Qur'an&Sunnah

İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)

قسم V03/P209–V03/P211

1279 قوله عن أبي الخير هو اليزني والإسناد كله بصريون وهذا معدود من أصح الأسانيد قوله صلاته بالنصب أي مثل صلاته زاد في غزوة أحد من طريق حيوة بن شريح عن يزيد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات وزاد فيه فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيأتي الكلام على الزيادة هناك إن شاء الله تعالى وكانت أحد في شوال سنة ثلاث ومات صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول سنة إحدى عشرة فعلى هذا ففي قوله بعد ثمان سنين تجوز على طريق جبر الكسر وإلا فهي سبع سنين ودون النصف واستدل به على مشروعية الصلاة على الشهداء وقد تقدم جواب الشافعي عنه بما لا مزيد عليه وقال الطحاوي معنى صلاته صلى الله عليه وسلم عليهم لا يخلو من ثلاثة معان أما أن يكون ناسخا لما تقدم من ترك الصلاة عليهم أو يكون من سنتهم أن لا يصلي عليهم إلا بعد هذه المدة المذكورة أو تكون الصلاة عليهم جائزة بخلاف غيرهم فإنها واجبة وايها كان فقد ثبت بصلاته عليهم الصلاة على الشهداء ثم كأن الكلام بين المختلفين في عصرنا إنما هو في الصلاة عليهم قبل دفنهم وإذا ثبتت الصلاة عليهم بعد الدفن كانت قبل الدفن أولى انتهى وغالب ما ذكره بصدد المنع لا سيما في دعوى الحصر فإن صلاته عليهم تحتمل أمورا أخر منها أن تكون من خصائصه ومنها أن تكون بمعنى الدعاء كما تقدم ثم هي واقعة عين لا عموم فيها فكيف ينتهض الاحتجاج بها لدفع حكم قد تقرر ولم يقل أحد من العلماء بالاحتمال الثاني الذي ذكره والله أعلم قال النووي المراد بالصلاة هنا الدعاء وأما كونه مثل الذي على الميت فمعناه أنه دعا لهم بمثل الدعاء الذي كانت عادته أن يدعو به للموتى قوله إني فرط لكم أي سابقكم وقوله واني والله فيه الحلف لتأكيد الخبر وتعظيمه وقوله لانظر إلى حوضي هو على ظاهره وكأنه كشف له عنه في تلك الحالة وسيأتي الكلام على الحوض مستوفى في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى وكذا على المنافسة في الدنيا قوله ما أخاف عليكم أن تشركوا أي على مجموعكم لأن ذلك قد وقع من البعض أعاذنا الله تعالى وفي هذا الحديث معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم ولذلك أورده المصنف في علامات النبوة كما سيأتي بقية الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب دفن الرجلين والثلاثة في قبر ) أورد فيه حديث جابر المذكور مختصرا بلفظ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد قال بن رشيد جرى المصنف على عادته أما بالإشارة إلى ما ليس على شرطه وأما بالاكتفاء بالقياس وقد وقع في رواية عبد الرزاق يعني المشار إليها قبل بلفظ وكان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد انتهى وورد ذكر الثلاثة في هذه القصة عن أنس أيضا عند الترمذي وغيره وروى أصحاب السنن عن هشام بن عامر الأنصاري قال جاءت الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقالوا اصابنا قرح وجهد قال احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر صححه الترمذي والظاهر أن المصنف أشار إلى هذا الحديث وأما القياس ففيه نظر لأنه لو أراده لم يقتصر على الثلاثة بل كان يقول مثلا دفن الرجلين فأكثر ويؤخذ من هذا جواز دفن المرأتين في قبر وأما دفن الرجل مع المرأة فروى عبد الرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه وكأنه كان يجعل بينهما حائلا من تراب ولا سيما أن كانا أجنبيين والله أعلم 1 ( قوله باب من لم ير غسل الشهداء )

قسم V03/P211–V03/P213

في نسخة الشهيد بالافراد أشار بذلك إلى ما روى عن سعيد بن المسيب أنه قال يغسل الشهيد لأن كل ميت يجنب فيجب غسله حكاه بن المنذر قال وبه قال الحسن البصري ورواه بن أبي شيبة عنهما أي عن سعيد والحسن وحكى عن بن سريج من الشافعية وعن غيره وهو من الشذوذ وقد وقع عند أحمد من وجه آخر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قتلى أحد لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة ولم يصل عليهم فبين الحكمة في ذلك ثم أورد المصنف حديث جابر المذكور قبل مختصرا بلفظ ولم يغسلهم واستدل بعمومه على أن الشهيد لا يغسل حتى ولا الجنب والحائض وهو الأصح عند الشافعية وقيل يغسل للجنابة لا بنية غسل الميت لما روى في قصة حنظلة بن الراهب أن الملائكة غسلته يوم أحد لما استشهد وهو جنب وقصته مشهورة رواها بن إسحاق وغيره وروى الطبراني وغيره من حديث بن عباس بإسناد لا بأس به عنه قال أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت الملائكة تغسلهما غريب في ذكر حمزة وأجيب بأنه لو كان واجبا ما اكتفى فيه بغسل الملائكة فدل على سقوطه عمن يتولى أمر الشهيد والله أعلم قوله باب من يقدم في اللحد أي إذا كانوا أكثر من واحد وقد دل حديث الباب على تقديم من كان أكثر قرآنا من صاحبه وهذا نظير تقديمه في الإمامة قوله وسمي اللحد لأنه في ناحية قال أهل اللغة أصل الإلحاد الميل والعدول عن الشيء وقيل للمائل عن الدين ملحد وسمي اللحد لأنه شق يعمل في جانب القبر فيميل عن وسط القبر إلى جانبه بحيث يسع الميت فيوضع فيه ويطبق عليه اللبن وأما قول المصنف بعد ولو كان مستقيما لكان ضريحا فلأن الضريح شق يشق في الأرض على الاستواء ويدفن فيه قوله ملتحدا معدلا هو قول أبي عبيدة بن المثنى في كتاب المجاز قال قوله ملتحدا أي معدلا وقال الطبري معناه ولن تجد من دونه معدلا تعدل إليه عن الله لأن قدرة الله محيطة بجميع خلقه قال والملتحد مفتعل من اللحد يقال منه لحدت إلى كذا إذا ملت إليه انتهى ويقال لحدته وألحدته قال الفراء الرباعي أجود وقال غيره الثلاثي أكثر ويؤيده حديث عائشة في قصة دفن النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد الحديث أخرجه بن ماجة ثم ساق المصنف حديث جابر من طريق بن المبارك عن الليث متصلا وعن الأوزاعي منقطعا لأن بن شهاب لم يسمع من جابر زاد بن سعد في الطبقات عن الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي بهذا الإسناد قال زملوهم بجراحهم فإني أنا الشهيد عليهم ما من مسلم يكلم في سبيل الله الا جاء يوم القيامة يسيل دما الحديث قوله في رواية الأوزاعي فكفن أبي وعمي في نمرة هي بفتح النون وكسر الميم بردة من صوف أو غيره مخططه وقال الفراء هي دراعة فيها لونان سواد وبياض ويقال للسحابة إذا كانت كذلك نمرة وذكر الواقدي في المغازي وبن سعد إنهما كفنا في نمرتين فإن ثبت حمل على أن النمرة الواحدة شقت بينهما نصفين وسيأتي مزيد لذلك بعد بابين والرجل الذي كفن معه في النمرة كأنه هو الذي دفن معه كما سيأتي الكلام على تسميته بعد باب قوله وقال سليمان بن كثير الخ هو موصول في الزهريات للذهلي وفي رواية سليمان المذكور إبهام شيخ الزهري وقد تقدم البحث فيه قبل بابين قال الدارقطني في التتبع اضطرب فيه الزهري وأجيب بمنع الاضطراب لأن الحاصل من الاختلاف فيه على الثقات أن الزهري حمله عن شيخين وأما إبهام سليمان لشيخ الزهري وحذف الأوزاعي له فلا يؤثر ذلك في رواية من سماه لأن الحجة لمن ضبط وزاد إذا كان ثقة لا سيما إذا كان حافظا وأما رواية أسامة وبن عبد العزيز فلا تقدح في الرواية الصحيحة لضعفهما وقد بينا أن البخاري صرح بغلط أسامة فيه وسيأتي الكلام على بقية فوائد حديث جابر في المغازي وفيه فضيلة ظاهرة لقارئ القرآن ويلحق به أهل الفقه والزهد وسائر وجوه الفضل

قسم V03/P213–V03/P214

1 ( قوله باب الأذخر والحشيش في القبر ) أورد فيه حديث بن عباس في تحريم مكة وفيه فقال العباس الا الأذخر لصاغتنا وقبورنا وسيأتي الكلام على فوائده في كتاب الحج إن شاء الله تعالى وجوز بن مالك في 1284 قوله الا الأذخر الرفع والنصب وترجم بن المنذر على هذا الحديث طرح الأذخر في القبر وبسطه فيه وأراد المصنف بذكر الحشيش التنبيه على إلحاقه بالإذخر وأن المراد باستعمال الإذخر البسط ونحوه لا التطيب ومراده بالحشيش ما يجوز حشه من الحرم إذا لم يقيده في الترجمة بشيء وقد تقدم في باب إذا لم يجد كفنا في قصة مصعب بن عمير لما قصر كفنه أن يغطى رأسه وأن يجعل على رجليه من الأذخر ولأحمد من طريق خباب أيضا أن حمزة لم يوجد له كفن الا بردة إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه الأذخر قوله وقال أبو هريرة الخ هو طرف من حديث طويل فيه قصة أبي شاه وقد تقدم موصولا في كتاب العلم قوله وقال أبان بن صالح الخ وصله بن ماجة من طريقه وفيه فقال العباس الا الأذخر فإنه للبيوت والقبور قوله وقال مجاهد الخ هو طرف من الحديث الأول وسيأتي موصولا في كتاب الحج وأورده لقوله فيه لقينهم بدل لقبورهم والقين بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون هو الحداد وكأنه أشار إلى ترجيح الرواية الأولى لموافقة رواية أبي هريرة وصفية وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الحج إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة أي لسبب وأشار بذلك إلى الرد على من منع إخراج الميت ) من قبره مطلقا أو لسبب دون سبب كمن خص الجواز بما لو دفن بغير غسل أو بغير صلاة فإن في حديث جابر الأول دلالة على الجواز إذا كان في نبشه مصلحة تتعلق به من زيادة البركه له وعليه يتنزل قوله في الترجمة من القبر وفي حديث جابر الثاني دلالة على جواز الإخراج لأمر يتعلق بالحي لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه وقد بين ذلك جابر بقوله فلم تطب نفسي وعليه يتنزل قوله واللحد لأن والد جابر كان في لحد وإنما أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام لأن قصة عبد الله بن أبي قابلة للتخصيص وقصة والد جابر ليس فيها تصريح بالرفع قاله الزين بن المنير ثم أورد المصنف فيه حديث عمرو وهو بن دينار عن جابر في قصة عبد الله بن أبي وقد سبق ذكره في باب الكفن في القميص وزاد في هذه الطريق وكان كسا عباسا قميصا وفي رواية الكشميهني قميصه والعباس المذكور هو بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم

قسم V03/P214

1285 قوله قال سفيان وقال أبو هارون الخ كذا وقع في رواية أبي ذر وغيرها ووقع في كثير من الروايات وقال أبو هريرة وكذا في مستخرج أبي نعيم وهو تصحيف وأبو هارون المذكور جزم المزي بأنه موسى بن أبي عيسى الحناط بمهملة ونون المدني وقيل هو الغنوي واسمه إبراهيم بن العلاء من شيوخ البصرة وكلاهما من أتباع التابعين فالحديث معضل وقد أخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان فسماه عيسى ولفظه حدثنا عيسى بن أبي موسى فهذا هو المعتمد قوله قال سفيان فيرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله قميصه مكافاة لما صنع بالعباس هذا القدر متصل عند سفيان وقد أخرجه البخاري في أواخر الجهاد في باب كسوة الأسارى عن عبد الله بن محمد عن سفيان بالسند المذكور قال لما كان يوم بدر أتى بأسارى وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه ويحتمل أن يكون قوله فلذلك من كلام سفيان أدرج في الخبر بينته رواية على بن عبد الله التي في هذا الباب وسأستوفي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى

قسم V03/P214–V03/P216

1286 قوله حدثنا حسين المعلم عن عطاء هو بن أبي رباح عن جابر هكذا أخرج البخاري هذا الحديث عن مسدد عن بشر بن المفضل عن حسين ولم أره بعد التتبع الكثير في شيء من كتب الحديث بهذا الإسناد إلى جابر الا في البخاري وقد عز على الإسماعيلي مخرجه فأخرجه في مستخرجه من طريق البخاري وأما أبو نعيم فأخرجه من طريق أبي الأشعث عن بشر بن المفضل فقال عن سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن جابر وقال بعده ليس أبو نضرة من شرط البخاري قال وروايته عن حسين عن عطاء عزيزة جدا قلت وطريق سعيد مشهورة عنه أخرجها أبو داود وبن سعد والحاكم والطبراني من طريقه عن أبي نضرة عن جابر واحتمل عندي أن يكون لبشر بن المفضل فيه شيخان إلى أن رأيته في المستدرك للحاكم قد أخرجه عن أبي بكر بن إسحاق عن معاذ بن المثنى عن مسدد عن بشر كما رواه أبو الأشعث عن بشر وكذا أخرجه في الإكليل بهذا الإسناد إلى جابر ولفظه لفظ البخاري سواء فغلب على الظن حينئذ أن في هذه الطريق وهما لكن لم يتبين لي ممن هو ولم أر من نبه على ذلك وكأن البخاري استشعر بشيء من ذلك فعقب هذه الطريق بما أخرجه من طريق بن أبي نجيح عن عطاء عن جابر مختصرا ليوضح أن له أصلا من طريق عطاء عن جابر والله أعلم قوله ما أراني بضم الهمزة بمعنى الظن وذكر الحاكم في المستدرك عن الواقدي أن سبب ظنه ذلك منام رآه أنه رأى مبشر بن عبد المنذر وكان ممن استشهد ببدر يقول له أنت قادم علينا في هذه الأيام فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم فقال هذه الشهادة وفي رواية أبي نضرة المذكورة عند بن السكن عن جابر أن أباه قال له إني معرض نفسي للقتل الحديث وقال بن التين إنما قال ذلك بناء على ما كان عزم عليه وإنما قال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض أصحابه سيقتل كما سيأتي واضحا في المغازي قوله وإن علي دينا سيأتي مقداره في علامات النبوة قوله فاقض كذا في الأصل بحذف المفعول وفي رواية الحاكم فاقضه قوله بأخواتك سيأتي الكلام على ذكر عدتهن ومن عرف اسمها منهن في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى قوله ودفن معه آخر هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري وكان صديق والد جابر وزوج أخته هند بنت عمرو وكأن جابرا سماه عمه تعظيما قال بن إسحاق في المغازي حدثني أبي عن رجال من بني سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين أصيب عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح اجمعوا بينهما فإنهما كانا متصادقين في الدنيا وفي مغازي الواقدي عن عائشة أنها رأت هند بنت عمرو تسوق بعيرا لها عليه زوجها عمرو بن الجموح وأخوها عبد الله بن عمرو بن حرام لتدفنهما بالمدينة ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برد القتلى إلى مضاجعهم وأما قول الدمياطي إن قوله وعمى وهم فليس بجيد لأن له محملا سائغا والتجوز في مثل هذا يقع كثيرا وحكى الكرماني عن غيره أن قوله وعمى تصحيف من عمرو وقد روى أحمد بإسناد حسن من حديث أبي قتادة قال قتل عمرو بن الجموح وبن أخيه يوم أحد فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلا في قبر واحد قال بن عبد البر في التمهيد ليس هو بن أخيه وإنما هو بن عمه وهو كما قال فلعله كان أسن منه قوله فاستخرجته بعد ستة اشهر أي من يوم دفنه وهذا يخالف في الظاهر ما وقع في الموطأ عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حفر السيل قبرهما وكانا في قبر واحد فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وكان بين أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة وقد جمع بينهما بن عبد البر بتعدد القصة وفيه نظر لأن الذي في حديث جابر أنه دفن أباه في قبر وحده بعد ستة أشهر وفي حديث الموطأ أنهما وجدا في قبر واحد بعد ست وأربعين سنة فأما أن يكون المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة أو أن السيل خرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد وقد ذكر بن إسحاق القصة في المغازي فقال حدثني أبي عن أشياخ من الأنصار قالوا لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء انفجرت العين عليهم فجئنا فأخرجناهما يعني عمرا وعبد الله وعليهما بردتان قد غطى بهما وجوههما وعلى أقدامهما شيء من نبات الأرض فأخرجناهما يتثنيان تثنيا كأنهما دفنا بالأمس وله شاهد بإسناد صحيح عند بن سعد من طريق أبي الزبير عن جابر قوله فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه وقال عياض في رواية أبي السكن والنسفي غير هنية في أذنه وهو الصواب بتقديم غير وزيادة في وفي الأول تغيير قال ومعنى قوله هنية أي شيئا يسيرا وهو بنون بعدها تحتانية مصغرا وهو تصغير هنة أي شيء فصغره لكونه أثرا يسيرا انتهى وقد قال الإسماعيلي عقب سياقه بلفظ الأكثر إنما هو عند قلت وكذا وقع في رواية أبي ذر عن الكشميهني لكن يبقى في الكلام نقص ويبينه ما في رواية بن أبي خيثمة والطبراني من طريق غسان بن مضر عن أبي سلمة بلفظ وهو كيوم دفنته الا هنية عند إذنه وهو موافق من حيث المعنى لرواية بن السكن التي صوبها عياض وجمع أبو نعيم في روايته من طريق أبي الأشعث بين لفظ غير ولفظ عند فقال غير هنية عند إذنه ووقع في رواية الحاكم المشار إليها فإذا هو كيوم وضعته غير إذنه سقط منها لفظ هنية وهو مستقيم المعنى وكذلك ذكره الحميدي في الجمع في افراد البخاري والمراد بالاذن بعضها وحكى بن التين أنه في روايته بفتح الهاء وسكون التحتانية بعدها همزة ثم مثناة منصوبة ثم هاء الضمير أي على حالته وقد أخرجه بن السكن من طريق شعبة عن أبي مسلمة بلفظ غير أن طرف إذن أحدهم تغير ولابن سعد من طريق أبي هلال عن أبي مسلمة الا قليلا من شحمة إذنه ولأبي داود من طريق حماد بن زيد عن أبي مسلمة الا شعرات كن من لحيته مما يلي الأرض ويجمع بين هذه الرواية وغيرها بان المراد الشعرات التي تتصل بشحمة الإذن وافادت هذه الرواية سبب تغير ذلك دون غيره ولا يعكر على ذلك ما رواه الطبراني بإسناد صحيح عن محمد بن المنكدر عن جابر أن أباه قتل يوم أحد ثم مثلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه الحديث وأصله في مسلم لأنه محمول على إنهم قطعوا بعض أذنيه لا جميعهما والله أعلم

قسم V03/P216–V03/P219

1287 قوله عن بن أبي نجيح عن عطاء كذا للأكثر وحكى أبو علي الجياني أنه وقع عند أبي علي بن السكن عن مجاهد بدل عطاء قال والذي رواه غيره أصح قلت وكذا أخرجه بن سعد والنسائي والإسماعيلي وآخرون كلهم من طريق سعيد بن عامر بالسند المذكور فيه وهو الصواب وفي قصة والد جابر من الفوائد الإرشاد إلى بر الأولاد بالآباء خصوصا بعد الوفاة والاستعانة على ذلك بأخبارهم بمكانتهم من القلب وفيه قوة إيمان عبد الله المذكور لاستثنائه النبي صلى الله عليه وسلم ممن جعل ولده أعز عليه منهم وفيه كرامته بوقوع الأمر على ما ظن وكرامته بكون الأرض لم تبل جسده مع لبثه فيها والظاهر أن ذلك لمكان الشهادة وفيه فضيلة لجابر لعمله بوصية أبيه بعد موته في قضاء دينه كما سيأتي بيانه في مكانه 1 ( قوله باب اللحد والشق في القبر ) أورد فيه حديث جابر في قصة قتلى أحد وليس فيه للشق ذكر قال بن رشيد 1288 قوله في حديث جابر قدمه في اللحد ظاهر في أن الميتين جميعا في اللحد ويحتمل أن يكون المقدم في اللحد والذي يليه في الشق لمشقة الحفر في الجانب لمكان اثنين وهذا يؤيد ما تقدم توجيهه أن المراد بقوله فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة أي شقت بينهما ويحتمل أن يكون ذكر الشق في الترجمة لينبه على أن اللحد أفضل منه لأنه الذي وقع دفن الشهداء فيه مع ما كانوا فيه من الجهد والمشقة فلولا مزيد فضيلة فيه ما عانوه وفي السنن لأبي داود وغيره من حديث بن عباس مرفوعا اللحد لنا والشق لغيرنا وهو يؤيد فضيلة اللحد على الشق والله أعلم 1 ( قوله باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلي عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام ) هذه الترجمة معقودة لصحة إسلام الصبي وهي مسألة اختلاف كما سنبينه وقوله وهل يعرض عليه ذكره هنا بلفظ الاستفهام وترجم في كتاب الجهاد بصيغة تدل على الجزم بذلك فقال وكيف يعرض الإسلام على الصبي وكأنه لما أقام الأدلة هنا على صحة إسلامه استغنى بذلك وأفاد هناك ذكر الكيفية قوله وقال الحسن الخ أما أثر الحسن فأخرجه البيهقي من طريق محمد بن نصر أظنه في كتاب الفرائض له قال حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا يزيد بن زريع عن يونس عن الحسن في الصغير قال مع المسلم من والديه وأما أثر إبراهيم فوصله عبد الرزاق عن معمر عن مغيرة عن إبراهيم قال في نصرانيين بينهما ولد صغير فأسلم أحدهما قال اولاهما به المسلم وأما أثر شريح فأخرجه البيهقي بالإسناد المذكور إلى يحيى بن يحيى حدثنا هشيم عن أشعث عن الشعبي عن شريح أنه اختصم إليه في صبي أحد أبويه نصراني قال الوالد المسلم أحق بالولد وأما أثر قتادة فوصله عبد الرزاق عن معمر عنه نحو قول الحسن قوله وكان بن عباس مع أمه من المستضعفين وصله المصنف في الباب من حديثه بلفظ كنت أنا وأمي من المستضعفين واسم أمه لبابة بنت الحارث الهلالية قوله ولم يكن مع أبيه على دين قومه هذا قاله المصنف تفقها وهو مبنى على أن إسلام العباس كان بعد وقعة بدر وقد اختلف في ذلك فقيل أسلم قبل الهجرة وأقام بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك لمصلحة المسلمين روى ذلك بن سعد من حديث بن عباس وفي إسناده الكلي وهو متروك ويرده أن العباس أسر ببدر وقد فدى نفسه كما سيأتي في المغازي واضحا ويرده أيضا أن الآية التي في قصة المستضعفين نزلت بعد بدر بلا خلاف فالمشهور أنه أسلم قبل فتح خيبر ويدل عليه حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط كما أخرجه أحمد والنسائي وروى بن سعد من حديث بن عباس أنه هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر ورده بقصة الحجاج المذكور والصحيح أنه هاجر عام الفتح في أول السنة وقدم مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهد الفتح والله أعلم قوله وقال الإسلام يعلو ولا يعلى كذا في جميع نسخ البخاري لم يعين القائل وكنت أظن أنه معطوف على قول بن عباس فيكون من كلامه ثم لم أجده من كلامه بعد التتبع الكثير ورأيته موصولا مرفوعا من حديث غيره أخرجه الدارقطني ومحمد بن هارون الروياني في مسنده من حديث عائذ بن عمرو المزني بسند حسن ورويناه في فوائد أبي يعلى الخليلي من هذا الوجه وزاد في أوله قصة وهي أن عائذ بن عمرو جاء يوم الفتح مع أبي سفيان بن حرب فقال الصحابة هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عائذ بن عمرو وأبو سفيان الإسلام أعز من ذلك الإسلام يعلو ولا يعلى وفي هذه القصة أن للمبدأ به في الذكر تأثيرا في الفضل لما يفيده من الاهتمام وليس فيه حجة على أن الواو ترتب ثم وجدته من قول بن عباس كما كنت أظن ذكره بن حزم في المحلي قال ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن بن عباس قال إذا أسلمت اليهودية أو النصرانية تحت اليهودي أو النصراني يفرق بينهما الإسلام يعلو ولا يعلى ثم أورد المصنف في الباب أحاديث ترجح ما ذهب إليه من صحة إسلام الصبي أولها حديث بن عمر في قصة بن صياد وسيأتي الكلام عليه مستوفى في الباب المشار إليه في الجهاد ومقصود البخاري منه الاستدلال هنا بقوله صلى الله عليه وسلم لابن صياد أتشهد إني رسول الله وكان إذ ذاك دون البلوغ وقوله

