويدخل في هذا الباب : الأئمة المنصوبون من قبل الله تعالى لأجل إقامة الحدود وإظهار شعائر الإسلام ونظيره قوله تعالى : { ادفع بالتى هى أحسن السيئة } ( المؤمنون : 96 ) وفي موضع آخر : { ويدرؤن بالحسنة السيئة } ( الرعد : 22 ) . الاحتمال الثالث : ولولا دفع الله بعض الناس عن الهرج والمرج وإثارة الفتن في الدنيا بسبب البعض ، واعلم أن الدافعين على هذا التقدير هم الأنبياء عليهم السلام ، ثم الأئمة والملوك الذابون عن شرائعهم ، وتقريره : أن الإنسان الواحد لا يمكنه أن يعيش وحده ، لأنه ما لم يخبز هذا لذاك ولا يطحن ذاك لهذا ، ولا يبني هذا لذاك ، ولا ينسج ذاك لهذا ، لا تتم مصلحة الإنسان الواحد ، ولا تتم إلا عند اجتماع جمع في موضع واحد ، فلهذا قيل : الإنسان مدني بالطبع ، ثم إن الاجتماع بسبب المنازعة المفضية إلى المخاصمة أولا ، والمقاتلة ثانيا ، فلا بد في الحكمة الإلهية من وضع شريعة بين الخلق ، لتكون الشريعة قاطعة للخصومات والمنازعات ، فالأنبياء عليهم السلام الذين أوتوا من عند الله بهذه الشرائع هم الذين دفع الله بسببهم وبسبب شريعتهم الآفات عن الخلق فإن الخلق ما داموا يبقون متمسكين بالشرائع لا يقع بينهم خصام ولا نزاع ، فالملوك والأئمة متى كانوا يتمسكون بهذه الشرائع كانت الفتن زائلة ، والمصالح حاصلة فظهر أن الله تعالى يدفع عن المؤمنين أنواع شرور الدنيا بسبب بعثة الأنبياء عليهم السلام واعلم أنه كما لا بد في قطع الخصومات والمنازعات من الشريعة فكذا لا بد في تنفيذ الشريعة من الملك ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ( الإسلام والسلطان أخوان توأمان ) وقال أيضا : ( الإسلام أمير ، والسلطان حارس ، فما لا أمير له فهو منهزم ، وما لا حارس له فهو ضائع ) ولهذا يدفع الله تعالى عن المسلمين أنواع شرور الدنيا بسبب وضع الشرائع وبسبب نصب الملوك وتقويتهم ، ومن قال بهذا القول قال في تفسير قوله : { لفسدت الارض } أي لغلب على أهل الأرض القتل والمعاصي ، وذلك يسمى فسادا قال الله تعالى : { ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } ( البقرة : 205 ) وقال : { أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا فى الارض وما تريد أن تكون } ( القصص : 19 ) وقال : { إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الارض الفساد } ( غافر : 26 ) وقال : { أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الارض } ( الأعراف : 127 ) وقال : { ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس } ( الروم : 41 ) وهذا التأويل يشهد له قوله في سورة الحج : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد } ( الحج : 40 ) .

