İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
1 ( قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم تربت يمينك وعقرى حلقى ) ذكر فيه حديثين لعائشة مقدما فيهما ما ترجم به أحدهما حديثها في قصة أبي القعيس في الرضاعة وقد تقدم شرحه في كتاب النكاح في باب الأكفاء في الدين في شرح حديث أبي هريرة تنكح المرأة لأربع الحديث قال بن السكيت أصل تربت افتقرت ولكنها كلمة تقال ولا يراد بها الدعاء وإنما أراد التحريض على الفعل المذكور وأنه إن خالف أساء وقال النحاس معناه أن لم تفعل لم يحصل في يديك إلا التراب وقال بن كيسان هو مثل جرى على أنه أن فاتك ما أمرتك به افتقرت إليه فكأنه قال افتقرت أن فاتك فاختصر وقال الداودي معناه افتقرت من العلم وقيل هي كلمة تستعمل في المدح عند المبالغة كما قالوا للشاعر قاتله الله لقد أجاد وقيل غير ذلك مما تقدم بيانه في حديث أبي هريرة ثانيهما حديثهما في قصة صفية لما حاضت في الحج وقد تقدم شرحه في كتاب الحج في باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت وضبطه أبو عبيد في غريب الحديث بالقصر وبالتنوين وذكر في الأمثال أنه في كلام العرب بالمد وفي كلام المحدثين بالقصر وقال أبو علي القالي هو بالمد وبالقصر معا قالوا والمعنى عقرها الله وحلقها وفيه من القول نحو ما تقدم في تربت 1 ( قوله باب ما جاء في زعموا ) كأنه يشير إلى حديث أبي قلابة قال قيل لأبي مسعود ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في زعموا قال بئس مطية الرجل أخرجه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعا وكأن البخاري أشار إلى ضعف هذا الحديث بإخراجه حديث أم هانئ وفيه قولها زعم بن أمي فإن أم هانئ أطلقت ذلك في حق علي ولم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم والأصل في زعم أنها تقال في الأمر الذي لا يوقف على حقيقته وقال بن بطال معنى حديث أبي مسعود أن من أكثر من الحديث بما لا يتحقق صحته لم يؤمن عليه الكذب وقال غيره كثر استعمال الزعم بمعنى القول وقد وقع في حديث ضمام بن ثعلبة الماضي في كتاب العلم زعم رسولك وقد أكثر سيبويه في كتابه من قوله في أشياء يرتضيها زعم الخليل صلى الله عليه وسلم 1 ( قوله باب ما جاء في قول الرجل ويلك تقدم )
شرح هذه الكلمة في كتاب الحج عند شرح أول أحاديث الباب وقد قيل إن أصل ويل وي وهي كلمة تأوه فلما كثر قولهم وي لفلان وصلوها باللام وقدروها أنها منها فأعربوها وعن الأصمعي ويل للتقبيح على المخاطب فعله وقال الراغب ويل قبوح وقد تستعمل بمعنى التحسر وويح ترحم وويس استصغار وأما ما ورد ويل واد في جهنم فلم يرد أنه معناه في اللغة وإنما أراد من قال الله ذلك فيه فقد استحق مقرى من النار وفي كتاب من حدث ونسي عن معتمر بن سليمان قال قال لي أبي أنت حدثتني عني عن الحسن قال ويح كلمة رحمة وأكثر أهل اللغة على أن ويل كلمة عذاب وويح كلمة رحمة وعن اليزيدي هما بمعنى واحد تقول ويح لزيد وويل لزيد ولك أن تنصبهما بإضمار فعل كأنك قلت ألزمه الله ويلا أو ويحا قلت وتصرف البخاري يقتضي أنه على مذهب اليزيدي في ذلك فإنه ذكر في بعض الأحاديث في الباب ما ورد بلفظ ويل فقط وما ما ورد بلفظ ويح فقط وما وقع التردد فيهما ولعله رمز إلى تضعيف الحديث الوارد عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في قصة لا تجزعي من الويح فإنه كلمة رحمة ولكن اجزعي من الويل أخرجه الخرائطي في مساوىء الأخلاق بسند واه وهو آخر حديث فيه وقال الداودي ويل وويح وويس كلمات تقولها العرب عند الذم قال وويح مأخوذ من الحزن وويس من الآسي وهو الحزن وتعقبه بن التين بأن أهل اللغة إنما قالوا ويل كلمة تقال عند الحزن وأما قول بن عرفة الويل الحزن فكأنه أخذه من أن الدعاء بالويل إنما يكون عند الحزن والأحاديث التي ساقها المؤلف رحمه الله هنا فيها ما اختلف الرواة في لفظه هل هي ويل أو ويح وفيها ما تردد الراوي فقال ويل أو ويح وفيها ما جزم فيه بأحدهما ومجموعها يدل على أن كلا منهما كلمة توجع يعرف هل المراد الذم أو غيره من السياق فإن في بعضها الجزم بويل وليس حمله على العذاب بظاهر والحاصل أن الأصل في كل منهما ما ذكر وقد تستعمل إحداهما موضع الأخرى وقوله ويس مأخوذ من الاسى متعقب لاختلاف تصريف الكلمتين وذكر المصنف في الباب تسعة أحاديث تقدمت كلها الحديث الأول والثاني لأبي هريرة وأنس في 5807 قوله صلى الله عليه وسلم لسائق البدنة اركبها ويلك هذا لفظ أنس زاد في رواية أبي هريرة في الثانية أو في الثالثة وقد تقدم شرحه في باب ركوب البدن من كتاب الحج وما وقع في حديث أنس من اختلاف ألفاظه في قوله ثلاثا أو في الثالثة أو الرابعة وهل قال له ويلك أو ويحك الحديث الثالث حديث أنس في قصة أنجشة وقد تقدم شرحه قريبا قبل أربعة أبواب الحديث الرابع حديث أبي بكرة أثنى رجل وفيه ويلك قطعت عنق أخيك وقد تقدم شرحه في باب ما يكره من التمادح الحديث الخامس حديث أبي سعيد في قصة ذي الخويصرة وقوله 5811 يا رسول الله أعدل قال ويلك من يعدل إذا لم أعدل وقد تقدم بعض شرحه في علامات النبوة وفي أواخر المغازي ويأتي تمامه في استتابة المرتدين وقوله هنا على حين فرقة بالحاء المهملة المكسورة والنون ووقع في رواية الكشميهني خير فرقة بخاء معجمة وراء والضحاك المذكور في السند هو بن شرحبيل المشرفي بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الراء منسوب إلى بطن من همدان الحديث السادس حديث أبي هريرة في الذي وقع على امرأته في رمضان وقد تقدم شرحه في كتاب الصيام وأورده هنا لقوله في بعض طرقه فقال ويلك كما سأبينه وقوله
5812 عبد الله هو بن المبارك وقوله أخبرنا الأوزاعي قال حدثني الزهري فيه رد على من أعل هذه الطريق بأن الأوزاعي لم يسمعه من الزهري لرواية عقبة بن علقمة له عن الأوزاعي قال بلغني عن الزهري هكذا رويناه في الجزء الثاني من حديث أبي العباس الأصم وعقبة لا بأس به فيحتمل أن يكون الأوزاعي لقي الزهري فحدثه به بعد أن كان بلغه منه فحدث به على الوجهين وقوله ما بين طنبي المدينة بضم الطاء والمهملة وسكون النون بعدها موحدة تثنية طنب أي ناحيتي المدينة قال بن التين ضبط في رواية الشيخ أبي الحسن بفتحتين وفي رواية أبي ذر بضمتين والأصل ضم النون وتسكن تخفيفا وأصل الطنب الحبل للخيمة فاستعير للطرف من الناحية وقوله أحوج مني وقع في رواية الكشميهني أفقر وقوله في آخره وقال خذه في رواية الكشميهني ثم قال أطعمه أهلك قوله تابعه يونس يعني بن يزيد عن الزهري يعني بسنده في قوله فقال ويحك قال وقعت على أهلي وهذه المتابعة وصلها البيهقي من طريق عنبسة بن خالد عن يونس بن يزيد عن الزهري بتمامه وقال في روايته فقال ويحك وما ذاك قوله وقال عبد الرحمن بن خالد عن الزهري ويلك يعني بدل قوله ويحك وهذا التعليق وصله الطحاوي من طريق الليث حدثني عبد الرحمن بن خالد عن بن شهاب الزهري بسنده المذكور فيه فقال مالك ويلك قال وقعت على أهلي الحديث السابع حديث أبي سعيد في رواية الوليد هو بن مسلم 5813 قوله أخبرني عن الهجرة قال ويحك إن الهجرة شأنها شديد الحديث وقد تقدم في باب الهجرة إلى المدينة وان الهجرة كانت واجبة على أهل مكة على الأعيان قبل فتح مكة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحذرهم شدة الهجرة ومفارقة الأهل والوطن وقد تقدم شرح حديثه صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح وقوله من وراء البحار بموحدة ثم مهملة للأكثر أي من وراء القرى والفرية يقال لها البحرة لاتساعها ووقع في رواية الكشميهني بمثناة ثم جيم وهو تصحيف وقوله لن يترك بفتح أوله وسكون ثانيه من الترك والكاف أصلية وبفتح أوله وكسر ثانيه ونصب الراء وفتح الكاف أي لن ينقصك الحديث الثامن حديث بن عمر 5814 قوله قال ويلكم أو ويحكم قال شعبة شك هو يعني شيخه واقد بن محمد قوله وقال النضر هو بن شميل عن شعبة يعني بهذا السند ويحكم يعني لم يشك وقوله وقال عمر بن محمد هو أخو واقد المذكور قوله عن أبيه هو محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن جده بن عمر ويلكم أو ويحكم يعني مثل ما قال أخوه واقد فدل على أن الشك فيه من محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر أو ممن فوقه وقد تقدمت طريق عمر هذه موصولة في أواخر المغازي من طريق بن وهب عنه وتقدم حديث عمر هذا من وجه آخر عن بن عمر مطولا في باب قوله يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ويأتي شرحه في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى الحديث التاسع
