Qur'an&Sunnah

İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)

قسم V06/P553–V06/P554

3338 قوله حدثنا عبدة هو بن سليمان وهشام هو بن عروة قوله استأذن حسان بن ثابت أي بن المنذر بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي وسبب هذا الاستئذان مبين عند مسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أهجوا المشركين فإنه أشد عليهم من رشق النبل فأرسل إلى بن رواحة فقال اهجهم فهجاهم فلم يرض فأرسل إلى كعب بن مالك ثم أرسل إلى حسان فقال قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه فجعل يحركه ثم قال والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فرى الأديم قال لا تعجل وروى أحمد من حديث كعب بن مالك قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اهجوا المشركين بالشعر فإن المؤمن يجاهد بنفسه وما له والذي نفس محمد بيده كأنما تنضحونهم بالنبل وروى أحمد والبزار من حديث عمار بن ياسر قال لما هجانا المشركون قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا لهم كما يقولون لكم قوله كيف بنسبي فيهم أي كيف تهجو قريشا مع اجتماعي معهم في نسب واحد وفي هذا إشارة إلى أن معظم طرق الهجو العض بالآباء قوله لأسلنك منهم أي لأخلصن نسبك من نسبهم بحيث يختص الهجو بهم دونك وفي رواية أبي سلمة المذكور فقال ائت أبا بكر فإنه أعلم قريش بأنسابها حتى يخلص لك نسبي فأتاه حسان ثم رجع فقال قد محض لي نسبك قوله كما تسل الشعرة من العجين أشار بذلك إلى أن الشعرة إذا أخرجت من العجين لا يتعلق بها منه شيء لنعومتها بخلاف ما إذا سلت من العسل مثلا فإنها قد يعلق بها منه شيء وأما إذا سلت من الخبز فإنها قد تنقطع قبل أن تخلص قوله وعن أبيه هو موصول بالإسناد المذكور إلى عروة وليس بمعلق وقد أخرجه المصنف في الأدب عن محمد بن سلام عن عبدة بهذا الإسناد فقال فيه وعن هشام عن أبيه فذكر الزيادة وكذلك أخرجه في الأدب المفرد قوله كان ينافح بكسر الفاء بعدها مهملة ومعناها يدافع أو يرامي قال الكشميهني في رواية أبي ذر عنه نفحت الدابة إذا رمحت بحوافرها ونفحه بالسيف إذا تناوله من بعيد وأصل النفح بالمهملة الضرب وقيل للعطاء نفح كأن المعطي يضرب السائل به ووقع في رواية أبي سلمة المذكورة قالت عائشة فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحسان أن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله قالت وسمعته يقول هجاهم حسان فشفى وأشفى وقد تقدم في أوائل الصلاة ما يدل على أن المراد بروح القدس جبريل عليه السلام ويأتي الكلام على الشعر وأحكامه في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب ما جاء في أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم )

قسم V06/P554

وقوله عز وجل محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار وقوله من بعدي اسمه أحمد كأنه يشير إلى أن هذين الإسمين أشهر أسمائه وأشهرهما محمد وقد تكرر في القرآن وأما أحمد فذكر فيه حكاية عن قول عيسى عليه السلام فأما محمد فمن باب التفعيل للمبالغة وأما أحمد فمن باب التفضيل وقيل سمي أحمد لأنه علم منقول من صفة وهي أفعل التفضيل ومعناه أحمد الحامدين وسبب ذلك ما ثبت في الصحيح أنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله وقيل الأنبياء حمادون وهو أحمدهم أي أكثرهم حمدا أو أعظمهم في صفة الحمد وأما محمد فهو منقول من صفة الحمد أيضا وهو بمعنى محمود وفيه معنى المبالغة وقد أخرج المصنف في التاريخ الصغير من طريق علي بن زيد قال كان أبو طالب يقول وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد والمحمد الذي حمد مرة بعد مرة كالممدح قال الأعشى إليك أبيت اللعن كان وجيفها إلى الماجد القرم الجواد المحمد أي الذي حمد مرة بعد مرة أو الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة قال عياض كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحمد قبل أن يكون محمدا كما وقع في الوجود لأن تسميته أحمد وقعت في الكتب السالفة وتسميته محمدا وقعت في القرآن العظيم وذلك أنه حمد ربه قبل أن يحمده الناس وكذلك في الآخرة يحمد ربه فيشفعه فيحمده الناس وقد خص بسورة الحمد وبلواء الحمد وبالمقام المحمود وشرع له الحمد بعد الأكل وبعد الشرب وبعد الدعاء وبعد القدوم من السفر وسميت أمته الحمادين فجمعت له معاني الحمد وأنواعه صلى الله عليه وسلم وذكر فيه حديثين أحدهما