حصہ V06/P161–V06/P163

الاحتمال الرابع : ولولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار ، لفسدت الأرض ولهلكت بمن فيها ، وتصديق هذا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يدفع بمن يصلي من / أمتي عمن لا يصلي ، وبمن يزكي عمن لا يزكي ، وبمن يصوم عمن لا يصوم ، وبمن يحج عمن لا يحج ، وبمن يجاهد عمن لا يجاهد ، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة عين ) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على صحة هذا القول من القرآن قوله تعالى : { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا } ( الكهف : 82 ) وقال تعالى : { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } ( الفتح : 25 ) إلى قوله : { ولو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } ( الفتح : 25 ) وقال : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ( الأنفال : 33 ) ومن قال بهذا القول قال في تفسير قوله : { لفسدت الارض } أي لأهلك الله أهلها لكثرة الكفار والعصاة . والاحتمال الخامس : أن يكون اللفظ محمولا على الكل ، لأن بين هذه الأقسام قدرا مشتركا وهو دفع المفسدة ، فإذا حملنا اللفظ عليه دخلت الأقسام بأسرها فيه . المسألة الثالثة : قال القاضي : هذه الآية من أقوى ما يدل على بطلان الجبر ، لأنه إذا كان الفساد من خلقه فكيف يصلح أن يقول تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض } ويجب أن لا يكون على قولهم لدفاع الناس بعضهم ببعض تأثير في زوال الفساد وذلك لأن على قولهم الفساد إنما لا يقع بسبب أن لا يفعله الله تعالى ولا يخلقه لا لأمر يرجع إلى الناس . والجواب : أن الله تعالى لما كان عالما بوقوع الفساد ، فإذا صح مع ذلك العلم أن لا يفعل الفساد كان المعنى أنه يصح من العبد أن يجمع بين عدم الفساد وبين العلم بوجود الفساد ، فيلزم أن يكون قادرا على الجمع بين النفي والإثبات وهو محال . أما قوله : { ولاكن الله ذو فضل على العالمين } فالمقصود منه أن دفع الفساد بهذا الطريق إنعام يعم الناس كلهم ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكل بقضاء الله تعالى ، فقالوا : لو لم يكن فعل العبد خلقا لله تعالى ، لم يكن دفع المحققين شر المبطلين فضلا من الله تعالى على أهل الدنيا لأن المتولي لذلك الدفع إذا كان هو العبد من قبل نفسه وباختياره ولم يكن لله تعالى { ولاكن الله ذو فضل على العالمين } عقيب قوله : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } يدل على أنه تعالى ذو فضل على العالمين بسبب ذلك الدفع ، فدل هذا على أن ذلك الدفع الذي هو فعلهم هو من خلق الله تعالى ومن تقديره . فإن قالوا : يحمل هذا على البيان والإرشاد والأمر . قلنا : كل ذلك قائم في حق الكفار والفجار ولم يحصل منه الدفع ، فعلمنا أن فضل الله ونعمته علينا إنما كان بسبب نفس ذلك الدفع وذلك يوجب قولنا والله أعلم . ! 7 < { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين } . > 7 ! < < البقرة : ( 252 ) تلك آيات الله . . . . . > > اعلم أن قوله : { تلك } إشارة إلى القصص التي ذكرها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت ، وإظهار الآية التي هي نزول التابوت من السماء ، وغلب الجبابرة على يد داود وهو صبي فقير ، ولا شك أن هذه الأحوال آيات باهرة دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته .

حصہ V06/P163–V06/P164

فإن قيل : لم قال : { تلك } ولم يقل : ( هذه ) مع أن تلك يشار بها إلى غائب لا إلى حاضر ؟ . قلنا : قد بينا في تفسير قوله : { ذالك الكتاب لا ريب فيه } ( البقرة : 2 ) أن تلك وذلك يرجع إلى معنى هذه وهذا ، وأيضا فهذه القصص لما ذكرت صارت بعد ذكرها كالشيء الذي انقضى ومضى ، فكانت في حكم الغائب فلهذا التأويل قال : { تلك } . أما قوله تعالى : { نتلوها } يعني يتلوها جبريل عليه السلام عليك لكنه تعالى جعل تلاوة جبريل عليه السلام تلاوة لنفسه ، وهذا تشريف عظيم لجبريل عليه السلام ، وهو كقوله : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ( الفتح : 10 ) . أما قوله : { بالحق } ففيه وجوه أحدها : أن المراد من ذكر هذه القصص أن يعتبر بها محمد صلى الله عليه وسلم ، وتعتبر بها أمته في احتمال الشدائد في الجهاد ، كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة وثانيها : { بالحق } أي باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب ، لأنه في كتبهم ، كذلك من غير تفاوت أصلا وثالثها : إنا أنزلنا هذه الآيات على وجه تكون دالة في نبوتك بسبب ما فيها من الفصاحة والبلاغة ورابعها : { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } أي يجب أن يعلم أن نزول هذه الآيات عليك من قبل الله تعالى ، وليس بسبب إلقاء الشياطين ، ولا بسبب تحريف الكهنة والسحرة . ثم قال : { وإنك لمن المرسلين } وإنما ذكر هذا عقيب ما تقدم لوجوه أحدها : أنك أخبرت عن هذه الأقاصيص من غير تعلم ولا دراسة ، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام إنما ذكرها وعرفها بسبب الوحي من الله تعالى وثانيها : أنك قد عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء عليهم السلام في بني إسرائيل من الخوف عليهم والرد لقولهم ، فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك ، وخلاف من خالف عليك ، لأنك مثلهم ، وإنما بعث الكل لتأدية الرسالة ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والتطوع ، لا على سبيل الإكراه ، فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم والوبال في ذلك يرجع عليهم فيكون تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم فيما يظهر من الكفار والمنافقين ، ويكون قوله : { وإنك لمن المرسلين } كالتنبيه على ذلك . ! 7 < { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وءاتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات ولاكن اختلفوا فمنهم من ءامن ومنهم من كفر ولو شآء الله ما اقتتلوا ولاكن الله يفعل ما يريد } . > 7 < البقرة : ( 253 ) تلك الرسل فضلنا . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : { تلك } ابتداء ، وإنما قال : { تلك } ولم يقل أولئك الرسل ، لأنه ذهب إلى الجماعة ، كأنه قيل : تلك الجماعة الرسل بالرفع ، لأنه صفة لتلك وخبر الابتداء { فضلنا بعضهم على بعض } . المسألة الثانية : في قوله : { تلك الرسل } أقوال أحدها : أن المراد منه : من تقدم ذكرهم من الأنبياء عليهم السلام في القرآن ، كإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب وموسى وغيرهم صلوات الله عليهم والثاني : أن المراد منه من تقدم ذكرهم في هذه الآية كأشمويل وداود وطالوت على قول من يجعله نبيا والثالث : وهو قول الأصم : تلك الرسل الذين أرسلهم الله لدفع الفساد ، الذين إليهم الإشارة بقوله تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض } ( البقرة : 251 ) .

حصہ V06/P164–V06/P165

المسألة الثالثة : وجه تعليق هذه الآية بما قبلها ما ذكره أبو مسلم وهو أنه تعالى أنبأ محمدا صلى الله عليه وسلم من أخبار المتقدمين مع قومهم ، كسؤال قوم موسى { أرنا الله جهرة } ( النساء : 153 ) وقولهم : { اجعل لنا إلاها كما لهم ءالهة } ( الأعراف : 138 ) وكقوم عيسى بعد أن شاهدوا منه إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله فكذبوه وراموا قتله ، ثم أقام فريق على الكفر به وهم اليهود ، وفريق زعموا أنهم أولياؤه وادعت على اليهود من قتله وصلبه ما كذبهم الله تعالى فيه كالملأ من بني إسرائيل حسدوا طالوت ودفعوا ملكه بعد المسألة ، وكذلك ما جرى من أمر النهر ، فعزى الله رسوله عما / رأى من قومه من التكذيب والحسد ، فقال : هؤلاء الرسل الذين كلم الله تعالى بعضهم ، ورفع الباقين درجات وأيد عيسى بروح القدس ، قد نالهم من قومهم ما ذكرناه بعد مشاهدة المعجزات ، وأنت رسول مثلهم فلا تحزن على ما ترى من قومك ، فلو شاء الله لم تختلفوا أنتم وأولئك ، ولكن ما قضى الله فهو كائن ، وما قدره فهو واقع وبالجملة فالمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على إيذاء قومه له . المسألة الرابعة : أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض ، وعلى أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من الكل ، ويدل عليه وجوه أحدها : قوله تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين . الحجة الثانية : قوله تعالى : { ورفعنا لك ذكرك } فقيل فيه لأنه قرن ذكر محمد بذكره في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد ولم يكن ذكر سائر الأنبياء كذلك . الحجة الثالثة : أنه تعالى قرن طاعته بطاعته ، فقال : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } ( النساء : 80 ) وبيعته ببيعته فقال : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعونك الله يد الله فوق أيديهم } ( الفتح : 10 ) وعزته بعزته فقال : { ولله العزة ولرسوله } ( المنافقون : 8 ) ورضاه برضاه فقال : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } ( التوبة : 62 ) وإجابته بإجابته فقال : { معرضون يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول } ( الأنفال : 24 ) . الحجة الرابعة : أن الله تعالى أمر محمدا بأن يتحدى بكل سورة من القرآن فقال : { فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) وأقصر السور سورة الكوثر وهي ثلاث آيات ، وكان الله تحداهم بكل ثلاث آيات من القرآن ، ولما كان كل القرآن ستة آلاف آية ، وكذا آية ، لزم أن لا يكون معجز القرآن معجزا واحدا بل يكون ألفي معجزة وأزيد . وإذا ثبت هذا فنقول : إن الله سبحانه ذكر تشريف موسى بتسع آيات بينات ، فلأن يحصل التشريف لمحمد بهذه الآيات الكثيرة كان أولى . الحجة الخامسة : أن معجزة رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من معجزات سائر الأنبياء فوجب أن يكون رسولنا أفضل من سائر الأنبياء . بيان الأول قوله عليه السلام : ( القرآن في الكلام كآدم في الموجودات ) . بيان الثاني أن الخلعة كلما كانت أشرف كان صاحبها أكرم عند الملك . الحجة السادسة : أن معجزته عليه السلام هي القرآن وهي من جنس الحروف والأصوات وهي أعراض غير باقية وسائر معجزات سائر الأنبياء من جنس الأمور الباقية ثم إنه سبحانه جعل معجزة محمد صلى الله عليه وسلم باقية إلى آخر الدهر ، ومعجزات سائر الأنبياء فانية منقضية .

