İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
1 ( قوله باب بالتنوين الرؤيا من الله ) أي مطلقا وإن قيدت في الحديث بالصالحة فهو بالنسبة إلى ما لا دخول للشيطان فيه وأما ما له فيه دخل فنسبت إليه نسبة مجازية مع أن الكل بالنسبة إلى الخلق والتقدير من قبل الله وإضافة الرؤيا إلى الله للتشريف ويحتمل أن يكون أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما سأبينه وظاهر 6583 قوله الرؤيا من الله والحلم من الشيطان أن التي تضاف إلى الله لا يقال لها حلم والتي تضاف للشيطان لا يقال لها رؤيا وهو تصرف شرعي وإلا فالكل يسمى رؤيا وقد جاء في حديث آخر الرؤيا ثلاث فاطلق على كل رؤيا وسيأتي بيانه في باب القيد في المنام وذكر فيه حديثين الحديث الأول حديث أبي قتادة وزهير في السند هو بن معاوية أبو خيثمة الجعفي ويحيى بن سعيد هو الأنصاري وأبو سلمة هو بن عبد الرحمن قوله الرؤيا الصادقة في رواية الكشميهني الصالحة وهو الذي وقع في معظم الروايات وسقط الوصف من رواية أحمد بن يحيى الحلواني عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه أخرجه أبو نعيم في المستخرج بلفظ الرؤيا من الله كالترجمة وكذا في الطب من رواية سليمان بن بلال والإسماعيلي من رواية الثوري وبشر بن المفضل ويحيى القطان كلهم عن يحيى بن سعيد ولمسلم من رواية الزهري عن أبي سلمة كما سيأتي قريبا مثله ووقع في رواية عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة كما سيأتي في باب إذا رأى ما يكره الرؤيا الحسنة من الله ووقع عند مسلم من هذا الوجه الصالحة زاد في هذه الرواية فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يخبر به إلا من يحب ولمسلم في رواية من هذا الوجه فان رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يحب وقوله فليبشر بفتح التحتانية وسكون الموحدة وضم المعجمة من البشرى وقيل بنون بدل الموحدة أي ليحدث بها وزعم عياض أنها تصحيف ووقع في بعض النسخ من مسلم فليستر بمهملة ومثناة من الستر وفي حديث أبي رزين عند الترمذي ولا يقصها إلا على واد بتشديد الدال اسم فاعل من الود أو ذي رأي وفي أخرى ولا يحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا وفي أخرى ولا يقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح قال القاضي أبو بكر بن العربي أما العالم فإنه يؤولها له على الخير مهما أمكنه وأما الناصح فإنه يرشد إلى ما ينفعه ويعينه عليه وأما اللبيب وهو العارف بتأويلها فإنه يعلمه بما يعول عليه في ذلك أو يسكت وأما الحبيب فان عرف خيرا قاله وإن جهل أو شك سكت قلت والأولى الجمع بين الروايتين فان اللبيب عبر به عن العالم والحبيب عبر به من الناصح ووقع عند مسلم في حديث أبي سعيد في حديثي الباب
6584 فليحمد الله عليها وليحدث بها قوله والحلم من الشيطان كذا اختصره وسيأتي ضبط الحلم ومعناه في باب الحلم من الشيطان إن شاء الله تعالى وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من الطريق المشار إليها فزاد فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاث مرات ويتعوذ بالله من شرها وأذاها فانها لا تضره وكذا مضى في الطب من رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد وسيأتي للمصنف في باب الحلم من الشيطان من طريق بن شهاب عن أبي سلمة بلفظ فإذا حلم أحدكم الحلم يكرهه فليبصق عن يساره وليستعذ بالله منه فلن يضره ولمسلم من هذا الوجه عن يساره حين يهب من نومه ثلاث مرات وسيأتي في باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عبيد الله بن أبي جعفر عن أبي سلمة بلفظ فمن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا وليتعوذ من الشيطان فانها لا تضره ومن رواية عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة الأتية في باب إذا رأى ما يكره بلفظ وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثا ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره وهذه أتم الروايات عن أبي سلمة لفظا قال المهلب سمى الشارع الرؤيا الخالصة من الاضغاث صالحة وصادقة وأضافها إلى الله وسمى الاضغاث حلما وأضافها إلى الشيطان إذ كانت مخلوقة على شاكلته فأعلم الناس بكيده وأرشدهم إلى دفعه لئلا يبلغوه أربه في تحزينهم والتهويل عليهم وقال أبو عبد الملك أضيفت إلى الشيطان لكونها على هواه ومراده وقال بن الباقلاني يخلق الله الرؤيا الصالحة بحضرة الملك ويخلق الرؤيا التي تقابلها بحضرة الشيطان فمن ثم أضيقت إليه وقيل أضيقت إليه لأنه الذي يخيل بها ولا حقيقة لها في نفس الأمر الحديث الثاني عن أبي سعيد الخدري قوله حدثني بن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي وسيأتي منسوبا في باب إذا رأى ما يكره قوله فانما هي من الله في الرواية المذكورة فانها من الله فليحمد الله عليها وليتحدث بها وفي رواية الكشميهني فليتحدث ومثله في الرواية المذكورة قوله وإذا رأى غير ذلك مما يكره فانما هي من الشيطان فليستعذ زاد في نسخة بالله قوله ولا يذكرها لأحد فانها لا تضره في رواية الكشميهني في باب إذا رأى ما يكره فانها لن تضره فحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء أن يحمد الله عليها وأن يستبشر بها وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره وحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا المكروهة أربعة أشياء أن يتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وأن يتفل حين يهب من نومه عن يساره ثلاثا ولا يذكرها لأحد أصلا ووقع عند المصنف في باب القيد في المنام عن أبي هريرة خامسة وهي الصلاة ولفظه فمن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل لكن لم يصرح البخاري بوصله وصرح به مسلم كما سيأتي بيانه في بابه وغفل القاضي أبو بكر بن العربي فقال زاد الترمذي على الصحيحين بالأمر بالصلاة انتهى وزاد مسلم سادسة وهي التحول عن جنبه الذي كان عليه فقال حدثنا قتيبة حدثنا ليث وحدثنا بن رمح أنبأنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رفعه إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق على يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه وقال قبل ذلك حدثنا قتيبة ومحمد بن رمح عن الليث بن سعد وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير كلهم عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد يعني عن أبي سلمة عن أبي قتادة مثل حديث سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد وزاد بن رمح في هذا الحديث وليتحول عن جنبه الذي كان عليه وذكر بعض الحفاظ أن هذه الزيادة انما هي في حديث الليث عن أبي الزبير كما اتفق عليه قتيبة وبن رمح وأما طريق يحيى بن سعيد في حديث أبي قتادة فليست فيه ولذلك لم يذكرها قتيبة وفي الجملة فتكمل الأداب ستة الأربعه الماضية والصلاة والتحول ورأيت في بعض الشروح ذكر سابعه وهي قراءة آية الكرسي ولم يذكر لذلك مستندا فان كان أخذه من عموم قوله في حديث أبي هريرة ولا يقربنك شيطان فيتجه وينبغي أن يقرأها في صلاته المذكورة وسيأتي ما يتعلق بآداب العابر وقد ذكر العلماء حكمه هذه الأمور فأما الاستعاذة بالله من شرها فواضح وهي مشروعة عند كل أمر يكره وأما الاستعاذة من الشيطان فلما وقع في بعض طرق الحديث أنها منه وأنه يخيل بها لقصد تحزين الآدمي والتهويل عليه كما تقدم وأما التفل فقال عياض أمر به طردا للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة تحقيرا له واستقذارا وخصت به اليسار لأنها محل الأقذار ونحوها قلت والتثليث للتأكيد وقال القاضي أبو بكر بن العربي فيه إشارة إلى أنه في مقام الرقية ليتقرر عند النفس دفعه عنها وعبر في بعض الروايات بالبصاق إشارة إلى استقذاره وقد ورد بثلاثة ألفاظ التفث والتفل والبصق قال النووي في الكلام على النفث في الرقية تبعا لعياض اختلف في التفث والتفل فقيل هما بمعنى ولا يكونان إلا بريق وقال أبو عبيد يشترط في التفل ريق يسير ولا يكون في التفث وقيل عكسه وسئلت عائشة عن التفث في الرقية فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه قال ولا اعتبار بما يخرج معه من بلة بغير قصد قال وقد جاء في حديث أبي سعيد في الرقية بفاتحة الكتاب فجعل يجمع بزاقه قال عياض وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة والهواء والتفث للمباشر للرقية المقارن للذكر الحسن كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء وقال النووي أيضا أكثر الروايات في الرؤيا فلينفث وهو نفخ لطيف بلا ريق فيكون التفل والبصق محمولين عليه مجازا قلت لكن المطلوب في الموضعين مختلف لأن المطلوب في الرقية التبرك برطوبة الذكر كما تقدم والمطلوب هنا طرد الشيطان وإظهار احتقاره واستقذاره كما نقله هو عن عياض كما تقدم فالذي يجمع الثلاثة الحمل على التفل فإنه نفخ معه ريق لطيف فبالنظر إلى النفخ قيل له تفث وبالنظر إلى الريق قيل له بصاق قال النووي وأما قوله فانها لا تضره فمعناه ان الله جعل ما ذكر سببا للسلامة من المكروه المترتب على الرؤيا كما جعل الصدقة وقاية للمال انتهى وأما الصلاة فلما فيها من التوجه إلى الله واللجأ إليه ولأن في التحرم بها عصمة من الأسواء وبها تكمل الرغبة وتصح الطلبة لقرب المصلي من ربه عند سجوده وأما التحول فللتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها قال النووي وينبغي أن يجمع بين هذه الروايات كلها ويعمل بجميع ما تضمنه فان اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها بإذن الله تعالى كما صرحت به الأحاديث قلت لم أر في شيء من الأحاديث الاقتصار على واحدة نعم أشار المهلب إلى أن الاستعاذة كافية في دفع شرها وكأنه أخذه من قوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون فيحتاج مع الاستعاذة إلى صحة التوجه ولا يكفي إمرار الاستعاذة باللسان وقال القرطبي في المفهم الصلاة تجمع ذلك كله لأنه إذا قام فصلى تحول عن جنبه وبصق ونفث عند المضمضة في الوضوء واستعاذ قبل القراءة ثم دعا الله في أقرب الأحوال إليه فيكفيه الله شرها بمنه وكرمه وورد في صفة التعوذ من شر الرؤيا أثر صحيح أخرجه سعيد بن منصور وبن أبي شيبة وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النخعي قال إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليقل إذا استيقظ أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي هذه أن يصيبني فيها ما أكره في ديني ودنياي وورد في الاستعاذة من التهويل في المنام ما أخرجه مالك قال بلغني أن خالد بن الوليد قال يا رسول الله إني أروع في المنام فقال قل أعوذ بكلمات الله التامات من شر غضبه وعذابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون وأخرجه النسائي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان خالد بن الوليد يفزع في منامه فذكر نحوه وزاد في أوله إذا اضطجعت فقل باسم الله فذكره وأصله عند أبي داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه واستثنى الداودي من عموم قوله إذا رأى ما يكره ما يكون في الرؤيا الصادقة لكونها قد تقع إنذارا كما تقع تبشيرا وفي الإنذار نوع ما يكرهه الرائي فلا يشرع إذا عرف انها صادقة ما ذكره من الاستعاذة ونحوها واستند إلى ما ورد من مرائي النبي صلى الله عليه وسلم كالبقر التي تنحر ونحو ذلك ويمكن أن يقال لا يلزم من ترك الاستعاذة في الصادقة أن لا يتحول عن جنبه ولا أن لا يصلي فقد يكون ذلك سببا لدفع مكروه الإنذار مع حصول مقصود الإنذار وأيضا فالمنذورة قد ترجع إلى معنى المبشرة لأن من أنذر بما سيقع له ولو كان لا يسره أحسن حالا ممن هجم عليه ذلك فإنه ينزعج ما لا ينزعج من كان يعلم بوقوعه فيكون ذلك تخفيفا عنه ورفقا به قال الحكيم الترمذي الرؤيا الصادقة أصلها حق تخبر عن الحق