İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
قال ابن جرير في تفسير قوله: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهلين ويحملك على مجازاتهم {فاستعذ بالله} يقول: فاستجر بالله من نزغه {سميع عليم} يقول: إن الله الذي تستعيذ به من نزغ الشيطان سميع لجهل الجاهل عليك، والاستعاذة به من نزغه، ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيء، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان، وغير ذلك من أمور خلقه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رب، كيف بالغضب؟ " فأنزل الله: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} قلت: وقد تقدم في أول الاستعاذة حديث الرجلين اللذين تسابا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمزع غضبا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". فقيل له، فقال: ما بي من جنون وأصل "النزغ": الفساد، إما بالغضب أو غيره، قال الله تعالى: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم} [الإسراء:53] و"العياذ": الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشر، وأما "الملاذ" ففي طلب الخير، كما قال أبو الطيب [الحسن بن هانئ] المتنبي: يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ولا يهيضون عظما أنت جابره وقد قدمنا أحاديث الاستعاذة في أول التفسير، بما أغنى عن إعادته هاهنا. {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون } يخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه زجر، أنهم {إذا مسهم} أي: أصابهم "طيف" وقرأ آخرون: "طائف"، وقد جاء فيه حديث، وهما قراءتان مشهورتان، فقيل: بمعنى واحد. وقيل: بينهما فرق، ومنهم من فسر ذلك بالغضب، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسره بالهم بالذنب، ومنهم من فسره بإصابة الذنب. وقوله: {تذكروا} أي: عقاب الله وجزيل ثوابه، ووعده ووعيده، فتابوا وأنابوا، واستعاذوا بالله ورجعوا إليه من قريب. {فإذا هم مبصرون} أي: قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه. وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها طيف فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يشفيني. فقال: "إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك". فقالت: بل أصبر، ولا حساب علي. ورواه غير واحد من أهل السنن، وعندهم: قالت يا رسول الله، إني أصرع وأتكشف، فادع الله أن يشفيني. فقال إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة؟ " فقالت: بل أصبر، ولي الجنة، ولكن ادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها، فكانت لا تتكشف. وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة "عمرو بن جامع" من تاريخه: أن شابا كان يتعبد في المسجد، فهويته امرأة، فدعته إلى نفسها، وما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه الآية: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} فخر مغشيا عليه، ثم أفاق فأعادها، فمات. فجاء عمر فعزى فيه أباه وكان قد دفن ليلا فذهب فصلى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر فقال: يا فتى {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن:46] وأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر، قد أعطانيهما ربي، عز وجل، في الجنة مرتين وقوله: {وإخوانهم} أ: ي وإخوان الشياطين من الإنس، كقوله: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} [الإسراء:27] وهم أتباعهم والمستمعون لهم القابلون لأوامرهم {يمدونهم في الغي} أي: تساعدهم الشياطين على [فعل] المعاصي، وتسهلها عليهم وتحسنها لهم. وقال ابن كثير: المد: الزيادة. يعني: يزيدونهم في الغي، يعني: الجهل والسفه.
{ثم لا يقصرون} قيل: معناه إن الشياطين تمد، والإنس لا تقصر في أعمالهم بذلك. كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} قال: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم. قيل: معناه كما رواه العوفي، عن ابن عباس في قوله: {يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} قال: هم الجن، يوحون إلى أوليائهم من الإنس {ثم لا يقصرون} يقول: لا يسأمون. وكذا قال السدي وغيره: يعني إن الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس ولا تسأم من إمدادهم في الشر؛ لأن ذلك طبيعة لهم وسجية، لا تفتر فيه ولا تبطل عنه، كما قال تعالى: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} [مريم:83] قال ابن عباس وغيره: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا. {وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {قالوا لولا اجتبيتها} يقول: لولا تلقيتها. وقال مرة أخرى: لولا أحدثتها فأنشأتها. وقال ابن جرير عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد في قوله [تعالى] {وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها} قال: لولا اقتضيتها، قالوا: تخرجها عن نفسك. وكذا قال قتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير. وقال العوفي، عن ابن عباس [رضي الله عنه] {لولا اجتبيتها} يقول: تلقيتها من الله، عز وجل وقال الضحاك: {لولا اجتبيتها} يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء. ومعنى قوله تعالى: {وإذا لم تأتهم بآية} أي: معجزة، وخارق، كما قال تعالى: {إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين} [الشعراء:4] يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: ألا تجهد نفسك في طلب الآيات [من الله] حتى نراها ونؤمن بها، قال الله تعالى له: {قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي} أي: أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء، وإنما أتبع ما أمرني به فأمتثل ما يوحيه إلي، فإن بعث آية قبلتها، وإن منعها لم أسأله ابتداء إياها؛ إلا أن يأذن لي في ذلك، فإنه حكيم عليم. ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات، وأبين الدلالات، وأصدق الحجج والبينات، فقال: {هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظاما له واحتراما، لا كما كان يعتمده كفار قريش المشركون في قولهم: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه [لعلكم تغلبون] } [فصلت:26] ولكن يتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة كما ورد الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، من حديث أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" وكذلك رواه أهل السنن من حديث أبي هريرة وصححه مسلم بن الحجاج أيضا، ولم يخرجه في كتابه وقال إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له [وأنصتوا] } والآية الأخرى، أمروا بالإنصات وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، قال ابن مسعود: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة: سلام على فلان، وسلام على فلان، فجاء القرآن {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} وقال أيضا: حدثنا أبو كريب، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن بشير بن جابر قال: صلى ابن مسعود، فسمع ناسا يقرءون مع الإمام، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا؟ أما آن لكم أن تعقلوا؟ {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} كما أمركم الله
قال: وحدثني أبو السائب، حدثنا حفص، عن أشعث، عن الزهري قال: نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما قرأ شيئا قرأه، فنزلت: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن، من حديث الزهري، عن أبي أكيمضة الليثي، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: "هل قرأ أحد منكم معي آنفا؟ " قال رجل: نعم يا رسول الله. قال إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ " قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". وصححه أبو حاتم الرازي. وقال عبد الله بن المبارك، عن يونس عن الزهري قال: لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يسمعهم صوته، ولكنهم يقرءون فيما لا يجهر به سرا في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرا ولا علانية، فإن الله تعالى قال: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} قلت: هذا مذهب طائفة من العلماء: أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر فيه الإمام لا الفاتحة ولا غيرها، وهو أحد قولي الشافعي، وهو القديم كمذهب مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل، لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة. وقال في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: لا يجب على المأموم قراءة أصلا في السرية ولا الجهرية، لما ورد في الحديث: "من كان له إمام فقراءته له قراءة". وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر مرفوعا، وهو في موطأ مالك عن وهب بن كيسان، عن جابر موقوفا، وهذا أصح. وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع وقد أفرد لها الإمام أبو عبد الله البخاري مصنفا على حدة واختار وجوب القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية أيضا، والله أعلم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} يعني: في الصلاة المفروضة. وكذا روي عن عبد الله بن المغفل. وقال ابن جرير: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا الجريري، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان، والقاص يقص، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما. قال: فأعدت فنظرا إلي، وأقبلا على حديثهما. قال: فأعدت الثالثة، قال: فنظرا إلي فقالا إنما ذلك في الصلاة: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} وقال سفيان الثوري، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير، عن مجاهد في قوله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} قال: في الصلاة. وكذا رواه غير واحد عن مجاهد. وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم. وكذا قال سعيد بن جبير، والضحاك، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والشعبي، والسدي، وعبد الرحمن ابن زيد بن أسلم: أن المراد بذلك في الصلاة. وقال شعبة، عن منصور، سمعت إبراهيم بن أبي حرة يحدث أنه سمع مجاهدا يقول في هذه الآية: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة. وكذا روى ابن جريج عن عطاء، مثله. وقال هشيم، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: في الصلاة وعند الذكر. وقال ابن المبارك، عن بقية: سمعت ثابت بن عجلان يقول: سمعت سعيد بن جبير يقول في قوله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} قال: الإنصات يوم الأضحى، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة.