قسم V03/P219–V03/P220

1289 أطم بضمتين بناء كالحصن ومغالة بفتح الميم والمعجمة الخفيفة بطن من الأنصار وبن صياد في رواية أبي ذر صائد وكلا الأمرين كان يدعى به وقوله فرفضه للأكثر بالضاد المعجمة أي تركه قال الزين بن المنير أنكرها القاضي ولبعضهم بالمهملة أي دفعه برجله قال عياض كذا في رواية أبي ذر عن غير المستملي ولا وجه لها قال المازري لعله رفسه بالسين المهملة أي ضربه برجله قال عياض لم أجد هذه اللفظة في جماهير اللغة يعني بالصاد قال وقد وقع في رواية الأصيلي بالقاف بدل الفاء وفي رواية عبدوس فوقصه بالواو والقاف وقوله وهو يختل بمعجمة ساكنة بعدها مثناة مكسورة أي يخدعه والمراد أنه كان يريد أن يستغفله ليسمع كلامه وهو لا يشعر قوله له فيها رمزة أو زمرة كذا للأكثر على الشك في تقديم الراء على الزاي أو تأخيرها ولبعضهم زمزمة أو رمرمة على الشك هل هو بزايين أو براءين مع زيادة ميم فيهما ومعاني هذه الكلمات المختلفة متقاربة فأما التي بتقديم الراء وميم واحدة فهي فعلة من الرمز وهو الإشارة وأما التي بتقديم الزاي كذلك فمن الزمر والمراد حكاية صوته وأما التي بالمهملتين وميمين فأصله من الحركة وهي هنا بمعنى الصوت الخفي وأما التي بالمعجمتين كذلك فقال الخطابي هو تحريك الشفتين بالكلام وقال غيره وهو كلام العلوج وهو صوت يصوت من الخياشيم والحلق قوله فثار بن صياد أي قام كذا للأكثر وللكشميهني فثاب بموحدة أي رجع عن الحالة التي كان فيها قوله وقال شعيب زمزمة فرفصه في رواية أبي ذر بالزايين وبالصاد المهملة وفي رواية غيره وقال شعيب في حديثه فرفصه زمزمة أو رمرمة بالشك وسيأتي في الأدب موصولا من هذا الوجه بالشك لكن فيه فرصه بغير فاء وبالتشديد وذكره الخطابي في غريبه بمهملة أي ضغطه وضم بعضه إلى بعض قوله وقال إسحاق الكلبي وعقيل رمرمة يعني بمهملتين وقال معمر رمزة يعني براء ثم زاي أما رواية إسحاق فوصلها الذهلي في الزهريات وسقطت من رواية المستملى والكشميهني وأبي الوقت وأما رواية عقيل فوصلها المصنف في الجهاد وكذا رواية معمر ثاني الأحاديث حديث أنس كان غلام يهودي يخدم لم اقف في شيء من الطرق الموصولة على تسميته الا أن بن بشكوال ذكر أن صاحب العتبية حكى عن زياد شيطون أن اسم هذا الغلام عبد القدوس قال وهو غريب ما وجدته عند غيره

قسم V03/P220–V03/P222

1290 قوله وهو عنده في رواية أبي داود عند رأسه أخرجه عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه وكذا للإسماعيلي عن أبي خليفة عن سليمان قوله فأسلم في رواية النسائي عن إسحاق بن راهويه عن سليمان المذكور فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قوله أنقذه من النار في رواية أبي داود وأبي خليفة أنقذه بي من النار وفي الحديث جواز استخدام المشرك وعيادته إذا مرض وفيه حسن العهد واستخدام الصغير وعرض الإسلام على الصبي ولولا صحته منه ما عرضه عليه وفي قوله انقذه بي من النار دلالة على أنه صح إسلامه وعلى أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه أنه يعذب وسيأتي البحث في ذلك من حديث سمرة الطويل في الرؤيا الآتي في باب أولاد المشركين في أواخر الجنائز ثالثها حديث بن عباس كنت أنا وأمي من المستضعفين وقد تقدم الكلام عليه في الترجمة رابعها حديث أبي هريرة في أن كل مولود يولد على الفطرة أخرجه من طريق بن شهاب عن أبي هريرة منقطعا ومن طريق آخر عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة فالاعتماد في المرفوع على الطريق الموصولة وإنما أورد المنقطعة لقول بن شهاب الذي استنبطه من الحديث وقول بن شهاب لغية بكسر اللام والمعجمة وتشديد التحتانية أي من زنا ومراده أنه يصلي على ولد الزنا ولا يمنع ذلك من الصلاة عليه لأنه محكوم بإسلامه تبعا لأمه وكذلك من كان أبوه مسلما دون أمه وقال بن عبد البر لم يقل أحد إنه لا يصلي على ولد الزنا الا قتادة وحده واختلف في الصلاة على الصبي فقال سعيد بن جبير لا يصلي عليه حتى يبلغ وقيل حتى يصلي وقال الجمهور يصلى عليه حتى السقط إذا استهل وقد تقدم في باب قراءة فاتحة الكتاب ما يقال في الصلاة على جنازة الصبي ودخل في قوله كل مولود السقط فلذلك قيده بالاستهلال وهذا مصير من الزهري إلى تسمية الزاني أبا لمن زنى بأمه فإنه يتبعه في الإسلام وهو قول مالك وسيأتي الكلام على المتن المرفوع وعلى ذكر الاختلاف على الزهري فيه في باب أولاد المشركين إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا ال ) له قال الزين بن المنير لم يأت بجواب إذا لأنه صلى الله عليه وسلم لما قال لعمه قل لا إله إلا الله أشهد لك بها كان محتملا لأن يكون ذلك خاصا به لأن غيره إذا قالها وقد أيقن بالوفاة لم ينفعه ويحتمل أن يكون ترك جواب إذا ليفهم الواقف عليه أنه موضع تفصيل وفكر وهذا هو المعتمد ثم أورد المصنف حديث سعيد بن المسيب عن أبيه في قصة أبي طالب عند موته وسيأتي الكلام عليه مستوفى في تفسير براءة وقوله في هذه الطريق ما لم أنه عنه أي الاستغفار وفي رواية الكشميهني عنك وقوله فأنزل الله فيه الآية يعني قوله تعالى 1294 ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين الآية كما سيأتي وقد ثبت لغير أبي ذر فانزل الله فيه ما كان للنبي الآية 1 ( قوله باب الجريدة على القبر )

قسم V03/P222–V03/P224

أي وضعها أو غرزها قوله وأوصى بريدة الأسلمي الخ وقع في رواية الأكثر في قبره وللمستملى على قبره وقد وصله بن سعد من طريق مورق العجلي قال أوصى بريدة أن يوضع في قبره جريدتان ومات بأدنى خراسان قال بن المرابط وغيره يحتمل أن يكون بريدة أمر أن يغرزا في ظاهر القبر اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في وضعه الجريدتين في القبرين ويحتمل أن يكون أمر أن يجعلا في داخل القبر لما في النخلة من البركة لقوله تعالى كشجرة طيبة والأول أظهر ويؤيده إيراد المصنف حديث القبرين في آخر الباب وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصا بذينك الرجلين قال بن رشيد ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما فلذلك عقبه بقول بن عمر إنما يظله عمله قوله ورأى بن عمر فسطاطا على قبر عبد الرحمن الفسطاط بضم الفاء وسكون المهملة وبطاءين مهملتين هو البيت من الشعر وقد يطلق على غير الشعر وفيه لغات أخرى بتثليث الفاء وبالمثناتين بدل الطاءين وإبدال الطاء الأولى مثناة وإدغامهما في السين وكسر أوله في الثلاثة وعبد الرحمن هو بن أبي بكر الصديق بينه بن سعد في روايته له موصولا من طريق أيوب بن عبد الله بن يسار قال مر عبد الله بن عمر على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر أخي عائشة وعليه فسطاط مضروب فقال يا غلام انزعه فإنما يظله عمله قال الغلام تضربني مولاتي قال كلا فنزعه ومن طريق بن عون عن رجل قال قدمت عائشة ذا طوى حين رفعوا أيديهم عن عبد الرحمن بن أبي بكر فأمرت بفسطاط فضرب على قبره ووكلت به إنسانا وارتحلت فقدم بن عمر فذكر نحوه وقد تقدم توجيه إدخال هذا الأثر تحت هذه الترجمة قوله وقال خارجة بن زيد أي بن ثابت الأنصاري أحد ثقات التابعين وهو أحد السبعة الفقهاء من أهل المدينة الخ وصله المصنف في التاريخ الصغير من طريق بن إسحاق حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري سمعت خارجة بن زيد فذكره وفيه جواز تعلية القبر ورفعه عن وجه الأرض وقوله رأيتني بضم المثناة والفاعل والمفعول ضميران لشيء واحد وهو من خصائص أفعال القلوب ومظعون والد عثمان بظاء معجمة ساكنة ثم مهملة ومناسبته من وجه أن وضع الجريد على القبر يرشد إلى جواز وضع ما يرتفع به ظهر القبر عن الأرض وسيأتي الكلام على هذه المسألة في آخر الجنائز قال بن المنير في الحاشية أراد البخاري أن الذي ينفع أصحاب القبور هي الأعمال الصالحة وأن علو البناء والجلوس عليه وغير ذلك لا يضر بصورته وإنما يضر بمعناه إذا تكلم القاعدون عليه بما يضر مثلا قوله وقال عثمان بن حكيم أخذ بيدي خارجة أي بن زيد بن ثابت الخ وصله مسدد في مسنده الكبير وبين فيه سبب إخبار خارجة لحكيم بذلك ولفظه حدثنا عيسى بن يونس حدثنا عثمان بن حكيم حدثنا عبد الله بن سرجس وأبو سلمة بن عبد الرحمن أنهما سمعا أبا هريرة يقول لأن أجلس على جمرة فتحرق ما دون لحمي حتى تفضي إلي أحب إلي من أن أجلس على قبر قال عثمان فرأيت خارجة بن زيد في المقابر فذكرت له ذلك فأخذ بيدي الحديث وهذا إسناد صحيح وقد أخرج مسلم حديث أبي هريرة مرفوعا من طريق سهل بن أبي صالح عن أبيه عنه وروى الطحاوي من طريق محمد بن كعب قال إنما قال أبو هريرة من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة لكن إسناده ضعيف قال بن رشيد الظاهر أن هذا الأثر والذي بعده من الباب الذي بعد هذا وهو باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله وكأن بعض الرواة كتبه في غير موضعه قال وقد يتكلف له طريق يكون به من الباب وهي الإشارة إلى أن ضرب الفسطاط إن كان لغرض صحيح كالتستر من الشمس مثلا للحي لا لإظلال الميت فقد جاز وكأنه يقول إذا أعلى القبر لغرض صحيح لا لقصد المباهاة جاز كما يجوز القعود عليه لغرض صحيح لا لمن أحدث عليه قال والظاهر أن المراد بالحدث هنا التغوط ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك من أحداث ما لا يليق من الفحش قولا وفعلا لتأذي الميت بذلك انتهى ويمكن أن يقال هذه الآثار المذكورة في هذا الباب تحتاج إلى بيان مناسبتها للترجمة وإلى مناسبة بعضها لبعض وذلك أنه لم يذكر حكم وضع الجريدة وذكر أثر بريدة وهو يؤذن بمشروعيتها ثم أثر بن عمر المشعر بأنه لا تأثير لما يوضع على القبر بل التأثير للعمل الصالح وظاهرهما التعارض فلذلك أبهم حكم وضع الجريدة قاله الزين بن المنير والذي يظهر من تصرفه ترجيح الوضع ويجاب عن أثر بن عمر بأن ضرب الفسطاط على القبر لم يرد فيه ما ينتفع به الميت بخلاف وضع الجريدة لأن مشروعيتها ثبتت بفعله صلى الله عليه وسلم وأن كان بعض العلماء قال أنها واقعة عين يحتمل أن تكون مخصوصة بمن اطلعه الله تعالى على حال الميت وأما الآثار الواردة في الجلوس على القبر فإن عموم قول بن عمر إنما يظله عمله يدخل فيه أنه كما لا ينتفع بتظليله ولو كان تعظيما له لا يتضرر بالجلوس عليه ولو كان تحقيرا له والله أعلم قوله وقال نافع كان بن عمر يجلس على القبور ووصله الطحاوي من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أن نافعا حدثه بذلك ولا يعارض هذا ما أخرجه بن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه قال لأن أطأ على رضف أحب إلي من أن أطأ على قبر وهذه من المسائل المختلف فيها وورد فيها من صحيح الحديث ما أخرجه مسلم عن أبي مرثد الغنوي مرفوعا لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها قال النووي المراد بالجلوس القعود عند الجمهور وقال مالك المراد بالقعود الحدث وهو تأويل ضعيف أو باطل انتهى وهو يوهم انفراد مالك بذلك وكذا أوهمه كلام بن الجوزي حيث قال جمهور الفقهاء على الكراهة خلافا لمالك وصرح النووي في شرح المهذب بأن مذهب أبي حنيفة كالجمهور وليس كذلك بل مذهب أبي حنيفة وأصحابه كقول مالك كما نقله عنهم الطحاوي واحتج له بأثر بن عمر المذكور وأخرج عن علي نحوه وعن زيد بن ثابت مرفوعا إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على القبور لحدث غائط أو بول ورجال إسناده ثقات ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أحمد من حديث عمرو بن حزم الأنصاري مرفوعا لا تقعدوا على القبور وفي رواية له عنه رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا متكئ على قبر فقال لا تؤذ صاحب القبر إسناده صحيح وهو دال على أن المراد بالجلوس القعود على حقيقته ورد بن حزم التأويل المتقدم بأن لفظ حديث أبي هريرة عند مسلم لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده قال وما عهدنا أحدا يقعد على ثيابه للغائط فدل على أن المراد القعود على حقيقته وقال بن بطال التأويل المذكور بعيد لأن الحدث على القبر أقبح من أن يكره وإنما يكره الجلوس المتعارف