وهو بشرى وانذار ومعاتبة لتكون عونا لما ندب إليه قال وقد كان غالب أمور الأولين الرؤيا إلا أنها قلت في هذه الأمة لعظم ما جاء به نبيها من الوحي ولكثرة من في أمته من الصديقين من المحدثين بفتح الدال وأهل اليقين فاكتفوا بكثرة الإلهام والملهمين عن كثرة الرؤيا التي كانت في المتقدمين وقال القاضي عياض يحتمل قوله الرؤيا الحسنة والصالحة أن يرجع إلى حسن ظاهرها أو صدقها كما أن قوله الرؤيا المكروهة أو السوء يحتمل سوء الظاهر أو سوء التأويل وأما كتمها مع أنها قد تكون صادقة فخفيت حكمته ويحتمل أن يكون لمخافة تعجيل اشتغال سر الرائي بمكروه تفسيرها لأنها قد تبطئ فإذا لم يخبر بها زال تعجيل روعها وتخويفها ويبقى إذا لم يعبرها له أحد بين الطمع في أن لها تفسيرا حسنا أو الرجاء في أنها من الاضغاث فيكون ذلك أسكن لنفسه واستدل بقوله ولا يذكرها على أن الرؤيا تقع على ما يعبر به وسيأتي البحث في ذلك في باب إذا رأى ما يكره إن شاء الله تعالى واستدل به على أن للوهم تأثيرا في النفوس لأن التفل وما ذكر معه يدفع الوهم الذي يقع في النفس من الرؤيا فلو لم يكن للوهم تأثير لما أرشد إلى ما يدفعه وكذا في النهي عن التحديث بما يكره لمن يكره والأمر بالتحديث بما يحب لمن يحب قوله في حديث أبي سعيد وإذا رأى غير ذلك مما يكره فانما هي من الشيطان ظاهر الحصر أن الرؤيا الصالحة لا تشتمل على شيء مما يكرهه الرائي ويؤيده مقابلة رؤيا البشرى بالحلم وإضافة الحلم إلى الشيطان وعلى هذا ففي قول أهل التعبير ومن تبعهم ان الرؤيا الصادقة قد تكون بشرى وقد تكون انذارا نظر لأن الإنذار غالبا يكون فيما يكره الرائي ويمكن الجمع بأن الإنذار لا يستلزم وقوع المكروه كما تقدم تقريره وبأن المراد بما يكره ما هو أعم من ظاهر الرؤيا ومما تعبر به وقال القرطبي في المفهم ظاهر الخبر أن هذا النوع من الرؤيا يعني ما كان فيه تهويل أو تخويف أو تحزين هو المأمور بالاستعاذة منه لأنه من تخيلات الشيطان فإذا استعاذ الرائي منه صادقا في التجائه إلى الله وفعل ما أمر به من التفل والتحول والصلاة أذهب الله عنه ما به وما يخافه من مكروه ذلك ولم يصبه منه شيء وقيل بل الخبر على عمومه فيما يكرهه الرائي بتناول ما يتسبب به الشيطان وما لا تسبب له فيه وفعل الأمور المذكورة مانع من وقوع المكروه كما جاء أن الدعاء يدفع البلاء والصدقة تدفع ميتة السوء وكل ذلك بقضاء الله وقدره ولكن الأسباب عادات لا موجودات وأما ما يرى أحيانا مما يعجب الرائي ولكنه لا يجده في اليقظة ولا ما يدل عليه فإنه يدخل في قسم آخر وهو ما كان الخاطر به مشغولا قبل النوم ثم يحصل النوم فيراه فهذا قسم لا يضر ولا ينفع
1 ( قوله باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) هذه الترجمة لفظ آخر أحاديث الباب فكأنه حمل الرواية الأخرى بلفظ رؤيا المؤمن على هذه المقيدة وسقطت هذه الترجمة للنسفي وذكر أحاديثها في الباب الذي قبله وذكر فيه خمسة أحاديث الحديث الأول 6585 قوله حدثنا مسدد قال حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير وأثنى عليه خيرا لقيته باليمامة هكذا للأكثر وفي رواية القابسي بعد قوله خيرا قال لقيته باليمامة وفاعل أثنى هو مسدد وهي جملة حالية كأنه قال أثنى عليه خيرا حال تحديثه عنه وقد أثنى عليه أيضا إسحاق بن أبي إسرائيل فيما أخرجه الإسماعيلي من طريقه قال حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير وكان من خيار الناس وأهل الورع والدين قوله عن أبيه هو عطف على السند الذي قبله ففي رواية إسحاق بن أبي إسرائيل المذكورة بعد أن ساق طريق أبي سلمة قال وحدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه مثل حديث أبي سلمة وتقدم في صفة إبليس من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وحده عن أبي قتادة وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق أبي خليفة عن مسدد كرواية البخاري عن مسدد ومن طريق إبراهيم الحربي عن مسدد بهذا السند فقال عن أبي هريرة بدل أبي قتادة ولعله كان عند أبي سلمة عنهما وكان عند مسدد على الوجهين فقد أخرجه بن عدي من رواية إسحاق بن أبي إسرائيل بهذا السند إلى أبي سلمة فقال عن أبي قتادة تارة وعن أبي هريرة أخرى وعن عبيد الله بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة حديث رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة أخرجه مسلم قوله الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا حلم أحدكم تقدم شرحه في الباب الذي قبله مستوفى وقد اعترضه الإسماعيلي فقال ليس هذا الحديث من هذا الباب في شيء وأخذه الزركشي فقال إدخاله في هذا الباب لا وجه له بل هو ملحق بالذي قبله قلت وقد وقع ذلك في رواية النسفي كما أشرت إليه ويجاب عن صنيع الأكثر بأن وجه دخوله في هذه الترجمة الإشارة إلى أن الرؤيا الصالحة انما كانت جزءا من أجزاء النبوة لكونها من الله تعالى بخلاف التي من الشيطان فانها ليست من أجزاء النبوة وأشار البخاري مع ذلك إلى ما وقع في بعض الطرق عن أبي سلمة عن أبي قتادة فقد ذكرت في الباب الذي قبله أنه وقع في رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن أبي قتادة في هذا الحديث من الزيادة ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة الحديث الثاني 6586 قوله حدثنا غندر هو محمد بن جعفر قوله عن أنس في رواية أحمد عن محمد بن جعفر المذكور بسنده المذكور سمعت أنس بن مالك يحدث عن عبادة وقد خالف قتادة غيره فلم يذكروا عبادة في السند وهو الحديث الثالث حديث أنس
6587 قوله ورواه ثابت وحميد وإسحاق بن عبد الله وشعيب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أي بغير واسطة فأما رواية ثابت فتأتي موصولة بعد خمسة أبواب من طريق عبد العزيز بن المختار عنه تلو حديث أوله من رآني في المنام فقد رآني وقال فيه ورؤيا المؤمن ووصلها مسلم من طريق شعبة عن ثابت كذلك وأخرجها البزار وقال لا نعلم رواه عن ثابت إلا شعبة ورواية عبد العزيز ترد عليه ووقع في أطراف المزي أن البخاري أخرجه في التعبير معلقا فقال رواه شعبة عن ثابت ولم أر ذلك في البخاري وأما رواية حميد فوصلها أحمد عن محمد بن أبي عدي عنه ولفظ المتن مثل رواية قتادة وأما رواية إسحاق وهو بن عبد الله بن أبي طلحة فتقدمت قريبا وأما رواية شعيب وهو بن الحبحاب بمهملتين مفتوحتين وموحدتين الأولى ساكنة فرويناها موصولة في كتاب الروح لأبي عبد الله بن منده من طريق عبد الوارث بن سعيد وفي الجزء الرابع من فوائد أبي جعفر محمد بن عمرو الرزاز من طريق سعيد بن زيد كلاهما عن شعيب ولفظه مثل حميد وأشار الدارقطني إلى أن الطريقين صحيحان الحديث الرابع حديث أبي هريرة من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عنه ولفظه مثل قتادة وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه فزاد في أوله أن التي للتأكيد وأخرجه من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ أبي سعيد آخر أحاديث الباب ومن طريق أبي سلمة ومن طريق همام كلاهما عن أبي هريرة بلفظ رؤيا الرجل الصالح بدل لفظ المؤمن الحديث الخامس حديث أبي سعيد من رواية بن أبي حازم والدراوردي واسم كل منهما عبد العزيز واسم أبي حازم سلمة بن دينار واسم والد الدراوردي محمد بن عبيد ويزيد شيخهما هو المعروف بابن الهاد والسند كله مدنيون ولفظ المتن مثل الترجمة كما تقدم قوله من النبوة قال بعض الشراح كذا هو في جميع الطرق وليس في شيء منها بلفظ من الرسالة بدل من النبوة قال وكأن السر فيه أن الرسالة تزيد على النبوة بتبليغ الاحكام للمكلفين بخلاف النبوة المجردة فانها اطلاع على بعض المغيبات وقد يقرر بعض الأنبياء شريعة من قبله ولكن لا يأتي بحكم جديد مخالف لمن قبله فيؤخذ من ذلك ترجيح القول بأن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فأمره بحكم يخالف حكم الشرع المستقر في الظاهر أنه لا يكون مشروعا في حقه ولا في حق غيره حتى يجب عليه تبليغه وسيأتي بسط هذه المسألة في الكلام على حديث من رآني في المنام فقد رآني إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب المبشرات ) بكسر الشين المعجمة جمع مبشرة وهي البشرى وقد ورد في قوله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة أخرجه الترمذي وبن ماجة وصححه الحاكم من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبادة بن الصامت ورواته ثقات إلا أن أبا سلمة لم يسمعه من عبادة وأخرجه الترمذي أيضا من وجه آخر عن أبي سلمة قال نبئت عن عبادة وأخرجه أيضا هو وأحمد وإسحاق وأبو يعلى من طريق عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر عن عبادة وذكر بن أبي حاتم عن أبيه أن هذا الرجل ليس بمعروف وأخرجه بن مردويه من حديث بن مسعود قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله وفي الباب عن جابر عند البزار وعن أبي هريرة عند الطبري وعن عبد الله بن عمرو عند أبي يعلى
6589 قوله لم يبق من النبوة إلا المبشرات كذا ذكره باللفظ الدال على المضي تحقيقا لوقوعه والمراد الاستقبال أي لا يبقى وقيل هو على ظاهره لأنه قال ذلك في زمانه واللام في النبوة للعهد والمراد نبوته والمعنى لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات ثم فسرها بالرؤيا وصرح به في حديث عائشة عند أحمد بلفظ لم يبق بعدي وقد جاء في حديث بن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك في مرض موته أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن أبيه عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف الستارة ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه والناس صفوف خلف أبي بكر فقال يا أيها الناس أنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له الحديث وللنسائي من رواية زفر بن صعصعة عن أبي هريرة رفعه أنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة وهذا يؤيد التأويل الأول وظاهر الاستثناء مع ما تقدم من أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة أن الرؤيا نبوة وليس كذلك لما تقدم أن المراد تشبيه أمر الرؤيا بالنبوة أو لأن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له كمن قال أشهد أن لا إله إلا الله رافعا صوته لا يسمى مؤذنا ولا يقال أنه أذن وإن كانت جزءا من الأذان وكذا لو قرأ شيئا من القرآن وهو قائم لا يسمى مصليا وإن كانت القراءة جزءا من الصلاة ويؤيده حديث أم كرز بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي الكعبية قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذهبت النبوة وبقيت المبشرات أخرجه أحمد وبن ماجة وصححه بن خزيمة وبن حبان ولأحمد عن عائشة مرفوعا لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا وله وللطبراني من حديث حذيفة بن أسيد مرفوعا ذهبت النبوة وبقيت المبشرات ولأبي يعلى من حديث أنس رفعه أن الرسالة والنبوة قد انقطعت ولا نبي ولا رسول بعدي ولكن بقيت المبشرات قالوا وما المبشرات قال رؤيا المسلمين جزء من أجزاء النبوة قال المهلب ما حاصله التعبير بالمبشرات خرج للأغلب فان من الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله للمؤمن رفقا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه وقال بن التين معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا ويرد عليه الإلهام فان فيه إخبارا بما سيكون وهو للأنبياء بالنسبة للوحي كالرؤيا ويقع لغير الأنبياء كما في الحديث الماضي في مناقب عمر قد كان فيمن مضى من الأمم محدثون وفسر المحدث بفتح الدال بالملهم بالفتح أيضا وقد أخبر كثير من الأولياء عن أمور مغيبة فكانت كما أخبروا والجواب أن الحصر في المنام لكونه يشمل آحاد المؤمنين بخلاف الإلهام فإنه مختص بالبعض ومع كونه مختصا فإنه نادر فانما ذكر المنام لشموله