حصہ V06/P165–V06/P166

الحجة السابعة : أنه تعالى بعد ما حكى أحوال الأنبياء عليهم السلام قال : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) فأمر محمدا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بمن قبله ، فإما أن يقال : إنه كان مأمورا بالاقتداء بهم في أصول الدين وهو غير جائز لأنه تقليد ، أو في فروع الدين وهو غير جائز ، لأن شرعه نسخ سائر الشرائع ، فلم يبق إلا أن يكون المراد محاسن الأخلاق ، فكأنه سبحانه قال : إنا أطلعناك على أحوالهم وسيرهم ، فاختر أنت منها أجودها وأحسنها وكن مقتديا بهم في كلها ، وهذا يقتضي أنه اجتمع فيه من الخصال المرضية ما كان متفرقا فيهم ، فوجب أن يكون أفضل منهم . الحجة الثامنة : أنه عليه السلام بعث إلى كل الخلق وذلك يقتضي أن تكون مشقته أكثر ، فوجب أن يكون أفضل ، أما إنه بعث إلى كل الخلق فلقوله تعالى : { وما أرسلناك إلا كافة للناس } ( سبأ : 28 ) وأما أن ذلك يقتضي أن تكون مشتقه أكثر فلأنه كان إنسانا فردا من غير مال ولا أعوان وأنصار ، فإذا قال لجميع العالمين : يا أيها الكافرون صار الكل أعداء له ، وحينئذ يصير خائفا من الكل ، فكانت المشقة عظيمة ، وكذلك فإن موسى عليه السلام لما بعث إلى بني إسرائيل فهو ما كان يخاف أحدا إلا من فرعون وقومه ، وأما محمد عليه السلام فالكل كانوا أعداء له ، يبين ذلك أن إنسانا لو قيل له : هذا البلد الخالي عن الصديق والرفيق فيه رجل واحد ذو قوة وسلاح فاذهب إليه اليوم وحيدا وبلغ إليه خبرا يوحشه ويؤذيه ، فإنه قلما سمحت نفسه بذلك ، مع أنه إنسان واحد ، ولو قيل له : اذهب إلى بادية بعيدة ليس فيها أنس ولا صديق ، وبلغ إلى صاحب البادية كذا وكذا من الأخبار الموحشة لشق ذلك على الإنسان ، أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان مأمورا بأن يذهب طول ليله ونهاره في كل عمره إلى الجن والإنس الذين لا عهد له بهم ، بل المعتاد منهم أنهم يعادونه ويؤذونه ويستخفونه ، ثم إنه عليه السلام لم يمل من هذه الحالة ولم يتلكأ ، بل سارع إليها سامعا مطيعا ، فهذا يقتضي أنه تحمل في إظهار دين الله أعظم المشاق ، ولهذا قال تعالى : { لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } ( الحديد : 10 ) ومعلوم أن ذلك البلاء كان على الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا عظم فضل الصحابة بسبب تلك الشدة فما ظنك بالرسول ، وإذا ثبت أن مشقته أعظم من مشقة غيره وجب أن يكون فضله أكثر من فضل غيره لقوله عليه السلام : ( أفضل العبادات أحمزها ) . الحجة التاسعة : أن دين محمد عليه السلام أفضل الأديان ، فيلزم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء ، بيان الأول أنه تعالى جعل الإسلام ناسخا لسائر الأديان ، والناسخ يجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام : ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) فلما كان هذا الدين أفضل وأكثر ثوابا ، كان واضعه أكثر ثوابا من واضعي سائر الأديان ، فيلزم أن يكون محمد عليه السلام أفضل من سائر الأنبياء .

