Qur'an&Sunnah

İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)

قسم V03/P386–V03/P388

1 ( قوله باب ميقات أهل المدينة ) ولا يهلون قبل ذي الحليفة قد تقدمت الإشارة إلى هذا في باب فرض المواقيت واستنبط المصنف من إيراد الخبر بصيغة الخبر مع إرادة الأمر تعين ذلك وأيضا فلم ينقل عن أحد ممن حج مع النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحرم قبل ذي الحليفة ولولا تعين الميقات لبادروا إليه لأنه يكون أشق فيكون أكثر أجرا وقد تقدم شرح المتن في الذي قبله 1453 قوله قال عبد الله هو بن عمر قوله وبلغني إلخ سيأتي من رواية ابنه سالم عنه بعد باب بلفظ زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولم أسمعه وتقدم في العلم من وجه آخر بلفظ لم أفقه هذه من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشعر بأن الذي بلغ بن عمر ذلك جماعة وقد ثبت ذلك من حديث بن عباس كما في الباب قبله ومن حديث جابر عند مسلم ومن حديث عائشة عند النسائي ومن حديث الحارث بن عمرو السهمي عند أحمد وأبي داود والنسائي 1 ( قوله باب مهل أهل الشام ) أورد فيه حديث بن عباس وقد تقدم قبل باب وحماد المذكور في الإسناد هو بن زيد قوله باب مهل أهل نجد أورد فيه حديث بن عمر من طريقين إلى الزهري فعلي شيخه في الإسناد الأول هو بن المديني وأحمد في الثاني هو بن عيسى كما ثبت في رواية أبي ذر وقد تقدم الكلام عليه قريبا 1 ( قوله باب مهل من كان دون المواقيت ) أي دونها إلى مكة أورد فيه حديث بن عباس من وجه آخر وحماد هو بن زيد وعمرو هو بن دينار 1 ( قوله باب مهل أهل اليمن ) أورد فيه حديث بن عباس وقد سبق ما فيه تكميل حكى الأثرم عن أحمد أنه سئل في أي سنة وقت النبي صلى الله عليه وسلم المواقيت فقال عام حج انتهى وقد سبق حديث بن عمر في العلم بلفظ أن رجلا قام في المسجد فقال يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهل قوله باب ذات عرق لأهل العراق هي بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف سمي بذلك لأن فيه عرقا وهو الجبل الصغير وهي أرض سبخة تنبت الطرفاء بينها وبين مكة مرحلتان والمسافة اثنان وأربعون ميلا وهو الحد الفاصل بين نجد وتهامة

قسم V03/P388–V03/P390

1458 قوله لما فتح هذان المصران كذا للأكثر بضم فتح على البناء لما لم يسم فاعله وفي رواية الكشميهني لما فتح هذين المصرين بفتح الفاء والتاء على حذف الفاعل والتقدير لما فتح الله وكذا ثبت في رواية أبي نعيم في المستخرج وبه جزم عياض وأما بن مالك فقال تنازع فتح وأتوا وهو على إعمال الثاني وإسناد الأول إلى ضمير عمر ووقع عند الإسماعيلي من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله مختصرا وزاد في الإسناد عن عمر أنه حد لأهل العراق ذات عرق والمصران تثنية مصر والمراد بهما الكوفة والبصرة وهما سرتا العراق والمراد بفتحهما غلبة المسلمين على مكان أرضهما وإلا فهما من تمصير المسلمين قوله وهو جور بفتح الجيم وسكون الواو بعدها راء أي ميل والجور الميل عن القصد ومنه قوله تعالى ومنها جائر قوله فانظروا حذوها أي إعتبروا ما يقابل الميقات من الأرض التي تسلكونها من غير ميل فاجعلوه ميقاتا وظاهره أن عمر حد لهم ذات عرق باجتهاد منه وقد روى الشافعي من طريق أبي الشعثاء قال لم يوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق شيئا فاتخذ الناس بحيال قرن ذات عرق وروى أحمد عن هشيم عن يحيى بن سعيد وغيره عن نافع عن بن عمر فذكر حديث المواقيت وزاد فيه قال بن عمر فآثر الناس ذات عرق على قرن وله عن سفيان عن صدقة عن بن عمر فذكر حديث المواقيت قال فقال له قائل فأين العراق فقال بن عمر لم يكن يومئذ عراق وسيأتي في الإعتصام من طريق عبد الله بن دينار عن بن عمر قال لم يكن عراق يومئذ ووقع في غرائب مالك للدارقطني من طريق عبد الرزاق عن مالك عن نافع عن بن عمر قال وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل العراق قرنا قال عبد الرزاق قال لي بعضهم إن مالكا محاه من كتابه قال الدارقطني تفرد به عبد الرزاق قلت والإسناد إليه ثقات أثبات وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عنه وهو غريب جدا وحديث الباب يرده وروى الشافعي من طريق طاوس قال لم يوقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات عرق ولم يكن حينئذ أهل المشرق وقال في الأم لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حد ذات عرق وإنما أجمع عليه الناس وهذا كله يدل على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصا وبه قطع الغزالي والرافعي في شرح المسند والنووي في شرح مسلم وكذا وقع في المدونة لمالك وصحح الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية والرافعي في الشرح الصغير والنووي في شرح المهذب أنه منصوص وقد وقع ذلك في حديث جابر عند مسلم إلا أنه مشكوك في رفعه أخرجه من طريق بن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يسأل عن المهل فقال سمعت أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وأخرجه أبو عوانة في مستخرجه بلفظ فقال سمعت أحسبه يريد النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخرجه أحمد من رواية بن لهيعة وبن ماجة من رواية إبراهيم بن يزيد كلاهما عن أبي الزبير فلم يشكا في رفعه ووقع في حديث عائشة وفي حديث الحارث بن عمرو السهمي كلاهما عند أحمد وأبي داود والنسائي وهذا يدل على أن للحديث أصلا فلعل من قال إنه غير منصوص لم يبلغه أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق لا يخلو عن مقال ولهذا قال بن خزيمة رويت في ذات عرق أخبار لا يثبت شيء منها عند أهل الحديث وقال بن المنذر لم نجد في ذات عرق حديثا ثابتا انتهى لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى كما ذكرنا وأما إعلال من أعله بأن العراق لم تكن فتحت يومئذ فقال بن عبد البر هي غفلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح لكنه علم أنها ستفتح فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق انتهى وبهذا أجاب الماوردي وآخرون لكن يظهر لي أن مراد من قال لم يكن العراق يومئذ أي لم يكن في تلك الجهة ناس مسلمون والسبب في قول بن عمر ذلك أنه روى الحديث بلفظ أن رجلا قال يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهل فأجابه وكل جهة عينها في حديث بن عمر كان من قبلها ناس مسلمون بخلاف المشرق والله أعلم وأما ما أخرجه أبو داود والترمذي من وجه آخر عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق فقد تفرد به يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف وإن كان حفظه فقد جمع بينه وبين حديث جابر وغيره بأجوبة منها أن ذات عرق ميقات الوجوب والعقيق ميقات الإستحباب لأنه أبعد من ذات عرق ومنها أن العقيق ميقات لبعض العراقيين وهم أهل المدائن والآخر ميقات لأهل البصرة وقع ذلك في حديث لأنس عند الطبراني وإسناده ضعيف ومنها أن ذات عرق كانت أولا في موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة فعلى هذا فذات عرق والعقيق شيء واحد ويتعين الإحرام من العقيق ولم يقل به أحد وإنما قالوا يستحب إحتياطا وحكى بن المنذر عن الحسن بن صالح أنه كان يحرم من الربذة وهو قول القاسم بن عبد الرحمن وخصيف الجزري قال بن المنذر وهو أشبه في النظر إن كانت ذات عرق غير منصوصة وذلك أنها تحاذي ذا الحليفة وذات عرق بعدها والحكم فيمن ليس له ميقات أن يحرم من أول ميقات يحاذيه لكن لما سن عمر ذات عرق وتبعه عليه الصحابة واستمر عليه العمل كان أولى بالاتباع واستدل به على أن من ليس له ميقات أن عليه أن يحرم إذا حاذى ميقاتا من هذه المواقيت الخمسة ولا شك أنها محيطة بالحرم فذو الحليفة شامية ويلملم يمانية فهي مقابلها وإن كانت إحداهما أقرب إلى مكة من الأخرى وقرن شرقية والجحفة غربية فهي مقابلها وإن كانت إحداهما كذلك وذات عرق تحاذي قرنا فعلى هذا فلا تخلو بقعة من بقاع الأرض من أن تحاذي ميقاتا من هذه المواقيت فبطل قول من قال من ليس له ميقات ولا يحاذي ميقاتا هل يحرم من مقدار أبعد من المواقيت أو أقربها ثم حكى فيه خلافا والفرض أن هذه الصورة لا تتحقق لما قلته إلا أن يكون قائلة فرضه فيمن لم يطلع على المحاذاة كمن يجهلها وقد نقل النووي في شرح المهذب أنه يلزمه أن يحرم على مرحلتين إعتبارا بقول عمر هذا في توقيته ذات عرق وتعقب بأن عمر إنما حدها لأنها تحاذي قرنا وهذه الصورة إنما هي حيث يجهل المحاذاة فلعل القائل بالمرحلتين أخذ بالأقل لأن ما زاد عليه مشكوك فيه لكن مقتضى الأخذ بالإحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد ويحتمل أن يفرق بين من عن يمين الكعبة وبين من عن شمالها لأن المواقيت التي عن يمينها أقرب من التي عن شمالها فيقدر لليمين الأقرب وللشمال الأبعد والله أعلم ثم أن مشروعية المحاذاة مختصة بمن ليس له أمامه ميقات معين فأما من له ميقات معين كالمصري مثلا يمر ببدر وهي تحاذي ذا الحليفة فليس عليه أن يحرم منها بل له التأخير حتى يأتي الجحفة والله أعلم تنبيه العقيق المذكور هنا واد يتدفق ماؤه في غوري تهامة وهو غير العقيق المذكور بعد بابين كما سيأتي بيانه