قسم V03/P224–V03/P226

1295 قوله حدثنا يحيى قال أبو على الجياني لم أره منسوبا لأحد من المشايخ قلت قد نسبه أبو نعيم في المستخرج يحيى بن جعفر وجزم أبو مسعود في الأطراف وتبعه المزي بأنه يحيى بن يحيى ووقع في رواية أبي علي بن شبويه عن الفربري حدثنا يحيى بن موسى وهذا هو المعتمد وقد تقدم الكلام على حديث بن عباس في كتاب الوضوء بما فيه مقنع بعون الله تعالى والله أعلم 1 ( قوله باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله ) كأنه يشير إلى التفصيل بين أحوال القعود فإن كان لمصلحة تتعلق بالحي أو الميت لم يكره ويحمل النهي الوارد عن ذلك على ما يخالف ذلك قوله يخرجون من الاجداث الاجداث القبور أي المراد بالاجداث في الآية القبور وقد وصله بن أبي حاتم وغيره من طريق قتادة والسدي وغيرهما وأحدها جدث بفتح الجيم والمهملة قوله بعثرت اثيرت بعثرت حوضي جعلت أسفله أعلاه هذا كلام أبي عبيدة في كتاب المجاز وقال السدي بعثرت أي حركت فخرج ما فيها رواه بن أبي حاتم قوله الايفاض بياء تحتانية ساكنة قبلها كسرة وبفاء ومعجمة الإسراع كذا قال الفراء في المعاني وقال أبو عبيدة يوفضون أي يسرعون قوله وقرا الأعمش إلى نصب يعني بفتح النون كذا للأكثر وفي رواية أبي ذر بالضم والأول أصح وكذا ضبطه الفراء عن الأعمش في كتاب المعاني وهي قراءة الجمهور وحكى الطبراني أنه لم يقرأه بالضم الا الحسن البصري وقد حكى الفراء عن زيد بن ثابت ذلك ونقلها غيره عن مجاهد وأبي عمران الجوني وفي كتاب السبعة لابن مجاهد قرأها بن عامر بضمتين يعني بلفظ الجمع وكذا قرأها حفص عن عاصم ومن هنا يظهر سبب تخصيص الأعمش بالذكر لأنه كوفي وكذا عاصم ففي انفراد حفص عن عاصم بالضم شذوذ قال أبو عبيدة النصب بالفتح هو العلم الذي نصبوه ليعبدوه ومن قرأ نصب بالضم فهي جماعة مثل رهن ورهن قوله يوفضون إلى شيء منصوب يستبقون قال بن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا مسلم بن إبراهيم عن قرة عن الحسن في قوله إلى نصب يوفضون أي يبتدرون أيهم يستلمه أول قوله والنصب واحد والنصب مصدر كذا وقع فيه والذي في المعاني للفراء النصب والنصب واحد وهو مصدر والجمع الانصاب وكأن التغيير من بعض النقلة قوله يوم الخروج من قبورهم أي خروج أهل القبور من قبورهم قوله وينسلون يخرجون كذا أورده عبد بن حميد وغيره عن قتادة وسيأتي له معنى آخر إن شاء الله تعالى وفي نسخة الصغاني بعد قوله يخرجون من النسلان وهذه التفاسير أوردها لتعلقها بذكر القبر استطرادا ولها تعلق بالموعظه أيضا قال الزين بن المنير مناسبة إيراد هذه الآيات في هذه الترجمة للإشارة إلى أن المناسب لمن قعد عند القبر أن يقصر كلامه على الإنذار بقرب المصير إلى القبور ثم إلى النشر لاستيفاء العمل ثم أورد المصنف حديث على بن أبي طالب مرفوعا ما من نفس منفوسة الا كتب مكانها من الجنة والنار الحديث وسيأتي مبسوطا في تفسير والليل إذا يغشى وهو أصل عظيم في اثبات القدر وقوله فيه اعملوا جرى مجرى أسلوب الحكيم أي الزموا ما يجب على العبد من العبودية ولا تتصرفوا في أمر الربوبية وعثمان شيخه هو بن أبي شيبة وجرير هو بن عبد الحميد وموضع الحاجة منه فقعد وقعدنا حوله وقوله 1296 فقال رجل هو عمر أو غيره كما سيأتي إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب ما جاء في قاتل النفس )

قسم V03/P226–V03/P227

قال بن رشيد مقصود الترجمة حكم قاتل النفس والمذكور في الباب حكم قاتل نفسه فهو أخص من الترجمة ولكنه أراد أن يلحق بقاتل نفسه قاتل غيره من باب الأولى لأنه إذا كان قاتل نفسه الذي لم يتعد ظلم نفسه ثبت فيه الوعيد الشديد فاولى من ظلم غيره بافاته نفسه قال بن المنير في الحاشية عادة البخاري إذا توقف في شيء ترجم عليه ترجمة مبهمه كأنه ينبه على طريق الاجتهاد وقد نقل عن مالك أن قاتل النفس لا تقبل توبته ومقتضاه أن لا يصلي عليه وهو نفس قول البخاري قلت لعل البخاري أشار بذلك إلى ما رواه أصحاب السنن من حديث جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه وفي رواية للنسائي أما أنا فلا أصلي عليه لكنه لما لم يكن على شرطه أومأ إليه بهذه الترجمة وأورد فيها ما يشبهه من قصة قاتل نفسه ثم أورد المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث ثابت بن الضحاك فيمن قتل نفسه بحديدة وسيأتي الكلام عليه مستوفى في الإيمان والنذور وخالد المذكور في إسناده هو الحذاء ثانيها حديث جندب وهو بن عبد الله البجلي قال فيه قال حجاج بن منهال حدثنا جرير بن حازم وقد وصله في ذكر بني إسرائيل فقال حدثنا محمد حدثنا حجاج بن منهال فذكره وهو أحد المواضع التي يستدل بها على أنه ربما علق عن بعض شيوخه ما بينه وبينه فيه واسطه لكنه أورده هنا مختصرا وأورده هناك مبسوطا فقال في أوله كان فيمن كان قبلكم رجل وقال فيه فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات وسيأتي الكلام عليه مستوفى هناك ولم اقف على تسمية هذا الرجل ثالثها حديث أبي هريرة مرفوعا الذي يخنق نفسه يخنقها في النار والذي يطعنها يطعنها في النار وهو من افراد البخاري من هذا الوجه وقد أخرجه أيضا في الطب من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مطولا ومن ذلك الوجه أخرجه مسلم وليس فيه ذكر الخنق وفيه من الزيادة ذكر السم وغيره ولفظه فهو في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا وقد تمسك به المعتزله وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار وأجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة منها توهيم هذه الزيادة قال الترمذي بعد أن أخرجه رواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فلم يذكر خالدا مخلدا وكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يشير إلى رواية الباب قال وهو أصح لأن الروايات قد صحت أن أهل التوحيد يعذبون ثم يخرجون منها ولا يخلدون وأجاب غيره بحمل ذلك على من استحله فإنه يصير باستحلاله كافرا والكافر مخلد بلا ريب وقيل ورد مورد الزجر والتغليظ وحقيقته غير مرادة وقيل المعنى أن هذا جزاؤه لكن قد تكرم الله على الموحدين فأخرجهم من النار بتوحيدهم وقيل التقدير مخلدا فيها إلى أن يشاء الله وقيل المراد بالخلود طول المدة لا حقيقة الدوام كأنه يقول يخلد مدة معينة وهذا ابعدها وسيأتي له مزيد بسط عند الكلام على أحاديث الشفاعة إن شاء الله تعالى واستدل بقوله الذي يطعن نفسه يطعنها في النار على أن القصاص من القاتل يكون بما قتل به اقتداء بعقاب الله تعالى لقاتل نفسه وهو استدلال ضعيف تنبيه قوله في حديث الباب يطعنها هو بضم العين المهملة كذا ضبطه في الأصول 1 ( قوله باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين )

قسم V03/P227–V03/P228

قال الزين بن المنير عدل عن قوله كراهة الصلاة على المنافقين لينبه على أن الامتناع من طلب المغفرة لمن لا يستحقها لا من جهة العبادة الواقعة من صورة الصلاة فقد تكون العبادة طاعة من وجه معصية من وجه والله أعلم قوله رواه بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يشير إلى حديثه في قصة الصلاة على عبد الله بن أبي أيضا وقد تقدم في باب القميص الذي يكف ثم أورد المصنف الحديث المذكور من طريق بن عباس عن عمر بن الخطاب وسيأتي من هذا الوجه أيضا في التفسير 1 ( قوله باب ثناء الناس على الميت ) أي مشروعيته وجوازه مطلقا بخلاف الحي فإنه منهى عنه إذا أفضى إلى الاطراء خشية عليه من الزهو أشار إلى ذلك الزين بن المنير 1301 قوله مر بضم الميم على البناء للمجهول قوله فأثنوا عليها خيرا في رواية النضر بن أنس عن أبيه عند الحاكم كنت قاعدا عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر بجنازة فقال ما هذه الجنازة قالوا جنازة فلان الفلاني كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها وقال ضد ذلك في التي أثنوا عليها شرا ففيه تفسير ما أبهم من الخير والشر في رواية عبد العزيز وللحاكم أيضا من حديث جابر فقال بعضهم لنعم المرء لقد كان عفيفا مسلما وفيه أيضا فقال بعضهم بئس المرء كان إن كان لفظا غليظا قوله وجبت في رواية إسماعيل بن علية عن عبد العزيز عند مسلم وجبت وجبت وجبت ثلاث مرات وكذا في رواية النضر المذكورة قال النووي والتكرار فيه لتأكيد الكلام المبهم ليحفظ ويكون أبلغ قوله فقال عمر زاد مسلم فداء لك أبي وأمي وفيه جواز قول مثل ذلك قوله قال هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة فيه بيان لأن المراد بقوله وجبت أي الجنة لذي الخير والنار لذي الشر والمراد بالوجوب الثبوت إذ هو في صحة الوقوع كالشيء الواجب والأصل أنه لا يجب على الله شيء بل الثواب فضله والعقاب عدله لا يسأل عما يفعل وفي رواية مسلم من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ونحوه للإسماعيلي من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة وهو أبين في العموم من رواية آدم وفيه رد على من زعم أن ذلك خاص بالميتين المذكورين لغيب اطلع الله نبيه عليه وإنما هو خبر عن حكم أعلمه الله به قوله أنتم شهداء الله في الأرض أي المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان وحكى بن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم قال والصواب أن ذلك يختص بالثقات والمتقين انتهى وسيأتي في الشهادات بلفظ المؤمنون شهداء الله في الأرض ولأبي داود من حديث أبي هريرة في نحو هذه القصة أن بعضكم على بعض لشهيد وسيأتي مزيد بسط فيه في الكلام على الحديث الذي بعده قال النووي والظاهر أن الذي اثنوا عليه شرا كان من المنافقين قلت يرشد إلى ذلك ما رواه أحمد من حديث أبي قتادة بإسناد صحيح أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل على الذي اثنوا عليه شرا وصلى على الآخر

قسم V03/P228–V03/P231

1302 قوله حدثنا عفان كذا للأكثر وذكر أصحاب الأطراف أنه أخرجه قائلا فيه قال عفان وبذلك جزم البيهقي وقد وصله أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن عفان به ومن طريقه أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم قوله حدثنا داود بن أبي الفرات هو بلفظ النهر المشهور واسمه عمرو وهو كندي من أهل مرو ولهم شيخ آخر يقال له داود بن أبي الفرات اسم أبيه بكر وأبو الفرات اسم جده وهو اشجعي من أهل المدينة أقدم من الكندي قوله عن أبي الأسود هو الديلي التابعي الكبير المشهور ولم أره من رواية عبد الله بن بريدة عنه الا معنعنا وقد حكى الدارقطني في كتاب التتبع عن على بن المديني أن بن بريدة إنما يروي عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود ولم يقل في هذا الحديث سمعت أبا الأسود قلت وبن بريدة ولد في عهد عمر فقد أدرك أبا الأسود بلا ريب لكن البخاري لا يكتفى بالمعاصرة فلعله أخرجه شاهدا واكتفى للأصل بحديث أنس الذي قبله والله أعلم قوله قدمت المدينة وقد وقع بها مرض زاد المصنف في الشهادات عن موسى بن إسماعيل عن داود وهم يموتون موتا ذريعا وهو بالذال المعجمة أي سريعا قوله فأثنى على صاحبها خيرا كذا في جميع الأصول خيرا بالنصب وكذا شرا وقد غلط من ضبط أثنى بفتح الهمزة على البناء للفاعل فإنه في جميع الأصول مبنى للمفعول قال بن التين والصواب الرفع وفي نصبه بعد في اللسان ووجهه غيره بأن الجار والمجرور أقيم مقام المفعول الأول وخيرا مقام الثاني وهو جائز وأن كان المشهور عكسه وقال النووي هو منصوب بنزع الخافض أي أثنى عليها بخير وقال بن مالك خيرا صفة لمصدر محذوف فأقيمت مقامه فنصبت لأن أثنى مسند إلى الجار والمجرور قال والتفاوت بين الإسناد إلى المصدر والإسناد إلى الجار والمجرور قليل قوله فقال أبو الأسود هو الراوي وهو بالإسناد المذكور قوله فقلت وما وجبت هو معطوف على شيء مقدر أي قلت هذا شيء عجيب وما معنى قولك لكل منهما وجبت مع اختلاف الثناء بالخير والشر قوله قلت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أيما مسلم الخ الظاهر أن قوله أيما مسلم هو المقول فحينئذ يكون قول عمر لكل منهما وجبت قاله بناء على اعتقاده صدق الوعد المستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم أدخله الله الجنة وأما اقتصار عمر على ذكر أحد الشقين فهو أما للإختصار وإما لإحالته السامع على القياس والأول أظهر وعرف من القصة أن المثنى على كل من الجنائز المذكورة كان أكثر من واحد وكذا في قول عمر قلنا وما وجبت إشارة إلى أن السائل عن ذلك هو وغيره وقد وقع في تفسير قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا في البقرة عند بن أبي حاتم من حديث أبي هريرة أن أبي بن كعب ممن سأل عن ذلك قوله فقلنا وثلاثة فيه اعتبار مفهوم الموافقة لأنه سأل عن الثلاثة ولم يسأل عما فوق الأربعة كالخمسة مثلا وفيه أن مفهوم العدد ليس دليلا قطعيا بل هو في مقام الاحتمال قوله ثم لم نسأله عن الواحد قال الزين بن المنير إنما لم يسأل عمر عن الواحد استبعادا منه أن يكتفى في مثل هذا المقام العظيم بأقل من النصاب وقال أخوه في الحاشية فيه إيماء إلى الاكتفاء بالتزكية بواحد كذا قال وفيه غموض وقد استدل به المصنف على أن أقل ما يكتفي به في الشهادة اثنان كما سيأتي في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى قال الداودي المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق لا الفسقة لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم ولا من بينه وبين الميت عداوة لأن شهادة العدو لا تقبل وفي الحديث فضيلة هذه الأمة واعمال الحكم بالظاهر ونقل الطيبي عن بعض شراح المصابيح قال ليس معنى قوله أنتم شهداء الله في الأرض أن الذي يقولونه في حق شخص يكون كذلك حتى يصير من يستحق الجنة من أهل النار بقولهم ولا العكس بل معناه أن الذي اثنوا عليه خيرا رأوه منه كان ذلك علامة كونه من أهل الجنة وبالعكس وتعقبه الطيبي بان قوله وجبت بعد الثناء حكم عقب وصفا مناسبا فاشعر بالعلية وكذا قوله أنتم شهداء الله في الأرض لأن الإضافة فيه للتشريف لأنهم بمنزلة عالية عند الله فهو كالتزكية للأمة بعد أداء شهادتهم فينبغي أن يكون لها أثر قال وإلى هذا يومئ قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا الآية قلت وقد استشهد محمد بن كعب القرظي لما روى عن جابر نحو حديث أنس بهذه الآية أخرجه الحاكم وقد وقع ذلك في حديث مرفوع غيره عند بن أبي حاتم في التفسير وفيه أن الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما قولك وجبت هو أبي بن كعب وقال النووي قال بعضهم معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل وكان ذلك مطابقا للواقع فهو من أهل الجنة فإن كان غير مطابق فلا وكذا عكسه قال والصحيح أنه على عمومه وأن من مات منهم فألهم الله تعالى الناس الثناء عليه بخير كان دليلا على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة وهذا إلهام يستدل به على تعيينها وبهذا تظهر فائدة الثناء انتهى وهذا في جانب الخير واضح ويؤيده ما رواه أحمد وبن حبان والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعا ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه الا خيرا الا قال الله تعالى قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون ولأحمد من حديث أبي هريرة نحوه وقال ثلاثة بدل أربعة وفي إسناده من لم يسم وله شاهد من مراسيل بشير بن كعب أخرجه أبو مسلم الكجي وأما جانب الشر فظاهر الأحاديث أنه كذلك لكن إنما يقع ذلك في حق من غلب شره على خيره وقد وقع في رواية النضر المشار إليها أولا في آخر حديث أنس إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر واستدل به على جواز ذكر المرء بما فيه من خير أو شر للحاجة ولا يكون ذلك من الغيبة وسيأتي البحث عن ذلك في باب النهي عن سب الأموات آخر الجنائز وهو أصل في قبول الشهادة بالاستفاضة وأن أقل أصلها اثنان وقال بن العربي فيه جواز الشهادة قبل الاستشهاد وقبولها قبل الاستفصال وفيه استعمال الثناء في الشر للمؤاخاة والمشاكلة وحقيقته إنما هي في الخير والله أعلم

قسم V03/P231–V03/P233

1 ( قوله باب ما جاء في عذاب القبر ل ) م يتعرض المصنف في الترجمة لكون عذاب القبر يقع على الروح فقط أو عليها وعلى الجسد وفيه خلاف شهير عند المتكلمين وكأنه تركه لأن الأدلة التي يرضاها ليست قاطعه في أحد الامرين فلم يتقلد الحكم في ذلك واكتفى بإثبات وجوده خلافا لمن نفاه مطلقا من الخوارج وبعض المعتزله كضرار بن عمرو وبشر المريسي ومن وافقهما وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السنة وغيرهم واكثروا من الاحتجاج له وذهب بعض المعتزلة كالجياني إلى أنه يقع على الكفار دون المؤمنين وبعض الأحاديث الآتية ترد عليهم أيضا قوله وقوله تعالى بالجر عطفا على عذاب القبر أي ما ورد في تفسير الآيات المذكورة وكأن المصنف قدم ذكر هذه الآيات لينبه على ثبوت ذكره في القرآن خلافا لمن رده وزعم أنه لم يرد ذكره إلا من أخبار الآحاد فأما الآية التي في الأنعام فروى الطبراني وبن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم قال هذا عند الموت والبسط الضرب يضربون وجوههم وادبارهم انتهى ويشهد له قوله تعالى في سورة القتال فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وهذا وإن كان قبل الدفن فهو من جملة العذاب الواقع قبل يوم القيامة وإنما اضيف العذاب إلى القبر لكون معظمه يقع فيه ولكون الغالب على الموتى أن يقبروا وإلا فالكافر ومن شاء الله تعذيبه من العصاة يعذب بعد موته ولو لم يدفن ولكن ذلك محجوب عن الخلق الا من شاء الله قوله وقوله جل ذكره سنعذبهم مرتين وروى الطبري وبن أبي حاتم والطبراني في الأوسط أيضا من طريق السدي عن أبي مالك عن بن عباس قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال أخرج يا فلان فإنك منافق فذكر الحديث وفيه ففضح الله المنافقين فهذا العذاب الأول والعذاب الثاني عذاب القبر ورويا أيضا من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة نحوه ومن طريق محمد بن ثور عن معمر عن الحسن سنعذبهم مرتين عذاب الدنيا وعذاب القبر وعن محمد بن إسحاق قال بلغني فذكر نحوه وقال الطبري بعد أن ذكر اختلافا عن غير هؤلاء والاغلب أن إحدى المرتين عذاب القبر والأخرى تحتمل أحد ما تقدم ذكره من الجوع أو السبي أو القتل أو الاذلال أو غير ذلك قوله وقوله تعالى وحاق بآل فرعون الآية روى الطبري من طريق الثوري عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل قال أرواح آل فرعون في طيور سود تغدو وتروح على النار فذلك عرضها ووصله بن أبي حاتم من طريق ليث عن أبي قيس فذكر عبد الله بن مسعود فيه وليث ضعيف وسيأتي بعد بابين في الكلام على حديث بن عمر بيان أن هذا العرض يكون في الدنيا قبل يوم القيامة قال القرطبي الجمهور على أن هذا العرض يكون في البرزخ وهو حجة في تثبيت عذاب القبر وقال غيره وقع ذكر عذاب الدارين في هذه الآية مفسرا مبينا لكنه حجة على من أنكر عذاب القبر مطلقا لا على من خصه بالكفار واستدل بها على أن الأرواح باقية بعد فراق الأجساد وهو قول أهل السنة كما سيأتي واحتج بالآية الأولى على أن النفس والروح شيء واحد لقوله تعالى اخرجوا أنفسكم والمراد الأرواح وهي مسألة مشهورة فيها أقوال كثيرة وستاتي الإشارة إلى شيء منها في التفسير عند قوله تعالى ويسألونك عن الروح الآية ثم أورد المصنف في الباب ستة أحاديث أولها حديث البراء في قوله تعالى