وكثرة وقوعه ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم فان يكن وكان السر في ندور الإلهام في زمنه وكثرته من بعده غلبة الوحي إليه صلى الله عليه وسلم في اليقظة وإرادة إظهار المعجزات منه فكان المناسب أن لا يقع لغيره منه في زمانه شيء فلما انقطع الوحي بموته وقع الإلهام لمن اختصه الله به للأمن من اللبس في ذلك وفي إنكار وقوع ذلك مع كثرته واشتهاره مكابرة ممن أنكره قوله باب رؤيا يوسف كذا لهم ووقع للنسفي يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن وقوله عز وجل إذ قال يوسف لأبيه فساق إلى ساجدين ثم قال إلى قوله عليم حكيم كذا لأبي ذر والنسفي وساق في رواية كريمة الآيات كلها قوله وقوله تعالى وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا إلى قوله وألحقني بالصالحين كذا لأبي ذر والنسفي أيضا وساق في رواية كريمة الآيتين والمراد أن معنى قوله تأويل رؤياي أي التي تقدم ذكرها وهي رؤية الكواكب والشمس والقمر ساجدين له فلما وصل أبواه وأخوته إلى مصر ودخلوا عليه وهو في مرتبة الملك وسجدوا له وكان ذلك مباحا في شريعتهم فكان التأويل في الساجدين وكونها حقا في السجود وقيل التأويل وقع أيضا في السجود ولم يقع منهم السجود حقيقة وانما هو كناية عن الخضوع والأول هو المعتمد وقد أخرجه بن جرير بسند صحيح عن قتادة في قوله وخروا له سجدا قال كانت تحية من قبلكم فأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة وفي لفظ وكانت تحية الناس يومئذ أن يسجد بعضهم لبعض ومن طريق بن إسحاق والثوري وبن جريج وغيرهم نحو ذلك قال الطبري أرادوا أن ذلك كان بينهم لا على وجه العبادة بل الإكرام واختلف في المدة التي كانت بين الرؤيا وتفسيرها فأخرج الطبري والحاكم والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن سلمان الفارسي قال كان بين رؤيا يوسف وعبارتها أربعون عاما وذكر البيهقي له شاهدا عن عبد الله بن شداد وزاد وإليها ينتهي امد الرؤيا وأخرج الطبري من طريق الحسن البصري قال كانت مدة المفارقة بين يعقوب ويوسف ثمانين سنة وفي لفظ ثلاثا وثمانين سنة ومن طريق قتادة خمسا وثلاثين سنة ونقل الثعلبي عن بن مسعود تسعين سنة وعن الكلبي اثنتين وعشرين سنة قال وقيل سبعا وسبعين ونقل بن إسحاق قولا أنها كانت ثمانية عشر عاما والأول أقوى والعلم عند الله قوله قال أبو عبد الله هو المصنف وسقط هذا وما بعده إلى آخر الباب للنسفي قوله فاطر والبديع والمبدع والبارئ والخالق واحد كذا لبعضهم البارئ بالراء ولأبي ذر والأكثر البادئ بالدال بدل الراء والهمز ثابت فيهما وزعم بعض الشراح ان الصواب بالراء وأن رواية الدال وهم وليس كما قال فقد وردت في بعض طرق الأسماء الحسنى كما تقدم في الدعوات وفي الأسماء الحسنى أيضا المبدئ وقد وقع في العنكبوت ما يشهد لكل منهما في قوله أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ثم قال فأنظروا كيف بدأ الخلق فالأول من الرباعي واسم الفاعل منه مبدئ والثاني من الثلاثي واسم الفاعل منه بادئ وهما لغتان مشهورتان وإنما ذكر البخاري هذا استطرادا من قوله في الآيتين المذكورتين فاطر السماوات والأرض فأراد تفسير الفاطر وزعم بعض الشراح أن دعوى البخاري في ذلك الوحدة ممنوعة عند المحققين كذا قال ولم يرد البخاري بذلك أن حقائق معانيها متوحدة وإنما أراد انها ترجع إلى معنى واحد وهو إيجاد الشيء بعد أن لم يكن وقد ذكرت قول الفراء أن فطر وخلق وفلق بمعنى واحد قبل باب رؤيا الصالحين قوله قال أبو عبد الله من البدء وبادئة كذا وجدته مضبوطا في الأصل بالهمز في الموضعين وبواو العطف لأبي ذر فان كان محفوظا ترجحت رواية الدال من قوله والبادئ ولغير أبي ذر من البدو وبادية بالواو بدل الهمز وبغير الهمز في بادية وبهاء تأنيث وهو أولى لأنه يريد تفسير قوله في الآية المذكورة وجاء بكم من البدو ففسرها بقوله بادية أي جاء بكم من البادية وذكره الكرماني فقال قوله من البدو أي قوله وجاء بكم من البدو أي من البادية ويحتمل أن يكون مقصوده أن فاطر معناه البادئ من البدء أي الابتداء أي بادئ الخلق فمعنى فاطر بادئ والله أعلم
1 ( قوله باب رؤيا إبراهيم عليه السلام )
كذا لأبي ذر وسقط لفظ باب لغيره قوله وقوله عز وجل فلما بلغ معه السعي إلى قوله نجزى المحسنين كذا لأبي ذر وسقط للنسفي وساق في رواية كريمة الآيات كلها قيل كان إبراهيم نذر إن رزقه الله من سارة ولدا أن يذبحه قربانا فرأى في المنام أن أوف بنذرك أخرجه بن أبي حاتم عن السدي قال فقال إبراهيم لإسحق انطلق بنا نقرب قربانا وأخذ حبلا وسكينا ثم انطلق به حتى إذا كان بين الجبال قال يا أبت أين قربانك قال أنت يا بني إني أرى في المنام أني اذبحك الآيات فقال اشدد رباطي حتى لا اضطرب واكفف ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي فتراه سارة فتحزن وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون على ففعل ذلك إبراهيم وهو يبكي وأمر السكين على حلقه فلم تحز وضرب الله على حلقه صفيحة من نحاس فكبه على جبينه وحز في قفاه فذاك قوله فلما أسلما وتله للجبين ونودى أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فالتفت فإذا هو بكبش فأخذه وحل عن ابنه هكذا ذكره السدي ولعله أخذه عن بعض أهل الكتاب فقد أخرج بن أبي حاتم بسند صحيح أيضا عن الزهري عن القاسم قال اجتمع أبو هريرة وكعب فحدث أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لكل نبي دعوة مستجابة فقال كعب أفلا أخبرك عن إبراهيم لما رأى أنه يذبح ابنه إسحاق قال الشيطان ان لم أفتن هؤلاء عند هذه لم افتنهم ابدا فذهب إلى سارة فقال أين ذهب إبراهيم بابنك قالت في حاجته قال كلا أنه ذهب به ليذبحه يزعم أن ربه أمره بذلك فقالت أخشى أن لا يطيع ربه فجاء إلى إسحاق فأجابه بنحوه فواجه إبراهيم فلم يلتفت إليه فأيس أن يطيعوه وساق نحوه من طريق سعيد عن قتادة وزاد أنه سد على إبراهيم الطريق إلى المنحر فأمره جبريل أن يرميه بسبع حصيات عند كل جمرة وكأن قتادة أخذ أوله عن بعض أهل الكتاب وآخره مما جاء عن بن عباس وهو عند أحمد من طريق أبي الطفيل عنه قال إن إبراهيم لما رأى المناسك عرض له إبليس عند المسعى فسبقه إبراهيم فذهب به جبريل إلى العقبة فعرض له إبليس فرماه بسبع حصيات حتى ذهب وكان على إسماعيل قميص أبيض وثم تله للجبين فقال يا أبت أنه ليس لي قميص تكفنني فيه غيره فاخلعه فنودي من خلفه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فالتفت فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعين فذبحه وأخرج بن إسحاق في المبتدأ عن بن عباس نحوه وزاد فوالذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وان رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وأخرجه أحمد أيضا عن عثمان بن أبي طلحة قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فواريت قرني الكبش حين دخل البيت وهذه الآثار من أقوى الحجج لمن قال إن الذبيح إسماعيل وقد نقل بن أبي حاتم وغيره عن العباس وبن مسعود وعن علي وبن عباس في إحدى الروايتين عنهما وعن الأحنف عن بن ميسرة وزيد بن أسلم ومسروق وسعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه وعطاء والشعبي وكعب الأحبار أن الذبيح إسحاق وعن بن عباس في أشهر الروايتين عنه وعن علي في احدي الروايتين وعن أبي هريرة ومعاوية وبن عمر وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والشعبي في إحدى الروايتين عنهما ومجاهد والحسن ومحمد بن كعب وأبي جعفر الباقر وأبي صالح والربيع بن أنس وأبي عمرو بن العلاء وعمر بن عبد العزيز وبن إسحاق ان الذبيح إسماعيل ويؤيده ما تقدم وحديث أنا بن الذبيحين رويناه في الخلعيات من حديث معاوية ونقله عبد الله بن أحمد عن أبيه وبن أبي حاتم عن أبيه وأطنب بن القيم في الهدى في الاستدلال لتقويته وقرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي أنه استنبط من القرآن دليلا وهو قوله في الصافات وقال اني ذاهب إلى ربي سيهدين إلى قوله إني أرى في المنام أني أذبحك وقوله في هود وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق إلى قوله وهذا بعلي شيخا قال ووجه الأخذ منهما أن سياقهما يدل على أنهما قصتان مختلفتان في وقتين الأولى عن طلب من إبراهيم وهو لما هاجر من بلاد قومه في ابتداء أمره فسأل من ربه الولد فبشره بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك والقصة الثانية بعد ذلك بدهر طويل لما شاخ واستبعد من مثله أن يجيء له الولد وجاءته الملائكة عندما أمروا باهلاك قوم لوط فبشروه بإسحاق فتعين ان يكون الأول إسماعيل ويؤيده أن في التوراة أن إسماعيل بكره وأنه ولد قبل إسحاق قلت وهو استدلال جيد وقد كنت أستحسنه واحتج به إلى أن مر بي قوله في سورة إبراهيم الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق فإنه يعكر على قوله إنه رزق إسماعيل في ابتداء أمره وقوته لأن هاجر والدة إسماعيل صارت لسارة من قبل الجبار الذي وهبها لها وإنها وهبتها لإبراهيم لما يئست من الولد فولدت هاجر إسماعيل فغارت سارة منها كما تقدمت الإشارة إليه في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء وولدت بعد ذلك إسحاق واستمرت غيرة سارة إلى ان كان من اخراجها وولدها إلى مكة ما كان وقد ذكره بن إسحاق في المبتدأ مفصلا وأخرجه الطبري في تاريخه من طريقه وأخرج الطبري من طريق السدي قال انطلق إبراهيم من بلاد قومه قبل الشام فلقى سارة وهي بنت ملك حران فآمنت به فتزوجها فلما قدم مصر وهبها الجبار هاجر ووهبتها له سارة وكانت سارة منعت الولد وكان إبراهيم قد دعا الله أن يهب له ولدا من الصالحين فأخرت الدعوة حتى كبر فلما علمت سارة أن إبراهيم وقع على هاجر حزنت على ما فاتها من الولد ثم ذكر قصة مجيء الملائكة بسبب إهلاك قوم لوط وتبشيرهم إبراهيم بإسحاق فلذلك قال إبراهيم الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ويقال لم يكن بينهما إلا ثلاث سنين وقيل كان بينهما أربع عشرة سنة وما تقدم من كون قصة الذبيح كانت بمكة حجة قوية في أن الذبيح إسماعيل لأن سارة وإسحاق لم يكونا بمكة والله أعلم قوله وقال مجاهد أسلما سلما ما أمرا به وتله وضع وجهه بالأرض قال الفريابي في تفسيره حدثنا ورقاء عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى فلما أسلما قال سلما ما أمرا به وفي قوله وتله للجبين قال وضع وجهه بالأرض قال لا تذبحني وأنت تنظر في وجهي لئلا ترحمني فوضع جبهته في الأرض وأخرج بن أبي حاتم من طريق السدي قال فلما أسلما أي سلما لله الأمر ومن طريق أبي صالح قال اتفقا على أمر واحد ومن طريق قتادة سلم إبراهيم لأمر الله وسلم إسحاق لأمر إبراهيم وفي لفظ أما هذا فأسلم نفسه لله وأما هذا فأسلم ابنه لله ومن طريق أبي عمران الجوني تله للجبين كبه لوجهه تنبيه هذه الترجمة والتي قبلها ليس في واحد منهما حديث مسند بل اكتفى فيهما بالقرآن ولهما نظائر وقول الكرماني انه كان في كل منهما بياض ليلحق به حديث يناسبه محتمل مع بعده