قسم V03/P390–V03/P391

1 ( قوله باب ) كذا في الأصول بغير ترجمة وهو بمنزلة الفصل من الأبواب التي قبله ومناسبته لها من جهة دلالة حديثه على إستحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام من الميقات وقد ترجم عليه بعض الشارحين نزول البطحاء والصلاة بذي الحليفة وحكى القطب أنه في بعض النسخ قال وسقط في نسخة سماعنا لفظ باب وفي شرح بن بطال الصلاة بذي الحليفة 1459 قوله أناخ بالنون والخاء المعجمة أي أبرك بعيره والمراد أنه نزل بها والبطحاء قد بين أنها التي بذي الحليفة وقوله فصلى بها يحتمل أن يكون للإحرام ويحتمل أن يكون للفريضة وسيأتي من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم صلى العصر بذي الحليفة ركعتين ثم أن هذا النزول يحتمل أن يكون في الذهاب وهو الظاهر من تصرف المصنف ويحتمل أن يكون في الرجوع ويؤيده حديث بن عمر الذي بعده بلفظ وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات حتى أصبح ويمكن الجمع بأنه كان يفعل الأمرين ذهابا وإيابا والله أعلم 1 ( قوله باب خروج النبي صلى الله عليه وسلم على طريق الشجرة ) قال عياض هو موضع معروف على طريق من أراد الذهاب إلى مكة من المدينة كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج منه إلى ذي الحليفة فيبيت بها وإذا رجع بات بها أيضا ودخل على طريق المعرس بفتح الراء المثقلة وبالمهملتين وهو مكان معروف أيضا وكل من الشجرة والمعرس على ستة أميال من المدينة لكن المعرس أقرب وسيأتي في الباب الذي بعده مزيد بيان في ذلك قال بن بطال كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كما يفعل في العيد يذهب من طريق ويرجع من أخرى وقد تقدم القول في حكمة ذلك مبسوطا وقد قال بعضهم إن نزوله هناك لم يكن قصدا وإنما كان اتفاقا حكاه إسماعيل القاضي في أحكامه عن محمد بن الحسن وتعقبه والصحيح أنه كان قصدا لئلا يدخل المدينة ليلا ويدل عليه 1460 قوله وبات حتى يصبح ولمعنى فيه وهو التبرك به كما سيأتي في الباب الذي بعده وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من حديث الباب في أواخر أبواب المساجد وسياقه هناك أبسط من هذا 1 ( قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم العقيق واد مبارك ) أورد فيه حديث عمر في ذلك وليس هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما حكاه عن الآتي الذي أتاه لكن روى أبو أحمد بن عدي من طريق يعقوب بن إبراهيم الزهري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا تخيموا بالعقيق فإنه مبارك فكأنه أشار إلى هذا وقوله تخيموا بالخاء المعجمة والتحتانية أمر بالتخيم والمراد به النزول هناك وذكر بن الجوزي في الموضوعات عن حمزة الأصبهاني أنه ذكر في كتاب التصحيف أن الرواية بالتحتانية تصحيف وأن الصواب بالمثناة الفوقانية ولما قاله إتجاه لأنه وقع في معظم الطرق ما يدل على أنه من الخاتم وهو من طريق يعقوب بن الوليد عن هشام بلفظه ووقع في حديث عمر تختموا بالعقيق فإن جبريل أتاني به من الجنة الحديث وأسانيده ضعيفة

قسم V03/P391–V03/P392

1461 قوله آت من ربي هو جبريل قوله فقال صل في هذا الوادي المبارك يعني وادي العقيق وهو بقرب البقيع بينه وبين المدينة أربعة أميال روى الزبير بن بكار في أخبار المدينة أن تبعا لما رجع من المدينة انحدر في مكان فقال هذا عقيق الأرض فسمي العقيق قوله وقل عمرة في حجة برفع عمرة للأكثر وبنصبها لأبي ذر على حكاية اللفظ أي قل جعلتها عمرة وهذا دال على أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا وسيأتي بيان ذلك بعد أبواب وأبعد من قال معناه عمرة مدرجة في حجة أي أن عمل العمرة يدخل في عمل الحج فيجزى لهما طواف واحد وقال من معناه أنه يعتمر في تلك السنة بعد فراغ حجه وهذا أبعد من الذي قبله لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك نعم يحتمل أن يكون أمر أن يقول ذلك لأصحابه ليعلمهم مشروعية القرآن وهو كقوله دخلت العمرة في الحج قاله الطبري واعترضه بن المنير في الحاشية فقال ليس نظيره لأن قوله دخلت إلخ تأسيس قاعدة وقوله عمرة في حجة بالتنكير يستدعي الوحدة وهو إشارة إلى الفعل الواقع من القرآن إذ ذاك قلت ويؤيده ما يأتي في كتاب الإعتصام بلفظ عمرة وحجة بواو العطف وسيأتي بيان ذلك بعد أبواب وفي الحديث فضل العقيق كفضل المدينة وفضل الصلاة فيه وفيه إستحباب نزول الحاج في منزلة قريبة من البلد ومبيتهم بها ليجتمع إليهم من تأخر عنهم ممن أراد مرافقتهم وليستدرك حاجته من نسيها مثلا فيرجع إليها من قريب قوله في حديث بن عمر 1462 أنه أري بضم الهمزة أي في المنام وفي رواية كريمة رؤي بتقديم الراء أي رآه غيره قوله وهو معرس في رواية الكشميهني في معرس بالتنوين وقوله ببطن الوادي تبين من حديث بن عمر الذي قبله أنه وادي العقيق قوله وقد أناخ بنا سالم هو مقول موسى بن عقبة الراوي عنه وقوله يتوخى بالخاء المعجمة أي يقصد والمناخ بضم الميم المبرك قوله وهو أسفل بالنصب ويجوز الرفع والمراد بالمسجد الذي كان هناك في ذلك الزمان وقوله بينه أي بين المعرس وفي رواية الحموي بينهم أي بين النازلين وبين الطريق وقوله وسط من ذلك بفتح المهملة أي متوسط بين بطن الوادي وبين الطريق وعند أبي ذر وسطا من ذلك بالنصب 1 ( قوله باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب ) الخلوق بفتح الخاء المعجمة نوع من الطيب مركب فيه زعفران