قسم V06/P554–V06/P557

3339 قوله عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه كذا وقع موصولا عند معن بن عيسى عن مالك وقال الأكثر عن مالك عن الزهري عن محمد بن جبير مرسلا ووافق معنا على وصله عن مالك جويرية بن أسماء عند الإسماعيلي ومحمد بن المبارك وعبد الله بن نافع عند أبي عوانة وأخرجه الدارقطني في الغرائب عن آخرين عن مالك وقال أن أكثر أصحاب مالك أرسلوه قلت وهو معروف الإتصال عن غير مالك وصله يونس بن يزيد وعقيل ومعمر وحديثهم عند مسلم وشعبة وحديثه عند المصنف في التفسير وبن عيينة عند مسلم أيضا والترمذي كلهم عن الزهري ورواه عن جبير بن مطعم أيضا ولده الآخر نافع وفي حديثه زيادة وعند المصنف في التاريخ وأخرجه أحمد وبن سعد وصححه الحاكم وفي الباب عن أبي موسى الأشعري عند مسلم والمصنف في التاريخ وعن حذيفة عند المصنف في التاريخ والترمذي وبن سعد وعن بن عباس وأبي الطفيل عند بن عدي ومن مرسل مجاهد عند بن سعد وسأذكر ما في رواياتهم من زيادة فائدة قوله عن محمد بن جبير في رواية شعيب المذكورة عن الزهري أخبرني محمد بن جبير قوله لي خمسة أسماء في رواية نافع بن جبير عند بن سعد أنه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له أتحصي أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان جبير بن مطعم يعدها قال نعم هي ست فذكر الخمسة التي ذكرها محمد بن جبير وزاد الخاتم لكن روى البيهقي في الدلائل من طريق بن أبي حفصة عن الزهري في حديث محمد بن جبير بن مطعم وأنا العاقب قال يعني الخاتم وفي حديث حذيفة أحمد ومحمد والحاشر والمقفى ونبي الرحمة وكذا في حديث أبي موسى إلا أنه لم يذكر الحاشر وزعم بعضهم أن العدد ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ذكره الراوي بالمعنى وفيه نظر لتصريحه في الحديث بقوله أن لي خمسة أسماء والذي يظهر أنه أراد أن لي خمسة أسماء أختص بها لم يسم بها أحد قبلي أو معظمه أو مشهورة في الأمم الماضية لا أنه أراد الحصر فيها قال عياض حمى الله هذه الأسماء أن يسمي بها أحد قبله وإنما تسمى بعض العرب محمدا قرب ميلاده لما سمعوا من الكهان والأحبار أن نبيا سيبعث في ذلك الزمان يسمى محمدا فرجوا أن يكونوا هم فسموا أبناءهم بذلك قال وهم ستة لا سابع لهم كذا قال وقال السهيلي في الروض لا يعرف في العرب من تسمى محمدا قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة محمد بن سفيان بن مجاشع ومحمد بن أحيحة بن الجلاح ومحمد بن حمران بن ربيعة وسبق السهيلي إلى هذا القول أبو عبد الله بن خالويه في كتاب ليس وهو حصر مردود وقد جمعت أسماء من تسمى بذلك في جزء مفرد فبلغوا نحو العشرين لكن مع تكرر في بعضهم ووهم في بعض فيتلخص منهم خمسة عشر نفسا وأشهرهم محمد بن عدي بن ربيعة بن سواءة بن جشم بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي السعدي روى حديثه البغوي وبن سعد وبن شاهين وبن السكن وغيرهم من طريق العلاء بن الفضل عن أبيه عن جده عبد الملك بن أبي سوية عن أبيه عن أبي سوية عن أبيه خليفة بن عبدة المنقري قال سألت محمد بن عدي بن ربيعة كيف سماك أبوك في الجاهلية محمدا قال سألت أبي عما سألتني فقال خرجت رابع أربعة من بني تميم أنا أحدهم وسفيان بن مجاشع ويزيد بن عمرو بن ربيعة وأسامة بن مالك بن حبيب بن العنبر نريد بن جفنة الغساني بالشام فنزلنا على غدير عند دير فأشرف علينا الديراني فقال لنا إنه يبعث منكم وشيكا نبي فسارعوا إليه فقلنا ما اسمه قال محمد فلما انصرفنا ولد لكل منا ولد فسماه محمدا لذلك انتهى وقال بن سعد أخبرنا علي بن محمد عن مسلمة بن محارب عن قتادة بن السكن قال كان في بني تميم محمد بن سفيان بن مجاشع قيل لأبيه إنه سيكون نبي في العرب اسمه محمد فسمى ابنه محمدا فهؤلاء أربعة ليس في السياق ما يشعر بأن فيهم من له صحبة إلا محمد بن عدي وقد قال بن سعد لما ذكره في الصحابة عداده في أهل الكوفة وذكر عبدان المروزي أن محمد بن أحيحة بن الجلاح أول من تسمى في الجاهلية محمدا وكأنه تلقى ذلك من قصة تبع لما حاصر المدينة وخرج إليه أحيحة المذكور هو والحبر الذي كان عندهم بيثرب فأخبره الحبر أن هذا بلد نبي يبعث يسمى محمدا فسمى ابنه محمدا وذكر البلاذري منهم محمد بن عقبة بن أحيحة فلا أدري أهما واحد نسب مرة إلى جده أم هما اثنان ومنهم محمد بن البراء البكري ذكره بن حبيب وضبط البلاذري أباه فقال محمد بن بر بتشديد الراء ليس بعدها ألف بن طريف بن عتوارة بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ولهذا نسبوه أيضا العتواري وغفل بن دحية فعد فيهم محمد بن عتوارة وهو هو نسب لجده الأعلى ومنهم محمد بن اليحمد الأزدي ذكره المفجع البصري في كتاب المعقد ومحمد بن خولي الهمداني وذكره بن دريد ومنهم محمد بن حرماز بن مالك اليعمري ذكره أبو موسى في الذيل ومنهم محمد بن حمران بن أبي حمران واسمه ربيعة بن مالك الجعفي المعروف بالشويعر ذكره المرزباني فقال هو أحد من سمي محمدا في الجاهلية وله قصة مع امرئ القيس ومنهم محمد بن خزاعي بن علقمة بن حرابة السلمي من بني ذكوان ذكره بن سعد عن علي بن محمد عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق قال سمي محمد بن خزاعي طمعا في النبوة وذكر الطبري أن أبرهة الحبشي توجه وأمره أن يغزو بني كنانة فقتلوه فكان ذلك من أسباب قصة الفيل وذكره محمد بن أحمد بن سليمان الهروي في كتاب الدلائل فيمن تسمى محمدا في الجاهلية وذكر بن سعد لأخيه قيس بن خزاعي يذكره من أبيات يقول فيها فذلكم ذو التاج منا محمد ورايته في حومة الموت تخفق ومنهم محمد بن عمرو بن مغفل بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الفاء ثم لام وهو والد هبيب بموحدتين مصغر وهو على شرط المذكورين فإن لولده صحبة ومات هو في الجاهلية ومنهم محمد بن الحارث بن حديج بن حويص ذكره أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمرين وذكر له قصة مع عمرو وقال إنه أحد من سمي في الجاهلية محمدا ومنهم محمد الفقيمي ومحمد الأسيدي ذكرهما بن سعد ولم ينسبهما بأكثر من ذلك فعرف بهذا وجه الرد على الحصر الذي ذكره السهيلي وكذا الذي ذكره القاضي وعجب من السهيلي كيف لم يقف على ما ذكره عياض مع كونه كان قبله وقد تحرر لنا من أسمائهم قدر الذي ذكره القاضي مرتين بل ثلاث مرار فإنه ذكر في الستة الذين جزم بهم محمد بن مسلمة وهو غلط فإنه ولد بعد ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم بمدة ففضل له خمسة وقد خلص لنا خمسة عشر والله المستعان قوله وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر قيل المراد إزالة ذلك من جزيرة العرب وفيه نظر لأنه وقع في رواية عقيل ومعمر يمحو بي الله الكفرة ويجاب بأن المراد إزالة الكفر بإزالة أهله وإنما قيد بجزيرة العرب لأن الكفر ما انمحى من جميع البلاد وقيل إنه محمول على الأغلب أو أنه ينمحي بسببه أولا فأولا إلى أن يضمحل في زمن عيسى بن مريم فإنه يرفع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام وتعقب بأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس ويجاب بجواز أن يرتد بعضهم بعد موت عيسى وترسل الريح فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة فحينئذ فلا يبقى إلا الشرار وفي رواية نافع بن جبير وأنا الماحي فإن الله يمحو به سيئات من اتبعه وهذا يشبه أن يكون من قول الراوي قوله وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي أي على أثري أي أنه يحشر قبل الناس وهو موافق لقوله في الرواية الأخرى يحشر الناس على عقبي ويحتمل أن يكون المراد بالقدم الزمان أي وقت قيامي على قدمي بظهور علامات الحشر إشارة إلى أنه ليس بعده نبي ولا شريعة واستشكل التفسير بأنه يقضي بأنه محشور فكيف يفسر به حاشر وهو اسم فاعل وأجيب بأن إسناد الفعل إلى الفاعل إضافة والإضافة تصح بأدنى ملابسة فلما كان لا أمة بعد أمته لأنه لا نبي بعده نسب الحشر إليه لأنه يقع عقبة ويحتمل أن يكون معناه أنه أول من يحشر كما جاء في الحديث الآخر أنا أول من تنشق عنه الأرض وقيل معنى القدم السبب وقيل المراد على مشاهدتي قائما لله شاهدا على الأمم ووقع في رواية نافع بن جبير وأنا حاشر بعثت مع الساعة وهو يرجح الأول تنبيه قوله على عقبي بكسر الموحدة مخففا على الإفراد ولبعضهم بالتشديد على التثنية والموحدة مفتوحة قوله وأنا العاقب زاد يونس بن يزيد في روايته عن الزهري الذي ليس بعده نبي وقد سماه الله رءوفا رحيما قال البيهقي في الدلائل قوله وقد سماه الله الخ مدرج من قول الزهري قلت وهو كذلك وكأنه أشار إلى ما في آخر سورة براءة وأما قوله الذي ليس بعده نبي فظاهره الإدراج أيضا لكن وقع في رواية سفيان بن عيينة عند الترمذي وغيره بلفظ الذي ليس بعدي نبي ووقع في رواية نافع بن جبير أنه عقب الأنبياء وهو محتمل للرفع والوقف ومما وقع من أسمائه في القرآن بالإتفاق الشاهد المبشر النذير المبين الداعي إلى الله السراج المنير وفيه أيضا المذكر والرحمة والنعمة والهادي والشهيد والأمين والمزمل والمدثر وتقدم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المتوكل ومن أسمائه المشهورة المختار والمصطفى والشفيع المشفع والصادق المصدوق وغير ذلك قال بن دحية في تصنيف له مفرد في الأسماء النبوية قال بعضهم أسماء النبي صلى الله عليه وسلم عدد أسماء الله الحسني تسعة وتسعون اسما قال ولو بحث عنها باحث لبلغت ثلاثمائة اسم وذكر في تصنيفه المذكور أماكنها من القرآن والأخبار وضبط ألفاظها وشرح معانيها واستطرد كعادته إلى فوائد كثيرة وغالب الأسماء التي ذكرها وصف بها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد الكثير منها على سبيل التسمية مثل عده اللبنة بفتح اللام وكسر الموحدة ثم النون في أسمائه للحديث المذكور في الباب بعده في القصر الذي من ذهب وفضة إلا موضع لبنة قال فكنت أنا اللبنة كذا وقع في حديث أبي هريرة وفي حديث جابر موضع اللبنة وهو المراد ونقل بن العربي في شرح الترمذي عن بعض الصوفية أن لله ألف اسم ولرسوله ألف اسم وقيل الحكمة في الاقتصار على الخمسة المذكورة في هذا الحديث أنها أشهر من غيرها موجودة في الكتب القديمة وبين الأمم السالفة الحديث الثاني

قسم V06/P557–V06/P558

3340 قوله سفيان هو بن عيينة قوله عن أبي الزناد في رواية حدثنا أبو الزناد قوله ألا تعجبون في رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عند المصنف في التاريخ يا عباد الله انظروا وله من طريق محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ ألم تروا كيف والباقي سواء قوله يشتمون مذمما كان الكفار من قريش من شدة كراهتهم في النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمونه باسمه الدال على المدح فيعدلون إلى ضده فيقولون مذمم وإذا ذكروه بسوء قالوا فعل الله بمذمم ومذمم ليس هو اسمه ولا يعرف به فكان الذي يقع منهم في ذلك مصروفا إلى غيره قال بن التين استدل بهذا الحديث من أسقط حد القذف بالتعريض وهم الأكثر خلافا لمالك وأجاب بأنه لم يقع في الحديث أنه لا شيء عليهم في ذلك بل الواقع أنهم عوقبوا على ذلك بالقتل وغيره انتهى والتحقيق أنه لا حجة في ذلك اثباتا ولا نفيا والله أعلم واستنبط منه النسائي أن من تكلم بكلام مناف لمعنى الطلاق ومطلق الفرقة وقصد به الطلاق لا يقع كمن قال لزوجته كلي وقصد الطلاق فإنها لا تطلق لأن الأكل لا يصلح أن يفسر به الطلاق بوجه من الوجوه كما أن مذمما لا يمكن أن يفسر به محمد عليه أفضل الصلاة والسلام بوجه من الوجوه 1 ( قوله باب خاتم النبيين ) أي أن المراد بالخاتم في أسمائه أنه خاتم النبيين ولمح بما وقع في القرآن وأشار إلى ما أخرجه في التاريخ من حديث العرباض بن سارية رفعه إني عبد الله وخاتم النبيين وأن آدم لمنجدل في طينته الحديث وأخرجه أيضا أحمد وصححه بن حبان والحاكم فأورد فيه حديثي أبي هريرة وجابر ومعناهما واحد وسياق أبي هريرة أتم ووقع في آخر حديث جابر عند الإسماعيلي من طريق عفان عن سليم بن حيان فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء 3341 قوله مثلي ومثل الأنبياء كرجل بني دارا قيل المشبه به واحد والمشبه جماعة فكيف صح التشبيه وجوابه أنه جعل الأنبياء كرجل واحد لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا باعتبار الكل وكذلك الدار لا تتم إلا باجتماع البنيان ويحتمل أن يكون من التشبيه التمثيلي وهو أن يوجد وصف من أوصاف المشبه ويشبه بمثله من أحوال المشبه به فكأنه شبة الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس ببيت أسست قواعده ورفع بنيانه وبقي منه موضع به يتم صلاح ذلك البيت وزعم بن العربي أن اللبنة المشار إليها كانت في أس الدار المذكورة وأنها لولا وضعها لانقضت تلك الدار قال وبهذا يتم المراد من التشبيه المذكور انتهى وهذا إن كان منقولا فهو حسن وإلا فليس بلازم نعم ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها وقد وقع في رواية همام عند مسلم إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها فيظهر أن المراد أنها مكملة محسنة وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها كان ناقصا وليس كذلك فإن شريعة كل نبي بالنسبة إليه كاملة فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع ما مضى من الشرائع الكاملة قوله لولا موضع اللبنة بفتح اللام وكسر الموحدة بعدها نون وبكسر اللام وسكون الموحدة أيضا هي القطعة من الطين تعجن وتجبل وتعد للبناء ويقال لها ما لم تحرق لبنة فإذا أحرقت فهي آجرة وقوله موضع اللبنة بالرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف أي لولا موضع اللبنة يوهم النقص لكان بناء الدار كاملا ويحتمل أن تكون لولا تحضيضية وفعلها محذوف تقديره لولا أكمل موضع اللبنة ووقع في رواية همام عند أحمد ألا وضعت ها هنا لبنة فيتم بنيانك وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للأفهام وفضل النبي صلى الله عليه وسلم على سائر النبيين وأن الله ختم به المرسلين وأكمل به شرائع الدين 1 ( قوله باب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم )

قسم V06/P558–V06/P560

كذا وقعت هذه الترجمة عند أبي ذر وسقطت من رواية النسفي ولم يذكرها الإسماعيلي وفي ثبوتها هنا نظر فإن محلها في آخر المغازي كما سيأتي والذي يظهر أن المصنف قصد بإيراد حديث عائشة هنا بيان مقدار عمر النبي صلى الله عليه وسلم فقط لا خصوص زمن وفاته وأورده في الأسماء إشارة إلى أن من جملة صفاته عند أهل الكتاب أن مدة عمره القدر الذي عاشه وسيأتي نقل الخلاف في مقداره في آخر المغازي إن شاء الله تعالى 3343 قوله قال بن شهاب وأخبرني سعيد بن المسيب مثله أي مثل ما أخبر عروة عن عائشة وقول بن شهاب موصول بالإسناد المذكور وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق موسى بن عقبة عن بن شهاب بالإسنادين معا مفرقا وهو من مرسل سعيد بن المسيب ويحتمل أن يكون سعيد أيضا سمعه من عائشة رضي الله عنها 1 ( قوله باب كنية النبي صلى الله عليه وسلم ) الكنية بضم الكاف وسكون النون مأخوذة من الكناية تقول كنيت عن الأمر بكذا إذا ذكرته بغير ما يستدل به عليه صريحا وقد اشتهرت الكنى للعرب حتى ربما غلبت على الأسماء كأبي طالب وأبي لهب وغيرهما وقد يكون للواحد كنية واحدة فأكثر وقد يشتهر باسمه وكنيته جميعا فالاسم والكنية واللقب يجمعها العلم بفتحتين وتتغاير بأن اللقب ما أشعر بمدح أو ذم والكنية ما صدرت بأب أو أم وما عدا ذلك فهو اسم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكنى أبا القاسم بولده القاسم وكان أكبر أولاده واختلف هل مات قبل البعثة أو بعدها وقد ولد له إبراهيم في المدينة من مارية ومضى شيء من أمره في الجنائز وفي حديث أنس أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم السلام عليك يا أبا إبراهيم وأورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث أنس أورده مختصرا وقد مضى في البيوع بأتم منه وفيه أن الرجل قال له لم أعنك وحينئذ نهى عن التكني بكنيته ثانيها حديث جابر وسالم الراوي عنه هو بن الجعد وأورده أيضا مختصرا وقد مضى في الخمس بأتم منه أيضا وقوله 3345 في أوله حدثنا محمد بن كثير حدثنا شعبة كذا للأكثر وفي رواية أبي علي بن السكن سفيان بدل شعبة ومال الجياني إلى ترجيح الأكثر فإن مسلما أخرجه من طريق شعبة عن منصور ثالثها حديث أبي هريرة 3346 قوله قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم كذا وقع في هذه الطريق وهو لطيف وتقدم في العلم بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اختلف في جواز التكني بكنيته صلى الله عليه وسلم فالمشهور عن الشافعي المنع على ظاهر هذه الأحاديث وقيل يختص ذلك بزمانه وقيل بمن تسمى باسمه وسيأتي بسط ذلك وتوجيه هذه المذاهب في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب كذا ) للأكثر بغير ترجمة كأبي ذر وأبي زيد من رواية القابسي عنه وكريمة وكذا للنسفي وجزم به الإسماعيلي وضمه بعضهم إلى الباب الذي قبله ولا تظهر مناسبته له ولا يصلح أن يكون فصلا من الذي قبله بل هو طرف من الحديث الذي بعده ولعل هذا من تصرف الرواة نعم وجهه بعض شيوخنا بأنه أشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان ذا اسم وكنية لكن لا ينبغي أن ينادي بشيء منهما بل يقال له يا رسول الله كما خاطبته خالة السائب لما أتت به إليه ولا يخفى تكلفه

قسم V06/P560–V06/P561

3347 قوله جلدا بفتح الجيم وسكون اللام أي قويا صلبا قوله بن أربع وتسعين يشعر بأنه رآه سنة اثنتين وتسعين لأنه كان له يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم ثمان سنين كما ثبت من حديثه ففيه رد لقول الواقدي إنه مات سنة إحدى وتسعين على أنه يمكن توجيه قوله وأبعد من قال مات قبل التسعين وقد قيل إنه مات سنة ست وتسعين وهو أشبه قال بن أبي داود هو آخر من مات من الصحابة بالمدينة وقال غيره بل محمود بن الربيع وقيل بل محمود بن لبيد فإنه مات سنة تسع وتسعين 1 ( قوله باب خاتم النبوة ) أي صفته وهو الذي كان بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم وكان من علاماته التي كان أهل الكتاب يعرفونه بها وادعى عياض هنا أن الخاتم هو أثر شق الملكين لما بين كتفيه وتعقبه النووي فقال هذا باطل لأن الشق إنما كان في صدره وبطنه وكذا قال القرطبي وأثره إنما كان خطأ واضحا من صدره إلى مراق بطنه كما في الصحيحين قال ولم يثبت قط أنه بلغ بالشق حتى نفذ من وراء ظهره ولو ثبت للزم عليه أن يكون مستطيلا من بين كتفيه إلى قطنته لأنه الذي يحاذي الصدر من سرته إلى مراق بطنه قال فهذه غفلة من هذا الإمام ولعل ذلك وقع من بعض نساخ كتابه فإنه لم يسمع عليه فيما علمت كذا قال وقد وقفت على مستند القاضي وهو حديث عتبة بن عبد السلمي الذي أخرجه أحمد والطبراني وغيرهما عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان بدء أمرك فذكر القصة في ارتضاعه في بني سعد وفيه أن الملكين لما شقا صدره قال أحدهما للآخر خطه فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة انتهى فلما ثبت أن خاتم النبوة كان بين كتفيه حمل ذلك عياض على أن الشق لما وقع في صدره ثم خيط حتى التأم كما كان ووقع الختم بين كتفيه كان ذلك أثر الشق وفهم النووي وغيره منه أن قوله بين كتفيه متعلق بالشق وليس كذلك بل هو متعلق بأثر الختم ويؤيده ما وقع في حديث شداد بن أوس عند أبي يعلى والدلائل لأبي نعيم أن الملك لما أخرج قلبه وغسله ختم ثم أعاده عليه بخاتم في يده من نور فامتلأ نورا وذلك نور النبوة والحكمة فيحتمل أن يكون ظهر من وراء ظهره عند كتفه الأيسر لأن القلب في تلك الجهة وفي حديث عائشة عند أبي داود الطيالسي والحارث بن أبي أسامة والدلائل لأبي نعيم أيضا أن جبريل وميكائيل لما تراءيا له عند المبعث هبط جبريل فسلقني لحلاوة الغفا ثم شق عن قلبي فاستخرجه ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم أعاده مكانه ثم لأمه ثم ألقاني وختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم في قلبي وقال اقرأ الحديث هذا مستند القاضي فيما ذكره وليس بباطل ومقتضى هذه الأحاديث أن الخاتم لم يكن موجودا حين ولادته ففيه تعقيب على من زعم أنه ولد به وهو قول نقله أبو الفتح اليعمري بلفظ قيل ولد به وقيل حين وضع نقله مغلطاي عن يحيى بن عائذ والذي تقدم أثبت ووقع مثله في حديث أبي ذر عند أحمد والبيهقي في الدلائل وفيه وجعل خاتم النبوة بين كتفي كما هو الآن وفي حديث شداد بن أوس في المغازي لابن عائد في قصة شق صدره وهو في بلاد بني سعد بن بكر وأقبل وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدييه الحديث وهذا قد يؤخذ منه أن الختم وقع في موضعين من جسده والعلم عند الله

قسم V06/P561–V06/P563

3348 قوله حدثنا محمد بن عبيد الله بالتصغير هو أبو ثابت المدني مشهور بكنيته والإسناد كله مدنيون وأصل شيخه حاتم بن إسماعيل كوفي قوله ذهبت بي خالتي لم أقف على اسمها وأما أمه فاسمها علبة بضم المهملة وسكون اللام بعدها موحدة بنت شريح أخت مخرمة بن شريح قوله وقع بفتح الواو وكسر القاف وبالتنوين أي وجع وزنه ومعناه وقد مضى في الطهارة بلفظ وجع وجاء بلفظ الفعل الماضي مبنيا للفاعل والمراد أنه كان يشتكي رجله كما ثبت في غير هذا الطريق قوله فمسح رأسي ودعا لي بالبركة سيأتي شرحه في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى قوله فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه في حديث عبد الله بن سرجس عند مسلم أنه كان إلى جهة كتفه اليسرى قوله قال بن عبيد الله الحجلة من حجل الفرس الذي بين عينيه وقال إبراهيم بن حمزة مثل زر الحجلة قلت هكذا وقع وكأنه سقط منه شيء لأنه يبعد من شيخه محمد بن عبيد الله أن يفسر الحجلة ولم يقع لها في سياقه ذكر وكأنه كان فيه مثل زر الحجلة ثم فسرها وكذلك وقع في أصل النسفي تضبيب بين قوله بين كتفيه وبين قوله قال بن عبيد الله وأما التعليق عن إبراهيم بن حمزة فالمراد أنه روى هذا الحديث كما رواه محمد بن عبيد الله إلا أنه خالف في هذه الكلمة وسيأتي الحديث عنه موصولا بتمامه في كتاب الطب وقد زعم بن التين أنها في رواية بن عبيد الله بضم المهملة وسكون الجيم وفي رواية بن حمزة بفتحهما وحكى بن دحية مثله وزاد في الأول كسر المهملة مع ضمها وقيل الفرق بين رواية بن حمزة وبن عبيد الله أن رواية بن عبيد الله بتقديم الزاي على الراء على المشهور ورواية بن حمزة بالعكس بتقديم الراء على الزاي وهو مأخوذ من ارتز الشيء إذا دخل في الأرض ومنه الرزة والمراد بها هنا البيضة يقال ارتزت الجرادة إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتبيض وعلى هذا فالمراد بالحجلة الطير المعروف وجزم السهيلي بأن المراد بالحجلة هنا الكلة التي تعلق على السرير ويزين بها للعروس كالبشخانات والزر على هذا حقيقة لأنها تكون ذات أزرار وعرى واستبعد قول بن عبيد الله بأنها من حجل الفرس الذي بين عينيه بأن التحجيل إنما يكون في القوائم وأما الذي في الوجه فهو الغرة وهو كما قال إلا أن منهم من يطلقه على ذلك مجازا وكأنه أراد أنها قدر الزر وإلا فالغرة لا زر لها وجزم الترمذي بأن المراد بالحجلة الطير المعروف وأن المراد بزرها بيضها ويعضده ما سيأتي أنه مثل بيضة الحمامة وقد وردت في صفة خاتم النبوة أحاديث متقاربة لما ذكر هنا منها عند مسلم عن جابر بن سمرة كأنه بيضة حمامة ووقع في رواية بن حبان من طريق سماك بن حرب كبيضة نعامة ونبه على أنها غلط وعن عبد الله بن سرجس نظرت خاتم النبوة جمعا عليه خيلان وعند بن حبان من حديث بن عمر مثل البندقة من اللحم وعند الترمذي كبضعة ناشزة من اللحم وعند قاسم بن ثابت من حديث قرة بن إياس مثل السلعة وأما ما ورد من أنها كانت كأثر محجم أو كالشامة السوداء أو الخضراء أو مكتوب عليها محمد رسول الله أو سر فأنت المنصور أو نحو ذلك فلم يثبت منها شيء وقد أطنب الحافظ قطب الدين في استيعابها في شرح السيرة وتبعه مغلطاي في الزهر الباسم ولم يبين شيئا من حالها والحق ما ذكرته ولا تغتر بما وقع منها في صحيح بن حبان فإنه غفل حيث صحح ذلك والله أعلم قال القرطبي اتفقت الأحاديث الثابتة على أن خاتم النبوة كان شيئا بارزا أحمر عند كتفه الأيسر قدره إذا قلل قدر بيضة الحمامة وإذا كبر جمع اليد والله أعلم ووقع في حديث عبد الله بن سرجس عند مسلم أن خاتم النبوة كان بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى وفي حديث عباد بن عمرو عند الطبراني كأنه ركبة عنز على طرف كتفه الأيسر ولكن سنده ضعيف قال العلماء السر في ذلك أن القلب في تلك الجهة وقد ورد في خبر مقطوع أن رجلا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان فرأى الشيطان في صورة ضفدع عند نغض كتفه الأيسر حذاء قلبه له خرطوم كالبعوضة أخرجه بن عبد البر بسند قوي إلى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز فذكره وذكره أيضا صاحب الفائق في مصنفه في م ص ر وله شاهد مرفوع عن أنس عند أبي يعلى وبن عدي ولفظه أن الشيطان واضع خطمه على قلب بن آدم الحديث وأورد بن أبي داود في كتاب الشريعة من طريق عروة بن رويم أن عيسى عليه السلام سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من بن آدم قال فإذا برأسه مثل الحية واضع رأسه على تمرة القلب فإذا ذكر العبد ربه خنس وإذا غفل وسوس قلت وسيأتي لهذا مزيد في آخر التفسير قال السهيلي وضع خاتم النبوة عند نغض كتفه صلى الله عليه وسلم لأنه معصوم من وسوسة الشيطان وذلك الموضع يدخل منه الشيطان