1 ( قوله باب التواطؤ على الرؤيا ) أي توافق جماعة على شيء واحد ولو اختلفت عباراتهم 6590 قوله أن أناسا أروا ليلة القدر في السبع الأواخر وأن أناسا في رواية الكشميهني ناسا قوله أروها في العشر الأواخر فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألتمسوها في السبع الأواخر كذا وقع في هذه الرواية من طريق سالم بن عبد الله بن عمر وتقدم في أواخر الصيام من طريق مالك عن نافع مثله لكن لفظه أرى رؤياكم تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها الحديث ولم يذكر الجملة الوسطى وأعترضه الإسماعيلي فقال اللفظ الذي ساقه خلاف التواطؤ وحديث التواطؤ أرى رؤياكم قد تواطأت على العشر الأواخر قلت لم يلتزم البخاري إيراد الحديث بلفظ التواطؤ وانما أراد بالتواطؤ التوافق وهو أعم من أن يكون الحديث بلفظه أو بمعناه وذلك أن أفراد السبع داخلة في أفراد العشر فلما رأى قوم أنها في العشر وقوم أنها في السبع كانوا كأنهم توافقوا على السبع فأمرهم بالتماسها في السبع لتوافق الطائفتين عليها ولأنه أيسر عليهم فجرى البخاري على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى والحديث الذي أشار إليه تقدم في كتاب قيام الليل من طريق أيوب عن نافع عن بن عمر قال رأيت كأن بيدي قطعة استبرق الحديث وفيه وكانوا لا يزالون يقصون على النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا وفيه أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر الحديث ويستفاد من الحديث أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الاخبار من جماعة 1 ( قوله باب رؤيا أهل السجون والفساد والشرك )
تقدمت الإشارة إلى أن الرؤيا الصحيحة وإن اختصت غالبا بأهل الصلاح لكن قد تقع لغيرهم ووقع في رواية أبي ذر بدل الشرك الشراب بضم المعجمة والتشديد جمع شارب أو بفتحتين مخففا أي وأهل الشراب والمراد شربه المحرم وعطفه على أهل الفساد من عطف الخاص على العام كما أن المسجون أعم من أن يكون مفسدا أو مصلحا قال أهل العلم بالتعبير إذا رأى الكافر أو الفاسق الرؤيا الصالحة فانها تكون بشرى له بهدايته إلى الإيمان مثلا أو التوبة أو انذار من بقائه على الكفر أو الفسق وقد تكون لغيره ممن ينسب إليه من أهل الفضل وقد يرى ما يدل على الرضا بما هو فيه ويكون من جملة الابتلاء والغرور والمكر نعوذ بالله من ذلك قوله وقوله تعالى ودخل معه السجن فتيان إلى قوله ارجع إلى ربك كذا لأبي ذر وساق في رواية كريمة الآيات كلها وهي ثلاث عشرة آية قال السهيلي اسم أحدهما شرهم والآخر شرهم كل منهما بمعجمة إحداهما مفتوحة والأخرى مضمومة قال وقال الطبري الذي رأى أنه يعصر خمرا اسمه نبوء وذكر اسم الآخر فلم أحفظه قلت سماه مخلث بمعجمة ومثلثة وعزاه لابن إسحاق في المبتدأ وبه جزم الثعلبي وذكر أبو عبيد البكري في كتاب المسالك أن اسم الخباز راشان والساقي مرطس وحكوا أن الملك أتهمهما انهما أرادا سمه في الطعام والشراب فحبسهما إلى أن ظهرت براءة ساحة الساقي دون الخباز ويقال أنهما لم يريا شيئا وانما أرادا امتحان يوسف فأخرج الطبري عن بن مسعود قال لم يريا شيئا وانما تحاكما ليجربا وفي سنده ضعف وأخرج الحاكم بسند صحيح عن بن مسعود نحوه وزاد فلما ذكر لهما التأويل قالا انما كنا نلعب قال قضي الأمر الآية قوله وقال الفضيل الخ وقع لأبي ذر بعد قوله ارجع إلى ربك وعند كريمة عند قوله أأرباب متفرقون وهو الأليق وعند غيرهما بعد قوله الأعناب والدهن قوله وادكر افتعل من ذكرت في رواية الكشميهني من ذكر وهو من كلام أبي عبيدة قال ادكر بعد أمة افتعل من ذكرت فأدغمت التاء في الذال فحولت دالا يعني مهملة ثقيلة قوله بعد أمة قرن هو قول أبي عبيدة قاله في تفسير آل عمران وقال في تفسير يوسف بعد حين وأخرجه الطبري بسند جيد عن بن عباس مثله ومن طريق سماك عن عكرمة قال بعد حقبة من الدهر وأخرج بن أبي حاتم عن سعيد بن جبير بعد سنين قوله ويقرأ أمه بفتح أوله وميم بعدها هاء منونة نسيان أي تذكر بعد أن كان نسي وهذه القراءة نسبت في الشواذ لابن عباس وعكرمة والضحاك يقال رجل مأموه أي ذاهب العقل قال أبو عبيدة قرئ بعد أمه أي نسيان تقول أمهت آمه أمها بسكون الميم قال الشاعر أمهت وكنت لا أنسى حديثا وقال الطبري روى عن جماعة أنهم قرأوا بعد أمه ثم ساق بسند صحيح عن بن عباس أنه كان يقرؤها بعد أمه وتفسيرها بعد نسيان وساق مثله عن عكرمة والضحاك ومن طريق مجاهد نحوه لكن قالها بسكون الميم قوله وقال بن عباس يعصرون الأعناب والدهن وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون يقول الأعناب والدهن وفيه رد على أبي عبيدة في قوله إنه من العصرة وهي النجاة فمعنى قوله يعصرون ينجون ويؤيد قول بن عباس قوله في أول القصة إني أراني أعصر خمرا وقد اختلف في المراد به فقال الأكثر أطلق عصر الخمر باعتبار ما يئول إليه وهو كقول الشاعر الحمد لله العلي المنان صار الثريد في رؤوس القضبان أي السنبل فسمي القمح ثريدا باعتبار ما يئول إليه وأخرج الطبري عن الضحاك قال أهل عمان يسمون العنب خمرا وقال الأصمعي سمعت معتمر بن سليمان يقول لقيت أعرابيا معه سلة عنب فقلت ما معك قال خمر وقرا بن مسعود إني أراني أعصر عنبا أخرجه بن أبي حاتم بسند حسن وكأنه أراد التفسير وأخرج بن أبي حاتم من طريق عكرمة أن الساقي قال ليوسف رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبة فنبتت فخرج فيها ثلاث عناقيد فعصرتهن ثم سقيت الملك فقال تمكث في السجن ثلاثا ثم تخرج فتسقيه أي على عادتك قوله تحصنون تحرسون كذا لهم من الحراسة وعند أبي عبيدة في المجاز تحرزون بزاي بدل السين من الاحراز وأخرج بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس تخزنون بخاء معجمة ثم زاي ونونين من الخزن
6591 قوله جويرية بالضم مصغر وهو بن إسماعيل الضبعي وروايته عن مالك من الأقران قوله لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته كذا أورده مختصرا وقد تقدم في ترجمة يوسف من أحاديث الأنبياء من هذا الوجه وزاد فيه قصة لوط وتقدم شرحه في أحاديث الأنبياء وأخرجه النسائي في التفسير من هذا الوجه وزاد في أوله نحن أحق بالشك من إبراهيم الحديث وأخرجه مسلم من هذا الوجه لكن قال مثل حديث يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة بطوله ومن طريق أبي أويس عن الزهري مثل مالك وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك من طريق جويرية بطوله أخرجوه كلهم من رواية عبد الله بن محمد بن أسماء عن عمه جويرية بن أسماء وذكر ان أحمد بن سعيد بن أبي مريم رواه عنه فقال عن أبي سلمة بدل أبي عبيد ووهم فيه فان المحفوظ عن مالك أبو عبيد لا أبو سلمة وكذلك أخرجه من طريق سعيد بن داود عن مالك أن بن شهاب حدثه أن سعيدا وأبا عبيد أخبراه به وقد وقع في بعض طرقه بأبسط من سياقه فأخرج عبد الرزاق عن بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة رفعه لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره حتى سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبت حتى أشترط أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول يعني ليخرج إلى الملك فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة ولبادرت الباب ولما ابتغيت العذر وهذا مرسل وقد وصله الطبري من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي بضم المعجمة والزاي عن عمرو بن دينار بذكر بن عباس فيه فذكره وزاد ولولا الكلمة التي قالها لما لبث في السجن ما لبث وقد مضى شرح ما يتعلق بذلك في قصة يوسف من أحاديث الأنبياء 1 ( قوله باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ) ذكر فيه خمسة أحاديث الحديث الأول حديث أبي هريرة
6592 قوله عبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد قوله أن أبا هريرة قال في رواية الإسماعيلي من طريق الزبيدي عن الزهري أخبرني أبو سلمة سمعت أبا هريرة قوله من رآني في المنام فسيراني في اليقظة زاد مسلم من هذا الوجه أو فكأنما رآني في اليقظة هكذا بالشك ووقع عند الإسماعيلي في الطريق المذكورة فقد رأني في اليقظة بدل قوله فسيراني ومثله في حديث بن مسعود عند بن ماجة وصححه الترمذي وأبو عوانة ووقع عند بن ماجة من حديث أبي جحيفة فكأنما رآني في اليقظة فهذه ثلاثة ألفاظ فسيراني في اليقظة فكأنما رآني في اليقظة فقد رآني في اليقظة وجل أحاديث الباب كالثالثة إلا قوله في اليقظة قوله قال أبو عبد الله قال بن سيرين إذا رآه في صورته سقط هذا التعليق للنسفي ولأبي ذر وثبت عند غيرهما وقد رويناه موصولا من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب وهو من شيوخ البخاري عن حماد بن زيد عن أيوب قال كان محمد يعني بن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال صف لي الذي رأيته فان وصف له صفة لا يعرفها قال لم تره وسنده صحيح ووجدت له ما يؤيده فأخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب حدثني أبي قال قلت لابن عباس رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام قال صفه لي قال ذكرت الحسن بن علي فشبهته به قال قد رأيته وسنده جيد ويعارضه ما أخرجه بن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآني في المنام فقد رآني فاني أرى في كل صورة وفي سنده صالح مولى التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط ويمكن الجمع بينهما بما قال القاضي أبو بكر بن العربي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال فان الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة وإدراك الصفات إدراك المثل قال وشذ بعض القدرية فقال الرؤيا لا حقيقة لها أصلا وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع بعيني الرأس حقيقة وقال بعض المتكلمين هي مدركة بعينين في القلب قال وقوله فسيراني معناه فسيرى تفسير ما رأى لأنه حق وغيب ألقي فيه وقيل معناه فسيراني في القيامة ولا فائدة في هذا التخصيص وأما قوله فكأنما رآني فهو تشبيه ومعناه أنه لو رآه في اليقظة لطابق ما رآه في المنام فيكون الأول حقا وحقيقة والثاني حقا وتمثيلا قال وهذا كله إذا رآه على صورته المعروفة فان رآه على خلاف صفته فهي أمثال فان رآه مقبلا عليه مثلا فهو خير للرائي وفيه وعلى العكس فبالعكس وقال النووي قال عياض يحتمل أن يكون المراد بقوله فقد رآني أو فقد رأى الحق أن من رآه على صورته في حياته كانت رؤياه حقا ومن رآه على غير صورته كانت رؤيا تأويل وتعقبه فقال هذا ضعيف بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها انتهى ولم يظهر لي من كلام القاضي ما ينافي ذلك بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في الحالين لكن في الأولى تكون الرؤيا مما لا يحتاج إلى تعبير والثانية مما يحتاج إلى التعبير قال القرطبي اختلف في معنى الحديث فقال قوم هو على ظاهره فمن رآه في النوم رأى حقيقته كمن رآه في اليقظة سواء قال وهذا قول يدرك فساده بأوائل العقول ويلزم عليه أن لا يراه أحد الا على صورته التي مات عليها وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانين وان يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل وقالت طائفة معناه أن من رآه رآه على صورته التي كان عليها ويلزم منه أن من رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من الاضغاث ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به وتقع تلك الرؤيا حقا كما لو رؤى ملأ دارا بجسمه مثلا فإنه يدل على امتلاء تلك الدار بالخير ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله فان الشيطان لا يتمثل بي فالأولى أن تنزه رؤياه وكذا رؤيا شيء منه أو مما ينسب إليه عن ذلك فهو ابلغ في الحرمة وأليق بالعصمة كما عصم من الشيطان في يقظته قال والصحيح في تأويل هذا الحديث ان مقصوده ان رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثا بل هي حق في نفسها ولو رؤي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان بل هو من قبل الله وقال وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطيب وغيره ويؤيده قوله فقد رأى الحق أي رأى الحق الذي قصد إعلام الرائي به فان كانت على ظاهرها والا سعى في تأويلها ولا يهمل أمرها لأنها إما بشرى بخير أو انذار من شر إما ليخيف الرائي وإما لينزجر عنه وإما لينبه على حكم يقع له في دينه أو دنياه وقال بن بطال قوله فسيراني في اليقظة يريد تصديق تلك الرؤياه في اليقظة وصحتها وخروجها على الحق وليس المراد أنه يراه في الآخرة لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة فتراه جميع أمته من رآه في النوم ومن لم يره منهم وقال بن