5815 قوله همام عن قتادة عن أنس صرح شعبة في روايته عن قتادة بسماعه له من أنس ويأتي بيانه عقب هذا قوله ان رجلا من أهل البادية في رواية الزهري عن أنس عند مسلم أن رجلا من الأعراب وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس عنده نحوه وفي رواية سالم بن أبي الجعد الآتية في كتاب الأحكام عن أنس بينما أنا والنبي صلى الله عليه وسلم خارجين من المسجد فلقينا رجل عند سدة المسجد وقد بينت في مناقب عمر أنه ذو الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد وأن حديثه بذلك مخرج عند الدارقطني وأن من زعم أنه أبو موسى أو أبو ذر فقد وهم فإنهما وان اشتركا في معنى الجواب وهو أن المرء مع من أحب فقد اختلف سؤالهما فإن كلا من أبي موسى وأبي ذر إنما سأل عن الرجل يحب القوم ولم يلحق بهم وهذا سأل متى الساعة قوله متى الساعة قائمة يجوز فيه الرفع والنصب وفي رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عند مسلم متى تقوم الساعة وكذا في أكثر الروايات قوله ويلك وما أعددت لها قال ما أعددت لها زاد معمر عن الزهري عن أنس عند مسلم من كثير عمل أحمد عليه نفسي وفي رواية سفيان عن الزهري عند مسلم فلم يذكر كثيرا وفي رواية سالم بن أبي الجعد المذكورة فكأن الرجل استكان ثم قال ما أعددت من كبير صلاة ولا صوم ولا صدقة قوله إلا أني أحب الله ورسوله قال الكرماني هذا الاستثناء يحتمل أن يكون متصلا وأن يكون منقطعا قوله إنك مع من أحببت أي ملحق بهم حتى تكون من زمرتهم وبهذا يندفع إيراد أن منازلهم متفاوتة فكيف تصح المعية فيقال أن المعية تحصل بمجرد الاجتماع في شيء ما ولا تلزم في جميع الأشياء فإذا اتفق أن الجميع دخلوا الجنة صدقت المعية وان تفاوتت الدرجات ويأتي بقية شرحه في الباب الذي بعده قوله فقلنا ونحن كذلك قال نعم هذا يؤيد ما بينت به المعية لأن درجات الصحابة متفاوتة قوله ففرحنا يومئذ فرحا شديدا في رواية أخرى عن أنس فلم أر المسلمين فرحوا فرحا أشد منه قوله فمر غلام للمغيرة في رواية مسلم للمغيرة بن شعبة أخرجه من رواية عفان عن همام قال مر غلام ولم يذكر ما قبله من هذه الطريق قوله وكان من أقراني أي مثلي في السن قال بن التين القرن المثل في السن وهو بفتح القاف وبكسرها المثل في الشجاعة قال وفعل بفتح أوله وسكون ثانيه إذا كان صحيحا لا يجمع على أفعال إلا ألفاظ لم يعدوا هذا فيها ووقع في رواية معبد بن هلال عند مسلم عن أنس وذلك الغلام من أترابي يومئذ والأتراب جمع ترب بكسر المثناة وسكون الراء بعدها موحدة وهم المتماثلون شبهوا بالترائب التي هي ضلوع للصدر ووقع في رواية الحسن عن أنس في آخره وأنا يومئذ بعد غلام قال بن بشكوال اسم هذا الغلام محمد واحتج بما أخرجه مسلم من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى تقوم الساعة وغلام من الأنصار يقال له محمد الحديث قال وقيل اسمه سعد ثم أخرج من طريق الحسن عن أنس أن رجلا سأل عن الساعة فذكر حديثا قال فنظر إلى غلام من دوس يقال له سعد وهذا أخرجه البارودي في الصحابة وسنده حسن وأخرجه أيضا من طريق أبي قلابة عن أنس نحوه وأخرجه بن منده من طريق قيس بن وهب عن أنس وقال فيه مر سعد الدوسي قال ورواه قرة بن خالد عن الحسن فقال فيه فقال لشاب من دوس يقال له بن سعد قلت وقد وقع عند مسلم في رواية معبد بن هلال عن أنس ثم نظر إلى غلام من أزد شنوءة فيحتمل التعدد أو كان اسم الغلام سعدا ويدعى محمدا أو بالعكس ودوس من أزد شنوءة فيحتمل أن يكون حالف الأنصار قوله فقال ان أخر هذا فلم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة في رواية الكشميهني فلن وكذا لمسلم وهي أولى وفي رواية حماد بن سلمة أن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم وفي رواية معبد بن هلال لئن عمر هذا لم يدركه الهرم كذا في الطرق كلها بإسناد الإدراك للهرم ولو أسند للغلام لكان سائغا ولكن أشير بالأول إلى أن الأجل كالقاصد للشخص قوله حتى تقوم الساعة وقع في رواية الباوردي التي أشرت إليها بدل قوله حتى تقوم الساعة لا يبقى منكم عين تطرف وبهذا يتضح المراد وله في أخرى ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي تقدم بيانه في العلم أنه قال لأصحابه في آخر عمره أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد وكان جماعة من أهل ذلك العصر يظنون أن المراد أن الدنيا تنقضي بعد مائة سنة فلذلك قال الصحابي فوهل الناس فيما يتحدثون من مائة سنة وإنما أراد صلى الله عليه وسلم بذلك انخرام قرنه أشار إلى ذلك عياض مختصرا قلت ووقع في الخارج كذلك فلم يبق ممن كان موجودا عند مقالته تلك عند استكمال مائة سنة من سنة موته أحد وكان آخر من رأى النبي صلى الله عليه وسلم موتا أبو الطفيل عامر بن واثلة كما ثبت في صحيح مسلم وقال الإسماعيلي بعد أن قرر أن المراد بالساعة ساعة الذين كانوا حاضرين عند النبي صلى الله عليه وسلم وأن المراد موتهم وأنه أطلق على يوم موتهم اسم الساعة لافضائه بهم إلى أمور الآخرة ويؤيد ذلك أن الله استأثر بعلم وقت قيام الساعة العظمى كما دلت عليه الآيات والأحاديث الكثيرة قال ويحتمل أن يكون المراد بقوله حتى تقوم الساعة المبالغة في تقريب قيام الساعة لا التحديد كما قال في الحديث الآخر بعثت أنا والساعة كهاتين ولم يرد أنها تقوم عند بلوغ المذكور الهرم قال وهذا عمل شائع للعرب يستعمل للمبالغة عند تفخيم الأمر وعند تحقيره وعند تقريب الشيء وعند تبعيده فيكون حاصل المعنى أن الساعة تقوم قريبا جدا وبهذا الاحتمال الثاني جزم بعض شراح المصابيح واستبعده بعض شراح المشارق وقال الداودي المحفوظ أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك للذين خاطبهم بقوله تأتيكم ساعتكم يعني بذلك موتهم لأنهم كانوا أعرابا فخشي أن يقول لهم لا أدري متى الساعة فيرتابوا فكلمهم بالمعاريض وكأنه أشار إلى حديث عائشة الذي أخرجه مسلم كان الأعراب إذا قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة متى الساعة فينظر إلى أحدث إنسان منهم سنا فيقول أن يعش هذا حتى يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم قال عياض وتبعه القرطبي هذه رواية واضحة تفسر كل ما ورد من الألفاظ المشكلة في غيرها وأما قول النووي يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن الغلام المذكور لا يؤخر ولا يعمر ولا يهرم أي فيكون الشرط لم يقع فكذلك لم يقع الجزاء فهو تأويل بعيد ويلزم منه استمرار الإشكال لأنه ان حمل الساعة على انقراض الدنيا وحلول أمر الآخرة كان مقتضي الخبر أن القدر الذي كان بين زمانه صلى الله عليه وسلم وبين ذلك بمقدار ما لو عمر ذلك الغلام إلى أن يبلغ الهرم والمشاهد خلاف ذلك وأن حمل الساعة على زمن مخصوص رجع إلى التأويل المتقدم وله أن ينفصل عن ذلك بأن سن الهرم لا حد لقدره وقال الكرماني يحتمل أن يكون الجزاء محذوفا كذا قال قوله واختصره شعبة عن قتادة سمعت أنسا وصله مسلم من رواية محمد بن جعفر عن شعبة ولم يسق لفظه بل أحال به على رواية سالم بن أبي الجعد عن أنس وساقها أحمد في مسنده عن محمد بن جعفر ولفظه جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال متى الساعة قال ما أعددت لها قال حب الله ورسوله قال أنت مع من أحببت وهو موافق لرواية همام فكأن مراد البخاري بالاختصار ما زاده همام في آخر الحديث من قوله فقلنا ونحن كذلك قال نعم ففرحنا يومئذ فرحا شديدا فمر غلام الخ