قسم V06/P563–V06/P567

1 ( قوله باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم ) أي خلقه وخلقه وأورد فيه أربعة وعشرين حديثا الأول حديث أبي بكر المشتمل على أن الحسن بن علي كان يشبه جده صلى الله عليه وسلم 3349 قوله عن بن أبي مليكة في رواية الإسماعيلي أخبرني وفي أخرى حدثني بن أبي مليكة قوله عن عقبة بن الحارث في رواية الإسماعيلي أخبرني عقبة بن الحارث قوله صلى أبو بكر رضي الله عنه العصر ثم خرج يمشي زاد الإسماعيلي في رواية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بليال وعلي يمشي إلى جانبه قوله بأبي فيه حذف تقديره أفديه بأبي ووقع في رواية الإسماعيلي وارتجز فقال وابأبي شبيه بالنبي وفي تسمية هذا رجزا نظر لأنه ليس بموزون وكأنه أطلق على السجع رجزا ووقع من بعض الرواة تغيير وتصحيف رواية الأصل ولعلها كانت وابأبي وابأبي كما دلت عليه رواية الإسماعيلي المذكورة فهذا يكون من مجزوء الرجز لكن قوله شبيه بالنبي يحتاج إلى شيء قبله فلعله كان شخص أو أنت شبيه بالنبي أو نحو ذلك وأما الثالث فموزون قوله وعلي يضحك في رواية الإسماعيلي وعلي يتبسم أي رضا بقول أبي بكر وتصديقا له وقد وافق أبا بكر على أن الحسن كان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم أبو جحيفة كما سيأتي في الحديث الذي بعده ووقع في حديث أنس كما سيأتي في المناقب أن الحسين بن علي كان أشبههم بالنبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي وجه التوفيق بينهما في المناقب إن شاء الله تعالى وأذكر فيه من شاركهما في ذلك إن شاء الله تعالى وفي الحديث فضل أبي بكر ومحبته لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي في المناقب قوله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي وفيه ترك الصبي المميز يلعب لأن الحسن إذ ذاك كان بن سبع سنين وقد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ عنه ولعبه محمول على ما يليق بمثله في ذلك الزمان من الأشياء المباحة بل على ما فيه تمرين وتنشيط ونحو ذلك والله أعلم الحديث الثاني وحديث أبي جحيفة أورده من طريقين وإسماعيل فيهما هو بن أبي خالد وبن فضيل بالتصغير هو محمد 3351 قوله كان أبيض قد شمط بفتح المعجمة وكسر الميم أي صار سواد شعره مخالطا لبياضه وقد بين في الرواية التي تلي هذا أن موضع الشمط كان في العنفقة ويؤيد ذلك حديث عبد الله بن بسر المذكور بعده والعنفقة ما بين الذقن والشفة السفلى سواء كان عليها شعر أم لا وتطلق على الشعر أيضا وعند مسلم من رواية زهير عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه منه بيضاء وأشار إلى عنفقته قيل مثل من أنت يومئذ قال أبري النبل وأريشها قوله وأمر لنا أي له ولقومه من بني سواءة بضم المهملة وتخفيف الواو والمد والهمز وآخره هاء تأنيث بن عامر بن صعصعة وكان أمر لهم بذلك على سبيل جائزة الوفد قوله فلوصا بفتح القاف هي الأنثى من الإبل وقيل الشابة وقيل الطويلة القوائم وقوله فقبض النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن نقبضها فيه إشعار بأن ذلك كان قرب وفاته صلى الله عليه وسلم وقد شهد أبو جحيفة ومن معه من قومه حجة الوداع كما في الرواية التي بعد هذه فالذي يظهر أن أبا بكر وفي لهم بالوعد المذكور كما صنع بغيرهم ثم وجدت ذلك منقولا صريحا ففي رواية الإسماعيلي من طريق محمد بن فضيل بالإسناد المذكور فذهبنا نقبضها فأتانا موته فلم يعطونا شيئا فلما قام أبو بكر قال من كانت له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة فليجيء فقمت إليه فأخبرته فأمر لنا بها وقد تقدم البحث في هذه المسألة في الهبة الحديث الثالث حديث أبي جحيفة أيضا

قسم V06/P567–V06/P568

3352 قوله عن وهب أبي جحيفة هو اسم أبي جحيفة وهو مشهور بكنيته أكثر من اسمه وكان يقال له أيضا وهب الله ووهب الخير قوله ورأيت بياضا من تحت شفته السفلى العنفقة بالكسر على أنه بدل من الشفة وبالنصب على أنه بدل من قوله بياضا ووقع عند الإسماعيلي من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل بهذا الإسناد من تحت شفته السفلى مثل موضع إصبع العنفقة وإصبع في هذه الرواية بالتنوين وإعراب العنفقة كالذي قبله وفي رواية شبابة بن سوار عن إسرائيل عنده رأيت النبي صلى الله عليه وسلم شابت عنفقته الحديث الرابع وهو من ثلاثياته 9 3353 قوله حدثنا عصام بن خالد هو أبو إسحاق الحمصي الحضرمي من كبار شيوخ البخاري وليس له عنه في الصحيح غيره وأما حريز فهو بفتح المهملة وتقدم قريبا أنه من صغار التابعين قوله أرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون أرأيت بمعنى أخبرني والنبي بالرفع على أنه اسم كان والتقدير أخبرني أكان النبي صلى الله عليه وسلم شيخا ويحتمل أن يكون أرأيت استفهاما منه هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ويكون النبي بالنصب على المفعولية وقوله كان شيخا استفهام ثان حذفت منه أداة الاستفهام ويؤيد هذا الثاني رواية الإسماعيلي من وجه آخر عن حريز بن عثمان قال رأيت عبد الله بن بسر صاحب النبي صلى الله عليه وسلم بحمص والناس يسألونه فدنوت منه وأنا غلام فقلت أنت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قلت شيخ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أم شاب قال فتبسم وفي رواية له فقلت له أكان النبي صلى الله عليه وسلم صبغ قال يا بن أخي لم يبلغ ذلك قوله قال كان في عنفقته شعرات بيض في رواية الإسماعيلي إنما كانت شعرات بيض وأشار إلى عنفقته وسيأتي بعد حديثين قول أنس إنما كان شيء في صدغيه وسيأتي وجه الجمع بينهما إن شاء الله تعالى الحديث الخامس حديث أنس من رواية ربيعة عنه وهو بن أبي عبد الرحمن فروخ الفقيه المدني المعروف بربيعة الرأي وقد أورده من طريقين أحدهما من رواية خالد وهو بن يزيد الجمحي المصري وكان من أقران الليث بن سعد لكنه مات قبله وقد أكثر عنه الليث