حصہ V06/P166–V06/P167

الحجة العاشرة : أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم ، فوجب أن يكون محمد أفضل الأنبياء ، بيان الأول قوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ( آل عمران : 110 ) بيان الثاني أن هذه الأمة إنما / نالت هذه الفضيلة لمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله } ( آل عمران : 31 ) وفضيلة التابع توجب فضيلة المتبوع ، وأيضا أن محمدا صلى الله عليه وسلم أكثر ثوابا لأنه مبعوث إلى الجن والإنس ، فوجب أن يكون ثوابه أكثر ، لأن لكثرة المستجيبين أثرا في علو شأن المتبوع . الحجة الحادية عشر : أنه عليه السلام خاتم الرسل ، فوجب أن يكون أفضل ، لأن نسخ الفاضل بالمفضول قبيح في المعقول . الحجة الثانية عشرة : أن تفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون لأمور منها : كثرة المعجزات التي هي دالة على صدقهم وموجبة لتشريفهم ، وقد حصل في حق نبينا عليه السلام ما يفضل على ثلاثة آلاف ، وهي بالجملة على أقسام ، منها ما يتعلق بالقدرة ، كإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ، وإروائهم من الماء القليل ، ومنها ما يتعلق لعلوم كالإخبار عن الغيوب ، وفصاحة القرآن ، ومنها اختصاصه في ذاته بالفضائل ، نحو كونه أشرف نسبا من أشراف العرب ، وأيضا كان في غاية الشجاعة ، كما روي أنه قال بعد محاربة علي رضي الله عنه لعمرو بن ود : كيف وجدت نفسك يا علي ، قال : وجدتها لو كان كل أهل المدينة في جانب وأنا في جانب لقدرت عليهم فقال : تأهب فإنه يخرج من هذا الوادي فتى يقاتلك ، الحديث إلى آخره وهو مشهور ، ومنها في خلقه وحلمه ووفائه وفصاحته وسخائه ، وكتب الحديث ناطقة بتفصيل هذه الأبواب . الحجة الثالثة عشرة : قوله عليه السلام : ( آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيام ) وذلك يدل على أنه أفضل من آدم ومن كل أولاده ، وقال عليه السلام : ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) وقال عليه السلام : ( لا يدخل الجنة أحد من النبيين حتى أدخلها أنا ، ولا يدخلها أحد من الأمم حتى تدخلها أمتي ) وروى أنس قال صلى الله عليه وسلم : ( أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا ، وأنا خطيبهم إذا وفدوا ، وأنا مبشرهم إذا أيسوا ، لواء الحمد بيدي ، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر ) وعن ابن عباس قال : جلس ناس من الصحابة يتذاكرون فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثهم فقال بعضهم : عجبا إن الله اتخذ إبراهيم خليلا ، وقال آخر : ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليما ، وقال آخر : فعيسى كلمة الله وروحه ، وقال آخر : آدم اصطفاه الله فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : قد سمعت كلامكم وحجتكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك ، وموسى نجى الله وهو كذلك ، وعيسى روح الله وهو كذلك ، وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك ، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر / وأنا أول شافع وأنا أول مشفع يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر . / الحجة الرابعة عشرة : روى البيهقي في ( فضائل الصحابة ) أنه ظهر علي بن أبي طالب من بعيد فقال عليه السلام : هذا سيد العرب فقالت عائشة : ألست أنت سيد العرب ؟ فقال أنا أسيد العالمين وهو سيد العرب ، وهذا يدل على أنه أفضل الأنبياء عليهم السلام .