وهذا اختيار ابن جرير أن المراد بذلك [الإنصات في الصلاة وفي الخطبة؛ لما جاء في الأحاديث من الأمر بالإنصات] خلف الإمام وحال الخطبة. وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد أنه كره إذا مر الإمام بآية خوف أو بآية رحمة أن يقول أحد من خلفه شيئا، قال: السكوت. وقال مبارك بن فضالة، عن الحسن: إذا جلست إلى القرآن، فأنصت له. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن ميسرة، عن الحسن، عن أبي هريرة، رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من استمع إلى آية من كتاب الله، كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة". تفرد به أحمد رحمه الله. {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون } يأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره، كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} [ق:39] وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، وهذه الآية مكية. وقال هاهنا بالغدو -وهو أوائل النهار: {والآصال} جمع أصيل، كما أن الأيمان جمع يمين. وأما قوله: {تضرعا وخيفة} أي: اذكر ربك في نفسك رهبة ورغبة، وبالقول لا جهرا؛ ولهذا قال: {ودون الجهر من القول} وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداء و [لا] جهرا بليغا؛ ولهذا لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة:186] وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا؛ إن الذي تدعونه سميع قريب" وقد يكون المراد من هذه الآية كما في قوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} [الإسراء:110] فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبوه، وسبوا من أنزله، و [سبوا] من جاء به؛ فأمره الله تعالى ألا يجهر به، لئلا ينال منه المشركون، ولا يخافت به عن أصحابه فلا يسمعهم، وليتخذ سبيلا بين الجهر والإسرار. وكذا قال في هذه الآية الكريمة: {ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين} وقد زعم ابن جرير وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم قبله: أن المراد بهذه الآية: أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة. وهذا بعيد مناف للإنصات المأمور به، ثم المراد بذلك في الصلاة، كما تقدم، أو الصلاة والخطبة، ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان، سواء كان سرا أو جهرا، فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه، بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال، لئلا يكونوا من الغافلين؛ ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فقال: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته [ويسبحونه وله يسجدون] } وإنما ذكرهم بهذا ليتشبه بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم؛ ولهذا شرع لنا السجود هاهنا لما ذكر سجودهم لله، عز وجل، كما جاء في الحديث: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها، يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف" وهذه أول سجدة في القرآن، مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع. وقد ورد في حديث رواه ابن ماجه، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عدها في سجدات القرآن آخر [تفسير] سورة الأعراف، ولله الحمد والمنة. تفسير سورة الأنفال وهي مدنية آياتها سبعون وست آيات كلماتها ألف كلمة، وستمائة كلمة، وإحدى وثلاثون كلمة، حروفها خمسة آلاف ومائتان، وأربعة وتسعون حرفا، والله أعلم. بسم الله الرحمن الرحيم {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين }
قال البخاري: قال ابن عباس الأنفال: الغنائم: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: سورة الأنفال؟ قال نزلت في بدر. أما ما علقه عن ابن عباس، فكذلك رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال: "الأنفال": الغنائم، كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة، ليس لأحد منها شيء. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، وقتادة، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد إنها الغنائم وقال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال: الأنفال: الغنائم، قال فيها لبيد: إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي وعجل وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن "الأنفال"، فقال ابن عباس، رضي الله عنهما: الفرس من النفل، والسلب من النفل. ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضا. ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا، مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إذا سئل عن شيء قال: لا آمرك ولا أنهاك. ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلا زاجرا آمرا محلا محرما. قال القاسم: فسلط على ابن عباس رجل يسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان الرجل ينفل فرس الرجل وسلاحه. فأعاد عليه الرجل، فقال له مثل ذلك، ثم أعاد عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب، حتى سالت الدماء على عقبيه -أو على: رجليه فقال الرجل: أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس: أنه فسر النفل بما ينفله الإمام لبعض الأشخاص من سلب أو نحوه، بعد قسم أصل المغنم، وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفل، والله أعلم. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمس بعد الأربعة الأخماس، فنزلت: {يسألونك عن الأنفال} وقال ابن مسعود ومسروق: لا نفل يوم الزحف، إنما النفل قبل التقاء الصفوف. رواه ابن أبي حاتم عنهما. وقال ابن المبارك وغير واحد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح: {يسألونك عن الأنفال} قال: يسألونك فيما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من دابة أو عبد أو أمة أو متاع، فهو نفل للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما يشاء. وهذا يقتضي أنه فسر الأنفال بالفيء، وهو ما أخذ من الكفار من غير قتال. وقال ابن جرير: وقال آخرون: هي أنفال السرايا، حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا علي بن صالح بن حيي قال: بلغني في قوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال} قال: السرايا. ويعني هذا: ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش، وقد صرح بذلك الشعبي، واختار ابن جرير أنها الزيادات على القسم، ويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية، وهو ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن عبد الله الثقفي، عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر، وقتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى "ذا الكتيفة"، فأتيت به نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "اذهب فاطرحه في القبض". قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي. قال: فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذهب فخذ سيفك"
وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن مالك قال: قال: يا رسول الله، قد شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف. فقال: "إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه" قال: فوضعته، ثم رجعت، قلت: عسى أن يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلي بلائي! قال: رجل يدعوني من ورائي، قال: قلت: قد أنزل الله في شيئا؟ قال: "كنت سألتني السيف، وليس هو لي وإنه قد وهب لي، فهو لك" قال: وأنزل الله هذه الآية: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق، عن أبي [بكر] بن عياش، به وقال الترمذي: حسن صحيح. وهكذا رواه أبو داود الطيالسي: أخبرنا شعبة، أخبرنا سماك بن حرب، قال: سمعت مصعب بن سعد، يحدث عن سعد قال: نزلت في أربع آيات: أصبت سيفا يوم بدر، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: نفلنيه. فقال: "ضعه من حيث أخذته" مرتين، ثم عاودته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ضعه من حيث أخذته"، فنزلت هذه الآية: "يسألونك عن الأنفال: وتمام الحديث في نزول: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} [العنكبوت: 8] وقوله تعالى: {إنما الخمر والميسر} [المائدة: 90] وآية الوصية. وقد رواه مسلم في صحيحه، من حديث شعبة، به وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف ابن عائذ يوم بدر، وكان السيف يدعى بالمرزبان، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفل، أقبلت به فألقيته في النفل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع شيئا يسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فسأله رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فأعطاه إياه ورواه ابن جرير من وجه آخر. [سبب آخر في نزول الآية] : وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال، فقال: فينا -أصحاب بدر- نزلت، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء -يقول: عن سواء وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا معاوية بن عمرو، أخبرنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس، فهزم الله [تعالى] العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه. وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها، فليس لأحد فيها نصيب. وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن منعنا عنها العدو وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: لستم بأحق منا، نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وخفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به، فنزلت: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين -وكان رسول الله إذا غار في أرض العدو نفل الربع، فإذا أقبل وكل الناس راجعا، نفل الثلث، وكان يكره الأنفال ويقول: "ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم". ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث به نحوه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن بن الحارث وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وروى أبو داود والنسائي، وابن جرير، وابن مردويه -واللفظ له -وابن حبان، والحاكم من طرق، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا، فتسارع في ذلك شبان الرجال، وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم، جاءوا يطلبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا ردءا لكم، لو انكشفتم لفئتم إلينا. فتنازعوا فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الأنفال} إلى قوله: {وأطيعواالله ورسوله إن كنتم مؤمنين} وقال الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أتى بأسير فله كذا وكذا". فجاء أبو اليسر بأسيرين، فقال: يا رسول الله، وعدتنا، فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر، ولا جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك، نخاف أن يأتوك من ورائك، فتشاجروا، ونزل القرآن: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} قال: ونزل القرآن: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه [وللرسول] } إلى آخر الآية [الأنفال: 41] وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، رحمه الله، في كتاب "الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها": أما الأنفال: فهي المغانم، وكل نيل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب، فكانت الأنفال الأولى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} فقسمها يوم بدر على ما أراده الله من غير أن يخمسها على ما ذكرناه في حديث سعد، ثم نزلت بعد ذلك آية الخمس، فنسخت الأولى قلت: هكذا روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، سواء. وبه قال مجاهد، وعكرمة والسدي. وقال ابن زيد: ليست منسوخة، بل هي محكمة. قال أبو عبيد: وفي ذلك آثار، والأنفال أصلها جمع الغنائم، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب، وجرت به السنة. ومعنى الأنفال في كلام العرب: كل إحسان فعله فاعل تفضلا من غير أن يجب ذلك عليه، فذلك النفل الذي أحله الله للمؤمنين من أموال عدوهم وإنما هو شيء خصه الله به تطولا منه عليهم بعد أن كانت المغانم محرمة على الأمم قبلهم، فنفلها الله هذه الأمة فهذا أصل النفل. قلت: شاهد هذا في الصحيحين عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي" فذكر الحديث، إلى أن قال: "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي"، وذكر تمام الحديث ثم قال أبو عبيد: ولهذا سمي ما جعل الإمام للمقاتلة نفلا وهو تفضيله بعض الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم، يفعل ذلك بهم على قدر الغناء عن الإسلام والنكاية في العدو. وفي النفل الذي ينفله الإمام سنن أربع، لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى: فإحداهن: في النفل لا خمس فيه، وذلك السلب. والثانية: في النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس، وهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب، فتأتي بالغنائم فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث بعد الخمس. والثالثة: في النفل من الخمس نفسه، وهو أن تحاز الغنيمة كلها، ثم تخمس، فإذا صار الخمس في يدي الإمام نفل منه على قدر ما يرى. والرابعة: في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء، وهو أن يعطى الأدلاء ورعاة الماشية والسواق لها، وفي كل ذلك اختلاف. قال الربيع: قال الشافعي: الأنفال: ألا يخرج من رأس الغنيمة قبل الخمس شيء غير السلب.