1 ( قوله باب علامة الحب في الله ) لقوله تعالى إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ذكر فيه حديث المرء مع من أحب قال الكرماني يحتمل أن يكون المراد بالترجمة محبة الله للعبد أو محبة العبد لله أو المحبة بين العباد في ذات الله بحيث لا يشوبها شيء من الرياء والآية مساعدة للأولين واتباع الرسول علامة للأولى لأنها مسببة للاتباع وللثانية لأنها سببه انتهى ولم يتعرض لمطابقة الحديث للترجمة وقد توقف فيه غيره واحد والمشكل منه جعل ذلك علامة الحب في الله وكأنه محمول على الاحتمال الثاني الذي أبداه الكرماني وأن المراد علامة حب العبد لله فدلت الآية أنها لا تحصل إلا باتباع الرسول ودل الخبر على أن أتباع الرسول وإن كان الأصل أنه لا يحصل إلا بامتثال جميع ما أمر به أنه قد يحصل من طريق التفضل باعتقاد ذلك وان لم يحصل استيفاء العمل بمقتضاه بل محبة من يعمل ذلك كافية في حصول أصل النجاة والكون مع العاملين بذلك لأن محبتهم إنما هي لأجل طاعتهم والمحبة من أعمال القلوب فأثاب الله محبهم على معتقده إذ النية هي الأصل والعمل تابع لها وليس من لازم المعية الاستواء في الدرجات وقد اختلف في سبب نزول الآية فأخرج بن أبي حاتم عن الحسن البصري قال كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقا من عمل فأنزل الله هذه الآية وذكر الكلبي في تفسيره عن بن عباس أنها نزلت حين قال اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه وفي تفسير محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير نزلت في نصارى نجران قالوا إنما نعبد المسيح حبا لله وتعظيما له وفي تفسير الضحاك عن بن عباس أنها نزلت في قريش قالوا إنما نعبد الأصنام حبا لله لتقربنا إليه زلفى فنزلت 5816 قوله شعبة عن سليمان هو الأعمش وفي رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عن الأعمش قوله عن أبي وائل في رواية الطيالسي عن شعبة عن الأعمش سمع أبا وائل وكذا في رواية عمرو بن مرزوق عن شعبة عن الأعمش سمعت أبا وائل قوله عن عبد الله هكذا رواه أصحاب شعبة فقالوا عن عبد الله ولم ينسبوه منهم بن أبي عدي عند مسلم وأبو داود الطيالسي عند أبي عوانة وعمرو بن مرزوق عند أبي نعيم وأبو عامر العقدي ووهب بن جرير عند الإسماعيلي وحكى الإسماعيلي عن بندار أنه عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري واستدل برواية سفيان الثوري عن الأعمش الآتية عقب هذا وسيأتي ما يؤيده ولكن صنيع البخاري يقتضي أنه كان عند أبي وائل عن بن مسعود وعن أبي موسى جميعا وأن الطريقين صحيحان لأنه بين الاختلاف في ذلك ولم يرجح ولذا ذكر أبو عوانة في صحيحه عن عثمان بن أبي شيبة أن الطريقين صحيحان قلت ويؤيد ذلك أن له عند بن مسعود أصلا فقد أخرج أبو نعيم في كتاب المحبين من طريق عطية عن أبي سعيد قال أتيت أنا وأخي عبد الله بن مسعود فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وأخرجه أيضا من طريق مسروق عن عبد الله به
5817 قوله جرير عن الأعمش عن أبي وائل قال قال عبد الله بن مسعود ثم قال في آخره تابعه جرير بن حازم فيه إشارة إلى أن جريرا الأول هو بن عبد الحميد وأما متابعة جرير بن حازم فوصلها أبو نعيم في كتاب المحبين من طريق أبي الأزهر أحمد بن الأزهر عن وهب بن جرير بن حازم حدثنا أبي سمعت الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله فذكره ولم ينسب عبد الله قوله وسليمان بن قرم هو بفتح القاف وسكون الراء ومتابعته هذه وصلها مسلم من طريق أبي الجواب عمار بن رزيق بتقديم الراء عنه عن عبد الله وعطفها على رواية شعبة فقال مثله وساق أبو عوانة في صحيحه لفظها ولم ينسب عبد الله أيضا وساقها الخطيب في كتاب المكمل مطولة قوله وأبو عوانة عن الأعمش يعني أن الثلاثة رووه عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله وأبو عوانة هذا هو الوضاح وأما أبو عوانة صاحب الصحيح فاسمه يعقوب ومتابعة أبي عوانة الوضاح وصلها أبو عوانة يعقوب والخطيب في كتاب المكمل من طريق يحيى بن حماد عنه وقال فيه أيضا عن عبد الله ولم ينسبه
5818 قوله حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان هو الثوري قوله عن أبي موسى هكذا صرح به أبو نعيم وأخرجه أبو عوانة من رواية قبيصة عن سفيان الثوري فقال عن عبد الله ولم ينسبه وهذا يؤيد قول بندار أن عبد الله حيث لم ينسب فالمراد به في هذا الحديث أبو موسى وأن من نسبه ظن أنه بن مسعود لكثرة مجيء ذلك على هذه الصورة في رواية أبي وائل ولكنه هنا خرج عن القاعدة وتبين برواية من صرح أنه أبو موسى الأشعري أن المراد بعبد الله بن قيس وهو أبو موسى الأشعري ولم أر من صرح في روايته عن الأعمش أنه عبد الله بن مسعود إلا ما وقع في رواية جرير بن عبد الحميد هذه عند البخاري عن قتيبة عنه وقد أخرجه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة كلاهما عن جرير فقال عن عبد الله حسب وكذا قال أبو يعلى عن أبي خيثمة وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية جعفر بن العباس وأبو عوانة من رواية إسحاق بن إسماعيل كلهم عن جرير به وكل من ذكر البخاري أنه تابعه إنما جاء من روايته أيضا عن عبد الله غير منسوب وكذا أخرجه أبو عوانة من رواية شيبان عن الأعمش فقال عبد الله ولم ينسبه قوله تابعه أبو معاوية ومحمد بن عبيد يعني عن الأعمش وهذه المتابعة وصلها مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير عنهما وقال في روايته عن أبي موسى وهكذا أخرجه أبو عوانة من طريق محمد بن كناسة عن الأعمش ووجدت للأعمش فيه إسنادا آخر أخرجه الحسن بن رشيق في شيوخ مكة له عن جعفر بن محمد السوسي عن سهل بن عثمان عن حفص بن غياث عن الأعمش عن الشعبي عن عروة بن مضرس به وقال غريب تفرد به سهل قلت ورجاله ثقات إلا أني لا أعرف جعفر بن محمد ولعله دخل عليه متن حديث في إسناد حديث قوله جاء رجل في حديث أبي موسى قيل للنبي صلى الله عليه وسلم ووقع في رواية أبي معاوية ومحمد بن عبيد أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل وأولى ما فسر به هذا المبهم أنه أبو موسى راوي الحديث فعند أبي عوانة من رواية محمد بن كناسة عن الأعمش في هذا الحديث عن شقيق عن أبي موسى قلت يا رسول الله فذكر الحديث ولكن يعكر عليه ما وقع في رواية وهب بن جرير التي تقدم ذكرها من عند أبي نعيم فإن لفظه عن عبد الله قال جاء أعرابي فقال يا رسول الله اني أحب قوما ولا ألحق بهم الحديث وأبو موسى إن جاز أن يبهم نفسه فيقول أتى رجل فغير جائز أن يصف نفسه بأنه أعرابي وقد وقع في حديث صفوان بن عسال الذي أخرجه الترمذي والنسائي وصححه بن خزيمة من طريق عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش قال قلت لصفوان بن عسال هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهوا شيئا قال نعم كنا مع رسول الله في مسير فناداه أعرابي بصوت له جهوري فقال أيا محمد فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم على قدر ذلك فقال هاؤم قال أرأيت المرء يحب القوم الحديث وأخرج أبو نعيم في كتاب المحبين من طريق مسروق عن عبد الله وهو بن مسعود قال أتى أعرابي فقال يا رسول الله والذي بعثك بالحق اني لأحبك فذكر الحديث فهذا الأعرابي يحتمل أن يكون هو صفوان بن قدامة فقد أخرج الطبراني وصححه أبو عوانة من حديثه قال قلت يا رسول الله إني أحبك قال المرء مع من أحب وقد وقع هذا السؤال لغير من ذكر فعند أبي عوانة أيضا وأحمد وأبي داود وبن حبان من طريق عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله الرجل يحب القوم الحديث ورجاله ثقات فإن كان مضبوطا أمكن أن يفسر به المبهم في حديث أبي موسى لكن المحفوظ بهذا الإسناد عن أبي ذر لرجل يعمل العمل من الخير ويحمد الناس عليه كذا أخرجه مسلم وغيره فلعل بعض رواته دخل عليه حديث في حديث قوله كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم في رواية سفيان الآتية ولما يلحق بهم وهي أبلغ بأن النفي بلما أبلغ من النفي بلم فيؤخذ منه أن الحكم ثابت ولو بعد اللحاق ووقع في حديث أنس عند مسلم ولم يلحق بعملهم وفي حديث أبي ذر المشار إليه قبل ولا يستطيع أن يعمل بعملهم وفي بعض طرق حديث صفوان بن عسال عند أبي نعيم ولم يعمل بمثل عملهم وهو يفسر المراد قوله المرء مع من أحب قد جمع أبو نعيم طرق هذا الحديث في جزء سماه كتاب المحبين مع المحبوبين وبلغ الصحابة فيه نحو العشرين وفي رواية أكثرهم بهذا اللفظ وفي بعضها بلفظ أنس الآتي عقب هذا