قسم V03/P392–V03/P395

1463 قوله قال أبو عاصم هو من شيوخ البخاري ولم أره عنه إلا بصيغة التعليق وبذلك جزم الإسماعيلي فقال ذكره عن أبي عاصم بلا خبر وأبو نعيم فقال ذكره بلا رواية وحكى الكرماني أنه وقع في بعض النسخ حدثنا محمد حدثنا أبو عاصم ومحمد هو بن معمر أو بن بشار ويحتمل أن يكون البخاري ولم يقع في المتن ذكر الخلوق وإنما أشار به إلى ما ورد في بعض طرقه وهو في أبواب العمرة بلفظ وعليه أثر الخلوق قوله أن يعلى هو بن أمية التميمي وهو المعروف بابن منية بضم الميم وسكون النون وفتح التحتانية وهي أمه وقيل جدته وهو والد صفوان الذي روى عنه وليست رواية صفوان عنه لهذا الحديث بواضحة لأنه قال فيها إن يعلى قال لعمر ولم يقل أن يعلى أخبره أنه قال لعمر فإن يكن صفوان حضر مراجعتهما وإلا فهو منقطع لكن سيأتي في أبواب العمرة من وجه آخر عن صفوان بن يعلى عن أبيه فذكر الحديث قوله جاءه رجل سيأتي بعد أبواب بلفظ جاء أعرابي ولم أقف على اسمه لكن ذكر بن فتحون في الذيل عن تفسير الطرطوشي أن اسمه عطاء بن منية قال بن فتحون إن ثبت ذلك فهو أخو يعلى بن منية راوي الخبر ويجوز أن يكون خطأ اسم الراوي فإنه من رواية عطاء عن صفوان بن يعلى بن منية عن أبيه ومنهم من لم يذكر بين عطاء ويعلى أحدا ووقع في شرح شيخنا سراج الدين بن الملقن ما نصه هذا الرجل يجوز أن يكون عمرو بن سواد إذ في كتاب الشفاء للقاضي عياض عنه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا متخلق فقال ورس ورس حط حط وغشيني بقضيب بيده في بطني فأوجعني الحديث فقال شيخنا لكن عمرو هذا لا يدرك ذا فإنه صاحب بن وهب انتهى كلامه وهو معترض من وجهين أما أولا فليست هذه القصة شبيهة بهذه القصة حتى يفسر صاحبها بها وأما ثانيا ففي الإستدراك غفلة عظيمة لأن من يقول أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لا يتخيل فيه أنه صاحب بن وهب صاحب مالك بل إن ثبت فهو آخر وافق اسمه اسمه واسم أبيه اسم أبيه والفرض أنه لم يثبت لأنه انقلب على شيخنا وإنما الذي في الشفاء سواد بن عمرو وقيل سوادة بن عمرو أخرج حديثه المذكور عبد الرزاق في مصنفه والبغوي في معجم الصحابة وروى الطحاوي من طريق أبي حفص بن عمرو عن يعلى أنه مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو متخلق فقال ألك امرأة قال لا قال اذهب فاغسله فقد يتوهم من لا خبرة له أن يعلى بن أمية هو صاحب القصة وليس كذلك فإن راوي هذا الحديث يعلى بن مرة الثقفي وهي قصة أخرى غير قصة صاحب الإحرام نعم روى الطحاوي في موضع آخر أن يعلى بن أمية صاحب القصة قال حدثنا سليمان بن شعيب حدثنا عبد الرحمن هو بن زياد الوضاحي حدثنا شعبة عن قتادة عن عطاء بن أبي رباح أن رجلا يقال له يعلى بن أمية أحرم وعليه جبة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزعها قال قتادة قلت لعطاء إنما كنا نرى أن نشقها فقال عطاء إن الله لا يحب الفساد قوله قد أظل به بضم أوله وكسر الظاء المعجمة أي جعل عليه كالظلة ووقع عند الطبراني في الأوسط وبن أبي حاتم أن الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله ويستفاد منه أن المأمور به وهو الاتمام يستدعي وجوب اجتناب ما يقع في العمرة قوله يغط بفتح أوله وكسر المعجمة وتشديد الطاء المهملة أي ينفخ والغطيط صوت النفس المتردد من النائم أو المغمى وسبب ذلك شدة ثقل الوحي وكان سبب إدخال يعلى رأسه عليه في تلك الحال أنه كان يحب لو رآه في حالة نزول الوحي كما سيأتي في أبواب العمرة من وجه آخر عنه وكان يقول ذلك لعمر فقال له عمر حينئذ تعال فانظر وكأنه علم أن ذلك لا يشق على النبي صلى الله عليه وسلم قوله سرى بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة أي كشف عنه شيئا بعد شيء قوله اغسل الطيب الذي بك هو أعم من أن يكون بثوبه أو ببدنه وسيأتي البحث فيه قوله واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك في رواية الكشميهني كما تصنع وسيأتي في أبواب العمرة بلفظ كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي ولمسلم من طريق قيس بن سعد عن عطاء وما كنت صانعا في حجك فاصنع في عمرتك وهو دال على أنه كان يعرف أعمال الحج قبل ذلك قال بن العربي كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن مجراهما واحد وقال بن المنير في الحاشية قوله واصنع معناه أترك لأن المراد بيان ما يجتنبه المحرم فيؤخذ منه فائدة حسنة وهي أن الترك فعل قال وأما قول بن بطال أراد الأدعية وغيرها مما يشترك فيه الحج والعمرة ففيه نظر لأن التروك مشتركة بخلاف الأعمال فإن في الحج أشياء زائدة على العمرة كالوقوف وما بعده وقال النووي كما قال بن بطال وزاد ويستثنى من الأعمال ما يختص به الحج وقال الباجي المأمور به غير نزع الثوب وغسل الخلوق لأنه صرح له بهما فلم يبق إلا الفدية كذا قال ولا وجه لهذا الحصر بل الذي تبين من طريق أخرى أن المأمور به الغسل والنزع وذلك أن عند مسلم والنسائي من طريق سفيان عن عمرو بن دينار وعن عطاء في هذا الحديث فقال ما كنت صانعا في حجك قال أنزع عني هذه الثياب وأغسل عني هذا الخلوق فقال ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك قوله فقلت لعطاء القائل هو بن جريج وهو دال على أنه فهم من السياق أن قوله ثلاث مرات من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم لكن يحتمل أن يكون من كلام الصحابي وأنه صلى الله عليه وسلم أعاد لفظه اغسله مرة ثم مرة على عادته أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا لتفهم عنه نبه عليه عياض قال الإسماعيلي ليس في حديث الباب أن الخلوق كان على الثوب كما في الترجمة وإنما فيه أن الرجل كان متضمخا وقوله له اغسل الطيب الذي بك يوضح أن الطيب لم يكن في ثوبه وإنما كان على بدنه ولو كان على الجبة لكان في نزعها كفاية من جهة الإحرام اه والجواب أن البخاري على عادته يشير إلى ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده وسيأتي في محرمات الإحرام من وجه آخر بلفظ عليه قميص فيه أثر صفرة والخلوق في العادة إنما يكون في الثوب ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة عن قتادة عن عطاء بلفظ رأى رجلا عليه جبة عليها أثر خلوق ولمسلم من طريق رباح بن أبي معروف عن عطاء مثله وقال سعيد بن منصور حدثنا هشيم أخبرنا عبد الملك ومنصور وغيرهما عن عطاء عن يعلى بن أمية أن رجلا قال يا رسول الله أني أحرمت وعلي جبتي هذه وعلى جبته ردغ من خلوق الحديث وفيه فقال اخلع هذه الجبة واغسل هذا الزعفران واستدل بحديث يعلى على منع استدامة الطيب بعد الإحرام للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن وهو قول مالك ومحمد بن الحسن وأجاب الجمهور بأن قصة يعلى كانت بالجعرانة كما ثبت في هذا الحديث وهي في سنة ثمان بلا خلاف وقد ثبت عن عائشة أنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديها عند إحرامها كما سيأتي في الذي بعده وكان ذلك في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر وبأن المأمور بغسله في قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب فلعل علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقا محرما وغير محرم وفي حديث بن عمر الآتي قريبا ولا يلبس أي المحرم من الثياب شيئا مسه زعفران وفي حديث بن عباس الآتي أيضا ولم ينه إلا عن الثياب المزعفرة وسيأتي مزيد في ذلك في الباب الذي بعده واستدل به على أن من أصابه طيب في إحرامه ناسيا أو جاهلا ثم علم فبادر إلى إزالته فلا كفارة عليه وقال مالك إن طال ذلك عليه لزمه وعن أبي حنيفة وأحمد في رواية يجب مطلقا وعلى أن المحرم إذا صار عليه المخيط نزعه ولا يلزمه تمزيقه ولا شقه خلافا للنخعي والشعبي حيث قالا لا ينزعه من قبل رأسه لئلا يصير مغطيا لرأسه أخرجه بن أبي شيبة عنهما وعن علي نحوه وكذا عن الحسن وأبي قلابة وقد وقع عند أبي داود بلفظ اخلع عنك الجبة فخلعها من قبل رأسه وعلى أن المفتي والحاكم إذا لم يعرف الحكم يمسك حتى يتبين له وعلى أن بعض الأحكام ثبت بالوحي وإن لم يكن مما يتلى لكن وقع عند الطبراني في الأوسط أن الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحكم بالاجتهاد إلا إذا لم يحضره الوحي