قسم V03/P233

1303 يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وقد أورد المصنف في التفسير عن أبي الوليد الطيالسي عن شعبة وصرح فيه بالإخبار بين شعبة وعلقمة وبالسماع بين علقمة وسعد بن عبيدة قوله إذا أقعد المؤمن في قبره أتى ثم شهد في رواية الحموي والمستملى ثم يشهد هكذا ساقه المصنف بهذا اللفظ وقد أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة عن حفص بن عمر شيخ البخاري فيه بلفظ أبين من لفظه قال إن المؤمن إذا شهد أن لا إله إلا الله وعرف محمدا في قبره فذلك قوله الخ وأخرجه بن مردويه من هذا الوجه وغيره بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عذاب القبر فقال إن المسلم إذا شهد أن لا إله إلا الله وعرف أن محمدا رسول الله الحديث قوله في الطريق الثانية بهذا وزاد يثبت الله الذين آمنوا نزلت في عذاب القبر يوهم أن لفظ غندر كلفظ حفص وزيادة وليس كذلك وإنما هو بالمعنى فقد أخرجه مسلم والنسائي وبن ماجة عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه والقدر الذي ذكره هو أول الحديث وبقيته عندهم يقال له من ربك فيقول ربي الله ونبيي محمد والقدر المذكور أيضا أخرجه مسلم والنسائي من طريق خيثمة عن البراء وقد اختصر سعد وخيثمة هذا الحديث جدا لكن أخرجه بن مردويه من وجه آخر عن خيثمة فزاد فيه أن كان صالحا وفق وأن كان لا خير فيه وجد أبله وفيه اختصار أيضا وقد رواه زاذان أبو عمر عن البراء مطولا مبينا أخرجه أصحاب السنن وصححه أبو عوانة وغيره وفيه من الزيادة في أوله استعيذوا بالله من عذاب القبر وفيه فترد روحه في جسده وفيه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان له وما يدريك فيقول قرأت القرآن كتاب الله فآمنت به وصدقت فذلك قوله تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وفيه وأن الكافر تعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري الحديث وسيأتي نحو هذا في حديث أنس سادس أحاديث الباب ويأتي الكلام عليه مستوفى هناك إن شاء الله تعالى قال الكرماني ليس في الآية ذكر عذاب القبر فلعله سمي أحوال العبد في قبره عذاب القبر تغليبا لفتنة الكافر على فتنة المؤمن لأجل التخويف ولان القبر مقام الهول والوحشة ولان ملاقاة الملائكة مما يهاب منه بن آدم في العادة ثانيها حديث بن عمر في قصة أصحاب القليب قليب بدر وفيه 1304 قوله صلى الله عليه وسلم ما أنتم بأسمع لما أقول منهم أورده هنا مختصرا وسيأتي مطولا في المغازي وصالح المذكور في الإسناد هو بن كيسان ثالثها حديث عائشة قالت إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم ليعلمون الآن ما أن كنت أقول لهم حق وهذا مصير من عائشة إلى رد رواية بن عمر المذكورة وقد خالفها الجمهور في ذلك وقبلوا حديث بن عمر لموافقة من رواه غيره عليه وأما استدلالها بقوله تعالى

قسم V03/P233–V03/P234

1305 انك لا تسمع الموتى فقالوا معناها لا تسمعهم سماعا ينفعهم أو لا تسمعهم الا أن يشاء الله وقال السهيلي عائشة لم تحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم فغيرها ممن حضر أحفظ للفظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد قالوا له يا رسول الله اتخاطب قوما قد جيفوا فقال ما أنتم بأسمع لما أقول منهم قال وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين إما بآذان رؤوسهم كما هو قول الجمهور أو باذان الروح على رأي من يوجه السؤال إلى الروح من غير رجوع إلى الجسد قال وأما الآية فإنها كقوله تعالى أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى أي إن الله هو الذي يسمع ويهدي انتهى وقوله إنها لم تحضر صحيح لكن لا يقدح ذلك في روايتها لأنه مرسل صحابي وهو محمول على أنها سمعت ذلك ممن حضره أو من النبي صلى الله عليه وسلم بعد ولو كان ذلك قادحا في روايتها لقدح في رواية بن عمر فإنه لم يحضر أيضا ولا مانع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال اللفظين معا فإنه لا تعارض بينهما وقال بن التين لا معارضة بين حديث بن عمر والاية لأن الموتى لا يسمعون بلا شك لكن إذا أراد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع كقوله تعالى انا عرضنا الأمانة الآية وقوله فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها الآية وسيأتي في المغازي قول قتادة أن الله احياهم حتى سمعوا كلام نبيه توبيخا ونقمة انتهى وقد أخذ بن جرير وجماعة من الكرامية من هذه القصة أن السؤال في القبر يقع على البدن فقط وأن الله يخلق فيه ادراكا بحيث يسمع ويعلم ويلذ ويألم وذهب بن حزم وبن هبيرة إلى أن السؤال يقع على الروح فقط من غير عود إلى الجسد وخالفهم الجمهور فقالوا تعاد الروح إلى الجسد أو بعضه كما ثبت في الحديث ولو كان على الروح فقط لم يكن للبدن بذلك اختصاص ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تتفرق اجزاؤه لأن الله قادر أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد ويقع عليه السؤال كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه والحامل للقائلين بأن السؤال يقع على الروح فقط أن الميت قد يشاهد في قبره حال المسألة لا أثر فيه من اقعاد ولا غيره ولا ضيق في قبره ولا سعة وكذلك غير المقبور كالمصلوب وجوابهم أن ذلك غير ممتنع في القدرة بل له نظير في العادة وهو النائم فإنه يجد لذة وألما لا يدركه جليسه بل اليقظان قد يدرك ألما أو لذة لما يسمعه أو يفكر فيه ولا يدرك ذلك جليسه وإنما أتى الغلط من قياس الغائب على الشاهد وأحوال ما بعد الموت على ما قبله والظاهر أن الله تعالى صرف أبصار العباد واسماعهم عن مشاهدة ذلك وستره عنهم إبقاء عليهم لئلا يتدافنوا وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت الا من شاء الله وقد ثبتت الأحاديث بما ذهب إليه الجمهور كقوله أنه ليسمع خفق نعالهم وقوله تختلف اضلاعه لضمة القبر وقوله يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق وقوله يضرب بين أذنيه وقوله فيقعدانه وكل ذلك من صفات الأجساد وذهب أبو الهذيل ومن تبعه إلى أن الميت لا يشعر بالتعذيب ولا بغيره الا بين النفختين قالوا وحاله كحال النائم والمغشى عليه لا يحس بالضرب ولا بغيره الا بعد الافاقة والأحاديث الثابتة في السؤال حالة تولى أصحاب الميت عنه ترد عليهم تنبيه وجه إدخال حديث بن عمر وما عارضه من حديث عائشة في ترجمة عذاب القبر أنه لما ثبت من سماع أهل القليب وتوبيخه لهم دل ادراكهم الكلام بحاسة السمع على جواز إدراكهم ألم العذاب ببقية الحواس بل بالذات إذ الجامع بينهما وبين بقية الأحاديث أن المصنف أشار إلى طريق من طرق الجمع بين حديثي بن عمر وعائشة بحمل حديث بن عمر على أن مخاطبة أهل القليب وقعت وقت المسألة وحينئذ كانت الروح قد اعيدت إلى الجسد وقد تبين من الأحاديث الأخرى أن الكافر المسئول يعذب وأما إنكار عائشة فمحمول على غير وقت المسألة فيتفق الخبران ويظهر من هذا التقرير وجه إدخال حديث بن عمر في هذه الترجمة والله أعلم رابع أحاديث الباب حديث عائشة في قصة اليهودية

قسم V03/P234–V03/P236

1306 قوله سمعت الأشعث هو بن أبي الشعثاء سليم بن الأسود المحاربي قوله عن أبيه في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عن أشعث سمعت أبي قوله ان يهوديه دخلت عليها فذكرت عذاب القبر وقع في رواية أبي وائل عن مسروق عند المصنف في الدعوات دخلت عجوزان من عجز يهود المدينة فقالتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم وهو محمول على أن إحداهما تكلمت واقرتها الأخرى على ذلك فنسبت القول إليهما مجازا والإفراد يحمل على المتكلمة ولم اقف على اسم واحدة منهما وزاد في رواية أبي وائل فكذبتهما ووقع عند مسلم من طريق بن شهاب عن عروة عن عائشة قالت دخلت علي امرأة من اليهود وهي تقول هل شعرت أنكم تفتنون في القبور قالت فارتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إنما يفتن يهود قالت عائشة فلبثنا ليالي ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور قالت عائشة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من عذاب القبر وبين هاتين الروايتين مخالفة لأن في هذه أنه صلى الله عليه وسلم أنكر على اليهودية وفي الأول أنه أقرها قال النووي تبعا للطحاوي وغيره هما قصتان فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم قول اليهودية في القصة الأولى ثم أعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ولم يعلم عائشة فجاءت اليهودية مرة أخرى فذكرت لها ذلك فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول فاعلمها النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوحي نزل بإثباته انتهى وقال الكرماني يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ سرا فلما رأى استغراب عائشة حين سمعت ذلك من اليهودية أعلن به انتهى وكأنه لم يقف على رواية الزهري عن عروة التي ذكرناها عن صحيح مسلم وقد تقدم في باب التعوذ من عذاب القبر وفي الكسوف من طريق عمرة عن عائشة أن يهودية جاءت تسألها فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم أتعذب الناس في قبورهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عائذا بالله من ذلك ثم ركب ذات غداة مركبا فخسفت الشمس فذكر الحديث وفي آخره ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر وفي هذا موافقة لرواية الزهري وأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن علم بذلك وأصرح منه ما رواه أحمد بإسناد على شرط البخاري عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأموي عن عائشة أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئا من المعروف الا قالت لها اليهودية وقاك الله عذاب القبر قالت فقلت يا رسول الله هل للقبر عذاب قال كذبت يهود لا عذاب دون يوم القيامة ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث فخرج ذات يوم نصف النهار وهو ينادي بأعلى صوته أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق وفي هذا كله أنه صلى الله عليه وسلم إنما علم بحكم عذاب القبر إذ هو بالمدينة في آخر الأمر كما تقدم تاريخ صلاة الكسوف في موضعه وقد استشكل ذلك بأن الآية المتقدمة مكية وهي قوله تعالى يثبت الله الذين آمنوا وكذلك الآية الأخرى المتقدمة وهي قوله تعالى النار يعرضون عليها غدوا وعشيا والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم في حق من لم يتصف بالإيمان وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حق آل فرعون وأن إلتحق بهم من كان له حكمهم من الكفار فالذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين ثم أعلم صلى الله عليه وسلم أن ذلك قد يقع على من يشاء الله منهم فجزم به وحذر منه وبالغ في الاستعاذة منه تعليما لأمته وارشادا فانتفى التعارض بحمد الله تعالى وفيه دلالة على أن عذاب القبر ليس بخاص بهذه الأمة بخلاف المسألة ففيها اختلاف سيأتي ذكره آخر الباب قوله قال نعم عذاب القبر كذا للأكثر زاد في رواية الحموي والمستملى حق وليس بجيد لأن المصنف قال عقب هذه الطريق زاد غندر عذاب القبر حق فتبين أن لفظ حق ليست في رواية عبدان عن أبيه عن شعبة وإنها ثابتة في رواية غندر عن شعبة وهو كذلك وقد أخرج طريق غندر النسائي والإسماعيلي كذلك وكذلك أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة تنبيه وقع قوله زاد غندر الخ في رواية أبي ذر وحده ووقع ذلك في بعض النسخ عقب حديث أسماء بنت أبي بكر وهو غلط خامسها حديث أسماء بنت أبي بكر أورده مختصرا جدا بلفظ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فذكر فتنة القبر التي يفتتن فيها المرء فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة وهو مختصر وقد ساقه النسائي والإسماعيلي من الوجه الذي أخرجه منه البخاري فزاد بعد قوله ضجة حالت بيني وبين أن أفهم آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سكت ضجيجهم قلت لرجل قريب مني أي بارك الله فيك ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر كلامه قال قال قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور قريبا من فتنة الدجال انتهى وقد تقدم هذا الحديث في كتاب العلم وفي الكسوف من طريق فاطمة بنت المنذر عن أسماء بتمامه وفيه من الزيادة يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل الحديث فلم يبين فيه ما بين في هذه الرواية من تفهيم الرجل المذكور لأسماء فيه وأخرجه في كتاب الجمعة من طريق فاطمة أيضا وفيه أنه لما قال أما بعد لغط نسوة من الأنصار وأنها ذهبت لتسكتهن فاستفهمت عائشة عما قال فيجمع بين مختلف هذه الروايات أنها احتاجت إلى الاستفهام مرتين وأنه لما حدثت فاطمة لم تبين لها الاستفهام الثاني ولم اقف على اسم الرجل الذي استفهمت منه عن ذلك إلى الآن ولأحمد من طريق محمد بن المنكدر عن أسماء مرفوعا إذا دخل الإنسان قبره فإن كان مؤمنا احتف به عمله فيأتيه الملك فترده الصلاة والصيام فيناديه الملك أجلس فيجلس فيقول ما تقول في هذا الرجل محمد قال أشهد أنه رسول الله قال على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث الحديث وسيأتي الكلام عليه مستوفى في الحديث الذي يليه وقد تقدم الكلام على بقية فوائد حديث أسماء في كتاب العلم ووقع في بعض النسخ هنا زاد غندر عذاب القبر وهو غلط لأن هذا إنما هو في آخر حديث عائشة الذي قبله وأما حديث أسماء فلا رواية لغندر فيه سادس أحاديث الباب حديث أنس وقد تقدم بهذا الإسناد في باب خفق النعال وعبد الأعلى المذكور فيه هو بن عبد الأعلى السامي بالمهملة البصري وسعيد هو بن أبي عروبة