قال أبو عبيد: والوجه الثاني من النفل هو شيء زيدوه غير الذي كان لهم، وذلك من خمس النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن له خمس الخمس من كل غنيمة، فينبغي للإمام أن يجتهد، فإذا كثر العدو واشتدت شوكتهم، وقل من بإزائه من المسلمين، نفل منه اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يكن ذلك لم ينفل. والوجه الثالث من النفل: إذا بعث الإمام سرية أو جيشا، فقال لهم قبل اللقاء: من غنم شيئا فله بعد الخمس، فذلك لهم على ما شرط الإمام؛ لأنهم على ذلك غزوا، وبه رضوا. انتهى كلامه وفيما تقدم من كلامه وهو قوله: "إن غنائم بدر لم تخمس"، نظر. ويرد عليه حديث علي بن أبي طالب في شارفيه اللذين حصلا له من الخمس يوم بدر، وقد بينت ذلك في كتاب السيرة بيانا شافيا ولله الحمد [والمنة] وقوله تعالى: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} أي: اتقوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا؛ فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه، {وأطيعوا الله ورسوله} أي: في قسمه بينكم على ما أراده الله، فإنه قسمه كما أمره الله من العدل والإنصاف. وقال ابن عباس: هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا [الله] ويصلحوا ذات بينهم. وكذا قال مجاهد. وقال السدي: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} أي: لا تستبوا. ونذكر هاهنا حديثا أورده الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، رحمه الله، في مسنده، فإنه قال: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا عبد الله بن بكر حدثنا عباد بن شيبة الحبطي عن سعيد بن أنس، عن أنس، رضي الله عنه، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ فقال: "رجلان جثيا من أمتي بين يدي رب العزة، تبارك وتعالى، فقال أحدهما: يا رب، خذ لي مظلمتي من أخي. قال الله تعالى: أعط أخاك مظلمتك. قال: يا رب، لم يبق من حسناتي شيء. قال: رب، فليحمل عني من أوزاري" قال: وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثم قال: "إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى من يتحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك فانظر في الجنان، فرفع رأسه فقال: يا رب، أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى الثمن. قال: يا رب، ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه. قال: ماذا يا رب؟ قال: تعفو عن أخيك. قال: يا رب، فإني قد عفوت عنه. قال الله تعالى: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة" {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} قال: المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} فأدوا فرائضه. {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} يقول: تصديقا {وعلى ربهم يتوكلون} يقول: لا يرجون غيره. وقال مجاهد: {وجلت قلوبهم} فرقت، أي: فزعت وخافت. وكذا قال السدي وغير واحد.
وهذه صفة المؤمن حق المؤمن، الذي إذا ذكر الله وجل قلبه، أي: خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره. كقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} [آل عمران: 135] وكقوله تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 40، 41] ولهذا قال سفيان الثوري: سمعت السدي يقول في قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} قال: هو الرجل يريد أن يظلم -أو قال: يهم بمعصية-فيقال له: اتق الله فيجل قلبه. وقال الثوري أيضا: عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء في قوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} قالت: الوجل في القلب إحراق السعفة، أما تجد له قشعريرة؟ قال: بلى. قالت لي: إذا وجدت ذلك فادع الله عند ذلك، فإن الدعاء يذهب ذلك. وقوله: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا [وعلى ربهم يتوكلون] } كقوله: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} [التوبة: 124] وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها، على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة، بل قد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من الأئمة، كالشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد، كما بينا ذلك مستقصى في أول الشرح البخاري، ولله الحمد والمنة. {وعلى ربهم يتوكلون} أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب؛ ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإيمان. وقوله {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} ينبه بذلك على أعمالهم، بعد ما ذكر اعتقادهم، وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، وهو إقامة الصلاة، وهو حق الله تعالى. وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها، وسجودها. وقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، هذا إقامتها. والإنفاق مما رزقهم الله يشمل خراج الزكاة، وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب، والخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه. قال قتادة في قوله {ومما رزقناهم ينفقون} فأنفقوا مما أعطاكم الله، فإنما هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم، أوشكت أن تفارقها. وقوله {أولئك هم المؤمنون حقا} أي: المتصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد السكسكي، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن أبي الجهم، عن الحارث بن مالك الأنصاري؛ أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "كيف أصبحت يا حارث؟ " قال: أصبحت مؤمنا حقا. قال: "انظر ماذا تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ " فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال: "يا حارث، عرفت فالزم" ثلاثا وقال عمرو بن مرة في قوله: {أولئك هم المؤمنون حقا} إنما أنزل القرآن بلسان العرب، كقولك: فلان سيد حقا، وفي القوم سادة، وفلان تاجر حقا، وفي القوم تجار، وفلان شاعر حقا، وفي القوم شعراء. وقوله: {لهم درجات عند ربهم} أي: منازل ومقامات ودرجات في الجنات، كما قال تعالى: {هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون} [آل عمران: 163] {ومغفرة} أي: يغفر لهم السيئات، ويشكر لهم الحسنات.
وقال الضحاك في قوله: {لهم درجات عند ربهم} أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل أنه فضل عليه أحد. ولهذا جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء"، قالوا يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا ينالها غيرهم؟ فقال: "بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد [و] أهل السنن من حديث عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الدرجات العلى كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما" {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } قال الإمام أبو جعفر الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه "الكاف" في قوله: {كما أخرجك ربك} فقال بعضهم: شبه به في الصلاح للمؤمنين، اتقاؤهم ربهم، وإصلاحهم ذات بينهم، وطاعتهم الله ورسوله. ثم روى عن عكرمة نحو هذا. ومعنى هذا أن الله تعالى يقول: كما أنكم لما اختلفتم في المغانم وتشاححتم فيها فانتزعها الله منكم، وجعلها إلى قسمه وقسم رسوله صلى الله عليه وسلم فقسمها على العدل والتسوية، فكان هذا هو المصلحة التامة لكم، وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة -وهم النفير النفير الذين خرجوا لنصر دينهم، وإحراز عيرهم -فكان عاقبة، كراهتكم للقتال -بأن قدره لكم، وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد -رشدا وهدى، ونصرا وفتحا، كما قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216] قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم كارهون للقتال، فهم يجادلونك فيه بعد ما تبين لهم، ثم روى نحوه عن مجاهد أنه قال: {كما أخرجك ربك} قال: كذلك يجادلونك في الحق. وقال السدي: أنزل الله في خروجه إلى بدر ومجادلتهم إياه فقال: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} لطلب المشركين {يجادلونك في الحق بعدما تبين} وقال بعضهم: يسألونك عن الأنفال مجادلة، كما جادلوك يوم بدر فقالوا: أخرجتنا للعير، ولم تعلمنا قتالا فنستعد له. قلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج من المدينة طالبا لعير أبي سفيان، التي بلغه خبرها أنها صادرة من الشام، فيها أموال جزيلة لقريش فاستنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين من خف منهم، فخرج في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وطلب نحو الساحل من على طريق بدر، وعلم أبو سفيان بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه، فبعث ضمضم بن عمرو نذيرا إلى مكة، فنهضوا في قريب من ألف مقنع، ما بين التسعمائة إلى الألف، وتيامن أبو سفيان بالعير إلى سيف البحر فنجا، وجاء النفير فوردوا ماء بدر، وجمع الله المسلمين والكافرين على غير ميعاد، لما يريد الله تعالى من إعلاء كلمة المسلمين ونصرهم على عدوهم، والتفرقة بين الحق والباطل، كما سيأتي بيانه. والغرض: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه خروج النفير، أوحى الله إليه يعده إحدى الطائفتين: إما العير وإما النفير، ورغب كثير من المسلمين إلى العير؛ لأنه كسب بلا قتال، كما قال تعالى: {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين}
قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة: إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله يغنمناها؟ " فقلنا: نعم، فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا: " ما ترون في قتال القوم؛ فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟ " فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو، ولكنا أردنا العير، ثم قال: " ما ترون في قتال القوم؟ " فقلنا مثل ذلك فقال المقداد بن عمرو: إذا لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] قال: فتمنينا -معشر الأنصار-أن لو قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم، قال: فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} وذكر تمام الحديث ورواه ابن أبي حاتم، من حديث ابن لهيعة، بنحوه. ورواه ابن مردويه أيضا من حديث محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، عن جده قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، حتى إذا كان بالروحاء، خطب الناس فقال: " كيف ترون؟ " فقال أبو بكر: يا رسول الله، بلغنا أنهم بمكان كذا وكذا. قال: ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون؟ " فقال عمر مثل قول أبي بكر. ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون؟ " فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله إيانا تريد؟ فو الذي أكرمك [بالحق] وأنزل عليك الكتاب، ما سلكتها قط ولا لي بها علم، ولئن سرت [بنا] حتى تأتي "برك الغماد" من ذي يمن لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما متبعون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر، وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك، فامض له، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن على قول سعد: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} الآيات. وقال العوفي، عن ابن عباس: لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم في لقاء العدو، وقال له سعد بن عبادة ما قال وذلك يوم بدر، أمر الناس فعبئوا للقتال، وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان، فأنزل الله: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} وقال مجاهد: يجادلونك في الحق: في القتال. وقال محمد بن إسحاق: {يجادلونك في الحق [بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون] } أي: كراهية للقاء المشركين، وإنكارا لمسير قريش حين ذكروا لهم. وقال السدي: {يجادلونك في الحق بعدما تبين} أي: بعد ما تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرك الله به. قال ابن جرير: وقال آخرون: عنى بذلك المشركين. حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: {يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} قال: هؤلاء المشركون، جادلوه في الحق {كأنما يساقون إلى الموت} حين يدعون إلى الإسلام {وهم ينظرون} قال: وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر. ثم قال ابن جرير: ولا معنى لما قاله؛ لأن الذي قبل قوله: {يجادلونك في الحق} خبر عن أهل الإيمان، والذي يتلوه خبر عنهم، والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق أنه خبر عن المؤمنين. وهذا الذي نصره ابن جرير هو الحق، وهو الذي يدل عليه سياق الكلام، والله أعلم..
وقال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا يحيى بن أبي بكير وعبد الرزاق قالا حدثنا إسرائيل، عن سمال، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء فناداه العباس بن عبد المطلب -قال عبد الرزاق: وهو أسير في وثاقه -ثم اتفقا: إنه لا يصلح لك، قال: ولم؟ قال: لأن الله عز وجل إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك إسناد جيد، ولم يخرجه ومعنى قوله تعالى {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} أي: يحبون أن الطائفة التي لا حد لها ولا منعة ولا قتال، تكون لهم وهي العير {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته} أي: هو يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال، ليظفركم بهم ويظهركم عليهم، ويظهر دينه، ويرفع كلمة الإسلام، ويجعله غالبا على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي دبركم بحسن تدبيره، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم، كما قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم [والله يعلم وأنتم لا تعلمون] [البقرة: 216] } وقال محمد بن إسحاق، رحمه الله: حدثني محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن عباس -كل قد حدثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر -قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم، وقال: "هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها" فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا، وكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفا على أمر الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان: أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى أهل مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى بلغ واديا يقال له "ذفران"، فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر، رضي الله عنه، فقال فأحسن، ثم قام عمر، رضي الله عنه، فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله به، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى "برك الغماد" -يعني مدينة الحبشة -لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشيروا علي أيها الناس" -وإنما يريد الأنصار -وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذممنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة، من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: "أجل" قال: فقال: فقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت. فوالذي بعثك بالحق، إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله [أن] يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: " سيروا على بركة الله وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم"
وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا، وكذلك قال السدي، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد من علماء السلف والخلف، اختصرنا أقوالهم اكتفاء بسياق محمد بن إسحاق. {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم } قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نوح قراد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: " اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدا"، قال: فما زال يستغيث ربه [عز وجل] ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرداه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا رسول الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله، عز وجل: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} فلما كان يومئذ والتقوا، فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا وأسر منهم سبعون رجلا واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر فقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان -قريب لعمر -فأضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان -أخيه -فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد -قال عمر-غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، [أخبرني] ما يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما! قال النبي صلى الله عليه وسلم: " للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، قد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة -لشجرة قريبة"، وأنزل الله [عز وجل] {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} إلى قوله: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم} [الأنفال: 67، 68] من الفداء، ثم أحل لهم الغنائم، فلما كان يوم أحد من العام المقبل، عوقبوا مما صنعوا يوم بدر، من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله [عز وجل] {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير} [آل عمران: 165] بأخذكم الفداء.. ورواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن جرير، وابن مردويه، من طرق عن عكرمة بن عمار، به. وصححه علي بن المديني والترمذي، وقالا لا يعرف إلا من حديث عكرمة بن عمار اليماني وهكذا روى علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس: أن هذه الآية الكريمة قوله: {إذ تستغيثون ربكم [فاستجاب لكم] } أنها في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وكذا قال يزيد بن يثيع، والسدي، وابن جريج.