قسم V06/P568–V06/P570

3354 قوله كان ربعة بفتح الراء وسكون الموحدة أي مربوعا والتأنيث باعتبار النفس يقال رجل ربعة وامرأة ربعة وقد فسره في الحديث المذكور بقوله ليس بالطويل البائن ولا بالقصير والمراد بالطويل البائن المفرط في الطول مع اضطراب القامة وسيأتي في حديث البراء بعد قليل أنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم مربوعا ووقع في حديث أبي هريرة عند الذهلي في الزهريات بإسناد حسن كان ربعة وهو إلى الطول أقرب قوله أزهر اللون أي أبيض مشرب بحمرة وقد وقع ذلك صريحا في حديث أنس من وجه آخر عند مسلم وعند سعيد بن منصور والطيالسي والترمذي والحاكم من حديث علي قال كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض مشربا بياضه بحمرة وهو عند بن سعد أيضا عن على وعن جابر وعند البيهقي من طرق عن علي وفي الشمائل من حديث هند بن أبي هالة أنه أزهر اللون قوله ليس بأبيض أمهق كذا في الأصول ووقع عند الداودي تبعا لرواية المروزي أمهق ليس بأبيض واعترضه الداودي وقال عياض إنه وهم قال وكذلك رواية من روى أنه ليس بالأبيض ولا الآدم ليس بصواب كذا قال وليس بجيد في هذا الثاني لأن المراد أنه ليس بالأبيض الشديد البياض ولا بالآدم الشديد الأدمة وإنما يخالط بياضه الحمرة والعرب قد تطلق على من كان كذلك أسمر ولهذا جاء في حديث أنس عند أحمد والبزار وبن منده بإسناد صحيح وصححه بن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أسمر وقد رد المحب الطبري هذه الرواية بقوله في حديث الباب من طريق مالك عن ربيعة ولا بالأبيض الأمهق وليس بالآدم والجمع بينهما ممكن وأخرجه البيهقي في الدلائل من وجه آخر عن أنس فذكر الصفة النبوية قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض بياضه إلى السمرة وفي حديث يزيد الرقاشي عن بن عباس في صفة النبي صلى الله عليه وسلم رجل بين رجلين جسمه ولحمه أحمر وفي لفظ أسمر إلى البياض أخرجه أحمد وسنده حسن وتبين من مجموع الروايات أن المراد بالسمرة الحمرة التي تخالط البياض وأن المراد بالبياض المثبت ما يخالطه الحمرة والمنفى ما لا يخالطه وهو الذي تكره العرب لونه وتسميه أمهق وبهذا تبين أن رواية المروزي أمهق ليس بأبيض مقلوبة والله أعلم على أنه يمكن توجيهها بأن المراد بالأمهق الأخضر اللون الذي ليس بياضه في الغاية ولا سمرته ولا حمرته فقد نقل عن رؤبة أن المهق خضرة الماء فهذا التوجيه يتم على تقدير ثبوت الرواية وقد تقدم في حديث أبي جحيفة إطلاق كونه أبيض وكذا في حديث أبي الطفيل عند مسلم وفي رواية عند الطبراني ما أنسى شدة بياض وجهه مع شدة سواد شعره وكذا في شعر أبي طالب المتقدم في الاستسقاء وأبيض يستسقي الغمام بوجهه وفي حديث سراقة عند بن إسحاق فجعلت أنظر إلى ساقه كأنها جمارة ولأحمد من حديث محرش الكعبي في عمرة الجعرانة أنه قال فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة وعن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصف النبي صلى الله عليه وسلم فقال كان شديد البياض أخرجه يعقوب بن سفيان والبزار بإسناد قوي والجمع بينهما بما تقدم وقال البيهقي يقال إن المشرب منه حمرة وإلى السمرة ما ضحى منه للشمس والريح وأما ما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر قلت وهذا ذكره بن أبي خيثمة عقب حديث عائشة في صفته صلى الله عليه وسلم بأبسط من هذا وزاد ولونه الذي لا يشك فيه الأبيض الأزهر وأما ما وقع في زيادات عبد الله بن أحمد في المسند من طريق علي أبيض مشرب شديد الوضح فهو مخالف لحديث أنس ليس بالأمهق وهو أصح ويمكن الجمع بحمل ما في رواية علي على ما تحت الثياب مما لا يلاقي الشمس والله أعلم قوله ليس بجعد قطط ولا سبط بفتح أوله وكسر الموحدة والجعودة في الشعر أن لا يتكسر ولا يسترسل والسبوطة ضده فكأنه أراد أنه وسط بينهما ووقع في حديث علي عند الترمذي وبن أبي خيثمة ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط كان جعدا رجلا وقوله رجل بكسر الجيم ومنهم من يسكنها أي متسرح وهو مرفوع على الاستئناف أي هو رجل ووقع عند الأصيلي بالخفض وهو وهم لأنه يصير معطوفا على المنفي وقد وجه على أنه خفضه على المجاورة وفي بعض الروايات بفتح اللام وتشديد الجيم على أنه فعل ماض قوله أنزل عليه في رواية مالك بعثه الله قوله وهو بن أربعين في رواية مالك على رأس أربعين وهذا إنما يتم على القول بأنه بعث في الشهر الذي ولد فيه والمشهور عند الجمهور أنه ولد في شهر ربيع الأول وأنه بعث في شهر رمضان فعلى هذا يكون له حين بعث أربعون سنة ونصف أو تسع وثلاثون ونصف فمن قال أربعين ألغى الكسر أو جبر لكن قال المسعودي وبن عبد البر إنه بعث في شهر ربيع الأول فعلى هذا يكون له أربعون سنة سواء وقال بعضهم بعث وله أربعون سنة وعشرة أيام وعند الجعابي أربعون سنة وعشرون يوما وعن الزبير بن بكار أنه ولد في شهر رمضان وهو شاذ فإن كان محفوظا وضم إلى المشهور أن المبعث في رمضان فيصح أنه بعث عند إكمال الأربعين أيضا وأبعد منه قول من قال بعث في رمضان وهو بن أربعين سنة وشهرين فإنه يقتضي أنه ولد في شهر رجب ولم أر من صرح به ثم رأيته كذلك مصرحا به في تاريخ أبي عبد الرحمن العتقي وعزاه للحسين بن علي وزاد لسبع وعشرين من رجب وهو شاذ ومن الشاذ أيضا ما رواه الحاكم من طريق يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بن ثلاث وأربعين وهو قول الواقدي وتبعه البلاذري وبن أبي عاصم وفي تاريخ يعقوب بن سفيان وغيره عن مكحول أنه بعث بعد ثنتين وأربعين قوله فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه مقتضي هذا أنه عاش ستين سنة وأخرج مسلم من وجه آخر عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم عاش ثلاثا وستين وهو موافق لحديث عائشة الماضي قريبا وبه قال الجمهور وقال الإسماعيلي لا بد أن يكون الصحيح أحدهما وجمع غيره بإلغاء الكسر وسيأتي بقية الكلام على هذا الموضع في الوفاة آخر المغازي إن شاء الله تعالى قوله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء أي بل دون ذلك ولابن أبي خيثمة من طريق أبي بكر بن عياش قلت لربيعة جالست أنسا قال نعم وسمعته يقول شاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين شيبة ها هنا يعني العنفقة ولإسحاق بن راهويه وبن حبان والبيهقي من حديث بن عمر كان شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من عشرين شعرة بيضاء في مقدمه وقد اقتضى حديث عبد الله بن بسر أن شيبه كان لا يزيد على عشر شعرات لإيراده بصيغة جمع القلة لكن خص ذلك بعنفقته فيحمل الزائد على ذلك في صدغيه كما في حديث البراء لكن وقع عند بن سعد بإسناد صحيح عن حميد عن أنس في أثناء حديث قال ولم يبلغ ما في لحيته من الشيب عشرين شعرة قال حميد وأومأ إلى عنفقته سبع عشرة وقد روى بن سعد أيضا بإسناد صحيح عن ثابت عن أنس قال ما كان في رأس النبي صلى الله عليه وسلم ولحيته إلا سبع عشرة أو ثماني عشرة ولابن أبي خيثمة من حديث حميد عن أنس لم يكن في لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون شعرة بيضاء قال حميد كن سبع عشرة وفي مسند عبد بن حميد من طريق حماد عن ثابت عن أنس ما عددت في رأسه ولحيته إلا أربع عشرة شعرة وعند بن ماجة من وجه آخر عن أنس إلا سبع عشرة أو عشرين شعرة وروى الحاكم في المستدرك من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن أنس قال لو عددت ما أقبل علي من شيبه في رأسه ولحيته ما كنت أزيدهن على إحدى عشرة شيبة وفي حديث الهيثم بن زهير عند ثلاثون عددا قوله قال ربيعة هو موصول بالإسناد المذكور قوله فرأيت شعرا من شعره فإذا هو أحمر فسألت فقيل أحمر من الطيب لم أعرف المسئول المجيب بذلك إلا أن في رواية بن عقيل المذكورة من قبل أن عمر بن عبد العزيز قال لأنس هل خضب النبي صلى الله عليه وسلم فإني رأيت شعرا من شعره قد لون فقال إنما هذا الذي لون من الطيب الذي كان يطيب به شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذي غير لونه فيحتمل أن يكون ربيعة سأل أنسا عن ذلك فأجابه ووقع في رجال مالك للدارقطني وهو في غرائب مالك له عن أبي هريرة قال لما مات النبي صلى الله عليه وسلم خضب من كان عنده شيء من شعره ليكون أبقى لها قلت فإن ثبت هذا استقام إنكار أنس ويقبل ما أثبته سواه التأويل وستأتي الإشارة إلى شيء من ذلك في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى الحديث السادس حديث البراء