قسم V03/P395

1 ( قوله باب الطيب عند الإحرام وما يلبس إذا أراد أن يحرم ويترجل ويدهن )

قسم V03/P395–V03/P396

أراد بهذه الترجمة أن يبين أن الأمر بغسل الخلوق الذي في الحديث قبله إنما هو بالنسبة إلى الثياب لأن المحرم لا يلبس شيئا مسه الزعفران كما سيأتي في الباب الذي بعده وأما الطيب فلا يمنع استدامته على البدن وأضاف إلى التطيب المقتصر عليه في حديث الباب الترجل والادهان لجامع ما بينهما من الترفه فكأنه يقول يلحق بالتطيب سائر الترفهات فلا يحرم على المحرم كذا قال بن المنير والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما سيأتي بعد أربعة أبواب من طريق كريب عن بن عباس قال انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعد ما ترجل وأدهن الحديث وقوله ترجل أي سرح شعره وكأنه يؤخذ من قوله في حديث عائشة طيبته في مفرقه لأن فيه نوع ترجيل وسيأتي من وجه آخر بزيادة وفي أصول شعره قوله وقال بن عباس إلخ أما شم الريحان فقال سعيد بن منصور حدثنا بن عيينة عن أيوب عن عكرمة عن بن عباس أنه كان لا يرى بأسا للمحرم بشم الريحان وروينا في المعجم الأوسط مثله عن عثمان وأخرج بن أبي شيبة عن جابر خلافه واختلف في الريحان فقال إسحاق يباح وتوقف أحمد وقال الشافعي يحرم وكرهه مالك والحنفية ومنشأ الخلاف أن كل ما يتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف وأما غيره فلا وأما النظر في المرآة فقال الثوري في جامعه رواية عبد الله بن الوليد العدني عنه عن هشام بن حسان عن عكرمة عن بن عباس قال لا بأس أن ينظر في المرآة وهو محرم وأخرجه بن أبي شيبة عن بن إدريس عن هشام به ونقل كراهته عن القاسم بن محمد وأما التداوي فقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر وعباد بن العوام عن أشعث عن عطاء عن بن عباس أنه كان يقول يتداوى المحرم بما يأكل وقال أيضا حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن الضحاك عن بن عباس قال إذا شققت يد المحرم أو رجلاه فليدهنهما بالزيت أو بالسمن ووقع في الأصل يتداوى بما يأكل الزيت والسمن وهما بالجر في روايتنا وصحح عليه بن مالك عطفا على ما الموصولة فإنها مجرورة بالباء ووقع في غيرها بالنصب وليس المعنى عليه لأن الذي يأكل هو الآكل لا المأكول لكن يجوز على الاتساع وفي هذا الأثر رد على مجاهد في قوله أن تداوى بالسمن أو الزيت فعليه دم أخرجه بن أبي شيبة تنبيه قوله يشم بفتح الشين المعجمة على الأشهر وحكى ضمها قوله وقال عطاء يتختم ويلبس الهميان هو بكسر الهاء معرب يشبه تكة السراويل يجعل فيها النفقة ويشد في الوسط وقد روى الدارقطني من طريق الثوري عن بن إسحاق عن عطاء قال لا بأس بالخاتم للمحرم وأخرج أيضا من طريق شريك عن أبي إسحاق عن عطاء وربما ذكره عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال لا بأس بالهميان والخاتم للمحرم والأول أصح وأخرجه الطبراني وبن عدي في الكامل من وجه آخر عن بن عباس مرفوعا وإسناده ضعيف قال بن عبد البر أجاز ذلك فقهاء الأمصار وأجازوا عقده إذا لم يمكن إدخال بعضه في بعض ولم ينقل عن أحد كراهته إلا عن بن عمر وعنه جوازه ومنع إسحاق عقده وقيل أنه تفرد بذلك وليس كذلك فقد أخرج بن أبي شيبة بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال لا بأس بالهميان للمحرم ولكن لا يعقد عليه السير ولكن يلفه لفا وقال بن أبي شيبة حدثنا الفضل بن دكين عن إسماعيل بن عبد الملك قال رأيت على سعيد بن جبير خاتما وهو محرم وعلى عطاء قوله وطاف بن عمر وهو محرم وقد حزم على بطنه بثوب وصله الشافعي من طريق طاوس قال رأيت بن عمر يسعى وقد حزم على بطنه بثوب وروى من وجه آخر عن نافع أن بن عمر لم يكن عقد الثوب عليه وإنما غرز طرفه على إزاره وروى بن أبي شيبة من طريق مسلم بن جندب سمعت بن عمر يقول لا تعقد عليك شيئا وأنت محرم قال بن التين هو محمول على أنه شده على بطنه فيكون كالهميان ولم يشده فوق المئزر وإلا فمالك يرى على من فعل ذلك الفدية قوله ولم تر عائشة بالتبان بأسا للذين يرحلون هودجها وقع في نسخة الصغاني بعد قوله بأسا قال أبو عبد الله يعني الذين الخ التبان بضم المثناة وتشديد الموحدة سراويل قصير بغير أكمام والهودج بفتح الهاء وبالجيم معروف ويرحلون بفتح أوله وسكون الراء وفتح الحاء المهملة قال الجوهري رحلت البعير أرحله بفتح أوله رحلا إذا شددت على ظهره الرحل قال الأعشى رحلت أميمة غدوة أجمالها وسيأتي في التفسير استشهاد البخاري بقول الشاعر إذا ما قمت أرحلها بليل وعلى هذا فوهم من ضبطه هنا بتشديد الحاء المهملة وكسرها وقد وصل أثر عائشة سعيد بن منصور من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها حجت ومعها غلمان لها وكانوا إذا شدوا رحلها يبدو منهم الشيء فأمرتهم أن يتخذوا التبابين فيلبسونها وهم محرمون وأخرجه من وجه آخر مختصرا بلفظ يشدون هودجها وفي هذا رد على بن التين في قوله أرادت النساء لأنهن يلبسن المخيط بخلاف الرجال وكأن هذا رأي رأته عائشة وإلا فالأكثر على أنه لا فرق بين التبان والسراويل في منعه للمحرم

قسم V03/P396–V03/P397

1464 قوله سفيان هو الثوري ومنصور هو بن المعتمر والإسناد إلى بن عمر كوفيون وكذا إلى عائشة قوله يدهن بالزيت أي عند الإحرام بشرط أن لا يكون مطيبا كما أخرجه الترمذي من وجه آخر عنه مرفوعا والموقوف عنه أخرجه بن أبي شيبة وهو أصح ويؤيده ما تقدم في كتاب الغسل من طريق محمد بن المنتشر أن بن عمر قال لأن أطلى بقطران أحب إلي من أن أتطيب ثم أصبح محرما وفيه إنكار عائشة عليه وكان بن عمر يتبع في ذلك أباه فإنه كان يكره استدامة الطيب بعد الإحرام كما سيأتي وكانت عائشة تنكر عليه ذلك وقد روى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن عبد الله بن عمر أن عائشة كانت تقول لا بأس بأن يمس الطيب عند الإحرام قال فدعوت رجلا وأنا جالس بجنب بن عمر فأرسلته إليها وقد علمت قولها ولكن أحببت أن يسمعه أبي فجاءني رسولي فقال إن عائشة تقول لا بأس بالطيب عند الإحرام فأصب ما بدا لك قال فسكت بن عمر وكذا كان سالم بن عبد الله بن عمر يخالف أباه وجده في ذلك لحديث عائشة قال بن عيينة أخبرنا عمرو بن دينار عن سالم أنه ذكر قول عمر في الطيب ثم قال قالت عائشة فذكر الحديث قال سالم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع قوله فذكرته لإبراهيم هو مقول منصور وإبراهيم هو النخعي قوله فقال ما تصنع بقوله يشير إلى ما بينته وإن كان لم يتقدم إلا ذكر الفعل ويؤخذ منه أن المفزع في النوازل إلى السنن وأنه مستغني بها عن آراء الرجال وفيها المقنع قوله كأني أنظر أرادت بذلك قوة تحققها لذلك بحيث أنها لشدة استحضارها له كأنها ناظرة إليه قوله وبيص بالموحدة المكسورة وآخره صاد مهملة هو البريق وقد تقدم في الغسل قول الإسماعيلي أن الوبيص زيادة على البريق وأن المراد به التلألؤ وأنه يدل على وجود عين قائمة لا الريح فقط قوله في مفارق جمع مفرق وهو المكان الذي يفترق فيه الشعر في وسط الرأس قيل ذكرته بصيغة الجمع تعميما لجوانب الرأس التي يفرق فيها الشعر

