İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
وقال السدي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي، رضي الله عنه، يوم بدر: "أعطني حصبا من الأرض". فناوله حصبا عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} وقال أبو معشر المدني، عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب، فرمى بها في وجوه القوم، وقال: "شاهت الوجوه". فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: في قوله [تعالى] {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} قال: هذا يوم بدر، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حصيات فرمى بحصاة [في] ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم، وحصاة بين أظهرهم، وقال: "شاهت الوجوه"، فانهزموا. وقد روي في هذه القصة عن عروة بن الزبير، ومجاهد وعكرمة، وقتادة وغير واحد من الأئمة: أنها نزلت في رمية النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وإن كان قد فعل ذلك يوم حنين أيضا. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن عمران، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر، سمعنا صوتا وقع من السماء، كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الرمية، فانهزمنا غريب من هذا الوجه. وهاهنا قولان آخران غريبان جدا. أحدهما: قال ابن جرير: حدثني محمد بن عوف الطائي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا عبد الرحمن بن جبير؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ابن أبي الحقيق بخيبر، دعا بقوس، فأتى بقوس طويلة، وقال: "جيئوني غيرها". فجاؤوا بقوس كبداء، فرمى النبي صلى الله عليه وسلم الحصن، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق، وهو في فراشه، فأنزل الله عز وجل: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} وهذا غريب، وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه، أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله، وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم، والله أعلم. والثاني: روى ابن جرير أيضا، والحاكم في مستدركه، بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا أنزلت في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبي بن خلف بالحربة وهو في لأمته، فخدشه في ترقوته، فجعل يتدأدأ عن فرسه مرارا، حتى كانت وفاته [بها] بعد أيام، قاسى فيها العذاب الأليم، موصولا بعذاب البرزخ، المتصل بعذاب الآخرة وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضا جدا، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها، لا أنها نزلت فيه خاصة كما تقدم، والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في قوله: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} أي: ليعرف المؤمنين من نعمته عليهم، من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم، وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته. وهكذا فسر ذلك ابن جرير أيضا. وفي الحديث: "وكل بلاء حسن أبلانا". وقوله: {إن الله سميع عليم} أي: سميع الدعاء، عليم بمن يستحق النصر والغلب. وقوله {ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين} هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر: أنه أعلمهم تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، مصغرا أمرهم، وأنهم كل ما لهم في تبار ودمار، ولله الحمد والمنة.
{إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين } يقول تعالى للكفار {إن تستفتحوا} أي: تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم ما سألتم، كما قال محمد بن إسحاق وغيره، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير؛ أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة -وكان ذلك استفتاحا منه -فنزلت: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} إلى آخر الآية. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد -يعني ابن هارون -أخبرنا محمد بن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة: أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللهم، أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة، فكان المستفتح. وأخرجه النسائي في التفسير من حديث، صالح بن كيسان، عن الزهري، به وكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق الزهري، به وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وروي [نحو] هذا عن ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، ويزيد بن رومان، وغير واحد. وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر، أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين. فقال الله: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} يقول: قد نصرت ما قلتم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو قوله تعالى إخبارا عنهم: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك [فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم] } [الأنفال: 32] . وقوله: {وإن تنتهوا} أي: عما أنتم فيه من الكفر بالله والتكذيب لرسوله، {فهو خير لكم} أي: في الدنيا والآخرة. [وقوله] {وإن تعودوا نعد} كقوله {وإن عدتم عدنا} [الإسراء: 8] معناه: وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة، نعد لكم بمثل هذه الواقعة. وقال السدي: {وإن تعودوا} أي: إلى الاستفتاح {نعد} إلى الفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم، والنصر له، وتظفيره على أعدائه، والأول أقوى. {ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت} أي: ولو جمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان الله معه فلا غالب له، فإن الله مع المؤمنين، وهم الحزب النبوي، والجناب المصطفوي. {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } يأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له؛ ولهذا قال: {ولا تولوا عنه} أي: تتركوا طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره، {وأنتم تسمعون} أي: بعد ما علمتم ما دعاكم إليه. {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} قيل: المراد المشركون. واختاره ابن جرير. وقال ابن إسحاق: هم المنافقون؛ فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا، وليسوا كذلك. ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شر الخلق والخليقة، فقال: {إن شر الدواب عند الله الصم} أي: عن سماع الحق {البكم} عن فهمه؛ ولهذا قال: {الذين لا يعقلون} فهؤلاء شر البرية؛ لأن كل دابة مما سواهم مطيعة لله [عز وجل] فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا؛ ولهذا شبههم بالأنعام في قوله: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء [صم بكم عمي فهم لا يعقلون] } [البقرة: 171] . وقال في الآية الأخرى: {أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} [الأعراف: 179] . وقيل: المراد بهؤلاء المذكورين نفر من بني عبد الدار من قريش. روي عن ابن عباس ومجاهد، واختاره ابن جرير، وقال محمد بن إسحاق: هم المنافقون. قلت: ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا؛ لأن كلا منهم مسلوب الفهم الصحيح، والقصد إلى العمل الصالح.
ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح، ولا قصد لهم صحيح، لو فرض أن لهم فهما، فقال: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} أي: لأفهمهم، وتقدير الكلام: ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم؛ لأنه يعلم أنه {ولو أسمعهم} أي: أفهمهم {لتولوا} عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك، {وهم معرضون} عنه. {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون } قال البخاري: {استجيبوا} أجيبوا، {لما يحييكم} لما يصلحكم. حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: "ما منعك أن تأتيني؟ " ألم يقل الله: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} ثم قال: "لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج"، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرت له -وقال معاذ: حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، سمع حفص بن عاصم، سمع أبا سعيد رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا -وقال: " هي {الحمد لله رب العالمين} السبع المثاني" هذا لفظه بحروفه، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث بذكر طرقه في أول تفسير الفاتحة. وقال مجاهد في قوله: {لما يحييكم} قال: الحق. وقال قتادة {لما يحييكم} قال: هو هذا القرآن، فيه النجاة والتقاة والحياة. وقال السدي: {لما يحييكم} ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} أي: للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم. وقوله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان. رواه الحاكم في مستدركه موقوفا، وقال: صحيح ولم يخرجاه ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعا ولا يصح لضعف إسناده، والموقوف أصح. وكذا قال مجاهد، وسعيد، وعكرمة، والضحاك، وأبو صالح، وعطية، ومقاتل بن حيان، والسدي. وفي رواية عن مجاهد في قوله: {يحول بين المرء وقلبه} حتى تركه لا يعقل. وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه. وقال قتادة هو كقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16] . وقد وردت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يناسب هذه الآية. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: " يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك". قال: فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها". وهكذا رواه الترمذي في "كتاب القدر" من جامعه، عن هناد بن السري، عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، عن الأعمش -واسمه سليمان بن مهران -عن أبي سفيان -واسمه طلحة بن نافع -عن أنس ثم قال: حسن. وهكذا روي عن غير واحد عن الأعمش، رواه بعضهم عنه، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث أبي سفيان عن أنس أصح حديث آخر: قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". هذا حديث جيد الإسناد إلا أن فيه انقطاعا وهو -مع ذلك -على شرط أهل السنن ولم يخرجوه
حديث آخر: وقال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت ابن جابر يقول: حدثني بسر بن عبد الله الحضرمي: أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت النواس بن سمعان الكلابي، رضي الله عنه، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه". وكان يقول: "يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك". قال: "والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه". وهكذا رواه النسائي وابن ماجه، من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر فذكر مثله. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا حماد بن زيد، عن المعلى بن زياد، عن الحسن؛ أن عائشة قالت: دعوات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بها: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك". قالت: فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر تدعو بهذا الدعاء. فقال: "إن قلب الآدمي بين إصبعين من أصابع الله، فإذا شاء أزاغه وإذا شاء أقامه حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا عبد الحميد، حدثني شهر، سمعت أم سلمة تحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه يقول: "اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك". قالت: فقلت يا رسول الله، أو إن القلوب لتقلب ؟ قال: "نعم، ما خلق الله من بشر من بني آدم إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله، عز وجل، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه. فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب". قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: " بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني" حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي أنه سمع عبد الله بن عمرو؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرف كيف شاء . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك". انفرد بإخراجه مسلم عن البخاري، فرواه مع النسائي من حديث حيوة بن شريح المصري، به. {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب } يحذر تعالى عباده المؤمنين {فتنة} أي: اختبارا ومحنة، يعم بها المسيء وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب، بل يعمهما، حيث لم تدفع وترفع. كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد بن سعيد، حدثنا غيلان بن جرير، عن مطرف قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله، ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير، رضي الله عنه: إنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت وقد رواه البزار من حديث مطرف، عن الزبير، وقال: لا نعرف مطرفا روى عن الزبير غير هذا الحديث وقد روى النسائي من حديث جرير بن حازم، عن الحسن، عن الزبير نحو هذا وروى ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: قال الزبير: لقد خوفنا بها، يعني قوله [تعالى] {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ظننا أنا خصصنا بها خاصة. وكذا رواه حميد، عن الحسن، عن الزبير، رضي الله عنه وقال داود بن أبي هند، عن الحسن في هذه الآية قال: نزلت في علي، وعثمان وطلحة والزبير، رضي الله عنهم.
وقال سفيان الثوري عن الصلت بن دينار، عن عقبة بن صهبان، سمعت الزبير يقول: لقد قرأت هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها فإن نحن المعنيون بها: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} وقد روي من غير وجه، عن الزبير بن العوام. وقال السدي: نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل، فاقتتلوا. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} يعني: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وقال في رواية له، عن ابن عباس، في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين ظهرانيهم إليهم فيعمهم الله بالعذاب. وهذا تفسير حسن جدا؛ ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} هي أيضا لكم، وكذا قال الضحاك، ويزيد بن أبي حبيب، وغير واحد. وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، إن الله تعالى يقول: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن: 15] فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن. رواه ابن جرير. والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم -وإن كان الخطاب معهم -هو الصحيح، ويدل على ذلك الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن، ولذلك كتاب مستقل يوضح فيه إن شاء الله تعالى، كما فعله الأئمة وأفردوه بالتصنيف ومن أخص ما يذكر هاهنا ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا أحمد بن الحجاج، أخبرنا عبد الله -يعني ابن المبارك-أنبأنا سيف بن أبي سليمان، سمعت عدي بن عدي الكندي يقول: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي -يعني عدي بن عميرة -يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله عز وجل، لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة" فيه رجل مبهم، ولم يخرجوه في الكتب الستة، ولا واحد منهم، والله أعلم. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، حدثنا إسماعيل -يعني ابن جعفر -أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهل، عن حذيفة بن اليمان؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم" ورواه عن أبي سعيد، عن إسماعيل بن جعفر، وقال: "أو ليبعثن الله عليكم قوما ثم تدعونه فلا يستجيب لكم " وقال أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، قال حدثنا رزين بن حبيب الجهني، حدثني أبو الرقاد قال: خرجت مع مولاي، فدفعت إلى حذيفة وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصير منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات؛ لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتحاضن على الخير، أو ليسحتنكم الله جميعا بعذاب، أو ليؤمرن عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم حديث آخر: قال الإمام أحمد أيضا: حدثني يحيى بن سعيد، عن زكريا، حدثنا عامر، قال: سمعت النعمان بن بشير، رضي الله عنه، يخطب يقول -وأومأ بإصبعيه إلى أذنيه -يقول: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها -أو المداهن فيها -كمثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقا، فاستقينا منه، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا. انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، فرواه في "الشركة" و "الشهادات"، والترمذي في الفتن من غير وجه، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن عامر بن شراحيل الشعبي، به
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن علقمة بن مرثد، عن المعرور بن سويد، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمتي، عمهم الله بعذاب من عنده". فقلت: يا رسول الله، أما فيهم أناس صالحون؟ قال: "بلى"، قالت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: "يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان" حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم يعملون بالمعاصي، وفيهم رجل أعز منهم وأمنع لا يغيرون، إلا عمهم الله بعقاب -أو: أصابهم العقاب". ورواه أبو داود، عن مسدد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، به وقال أحمد أيضا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة سمعت أبا إسحاق يحدث، عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، هم أعز وأكثر ممن يعمله، لم يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب" ثم رواه أيضا عن وكيع، عن إسرائيل -وعن عبد الرزاق، عن معمر -وعن أسود، عن شريك ويونس -كلهم عن أبي إسحاق السبيعي، به. وأخرجه ابن ماجه، عن علي بن محمد، عن وكيع، به [حديث آخر] وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا جامع بن أبي راشد، عن منذر، عن حسن بن محمد، عن امرأته، عن عائشة تبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ظهر السوء في الأرض، أنزل الله بأهل الأرض بأسه". قالت: وفيهم أهل طاعة الله؟ قال: "نعم، ثم يصيرون إلى رحمة الله" {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون } ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات، واستشكرهم فأطاعوه، وامتثلوا جميع ما أمرهم. وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة قليلين مستخفين مضطرين يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله، من مشرك ومجوسي ورومي، كلهم أعداء لهم لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة، فآواهم إليها، وقيض لهم أهلها، آووا ونصروا يوم بدر وغيره وآسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله. قال قتادة بن دعامة السدوسي، رحمه الله، في قوله تعالى: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض} قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا وأشقاه عيشا، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا، وأبينه ضلالا مكعومين على رأس حجر، بين الأسدين فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلا منهم، حتى جاء الله بالإسلام فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكا على رقاب الناس. وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا لله نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله [تعالى] {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم }
قال عبد الله بن أبي قتادة والزهري: أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشاروه في ذلك، فأشار عليهم بذلك -وأشار بيده إلى حلقه -أي: إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة، ورأى أنه قد خان الله ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقا حتى يموت أو يتوب الله عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية منه، فمكث كذلك تسعة أيام، حتى كان يخر مغشيا عليه من الجهد، حتى أنزل الله توبته على رسوله. فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا أن يحلوه من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول الله صلى الله عليه [وسلم] بيده، فحله، فقال: يا رسول الله، إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة، فقال يجزيك الثلث أن تصدق به" وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي، حدثنا محمد بن عبيد الله أبو عون الثقفي، عن المغيرة بن شعبة قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان، رضي الله عنه: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول} الآية. وقال ابن جرير أيضا: حدثنا القاسم بن بشر بن معروف، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا محمد بن المحرم قال: لقيت عطاء بن أبي رباح فحدثني قال: حدثني جابر بن عبد الله؛ أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان في كذا وكذا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "إن أبا سفيان في موضع كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا" فكتب رجل من المنافقين إليه: إن محمدا يريدكم، فخذوا حذركم، فأنزل الله [عز وجل] {لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم} الآية هذا حديث غريب جدا، وفي سنده وسياقه نظر. وفي الصحيحين قصة "حاطب بن أبي بلتعة" أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم عام الفتح، فأطلع الله رسوله على ذلك، فبعث في إثر الكتاب فاسترجعه، واستحضر حاطبا فأقر بما صنع، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؟ فقال: " دعه، فإنه قد شهد بدرا، ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" قلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء. والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وتخونوا أماناتكم} الأمانة الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد -يعني الفريضة يقول: لا تخونوا: لا تنقضوها. وقال في رواية: {لا تخونوا الله والرسول} يقول: بترك سنته وارتكاب معصيته. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في هذه الآية، أي: لا تظهروا لله من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السر إلى غيره، فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم. وقال السدي: إذا خانوا الله والرسول، فقد خانوا أماناتهم. وقال أيضا: كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين. وقال عبد الرحمن بن زيد [بن أسلم] نهاكم أن تخونوا الله والرسول، كما صنع المنافقون. وقوله تعالى: {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} أي: اختبار وامتحان منه لكم؛ إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها، أو تشتغلون بها عنه، وتعتاضون بها منه؟ كما قال تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم} [التغابن: 15] ،وقال: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} [الأنبياء: 35] ،وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} [المنافقون: 9] ،وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} الآية [التغابن: 14] .