قسم V06/P570–V06/P571

3356 قوله حدثنا إبراهيم بن يوسف أي بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي قوله وأحسنه خلقا بفتح المعجمة للأكثر وضبطه بن التين بضم أوله واستشهد بقوله تعالى وإنك لعلي خلق عظيم ووقع في رواية الإسماعيلي بالشك وأحسنه خلقا أو خلقا ويؤيده قوله قبله أحسن الناس وجها فإن فيه إشارة إلى الحسن الحسى فيكون في الثاني إشارة إلى الحسن المعنوي وقد وقع في حديث أنس الذي يتعلق بفرس أبي طلحة الذي قال فيه إن وجدناه لبحرا وهو عنده في مواضع منها أن في أوله في باب الشجاعة في الحرب كان أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس فجمع صفات القوي الثلاث العقلية والغضبية والشهوانية فالشجاعة تدل على الغضبية والجود يدل على الشهوية والحسن تابع لاعتدال المزاج المستتبع لصفاء النفس الذي به جودة القريحة الدال على العقل فوصف بالأحسنية في الجميع ومضى في الجهاد والخمس حديث جبير بن مطعم أنه صلى الله عليه وسلم قال ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا فأشار بعدم الجبن إلى كمال القوة الغضبية وهي الشجاعة وبعدم الكذب إلى كمال القوة العقلية وهي الحكمة وبعدم البخل إلى كمال القوة الشهوانية وهو الجود قوله ليس بالطويل البائن ولا بالقصير تقدم في حديث ربيعة عن أنس أنه كان ربعة ووقع في حديث عائشة عند بن أبي خيثمة لم يكن أحد يماشيه من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما فإذا فارقاه نسبا إلى الطول ونسب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الربعة وقوله البائن بالموحدة اسم فاعل من بان أي ظهر على غيره أو فارق من سواء الحديث السابع حديث قتادة سألت أنسا هل خضب النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما كان شيء في صدغيه الصدغ بضم المهملة وإسكان الدال بعدها معجمة ما بين الأذن والعين ويقال ذلك أيضا للشعر المتدلي من الرأس في ذلك المكان وهذا مغاير للحديث السابق أن الشعر الأبيض كان في عنفقته ووجه الجمع ما وقع عند مسلم من طريق سعيد عن قتادة عن أنس قال لم يخضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كان البياض في عنفقته وفي الصدغين وفي الرأس نبذ أي متفرق وعرف من مجموع ذلك أن الذي شاب من عنفقته أكثر مما شاب من غيرها ومراد أنس أنه لم يكن في شعره ما يحتاج إلى الخضاب وقد صرح بذلك في رواية محمد بن سيرين قال سألت أنس بن مالك أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خضب قال لم يبلغ الخضاب ولمسلم من طريق حماد عن ثابت عن أنس لو شئت أن أعد شمطات كن في رأسه لفعلت زاد بن سعد والحاكم ما شأنه بالشيب ولمسلم من حديث جابر بن سمرة فقد شمط مقدم رأسه ولحيته وكان إذا ادهن لم يتبين فإذا لم يدهن تبين وأما ما رواه الحاكم وأصحاب السنن من حديث أبي رمثة قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بردان أخضران وله شعر قد علاه الشيب وشيبه أحمر مخضوب بالحناء فهو موافق لقول بن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضب بالصفرة وقد تقدم في الحج وغيره والجمع بينه وبين حديث أنس أن يحمل نفى أنس على غلبة الشيب حتى يحتاج إلى خضابه ولم يتفق أنه رآه وهو مخضب ويحمل حديث من أثبت الخضب على أنه فعله لإرادة بيان الجواز ولم يواظب عليه وأما ما تقدم عن أنس وأخرجه الحاكم من حديث عائشة قالت ما شأنه الله ببيضاء فمحمول على أن تلك الشعرات البيض لم يتغير بها شيء من حسنة صلى الله عليه وسلم وقد أنكر أحمد إنكار أنس أنه خضب وذكر حديث بن عمر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يخضب بالصفرة وهو في الصحيح ووافق مالك أنسا في إنكار الخضاب وتأول ما ورد في ذلك الحديث الثامن حديث البراء

قسم V06/P571–V06/P572

3358 قوله بعيد ما بين المنكبين أي عريض أعلى الظهر ووقع في حديث أبي هريرة عند بن سعد رحب الصدر قوله له شعر يبلغ شحمة أذنه في رواية الكشميهني أذنيه بالتثنية وفي رواية الإسماعيلي تكاد جمته تصيب شحمة أذنيه قوله وقال يوسف بن أبي إسحاق هو يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق نسبه إلى جده قوله إلى منكبيه أي زاد في روايته عن جده أبي إسحاق عن البراء في هذا الحديث له شعر يبلغ شحمة أذنيه إلى منكبيه وطريق يوسف هذه أوردها المصنف قبل هذا بحديث لكنه اختصرها قال بن التين تبعا للداودي قوله يبلغ شحمة أذنيه مغاير لقوله إلى منكبيه وأجيب بأن المراد أن معظم شعره كان عند شحمة أذنه وما استرسل منه متصل إلى المنكب أو يحمل على حالتين وقد وقع نظير ذلك في حديث أنس عند مسلم من رواية قتادة عنه أن شعره كان بين أذنيه وعاتقه وفي حديث حميد عنه إلى أنصاف أذنيه ومثله عند الترمذي من رواية ثابت عنه وعند بن سعد من رواية حماد عن ثابت عنه لا يجاوز شعره أذنيه وهو محمول على ما قدمته أو على أحوال متغايرة وروى أبو داود من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة ودون الجمة وفي حديث هند بن أبي هالة في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الترمذي وغيره فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره أي جعله وفرة فهذا القيد يؤيد الجمع المتقدم وروى أبو داود والترمذي من حديث أم هانئ قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وله أربع غدائر ورجاله ثقات الحديث التاسع حديث البراء أيضا 3359 قوله حدثنا زهير هو بن معاوية وأبو إسحاق هو السبيعي قوله سئل البراء في رواية الإسماعيلي من طريق أحمد بن يونس عن زهير حدثنا أبو إسحاق عن البراء قال له رجل قوله مثل السيف قال لا بل مثل القمر كأن السائل أراد أنه مثل السيف في الطول فرد عليه البراء فقال بل مثل القمر أي في التدوير ويحتمل أن يكون أراد مثل السيف في اللمعان والصقال فقال بل فوق ذلك وعدل إلى القمر لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان ووقع في رواية زهير المذكورة أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حديدا مثل السيف وهو يؤيد الأول وقد أخرج مسلم من حديث جابر بن سمرة أن رجلا قال له أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف قال لا بل مثل الشمس والقمر مستديرا وإنما قال مستديرا للتنبيه على أنه جمع الصفتين لأن قوله مثل السيف يحتمل أن يريد به الطول أو اللمعان فرده المسئول ردا بليغا ولما جرى التعارف في أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبا الإشراق والتشبيه بالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرهما أتى بقوله وكان مستديرا إشارة إلى أنه أراد التشبيه بالصفتين معا الحسن والإستدارة ولأحمد وبن سعد وبن حبان عن أبي هريرة ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في جبهته قال الطيبي شبة جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن في وجهه صلى الله عليه وسلم وفيه عكس التشبيه للمبالغة قال ويحتمل أن يكون من باب تناهي التشبيه جعل وجهه مقرى ومكانا للشمس وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق يونس بن أبي يعفور عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأة من همدان قالت حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لها شبهيه قالت كالقمر ليلة البدر لم أر قبله ولا بعده مثله وفي حديث الربيع بنت معوذ لو رأيته لرأيت الشمس طالعة أخرجه الطبراني والدارمي وفي حديث يزيد الرقاشي المتقدم قريبا عن بن عباس جميل دوائر الوجه قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتى كادت تملأ نحره وروى الذهلي في الزهريات من حديث أبي هريرة في صفته صلى الله عليه وسلم كان أسيل الخدين شديد سواد الشعر أكحل العينين أهدب الأشفار الحديث وكأن قوله أسيل الخدين هو الحامل على من سأل أكان وجهه مثل السيف ووقع في حديث علي عند أبي عبيد في الغريب وكان في وجهه تدوير قال أبو عبيد في شرحه يريد أنه لم يكن في غاية من التدوير بل كان فيه سهولة وهي أحلى عند العرب الحديث العاشر

قسم V06/P572–V06/P573

3360 قوله حدثنا الحسن بن منصور البغدادي هو أبو علي البغدادي الشطوي بفتح المعجمة ثم المهملة لم يخرج عنه البخاري سوى هذا الموضع قوله قال شعبة هو متصل بالإسناد المذكور قوله وزاد فيه عون عن أبيه أبي جحيفة سيأتي هذا الحديث بزيادته من وجه آخر في آخر الباب وقد تقدم ما يتعلق بذلك في أوائل الصلاة قوله فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك وقع مثله في حديث جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه عند الطبراني بإسناد قوي وفي حديث جابر بن سمرة عند مسلم في أثناء حديث قال فمسح صدري فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جونة عطار وفي حديث وائل بن حجر عند الطبراني والبيهقي لقد كنت أصافح رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يمس جلدي جلده فأتعرفه بعد في يدي وإنه لأطيب رائحة من المسك وفي حديثه عند أحمد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فشرب منه ثم مج في الدلو ثم في البئر ففاح منه مثل ريح المسك وروى مسلم حديث أنس في جمع أم سليم عرقه صلى الله عليه وسلم وجعلها إياه في الطيب وفي بعض طرقه وهو أطيب الطيب وأخرج أبو يعلى والطبراني من حديث أبي هريرة في قصة الذي استعان به صلى الله عليه وسلم على تجهيز ابنته فلم يكن عنده شيء فاستدعى بقارورة فسلت له فيها من عرقه وقال له مرها فلتطيب به فكانت إذا تطيبت به شم أهل المدينة رائحة ذلك الطيب فسموا بيت المطيبين وروى أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح عن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر في طريق من طرق المدينة وجد منه رائحة المسك فيقال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث الحادي عشر حديث بن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس تقدم شرحه مستوفي في كتاب الصيام والغرض منه وصفه عليه الصلاة والسلام بالجود الحديث الثاني عشر حديث عائشة في قصة القائف وسيأتي شرحه في كتاب الفرائض إن شاء الله تعالى والغرض منه هنا قولها تبرق أسارير وجهه والأسارير جمع أسرار وهي جمع سر وهي الخطوط التي تكون في الجبهة الحديث الثالث عشر حديث كعب بن مالك وهو طرف من قصة توبته وسيأتي بطوله في المغازي مستوفي شرحه إن شاء الله تعالى 3363 قوله استنار وجهه كأنه قطعة قمر أي الموضع الذي يبين فيه السرور وهو جبينه فلذلك قال قطعة قمر ولعله كان حينئذ ملثما ويحتمل أن يكون يريد بقوله قطعة قمر القمر نفسه ووقع في حديث جبير بن مطعم عند الطبراني التفت إلينا النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه مثل شقة القمر فهذا محمول على صفته عند الالتفات وقد أخرج الطبراني حديث كعب بن مالك من طرق في بعضها كأنه دارة قمر الحديث الرابع عشر حديث أبي هريرة 3364 قوله عن عمرو هو بن أبي عمرو مولى المطلب واسم أبي عمرو ميسرة قوله بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا القرن الطبقة من الناس المجتمعين في عصر واحد ومنهم من حدة بمائة سنة وقيل بسبعين وقيل بغير ذلك فحكى الحربي الاختلاف فيه من عشرة إلى مائة وعشرين ثم تعقب الجميع وقال الذي أراه أن القرن كل أمة هلكت حتى لم يبق منها أحد وقوله قرنا بالنصب حال للتفصيل قوله حتى كنت من القرن الذي كنت منه في رواية الإسماعيلي حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه وسيأتي في أول مناقب الصحابة حديث عمران بن حصين خير الناس قرني والكلام عليه مستوفي إن شاء الله تعالى الحديث الخامس عشر حديث بن عباس