قسم V03/P397–V03/P399

1465 قوله لاحرامه أي لأجل إحرامه وللنسائي حين أراد أن يحرم ولمسلم نحوه كما سيأتي قريبا قوله ولحله أي بعد أن يرمي ويحلق واستدل بقولها كنت أطيب على أن كان لا تقتضي التكرار لأنها لم يقع منها ذلك إلا مرة واحدة وقد صرحت في رواية عروة عنها بأن ذلك كان في حجة الوداع كما سيأتي في كتاب اللباس كذا استدل به النووي في شرح مسلم وتعقب بأن المدعي تكراره إنما هو التطيب لا الإحرام ولا مانع من أن يتكرر التطيب لأجل الإحرام مع كون الإحرام مرة واحدة ولا يخفى ما فيه وقال النووي في موضع آخر المختار أنها لا تقتضي تكرارا ولا استمرارا وكذا قال الفخر في المحصول وجزم بن الحاجب بأنها تقتضيه قال ولهذا استفدنا من قولهم كان حاتم يقري الضيف إن ذلك كان يتكرر منه وقال جماعة من المحققين أنها تقتضي التكرار ظهورا وقد تقع قرينة تدل على عدمه لكن يستفاد من سياقه لذلك المبالغة في اثبات ذلك والمعنى أنها كانت تكرر فعل التطيب لو تكرر منه فعل الإحرام لما اطلعت عليه من استحبابه لذلك على أن هذه اللفظة لم تتفق الرواة عنها عليها فسيأتي للبخاري من طريق سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم شيخ مالك فيه هنا بلفظ طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الطرق ليس فيها صيغة كان والله أعلم واستدل به على استحباب التطيب عند إرادة الإحرام وجواز استدامته بعد الإحرام وأنه لا يضر بقاء لونه ورائحته وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام وهو قول الجمهور وعن مالك يحرم ولكن لا فديه وفي رواية عنه تجب وقال محمد بن الحسن يكره أن يتطيب قبل الإحرام بما يبقي عينه بعده واحتج المالكية بأمور منها أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل بعد أن تطيب لقوله في رواية بن المنتشر المتقدمة في الغسل ثم طاف بنسائه ثم أصبح محرما فإن المراد بالطواف الجماع وكان من عادته أن يغتسل عند كل واحدة ومن ضرورة ذلك أن لا يبقى للطيب أثر ويرده قوله في الرواية الماضية أيضا ثم أصبح محرما ينضح طيبا فهو ظاهر في أن نضح الطيب وهو ظهور رائحته كان في حال إحرامه ودعوى بعضهم أن فيه تقديما وتأخيرا والتقدير طاف على نسائه ينضح طيبا ثم أصبح محرما خلاف الظاهر ويرده قوله في رواية الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم عند مسلم كان إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد ثم أراه في رأسه ولحيته بعد ذلك وللنسائي وبن حبان رأيت الطيب في مفرقه بعد ثلاث وهو محرم وقال بعضهم إن الوبيص كان بقايا الدهن المطيب الذي تطيب به فزال وبقي أثره من غير رائحة ويرده قول عائشة ينضح طيبا وقال بعضهم بقي أثره لا عينه قال بن العربي ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عينه بقيت انتهى وقد روى أبو داود وبن أبي شيبة من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت كنا نضمخ وجوهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم ثم نحرم فنعرق فيسيل على وجوهنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا فهذا صريح في بقاء عين الطيب ولا يقال إن ذلك خاص بالنساء لأنهم أجمعوا على أن الرجال والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين وقال بعضهم كان ذلك طيبا لا رائحة له تمسكا برواية الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة بطيب لا يشبه طيبكم قال بعض رواته يعني لا بقاء له أخرجه النسائي ويرد هذا التأويل ما في الذي قبله ولمسلم من رواية منصور بن زاذان عن عبد الرحمن بن القاسم بطيب فيه مسك وله من طريق الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم كأني انظر إلى وبيص المسك وللشيخين من طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه بأطيب ما أجد وللطحاوي والدارقطني من طريق نافع عن بن عمر عن عائشة بالغالية الجيدة وهذا يدل على أن قولها بطيب لا يشبه طيبكم أي أطيب منه لا كما فهمه القائل يعني ليس له بقاء وادعى بعضهم أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم قاله المهلب وأبو الحسن القصار وأبو الفرج من المالكية قال بعضهم لأن الطيب من دواعي النكاح فنهى الناس عنه وكان هو أملك الناس لأربه ففعله ورجحه بن العربي بكثرة ما ثبت له من الخصائص في النكاح وقد ثبت عنه أنه قال حبب إلي النساء والطيب أخرجه النسائي من حديث أنس وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالقياس وقال المهلب إنما خص بذلك لمباشرته الملائكة لأجل الوحي وتعقب بأنه فرع ثبوت الخصوصية وكيف بها ويردها حديث عائشة بنت طلحة المتقدم وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عائشة قالت طيبت أبي بالمسك لإحرامه حين أحرم وبقولها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين أخرجه الشيخان من طريق عمر بن عبد الله بن عروة عن جده عنها وسيأتي من طريق سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ وأشارت بيديها واعتذر بعض المالكية بأن عمل أهل المدينة على خلافه وتعقب بما رواه النسائي من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن سليمان بن عبد الملك لما حج جمع ناسا من أهل العلم منهم القاسم بن محمد وخارجة بن زيد وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فسألهم عن التطيب قبل الإفاضة فكلهم أمر به فهؤلاء فقهاء أهل المدينة من التابعين قد اتفقوا على ذلك فكيف يدعى مع ذلك العمل على خلافه قوله ولحله قبل أن يطوف بالبيت أي لأجل إحلاله من إحرامه قبل أن يطوف طواف الإفاضة وسيأتي في اللباس من طريق يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم بلفظ قبل أن يفيض وللنسائي من هذا الوجه وحين يريد أن يزور البيت ولمسلم نحوه من طريق عمرة عن عائشة وللنسائي من طريق بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة ولحله بعد ما يرمي جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت واستدل به على حل الطيب وغيره من محرمات الإحرام بعد رمي جمرة العقبة ويستمر امتناع الجماع ومتعلقاته على الطواف بالبيت وهو دال على أن للحج تحللين فمن قال أن الحلق نسك كما هو قول الجمهور وهو الصحيح عند الشافعية يوقف استعمال الطيب وغيره من المحرمات المذكورة عليه ويؤخذ ذلك من كونه صلى الله عليه وسلم في حجته رمى ثم حلق ثم طاف فلولا أن الطيب بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها قبل أن يطوف بالبيت قال النووي في شرح المهذب ظاهر كلام بن المنذر وغيره أنه لم يقل بأن الحلق ليس بنسك إلا الشافعي وهو في رواية عن أحمد وحكى عن أبي يوسف واستدل به على جواز استدامة الطيب بعد الإحرام وخالف الحنفية فأوجبوا فيه الفدية قياسا على اللبس وتعقب بأن استدامة اللبس لبس واستدامة الطيب ليس بطيب ويظهر ذلك بما لو حلف وقد تقدم التعقب على من زعم أن المراد بريق الدهن أو أثر الطيب الذي لا رائحة له بما فيه كفاية