5819 قوله حدثنا عبدان هو عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد ويقال إن أباه تفرد برواية هذا الحديث عن شعبة وضاق مخرجه على الإسماعيلي وأبي نعيم فاخرجاه من طريق البخاري عنه وأخرجه مسلم عن واحد عن عبدان ووقع لي من رواية أخرى عن شعبة أخرجه أبو نعيم في المحبين من طريق السميدع بن واهب عنه وقد رواه منصور عن سالم بن أبي الجعد كما سيأتي في كتاب الأحكام وأخرجه أبو عوانة من رواية الأعمش عن سالم واستغربه قوله ان رجلا تقدم القول في تسميته في الباب الذي قبله قوله متى الساعة هكذا في أكثر الروايات عن أنس ووقع في رواية جرير عن منصور في أوله بينما أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجين من المسجد فلقينا رجل عند سدة المسجد فقال يا رسول الله متى الساعة وفي رواية أبي المليح الرقي عن الزهري عن أنس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعرض له أعرابي أخرجه أبو نعيم وله من طريق شريك عن أبي نمر عن أنس دخل رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ومن رواية أبي ضمرة عن حميد عن أنس جاء رجل فقال متى الساعة فقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة ثم صلى ثم قال أين السائل عن الساعة ويجمع بينها بأن سأله والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فلم يجبه حينئذ فلما انصرف من الصلاة وخرج من المسجد رآه فتذكر سؤاله أو عاوده الأعرابي في السؤال فأجابه حينئذ قوله ما أعددت لها قال الكرماني سلك مع السائل أسلوب الحكيم وهو تلقى السائل بغير ما يطلب مما يهمه أو هو أهم قوله أنت مع من أحببت زاد سلام بن أبي الصهباء عن ثابت عن أنس إنك مع من أحببت ولك ما احتسبت أخرجه أبو نعيم وله مثله من طريق قرة بن خالد عن الحسن عن أنس وأخرج أيضا من طريق أشعث عن الحسن عن أنس المرء مع من أحب وله ما اكتسب ومن طريق مسروق عن عبد الله أنت مع من أحببت وعليك ما اكتسبت وعلى الله ما احتسبت 1 ( قوله باب قول الرجل للرجل اخسأ ) سيأتي بيانه في آخر الباب قال بن بطال اخسأ زجر للكلب وابعاد له هذا أصل هذه الكلمة واستعملتها العرب في كل من قال أو فعل ما لا ينبغي له مما يسخط الله ذكر فيه حديث بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صياد قد خبأت لك خبئا قال فما هو قال الدخ قال أخسأ وأخرجه من رواية عبد الله بن عمر قال انطلق عمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من أصحابه قبل بن صياد فذكر الحديث مطولا وفيه اخسأ فلن تعدو قدرك وقد سبق مطولا في أواخر كتاب الجنائز وقوله في هذه الرواية فرضه النبي صلى الله عليه وسلم قال الخطابي وقع هنا بالضاد المعجمة وهو غلط والصواب بالصاد المهملة أي قبض عليه بثوبه يضم بعضه إلى بعض وقال بن بطال من رواه بالمعجمة فمعناه دفعه حتى وقع فتكسر يقال رض الشيء فهو رضيض ومرضوض إذا انكسر 5821 قوله قال أبو عبد الله خسأت الكلب بعدته خاسئين مبعدين ثبت هذا في رواية المستملي وحده وهو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى كونوا قردة خاسئين أي قاصين مبعدين يقال خسأته عني وخسأ هو يعني يتعدى ولا يتعدى وقال في قوله تعالى ينقلب إليك البصر خاسئا أي مبعدا وقال الراغب خسأ البصر انقبض عن مهانة وخسأت الكلب فخسأ أي زجرته مستهينا به فانزجر وقال بن التين في قوله في حديث الباب اخسأ معناه اسكت صاغرا مطرودا وثبتت الهمزة في آخر اخسأ في رواية وحذفت في أخرى بلفظ اخس وهو تخفيف 1 ( قوله باب قول الرجل مرحبا )
كذا للأكثر وفي رواية المستملي باب قول النبي صلى الله عليه وسلم مرحبا قال الأصمعي معنى قوله مرحبا لقيت رحبا وسعة وقال الفراء نصب على المصدر وفيه معنى الدعاء بالرحب والسعة وقيل هو مفعول به أي لقيت سعة لا ضيقا قوله وقالت عائشة قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة مرحبا بابنتي هذا طرف من حديث تقدم موصولا في علامات النبوة من رواية مسروق عن عائشة قالت أقبلت فاطمة تمشي الحديث وفيه القدر المعلق وقد تقدم شرحه هناك قوله وقالت أم هانئ جئت النبي صلى الله عليه وسلم فقال مرحبا بأم هانئ هذا طرف من حديث تقدم موصولا في مواضع منها في أوائل الصلاة من رواية أبي مرة مولى عقيل عن أم هانئ وفيه اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ثم ذكر حديث بن عباس في وفد عبد قيس وفيه قوله صلى الله عليه وسلم مرحبا بالوفد وقد تقدم شرحه في كتاب الإيمان وفي كتاب الأشربة مستوفى وأخرجه هنا من طريق أبي التياح بالمثناة الفوقانية المفتوحة وتشديد التحتانية وآخره مهملة واسمه يزيد بن حميد عن أبي جمرة بالجيم والراء ووقع في سياق متنه ألفاظ ليست في رواية غيره منها 5822 قوله مرحبا بالوفد الذين جاؤوا ومنها قوله أربع وأربع وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأعطوا خمس ما غنمتم ولا تشربوا الحديث والمعنى آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع كما في رواية غيره ومنها جعله إعطاء الخمس من جملة الأربع وفي سائر الروايات هي زائدة على الأربع وقد أخرج بن أبي عاصم في هذا الباب حديث بريدة أن عليا لما خطب فاطمة قال له النبي صلى الله عليه وسلم مرحبا وأهلا وهو عند النسائي وصححه الحاكم وأخرج فيه أيضا من حديث علي استأذن عمار بن ياسر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال مرحبا بالطيب المطيب وهو عند الترمذي وبن ماجة والمصنف في الأدب المفرد وصححه بن حبان والحاكم وأخرج بن أبي عاصم وبن السني فيه أحاديث أخرى غير هذه 1 ( قوله باب ما يدعي الناس بآبائهم )
كذا للأكثر وذكره بن بطال بلفظ هل يدعي الناس زاد في أوله هل وقد ورد في ذلك حديث لأم الدرداء سأنبه عليه في باب تحويل الاسم واستغنى المصنف عنه لما لم يكن على شرطه بحديث الباب وهو حديث بن عمر في الغادر يرفع له لواء لقوله فيه غدرة فلان بن فلان فتضمن الحديث أنه ينسب إلى أبيه في الموقف الأعظم ووقع في رواية الكشميهني في الرواية الأولى ينصب بدل يرفع قال الكرماني الرفع والنصب هنا بمعنى واحد يعني لأن الغرض إظهار ذلك وقال بن بطال في هذا الحديث رد لقول من زعم أنهم لا يدعون يوم القيامة إلا بأمهاتهم سترا على آبائهم قلت هو حديث أخرجه الطبراني من حديث بن عباس وسنده ضعيف جدا وأخرج بن عدي من حديث أنس مثله وقال منكر أورده في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الطبري قال بن بطال والدعاء بالآباء أشد في التعريف وأبلغ في التمييز وفي الحديث جواز الحكم بظواهر الأمور قلت وهذا يقتضي حمل الآباء على من كان ينسب إليه في الدنيا لا على ما هو في نفس الأمر وهو المعتمد وينظر كلامه من شرحه وقال بن أبي جمرة والغدر على عمومه في الجليل والحقير وفيه أن لصاحب كل ذنب من الذنوب التي يريد الله اظهارها علامة يعرف بها صاحبها ويؤيده قوله تعالى يعرف المجرمون بسيماهم قال وظاهر الحديث أن لكل غدرة لواء فعلى هذا يكون للشخص الواحد عدة ألوية بعدد غدراته قال والحكمة في نصب اللواء أن العقوبة تقع غالبا بضد الذنب فلما كان الغدر من الأمور الخفية ناسب أن تكون عقوبته بالشهرة ونصب اللواء أشهر الأشياء عند العرب قوله باب لا يقل خبثت نفسي بفتح الخاء المعجمة وضم الموحدة بعدها مثلثة ثم مثناة ويقال بفتح الموحدة والضم أصوب قال الراغب الخبث يطلق على الباطل في الإعتقاد والكذب في المقال والقبيح في الفعال قلت وعلى الحرام والصفات المذمومة القولية والفعلية أورد حديث عائشة بلفظ لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي وحديث سهل بن حنيف مثله سواء قال الخطابي تبعا لأبي عبيد لقست وخبثت بمعنى واحد وإنما كره صلى الله عليه وسلم من ذلك اسم الخبث فاختار اللفظة السالمة من ذلك وكان من سنته تبديل الاسم القبيح بالحسن وقال غيره معنى لقست غثت بغين معجمة ثم مثلثة وهو يرجع أيضا إلى معنى خبثت وقيل معناه ساء خلقها وقيل مالت به إلى الدعة وقال بن بطال هو على معنى الأدب وليس على سبيل الإيجاب وقد تقدم في الصلاة في الذي يعقد الشيطان على قافية رأسه فيصبح خبيث النفس ونطق القرآن بهذه اللفظة فقال تعالى ومثل كلمة خبيثة قلت لكن لم يرد ذلك إلا في معرض الذم فلا ينافي ذلك ما دل عليه حديث الباب من كراهة وصف الإنسان نفسه بذلك وقد سبق لهذا عياض فقال الفرق أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن صفة شخص مذموم الحال فلم يمتنع إطلاق ذلك اللفظ عليه وقال بن أبي جمرة النهي عن ذلك للندب والأمر بقوله لقست للندب أيضا فإن عبر بما يؤدي معناه كفى ولكن ترك الأولى قال ويؤخذ من الحديث استحباب مجانبة الألفاظ القبيحة والأسماء والعدول إلى ما لا قبح فيه والخبث واللقس وأن كان المعنى المراد يتأدى بكل منهما لكن لفظ الخبث قبيح ويجمع أمورا زائدة على المراد بخلاف اللقس فإنه يختص بامتلاء المعدة قال وفيه أن المرء يطلب الخير حتى بالفأل الحسن ويضيف الخير إلى نفسه ولو بنسبة ما ويدفع الشر عن نفسه مهما أمكن ويقطع الوصلة بينه وبين أهل الشر حتى في الألفاظ المشتركة قال ويلتحق بهذا أن الضعيف إذا سئل عن حاله لا يقول لست بطيب بل يقول ضعيف ولا يخرج نفسه من الطيبين فيلحقها بالخبيثين تنبيه أخرج أبو نعيم في المستخرج حديث سهل من طريق شبيب بن سعيد عن يونس بن يزيد عن الزهري ثم قال أخرجه البخاري عن عبدان عن بن المبارك عن موسى وقال هو موسى بن عقبة والصحيح يونس قلت لم أقف عليه في الأصول المعتمدة من رواية أبي ذر إلا عن يونس وكذا في رواية النسفي