وقال أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح قال: لما كان يوم بدر، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يناشد ربه أشد النشدة يدعو، فأتاه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، بعض نشدتك، فوالله ليفين الله لك بما وعدك وقال البخاري في "كتاب المغازي"، باب قول الله عز وجل: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} إلى قوله: {فإن الله شديد العقاب} حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به: أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا} [المائدة: 24] ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره -يعني قوله وحدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد"، فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك! فخرج وهو يقول: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} [القمر: 45] . ورواه النسائي عن بندار عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وقوله تعالى: {بألف من الملائكة مردفين} أي: يردف بعضهم بعضا، كما قال هارون بن عنترة عن ابن عباس: {مردفين} متتابعين. ويحتمل أن [يكون] المراد {مردفين} لكم، أي: نجدة لكم، كما قال العوفي، عن ابن عباس: {مردفين} يقول: المدد، كما تقول: ائت الرجل فزده كذا وكذا. وهكذا قال مجاهد، وابن كثير القارئ، وابن زيد: {مردفين} ممدين. وقال أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: {ممدكم بألف من الملائكة مردفين} قال: وراء كل ملك ملك. وفي رواية بهذا الإسناد: {مردفين} قال: بعضهم على أثر بعض. وكذا قال أبو ظبيان، والضحاك، وقتادة. وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثني عبد العزيز بن عمران، عن الزمعي، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير، عن علي رضي الله عنه، قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا في الميسرة. وهذا يقتضي -لو صح إسناده -أن الألف مردفة بمثلها؛ ولهذا قرأ بعضهم: "مردفين" بفتح الدال، فالله أعلم. والمشهور ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: وأمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة. وروى الإمام أبو جعفر بن جرير، ومسلم، من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زميل سماك بن وليد الحنفي، عن ابن عباس، عن عمر، الحديث المتقدم. ثم قال أبو زميل حدثني ابن عباس قال: بينا رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: "أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيا قال: فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة"، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. وقال البخاري: "باب شهود الملائكة بدرا ": حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه -وكان أبوه من أهل بدر -قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: " من أفضل المسلمين" -أو كلمة نحوها -قال: "وكذلك من شهد بدرا من الملائكة. انفرد بإخراجه البخاري وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث رافع بن خديج، وهو خطأ والصواب رواية البخاري، والله [تعالى] أعلم.
وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر لما شاوره في قتل حاطب بن أبي بلتعة: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " قوله تعالى: {وما جعله الله إلا بشرى [ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله] } الآية أي: وما جعل الله بعث الملائكة وإعلامه إياكم بهم إلا بشرى، {ولتطمئن به قلوبكم} ؛ وإلا فهو تعالى قادر على نصركم على أعدائكم بدون ذلك، ولهذا قال: {وما النصر إلا من عند الله} كما قال تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم} [محمد: 4-6] وقال تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} [آل عمران: 140، 141] فهذه حكم شرع الله جهاد الكفار بأيدي المؤمنين لأجلها، وقد كان تعالى إنما يعاقب الأمم السالفة المكذبة للأنبياء بالقوارع التي تعم تلك الأمة المكذبة، كما أهلك قوم نوح بالطوفان، وعادا الأولى بالدبور، وثمود بالصيحة، وقوم لوط بالخسف والقلب وحجارة السجيل وقوم شعيب بيوم الظلة، فلما بعث الله تعالى موسى [عليه السلام] وأهلك عدوه فرعون وقومه بالغرق في اليم، ثم أنزل على موسى التوراة، شرع فيها قتال الكفار، واستمر الحكم في بقية الشرائع بعده على ذلك، كما قال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر [للناس] } [القصص: 43] وقتل المؤمنين الكافرين أشد إهانة للكافرين، وأشفى لصدور المؤمنين، كما قال تعالى للمؤمنين من هذه الأمة: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين [ويذهب غيظ قلوبهم] } [التوبة: 14، 15] ؛ ولهذا كان قتل صناديد قريش بأيدي أعدائهم الذين ينظرون إليهم بأعين ازدرائهم، أنكى لهم وأشفى لصدور حزب الإيمان. فقتل أبي جهل في معركة القتال وحومة الوغى، أشد إهانة له من أن يموت على فراشه بقارعة أو صاعقة أو نحو ذلك، كما مات أبو لهب -لعنه الله- بالعدسة بحيث لم يقربه أحد من أقاربه، وإنما غسلوه بالماء قذفا من بعيد، ورجموه حتى دفنوه؛ ولهذا قال تعالى: {إن الله عزيز} أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين بهما في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد [يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم] } [غافر: 51، 52] {حكيم} فيما شرعه من قتال الكفار، مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم، بحوله وقوته، سبحانه وتعالى. {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار } يذكرهم الله بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم، أمانا من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد، كما قال تعالى: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} [آل عمران: 154] . قال أبو طلحة كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد، ولقد سقط السيف من يدي مرارا يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحجف.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي، رضي الله عنه، قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح وقال سفيان الثوري، عن عاصم عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، أنه قال: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان. وقال قتادة: النعاس في الرأس، والنوم في القلب. قلت: أما النعاس فقد أصابهم يوم أحد، وأمر ذلك مشهور جدا، وأما يوم بدر في هذه الآية الشريفة إنما هي في سياق قصة بدر، وهي دالة على وقوع ذلك أيضا وكأن ذلك كان سجية للمؤمنين عند شدة البأس لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله. وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونعمه عليهم، وكما قال تعالى: {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} [الشرح: 5، 6] ؛ ولهذا [جاء] في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق، رضي الله عنه، وهما يدعوان، أخذت رسول الله سنة من النوم، ثم استيقظ متبسما فقال: "أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع" ثم خرج من باب العريش، وهو يتلو قوله تعالى: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} [القمر: 45] . وقوله: {وينزل عليكم من السماء ماء} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: نزل النبي صلى الله عليه وسلم -يعني: حين سار إلى بدر -والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة وأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، يوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين! فأمطر الله عليهم مطرا شديدا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وانشف الرمل حين أصابه المطر ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم وأمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة. وكذا قال العوفي عن ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا عنها، نزلوا على الماء يوم بدر، فغلبوا المؤمنين عليه. فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلون مجنبين محدثين، حتى تعاظموا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملئوا الأسقية، وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورا، وثبت الأقدام. وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطر عليها، فضربها حتى اشتدت، وثبتت عليها الأقدام. ونحو ذلك روي عن قتادة، والضحاك، والسدي. وقد روي عن سعيد بن المسيب، والشعبي، والزهري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنه طش أصابهم يوم بدر. والمعروف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر، نزل على أدنى ماء هناك أي: أول ماء وجده، فتقدم إليه الحباب بن المنذر فقال: يا رسول الله، هذا المنزل الذي نزلته منزل أنزلكه الله فليس لنا أن نجاوزه، أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال: " بل منزل نزلته للحرب والمكيدة". فقال: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل، ولكن سر بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم ونغور ما وراءه من القلب، ونستقي الحياض فيكون لنا ماء وليس لهم ماء. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل كذلك وفي مغازي " الأموي" أن الحباب لما قال ذلك نزل ملك من السماء وجبريل جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ذلك الملك: يا محمد، إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن الرأي ما أشار به "الحباب بن المنذر" فالتفت رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إلى جبريل، عليه السلام، فقال: هل تعرف هذا؟ فنظر إليه فقال: ما كل الملائكة أعرفهم، وإنه ملك وليس بشيطان.