قسم V03/P399–V03/P400

1 ( قوله باب من أهل ملبدا أي أحرم وقد لبد شعر رأسه ) أي جعل فيه شيئا نحو الصمغ ليجتمع شعره لئلا يتشعث في الإحرام أو يقع فيه القمل ثم أورد حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في ذلك وهو مطابق للترجمة وقوله 1466 سمعته يهل ملبدا أي سمعته يهل في حال كونه ملبدا ولأبي داود والحاكم من طريق نافع عن بن عمر أنه عليه الصلاة والسلام لبد رأسه بالعسل قال بن عبد السلام يحتمل أنه بفتح المهملتين ويحتمل أنه بكسر المعجمة وسكون المهملة وهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو غيره قلت ضبطناه في روايتنا في سنن أبي داود بالمهملتين 1 ( قوله باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة ) أي لمن حج من المدينة أورد فيه حديث سالم أيضا عن أبيه في ذلك من وجهين وساقه بلفظ مالك وأما لفظ سفيان فأخرجه الحميدي في مسنده بلفظ هذه البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد مسجد ذي الحليفة وأخرجه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل عن موسى بن عقبة بلفظ كان بن عمر إذا قيل له الإحرام من البيداء قال البيداء التي تكذبون فيها الخ إلا أنه قال من عند الشجرة حين قام به بعيره وسيأتي للمصنف بعد أبواب ترجمة من أهل حين استوت به راحلته وأخرج فيه من طريق صالح بن كيسان عن نافع عن بن عمر قال أهل النبي صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة وكان بن عمر ينكر على رواية بن عباس الآتية بعد بابين بلفظ ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل وقد أزال الاشكال ما رواه أبو داود والحاكم من طريق سعيد بن جبير قلت لابن عباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلاله فذكر الحديث وفيه فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أوجب من مجلسه فأهل بالحج حين فرغ منها فسمع منه قوم فحفظوه ثم ركب فلما استقلت به راحلته أهل وأدرك ذلك منه قوم لم يشهدوه في المرة الأولى فسمعوه حين ذاك فقالوا إنما أهل حين استقلت به راحلته ثم مضى فلما علا شرف البيداء أهل وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه فنقل كل أحد ما سمع وإنما كان اهلاله في مصلاه وأيم الله ثم أهل ثانيا وثالثا وأخرجه الحاكم من وجه آخر من طريق عطاء عن بن عباس نحوه دون القصة فعلى هذا فكان إنكار بن عمر على من يخص الإهلال بالقيام على شرف البيداء وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك وإنما الخلاف في الأفضل فائدة البيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي قاله أبو عبيد البكري وغيره 1 ( قوله باب ما لا يلبس المحرم من الثياب ) المراد بالمحرم من أحرم بحج أو عمرة أو قرن وحكى بن دقيق العيد أن بن عبد السلام كان يستشكل معرفة حقيقة الإحرام يعني على مذهب الشافعي ويرد على من يقول إنه النية لأن النية شرط في الحج الذي الإحرام ركنه وشرط الشيء غيره ويعترض على من يقول إنه التلبية بأنها ليست ركنا وكأنه يحوم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء انتهى والذي يظهر أنه مجموع الصفة الحاصلة من تجرد وتلبية ونحو ذلك وسيأتي في آخر باب التلبية ما يتعلق بشيء من هذا الغرض