5826 قوله تابعه عقيل يعني عن الزهري بسنده المذكور والمتن وهذه المتابعة وصلها الطبراني من طريق نافع بن يزيد عن عقيل وسقطت من رواية أبي ذر وثبتت للنسفي والباقين 1 ( قوله باب لا تسبوا الدهر ) هذا اللفظ أخرجه مسلم من حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة فذكره وبعده فإن الله هو الدهر 5827 قوله الليث عن يونس عن بن شهاب قال أبو علي الجياني هكذا للجميع إلا لأبي علي بن السكن فقال فيه الليث عن عقيل عن بن شهاب وهكذا وقع في الزهريات للذهلي من روايته عن أبي صالح عن الليث ولكن لفظه لا يسب بن آدم الدهر قال أبو علي الجياني الحديث محفوظ ليونس عن بن شهاب أخرجه مسلم من طريق بن وهب عنه قلت الحديث عند الليث عن شيخين وقد أخرجه يعقوب بن سفيان وأبو نعيم من طريقه قال حدثنا أبو صالح وبن بكير قالا حدثنا الليث حدثني يونس به قوله قال الله يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار هذه رواية يونس بن يزيد عن الزهري ورواية معمر بعدها بلفظ ولا تقولوا يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر وأوله لا تسموا العنب الكرم ويأتي شرحه في الباب الذي بعده وقد اختلف على معمر في شيخ الزهري فقال عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن معمر عنه عن أبي سلمة وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ولفظه قال الله يؤذيني بن آدم يقول يا خيبة الدهر الحديث أخرجه مسلم وهكذا قال سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد أخرجه أحمد عنه ولفظه يؤذيني بن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار وقد مضى في التفسير من هذا الوجه وسيأتي في التوحيد وهكذا أخرجه مسلم وغيره من رواية سفيان بن عيينة قال بن عبد البر الحديثان للزهري عن أبي سلمة وعن سعيد بن المسيب جميعا صحيحان قلت قد قال النسائي كلاهما محفوظ لكن حديث أبي سلمة أشهرهما قلت ولعبد الرزاق فيه عن معمر إسناد آخر أخرجه مسلم أيضا من طريقه فقال عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر ولا يقولن أحدكم للعنب الكرم الحديث وأخرجه أحمد من رواية همام عن أبي هريرة بلفظ لا يقل بن آدم يا خيبة الدهر إني أنا الدهر أرسل الليل والنهار فإذا شئت قبضتهما وأخرجه مالك في الموطأ عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ لا يقولن أحدكم والباقي مثل رواية عبد الأعلى عن معمر لكن وقع في رواية يحيى بن يحيى الليثي عن مالك في آخره فإن الدهر هو الله قال بن عبد البر خالف جميع الرواة عن مالك وجميع رواة الحديث مطلقا فإن الجميع قالوا فإن الله هو الدهر وأخرجه أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ لا تسبوا الدهر فإن الله قال أنا الدهر الأيام والليالي لي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك وسنده صحيح
5828 قوله ولا تقولوا خيبة الدهر كذا للأكثر وللنسفي يا خيبة الدهر وفي غير البخاري واخيبة الدهر الخيبة بفتح الخاء المعجمة وإسكان التحتانية بعدها موحدة الحرمان وهي بالنصب على الندبة كأنه فقد الدهر لما يصدر عنه مما يكرهه فندبه متفجعا عليه أو متوجعا منه وقال الداودي هو دعاء على الدهر بالخيبة وهو كقولهم قحط الله نوءها يدعون على الأرض بالقحط وهي كلمة هذا أصلها ثم صارت تقال لكل مذموم ووقع في رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عند مسلم بلفظ وأدهره وأدهره ومعنى النهي عن سب الدهر أن من اعتقد أنه الفاعل للمكروه فسبه أخطأ فإن الله هو الفاعل فإذا سببتم من أنزل ذلك بكم رجع السب إلى الله وقد تقدم شرح الحديث في تفسير سورة الجاثية ومحصل ما قيل في تأويله ثلاثة أوجه أحدها أن المراد بقوله أن الله هو الدهر أي المدبر للأمور ثانيها أنه على حذف مضاف أي صاحب الدهر ثالثها التقدير مقلب الدهر ولذلك عقبه بقوله بيدي الليل والنهار ووقع في رواية زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ بيدي الليل والنهار أجدده وأبليه وأذهب بالملوك أخرجه أحمد وقال المحققون من نسب شيئا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر ومن جرى هذا اللفظ على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر لكنه يكره له ذلك لشبهه بأهل الكفر في الإطلاق وهو نحو التفصيل الماضي في قولهم مطرنا بكذا وقال عياض زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله وهو غلط فإن الدهر مدة زمان الدنيا وعرفه بعضهم بأنه أمد مفعولات الله في الدنيا أو فعله لما قبل الموت وقد تمسك الجهلة من الدهرية والمعطلة بظاهر هذا الحديث واحتجوا به على من لا رسوخ له في العلم لأن الدهر عندهم حركات الفلك وأمد العالم ولا شيء عندهم ولا صانع سواه وكفى في الرد عليهم قوله في بقية الحديث أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فكيف يقلب الشيء نفسه تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة لا يخفى أن من سب الصنعة فقد سب صانعها فمن سب نفس الليل والنهار أقدم على أمر عظيم بغير معنى ومن سب ما يجري فيهما من الحوادث وذلك هو أغلب ما يقع من الناس وهو الذي يعطيه سياق الحديث حيث نفى عنهما التأثير فكأنه قال لا ذنب لهما في ذلك وأما الحوادث فمنها ما يجري بوساطة العاقل المكلف فهذا يضاف شرعا ولغة إلى الذي جرى على يديه ويضاف إلى الله تعالى لكونه بتقديره فأفعال العباد من أكسابهم ولهذا ترتبت عليها الأحكام وهي في الابتداء خلق الله ومنها ما يجري بغير وساطة فهو منسوب إلى قدرة القادر وليس لليل والنهار فعل ولا تأثير لا لغة ولا عقلا ولا شرعا وهو المعنى في هذا الحديث ويلتحق بذلك ما يجري من الحيوان غير العاقل ثم أشار بأن النهي عن سب الدهر تنبيه بالأعلى على الأدنى وأن فيه إشارة إلى ترك سب كل شيء مطلقا الا ما أذن الشرع فيه لأن العلة واحدة والله أعلم انتهى ملخصا واستنبط منه أيضا منع الحيلة في البيوع كالعينة لأنه نهى عن سب الدهر لما يئول إليه من حيث المعنى وجعله سبا لخالقه 1 ( قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الكرم قلب المؤمن )
وقد قال إنما المفلس الذي يفلس يوم القيامة كقوله إنما الصرعة الذي يملك نفسه عند الغضب كقوله لا ملك ألا الله فوصفه بانتهاء الملك ثم ذكر الملوك أيضا فقال ان الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها غرض البخاري أن الحصر ليس على ظاهره وإنما المعنى أن الاحق باسم الكرم قلب المؤمن ولم يرد أن غيره لا يسمى كرما كما أن المراد بقوله إنما المفلس من ذكر ولم يرد أن من يفلس في الدنيا لا يسمى مفلسا وبقوله إنما الصرعة كذلك وكذا قوله لا ملك إلا الله لم يرد أنه لا يجوز أن يسمى غيره ملكا وإنما أراد الملك الحقيقي وان سمي غيره ملكا واستشهد لذلك بقوله تعالى ان الملوك وفي القرآن من ذلك عدة أمثلة كقوله تعالى وقال الملك في صاحب يوسف وغيره وأشار بن بطال إلى أنه يؤخذ من ذلك ترك المبالغة والإغراق في الوصف إذا كان الموصوف لا يستحق ذلك وحديث إنما المفلس يأتي الكلام عليه في الرقاق وحديث إنما الصرعة تقدم قريبا وحديث لا ملك إلا الله يأتي الكلام عليه في باب أبغض الأسماء إلى الله ووقع لبعض الرواة هنا بلفظ لا ملك إلا لله بضم الميم وسكون اللام وحذف الألف بعد قوله إلا والأول هو اللائق للسياق