وأحسن ما في هذا ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب "المغازي"، رحمه الله: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء -وكان الوادي دهسا -فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه وقال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر قبل النعاس، فأطفأ بالمطر الغبار، وتلبدت به الأرض، وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم. وقال ابن جرير: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا إسرائيل، حدثنا أبو إسحاق، عن جارية، عن علي، رضي الله عنه، قال: أصابنا من الليل طش من المطر -يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر -فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر. وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"! فلما أن طلع الفجر، نادى: "الصلاة، عباد الله"، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرض على القتال. وقوله: {ليطهركم به} أي: من حدث أصغر أو أكبر، وهو تطهير الظاهر {ويذهب عنكم رجز الشيطان} أي: من وسوسة أو خاطر سيئ، وهو تطهير الباطن، كما قال تعالى في حق أهل الجنة: {عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة} فهذا زينة الظاهر {وسقاهم ربهم شرابا طهورا} [الإنسان: 21] أي: مطهرا لما كان من غل أو حسد أو تباغض، وهو زينة الباطن وطهارته. {وليربط على قلوبكم} أي: بالصبر والإقدام على مجالدة الأعداء، وهو شجاعة الباطن، {ويثبت به الأقدام} وهو شجاعة الظاهر، والله أعلم. وقوله: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا} وهذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم، ليشكروه عليها، وهو أنه -تعالى وتقدس وتبارك وتمجد -أوحى إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنين، يوحي إليهم فيما بينه وبينهم أن يثبتوا الذين آمنوا. قال ابن إسحاق: وازروهم. وقال غيره: قاتلوا معهم. وقيل: كثروا سوادهم. وقيل: كان ذلك بأن الملك كان يأتي الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت هؤلاء القوم -يعني المشركين -يقولون: "والله لئن حملوا علينا لننكشفن"، فيحدث المسلمون بعضهم بعضا بذلك، فتقوى أنفسهم حكاه ابن جرير، وهذا لفظه بحروفه. وقوله: {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} أي: ثبتوا أنتم المسلمين وقووا أنفسهم على أعدائهم، عن أمري لكم بذلك، سألقي الرعب والمذلة والصغار على من خالف أمري، وكذب رسولي {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} أي: اضربوا الهام ففلقوها، واحتزوا الرقاب فقطعوها، وقطعوا الأطراف منهم، وهي أيديهم وأرجلهم. وقد اختلف المفسرون في معنى: {فوق الأعناق} فقيل: معناه اضربوا الرؤوس. قاله عكرمة. وقيل: معناه: {فوق الأعناق} أي: على الأعناق، وهي الرقاب. قاله الضحاك، وعطية العوفي. ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى أرشد المؤمنين إلى هذا في قوله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق} [محمد: 4] . وقال وكيع، عن المسعودي، عن القاسم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله، إنما بعثت بضرب الرقاب وشد الوثاق" واختار ابن جرير أنها قد تدل على ضرب الرقاب وفلق الهام. قلت: وفي مغازي "الأموي" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمر بين القتلى يوم بدر فيقول: "نفلق هاما. . . ". فيقول أبو بكر: من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما فيبتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأول البيت، ويستطعم أبا بكر، رضي الله عنه، إنشاد آخره؛ لأنه كان لا يحسن إنشاد الشعر، كما قال تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} [يس:69] . وقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوا هم بضرب فوق الأعناق، وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به.
وقوله: {واضربوا منهم كل بنان} قال ابن جرير: معناه: واضربوه أيها المؤمنون من عدوكم كل طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم. و "البنان": جمع بنانة، كما قال الشاعر ألا ليتني قطعت منه بنانة ولاقيته في البيت يقظان حاذرا وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {واضربوا منهم كل بنان} يعني بالبنان: الأطراف. وكذا قال الضحاك وابن جريج. وقال السدي: البنان: الأطراف، ويقال: كل مفصل. وقال عكرمة، وعطية العوفي والضحاك -في رواية أخرى-: كل مفصل. وقال الأوزاعي في قوله تعالى: {واضربوا منهم كل بنان} قال: اضرب منه الوجه والعين، وارمه بشهاب من نار، فإذا أخذته حرم ذلك كله عليك. وقال العوفي، عن ابن عباس -فذكر قصة بدر إلى أن قال-: فقال أبو جهل: لا تقتلوهم قتلا ولكن خذوهم أخذا، حتى تعرفوهم الذي صنعوا من طعنهم في دينكم، ورغبتهم عن اللات والعزى. فأوحى الله إلى الملائكة: {أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} فقتل أبو جهل لعنه الله، في تسعة وستين رجلا وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبرا، فوفى ذلك سبعين -يعني: قتيلا. ولذلك قال [الله] تعالى: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} أي: خالفوهما فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق -وهو مأخوذ أيضا من شق العصا، وهو جعلها فرقتين - {ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} أي: هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه، لا يفوته شيء، ولا يقوم لغضبه شيء، تبارك وتعالى، لا إله غيره، ولا رب سواه. {ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار} هذا خطاب للكفار أي: ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا، واعلموا أيضا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة. {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير } يقول تعالى متوعدا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا} أي: تقاربتم منهم ودنوتم إليهم، {فلا تولوهم الأدبار} أي: تفروا وتتركوا أصحابكم، {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال} أي: يفر بين يدي قرنه مكيدة؛ ليريه أنه [قد] خاف منه فيتبعه، ثم يكر عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك. نص عليه سعيد بن جبير، والسدي. وقال الضحاك: أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرة من العدو فيصيبها. {أو متحيزا إلى فئة} أي: فر من هاهنا إلى فئة أخرى من المسلمين، يعاونهم ويعاونوه فيجوز له ذلك، حتى [و] لو كان في سرية ففر إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم، دخل في هذه الرخصة. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاص الناس حيصة -وكنت فيمن حاص -فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا؟ ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا؟ فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: "من القوم؟ " فقلنا: نحن الفرارون. فقال: "لا بل أنتم العكارون، أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين" قال: فأتيناه حتى قبلنا يده. وهكذا رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من طرق عن يزيد بن أبي زياد وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديثه. ورواه ابن أبي حاتم، من حديث يزيد بن أبي زياد به. وزاد في آخره: وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {أو متحيزا إلى فئة}