قسم V03/P400–V03/P404

1468 قوله ان رجلا قال يا رسول الله لم أقف على اسمه في شيء من الطرق وسيأتي في باب ما ينهى من الطيب للمحرم ومن طريق الليث عن نافع بلفظ ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام وعند النسائي من طريق عمر بن نافع عن أبيه ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا وهو مشعر بأن السؤال عن ذلك كان قبل الإحرام وقد حكى الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري أن في رواية بن جريج والليث عن نافع أن ذلك كان في المسجد ولم أر ذلك في شيء من الطرق عنهما نعم أخرج البيهقي من طريق حماد بن زيد عن أيوب ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء عن عبد الله بن عون كلاهما عن نافع عن بن عمر قال نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب بذلك المكان وأشار نافع إلى مقدم المسجد فذكر الحديث وظهر أن ذلك كان بالمدينة ووقع في حديث بن عباس الآتي في أواخر الحج أنه صلى الله عليه وسلم خطب بذلك في عرفات فيحمل على التعدد ويؤيده أن حديث بن عمر أجاب به السائل وحديث بن عباس ابتدأ به في الخطبة قوله ما يلبس المحرم من الثياب قال لا يلبس القمص الخ قال النووي قال العلماء هذا الجواب من بديع الكلام وجزله لأن ما لا يلبس منحصر فحصل التصريح به وأما الملبوس الجائز فغير منحصر فقال لا يلبس كذا أي ويلبس ما سواه انتهى وقال البيضاوي سئل عما يلبس فأجاب بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز وإنما عدل عن الجواب لأنه أخصر وأحصر وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس لأنه الحكم العارض في الإحرام المحتاج لبيانه إذ الجواز ثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب فكان الأليق السؤال عما لا يلبس وقال غيره هذا يشبه أسلوب الحكيم ويقرب منه قوله تعالى يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين الآية فعدل عن جنس المنفق وهو المسئول عنه إلى ذكر المنفق عليه لأنه أهم وقال بن دقيق العيد يستفاد منه أن المعتبر في الجواب ما يحصل منه المقصود كيف كان ولو بتغيير أو زيادة ولا تشترط المطابقة انتهى وهذا كله بناء على سياق هذه الرواية وهي المشهورة عن نافع وقد رواه أبو عوانة من طريق بن جريج عن نافع بلفظ ما يترك المحرم وهي شاذة والاختلاف فيها على بن جريج لا على نافع ورواه سالم عن بن عمر بلفظ أن رجلا قال ما يجتنب المحرم من الثياب أخرجه أحمد وبن خزيمة وأبو عوانة في صحيحيهما من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عنه وأخرجه أحمد عن بن عيينة عن الزهري فقال مرة ما يترك ومرة ما يلبس وأخرجه المصنف في أواخر الحج من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري بلفظ نافع فالاختلاف فيه على الزهري يشعر بأن بعضهم رواه بالمعنى فاستقامت رواية نافع لعدم الاختلاف فيها واتجه البحث المتقدم وطعن بعضهم في قول من قال من الشراح أن هذا من أسلوب الحكيم بأنه كان يمكن الجواب بما يحصر أنواع ما لا يلبس كأن يقال ما ليس بمخيط ولا على قدر البدن كالقميص أو بعضه كالسراويل أو الخف ولا يستر الرأس أصلا ولا يلبس ما مسه طيب كالورس والزعفران ولعل المراد من الجواب المذكور ذكر المهم وهو ما يحرم لبسه ويوجب الفدية قوله المحرم أجمعوا على أن المراد به هنا الرجل ولا يلتحق به المرأة في ذلك قال بن المنذر أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذكر وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس ويؤيده قوله في آخر حديث الليث الآتي في آخر الحج لا تنتقب المرأة كما سيأتي البحث فيه وقوله لا تلبس بالرفع على الخبر وهو في معنى النهي وروى بالجزم على أنه نهي قال عياض أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم وأنه نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطي الرأس به مخيطا أو غيره وبالخفاف على كل ما يستر الرجل انتهى وخص بن دقيق العيد الإجماع الثاني بأهل القياس وهو واضح والمراد بتحريم المخيط ما يلبس على الموضع الذي جعل له ولو في بعض البدن فأما لو ارتدى بالقميص مثلا فلا بأس وقال الخطابي ذكر العمامة والبرنس معا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر قال ومن النادر المكتل يحمله على رأسه قلت إن أراد أنه يجعله على رأسه كلابس القبع صح ما قال وإلا فمجرد وضعه على رأسه على هيئة الحامل لحاجته لا يضر على مذهبه ومما لا يضر أيضا الانغماس في الماء فإنه لا يسمى لابسا وكذا ستر الرأس باليد قوله إلا أحد قال بن المنير في الحاشية يستفاد منه جواز استعمال أحد في الاثبات خلافا لمن خصه بضرورة الشعر قال والذي يظهر لي بالاستقراء أنه لا يستعمل في الاثبات إلا إن كان يعقبه نفي قوله لا يجد نعلين زاد معمر في روايته عن الزهري عن سالم في هذا الموضع زيادة حسنة تفيد ارتباط ذكر النعلين بما سبق وهي قوله وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين فإن لم يجد نعلين فليلبس الخفين واستدل بقوله فإن لم يجد على أن وأجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين وهو قول الجمهور وعن بعض الشافعية جوازه وكذا عند الحنفية وقال بن العربي إن صارا كالنعلين جاز وإلا متى سترا من ظاهر الرجل شيئا لم يجز إلا للفاقد والمراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده أو ترك بذل المالك له وعجزه عن الثمن أن وجد من يبيعه أو الأجرة ولو بيع بغبن لم يلزمه شراؤه أو وهب له لم يجب قبوله إلا إن أعير له قوله فليلبس ظاهر الأمر للوجوب لكنه لما شرع للتسهيل لم يناسب التثقيل وإنما هو للرخصة قوله وليقطعهما أسفل من الكعبين في رواية بن أبي ذئب الماضية في آخر كتاب العلم حتى يكونا تحت الكعبين والمراد كشف الكعبين في الإحرام وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم ويؤيده ما روى بن أبي شيبة عن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه وقال محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك وقيل أن ذلك لا يعرف عند أهل اللغة وقيل إنه لا يثبت عن محمد وأن السبب في نقله عنه أن هشام بن عبيد الله الرازي سمعه يقول في مسئله المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه فأشار محمد بيده إلى موضع القطع ونقله هشام إلى غسل الرجلين في الطهارة وبهذا يتعقب على من نقل عن أبي حنيفة كابن بطال أنه قال إن الكعب هو الشاخص في ظهر القدم فإنه لا يلزم من نقل ذلك عن محمد بن الحسن على تقدير صحته عنه أن يكون قول أبي حنيفة ونقل عن الأصمعي وهو قول الإمامية أن الكعب عظم مستدير تحت عظم الساق حيث مفصل الساق والقدم وجمهور أهل اللغة على أن في كل قدم كعبين وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين وعن الحنفية تجب وتعقب بأنها لو وجبت لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه وقت الحاجة واستدل به على اشتراط القطع خلافا للمشهور عن أحمد فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع لإطلاق حديث بن عباس الآتي في أواخر الحج بلفظ ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين وتعقب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيد فينبغي أن يقول بها هنا وأجاب الحنابلة بأشياء منها دعوى ا لنسخ في حديث بن عمر فقد روى الدارقطني من طريق عمرو بن دينار أنه روى عن بن عمر حديثه وعن جابر بن زيد عن بن عباس حديثه وقال انظروا أي الحديثين قبل ثم حكى الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري أنه قال حديث بن عمر قبل لأنه كان بالمدينة قبل الإحرام وحديث بن عباس بعرفات وأجاب الشافعي عن هذا في الأم فقال كلاهما صادق حافظ وزيادة بن عمر لا تخالف بن عباس لاحتمال أن تكون عزبت عنه أو شك أو قالها فلم يقلها عنه بعض رواته انتهى وسلك بعضهم الترجيح بين الحديثين قال بن الجوزي حديث بن عمر اختلف في وقفه ورفعه وحديث بن عباس لم يختلف في رفعه انتهى وهو تعليل مردود بل لم يختلف على بن عمر في رفع الأمر بالقطع إلا في رواية شاذة على أنه اختلف في حديث بن عباس أيضا فرواه بن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن بن عباس موقوفا ولا يرتاب أحد من المحدثين أن حديث بن عمر أصح من حديث بن عباس لأن حديث بن عمر جاء بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد واتفق عليه عن بن عمر غير واحد من الحفاظ منهم نافع وسالم بخلاف حديث بن عباس فلم يأت مرفوعا إلا من رواية جابر بن زيد عنه حتى قال الأصيلي إنه شيخ بصري لا يعرف كذا قال وهو معروف موصوف بالفقه عند الأئمة واستدل بعضهم بالقياس على السراويل كما سيأتي البحث فيه في حديث بن عباس إن شاء الله تعالى وأجيب بأن القياس مع وجود النص فاسد الاعتبار واحتج بعضهم بقول عطاء أن القطع فساد والله لا يحب الفساد وأجيب بأن الفساد إنما يكون فيما نهى الشرع عنه لا فيما أذن فيه وقال بن الجوزي يحمل الأمر بالقطع على الإباحة لا على الاشتراط عملا بالحديثين ولا يخفى تكلفه قال العلماء والحكمة في منع المحرم من اللباس والطيب البعد عن الترفه والاتصاف بصفة الخاشع وليتذكر بالتجرد القدوم على ربه فيكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات قوله ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس قيل عدل عن طريقه ما تقدم ذكره إشارة إلى اشتراك الرجال والنساء في ذلك وفيه نظر بل الظاهر أن نكتة العدول أن الذي يخالطه الزعفران والورس لا يجوز لبسه سواء كان مما يلبسه المحرم أو لا يلبسه والورس بفتح الواو وسكون الراء بعدها مهملة نبت أصفر طيب الريح يصبغ به قال بن العربي ليس الورس بطيب ولكنه نبه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملاءمة الشم فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيب واستدل بقوله مسه على تحريم ما صبغ كله أو بعضه ولو خفيت رائحته قال مالك في الموطأ إنما يكره لبس المصبغات لأنها تنفض وقال الشافعية إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة لم يمنع والحجة فيه حديث بن عباس الآتي في الباب الذي تقدم بلفظ ولم ينه عن شيء من الثياب إلا المزعفرة التي تردع الجلد وأما المغسول فقال الجمهور إذا ذهبت الرائحة جاز خلافا لمالك واستدل لهم بما روى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث إلا أن يكون غسيلا أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده عنه وروى الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران أن يحيى بن معين أنكره على الحماني فقال له عبد الرحمن بن صالح الأزدي قد كتبته عن أبي معاوية وقام في الحال فأخرج له أصله فكتبه عنه يحيى بن معين انتهى وهي زيادة شاذة لأن أبا معاوية وإن كان متقنا لكن في حديثه عن غير الأعمش مقال قال أحمد أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيد الله ولم يجيء بهذه الزيادة غيره قلت والحماني ضعيف وعبد الرحمن الذي تابعه فيه مقال واستدل به المهلب على منع استدامة الطيب وفيه نظر واستنبط من منع لبس الثوب المزعفر منع أكل الطعام الذي فيه الزعفران وهذا قول الشافعية وعن المالكية خلاف وقال الحنفية لا يحرم لأن المراد اللبس والتطيب والآكل لا يعد متطيبا تنبيه زاد الثوري في روايته عن أيوب عن نافع في هذا الحديث ولا القباء أخرجه عبد الرزاق عنه ورواه الطبراني من وجه آخر عن الثوري وأخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق حفص بن غياث عن عبيد الله بن عمر عن نافع أيضا والقباء بالقاف والموحدة معروف ويطلق على كل ثوب مفرج ومنع لبسه على المحرم متفق عليه إلا أن أبا حنيفة قال يشترط أن يدخل يديه في كميه لا إذا ألقاه على كتفيه ووافقه أبو ثور والخرقي من الحنابلة وحكى الماوردي نظيره إن كان كمه ضيقا فإن كان واسعا فلا

قسم V03/P404–V03/P405

1 ( قوله باب الركوب والارتداف في الحج ) أورد فيه حديث بن عباس في اردافه صلى الله عليه وسلم أسامة ثم الفضل وسيأتي الكلام عليه في باب التلبية والتكبير غداة النحر والقصة وأن كانت وردت في حالة الدفع من عرفات إلى منى لكن يلحق بها ما تضمنته الترجمة في جميع حالات الحج قال بن المنير والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم قصد باردافه من ذكر ليحدث عنه بما يتفق له في تلك الحال من التشريع قوله باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر هذه الترجمة مغايرة للسابقة التي قبلها من حيث أن تلك معقودة لما لا يلبس من أجناس الثياب وهذه لما يلبس من أنواعها والأزر بضم الهمزة والزاي جمع إزار قوله ولبست عائشة الثياب المعصفرة وهي محرمة وصله سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد قال كانت عائشة تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة إسناده صحيح وأخرجه البيهقي من طريق بن أبي مليكة أن عائشة كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر الخفيف وهي محرمة وأجاز الجمهور لبس المعصفر للمحرم وعن أبي حنيفة العصفر طيب وفيه الفدية واحتج بأن عمر كان ينهى عن الثياب المصبغة وتعقبه بن المنذر بأن عمر كره ذلك لئلا يقتدي به الجاهل فيظن جواز لبس المورس والمزعفر ثم ساق له قصة مع طلحة فيها بيان ذلك قوله وقالت أي عائشة لا تلثم بمثناة واحدة وتشديد المثلثة وهو على حذف إحدى التاءين وفي رواية أبي ذر تلتثم بسكون اللام وزيادة مثناة بعدها أي لا تغطي شفتها بثوب وقد وصله البيهقي وسقط من رواية الحموي من الأصل وقال سعيد بن منصور حدثنا هشيم حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها وفي مصنف بن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن هشام عن الحسن وعطاء قالا لا تلبس المحرمة القفازين والسراويل ولا تبرقع ولا تلثم وتلبس ما شاءت من الثياب إلا ثوبا ينفض عليها ورسا أو زعفرانا وهذا يشبه ما ذكر في الأصل عن عائشة قوله وقال جابر أي بن عبد الله الصحابي قوله لا أرى المعصفر طيبا أي تطيبا وصله الشافعي ومسدد بلفظ لا تلبس المرأة ثياب الطيب ولا أرى المعصفر طيبا وقد تقدم الخلاف في ذلك قوله ولم تر عائشة بأسا بالحلي والثوب الأسود والمورد والخف للمرأة وصله البيهقي من طريق بن باباه المكي أن امرأة سألت عائشة ما تلبس المرأة في إحرامها قالت عائشة تلبس من خزها وبزها وأصباغها وحليها وأما المورد والمراد ما صبغ على لون الورد فسيأتي موصولا في باب طواف النساء في آخر حديث عطاء عن عائشة وأما الخف فوصله بن أبي شيبة عن بن عمر والقاسم بن محمد والحسن وغيرهم وقال بن المنذر أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال ولا تخمره إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر تعني جدتها قال ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلا كما جاء عن عائشة قالت كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات فإذا جاوزنا رفعناه انتهى وهذا الحديث أخرجه هو من طريق مجاهد عنها وفي إسناده ضعف قوله وقال إبراهيم أي النخعي قوله لا بأس أن يبدل ثيابه وصله سعيد بن منصور وبن أبي شيبة كلاهما عن هشيم عن مغيرة وعبد الملك ويونس أما مغيرة فعن إبراهيم وأما عبد الملك فعن عطاء وأما يونس فعن الحسن قالوا يغير المحرم ثيابه ما شاء لفظ سعيد وفي رواية بن أبي شيبة إنهم لم يروا بأسا أن يبدل المحرم ثيابه قال سعيد وحدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال كان أصحابنا إذا أتوا بئر ميمون اغتسلوا ولبسوا أحسن ثيابهم فدخلوا فيها مكة