5829 قوله ويقولون الكرم إنما الكرم قلب المؤمن هكذا وقع في هذه الرواية من طريق سفيان بن عيينة قال حدثنا الزهري عن سعيد ووقع في الباب الذي قبله من رواية معمر عن الزهري عن أبي سلمة بلفظ لا تسموا العنب كرما وهي رواية بن سيرين عن أبي هريرة عند مسلم وعنده من طريق همام عن أبي هريرة لا يقل أحدكم للعنب الكرم إنما الكرم الرجل المسلم وله من حديث وائل بن حجر لا تقولوا الكرم ولكن قولوا العنب والحبلة قالوا وفي قوله في الباب ويقولون عاطفة على شيء حذف هنا وكأنه الحديث الذي قبله وقد أخرجه بن أبي عمر في مسنده عن سفيان ومن طريقه الإسماعيلي فقال في أوله يقولون بغير واو أخرجه الحميدي في مسنده ومن طريقه أبو نعيم وذكره بالواو كما ذكره البخاري عن علي بن عبد الله وكذا أخرجه أحمد في مسنده عن سفيان ولكن قال فيه عن أبي هريرة رفعه وقال مرة يبلغ به وقال مرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجه مسلم عن بن أبي عمر وعمرو الناقد قالا حدثنا سفيان بهذا السند قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقولوا كرم فإن الكرم قلب المؤمن وقوله ويقولون الكرم هو مبتدأ وخبره محذوف أي يقولون الكرم شجر العنب وقد أخرج الطبراني والبزار من حديث سمرة رفعه أن اسم الرجل المؤمن في الكتب الكرم من أجل ما أكرمه الله على الخليقة وإنكم تدعون الحائط من العنب الكرم الحديث قال الخطابي ما ملخصه ان المراد بالنهي تأكيد تحريم الخمر بمحو اسمها ولان في تبقية هذا الاسم لها تقريرا لما كانوا يتوهمونه من تكرم شاربها فنهى عن تسميتها كرما وقال إنما الكرم قلب المؤمن لما فيه من نور الإيمان وهدى الإسلام وحكى بن بطال عن بن الأنباري أنهم سموا العنب كرما لأن الخمر المتخذة منه تحث على السخاء وتأمر بمكارم الأخلاق حتى قال شاعرهم والخمر مشتقة المعنى من الكرم وقال آخر شققت من الصبي واشتق مني كما اشتقت من الكرم الكروم فلذلك نهى عن تسمية العنب بالكرم حتى لا يسموا أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم وجعل المؤمن الذي يتقي شربها ويرى الكرم في تركها أحق بهذا الاسم انتهى وأما قول الأزهري سمي العنب كرما لأنه ذلل لقاطفه وليس فيه سلاء يعقر جانيه ويحمل الأصل منه مثل ما تحمل النخلة فأكثر وكل شيء كثر فقد كرم فهو صحيح أيضا من حيث الاشتقاق لكن المعنى الأول أنسب للنهي وقال النووي النهي في هذا الحديث عن تسمية العنب كرما وعن تسمية شجرها أيضا للكراهية وحكى القرطبي عن المازري أن السبب في النهي أنه لما حرمت عليهم الخمر وكانت طباعهم تحثهم على الكرم كره صلى الله عليه وسلم أن يسمى هذا المحرم باسم تهيج طباعهم إليه عند ذكره فيكون ذلك كالمحرك لهم وتعقبه بأن محل النهي إنما هو تسمية العنب كرما وليست العنبة محرمة والخمر لا تسمى عنبة بل العنب قد يسمى خمرا باسم ما يئول إليه قلت والذي قاله المازري موجه لأنه يحمل على إرادة حسم المادة بترك تسمية أصل الخمر بهذا الاسم الحسن ولذلك ورد النهي تارة عن العنب وتارة عن شجرة العنب فيكون التنفير بطريق الفحوى لأنه إذا نهى عن تسمية ما هو حلال في الحال بالاسم الحسن لما يحصل منه بالقوة مما ينهي عنه فلأن ينهى عن تسمية ما ينهى عنه بالاسم الحسن أحرى وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما ملخصه لما كان اشتقاق الكرم من الكرم والأرض الكريمة هي أحسن الأرض فلا يليق أن يعبر بهذه الصفة إلا عن قلب المؤمن الذي هو خير الأشياء لأن المؤمن خير الحيوان وخير ما فيه قلبه لأنه إذا صلح صلح الجسد كله وهو أرض لنبات شجرة الإيمان قال ويؤخذ منه أن كل خير باللفظ أو المعنى أو بهما أو مشتقا منه أو مسمى به إنما يضاف بالحقيقة الشرعية لأن الإيمان وأهله وإن أضيف إلى ما عدا ذلك فهو بطريق المجاز وفي تشبيه الكرم بقلب المؤمن معنى لطيف لأن أوصاف الشيطان تجري مع الكرمة كما يجري الشيطان في بني آدم مجرى الدم فإذا غفل المؤمن عن شيطانه أوقعه في المخالفة كما أن من غفل عن عصير كرمه تخمر فتنجس ويقوي التشبه أيضا أن الخمر يعود خلا من ساعته بنفسه أو بالتخليل فيعود طاهرا وكذا المؤمن يعود من ساعته بالتوبة النصوح طاهرا من خبث الذنوب المتقدمة التي كان متنجسا باتصافه بها إما بباعث من غيره من موعظة ونحوها وهو كالتخليل أو بباعث من نفسه وهو كالتخلل فينبغي للعاقل أن يتعرض لمعالجة قلبه لئلا يهلك وهو على الصفة المذمومة تنبيه الحبلة المذكورة في حديث وائل عند مسلم بفتح المهملة وحكى ضمها وسكون الموحدة وبفتحها أيضا وهو أشهر هي شجرة العنب وقيل أصل الشجرة وقيل القضيب منها وقال في المحكم الحبل بفتحتين شجر العنب الواحدة حبلة وبالضم ثم السكون الكرم وقيل الأصل من أصوله وهو أيضا اسم ثمر السمر والعضاه
1 ( قوله باب قول الرجل فداك أبي وأمي ) تقدم ضبط فداك ومعناه في باب ما يجوز من الرجز والشعر قريبا قوله فيه الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى ما وصله في مناقب الزبير بن العوام من طريق عبد الله بن الزبير قال جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة يوم الأحزاب في النساء الحديث وفيه قول الزبير فلما رجعت جمع لي النبي صلى الله عليه وسلم أبويه فقال فداك أبي وأمي 5830 قوله يحيى هو بن سعيد القطان وسفيان هو الثوري قوله يفدى بفتح أوله وسكون الفاء للكشميهني ولغيره بضم أوله والفاء المفتوحة والتشديد وقد تقدم في مناقب سعد بن أبي وقاص بيان الجمع بين حديث الزبير المذكور في الباب في إثبات التفدية له وبين حديث على هذا في نفي ذلك عن غير سعد وكأن البخاري رمز بذلك إلى هذا الجمع وغفل من خص حديث الزبير بتخريج مسلم مع إخراج البخاري له ورمزه إليه في هذاالباب وقوله في آخر هذا الحديث أظنه يوم أحد تقدم الجزم بذلك في رواية إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن أبيه في غزوة أحد من كتاب المغازي ولفظه فإني سمعته يقول إرم سعد فداك أبي وأمي وتقدم هناك سبب هذا القول لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه 1 ( قوله باب قول الرجل جعلني الله فداك ) أي هل يباح أو يكره وقد استوعب الأخبار الدالة على الجواز أبو بكر بن أبي عاصم في أول كتابه آداب الحكماء وجزم بجواز ذلك فقال للمرء أن يقول ذلك لسلطانه ولكبيره ولذوي العلم ولمن أحب من إخوانه غير محظور عليه ذلك بل يثاب عليه إذا قصد توقيره واستعطافه ولو كان ذلك محظورا لنهى النبي صلى الله عليه وسلم قائل ذلك ولأعلمه أن ذلك غير جائز أن يقال لأحد غيره قوله وقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فديناك بآبائنا وأمهاتنا هو طرف من حديث لأبي سعيد رفعه أن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده فقال أبو بكر فديناك بآبائنا وأمهاتنا الحديث وقد تقدم موصولا في مناقب أبي بكر مع شرحه ثم ذكر حديث أنس في إرداف صفية وقد تقدم شرحه في أواخر كتاب اللباس والمراد منه قول أبي طلحة يا نبي الله جعلني الله فداك هل أصابك شيء وقد ترجم أبو داود نحو هذه الترجمة وساق حديث أبي ذر قلت للنبي صلى الله عليه وسلم لبيك وسعديك جعلني الله فداك الحديث وكذا أخرجه البخاري في الأدب المفرد في الترجمة قال الطبراني في هذه الأحاديث دليل على جواز قول ذلك وأما ما رواه مبارك بن فضالة عن الحسن قال دخل الزبير على النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاك فقال كيف تجدك جعلني الله فداك قال ما تركت أعرابيتك بعد ثم ساقه من هذا الوجه ومن وجه آخر ثم قال لا حجة في ذلك على المنع لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث في الصحة وعلى تقدير ثبوت ذلك فليس فيه صريح المنع بل فيه إشارة إلى أنه ترك الأولى في القول للمريض إما بالتأنيس والملاطفة وإما بالدعاء والتوجع فإن قيل إنما ساغ ذلك لأن الذي دعا بذلك كان أبواه مشركين فالجواب أن قول أبي طلحة كان بعد أن أسلم وكذا أبو ذر وقول أبي بكر كان بعد أن أسلم أبواه انتهى ملخصا ويمكن أن يعترض بأنه لا يلزم من تسويغ قول ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم أن يسوغ لغيره لأن نفسه أعز من أنفس القائلين وآبائهم ولو كانوا أسلموا فالجواب ما تقدم من كلام بن أبي عاصم فإن فيه إشارة إلى أن الأصل عدم الخصوصية وأخرج بن أبي عاصم من حديث بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة فداك أبوك ومن حديث بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه فداكم أبي وأمي ومن حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال مثل ذلك للأنصار
1 ( قوله باب أحب الأسماء إلى الله عز وجل ) ورد بهذا اللفظ حديث أخرجه مسلم من طريق نافع عن بن عمر رفعه ان أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وله شاهد من حديث أبي وهب الجشمي وسيأتي التنبيه عليه بعد باب وآخر عن مجاهد عند بن أبي شيبة مثله قال القرطبي يلتحق بهذين الأسمين ما كان مثلهما كعبد الرحيم وعبد الملك وعبد الصمد وإنما كانت أحب إلى الله لأنها تضمنت ما هو وصف واجب لله وما هو وصف للإنسان وواجب له وهو العبودية ثم أضيف العبد إلى الرب إضافة حقيقية فصدقت أفراد هذه الأسماء وشرفت بهذا التركيب فحصلت لها هذه الفضيلة وقال غيره الحكمة في الاقتصار على الاسمين أنه لم يقع في القرآن إضافة عبد إلى اسم من أسماء الله تعالى غيرهما قال الله تعالى وأنه لما قام عبد الله يدعوه وقال في آية أخرى وعباد الرحمن ويؤيده قوله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن وقد أخرج الطبراني من حديث أبي زهير الثقفي رفعه إذا سميتم فعبدوا ومن حديث بن مسعود رفعه أحب الأسماء إلى الله ما تعبد به وفي إسناد كل منهما ضعف