قسم V03/P236–V03/P240

1308 قوله ان العبد إذا وضع في قبره كذا وقع عنده مختصرا وأوله عند أبي داود من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بهذا السند أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دخل نخلا لبني النجار فسمع صوتا ففزع فقال من أصحاب هذه القبور قالوا يا رسول الله ناس ماتوا في الجاهلية فقال تعوذوا بالله من عذاب القبر ومن فتنة الدجال قالوا وما ذاك يا رسول الله قال إن العبد فذكر الحديث فأفاد بيان سبب الحديث قوله وانه ليسمع قرع نعالهم زاد مسلم إذا انصرفوا وفي رواية له يأتيه ملكان زاد بن حبان والترمذي من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة اسودان ازرقان يقال لأحدهما المنكر وللاخر النكير وفي رواية بن حبان يقال لهما منكر ونكير زاد الطبراني في الأوسط من طريق أخرى عن أبي هريرة اعينهما مثل قدور النحاس وانيابهما مثل صياصي البقر واصواتهما مثل الرعد ونحوه لعبد الرزاق من مرسل عمرو بن دينار وزاد يحفران بأنيابهما ويطآن في أشعارهما معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل مني لم يقلوها وأورد بن الجوزي في الموضوعات حديثا فيه أن فيهم رومان وهو كبيرهم وذكر بعض الفقهاء أن اسم اللذين يسألان المذنب منكر ونكير وأن اسم اللذين يسألان المطيع مبشر وبشير قوله فيقعدانه زاد في حديث البراء فتعاد روحه في جسده كما تقدم في أول أحاديث الباب وزاد بن حبان من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة فإذا كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصوم عن شماله وفعل المعروف من قبل رجليه فيقال له اجلس فيجلس وقد مثلت له الشمس عند الغروب زاد بن ماجة من حديث جابر فيجلس فيمسح عينيه ويقول دعوني أصلى قوله فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل محمد زاد أبو داود في أوله ما كنت تعبد فإن هداه الله قال كنت أعبد الله فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل ولأحمد من حديث عائشة ما هذا الرجل الذي كان فيكم وله من حديث أبي سعيد فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدة ورسوله فيقال له صدقت زاد أبو داود فلا يسأل عن شيء غيرهما وفي حديث أسماء بنت أبي بكر المتقدم في العلم والطهارة وغيرهما فأما المؤمن أو الموقن فيقول محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فاجبنا وآمنا واتبعنا فيقال له نم صالحا وفي حديث أبي سعيد عند سعيد بن منصور فيقال له نم نومة العروس فيكون في أحلى نومة نامها أحد حتى يبعث وللترمذي في حديث أبي هريرة ويقال له نم فينام نومة العروس الذي لا يوقظه الا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك ولابن حبان وبن ماجة من حديث أبي هريرة وأحمد من حديث عائشة ويقال له على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله قوله فيقال له انظر إلى مقعدك من النار في رواية أبي داود فيقال له هذا بيتك كان في النار ولكن الله عز وجل عصمك ورحمك فأبدلك الله به بيتا في الجنة فيقول دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي فيقال له اسكت وفي حديث أبي سعيد عند أحمد كان هذا منزلك لو كفرت بربك ولابن ماجة من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح فيقال له هل رأيت الله فيقول ما ينبغي لأحد أن يرى الله فتفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال له انظر إلى ما وقاك الله وسيأتي في أواخر الرقاق من وجه آخر عن أبي هريرة لا يدخل أحد الجنة إلا أرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا وذكر عكسه قوله قال قتادة وذكر لنا أنه يفسح له في قبره زاد مسلم من طريق شيبان عن قتادة سبعون ذراعا ويملأ خضرا إلى يوم يبعثون ولم أقف على هذه الزيادة موصولة من حديث قتادة وفي حديث أبي سعيد من وجه آخر عند أحمد ويفسح له في قبره وللترمذي وبن حبان من حديث أبي هريرة فيفسح له في قبره سبعين ذراعا زاد بن حبان في سبعين ذراعا وله من وجه آخر عن أبي هريرة ويرحب له في قبره سبعون ذراعا وينور له كالقمر ليلة البدر وفي حديث البراء الطويل فينادى مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وافتحوا له بابا في الجنة وألبسوه من الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له فيها مد بصره زاد بن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة فيزداد غبطة وسرورا فيعاد الجلد إلى ما بدا منه وتجعل روحه في نسم طائر يعلق في شجر الجنة قوله واما المنافق والكافر كذا في هذه الطريق بواو العطف وتقدم في باب خفق النعال بها وأما الكافر أو المنافق بالشك وفي رواية أبي داود وأن الكافر إذا وضع وكذا لابن حبان من حديث أبي هريرة وكذا في حديث البراء الطويل وفي حديث أبي سعيد عند أحمد وأن كان كافرا أو منافقا بالشك وله في حديث أسماء فإن كان فاجرا أو كافرا وفي الصحيحين من حديثها وأما المنافق أو المرتاب وفي حديث جابر عند عبد الرزاق وحديث أبي هريرة عند الترمذي وأما المنافق وفي حديث عائشة عند أحمد وأبي هريرة عند بن ماجة وأما الرجل السوء وللطبراني من حديث أبي هريرة وأن كان من أهل الشك فاختلفت هذه الروايات لفظا وهي مجتمعة على أن كلا من الكافر والمنافق يسأل ففيه تعقب على من زعم أن السؤال إنما يقع على من يدعي الإيمان أن محقا وأن مبطلا ومستندهم في ذلك ما رواه عبد الرزاق من طريق عبيد بن عمير أحد كبار التابعين قال إنما يفتن رجلان مؤمن ومنافق وأما الكافر فلا يسأل عن محمد ولا يعرفه وهذا موقوف والأحاديث الناصة على أن الكافر يسأل مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة فهي أولى بالقبول وجزم الترمذي الحكيم بأن الكافر يسأل واختلف في الطفل غير المميز فجزم القرطبي في التذكرة بأنه يسأل وهو منقول عن الحنفية وجزم غير واحد من الشافعية بأنه لا يسأل ومن ثم قالوا لا يستحب أن يلقن واختلف أيضا في النبي هل يسأل وأما الملك فلا أعرف أحدا ذكره والذي يظهر أنه لا يسأل لأن السؤال يختص بمن شأنه أن يفتن وقد مال بن عبد البر إلى الأول وقال الآثار تدل على أن الفتنة لمن كان منسوبا إلى أهل القبلة وأما الكافر الجاحد فلا يسأل عن دينه وتعقبه بن القيم في كتاب الروح وقال في الكتاب والسنة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم قال الله تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين وفي حديث أنس في البخاري وأما المنافق والكافر بواو العطف وفي حديث أبي سعيد فإن كان مؤمنا فذكره وفيه وإن كان كافرا وفي حديث البراء وإن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا فذكره وفيه فيأتيه منكر ونكير الحديث أخرجه أحمد هكذا قال وأما قول أبي عمر فأما الكافر الجاحد فليس ممن يسأل عن دينه فجوابه أنه نفى بلا دليل بل في الكتاب العزيز الدلالة على أن الكافر يسأل عن دينه قال الله تعالى فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين وقال تعالى فوربك لنسألنهم أجمعين لكن للنافي أن يقول أن هذا السؤال يكون يوم القيامة قوله فيقول لا أدري في رواية أبي داود المذكورة وأن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فينتهره فيقول له ما كنت تعبد وفي أكثر الأحاديث فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل وفي حديث البراء فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري وهو أتم الأحاديث سياقا قوله كنت أقول ما يقول الناس في حديث أسماء سمعت الناس يقولون شيئا فقلته وكذا في أكثر الأحاديث قوله لا دريت ولا تليت كذا في أكثر الروايات بمثناة مفتوحة بعدها لام مفتوحة وتحتانية ساكنة قال ثعلب قوله تليت أصله تلوت أي لا فهمت ولا قرأت القرآن والمعنى لا دريت ولا اتبعت من يدري وإنما قاله بالياء لمواخاة دريت وقال بن السكيت قوله تليت أتباع ولا معنى لها وقيل صوابه ولا ائتليت بزيادة همزتين قبل المثناة بوزن افتعلت من قولهم ما ألوت أي ما استطعت حكى ذلك عن الأصمعي وبه جزم الخطابي وقال الفراء أي قصرت كأنه قيل له لا دريت ولا قصرت في طلب الدراية ثم أنت لا تدري وقال الأزهري الألو يكون بمعنى الجهد وبمعنى التقصير وبمعنى الاستطاعة وحكى بن قتيبة عن يونس بن حبيب أن صواب الرواية لا دريت ولا اتليت بزيادة ألف وتسكين المثناة كأنه يدعو عليه بان لا يكون له من يتبعه وهو من الاتلاء يقال ما اتلت إبله أي لم تلد اولادا يتبعونها وقال قول الأصمعي أشبه بالمعنى أي لا دريت ولا استطعت أن تدري ووقع عند أحمد من حديث أبي سعيد لا دريت ولا اهتديت وفي مرسل عبيد بن عمير عند عبد الرزاق لا دريت ولا أفلحت قوله بمطارق من حديد ضربة تقدم في باب خفق النعال بلفظ بمطرقة على الأفراد وكذا هو في معظم الأحاديث قال الكرماني الجمع مؤذن بان كل جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها مبالغة اه وفي حديث البراء لو ضرب بها جبل لصار ترابا وفي حديث أسماء ويسلط عليه دابة في قبره معها سوط ثمرته جمرة مثل غرب البعير تضربه ما شاء الله صماء لا تسمع صوته فترحمه وزاد في أحاديث أبي سعيد وأبي هريرة وعائشة التي اشرنا إليها ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له هذا منزلك لو آمنت بربك فأما إذ كفرت فإن الله أبدلك هذا ويفتح له باب إلى النار زاد في حديث أبي هريرة فيزداد حسرة وثبورا ويضيق عليه قبره حتى تختلف اضلاعه وفي حديث البراء فينادى مناد من السماء افرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها قوله من يليه قال المهلب المراد الملائكة الذين يلون فتنته كذا قال ولا وجه لتخصيصه بالملائكة فقد ثبت أن البهائم تسمعه وفي حديث البراء يسمعه من بين المشرق والمغرب وفي حديث أبي سعيد عند أحمد يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين وهذا يدخل فيه الحيوان والجماد لكن يمكن أن يخص منه الجماد ويؤيده أن في حديث أبي هريرة عند البزار يسمعه كل دابة الا الثقلين والمراد بالثقلين الإنس والجن قيل لهم ذلك لأنهم كالثقل على وجه الأرض قال المهلب الحكمة في أن الله يسمع الجن قول الميت قدموني ولا يسمعهم صوته إذا عذب بان كلامه قبل الدفن متعلق بأحكام الدنيا وصوته إذا عذب في القبر متعلق بأحكام الآخرة وقد أخفى الله على المكلفين أحوال الآخرة الا من شاء الله إبقاء عليهم كما تقدم وقد جاء في عذاب القبر غير هذه الأحاديث منها عن أبي هريرة وبن عباس وأبي أيوب وسعد وزيد بن أرقم وأم خالد في الصحيحين أو أحدهما وعن جابر عند بن ماجة وأبي سعيد عند بن مردويه وعمر وعبد الرحمن بن حسنة وعبد الله بن عمرو عند أبي داود وبن مسعود عند الطحاوي وأبي بكرة وأسماء بنت يزيد عند النسائي وأم مبشر عند بن أبي شيبة وعن غيرهم وفي أحاديث الباب من الفوائد اثبات عذاب القبر وأنه واقع على الكفار ومن شاء الله من الموحدين والمساءلة وهل هي واقعة على كل واحد تقدم تقرير ذلك وهل تختص بهذه الأمة أم وقعت على الأمم قبلها ظاهر الأحاديث الأول وبه جزم الحكيم الترمذي وقال كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل فإن اطاعوا فذاك وأن أبوا اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب فلما أرسل الله محمدا رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب وقبل الإسلام ممن اظهره سواء أسر الكفر أو لا فلما ماتوا قيض الله لهم فتانى القبر ليستخرج سرهم بالسؤال وليميز الله الخبيث من الطيب ويثبت الله الذين آمنوا ويضل الله الظالمين انتهى ويؤيده حديث زيد بن ثابت مرفوعا أن هذه الأمة تبتلى في قبورها الحديث أخرجه مسلم ومثله عند أحمد عن أبي سعيد في اثناء حديث ويؤيده أيضا قول الملكين ما تقول في هذا الرجل محمد وحديث عائشة عند أحمد أيضا بلفظ وأما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تسالون وجنح بن القيم إلى الثاني قال ليس في الأحاديث ما ينفى المسألة عمن تقدم من الأمم وإنما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بكيفية امتحانهم في القبور لا أنه نفى ذلك عن غيرهم قال والذي يظهر أن كل نبي مع أمته كذلك فتعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم وإقامة الحجة عليهم كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة وحكى في مسألة الاطفال احتمالا والظاهر ان ذلك لا يمتنع في حق المميز دون غيره وفيه ذم التقليد في الاعتقادات لمعاقبة من قال كنت أسمع الناس يقولون شيئا فقلته وفيه أن الميت يحيا في قبره للمسألة خلافا لمن رده واحتج بقوله تعالى قالوا ربنا أمتنا اثنتين واحييتنا اثنتين الآية قال فلو كان يحيا في قبره للزم أن يحيا ثلاث مرات ويموت ثلاثا وهو خلاف النص والجواب بأن يراد بالحياة في القبر للمسألة ليست الحياة المستقرة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبيره وتصرفه وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء بل هي مجرد إعادة لفائدة الإمتحان الذي وردت به الأحاديث الصحيحة فهي إعادة عارضة كما حي خلق لكثير من الأنبياء لمسألتهم لهم عن أشياء ثم عادوا موتى وفي حديث عائشة جواز التحديث عن أهل الكتاب بما وافق الحق