التين المراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائبا عنه فيكون بهذا مبشرا لكل من آمن به ولم يره أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته قاله القزاز وقال المازري ان كان المحفوظ فكأنما رآني في اليقظة فمعناه ظاهر وإن كان المحفوظ فسيراني في اليقظة احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن يهاجر إليه فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة وأوحي الله بذلك إليه صلى الله عليه وسلم وقال القاضي وقيل معناه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وقيل معنى الرؤيا في اليقظة أنه سيراه في الآخرة وتعقب بأنه في الآخرة يراه جميع أمته من رآه في المنام ومن لم يره يعني فلا يبقى لخصوص رؤيته في المنام مزية وأجاب القاضي عياض باحتمال أن تكون رؤياه له في النوم على الصفة التي عرف بها ووصف عليها موجبة لتكرمته في الآخرة وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه والشفاعة له بعلو الدرجة ونحو ذلك من الخصوصيات قال ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين في القيامة بمنع رؤية نبيه صلى الله عليه وسلم مدة وحمله بن أبي جمرة على محمل آخر فذكر عن بن عباس أو غيره أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فبقي بعد أن استيقظ متفكرا في هذا الحديث فدخل على بعض أمهات المؤمنين ولعلها خالته ميمونة فأخرجت له المرآة التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فنظر فيها فرأى صورة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ير صورة نفسه ونقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك قلت وهذا مشكل جدا ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة ويعكر عليه أن جمعا جما رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يتخلف وقد اشتد إنكار القرطبي على من قال من رآه في المنام فقد رأى حقيقته ثم يراها كذلك في اليقظة كما تقدم قريبا وقد تفطن بن أبي جمرة لهذا فأحال بما قال على كرامات الأولياء فان يكن كذلك تعين العدول عن العموم في كل راء ثم ذكر أنه عام في أهل التوفيق وأما غيرهم فعلى الاحتمال فان خرق العادة قد يقع للزنديق بطريق الإملاء والإغواء كما يقع للصديق بطريق الكرامة والاكرام وانما تحصل التفرقة بينهما باتباع الكتاب والسنة انتهى والحاصل من الأجوبة ستة أحدها أنه على التشبيه والتمثيل ودل عليه قوله في الرواية الأخرى فكأنما رأني في اليقظة ثانيها أن معناها سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير ثالثها أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه رابعها أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك وهذا من أبعد المحامل خامسها أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية لا مطلق من يراه حينئذ ممن لم يره في المنام سادسها أنه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه وفيه ما تقدم من الاشكال وقال القرطبي قد تقرر أن الذي يرى في المنام أمثلة للمرئيات لا أنفسها غير أن تلك الامثلة تارة تقع مطابقة وتارة يقع معناها فمن الأول رؤياه صلى الله عليه وسلم عائشة وفيه فإذا هي أنت فأخبر أنه رأى في اليقظة ما رآه في نومه بعينه ومن الثاني رؤيا البقر التي تنحر والمقصود بالثاني التنبيه على معاني تلك الأمور ومن فوائد رؤيته صلى الله عليه وسلم تسكين شوق الرائي لكونه صادقا في محبته ليعمل على مشاهدته وإلى ذلك الإشارة بقوله فسيراني في اليقظة أي من رآني رؤية معظم لحرمتي ومشتاق إلى مشاهدتي وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بكل مطلوبه قال ويجوز ان يكون مقصود تلك الرؤيا معنى صورته وهو دينه وشريعته فيعبر بحسب ما يراه الرائي من زيادة ونقصان أو إساءه وإحسان قلت وهذا جواب سابع والذي قبله لم يظهر لي فإن ظهر فهو ثامن قوله ولا يتمثل الشيطان بي في رواية أنس في الحديث الذي بعده فان الشيطان لا يتمثل بي ومضى في كتاب العلم من حديث أبي هريرة مثله لكن قال لا يتمثل في صورتي وفي حديث جابر عند مسلم وبن ماجة أنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل بي وفي حديث بن مسعود عند الترمذي وبن ماجة ان الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي وفي حديث أبي قتادة الذي يليه وان الشيطان لا يتراءي بالراء بوزن يتعاطى ومعناه لا يستطيع أن يصير مرئيا بصورتي وفي رواية غير أبي ذر يتزايا بزاي وبعد الألف تحتانية وفي حديث أبي سعيد في آخر الباب فان الشيطان لا يتكونني أما قوله لا يتمثل بي فمعناه لا يتشبه بي وأما قوله في صورتي فمعناه لا يصير كائنا في مثل صورتي وأما قوله لا يتراءى بي فرجح بعض الشراح رواية الزاي عليها أي لا يظهر في زيي وليست الرواية الأخرى ببعيدة من هذا المعنى وأما قوله لا يتكونني أي لا يتكون كوني فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل والمعنى لا بتكون في صورتي فالجميع راجع إلى معنى واحد وقوله لا يستطيع يشير إلى أن الله تعالى وأن أمكنه من التصور في أي صورة أراد فإنه لم يمكنه من التصور في صورة النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذهب إلى هذا جماعة فقالوا في الحديث إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها ومنهم من ضيق الغرض في ذلك حتى قال لا بد أن يراه على صورته التي قبض عليها حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة والصواب التعميم في جميع حالاته بشرط أن تكون صورته الحقيقية في وقت ما سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهوليته أو آخر عمره وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائي قال المازري اختلف المحققون في تأويل هذا الحديث فذهب القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أن المراد بقوله من رآني في المنام فقد رآني أن رؤياه صحيحة لا تكون أضغاثا ولا من تشبيهات الشيطان قال ويعضده قوله في بعض طرقه فقد رأى الحق قال وفي قوله فأن الشيطان لا يتمثل بي إشارة إلى أن رؤياه لا تكون أضغاثا ثم قال المازري وقال آخرون بل الحديث محمول على ظاهره والمراد أن من رآه فقد أدركه ولا مانع يمنع من ذلك ولا عقل يحيله حتى يحتاج إلى صرف الكلام عن ظاهره وأما كونه قد يرى على غير صفته أو يرى في مكانين مختلفين معا فإن ذلك غلط في صفته وتخيل لها على غير ما هي عليه وقد يظن بعض الخيالات مرئيات لكون ما يتخيل مرتبطا بما يرى في العادة فتكون ذاته صلى الله عليه وسلم مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية والادراك لا يشترط فيه تحديق البصر ولا قرب المسافة ولا كون المرئي ظاهرا على الأرض أو مدفونا وانما يشترط كونه موجودا ولم يقم دليل على فناء جسمه صلى الله عليه وسلم بل جاء في الخبر الصحيح ما يدل على بقائه وتكون ثمره اختلاف الصفات اختلاف الدلالات كما قال بعض علماء التعبير إن من رآه شيخا فهو عام سلم أو شابا فهو عام حرب ويؤخذ من ذلك ما يتعلق بأقواله كما لو رآه أحد يأمره بقتل من لا يحل قتله فان ذلك يحمل على الصفة المتخيلة لا المرئية وقال القاضي عياض يحتمل أن يكون معنى الحديث إذا رآه على الصفة التي كان عليها في حياته لا على صفة مضادة لحاله فإن رؤى على غيرها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة فان من الرؤيا ما يخرج على وجهه ومنها ما يحتاج إلى تأويل وقال النووي هذا الذي قاله القاضي ضعيف بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها كما ذكره المازري وهذا الذي رده الشيخ تقدم عن محمد بن سيرين إمام المعبرين إعتباره والذي قاله القاضي توسط حسن ويمكن الجمع بينه وبين ما قاله المازري بأن تكون رؤياه على الحالين حقيقة لكن إذا كان على صورته كأن يرى في المنام على ظاهره لا يحتاج إلى تعبير وإذا كان على غير صورته كان النقص من جهة الرائي لتخيله الصفة على غير ما هي عليه ويحتاج ما يراه في ذلك المنام إلى التعبير وعلى ذلك جرى علماء التعبير فقالوا إذا قال الجاهل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يسأل عن صفته فان وافق الصفة المروية وإلا فلا يقبل منه وأشاروا إلى ما إذا رآه على هيئة تخالف هيئته مع أن الصورة كما هي فقال أبو سعد أحمد بن محمد بن نصر من رأى نبيا على حاله وهيئته فذلك دليل على صلاح الرائي وكمال جاهه وظفره بمن عاداه ومن رآه متغير الحال عابسا مثلا فذاك دال على سوء حال الرائي ونحا الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة إلى ما أختاره النووي فقال بعد ان حكى الخلاف ومنهم من قال إن الشيطان لا يتصور على صورته أصلا فمن رآه في صورة حسنة فذاك حسن في دين الرائي وان كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص فذاك خلل في الرائي من جهة الدين قال وهذا هو الحق وقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أو لا لأنه صلى الله عليه وسلم نوراني مثل المرآة الصقيلة ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصور فيها وهي في ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها ولا شين وكذلك يقال في كلامه صلى الله عليه وسلم في النوم أنه يعرض على سنته فما وافقها فهو حق وما خالفها فالخلل في سمع الرائي فرؤيا الذات الكريمة حق والخلل انما هو في سمع الرائي أو بصره قال وهذا خير ما سمعته في ذلك ثم حكى القاضي عياض عن بعضهم قال خص الله نبيه بعموم رؤياه كلها ومنع الشيطان أن يتصور في صورته لئلا يتذرع بالكذب على لسانه في النوم ولما خرق الله العادة للأنبياء للدلالة على صحة حالهم في اليقظة واستحال تصور الشيطان على صورته في اليقظة ولا على صفة مضادة لحاله إذ لو كان ذلك لدخل اللبس بين الحق والباطل ولم يوثق بما جاء من جهة النبوة حمى الله حماها لذلك من الشيطان وتصوره وإلقائه وكيده وكذلك حمى رؤياهم أنفسهم ورؤيا غير النبي للنبي عن تمثيل بذلك لتصح رؤياه في الوجهين ويكون طريقا إلى علم صحيح لا ريب فيه ولم يختلف العلماء في جواز رؤية الله تعالى في المنام وساق الكلام على ذلك قلت ويظهر لي في التوفيق بين جميع ما ذكروه أن من رآه على صفة أو أكثر مما يختص به فقد رآه ولو كانت سائر الصفات مخالفة وعلى ذلك فتتفاوت رؤيا من رآه فمن رآه على هيئته الكاملة فرؤياه الحق الذي لا يحتاج إلى تعبير وعليها يتنزل قوله فقد رأى الحق ومهما نقص من صفاته فيدخل التأويل بحسب ذلك ويصح إطلاق أن كل من رآه في أي حالة كانت من ذلك فقد رآه حقيقة تنبيه جوز أهل التعبير رؤية الباري عز وجل في المنام مطلقا ولم يجروا فيها الخلاف في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وأجاب بعضهم عن ذلك بأمور قابلة للتأويل في جميع وجوهها فتارة يعبر بالسلطان وتارة بالوالد وتارة بالسيد وتارة بالرئيس في أي فن كان فلما كان الوقوف على حقيقة ذاته ممتنعا وجميع من يعبر به يجوز عليهم الصدق والكذب كانت رؤياه تحتاج إلى تعبير دائما بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فإذا رؤى على صفته المتفق عليها وهو لا يجوز عليه الكذب كانت في هذه الحالة حقا محضا لا يحتاج إلى تعبير وقال الغزالي ليس معنى قوله رآني أنه رأى جسمي وبدني وانما المراد أنه رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه وكذلك قوله فسيراني في اليقظة ليس المراد أنه يرى جسمي وبدني قال والآلة تارة تكون حقيقية وتارة تكون خيالية والنفس غير المثال المتخيل فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق قال ومثل ذلك من يرى الله سبحانه وتعالى في المنام فان ذاته منزهة عن الشكل والصورة ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره ويكون ذلك المثال حقا في كونه واسطة في التعريف فيقول الرائي رأيت الله تعالى في المنام لا يعني أني رأيت ذات