وقوله: {وأن الله عنده أجر عظيم} أي: ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد، فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئا، والله، سبحانه، هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة، ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة. وفي الأثر يقول [الله] تعالى: "ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء". وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [أنه قال] ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه" بل حب رسوله مقدم على الأولاد والأموال والنفوس، كما ثبت في الصحيح أنه، عليه السلام، قال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين" {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم } قال ابن عباس، والسدي، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، ومقاتل بن حيان: {فرقانا} مخرجا. زاد مجاهد: في الدنيا والآخرة. وفي رواية عن ابن عباس: {فرقانا} نجاة. وفي رواية عنه: نصرا. وقال محمد بن إسحاق: {فرقانا} أي: فصلا بين الحق والباطل. وهذا التفسير من ابن إسحاق أعم مما تقدم وقد يستلزم ذلك كله؛ فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة، وتكفير ذنوبه -وهو محوها -وغفرها: سترها عن الناس -سببا لنيل ثواب الله الجزيل، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الحديد: 28] . {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: {ليثبتوك} [أي] : ليقيدوك. وقال عطاء، وابن زيد: ليحبسوك. وقال السدي: "الإثبات". هو الحبس والوثاق. وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء، وهو مجمع الأقوال وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء. وقال سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج، قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: "يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني"، فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: "ربي"، قال: نعم الرب ربك، استوص به خيرا فقال: "أنا أستوصي به؟ ! بل هو يستوصي بي" وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني محمد بن إسماعيل البصري، المعروف بالوساوسي، أخبرنا عبد الحميد بن أبي رواد عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن المطلب بن أبي وداعة، أن أبا طالب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يأتمر بك قومك؟ قال: "يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني". فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: "ربي"، قال: نعم الرب ربك، فاستوص به خيرا، "قال: أنا أستوصي به؟! بل هو يستوصي بي". قال: فنزلت: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} الآية
وذكر أبي طالب في هذا، غريب جدا، بل منكر؛ لأن هذه الآية مدنية، ثم إن هذه القصة واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل، إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين لما تمكنوا منه واجترءوا عليه بعد موت عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه. والدليل على صحة ما قلنا: ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب "المغازي" عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: وحدثني الكلبي، عن باذان مولى أم هانئ، عن ابن عباس؛ أن نفرا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم رأيي ونصحي. قالوا: أجل، ادخل فدخل معهم فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره. قال: فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم، قال: فصرخ عدو الله الشيخ النجدي فقال: والله ما هذا لكم برأي، والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم، فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم. قال: فانظروا في غير هذا. قال: فقال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم، فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة [قوله] وطلاوة لسانه، وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم، ثم استعرض العرب، ليجتمعن عليكم ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق والله، فانظروا بابا غير هذا. قال: فقال أبو جهل، لعنه الله: والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم تصرمونه بعد، ما أرى غيره. قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلاما شابا وسيطا نهدا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل [كلها] فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها. فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل، واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. قال: فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي. القول ما قال الفتى لا رأي غيره، قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره ألا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم. فلم يبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة "الأنفال" يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} وأنزل [الله] في قولهم: "تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء"، {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} [الطور: 30] وكان ذلك اليوم يسمى "يوم الزحمة" للذي اجتمعوا عليه من الرأي وعن السدي نحو هذا السياق، وأنزل الله في إرادتهم إخراجه قوله تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا} [الإسراء: 76] . وكذا روى العوفي، عن ابن عباس. وروي عن مجاهد، وعروة بن الزبير، وموسى بن عقبة، وقتادة، ومقسم، وغير واحد، نحو ذلك.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أمر الله، حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت به، وأرادوا به ما أرادوا، أتاه جبريل، عليه السلام، فأمره ألا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فأمره أن يبيت على فراشه وأن يتسجى ببرد له أخضر، ففعل. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم وهم على بابه، وخرج معه بحفنة من تراب، فجعل يذرها على رؤوسهم، وأخذ الله بأبصارهم عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: {يس والقرآن الحكيم} إلى قوله: {فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [يس: 1-9] . وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: روي عن عكرمة ما يؤكد هذا وقد روى [أبو حاتم] ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: دخلت فاطمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقال: "ما يبكيك يا بنية؟ " قالت: يا أبت، [و] ما لي لا أبكي، وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر يتعاقدون باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك. فقال: "يا بنية، ائتني بوضوء". فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج إلى المسجد. فلما رأوه قالوا: إنما هو ذا فطأطؤوا رؤوسهم، وسقطت أذقانهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم. فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فحصبهم بها، وقال: "شاهت الوجوه". فما أصاب رجلا منهم حصاة من حصياته إلا قتل يوم بدر كافرا. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ولا أعرف له علة وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجزري، عن مقسم مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك} قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق -يريدون النبي صلى الله عليه وسلم -وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات علي رضي الله عنه على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليا رد الله تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري. فاقتصا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في قوله: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} أي: فمكرت بهم بكيدي المتين، حتى خلصتك منهم. {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } يخبر تعالى عن كفر قريش وعتوهم وتمردهم وعنادهم، ودعواهم الباطل عند سماع آياته حين تتلى عليهم أنهم يقولون: {قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا} وهذا منهم قول لا فعل، وإلا فقد تحدوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله فلا يجدون إلى ذلك سبيلا. وإنما هذا قول منهم يغرون به أنفسهم ومن اتبعهم على باطلهم.