قسم V06/P573–V06/P574

3365 قوله عن بن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة هذا هو المشهور عن بن شهاب وعنه فيه إسناد آخر أخرجه الحاكم من طريق مالك عن زياد بن سعد عن أنس سدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته ما شاء الله ثم فرق بعد وأخرجه أيضا أحمد وقال تفرد به حماد بن خالد عن مالك وأخطأ فيه والصواب عن عبيد الله بن عبد الله وقال بن عبد البر الصواب عن مالك فيه عن الزهري مرسلا كما في الموطأ قوله يسدل شعره بفتح أوله وسكون المهملة وكسر الدال ويجوز ضمها أي يترك شعر ناصيته على جبهته قال النووي قال العلماء المراد إرساله على الجبين واتخاذه كالقصة أي بضم القاف بعدها مهملة قوله ثم فرق بعد بفتح الفاء والراء أي ألقى شعر رأسه إلى جانبي رأسه فلم يترك منه شيئا على جبهته ويفرقون بضم الراء وبكسرها وقد روى بن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عروة عن عائشة قالت أنا فرقت لرسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه أي شعر رأسه عن يافوخة ومن طريقه أخرجه أبو داود وفي حديث هند بن أبي هالة في صفة النبي صلى الله عليه وسلم أنه أن انفرقت عقيقته أي شعر رأسه الذي على ناصيته فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه قال بن قتيبة في غريبه العقيقة شعر رأس الصبي قبل أن يحلق وقد يطلق عليه بعد الحلق مجازا وقوله كان لا يفرق شعره إلا إذا انفرق محمول على ما كان أولا لما بينه حديث بن عباس قوله وكان يحب موافقة أهل الكتاب أي حيث كان عباد الأوثان كثيرين قوله فيما لم يؤمر فيه بشيء أي فيما لم يخالف شرعه لأن أهل الكتاب في زمانه كانوا متمسكين ببقايا من شرائع الرسل فكانت موافقتهم أحب إليه من موافقة عباد الأوثان فلما أسلم غالب عباد الأوثان أحب صلى الله عليه وسلم حينئذ مخالفة أهل الكتاب واستدل به على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يجيء في شرعنا ما يخالفه وتعقب بأنه عبر بالمحبة ولو كان كذلك لعبر بالوجوب وعلى التسليم ففي نفس الحديث أنه رجع عن ذلك آخرا والله أعلم الحديث السادس عشر حديث عبد الله بن عمرو أي بن العاص 3366 قوله عن أبي حمزة هو السكري والإسناد كله كوفيون سوى طرفيه وقد دخلاها قوله عن عبد الله بن عمرو أي بن العاص في رواية مسلم عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن الأعمش بسنده دخلنا على عبد الله بن عمرو حين قدم مع معاوية الكوفة فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قوله فاحشا ولا متفحشا أي ناطقا بالفحش وهو الزيادة على الحد في الكلام السيء والمتفحش المتكلف لذلك أي لم يكن له الفحش خلقا ولا مكتسبا ووقع عند الترمذي من طريق أبي عبد الله الجدلي قال سألت عائشة عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الأسواق ولا يجزئ بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح وتقدمت هذه الزيادة في حديث عبد الله بن عمرو من وجه آخر بأتم من هذا السياق ويأتي في تفسير سورة الفتح وقد روى المصنف في الأدب من حديث أنس لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبابا ولا فحاشا ولا لعانا كان يقول لأحدنا عند المعتبة ماله تربت جبينه ولأحمد من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه ولأبي داود من حديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل ما بال فلان يقول ولكن يقول ما بال أقوام يقولون قوله وكان يقول أي النبي صلى الله عليه وسلم ووقع في رواية مسلم قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ان من خياركم أحسنكم أخلاقا في رواية مسلم أحاسنكم وحسن الخلق اختيار الفضائل وترك الرذائل وقد أخرج أحمد من حديث أبي هريرة رفعه إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق وأخرجه البزار من هذا الوجه بلفظ مكارم بدل صالح وأخرج الطبراني في الأوسط بإسناد حسن عن صفية بنت حيي قالت ما رأيت أحدا أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند مسلم من حديث عائشة كان خلقه القرآن يغضب لغضبه ويرضى لرضاه الحديث السابع عشر حديث عائشة

قسم V06/P574–V06/P575

3367 قوله بين أمرين أي من أمور الدنيا يدل عليه قوله ما لم يكن إثما لأن أمور الدين لا إثم فيها وأبهم فاعل خير ليكون أعم من أن يكون من قبل الله أو من قبل المخلوقين وقوله الا أخذ أيسرهما أي أسهلهما وقوله ما لم يكن إثما أي ما لم يكن الأسهل مقتضيا للإثم فإنه حينئذ يختار الأشد وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط إلا أختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط ووقوع التخيير بين ما فيه إثم ومالا إثم فيه من قبل المخلوقين واضح وأما من قبل الله ففيه إشكال لأن التخيير إنما يكون بين جائزين لكن إذا حملناه على ما يفضي إلى الإثم أمكن ذلك بأن يخيره بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من الإشتغال به أن لا يتفرغ للعبادة مثلا وبين أن لا يؤتيه من الدنيا الا الكفاف فيختار الكفاف وأن كانت السعة أسهل منه والإثم على هذا أمر نسبي لايراد منه معنى الخطيئة لثبوت العصمة له قوله وما انتقم لنفسه أي خاصة فلا يرد أمره بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذيه لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله وقيل أرادت أنه لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر كما عفا عن الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه وعن الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثر في كتفه وحمل الداودي عدم الإنتقام على ما يختص بالمال قال وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه قال واقتص ممن لده في مرضه بعد نهيه عن ذلك بأن أمر بلدهم مع أنهم كانوا في ذلك تأولوا أنه إنما نهاهم عن عادة البشرية من كراهة النفس للدواء كذا قال وقد أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق معمر عن الزهري بهذا الإسناد مطولا وأوله ما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما بذكر أي بصريح اسمه ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن يضرب بها في سبيل الله ولا سئل في شيء قط فمنعه إلا أن يسأل مأثما ولا انتقم لنفسه من شيء إلا أن تنتهك حرمات الله فيكون لله ينتقم الحديث وهذا السياق سوى صدر الحديث عند مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه به وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أنس وفيه وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فإن انتهكت حرمة الله كان أشد الناس غضبا لله وفي الحديث الحث على ترك الأخذ بالشيء العسر والاقتناع باليسر وترك الإلحاح فيما لا يضطر إليه ويؤخذ من ذلك الندب إلى الأخذ بالرخص ما لم يظهر الخطأ والحث على العفو إلا في حقوق الله تعالى والندب إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحل ذلك ما لم يفض إلى ما هو أشد منه وفيه ترك الحكم للنفس وأن كان الحاكم متمكنا من ذلك بحيث يؤمن منه الحيف على المحكوم عليه لكن لحسم المادة والله أعلم الحديث الثامن عشر حديث أنس أخرجه من طريق حماد بن زيد وأخرجه مسلم بمعناه من رواية سليمان بن المغيرة عن ثابت عنه

قسم V06/P575–V06/P576

3368 قوله ما مسست بمهملتين الأولى مكسورة ويجوز فتحها والثانية ساكنة وكذا القول في ميم شممت قوله ولا ديباجا هو من عطف الخاص على العام لأن الديباج نوع من الحرير وهو بكسر المهملة وحكى فتحها وقال أبو عبيدة الفتح مولد أي ليس بعربي قوله ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل هذا يخالف ما وقع في حديث أنس الآتي في كتاب اللباس أنه كان ضخم اليدين وفي رواية له والقدمين وفي رواية له شئن القدمين والكفين وفي حديث هند بن أبي هالة الذي أخرجه الترمذي في صفة النبي صلى الله عليه وسلم فإن فيه أنه كان شئن الكفين والقدمين أي غليظهما في خشونة وهكذا وصفه على من عدة طرق عنه عند الترمذي والحاكم وبن أبي خيثمة وغيرهم وكذا في صفة عائشة له عند بن أبي خيثمة والجمع بينهما أن المراد اللين في الجلد والغلظ في العظام فيجتمع له نعومة البدن وقوته أو حيث وصف باللين واللطافة حيث لا يعمل بهما شيئا كان بالنسبة إلى أصل الخلقة وحيث وصف بالغلظ والخشونة فهو بالنسبة إلى امتهانهما بالعمل فإنه يتعاطى كثيرا من أموره بنفسه صلى الله عليه وسلم وسيأتي مزيد لهذا في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى وفي حديث معاذ عند الطبراني والبزار أردفني النبي صلى الله عليه وسلم خلفه في سفر فما مسست شيئا قط ألين من جلده صلى الله عليه وسلم قوله أو عرفا بفتح المهملة وسكون الراء بعدها فاء وهو شك من الراوي ويدل عليه قوله بعد أطيب من ريح أو عرف والعرف الريح الطيب ووقع في بعض الروايات بفتح الراء وبالقاف وأو على هذا للتنويع والأول هو المعروف فقد تقدم في الصيام من طريق حميد عن أنس مسكة ولا عنبرة أطيب رائحة من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله عنبرة ضبط بوجهين أحدهما بسكون النون بعدها موحدة والآخر بكسر الموحدة بعدها تحتانية والأول معروف والثاني طيب معمول من أخلاط يجمعها الزعفران وقيل هو الزعفران نفسه ووقع عند البيهقي ولا شممت مسكا ولا عنبرا ولا عبيرا ذكرهما جميعا وقد تقدم شيء من هذا في الحديث العاشر وقوله من ريح أو عرف بخفض ريح بغير تنوين لأنه في حكم المضاف كقول الشاعر بين ذراعي وجبهة الأسد ووقع في أول الحديث عند مسلم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ إذا مشى يتكفأ وما مسست الخ الحديث التاسع عشر حديث أبي سعيد أورده من طريقين