الله تعالى كما يقول في حق غيره وقال أبو القاسم القشيري ما حاصله أن رؤياه على غير صفته لا تستلزم إلا أن يكون هو فإنه لو رأى الله على وصف يتعالى عنه وهو يعتقد أنه منزه عن ذلك لا يقدح في رؤيته بل يكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل كما قال الواسطي من رأى ربه على صورة شيخ كان إشارة إلى وقار الرائي وغير ذلك وقال الطيبي المعنى من رآني في المنام بأي صفة كانت فليستبشر ويعلم أنه قد رأى الرؤيا الحق التي هي من الله وهي مبشرة لا الباطل الذي هو الحلم المنسوب للشيطان فإن الشيطان لا يتمثل بي وكذا قوله فقد رأى الحق أي رؤية الحق لا الباطل وكذا قوله فقد رآني فان الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الغاية في الكمال أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شيء وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما ملخصه أنه يؤخذ من قوله فان الشيطان لا يتمثل بي أن من تمثلت صورته صلى الله عليه وسلم في خاطره من أرباب القلوب وتصورت له في عالم سره أنه يكلمه أن ذلك يكون حقا بل ذلك أصدق من مراي غيرهم لما من الله به عليهم من تنوير قلوبهم انتهى وهذا المقام الذي أشار إليه هو الإلهام وهو من جملة أصناف الوحي إلى الأنبياء ولكن لم أر في شيء من الأحاديث وصفه بما وصفت به الرؤيا أنه جزء من النبوة وقد قيل في الفرق بينهما إن المنام يرجع إلى قواعد مقررة وله تأويلات مختلفة ويقع لكل أحد بخلاف الإلهام فإنه لا يقع إلا للخواص ولا يرجع إلى قاعدة يميز بها بينه وبين لمة الشيطان وتعقب بأن أهل المعرفة بذلك ذكروا أن الخاطر الذي يكون من الحق يستقر ولا يضطرب والذي يكون من الشيطان يضطرب ولا يستقر فهذا إن ثبت كان فارقا واضحا ومع ذلك فقد صرح الأئمة بأن الاحكام الشرعية لا تثبت بذلك قال أبو المظفر بن السمعاني في القواطع بعد أن حكى عن أبي زيد الدبوسي من أئمة الحنفية أن الإلهام ما حرك القلب لعلم يدعو إلى العمل به من غير استدلال والذي عليه الجمهور أنه لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب المباح وعن بعض المبتدعة أنه حجة واحتج بقوله تعالى فألهمها فجورها وتقواها وبقوله وأوحى ربك إلى النحل أي ألهمها حتى عرفت مصالحها فيؤخذ منه مثل ذلك للآدمي بطريق الأولى وذكر فيه ظواهر أخرى ومنه الحديث قوله صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن وقوله لوابصة ما حاك في صدرك فدعه وإن أفتوك فجعل شهادة قلبه حجة مقدمة على الفتوى وقوله قد كان في الأمم محدثون فثبت بهذا أن الإلهام حق وأنه وحي باطن وانما حرمه العاصي لاستيلاء وحي الشيطان عليه قال وحجة أهل السنة الآيات الدالة على اعتبار الحجة والحث على التفكر في الآيات والاعتبار والنظر في الأدلة وذم الأماني والهواجس والظنون وهي كثيرة مشهورة وبأن الخاطر قد يكون من الله وقد يكون من الشيطان وقد يكون من النفس وكل شيء أحتمل أن لا يكون حقا لم يوصف بأنه حق قال والجواب عن قوله فألهمها فجورها وتقواها أن معناه عرفها طريق العلم وهو الحجج وأما الوحي إلى النحل فنظيره في الآدمي فيما يتعلق بالصنائع وما فيه صلاح المعاش وأما الفراسة فنسلمها لكن لا نجعل شهادة القلب حجة لأنا لا نتحقق كونها من الله أو من غيره انتهى ملخصا قال بن السمعاني وإنكار الإلهام مردود ويجوز أن يفعل الله بعبده ما يكرمه به ولكن التمييز بين الحق والباطل في ذلك ان كل ما استقام على الشريعة المحمدية ولم يكن في الكتاب والسنة ما يرده فهو مقبول وإلا فمردود يقع من حديث النفس ووسوسة الشيطان ثم قال ونحن لا ننكر أن الله يكرم عبده بزيادة نور منه يزداد به نظره ويقوي به رأيه وانما ننكر ان يرجع إلى قلبه بقول لا يعرف أصله ولا نزعم أنه حجة شرعية وانما هو نور يختص الله به من يشاء من عباده فان وافق الشرع كان الشرع هو الحجة انتهى ويؤخذ من هذا ما تقدم التنبيه عليه أن النائم لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بشيء هل يجب عليه امتثاله ولا بد أو لا بد أن يعرضه على الشرع الظاهر فالثاني هو المعتمد كما تقدم تنبيه وقع في المعجم الأوسط للطبراني من حديث أبي سعيد مثل أول حديث في الباب بلفظه لكن زاد فيه ولا بالكعبة وقال لا تحفظ هذه اللفظة إلا في هذا الحديث
6593 الحديث الثاني حديث أنس قوله من رآني في المنام فقد رآني هذا اللفظ وقع مثله في حديث أبي هريرة كما مضى في كتاب العلم وفي كتاب الأدب قال الطيبي اتحد في هذا الخبر الشرط والجزاء فدل على التناهي في المبالغة أي من رآني فقد رأى حقيقتي على كمالها بغير شبهة ولا إرتياب فيما رأى بل هي رؤيا كاملة ويؤيده قوله في حديثي أبي قتادة وأبي سعيد فقد رأى الحق أي رؤية الحق لا الباطل وهو يرد ما تقدم من كلام من تكلف في تأويل قوله من رآني في المنام فسيراني في اليقظة والذي يظهر لي أن المراد من رآني في المنام على أي صفة كانت فليستبشر ويعلم أنه قد رأى الرؤيا الحق التي هي من الله لا الباطل الذي هو الحلم فان الشيطان لا يتمثل بي قوله فان الشيطان لا يتمثل بي قد تقدم بيانه وفيه ورؤيا المؤمن جزء الحديث وقد سبق قبل خمسة أبواب الحديث الثالث حديث أبي قتادة 6594 الرؤيا الصالحة من الله وسيأتي شيء من شرحه في باب الحلم من الشيطان وفيه فان الشيطان لا يتراءى بي وقد ذكرت ما فيه الحديث الرابع حديث أبي قتادة 6595 من رآني فقد رأى الحق أي المنام الحق أي الصدق ومثله في الحديث الخامس قال الطيبي الحق هنا مصدر مؤكد أي فقد رأى رؤية الحق وقوله فان الشيطان لا يتمثل بي لتتميم المعنى والتعليل للحكم قوله تابعه يونس يعني بن يزيد وبن أخي الزهري هو محمد بن عبد الله بن مسلم يريد أنهما روياه عن الزهري كما رواه الزبيدي وقد ذكرت في الحديث الأول أن مسلما وصلهما من طريقهما وساقه على لفظ يونس وأحال برواية بن أخي الزهري عليه وأخرجه أبو يعلى في مسنده عن أبي خيثمة شيخ مسلم فيه ولفظه من رآني في المنام فقد رأى الحق وقال الإسماعيلي وتابعهما شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قلت وصله الذهلي في الزهريات الحديث الخامس حديث أبي سعيد 6596 من رآني فقد رأى الحق فان الشيطان لا يتكونني وقد تقدم ما فيه وبن الهاد في السند هو يزيد بن عبد الله بن أسامة قال الإسماعيلي ورواه يحيى بن أيوب عن بن الهاد قال ولم أره يعني البخاري ذكر عنه أي عن يحيى بن أيوب حديثا براسه إلا استدلالا أي متابعة إلا في حديث واحد ذكره في النذور من طريق بن جريج عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر في قصة أخته قلت والحديث المذكور أخرجه البخاري عن أبي عاصم عن بن جريج بهذا السند وسقط في بعض النسخ من الصحيح لكنه أورده في كتاب الحج عن أبي عاصم وليس كما قال الإسماعيلي انه أخرجه ليحيى بن أيوب استقلالا فإنه أخرجه من رواية هشام بن يوسف عن بن جريج عن سعيد بن أبي أيوب فكأن لابن جريج فيه شيخين وكل منهما رواه له عن يزيد بن أبي حبيب فأشار البخاري إلى أن هذا الاختلاف ليس بقادح في صحة الحديث وظهر بهذا أنه لم يخرجه ليحيى بن أيوب استقلالا بل بمتابعة سعيد بن أبي أيوب 1 ( قوله باب رؤيا الليل ) أي رؤيا الشخص في الليل هل تساوي رؤياه بالنهار أو تتفاوتان وهل بين زمان كل منهما تفاوت وكأنه يشير إلى حديث أبي سعيد أصدق الرؤيا بالأسحار أخرجه أحمد مرفوعا وصححه بن حبان وذكر نصر بن يعقوب الدينوري أن الرؤيا أول الليل يبطئ تأويلها ومن النصف الثاني يسرع بتفاوت أجزاء الليل وأن أسرعها تأويلا رؤيا السحر ولا سيما عند طلوع الفجر وعن جعفر الصادق أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة وذكر فيه أربعة أحاديث الأول قوله رواه سمرة يشير إلى حديثه الطويل الآتي في آخر كتاب التعبير وفيه أنه أتاني الليلة آتيان وسيأتي الكلام عليه هناك الحديث الثاني
6597 قوله عن محمد هو بن سيرين وصرح به في رواية أسلم بن سهل عن أحمد بن المقدام شيخ البخاري فيه عند أبي نعيم والسند كله بصريون قوله أعطيت مفاتيح الكلم ونصرت بالرعب كذا في هذه الرواية وقد أخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان وعبد الله بن يس كلاهما عن أحمد بن المقدام شيخ البخاري فيه بلفظ أعطيت جوامع الكلم وأخرجه عن أبي القاسم البغوي عن أحمد بن المقدام باللفظ الذي ذكره البخاري ووقع في رواية أسلم بن سهل بلفظ فواتح الكلم وسيأتي بعد أبواب من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ بعثت بجوامع الكلم قال البغوي فيما ذكره عنه الإسماعيلي لا أعلم حدث به عن أيوب غير محمد بن عبد الرحمن قوله وبينا أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض سيأتي شرحه مستوفى إن شاء الله تعالى في كتاب الاعتصام الحديث الثالث حديث بن عمر في رؤيته صلى الله عليه وسلم المسيح بن مريم والمسيح الدجال 6598 قوله أراني الليلة عند الكعبة سيأتي في باب الطواف بالكعبة من وجه آخر عن بن عمر بلفظ بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة الحديث وسيأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى الحديث الرابع 6599 قوله حدثنا يحيى هو بن عبد الله بن بكير قوله ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أريت الليلة في المنام وساق الحديث كذا اقتصر من الحديث على هذا القدر وساقه بعد خمسة وثلاثين بابا عن يحيى بن بكير بهذا السند بتمامه وسيأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى قوله وتابعه سليمان بن كثير وبن أخي الزهري وسفيان بن حسين الخ أما متابعة سليمان بن كثير فوصلها مسلم من رواية محمد بن كثير عن أخيه ووقع لنا بعلو في مسند الدارمي وأما متابعة بن أخي الزهري فوصلها الذهلي في الزهريات وأما متابعة سفيان بن حسين فوصلها أحمد بن يزيد بن هارون عنه قوله وقال الزبيدي عن الزهري فذكره بالشك في بن عباس أو أبي هريرة قلت وصلها مسلم أيضا قوله وقال شعيب وإسحاق بن يحيى عن الزهري كان أبو هريرة يحدث قلت وصلهما الذهلي في الزهريات قوله وكان معمر لا يسنده حتى كان بعد وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري كرواية يونس ولكن قال عن بن عباس كان أبو هريرة يحدث قال إسحاق قال عبد الرزاق كان معمر يحدث به فيقول كان بن عباس يعنى ولا يذكر عبيد الله بن عبد الله في السند حتى جاءه زمعة بكتاب فيه عن الزهري عن عبيد الله عن بن عباس فكان لا يشك فيه بعد وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع وأفاد الإسماعيلي فيه اختلافا آخر عن الزهري فساقه من رواية صالح بن كيسان عنه فقال عن سليمان بن يسار عن بن عباس والمحفوظ قول من قال عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة 1 ( قوله باب رؤيا النهار ) كذا لأبي ذر ولغيره باب الرؤيا بالنهار قوله وقال بن عون هو عبد الله عن بن سيرين هو محمد قوله رؤيا النهار مثل الليل في رواية السرخسي مثل رؤيا الليل وهذا الأثر وصله علي بن أبي طالب القيرواني في كتاب التعبير له من طريق مسعدة بن اليسع عن عبد الله بن عون به ذكر ذلك مغلطاي قال القيرواني ولا فرق في حكم العبارة بين رؤيا الليل والنهار وكذا رؤيا النساء والرجال وقال المهلب نحوه وقد تقدم نحو ما نقل عن بعضهم في التفاوت وقد يتفاوتان أيضا في مراتب الصدق وذكر في الباب حديث أنس في قصة نوم النبي صلى الله عليه وسلم عند أم حرام وفيه