وقد قيل: إن القائل لذلك هو النضر بن الحارث -لعنه الله -كما قد نص على ذلك سعيد بن جبير، والسدي، وابن جريج وغيرهم؛ فإنه -لعنه الله -كان قد ذهب إلى بلاد فارس، وتعلم من أخبار ملوكهم رستم واسفنديار، ولما قدم وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه الله، وهو يتلو على الناس القرآن، فكان إذا قام صلى الله عليه وسلم من مجلس، جلس فيه النضر فيحدثهم من أخبار أولئك، ثم يقول: بالله أيهما أحسن قصصا؟ أنا أو محمد؟ ولهذا لما أمكن الله تعالى منه يوم بدر ووقع في الأسارى، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تضرب رقبته صبرا بين يديه، ففعل ذلك، ولله الحمد. وكان الذي أسره المقداد بن الأسود، رضي الله عنه، كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قتل النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر صبرا عقبة بن أبي معيط وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث. وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله، قال المقداد: يا رسول الله، أسيري. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنه كان يقول في كتاب الله، عز وجل، ما يقول". فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، فقال المقداد: يا رسول الله، أسيري. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم أغن المقداد من فضلك". فقال المقداد: هذا الذي أردت. قال: وفيه أنزلت هذه الآية: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين} وكذا رواه هشيم، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير؛ أنه قال: "المطعم بن عدي" "بدل طعيمة" وهو غلط؛ لأن المطعم بن عدي لم يكن حيا يوم بدر؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: "لو كان المطعم حيا، ثم سألني في هؤلاء النتنى لوهبتهم له" -يعني: الأسارى -لأنه كان قد أجار رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم رجع من الطائف. ومعنى: {أساطير الأولين} وهو جمع أسطورة، أي: كتبهم اقتبسها، فهو يتعلم منها ويتلوها على الناس. وهذا هو الكذب البحت، كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما} [الفرقان: 5، 6] .أي: لمن تاب إليه وأناب؛ فإنه يتقبل منه ويصفح عنه. وقوله: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} هذا من كثرة جهلهم وعتوهم وعنادهم وشدة تكذيبهم، وهذا مما عيبوا به، وكان الأولى لهم أن يقولوا: "اللهم، إن كان هذا هو الحق من عندك، فاهدنا له، ووفقنا لاتباعه". ولكن استفتحوا على أنفسهم، واستعجلوا العذاب، وتقديم العقوبة كما قال تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون} [العنكبوت:53] ، {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب}، {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج} [المعارج: 1-3] ،وكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة، كما قال قوم شعيب له: {فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين} [الشعراء: 187] ،وقال هؤلاء: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} قال شعبة، عن عبد الحميد، صاحب الزيادي، عن أنس بن مالك قال: هو أبو جهل بن هشام قال: {اللهم إن كان هذا هو الحقمن عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أوائتنا بعذاب أليم} فنزلت {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} الآية. رواه البخاري عن أحمد ومحمد بن النضر، كلاهما عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، به وأحمد هذا هو: أحمد بن النضر بن عبد الوهاب. قاله الحاكم أبو أحمد، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، والله أعلم.
وقال الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة، قال: فأنزل الله: {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع} [المعارج: 1-2] وكذا قال مجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، والسدي: إنه النضر بن الحارث -زاد عطاء: فقال الله تعالى: {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يومالحساب} [ص: 16] وقال {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} [الأنعام: 94] وقال {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع} [المعارج: 1، 2] ، قال عطاء: ولقد أنزل فيه بضع عشرة آية من كتاب الله، عز وجل. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا أبو غسان حدثنا أبو تميلة، حدثنا الحسين، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: رأيت عمرو بن العاص واقفا يوم أحد على فرس، وهو يقول: اللهم، إن كان ما يقول محمد حقا، فاخسف بي وبفرسي". وقال قتادة في قوله: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} الآية، قال: قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها فعاد الله بعائدته ورحمته على سفهة هذه الأمة وجهلتها. وقوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل سماك الحنفي، عن ابن عباس قال: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: "قد قد"! ويقولون: لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. ويقولون: غفرانك، غفرانك، فأنزل الله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: النبي صلى الله عليه وسلم، والاستغفار، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو معشر، عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس قالا قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه الله من بيننا: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} فلما أمسوا ندموا على ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللهم! فأنزل الله، عز وجل: {وما كان الله [ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله] معذبهم وهم يستغفرون} إلى قوله: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الأنفال:34] . وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} يقول: ما كان الله ليعذب قوما وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم، ثم قال: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} يقول: وفيهم من قد سبق له من الله الدخول في الإيمان، وهو الاستغفار -يستغفرون، يعني: يصلون -يعني بهذا أهل مكة. وروي عن مجاهد، وعكرمة، وعطية العوفي، وسعيد بن جبير، والسدي نحو ذلك. وقال الضحاك وأبو مالك: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} يعني: المؤمنين الذين كانوا بمكة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الغفار بن داود، حدثنا النضر بن عربي [قال] قال ابن عباس: إن الله جعل في هذه الأمة أمانين لا يزالون معصومين مجارين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم: فأمان قبضه الله إليه، وأمان بقي فيكم، قوله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قال أبو صالح عبد الغفار: حدثني بعض أصحابنا، أن النضر بن عربي حدثه هذا الحديث، عن مجاهد، عن ابن عباس. وروى ابن مردويه وابن جرير، عن أبي موسى الأشعري نحوا من هذا وكذا روي عن قتادة وأبي العلاء النحوي المقرئ.