قسم V06/P576

3369 قوله عن عبد الله بن أبي عتبة بضم المهملة وسكون المثناة بعدها موحدة وهو مولى أنس وهذا هو المحفوظ عن قتادة وقد رواه الطبراني من وجه آخر عن شعبة عن قتادة فقال عن أبي السوار العدوي عن عمران بن حصين به قوله أشد حياء من العذراء أي البكر وقوله في خدرها بكسر المعجمة أي في سترها وهو من باب التتميم لأن العذراء في الخلوة يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجة عنه لكون الخلوة مظنة وقوع الفعل بها فالظاهر أن المراد تقييده بما إذا دخل عليها في خدرها لا حيث تكون منفردة فيه ومحل وجود الحياء منه صلى الله عليه وسلم في غير حدود الله ولهذا قال للذي اعترف بالزنا أنكتها لا يكني كما سيأتي بيانه في الحدود وأخرج البزار هذا الحديث من حديث أنس وزاد في آخره وكان يقول الحياء خير كله وأخرج من حديث بن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من وراء الحجرات وما رأى أحد عورته قط وإسناده حسن قوله حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى وبن مهدي قالا حدثنا شعبة مثله يعني سندا ومتنا وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية أبي موسى محمد بن المثنى عن عبد الرحمن بن مهدي بسنده وقال فيه سمعت عبد الله بن أبي عتبة يقول سمعت أبا سعيد الخدري يقول وأخرجه بن حبان من طريق أحمد بن سنان القطان قال قلت لعبد الرحمن بن مهدي يا أبا سعيد أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها قال نعم عن مثل هذا فسل يا شعبة ف ذكره بتمامه قوله وإذا كره شيئا عرف في وجهه أي أن بن بشار زاد هذا على رواية مسدد وهذا يحتمل أن يكون في رواية عبد الرحمن بن مهدي وحده وأن يكون في رواية يحيى أيضا ولم يقع لمسدد والأول المعتمد فقد أخرجه الإسماعيلي من رواية المقدمي وأبي خيثمة وبن خلاد عن يحيى بن سعيد وليس فيه الزيادة وأخرجه من رواية أبي موسى عن عبد الرحمن بن مهدي فذكرها وكذا أخرجه مسلم عن زهير بن حرب وأبي موسى محمد بن المثنى وأحمد بن سنان القطان كلهم عن بن مهدي وأخرجه من حديث معاذ والإسماعيلي من حديث علي بن الجعد كلاهما عن شعبة كذلك وأخرجه بن حبان من طريق عبد الله بن المبارك عن شعبة كذلك وقوله عرفناه في وجهه إشارة إلى تصحيح ما تقدم من أنه لم يكن يواجه أحدا بما يكرهه بل يتغير وجهه فيفهم أصحابه كراهيته لذلك الحديث العشرون حديث أبي هريرة 3370 قوله عن أبي حازم هو الأشجعي واسمه سلمان وليس هو أبا حازم سلمة بن دينار صاحب سهل بن سعد قوله ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط في رواية غندر عن شعبة عند الإسماعيلي ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عاب طعاما قط وهو محمول على الطعام المباح كما سيأتي تقرير ذلك في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى الحديث الحادي والعشرون حديث عبد الله بن مالك بن بحينة وهو بتنوين مالك واعراب بن بحينة إعراب بن مالك لأن مالكا أبوه وبحينة أمه

قسم V06/P576–V06/P577

3371 قوله الأسدي هو بسكون المهملة ويقال فيه الأزدي بسكون الزاي وهذا مشهور في هذه النسبة يقال بالزاي وبالسين وغفل الداودي فقرأه بفتح السين ثم أنكره وقد تقدم هذا الحديث في كتاب الصلاة وكذا قوله قال بن بكير أي يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا بكر أي بن مضر بالإسناد المذكور قوله بياض إبطيه أي أن يحيى زاد لفظ بياض لأن في رواية قتيبة حتى يرى إبطيه واختلف في المراد بوصف إبطيه بالبياض فقيل لم يكن تحتهما شعر فكانا كلون جسده ثم قيل لم يكن تحت إبطيه شعر البتة وقيل كان لدوام تعهده له لا يبقى فيه شعر ووقع عند مسلم في حديث حتى رأينا عفرة إبطيه ولا تنافي بينهما لأن الأعفر ما بياضه ليس بالناصع وهذا شأن المغابن يكون لونها في البياض دون لون بقية الجسد الحديث الثاني والعشرون حديث أنس في رفع اليدين في الاستسقاء تقدم في موضعه مشروحا والغرض منه ذكر بياض إبطيه والمراد بالحصر فيه الرفع على هيئة مخصوصة لا أصل الرفع فإنه ثابت عنه كما في الخبر الذي بعده الحديث الثالث والعشرون حديث أبي موسى ذكر منه طرفا معلقا هو طرف من حديث سيأتي موصولا في المناقب في ترجمة أبي عامر الأشعري وقد علق طرفا منه في الوضوء أيضا 3373 قوله حدثنا الحسن بن الصباح هو البزار الذي أخرج عنه الحديث الذي بعده وقيل بل هذا هو الزعفراني نسبه إلى جده لأنه الحسن بن محمد بن الصباح قوله سمعت عون بن أبي جحيفة ذكر عن أبيه في رواية شعبة عن عون سمعت أبي كما تقدم في أوائل الصلاة قوله دفعت بضم أوله أي أنه وصل إليه عن غير قصد والأبطح هو الذي خارج مكة ينزل فيه الحاج إذا رجع من مني وقوله وكان بالهاجرة استئناف أو حال وقد تقدم هذا الحديث من وجه آخر في هذا الباب وهو الحديث العاشر والمراد منه هنا قوله كأني أنظر إلى وبيص ساقيه والوبيص بالموحدة والمهملة البريق وزنا ومعنى الحديث الرابع والعشرون حديث عائشة 3374 قوله حدثنا الحسن بن الصباح البزار بتقديم الزاي على الراء وهو واسطي سكن بغداد وكان من أئمة الحديث وسفيان هو بن عيينة فإن الحسن بن الصباح ما لحق الثوري والثوري لا يروي عن الزهري إلا بواسطة قوله لو عده العاد لاحصاه أي لو عد كلماته أو مفرداته أو حروفه لأطاق ذلك وبلغ آخرها والمراد بذلك المبالغة في الترتيل والتفهيم هذا الحديث هو الحديث الذي بعده اختلف الرواة في سياقه بسطا واختصارا

قسم V06/P577–V06/P578

3375 قوله وقال الليث حدثني يونس وصله الذهلي في الزهريات عن أبي صالح عن الليث قوله ألا يعجبك بضم أوله وإسكان ثانيه من الإعجاب وبفتح ثانيه والتشديد من التعجيب قوله أبا فلان كذا للأكثر قال عياض هو منادي بكنيته قلت وليس كذلك لما سأذكره وإنما خاطبت عائشة عروة بقولها ألا يعجبك وذكرت له المتعجب منه فقالت أبا فلان وحق السياق أن تقول أبو فلان بالرفع على أنه فاعل لكنه جاء هكذا على اللغة القليلة ثم حكت وجه التعجب فقالت جاء فجلس الخ ووقع في رواية الأصيلي وكريمة أبو فلان ولا إشكال فيها وتبين من رواية مسلم وأبي داود أنه هو أبو هريرة فأخرجه مسلم عن هارون بن معروف وأبو داود عن محمد بن منصور الطوسي كلاهما عن سفيان لكن قال هارون عن سفيان عن هشام بن عروة وقال الطوسي عن سفيان عن الزهري وكذا أخرجه الإسماعيلي عن بن أبي عمر عن سفيان عن هشام عن أبي يعلى وعن أبي معمر عن سفيان عن الزهري وكذا أخرجه أبو نعيم من طريق القعنبي عن سفيان عن الزهري فكأن لسفيان فيه شيخين وفي رواية الجميع أنه أبو هريرة ووقع في رواية بن وهب عند الإسماعيلي ألا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس ولأحمد ومسلم وأبي داود من هذا الوجه ألا أعجبك من أبي هريرة ووقع للقابسي بفتح الهمزة بعدها مثناة مفتوحة فعل ماض من الإتيان وفلان بالرفع والتنوين وهو تصحيف لأنه تبين من الرواية الأخرى أنه بصيغة الكنية لا بلفظ الاسم المجرد عنها والعجب أن القابسي أنكر عين روايته وقال عياض هي الصواب لولا قوله بعده جاء قلت لأنه يصير تكرارا قوله وكنت أسبح أي أصلي نافلة أو على ظاهره أي أذكر الله والأول أوجه قوله ولو أدركته لرددت عليه أي لأنكرت عليه وبينت له أن الترتيل في التحديث أولى من السرد قوله لم يكن يسرد الحديث كسردكم أي يتابع الحديث استعجالا بعضه إثر بعض لئلا يلتبس على المستمع زاد الإسماعيلي من رواية بن المبارك عن يونس إنما كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلا فهما تفهمه القلوب واعتذر عن أبي هريرة بأنه كان واسع الرواية كثير المحفوظ فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث كما قال بعض البلغاء أريد أن أقتصر فتتزاحم القوافي علي في 1 ( قوله باب كان النبي صلى الله عليه وسلم تنام عينه ) في رواية الكشميهني عيناه ولا ينام قلبه قوله رواه سعيد بن ميناء عن جابر وصله في كتاب الإعتصام مطولا وسيأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى وأخرجه المصنف في الباب من حديث عائشة في صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل وفي آخره فقلت يا رسول الله تنام قبل أن توتر قال تنام عيني ولا ينام قلبي وهذا قد تقدم في صلاة التطوع وتقدم حديث بن عباس في ذلك في صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل ثم ذكر طرفا من حديث شريك عن أنس في المعراج وسيأتي بأتم من هذا في التوحيد

قسم V06/P578–V06/P580

3377 قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس قوله حدثنا أخي هو أبو بكر عبد الحميد وسليمان هو بن بلال قوله جاءه ثلاثة نفر هم ملائكة ولم أتحقق أسماءهم قوله فقال أولهم أيهم هو مشعر بأنه كان نائما بين اثنين أو أكثر وقد قيل أنه كان نائما بين عمه حمزة وبن عمه جعفر بن أبي طالب قوله فكانت تلك أي القصة أي لم يقع في تلك الليلة غير ما ذكر من الكلام قوله حتى جاؤوا إليه ليلة أخرى أي بعد ذلك ومن هنا يحصل رفع الإشكال في قوله قبل أن يوحى إليه كما سيأتي بيانه في مكانه قوله فيما يرى قلبه والنبي صلى الله عليه وسلم نائمة عيناه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم قد تقدم مثل هذا من قول عبيد بن عمير في أوائل الطهارة ومثله لا يقال من قبل الرأي وهو ظاهر في أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم لكنه بالنسبة للأمة وزعم القضاعي أنه مما اختص به عن الأنبياء أيضا وهذان الحديثان يردان عليه وقد تقدم في التيمم في الكلام على حديث عمران في قصة المرأة صاحبة المزادتين ما يتعلق بكونه صلى الله عليه وسلم كان تنام عيناه ولا ينام قلبه فليراجع منه من أراد الوقوف عليه 1 ( قوله باب علامات النبوة في الإسلام )

الأسئلة