قال أهل العلم: معنى قوله: "العكارون" أي: العطافون. وكذلك قال عمر بن الخطاب. رضي الله عنه، في أبي عبيد لما قتل على الجسر بأرض فارس، لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر: لو انحاز إلي كنت له فئة. هكذا رواه محمد بن سيرين، عن عمر وفي رواية أبي عثمان النهدي، عن عمر قال: لما قتل أبو عبيد قال عمر: يا أيها الناس، أنا فئتكم. وقال مجاهد: قال عمر: أنا فئة كل مسلم. وقال عبد الملك بن عمير، عن عمر: أيها الناس، لا تغرنكم هذه الآية، فإنما كانت يوم بدر، وأنا فئة لكل مسلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، حدثنا خلاد بن سليمان الحضرمي، حدثنا نافع: أنه سأل ابن عمر قلت: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة: إمامنا أو عسكرنا؟ فقال: إن الفئة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت إن الله يقول: {إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار} فقال: إنما نزلت هذه الآية في يوم بدر، لا قبلها ولا بعدها. وقال الضحاك في قوله: {أو متحيزا إلى فئة} المتحيز: الفار إلى النبي وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه. فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب، فإنه حرام وكبيرة من الكبائر، لما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات". قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" ولهذا الحديث شواهد من وجوه أخر؛ ولهذا قال تعالى: {فقد باء} أي: رجع {بغضب من الله ومأواه} أي: مصيره ومنقلبه يوم ميعاده: {جهنم وبئس المصير} وقال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، حدثنا جبلة بن سحيم، عن أبي المثنى العبدي، سمعت السدوسي -يعني ابن الخصاصية، وهو بشير بن معبد -قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبايعه، فاشترط علي: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله". فقلت: يا رسول الله، أما اثنتان فوالله لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت. والصدقة، فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذود هن رسل أهلي وحمولتهم. فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم حرك يده، ثم قال: "فلا جهاد ولا صدقة، فيم تدخل الجنة إذا؟ " فقلت: يا رسول الله، أنا أبايعك. فبايعته عليهن كلهن. هذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه في الكتب الستة. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النضر، حدثنا يزيد بن ربيعة، حدثنا أبو الأشعث، عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف". وهذا أيضا حديث غريب جدا. وقال الطبراني أيضا: حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر الشني، حدثني عمرو بن مرة قال: سمعت بلال بن يسار بن زيد -مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم -قال: سمعت أبي حدث عن جدي قال: قال رسول الله: "من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه، غفر له وإن كان قد فر من الزحف". وهكذا رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل، به. وأخرجه الترمذي، عن البخاري، عن موسى بن إسماعيل به. وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه قلت: ولا يعرف لزيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم، عنه سواه.
وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حراما على الصحابة؛ لأنه -يعني الجهاد -كان فرض عين عليهم. وقيل: على الأنصار خاصة؛ لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وقيل: [إنما] المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة، يروى هذا عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي نضرة، ونافع مولى ابن عمر، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وغيرهم. وحجتهم في هذا: أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها سوى عصابتهم تلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: {ومن يولهم يومئذ دبره} قال: ذلك يوم بدر، فأما اليوم: فإن انحاز إلى فئة أو مصر -أحسبه قال: فلا بأس عليه. وقال ابن المبارك أيضا، عن ابن لهيعة: حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله تعالى لمن فر يوم بدر النار، قال: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان [إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا] } {ولقد عفا الله عنهم} [آل عمران: 155] ،ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين، قال: {ثم وليتم مدبرين} [التوبة: 25] {ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} [التوبة: 27] . وفي سنن أبي داود، والنسائي، ومستدرك الحاكم، وتفسير ابن جرير، وابن مردويه، من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية: {ومن يولهم يومئذ دبره} إنما أنزلت في أهل بدر وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر، وإن كان سبب النزول فيهم، كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم، من أن الفرار من الزحف من الموبقات، كما هو مذهب الجماهير، والله [تعالى] أعلم. {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين } يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر عنهم من خير؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم؛ ولهذا قال: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم، أي: بل هو الذي أظفركم [بهم ونصركم] عليهم كما قال تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة [فاتقوا الله لعلكم تشكرون] } [آل عمران: 123] . وقال تعالى: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} [التوبة: 25] يعلم -تبارك وتعالى-أن النصر ليس عن كثرة العدد، ولا بلبس اللأمة والعدد، وإنما النصر من عند الله تعالى كما قال: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249] . ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم أيضا في شأن القبضة من التراب، التي حصب بها وجوه المشركين يوم بدر، حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته، فرماهم بها وقال: " شاهت الوجوه ". ثم أمر الصحابة أن يصدقوا الحملة إثرها، ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله؛ ولهذا قال [تعالى] {ومارميت إذ رميت} أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم، وكبتهم بها لا أنت. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه -يعني يوم بدر -فقال: " يا رب إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبدا". فقال له جبريل: "خذ قبضة من التراب، فارم بها في وجوههم" فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين.
سوالات
- اسلام میں ایمان کے چھ ارکان کیا ہیں؟
- اسلام موت کے بعد کی زندگی کے بارے میں کیا تعلیم دیتا ہے؟
- مسلمان انبیاء کے بارے میں کیا عقیدہ رکھتے ہیں؟
- سورۂ فاتحہ کا کیا مطلب ہے؟
- قرآن صبر کے بارے میں کیا تعلیم دیتا ہے؟
- قرآن زندگی کے مقصد کے بارے میں کیا کہتا ہے؟
- اسلام تزکیۂ قلب کو کیسے بیان کرتا ہے؟
- نبی محمد صلی اللہ علیہ وسلم کون ہیں؟