وقال الترمذي: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن نمير، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عباد بن يوسف، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنزل الله علي أمانين لأمتي: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فإذا مضيت، تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة" ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشيطان قال: وعزتك يا رب، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب: وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني". ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا رشدين -هو ابن سعد -حدثني معاوية بن سعد التجيبي، عمن حدثه، عن فضالة بن عبيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله، عز وجل" {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } يخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم لبركة مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم؛ ولهذا لما خرج من بين أظهرهم، أوقع الله بهم بأسه يوم بدر، فقتل صناديدهم وأسرت سراتهم. وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب، التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد. قال قتادة والسدي وغيرهما: لم يكن القوم يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون لما عذبوا. واختاره ابن جرير، فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين، لأوقع بهم البأس الذي لا يرد، ولكن دفع عنهم بسبب أولئك، كما قال تعالى في يوم الحديبية: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} [الفتح:25] . قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فأنزل الله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأنزل الله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قال: وكان أولئك البقية من المؤمنين الذين بقوا فيها يستغفرون -يعني بمكة-فلما خرجوا، أنزل الله: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه} قال: فأذن الله في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم. وروي عن ابن عباس، وأبي مالك والضحاك، وغير واحد نحو هذا. وقد قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} على أن يكون المراد صدور الاستغفار منهم أنفسهم. قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا قال في "الأنفال": {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فنسختها الآية التي تليها: {وما لهم ألا يعذبهم الله} إلى قوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} فقوتلوا بمكة، فأصابهم فيها الجوع والضر. وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي تميلة يحيى بن واضح وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} ثم استثنى أهل الشرك فقال [تعالى] {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام}
وقوله: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي: وكيف لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام أي الذي ببكة، يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة عنده والطواف به؛ ولهذا قال: {وما كانوا أولياءه} أي: هم ليسوا أهل المسجد الحرام، وإنما أهله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما قال تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} [التوبة: 17، 18] ،وقال تعالى: {وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله [والفتنة أكبر من القتل] } الآية [البقرة: 217] . . وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: حدثنا سليمان بن أحمد -هو الطبراني-حدثنا جعفر بن إلياس بن صدقة المصري، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا نوح بن أبي مريم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من آلك؟ قال كل تقي"، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن أولياؤه إلا المتقون} وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فقال: "هل فيكم من غيركم؟ " قالوا: فينا ابن أختنا وفينا حليفنا، وفينا مولانا. فقال: "حليفنا منا، وابن أختنا منا، ومولانا منا، إن أوليائي منكم المتقون". ثم قال: هذا [حديث] صحيح، ولم يخرجاه وقال عروة، والسدي، ومحمد بن إسحاق في قوله تعالى: {إن أولياؤه إلا المتقون} قال: هم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، رضي الله عنهم. وقال مجاهد: هم المجاهدون، من كانوا، وحيث كانوا. ثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام، وما كانوا يعاملونه به، فقال: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} قال عبد الله بن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو رجاء العطاردي، ومحمد بن كعب القرظي، وحجر بن عنبس، ونبيط بن شريط، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الصفير -وزاد مجاهد: وكانوا يدخلون أصابعهم في أفواههم. وقال السدي: المكاء: الصفير على نحو طير أبيض يقال له: "المكاء"، ويكون بأرض الحجاز. والتصدية: التصفيق. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا يعقوب -يعني ابن عبد الله الأشعري -حدثنا جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} قال: كانت قريش تطوف بالكعبة عراة تصفر وتصفق. والمكاء: الصفير، وإنما شبهوا بصفير الطير وتصدية التصفيق. وهكذا روى علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس. وكذا روي عن ابن عمر، ومجاهد، ومحمد بن كعب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك، وقتادة، وعطية العوفي، وحجر بن عنبس، وابن أبزى نحو هذا. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عمر، حدثنا قرة، عن عطية، عن ابن عمر في قوله: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} قال: المكاء: الصفير. والتصدية: التصفيق. قال قرة: وحكى لنا عطية فعل ابن عمر، فصفر ابن عمر، وأمال خده، وصفق بيديه. وعن ابن عمر أيضا أنه قال: كانوا يضعون خدودهم على الأرض ويصفقون ويصفرون. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عنه. وقال عكرمة: كانوا يطوفون بالبيت على الشمال. قال مجاهد: وإنما كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا بذلك على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته. وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين. وعن سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد: {وتصدية} قال: صدهم الناس عن سبيل الله، عز وجل.
قوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} قال الضحاك، وابن جريج، ومحمد بن إسحاق: هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي. واختاره ابن جرير، ولم يحك غيره. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: عذاب أهل الإقرار بالسيف، وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة. {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون } قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعيد بن معاذ، قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، في رجال من قريش أصيب آباؤهم، وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا! ففعلوا. قال: ففيهم -كما ذكر عن ابن عباس -أنزل الله، عز وجل: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم [ليصدوا عن سبيل الله] } إلى قوله: {والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} وهكذا روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، والحكم بن عتيبة، وقتادة، والسدي، وابن أبزى: أنها نزلت في أبي سفيان ونفقته الأموال في أحد لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الضحاك: نزلت في أهل بدر. وعلى كل تقدير، فهي عامة. وإن كان سبب نزولها خاصا، فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك، ثم تذهب أموالهم، {ثم تكون عليهم حسرة} أي: ندامة؛ حيث لم تجد شيئا؛ لأنهم أرادوا إطفاء نور الله وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه، ومعلن كلمته، ومظهر دينه على كل دين. فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم، رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قتل منهم أو مات، فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي؛ ولهذا قال: {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} وقوله تعالى: {ليميز الله الخبيث من الطيب} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {ليميز الله الخبيث من الطيب} فيميز أهل السعادة من أهل الشقاء وقال السدي: يميز المؤمن من الكافر. وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة، كما قال تعالى: {ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم} [يونس:28] ،وقال تعالى {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} [الروم: 14] ،وقال في الآية الأخرى: {يومئذ يصدعون} [الروم43] ،وقال تعالى: {وامتازوا اليوم أيها المجرمون} [يس:59] . ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون "اللام" معللة لما جعل الله للكفار من مال ينفقون في الصد عن سبيل الله، أي: إنما أقدرناهم على ذلك؛ {ليميز الله الخبيث من الطيب} أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك كما قال تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم} الآية [آل عمران:166، 167] ، وقال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب} الآية [آل عمران: 179] ، وقال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} [آل عمران: 142] ونظيرتها في براءة أيضا.