حصہ V06/P167–V06/P168

الحجة الخامسة عشرة : روى مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر ، بعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبي قبلي يبعث إلى قومه ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، ونصرت بالرعب أمامي مسيرة شهر ، وأحلت لي الغنائم ولم تكن لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي ، فهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئا ) وجه الاستدلال أنه صريح في أن الله فضله بهذه الفضائل على غيره . الحجة السادسة عشرة : قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي في تقرير هذا المعنى : إن كل أمير فإنه تكون مؤنته على قدر رعيته ، فالأمير الذي تكون أمارته على قرية تكون مؤنته بقدر تلك القرية ، ومن ملك الشرق والغرب احتاج إلى أموال وذخائر أكثر من أموال أمير تلك القرية فكذلك كل رسول بعث إلى قومه فأعطي من كنوز التوحيد وجواهر المعرفة على قدر ما حمل من الرسالة ، فالمرسل إلى قومه في طرف مخصوص من الأرض إنما يعطي من هذه الكنوز الروحانية بقدر ذلك الموضع ، والمرسل إلى كل أهل الشرق والغرب إنسهم وجنهم لا بد وأن يعطي من المعرفة بقدر ما يمكنه أن يقوم بسعيه بأمور أهل الشرق والغرب ، وإذا كان كذلك كانت نسبة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى نبوة سائر الأنبياء كنسبة كل المشارق والمغارب إلى ملك بعض البلاد المخصوصة ، ولما كان كذلك لا جرم أعطي من كنوز الحكمة والعلم ما لم يعط أحد قبله ، فلا جرم بلغ في العلم إلى الحد الذي لم يبلغه أحد من البشر قال تعالى في حقه : { فأوحى إلى عبده ما أوحى } ( النجم : 10 ) وفي الفصاحة إلى أن قال : ( أوتيت جوامع الكلم ) وصار كتابه مهيمنا على الكتب وصارت أمته خير الأمم . الحجة السابعة عشرة : روى محمد بن الحكيم الترمذي رحمه الله في كتاب ( النوادر ) : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله اتخذ إبراهيم خليلا ، وموسى نجيا ، واتخذني حبيبا ، ثم قال وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي ) . الحجة الثامنة عشرة : في ( الصحيحين ) عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البنيان فيقولون : ألا وضعت ههنا لبنة فيتم بناؤك ؟ فقال محمد : كنت أنا تلك اللبنة ) . الحجة التاسعة عشرة : أن الله تعالى كلما نادى نبيا في القرآن ناداه باسمه { أجمعين ويئادم اسكن } ( البقرة : 35 ) ، / { وناديناه أن ياإبراهيم إبراهيم } ( الصافات : 104 ) ، { حديث موسى إنى أنا ربك } ( طه: 10 ، 11 ) وأما النبي عليه السلام فإنه ناداه بقوله : { منتظرون ياأيها النبى } ، { الله وأطيعوا الرسول } وذلك يفيد الفضل . واحتج المخالف بوجوه الأول : أن معجزات الأنبياء كانت أعظم من معجزاته ، فإن آدم عليه السلام كان مسجودا للملائكة ، وما كان محمد عليه السلام كذلك ، وإن إبراهيم عليه السلام ألقى في النيران العظيمة فانقلبت روحا وريحانا عليه / وأن موسى عليه السلام أوتي تلك المعجزات العظيمة ، ومحمد ما كان له مثلها ، وداود لأن له الحديد في يده ، وسليمان كان الجن والإنس والطير والوحش والرياح مسخرين له ، وما كان ذلك حاصلا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وعيسى أنطقه الله في الطفولية وأقدره على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وما كان ذلك حاصلا لمحمد صلى الله عليه وسلم .

سوالات