6600 فدخل عليها يوما فاطعمته وجعلت تفلى رأسه فنام وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الاستئذان في باب من رأى قوما فقال عندهم أي من القائلة وذكر بن التين أن بعضهم زعم أن في الحديث دليلا على صحة خلافة معاوية لقوله في الحديث فركبت البحر زمن معاوية وفيه نظر لأن المراد بزمنه زمن امارته على الشام في خلافة عثمان مع أنه لا تعرض في الحديث إلى اثبات الخلافة ولا نفيها بل فيه أخبار بما سيكون فكان كما أخبر ولو وقع ذلك في الوقت الذي كان معاوية خليفة لم يكن في ذلك معارضة لحديث الخلافة بعدي ثلاثون سنة لأن المراد به خلافة النبوة واما معاوية ومن بعده فكان أكثرهم على طريقة الملوك ولو سموا خلفاء والله أعلم 1 ( قوله باب رؤيا النساء ) تقدم كلام القيرواني وغيره في ذلك وذكر أيضا أن المرأة إذا رأت ما ليست له أهلا فهو لزوجها وكذا حكم العبد لسيده كما أن رؤيا الطفل لأبويه وذكر بن بطال الاتفاق على أن رؤيا المؤمنة الصالحة داخلة في قوله رؤيا المؤمن الصالح جزء من أجزاء النبوة وذكر في الباب حديث أم العلاء في قصة عثمان بن مظعون ورؤياها له العين الجارية وقد مضى شرحه في أوائل الجنائز وذكر في الشهادات وفي الهجرة ويأتي الكلام على العين الجارية بعد ثلاثة عشر بابا إن شاء الله تعالى وقوله هنا فوجع أي مرض وزنه ومعناه ويجوز ضم الواو 1 ( قوله باب الحلم من الشيطان ) وإذا حلم فليبصق عن يساره وليستعذ بالله هكذا ترجم لبعض ألفاظ الحديث وقد تقدم شرحه قريبا والحلم بضم المهملة وسكون اللام وقد تضم ما يراه النائم ولم يحك النووي غير السكون يقال حلم بفتح اللام يحلم بضمها وأما من الحلم بكسر أوله وسكون ثانيه فيقال حلم بضم اللام وجمع الحلم بالضم والحلم بالكسر أحلام وذكر فيه حديث أبي قتادة وسيأتي الإلمام بشيء منه في شرح حديث أبي هريرة في باب القيد في المنام وإضافة الحلم إلى الشيطان بمعنى أنها تناسب صفته من الكذب والتهويل وغير ذلك بخلاف الرؤيا الصادقة فأضيفت إلى الله إضافة تشريف وان كان الكل بخلق الله وتقديره كما أن الجميع عباد الله ولو كانوا عصاة كما قال يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم وقوله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان قوله باب اللبن أي إذا رؤي في المنام بماذا يعبر قال المهلب اللبن يدل على الفطرة والسنة والقرآن والعلم قلت وقد جاء في بعض الأحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة كما أخرجه البزار من حديث أبي هريرة رفعه اللبن في المنام فطرة وعند الطبراني من حديث أبي بكرة رفعه من رأى أنه شرب لبنا فهو الفطرة ومضى في حديث أبي هريرة في أول الأشربة أنه صلى الله عليه وسلم لما أخذ قدح اللبن قال له جبريل الحمد لله الذي هداك للفطرة وذكر الدينوري أن اللبن المذكور في هذا يختص بالإبل وإنه لشاربه مال حلال وعلم وحكمة قال ولبن البقر خصب السنة ومال حلال وفطرة أيضا ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم وألبان الوحش شك في الدين وألبان السباع غير محمودة إلا أن لبن اللبوة مال مع عداوة لذي أمر
6604 قوله حدثنا عبدان كذا للجميع ووقع في أطراف المزي أن البخاري أخرج هذا الحديث في التعبير عن أبي جعفر محمد بن الصلت وفي فضل عمر عن عبدان والموجود في الصحيح بالعكس وعبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد وحمزة الراوي عن بن عمر هو ولده ووقع في الباب الذي يليه من وجه آخر عن الزهري عن حمزة أنه سمع عبد الله بن عمر قال بن العربي لم يخرج البخاري هذا الحديث من غير هذه الطريق وكان ينبغي على طريقته أن يخرجه عن غيره لو وجده قلت بل وجده وأخرجه كما تقدم في فضل عمر من طريق سالم أخي حمزة عن أبيهما وإشارته إلى أن طريقة البخاري أن يخرج الحديث من طريقين فصاعدا إلا أن لا يجد في مقام المنع قوله حتى إني لا رى الري يخرج في أظافيري في رواية الكشميهني من أظافيري وفي رواية صالح بن كيسان من أطرافي وهذه الرؤيا يحتمل أن تكون بصرية وهو الظاهر ويحتمل أن تكون علمية ويؤيد الأول ما عند الحاكم والطبراني من طريق أبي بكر بن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده في هذا الحديث فشربت حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم على أنه محتمل أيضا قوله ثم أعطيت فضلي يعني عمر كذا في الأصل كأن بعض رواته شك ووقع في رواية صالح بن كيسان بالجزم ولفظه فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب وفي رواية أبي بكر بن سالم ففضلت فضلة فأعطيتها عمر قوله قالوا فما أولته في رواية صالح فقال من حوله وفي رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عند سعيد بن منصور ثم ناول فضله عمر قال ما أولته وظاهره أن السائل عمر ووقع في رواية أبي بكر بن سالم أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم أولوها قالوا يا نبي الله هذا علم أعطاكه الله فملأك منه ففضلت فضلة فأعطيتها عمر قال أصبتم ويجمع بأن هذا وقع أولا ثم أحتمل عندهم أن يكون عنده في تأويلها زيادة على ذلك فقالوا ما أولته الخ وقد تقدم بعض شرح هذا الحديث في كتاب العلم وبعضه في مناقب عمر قال بن العربي اللبن رزق يخلقه الله طيبا بين أخباث من دم وفرث كالعلم نور يظهره الله في ظلمة الجهل فضرب به المثل في المنام قال بعض العارفين الذي خلص اللبن من بين فرث ودم قادر على أن يخلق المعرفة من بين شك وجهل ويحفظ العمل عن غفلة وزلل وهو كما قال لكن اطردت العادة بأن العلم بالتعلم والذي ذكره قد يقع خارقا للعادة فيكون من باب الكرامة وقال بن أبي جمرة تأول النبي صلى الله عليه وسلم اللبن بالعلم اعتبارا بما بين له أول الأمر حين أتى بقدح خمر وقدح لبن فأخذ اللبن فقال له جبريل أخذت الفطرة الحديث قال وفي الحديث مشروعية قص الكبير رؤياه على من دونه وإلقاء العالم المسائل واختبار أصحابه في تأويلها وأن من الأدب أن يرد الطالب علم ذلك إلى معلمه قال والذي يظهر أنه لم يرد منهم أن يعبروها وانما أراد أن يسألوه عن تعبيرها ففهموا مراده فسألوه فأفادهم وكذلك ينبغي أن يسلك هذا الأدب في جميع الحالات قال وفيه أن علم النبي صلى الله عليه وسلم بالله لا يبلغ أحد درجته فيه لأنه شرب حتى رأى الري يخرج من أطرافه وأما إعطاؤه فضله عمر ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله بحيث كان لا يأخذه في الله لومة لائم قال وفيه أن من الرؤيا ما يدل على الماضي والحال والمستقبل قال وهذه أولت على الماضي فان رؤياه هذه تمثيل بأمر قد وقع لأن الذي أعطيه من العلم كان قد حصل له وكذلك أعطيه عمر فكانت فائدة هذه الرؤيا تعريف قدر النسبة بين ما أعطيه من العلم وما أعطيه عمر 1 ( قوله باب إذا جرى اللبن في أطرافه أو أظافيره ) يعني في المنام وذكر فيه حديث بن عمر المذكور قبله وقد تقدم شرحه فيه
1 ( قوله باب القميص في المنام ) في رواية الكشميهني القمص بضمتين بالجمع وكلاهما في الخبر 6606 قوله حدثنا يعقوب بن إبراهيم أي بن سعد بن إبراهيم وقد مضى في كتاب الإيمان من وجه آخر عن إبراهيم بن سعد أعلى من هذا وصالح هو بن كيسان قوله رأيت الناس هو من الرؤية البصرية وقوله يعرضون حال ويجوز أن يكون من الرؤيا العلمية ويعرضون مفعول ثان والناس بالنصب على المفعولية ويجوز فيه الرفع قوله يعرضون تقدم في الإيمان بلفظ يعرضون على وفي رواية عقيل الآتية بعد عرضوا قوله منها ما يبلغ الثدي بضم المثلثة وكسر الدال وتشديد الياء جمع ثدي بفتح ثم سكون والمعنى أن القميص قصير جدا بحيث لا يصل من الحلق إلى نحو السرة بل فوقها وقوله ومنها ما يبلغ دون ذلك يحتمل أن يريد دونه من جهة السفل وهو الظاهر فيكون أطول ويحتمل أن يريد دونه من جهة العلو فيكون أقصر ويؤيد الأول ما في رواية الحكيم الترمذي من طريق أخرى عن بن المبارك عن يونس عن الزهري في هذا الحديث فمنهم من كان قميصه إلى سرته ومنهم من كان قميصه إلى ركبته ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه قوله ومر على عمر بن الخطاب في رواية عقيل وعرض على عمر بن الخطاب قوله قميص يجره في رواية عقيل يجتره قوله قالوا ما أولته في رواية الكشميهني أولت بغير ضمير وتقدم في الإيمان أول الكتاب بلفظ فما أولت ذلك ووقع عند الترمذي الحكيم في الرواية المذكورة فقال له أبو بكر على ما تأولت هذا يا رسول الله قوله قال الدين بالنصب والتقدير أولت ويجوز الرفع ووقع في رواية الحكيم المذكورة قال على الإيمان 1 ( قوله باب جر القميص في المنام ) ذكر فيه حديث أبي سعيد المذكور قبله من وجه آخر عن بن شهاب وقد أشرت إلى الاختلاف في اسم صحابي هذا الحديث في مناقب عمر قالوا وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروه والأصل فيه قوله تعالى ولباس التقوى ذلك خير الآية والعرب تكني عن الفضل والعفاف بالقميص ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لعثمان أن الله سيلبسك قميصا فلا تخلعه وأخرجه أحمد والترمذي وبن ماجة وصححه بن حبان واتفق أهل التعبير على أن القميص يعبر بالدين وأن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من بعده وفي الحديث أن أهل الدين يتفاضلون في الدين بالقلة والكثرة وبالقوة والضعف وتقدم تقرير ذلك في كتاب الإيمان وهذا من أمثلة ما يحمد في المنام ويذم في اليقظة شرعا أعني جر القميص لما ثبت من الوعيد في تطويله ومثله ما سيأتي في باب القيد وعكس هذا ما يذم في المنام ويحمد في اليقظة وفي الحديث مشروعية تعبير الرؤيا وسؤال العالم بها عن تعبيرها ولو كان هو الرائي وفيه الثناء على الفاضل بما فيه لأظهار منزلته عند السامعين ولا يخفى أن محل ذلك إذا أمن عليه من الفتنة بالمدح كالإعجاب وفيه فضيلة لعمر وقد تقدم الجواب عما يستشكل من ظاهره وإيضاح أنه لا يستلزم أن يكون أفضل من أبي بكر وملخصه أن المراد بالأفضل من يكون أكثر ثوابا والأعمال علامات الثواب فمن كان عمله أكثر فدينه أقوى ومن كان دينه أقوى فثوابه أكثر ومن كان ثوابه أكثر فهو أفضل فيكون عمر أفضل من أبي بكر وملخص الجواب أنه ليس في الحديث تصريح بالمطلوب فيحتمل أن يكون أبو بكر لم يعرض في أولئك الناس إما لأنه كان قد عرض قبل ذلك وإما لأنه لا يعرض أصلا وأنه لما عرض كان عليه قميص أطول من قميص عمر ويحتمل أن يكون سر السكوت عن ذكره الاكتفاء بما علم من أفضليته ويحتمل أن يكون وقع ذكره فذهل عنه الراوي وعلى التنزل بأن الأصل عدم جميع هذه الاحتمالات فهو معارض بالأحاديث الدالة على أفضلية الصديق وقد تواترت تواترا معنويا فهي المعتمدة وأقوى هذه الاحتمالات ان لا يكون أبو بكر عرض مع المذكورين والمراد من الخبر التنبيه على أن عمر ممن حصل له الفضل البالغ في الدين وليس فيه ما يصرح بانحصار ذلك فيه وقال بن العربي انما أوله النبي صلى الله عليه وسلم بالدين لأن الدين يستر عورة الجهل كما يستر الثوب عورة البدن قال وأما غير عمر فالذي كان يبلغ الثدي هو الذي يستر قلبه عن الكفر وان كان يتعاطى المعاصي والذي كان يبلغ أسفل من ذلك وفرجه باد هو الذي لم يستر رجليه عن المشي إلى المعصية والذي يستر رجليه هو الذي احتجب بالتقوى من جميع الوجوه والذي يجر قميصه زائدا على ذلك بالعمل الصالح الخالص قال بن أبي جمرة ما ملخصه المراد بالناس في هذا الحديث المؤمنون لتأويله القميص بالدين قال والذي يظهر أن المراد خصوص هذه الأمة المحمدية بل بعضها والمراد بالدين العمل بمقتضاه كالحرص على امتثال الأوامر واجتناب المناهي وكان لعمر في ذلك المقام العالي قال ويؤخذ من الحديث ان كل ما يرى في القميص من حسن أو غيره فإنه يعبر بدين لابسه قال والنكتة في القميص أن لابسه إذا اختار نزعه وإذا اختار بقاءه فلما ألبس الله المومنين لباس الإيمان واتصفوا به كان الكامل في ذلك سابغ الثوب ومن لا فلا وقد يكون نقص الثوب فما زاد على ذلك كان مذموما وفي الآخرة زينة محضة فناسب أن يكون تعبيره بحسب هيئته من زيادة أو نقص ومن حسن وضده فمهما زاد من ذلك كان من فضل لابسه وينسب لكل ما يليق به من دين أو علم أو جمال أو حلم أو تقدم في فئة وضده لضده
1 ( قوله باب الخضر في المنام والروضة الخضراء ) الخضر بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين جمع أخضر وهو اللون المعروف في الثياب وغيرها ووقع في رواية النسفي الخضرة بسكون الضاد وفي آخره هاء تأنيث وكذا في رواية أبي أحمد الجرجاني وبعض الشروح قال القيرواني الروضة التي لا يعرف نبتها تعبر بالإسلام لنضارتها وحسن بهجتها وتعبر أيضا بكل مكان فاضل وقد تعبر بالمصحف وكتب العلم والعالم ونحو ذلك