قسم V03/P240–V03/P241

1 ( قوله باب التعوذ من عذاب القبر ) قال الزين بن المنير أحاديث هذا الباب تدخل في الباب الذي قبله وإنما أفردها عنها لأن الباب الأول معقود لثبوته ردا على من أنكره والثاني لبيان ما ينبغي إعتماده في مدة الحياة من التوسل إلى الله بالنجاة منه والإبتهال إليه في الصرف عنه 1309 قوله أخبرنا يحيى هو بن سعيد القطان قوله عن أبي أيوب هو الأنصاري وفي هذا الإسناد ثلاثة من الصحابة في نسق أولهم أبو جحيفة قوله وجبت الشمس أي سقطت والمراد غروبها قوله فسمع صوتا قيل يحتمل ان يكون سمع صوت ملائكة العذاب أو صوت اليهود المعذبين أو صوت وقع العذاب قلت قد وقع عند الطبراني من طريق عبد الجبار بن العباس عن عون بهذا السند مفسرا ولفظه خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حين غربت الشمس ومعي كوز من ماء فانطلق لحاجته حتى جاء فوضأته فقال اتسمع ما أسمع قلت الله ورسوله أعلم قال أسمع أصوات اليهود يعذبون في قبورهم قوله يهود تعذب في قبورها هو خبر مبتدأ أي هذه يهود أو هو مبتدأ خبره محذوف قال الجوهري اليهود قبيلة والأصل اليهوديون فحذفت ياء الإضافة مثل زنج وزنجي ثم عرف على هذا الحد فجمع على قياس شعير وشعيرة ثم عرف الجمع بالألف واللام ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام لأنه معرفة مؤنث فجرى مجرى القبيلة وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث وهو موافق لقوله فيما تقدم من حديث عائشة إنما تعذب اليهود وإذا ثبت أن اليهود تعذب بيهوديتهم ثبت تعذيب غيرهم من المشركين لأن كفرهم بالشرك أشد من كفر اليهود قوله وقال النضر الخ ساق هذه الطريق لتصريح عون فيها بسماعه له من أبيه وسماع أبيه له من البراء وقد وصلها الإسماعيلي من طريق أحمد بن منصور عن النضر ولم يسق المتن وساقه إسحاق بن راهويه في مسنده عن النضر بلفظ فقال هذه يهود تعذب في قبورها قال بن رشيد لم يجر للتعوذ من عذاب القبر في هذا الحديث ذكر فلهذا قال بعض الشارحين انه من بقية الباب الذي قبله وانما أدخله في هذا الباب بعض من نسخ الكتاب ولم يميز قال ويحتمل أن يكون المصنف أراد أن يعلم بأن حديث أم خالد ثاني أحاديث هذا الباب محمول على أنه صلى الله عليه وسلم تعوذ من عذاب القبر حين سمع أصوات يهود لما علم من حاله أنه كان يتعوذ ويأمر بالتعوذ مع عدم سماع العذاب فكيف مع سماعه قال وهذا جار على ما عرف من عادة المصنف في الإغماض وقال الكرماني العادة قاضية بأن كل من سمع مثل ذلك الصوت يتعوذ من مثله 1310 قوله حدثنا معلى هو بن أسد وبنت خالد اسمها أمة وتكنى أم خالد وقد أورده المصنف في الدعوات من وجه آخر عن موسى بن عقبة سمعت أم خالد بنت خالد ولم أسمع أحدا سمع من النبي غيرها فذكره ووقع في الطبراني من وجه آخر عن موسى بلفظ استجيروا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق 1311 قوله في حديث أبي هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو زاد الكشميهني ويقول وقد تقدم الكلام على فوائد هذا الحديث في آخر صفة الصلاة قبيل كتاب الجمعة 1 ( قوله باب عذاب القبر من الغيبة والبول )

قسم V03/P241–V03/P243

قال الزين بن المنير المراد بتخصيص هذين الأمرين بالذكر تعظيم أمرهما لا نفي الحكم عما عداهما فعلى هذا لا يلزم من ذكرهما حصر عذاب القبر فيهما لكن الظاهر من الإقتصار على ذكرهما أنهما أمكن في ذلك من غيرهما وقد روى أصحاب السنن من حديث أبي هريرة استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه ثم أورد المصنف حديث بن عباس في قصة القبرين وليس فيه للغيبة ذكر وإنما ورد بلفظ النميمة وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في الطهارة وقيل مراد المصنف أن الغيبة تلازم النميمة لأن النميمة مشتملة على ضربين نقل كلام المغتاب إلى الذي إغتابه والحديث عن المنقول عنه بما لا يريده قال بن رشيد لكن لا يلزم من الوعيد على النميمة ثبوته على الغيبة وحدها لأن مفسدة النميمة أعظم وإذا لم تساوها لم يصح الإلحاق إذ لا يلزم من التعذيب على الأشد التعذيب على الاخف لكن يجوز أن يكون ورد على معنى التوقع والحذر فيكون قصد التحذير من المغتاب لئلا يكون له في ذلك نصيب انتهى وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث بلفظ الغيبة كما بيناه في الطهارة فالظاهر أن البخاري جرى على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث والله أعلم 1 ( قوله باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي ) أورد فيه حديث بن عمر أن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي قال بن التين يحتمل أن يريد بالغداة والعشي غداة واحدة وعشية واحدة يكون العرض فيها ومعنى 1313 قوله حتى يبعثك الله أي لا تصل إليه إلى يوم البعث ويحتمل أن يريد كل غداة وكل عشي وهو محمول على أنه يحيا منه جزء ليدرك ذلك فغير ممتنع أن تعاد الحياة إلى جزء من الميت أو أجزاء وتصح مخاطبته والعرض عليه انتهى والأول موافق للأحاديث المتقدمة قبل بابين في سياق المساءلة وعرض المقعدين على كل أحد وقال القرطبي يجوز أن يكون هذا العرض على الروح فقط ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن قال والمراد بالغداة والعشي وقتهما وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء قال وهذا في حق المؤمن والكافر واضح فأما المؤمن المخلط فمحتمل في حقه أيضا لأنه يدخل الجنة في الجملة ثم هو مخصوص بغير الشهداء لأنهم أحياء وأرواحهم تسرح في الجنة ويحتمل أن يقال إن فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها فإن فيه قدرا زائدا على ما هي فيه الآن قوله إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة إتحد فيه الشرط والجزاء لفظا ولا بد فيه من تقدير قال التوربشتي التقدير ان كان من أهل الجنة فمقعده من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه وقال الطيبي الشرط والجزاء إذا إتحدا لفظا دل على الفخامة والمراد أنه يرى بعد البعث من كرامة الله ما ينسيه هذا المقعد انتهى ووقع عند مسلم بلفظ إن كان من أهل الجنة فالجنة أي فالمعروض الجنة وفي هذا الحديث إثبات عذاب القبر وأن الروح لا تفنى بفناء الجسد لأن العرض لا يقع إلا على حي وقال بن عبد البر إستدل به على أن الأرواح على أفنية القبور قال والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها لا أنها لا تفارق الأفنية بل هي كما قال مالك إنه بلغه أن الأرواح تسرح حيث شاءت قوله حتى يبعثك الله يوم القيامة في رواية مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة وحكى بن عبد البر فيه الاختلاف بين أصحاب مالك وأن الأكثر رووه كرواية البخاري وأن بن القاسم رواه كرواية مسلم قال والمعنى حتى يبعثك الله إلى ذلك المقعد ويحتمل أن يعود الضمير إلى الله فإلى الله ترجع الأمور والأول أظهر اه ويؤيده رواية الزهري عن سالم عن أبيه بلفظ ثم يقال هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة أخرجه مسلم وقد أخرج النسائي رواية بن القاسم لكن لفظه كلفظ البخاري 1 ( قوله باب كلام الميت على الجنازة )

الأسئلة