5832 قوله عن جابر ولد لرجل منا غلام اسم الرجل المذكور لم أقف عليه قوله فسماه القاسم مقتضى رواية مسلم عن رفاعة بن الهيثم عن خالد الواسطي بالسند المذكور هنا فسماه محمدا إلا أنه أورده عقب رواية عبثر وهو بوزن جعفر بعين مهملة ثم موحدة ساكنة ثم مثلثة عن حصين بالسند المذكور فسماه محمدا فذكر الحديث وفي آخره سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي فإنما بعثت قاسما أقسم بينكم ثم ساق رواية خالد وقال بهذا الإسناد ولم يذكر فإنما بعثت قاسما أقسم بينكم وكأن الاختلاف فيه على خالد فإن الإسماعيلي أخرجه من رواية وهيب بن بقية عن خالد فقال فسماه القاسم وأخرجه أحمد عن هشيم عن حصين فقال سماه القاسم وأخرجه أيضا من رواية معمر عن منصور كذلك وأخرجه أبو نعيم من رواية يوسف القاضي عن مسدد عن خالد فقال سماه باسم النبي صلى الله عليه وسلم وهكذا قاله أبو عوانة عن حصين أخرجه أبو نعيم في المستخرج على مسلم وهذا يقتضي ترجيح رواية رفاعة بن الهيثم وأخرجه أحمد عن زياد البكائي عن منصور كما قال رفاعة وقد وقع الاختلاف فيه على شعبة أيضا في باب قوله تعالى فإن لله خمسه وللرسول يعني قسم ذلك من كتاب فرض الخمس فأخرجه البخاري هناك عن أبي الوليد عن شعبة عن سليمان وهو الأعمش ومنصور وقتادة قالوا سمعنا سالما أي بن أبي الجعد عن جابر قال ولد لرجل منا غلام فأراد أن يسميه محمدا قال وقال عمرو يعني بن مرزوق عن شعبة عن قتادة بسنده أراد أن يسميه القاسم وأورده من رواية سفيان الثوري عن الأعمش فقال أراد أن يسميه القاسم وأخرجه مسلم من رواية جرير عن منصور فقال فيه ولد لرجل منا غلام فسماه محمدا فقال له قومه لا ندعك تسمية باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق إليه بابنه حامله على ظهره فقال يا رسول الله ولد لي غلام فسميته محمدا فذكر الحديث وقد بين شعبة أن في رواية منصور عن سالم عن جابر أن الأنصاري قال حملته على عنقي أورده البخاري في فرض الخمس وقد تقدم أنه يقتضي أن يكون من مسند الأنصاري من رواية جابر عنه وسائر الروايات عن سالم بن أبي الجعد يقتضي أنه من مسند جابر وفيه أورده أصحاب المسانيد والاطراف وقدمت في فرض الخمس أن رواية من قال أراد أن يسميه القاسم أرجح وذكرت وجه رجحانه ويؤيده أنه لم يختلف على محمد بن المنكدر عن جابر في ذلك كما أخرجه المؤلف في آخر الباب الذي يليه قوله لا نكنيك أبا القاسم ولا كرامة في الرواية التي في الباب بعده من هذا الوجه ولا ننعمك عينا هو من الأنعام أي لا ننعم عليك بذلك فتقر به عينك ويؤخذ منه مشروعية تكنية المرء بمن يولد له ولا يختص بأول أولاده قوله فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم كذا للأكثر بضم الهمزة على البناء للمجهول ولبعضهم بالبناء للفاعل ويؤيده ما في الباب الذي بعده بلفظ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم قوله فقال سم ابنك عبد الرحمن في مطابقة الترجمة لحديث جابر عسر وأقرب ما قيل أنهم لما أنكروا عليه التكني بكنية النبي صلى الله عليه وسلم اقتضى مشروعية الكنية وأنه لما أمره أن يسميه عبد الرحمن أختار له اسما يطيب خاطره به إذ غير الاسم فاقتضى الحال أنه لا يشير عليه إلا باسم حسن وتوجيه كونه أحسن تقدم في أول الباب قال بعض شراح المشارق لله الأسماء الحسنى وفيها أصول وفروع أي من حيث الاشتقاق قال وللأصول أصول أي من حيث المعنى فأصول الأصول اسمان الله والرحمن لأن كلا منهما مشتمل على الأسماء كلها قال الله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ولذلك لم يتسم بهما أحد وما ورد من رحمن اليمامة غير وارد لأنه مضاف وقول شاعرهم وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا تغالي في الكفر وليس بوارد لأن الكلام في أنه لم يتسم به أحد ولا يرد إطلاق من أطلقه وصفا لأنه لا يستلزم التسمية بذلك وقد لقب غير واحد الملك الرحيم ولم يقع مثل ذلك في الرحمن وإذا تقرر ذلك كانت إضافة العبودية إلى كل منهما حقيقية محضة فظهر وجه الأحبية والله أعلم
1 ( قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم سموا باسمي ولا تكنوا ) بفتح الكاف وتشديد النون وهو على حذف إحدى التائين أو بسكون الكاف وضم النون وفي رواية الكشميهني ولا تكتنوا بسكون الكاف وفتح المثناة بعدها نون قوله بكنيتي في رواية الأصيلي بكنوتي بالواو بدل التحتانية وهي بمعناها كنوته وكنيته بمعنى قال عياض رووه كلهم في عدة مواضع بالياء وقد تقدم معنى الكنية والتعريف بها في أوائل المناقب في باب كنية النبي صلى الله عليه وسلم قوله فيه أنس يشير إلى ما تقدم موصولا في البيوع ثم في صفة النبي صلى الله عليه وسلم من طريق حميد عن أنس بهذا وفيه قصة سيأتي التنبيه عليها ولفظه سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ثم ذكر فيه حديث جابر في ذلك ثم حديث أبي هريرة ثم حديث جابر من وجه آخر فأما حديث أبي هريرة فاقتصر فيه على المتن ولفظه كحديث أنس المذكور وأما حديث جابر ففي الرواية الأولى من طريق سالم وهو بن أبي الجعد عنه ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم فقالوا لا نكنيك حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم وفي الرواية الثانية من طريق محمد بن المنكدر عنه فقلنا لا نكنيك بأبي القاسم ولا ننعمك عينا فيجمع بين هذا الاختلاف إما بأن بعضهم قال هذا وبعضهم قال هذا وإما أنهم منعوا أولا مطلقا ثم استدركوا فقالوا حتى نسأل وفي الرواية الأولى أيضا فقال سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي وفي الرواية الثانية فقال سم ابنك عبد الرحمن ويجمع بينهما بأن أحد الراويين ذكر ما لم يذكر الآخر وقوله
5835 لا نكنيك بفتح أوله مع التخفيف وبضمه مع التشديد وننعمك بضم أوله قال النووي اختلف في التكني بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب الأول المنع مطلقا سواء كان اسمه محمدا أم لا ثبت ذلك عن الشافعي والثاني الجواز مطلقا ويختص النهي بحياته صلى الله عليه وسلم والثالث لا يجوز لمن اسمه محمد ويجوز لغيره قال الرافعي يشبه أن يكون هذا هو الأصح لأن الناس لم يزالوا يفعلونه في جميع الأعصار من غير إنكار قال النووي هذا مخالف لظاهر الحديث وأما إطباق الناس عليه ففيه تقوية للمذهب الثاني وكأن مستندهم ما وقع في حديث أنس المشار إليه قبل أنه صلى الله عليه وسلم كان في السوق فسمع رجلا يقول يا أبا القاسم فالتفت إليه فقال لم أعنك فقال سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي قال ففهموا من النهي الاختصاص بحياته للسبب المذكور وقد زال بعده صلى الله عليه وسلم انتهى ملخصا وهذا السبب ثابت في الصحيح فما خرج صاحب القول المذكور عن الظاهر إلا بدليل ومما ننبه عليه أن النووي أورد المذهب الثالث مقلوبا فقال يجوز لمن اسمه محمد دون غيره وهذا لا يعرف به قائل وإنما هو سبق قلم وقد حكى المذاهب الثلاثة في الأذكار على الصواب وكذا هي في الرافعي ومما تعقبه السبكي عليه أنه رجح منع التكنية بأبي القاسم مطلقا ولما ذكر الرافعي في خطبة المنهاج كناه فقال المحرر للأمام أبي القاسم الرافعي وكان يمكنه أن يقول للامام الرافعي فقط أو يسميه باسمه ولا يكنيه بالكنية التي يعتقد المصنف منعها وأجيب باحتمال أن يكون أشار بذلك إلى اختيار الرافعي الجواز أو إلى أنه مشتهر بذلك ومن شهر بشيء لم يمتنع تعريفه به ولو كان بغير هذا القصد فإنه لا يسوغ والله أعلم وبالمذهب الأول قال الظاهرية وبالغ بعضهم فقال لا يجوز لأحد أن يسمى ابنه القاسم لئلا يكنى أبا القاسم وحكى الطبري مذهبا رابعا وهو المنع من التسمية بمحمد مطلقا وكذا التكني بأبي القاسم مطلقا ثم ساق من طريق سالم بن أبي الجعد كتب عمر لا تسموا أحدا باسم نبي واحتج لصاحب هذا القول بما أخرجه من طريق الحكم بن عطية عن ثابت عن أنس رفعه يسمونهم محمدا ثم يلعنونهم