6608 قوله حدثنا الحرمي بمهملتين مفتوحتين هو اسم بلفظ النسب تقدم بيانه قوله عن محمد بن سيرين قال قيس بن عباد حذف قال الثانية على العادة في حذفها خطأ والتقدير عن محمد بن سيرين انه قال قال قيس ووقع في رواية بن عون كما سيأتي بعد بابين عن محمد وهو بن سيرين حدثني قيس بن عباد وهو بضم أوله وتخفيف الموحدة وآخره دال تقدم ذكره في مناقب عبد الله بن سلام بهذا الحديث وتقدم له حديث آخر في تفسير سورة الحج وفي غزوة بدر أيضا وليس له في البخاري سوى هذين الحديثين وهو بصري تابعي ثقة كبير له إدراك قدم المدينة في خلافة عمر ووهم من عده في الصحابة قوله كنت في حلقة بفتح أوله وسكون اللام قوله فيها سعد بن مالك يعني بن أبي وقاص وبن عمر هو عبد الله بن عمر بن الخطاب قوله فمر عبد الله بن سلام هو الصحابي المشهور الاسرائيلي وأبوه بتخفيف اللام اتفاقا وقد تقدم بيان نسبه في مناقبه من كتاب مناقب الصحابة ووقع في رواية بن عون الماضية في المناقب بلفظ كنت جالسا في مسجد المدينة فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع فقالوا هذا رجل من أهل الجنة زاد مسلم من هذا الوجه كنت بالمدينة في ناس فيهم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع قوله فقالوا هذا رجل من أهل الجنة في رواية بن عون المشار إليها عند مسلم فقال بعض القوم هذا رجل من أهل الجنة وكررها ثلاثا وفي رواية خرشة بفتح الخاء المعجمة والراء والشين المعجمة بن الحر بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين الفزاري عند مسلم أيضا كنت جالسا في حلقة في مسجد المدينة وفيها شيخ حسن الهيئة وهو عبد الله بن سلام فجعل يحدثهم حديثا حسنا فلما قام قال القوم من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا وفي رواية النسائي من هذا الوجه فجاء شيخ يتوكأ على عصا له فذكر نحوه ويجمع بينهما بأنهما قصتان اتفقتا لرجلين فكأنه كان في مجلس يتحدث كما في رواية خرشة فلما قام ذاهبا مر على الحلقة التي فيها سعد بن أبي وقاص وبن عمر فحضر ذلك قيس بن عباد كما في روايته وكل من خرشة وقيس اتبع عبد الله بن سلام ودخل عليه منزله وسأله فأجابه ومن ثم اختلف الجواب بالزيادة والنقص كما سأبينه سواء كان زمن اجتماعهما بعبد الله بن سلام اتحد أم تعدد قوله فقلت له إنهم قالوا كذا وكذا بين في رواية بن عون عند مسلم أن قائل ذلك رجل واحد وفيه عنده زيادة ولفظه ثم خرج فاتبعته فدخل منزله ودخلت فتحدثنا فلما استأنس قلت له إنك لما دخلت قبل قال رجل كذا وكذا وكأنه نسب القول للجماعة والناطق به واحد لرضاهم به وسكوتهم عليه وفي رواية خرشة فقلت والله لأتبعنه فلأعلمن مكان بيته فانطلق حتى كان يخرج من المدينة ثم دخل منزله فاستأذنت عليه فأذن لي فقال ما حاجتك يا بن أخي فقلت سمعت القوم يقولون فذكر اللفظ الماضي وفيه فأعجبني أن أكون معك وسقطت هذه القصة في رواية النسائي وعنده فلما قضي صلاته قلت زعم هؤلاء قوله قال سبحان الله ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم تقدم بيان المراد من هذا في المناقب مفصلا ووقع في رواية خرشة فقال الله أعلم بأهل الجنة وسأحدثك مما قالوا ذلك فذكر المنام وهذا يقوي احتمال أنه أنكر عليهم الجزم ولم ينكر أصل الأخبار بأنه من أهل الجنة وهذا شأن المراقب الخائف المتواضع ووقع في رواية النسائي الجنة لله يدخلها من يشاء زاد بن ماجة من هذا الوجه الحمد لله قوله انما رأيت كأنما عمود وضع في روضة خضراء بين في رواية بن عون أن العمود كان في وسط الروضة ولم يصف الروضة في هذه الرواية وتقدم في المناقب من رواية بن عون رأيت كأني في روضة ذكر من سعتها وخضرتها قال الكرماني يحتمل أن يراد بالروضة جميع ما يتعلق بالدين وبالعمود الأركان الخمسة وبالعروة الوثقى الإيمان قوله فنصب فيها بضم النون وكسر المهملة بعدها موحدة وفي رواية المستملي والكشميهني قبضت بفتح القاف والموحدة بعدها ضاد معجمة ساكنة ثم تاء المتكلم قوله وفي رأسها عروة في رواية بن عون وفي أعلى العمود عروة وفي روايته في المناقب ووسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة وعرف من هذا أن الضمير في قوله وفي رأسها للعمود والعمود مذكر وكأنه أنث باعتبار الدعامة قوله وفي أسفلها منصف تقدم ضبطه في المناقب قوله والمنصف الوصيف هذا مدرج في الخبر وهو تفسير من بن سيرين بدليل قوله في رواية مسلم فجاءني منصف قال بن عون والمنصف الخادم فقال بثيابي من خلف ووصف أنه رفعه من خلفه بيده قوله فرقيت بكسر القاف على الأفصح فاستمسكت بالعروة زاد في رواية المناقب فرقيت حتى كنت في أعلاها فأخذت بالعروة فاستمسكت فاستيقظت وإنها لفي يدي ووقع في رواية خرشة حتى أتى بي عمودا رأسه في السماء وأسفله في الأرض في أعلاه حلقة فقال لي اصعد فوق هذا قال قلت كيف أصعد فأخذ بيدي فزجل بي وهو بزاي وجيم أي رفعني فإذا أنا متعلق بالحلقة ثم ضرب العمود فخر وبقيت متعلقا بالحلقة حتى أصبحت وفي رواية خرشة أيضا زيادة في أول المنام ولفظه انى بينما أنا نائم إذ أتاني رجل فقال لي قم فأخذ بيدي فانطلقت معه فإذا أنا بجواد بجيم ودال مشددة جمع جادة وهي الطريق المسلوكة عن شمالي قال فأخذت لآخذ فيها أي أسير فقال لا تأخذ فيها فانها طرق أصحاب الشمال وفي رواية النسائي من طريقه فبينا أنا أمشي إذ عرض لي طريق عن شمالي فأردت أن اسلكها فقال إنك لست من أهلها رجع إلى رواية مسلم قال وإذا منهج على يميني فقال لي خذ ها هنا فأتى بي جبلا فقال لي اصعد قال فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت حتى فعلت ذلك مرارا وفي رواية النسائي وبن ماجة جبلا زلقا فأخذ بيدي فزجل بي فإذا أنا في ذروته فلم أتقار ولم أتماسك وإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فزجل بي حتى أخذت بالعروة فقال استمسك فاستمسكت قال فضرب العمود برجله فاستمسكت بالعروة قوله فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى زاد في رواية بن عون فقال تلك الروضة روضة الإسلام وذلك العمود عمود الإسلام وتلك العروة عروة الوثقى لا تزال مستمسكا بالإسلام حتى تموت وزاد في رواية خرشة عند النسائي وبن ماجه فقال رأيت خيرا أما المنهج فالمحشر وأما الطريق وفي رواية مسلم فقال أما الطرق التي عن يسارك فهي طرق أصحاب الشمال والطرق التي عن يمينك طرق أصحاب اليمين وفي رواية النسائي طرق أهل النار وطرق أهل الجنة ثم اتفقا وأما الجبل فهو منزل الشهداء زاد مسلم ولن تناله وأما العمود إلى آخره وزاد النسائي وبن ماجة في آخره فأنا أرجو أن أكون من أهلها وفي الحديث منقبة لعبد الله بن سلام وفيه من تعبير الرؤيا معرفة اختلاف الطرق وتأويل للعمود والجبل والروضة الخضراء والعروة وفيه من أعلام النبوة أن عبد الله بن سلام لا يموت شهيدا فوقع كذلك مات على فراشه في أول خلافة معاوية بالمدينة ونقل بن التين عن الداودي أن القوم انما قالوا في عبد الله بن سلام أنه من أهل الجنة لأنه كان من أهل بدر كذا قال والذي أوردته من طرق القصة يدل على أنهم انما أخذوا ذلك من قوله لما ذكر طريق الشمال إنك لست من أهلها وانما قال ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم على سبيل التواضع كما تقدم وكراهة أن يشار إليه بالأصابع خشية أن يدخله العجب ثم انه ليس من أهل بدر أصلا والله أعلم
1 ( قوله باب كشف المرأة في المنام ) وقوله بعده باب ثياب الحرير في المنام ذكر فيهما حديث عائشة في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لها في المنام قبل أن يتزوجها وساقه في الأول من طريق أبي أسامة وفي الثاني من طريق أبي معاوية كلاهما عن هشام وهو بن عروة بن الزبير عن أبيه عنها وزاد في رواية أبي أسامة فيقول هذه امرأتك وبهذه الزيادة ينتظم الكلام وزاد في رواية أبي معاوية قبل 6610 أن أتزوجك وأعاد فيها صورة المنام بيانا لقوله أريتك مرتين فقال في روايته رأيت الملك يحملك ثم قال أريتك يحملك وقال في المرتين فقلت له اكشف ووقع في رواية أبي أسامة فاكشفها والضمير لقوله امرأتك وقد تقدم في السيرة النبوية قبل الهجرة إلى المدينة من طريق وهيب بن خالد عن هشام بنحو سياق أبي أسامة وتقدم في النكاح من طريق حماد بن زيد عن هشام ولفظه فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك ويجمع هذا الاختلاف أن نسبة الكشف إليه لكونه الآمر به وأن الذي باشر الكشف هو الملك ووقع في هذه الطريق عند مسلم والإسماعيلي بعد قوله المنام ثلاث ليال فلعل البخاري حذفها لأن الأكثر رووه بلفظ مرتين وكذلك أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن إدريس وأبو عوانة من رواية مالك ومن رواية يونس بن بكير ومن رواية عبد العزيز بن المختار كلهم عن هشام بن عروة جازمين بمرتين ومن رواية حماد بن سلمة عن هشام فقال في روايته مرتين أو ثلاثا بالشك فيحتمل أن يكون الشك من هشام فأقتصر البخاري على المحقق وهو قوله مرتين وتأكد ذلك عنده برواية أبي معاوية المفسرة وحذف لفظ ثلاث من رواية حماد بن زيد لأن أصل الحديث ثابت وقوله فإذا هي أنت قال القرطبي يريد انه رآها في النوم كما رآها في اليقظة فكانت المراد بالرؤيا لا غيرها وقد بين حماد بن سلمة في روايته المراد ولفظه أتيت بجارية في سرقة من حرير بعد وفاة خديجة فكشفتها فإذا هي أنت الحديث وهذا يدفع الاحتمال الذي ذكره بن بطال ومن تبعه حيث جوزوا أن هذه الرؤية قبل أن يوحى إليه وقد تقدم تفسير السرقة وضبطها وأن الملك المذكور هو جبريل وكثير من مباحثه في كتاب النكاح وذكرت احتمالا عن عياض في قوله إن يكن هذا من عند الله يمضه ثم وجدته أخذ أكثره من كلام بن بطال ومحمد في السند الثاني جزم السرخسي في رواية أبي ذر عنه أنه أبو كريب محمد بن العلاء وكلام الكلاباذي يقتضي انه بن سلام قال بن بطال رؤيا المرأة في المنام يختلف على وجوه منها أن يتزوج الرائي حقيقة بمن يراها أو شبهها ومنها أن يدل على حصول دنيا أو منزلة فيها أو سعة في الرزق وهذا أصل عند المعبرين في ذلك وقد تدل المرأة بما يقترن بها في الرؤيا على فتنة تحصل للرائي وأما ثياب الحرير فيدل اتخاذها للنساء في المنام على النكاح وعلى العزاء وعلى الغنى وعلى زيادة في البدن قالوا والملبوس كله يدل على جسم لابسه لكونه يشتمل عليه ولا سيما واللباس في العرف دال على أقدار الناس وأحوالهم 1 ( قوله باب المفاتيح في اليد ) أي إذا رؤيت في المنام قال أهل التعبير المفتاح مال وعز وسلطان فمن رأى أنه فتح باب بمفتاح فإنه يظفر بحاجته بمعونة من له بأس وإن رأى أن بيده مفاتيح فإنه يصيب سلطانا عظيما وذكر فيه حديث أبي هريرة الماضي في باب رؤيا الليل من وجه آخر عنه بلفظ
6611 بعثت بجوامع الكلم وفيه وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي وقد تقدم في الباب المذكور بلفظ وبينما أنا نائم البارحة قوله في آخره قال أبو عبد الله كذا لأبي ذر ووقع في رواية كريمة قال محمد فقال بعض الشراح لا منافاة لأنه اسمه والقائل هو البخاري والذي يظهر لي أن الصواب ما عند كريمة فان هذا الكلام ثبت عن الزهري واسمه محمد بن مسلم وقد ساقه البخاري هنا من طريقه فيبعد أن يأخذ كلامه فينسبه لنفسه وكأن بعضهم لما رأى وقال محمد ظن أنه البخاري فأراد تعظيمه فكناه فأخطا لأن محمدا هو الزهري وليست كنيته أبا عبد الله بل هو أبو بكر وسيأتي الكلام على جوامع الكلم وسيأتي الحديث في الاعتصام ان شاء الله تعالى 1 ( قوله باب التعليق بالعروة والحلقة ) ذكر فيه حديث عبد الله بن سلام 6612 رأيت كأني في روضة وقد تقدم قبل هذا بأربعة أبواب أتم من هذا وتقدم شرحه هناك قال أهل التعبير الحلقة والعروة المجهولة تدل لمن تمسك بها على قوته في دينه وإخلاصه فيه 1 ( قوله باب عمود الفسطاط )