فمعنى الآية على هذا: إنما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم، وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك؛ ليتميز الخبيث من الطيب، فيجعل الخبيث بعضه على بعض، {فيركمه} أي: يجمعه كله، وهو جمع الشيء بعضه على بعض، كما قال تعالى في السحاب: {ثم يجعله ركاما} [النور:43] أي: متراكما متراكبا، {فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون} أي: هؤلاء هم الخاسرون في الدنيا والآخرة. {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير } يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل للذين كفروا إن ينتهوا} أي: عما هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد ويدخلوا في الإسلام والطاعة والإنابة، يغفر لهم ما قد سلف، أي: من كفرهم، وذنوبهم وخطاياهم، كما جاء في الصحيح، من حديث أبي وائل عن ابن مسعود؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحسن في الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام، أخذ بالأول والآخر" وفي الصحيح أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما كان قبلها". وقوله: {وإن يعودوا} أي: يستمروا على ما هم فيه، {فقد مضت سنة الأولين} أي: فقد مضت سنتنا في الأولين أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم، أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة. وقوله: {فقد مضت سنة الأولين} أي: في قريش يوم بدر وغيرها من الأمم. وقال السدي ومحمد بن إسحاق: أي: يوم بدر. وقوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} قال البخاري: حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن يحيى، حدثنا حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن بكير، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رجلا جاءه فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} الآية [الحجرات:9] ، فما يمنعك ألا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا ابن أخي، أعير بهذه الآية ولا أقاتل، أحب إلي من أن أعير بالآية التي يقول الله، عز وجل:: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} إلى آخر الآية [النساء:93] ، قال: فإن الله تعالى يقول: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} ؟ قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان الإسلام قليلا وكان الرجل يفتن في دينه: إما أن يقتلوه، وإما أن يوثقوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، فلما رأى أنه لا يوافقه فيما يريد، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال ابن عمر: ما قولي في علي وعثمان؟ أما عثمان فكان الله قد عفا عنه، وكرهتم أن يعفو عنه، وأما علي فابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه -وأشار بيده -وهذه ابنته أو: بنته -حيث ترون. وحدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا بيان أن وبرة حدثه قال: حدثني سعيد بن جبير قال: خرج علينا -أو: إلينا -ابن عمر، رضي الله عنهما، فقال رجل: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك. هذا كله سياق البخاري، رحمه الله وقال عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا إن الناس قد صنعوا ما ترى، وأنت ابن عمر بن الخطاب، وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرم علي دم أخي المسلم. قالوا: أو لم يقل الله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} ؟ قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله.
وكذا رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أيوب بن عبد الله اللخمي قال: كنت عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فأتاه رجل فقال: إن الله يقول: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} فقال ابن عمر: قاتلت أنا وأصحابي حتى كان الدين كله لله، وذهب الشرك ولم تكن فتنة، ولكنك وأصحابك تقاتلون حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله. رواهما ابن مردويه. وقال أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: قال ذو البطين -يعني أسامة بن زيد -لا أقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله أبدا. قال: فقال سعد بن مالك: وأنا والله لا أقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله أبدا. فقال رجل: ألم يقل الله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} ؟ فقالا قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين كله لله. رواه ابن مردويه. وقال الضحاك، عن ابن عباس: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} يعني: [حتى] لا يكون شرك، وكذا قال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع عن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم. وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهري، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا: {حتى لا تكون فتنة} حتى لا يفتن مسلم عن دينه. وقوله: {ويكون الدين كله لله} قال الضحاك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يخلص التوحيد لله. وقال الحسن وقتادة، وابن جريج: {ويكون الدين كله لله} أن يقال: لا إله إلا الله. وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصا لله، ليس فيه شرك، ويخلع ما دونه من الأنداد. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {ويكون الدين كله لله} لا يكون مع دينكم كفر. ويشهد له ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، عز وجل" وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله، عز وجل؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله، عز وجل" وقوله: {فإن انتهوا} أي: بقتالكم عما هم فيه من الكفر، فكفوا عنه وإن لم تعلموا بواطنهم، {فإن الله بما يعملون بصير} كما قال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} [التوبة:5] ،وفي الآية الأخرى: {فإخوانكم في الدين} [التوبة:11] . وقال: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة:193] .وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسامة -لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال: "لا إله إلا الله"، فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله -فقال لأسامة: "أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ وكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ " قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذا. قال: "هلا شققت عن قلبه؟ "، وجعل يقول ويكرر عليه: "من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ " قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا ذلك اليوم وقوله: {وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير} أي: وإن استمروا على خلافكم ومحاربتكم، {فاعلموا أن الله مولاكم} سيدكم وناصركم على أعدائكم، فنعم المولى ونعم النصير.
وقال محمد بن جرير: حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أبان العطار، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة: أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء، فكتب إليه عروة: "سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنك كتبت إلي تسألني عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كان من شأن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، أن الله أعطاه النبوة، فنعم النبي، ونعم السيد، ونعم العشيرة، فجزاه الله خيرا، وعرفنا وجهه في الجنة، وأحيانا على ملته، وأماتنا عليها، وبعثنا عليه وإنه لما دعا قومه لما بعثه الله له من الهدى والنور الذي أنزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم إليه، وكادوا يسمعون منه، حتى ذكر طواغيتهم، وقدم ناس من الطائف من قريش، لهم أموال، أنكر ذلك عليه الناس واشتدوا عليه وكرهوا ما قال، وأغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامة الناس، فتركوه إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل. فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم، وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فافتتن من افتتن، وعصم الله من شاء منهم، فلما فعل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يخرجوا إلى أرض الحبشة. وكان بالحبشة ملك صالح يقال له: "النجاشي"، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يثنى عليه مع ذلك، وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش، يتجرون فيها، وكانت مسكنا لتجارهم، يجدون فيها رفاغا من الرزق وأمنا ومتجرا حسنا، فأمرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخاف عليهم الفتن. ومكث هو فلم يبرح. فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم. ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومنعتهم. فلما رأوا ذلك. استرخوا استرخاءة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، وكانت الفتنة الأولى هي أخرجت من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أرض الحبشة مخافتها، وفرارا مما كانوا فيه من الفتن والزلزال، فلما استرخي عنهم ودخل في الإسلام من دخل منهم، تحدث باسترخائهم عنهم، فبلغ ذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه: قد استرخي عمن كان منهم بمكة، وأنهم لا يفتنون، فرجعوا إلى مكة، وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون ويكثرون. وأنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا بالمدينة الإسلام، وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فلما رأت قريش ذلك، تآمرت على أن يفتنوهم ويشتدوا، فأخذوهم، فحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، فكانت الفتنة الأخيرة، فكانت فتنتان: فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة، حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها، وأذن لهم في الخروج إليها -وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة. ثم إنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة سبعون نقيبا، رؤوس الذين أسلموا، فوافوه بالحج، فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم على أنا منك وأنت منا، وعلى أن من جاء من أصحابك أو جئتنا، فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، فاشتدت عليهم قريش عند ذلك، فأمر صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وخرج هو، وهي التي أنزل الله، عز وجل، فيها: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} ثم رواه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير: أنه كتب إلى الوليد -يعني ابن عبد الملك بن مروان -بهذا، فذكر مثله وهذا صحيح إلى عروة، رحمه الله.
{واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير } يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصا لهذه الأمة الشريفة، من بين سائر الأمم المتقدمة، من إحلال المغانم. و"الغنيمة": هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب. و"الفيء": ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها، أو يتوفون عنها ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك. هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف والخلف. ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة، والغنيمة على الفيء أيضا؛ ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية "الحشر": {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين} الآية [الحشر: 7] ، قال: فنسخت آية "الأنفال" تلك، وجعلت الغنائم: أربعة أخماسها للمجاهدين، وخمسا منها لهؤلاء المذكورين. وهذا الذي قاله بعيد؛ لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت في بني النضير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة أن بني النضير بعد بدر، هذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة يقول: تلك نزلت في أموال الفيء وهذه في المغانم. ومن يجعل أمر المغانم والفيء راجعا إلى رأي الإمام يقول: لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس إذا رآه الإمام، والله أعلم. وقوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} توكيد لتخميس كل قليل وكثير حتى الخيط والمخيط، قال الله تعالى: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [آل عمران: 161] . وقوله: {فأن لله خمسه وللرسول} اختلف المفسرون هاهنا، فقال بعضهم: لله نصيب من الخمس يجعل في الكعبة. قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية الرياحي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة، تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة وهو سهم الله. ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل وقال آخرون: ذكر الله هاهنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم لرسوله عليه السلام قال الضحاك، عن ابن عباس، رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية فغنموا، خمس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة. ثم قرأ: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} [قال: وقوله] {فأن لله خمسه} مفتاح كلام، لله ما في السموات وما في الأرض، فجعل سهم الله وسهم الرسول واحدا. وهكذا قال إبراهيم النخعي، والحسن بن محمد ابن الحنفية. والحسن البصري، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة وقتادة، ومغيرة، وغير واحد: أن سهم الله ورسوله واحد. ويؤيد هذا ما رواه الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى، وهو يعرض فرسا، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة؟ فقال: "لله خمسها، وأربعة أخماس للجيش". قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: " لا ولا السهم تستخرجه من جنبك، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم" وقال ابن جرير: حدثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أبان، عن الحسن قال: أوصى أبو بكر بالخمس من ماله، وقال: ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه
ثم اختلف قائلو هذا القول، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس، فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة فربع لله وللرسول ولذي القربى -يعني: قرابة النبي صلى الله عليه وسلم. فما كان لله وللرسول فهو لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس شيئا، [والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة في قوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} قال: الذي لله فلنبيه، والذي للرسول لأزواجه. وقال عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح قال: خمس الله والرسول واحد، يحمل منه ويصنع فيه ما شاء -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا أعم وأشمل، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتصرف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء، ويرده في أمته كيف شاء -ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام الأعرج، عن المقدام بن معد يكرب الكندي: أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي، رضي الله عنهم، فتذاكروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة، كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس؟ فقال عبادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناول وبرة بين أنملتيه فقال: "إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا، فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر، وجاهدوا في [سبيل] الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة [عظيم] ينجي به الله من الهم والغم" هذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه. ولكن روى الإمام أحمد أيضا، وأبو داود، والنسائي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه في قصة الخمس والنهي عن الغلول وعن عمرو بن عبسة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من ذلك البعير ثم قال: "ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه، إلا الخمس، والخمس مردود فيكم". رواه أبو داود والنسائي وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم من المغانم شيء يصطفيه لنفسه عبدا أو أمة أو فرسا أو سيفا أو نحو ذلك، كما نص على ذلك محمد بن سيرين وعامر الشعبي، وتبعهما على ذلك أكثر العلماء. وروى الإمام أحمد، والترمذي -وحسنه -عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: كانت صفية من الصفي. رواه أبو داود في سننه وروى أيضا بإسناده، والنسائي أيضا عن يزيد بن عبد الله قال: كنا بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أديم، فقرأناها فإذا فيها: "من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أقيش، إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي وسهم الصفي، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله". فقلنا: من كتب لك هذا؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم
سوالات
- اسلام میں ایمان کے چھ ارکان کیا ہیں؟
- اسلام موت کے بعد کی زندگی کے بارے میں کیا تعلیم دیتا ہے؟
- مسلمان انبیاء کے بارے میں کیا عقیدہ رکھتے ہیں؟
- سورۂ فاتحہ کا کیا مطلب ہے؟
- قرآن صبر کے بارے میں کیا تعلیم دیتا ہے؟
- قرآن زندگی کے مقصد کے بارے میں کیا کہتا ہے؟
- اسلام تزکیۂ قلب کو کیسے بیان کرتا ہے؟
- نبی محمد صلی اللہ علیہ وسلم کون ہیں؟