وهو حديث أخرجه البزار وأبو يعلى أيضا وسنده لين قال عياض والأشبه أن عمر إنما فعل ذلك إعظاما لاسم النبي صلى الله عليه وسلم لئلا ينتهك وقد كان سمع رجلا يقول لمحمد بن زيد بن الخطاب يا محمد فعل الله بك وفعل فدعاه وقال لا أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسب بك فغير اسمه قلت أخرجه أحمد والطبراني من طريق عبد الرحمن بن بن أبي ليلى نظر عمر إلى بن عبد الحميد وكان اسمه محمدا ورجل يقول له فعل الله بك يا محمد فأرسل إلى بن زيد بن الخطاب فقال لا أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسب بك فسماه عبد الرحمن وأرسل إلى بني طلحة وهم سبعة ليغير أسماءهم فقال له محمد وهو كبيرهم والله لقد سماني النبي صلى الله عليه وسلم محمدا فقال قوموا فلا سبيل إليكم فهذا يدل على رجوعه عن ذلك وحكى غيره مذهبا خامسا وهو المنع مطلقا في حياته والتفصيل بعده بين من اسمه محمد وأحمد فيمتنع وإلا فيجوز وقد ورد ما يؤيد المذهب الثالث الذي ارتضاه الرافعي ووهاه النووي وذلك فيما أخرجه أحمد وأبو داود وحسنه الترمذي وصححه بن حبان من طريق أبي الزبير عن جابر رفعه من تسمى باسمي فلا يكتنى بكنيتي ومن اكتنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي لفظ أبي داود وأحمد من طريق هشام الدستوائي عن أبي الزبير ولفظ الترمذي وبن حبان من طريق حسين بن واقد عن أبي الزبير إذا سميتم بي فلا تكنوا بي وإذا كنيتم بي فلا تسموا بي قال أبو داود ورواه الثوري عن بن جريج مثل رواية هشام ورواه معقل عن أبي الزبير مثل رواية بن سيرين عن أبي هريرة قال ورواه محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة مثل رواية أبي الزبير قلت ووصله البخاري في الأدب المفرد وأبو يعلى ولفظه لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي والترمذي من طريق الليث عنه ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجمع بين اسمه وكنيته وقال أنا أبو القاسم الله يعطي وأنا أقسم قال أبو داود واختلف على عبد الرحمن بن أبي عمرة وعلي أبي زرعة بن عمرو وموسى بن يسار عن أبي هريرة على الوجهين قلت وحديث بن أبي عمرة أخرجه أحمد وبن أبي شيبة من طريقه عن عمه رفعه لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي وأخرج الطبراني من حديث محمد بن فضالة قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا بن أسبوعين فأتى بي إليه فمسح على رأسي وقال سموه باسمي ولا تكنوه بكنيتي ورواية أبي زرعة عند أبي يعلى بلفظ من تسمى باسمي فلا يكتنى بكنيتي واحتج للمذهب الثاني بما أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وبن ماجة وصححه الحاكم من حديث علي قال قلت يا رسول الله إن ولد لي من بعدك ولد اسميه باسمك وأكنيه بكنيتك قال نعم وفي بعض طرقه فسماني محمدا وكناني أبا القاسم وكان رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب روينا هذه الرخصة في أمالي الجوهري وأخرجها بن عساكر في الترجمة النبوية من طريقه وسندها قوي قال الطبري في إباحة ذلك لعلي ثم تكنيه على ولده أبا القاسم إشارة إلى أن النهي عن ذلك كان على الكراهة لا على التحريم قال ويؤيد ذلك أنه لو كان على التحريم لأنكره الصحابة ولما مكنوه أن يكنى ولده أبا القاسم أصلا فدل على أنهم إنما فهموا من النهي التنزيه وتعقب بأنه لم ينحصر الأمر فيما قال فلعلهم علموا الرخصة له دون غيره كما في بعض طرقه أو فهموا تخصيص النهي بزمانه صلى الله عليه وسلم وهذا أقوى لأن بعض الصحابة سمي ابنه محمدا وكناه أبا القاسم وهو طلحة بن عبيد الله وقد جزم الطبراني أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كناه وأخرج ذلك من طريق عيسى بن طلحة عن ظئر محمد بن طلحة وكذا يقال لكنية كل من المحمدين بن أبي بكر وبن سعد وبن جعفر بن أبي طالب وبن عبد الرحمن بن عوف وبن حاطب بن أبي بلتعة وبن الأشعث بن قيس أبو القاسم وأن آباءهم كنوهم بذلك قال عياض وبه قال جمهور السلف والخلف وفقهاء الأمصار وأما ما أخرجه أبو داود من حديث عائشة أن امرأة قالت يا رسول الله إني سميت ابني محمدا وكنيته أبا القاسم فذكر لي انك تكره ذلك قال ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي فقد ذكر الطبراني في الأوسط أن محمد بن عمران الحجبي تفرد به عن صفية بنت شيبة عنها ومحمد المذكور مجهول وعلى تقدير أن يكون محفوظا فلا دلالة فيه على الجواز مطلقا لاحتمال أن يكون قبل النهي وفي الجملة أعدل المذاهب المذهب المفصل المحكي أخيرا مع غرابته وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة بعد أن أشار إلى ترجيح المذهب الثالث من حيث الجواز لكن الأولى الأخذ بالمذهب الأول فإنه أبرأ للذمة وأعظم للحرمة والله أعلم
1 ( قوله باب اسم الحزن ) بفتح المهملة وسكون الزاي ما غلظ من الأرض وهو ضد السهل واستعمل في الخلق يقال في فلان حزونة أي في خلقه غلظة وقساوة 5836 قوله عن بن المسيب هو سعيد وسماه أحمد في روايته عن عبد الرزاق وكذا محمود بن غيلان وأحمد بن صالح وغيرهما قوله عن أبيه أن أباه جاء كذا رواه إسحاق بن نصر عن عبد الرزاق وتابعه أحمد عن عبد الرزاق قال في روايته عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجده وكذا أخرجه بن حبان من طريق محمد بن أبي السري عن عبد الرزاق وأورده المصنف عن عقبة عن محمود بن غيلان وعلي بن عبد الله كلاهما عن عبد الرزاق فقالا في روايتهما عن أبيه عن جده وكذا أورده أبو داود عن أحمد بن صالح والإسماعيلي من طريق إسحاق بن الضيف كلاهما عن عبد الرزاق وفيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له وهذا الاختلاف على عبد الرزاق وبحسبه يكون الحديث إما من مسند المسيب بن حزن على الرواية الأولى وإما من مسند حزن بن أبي وهب والده على الرواية الثانية وقد أعرض الحميدي تبعا لأبي مسعود عن الرواية الثانية وأورد الحديث في مسند المسيب وأما الكلاباذي فجزم بأن الحديث من مسند حزن وهذا الذي ينبغي أن يعتمد لأن الزيادة من الثقة مقبولة ولا سيما وفيهم بن المديني قوله قال أنت سهل في رواية الإسماعيلي من طريق محمود بن غيلان ومن طريق إسحاق بن الضيف جميعا قال بل اسمك سهل قوله لا أغير اسما في رواية أحمد بن صالح فقال لا السهل يوطأ ويمتهن ويجمع بأنه قال كلا من الكلامين فنقل بعض الرواة ما لم ينقله الآخر قوله فما زالت الحزونة فينا بعد في رواية أحمد بن صالح فظننت أنه سيصيبنا بعده حزونة 5837 قوله حدثنا علي بن عبد الله ومحمود هو بن غيلان كذا ثبت للأكثر وسقط محمود من رواية الأصيلي عن أبي أحمد الجرجاني وقد أخرجه الإسماعيلي عن الهيثم بن خلف عن محمود بن غيلان كما قال البخاري ولفظه كما قدمته وأخرجه أبو نعيم عن أبي أحمد وهو الغطريفي عن الهيثم فقال في السند عن أبيه أن أباه جاءه والمعتمد ما قال الإسماعيلي قال بن بطال فيه أن الأمر بتحسين الأسماء وبتغيير الاسم إلى أحسن منه ليس على الوجوب وسيأتي مزيد لهذا في الباب الذي يليه وقال بن التين معنى قول بن المسيب فما زالت فينا الحزونة يريد اتساع التسهيل فيما يريدونه وقال الداودي يريد الصعوبة في أخلاقهم إلا أن سعيدا أفضى به ذلك إلى الغضب في الله وقال غيره يشير إلى الشدة التي بقيت في أخلاقهم فقد ذكر أهل النسب أن في ولده سوء خلق معروف فيهم لا يكاد يعدم منهم تنبيه قال الكرماني هنا قالوا لم يرو عن المسيب بن حزن وهو وأبوه صحابيان إلا ابنه سعيد بن المسيب وهذا خلاف المشهور من شرط البخاري أنه لم يرو عن واحد ليس له إلا راو واحد قلت وهذا المشهور راجع إلى غرابته وذلك أنه لم يذعه إلا الحاكم ومن تلقى كلامه وأما المحققون فلم يلتزموا ذلك وحجتهم أن ذلك لم ينقل عن البخاري صريحا وقد وجد عمله على خلافه في عدة مواضع منها هذا فلان يعتد به وقد قررت ذلك في النكت على علوم الحديث وعلى تقدير تسليم الشرط المذكور فالجواب عن هذا الموضع أن الشرط المذكور إنما هو في غير الصحابة وأما الصحابة فكلهم عدول فلا يقال في واحد منهم بعد أن ثبتت صحبته مجهول وان وقع ذلك في كلام بعضهم فهو مرجوح ويحتاج من ادعى الشرط في بقية المواضع إلى الأجوبة 1 ( قوله باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه ) هذه الترجمة منتزعة مما أخرج بن أبي شيبة من مرسل عروة 1 ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع الاسم القبيح حوله إلى ما هو أحسن منه )