قسم V03/P405–V03/P406

1470 قوله حدثنا فضيل هو بالتصغير قوله ترجل أي سرح شعره قوله وادهن قال بن المنذر أجمع العلماء على أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن والشيرج وأن يستعمل ذلك في جميع بدنه سوى رأسه ولحيته وأجمعوا أن الطيب لا يجوز استعماله في بدنه ففرقوا بين الطيب والزيت في هذا فقياس كون المحرم ممنوعا من استعمال الطيب في رأسه أن يباح له استعمال الزيت في رأسه وقد تقدمت الإشارة إلى الخلاف في ذلك قبل بأبواب قوله التي تردع بالمهملة أي تلطخ يقال ردع إذا التطخ والردع أثر الطيب وردع به الطيب إذا لزق بجلده قال بن بطال وقد روى بالمعجمة من قولهم أردغت الأرض إذا كثرت مناقع المياه فيها والردغ بالغين المعجمة الطين انتهى ولم أر في شيء من الطرق ضبط هذه اللفظة بالغين المعجمة ولا تعرض لها عياض ولا بن قرقول والله أعلم ووقع في الأصل تردع على الجلد قال بن الجوزي الصواب حذف على كذا قال واثباتها موجه أيضا كما تقدم قوله فأصبح بذي الحليفة أي وصل إليها نهارا ثم بات بها كما سيأتي صريحا في الباب الذي بعده من حديث أنس قوله حتى استوى على البيداء أهل تقدم نقل الخلاف في ذلك وطريق الجمع بين المختلف فيه قوله وذلك لخمس بقين من ذي القعدة أخرج مسلم مثله من حديث عائشة احتج به بن حزم في كتاب حجة الوداع له على أن خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة كان يوم الخميس قال لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس بلا شك لأن الوقفة كانت يوم الجمعة بلا خلاف وظاهر قول بن عباس لخمس يقتضي أن يكون خروجه من المدينة يوم الجمعة بناء على ترك عد يوم الخروج وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا كما سيأتي قريبا من حديث أنس فتبين أنه لم يكن يوم الجمعة فتعين أنه يوم الخميس وتعقبه بن القيم بأن المتعين أن يكون يوم السبت بناء على عد يوم الخروج أو على ترك عده ويكون ذو القعدة تسعا وعشرين يوما انتهى ويؤيده ما رواه بن سعد والحاكم في الإكليل أن خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة كان يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة وفيه رد على من منع إطلاق القول في التاريخ لئلا يكون الشهر ناقصا فلا يصح الكلام فيقول مثلا لخمس إن بقين بزيادة أداة الشرط وحجة المجيز أن الإطلاق يكون على الغالب ومقتضى قوله أنه دخل مكة لأربع خلون من ذي الحجة أن يكون دخلها صبح يوم الأحد وبه صرح الواقدي قوله والطيب والثياب أي كذلك وقوله الحجون بفتح المهملة بعدها جيم مضمومة هو الجبل المطل على المسجد بأعلى مكة على يمين المصعد وهناك مقبرة أهل مكة وسيأتي بقية شرح ما اشتمل عليه حديث بن عباس هذا مفرقا في الأبواب 1 ( قوله باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح ) يعني إذا كان حجه من المدينة والمراد من هذه الترجمة مشروعية المبيت بالقرب من البلد التي يسافر منها ليكون أمكن من التوصل إلى مهماته التي ينساها مثلا قال بن بطال ليس ذلك من سنن الحج وإنما هو من جهة الرفق ليلحق به من تأخر عنه قال بن المنير لعله أراد أن يدفع توهم من يتوهم أن الإقامة بالميقات وتأخير الإحرام شبيه بمن تعداه بغير إحرام فبين أن ذلك غير لازم حتى ينفصل عنه قوله قاله بن عمر يشير إلى حديثه المتقدم في باب خروج النبي صلى الله عليه وسلم على طريق الشجرة

قسم V03/P406–V03/P408

1471 قوله حدثني بن المنكدر كذا رواه الحفاظ من أصحاب بن جريج عنه وخالفهم عيسى بن يونس فقال عن بن جريج عن الزهري عن أنس وهي رواية شاذة قوله وبذي الحليفة ركعتين فيه مشروعية قصر الصلاة لمن خرج من بيوت البلد وبات خارجا عنها ولو لم يستمر سفره واحتج به أهل الظاهر في قصر الصلاة في السفر القصير ولا حجة فيه لأنه كابتداء سفر لا المنتهى وقد تقدم البحث في ذلك في أبواب قصر الصلاة وتقدم الخلاف في ابتداء إهلاله صلى الله عليه وسلم قريبا قوله في الرواية الثانية حدثنا عبد الوهاب هو بن عبد المجيد الثقفي قوله وأحسبه الشك فيه من أبي قلابة وقد تقدم في طريق بن المنكدر التي قبلها بغير شك وسيأتي بعد بابين من طريق أخرى عن أيوب بأتم من هذا السياق 1 ( قوله باب رفع الصوت بالإهلال ) قال الطبري الإهلال هنا رفع الصوت بالتلبية وكل رافع صوته بشيء فهو مهل به وأما أهل القوم الهلال فأرى أنه من هذا لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم عند رؤيته انتهى وسيأتي اختيار البخاري خلاف ذلك بعد أبواب 1473 قوله وسمعتهم يصرخون بهما جميعا أي بالحج والعمرة ومراد أنس بذلك من نوى منهم القران ويحتمل أن يكون على سبيل التوزيع أي بعضهم بالحج وبعضهم بالعمرة قاله الكرماني ويشكل عليه قوله في الطريق الأخرى يقول لبيك بحجة وعمرة معا وسيأتي إنكار بن عمر على أنس ذلك وسيأتي ما فيه في باب التمتع والقران وفيه حجة للجمهور في استحباب رفع الأصوات بالتلبية وقد روى مالك في الموطأ وأصحاب السنن وصححه الترمذي وبن خزيمة والحاكم من طريق خلاد بن السائب عن أبيه مرفوعا جاءني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي يرفعون أصواتهم بالإهلال ورجاله ثقات إلا أنه اختلف على التابعي في صحابيه وروى بن أبي شيبة بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المزني قال كنت مع بن عمر فلبى حتى أسمع ما بين الجبلين وأخرج أيضا بإسناد صحيح من طريق المطلب بن عبد الله قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم واختلف الرواة عن مالك فقال بن القاسم عنه لا يرفع صوته بالتلبية إلا في المسجد الحرام ومسجد منى وقال في الموطأ لا يرفع صوته بالتلبية في مسجد الجماعات ولم يستثن شيئا ووجه الاستثناء أن المسجد الحرام جعل للحاج والمعتمر وغيرهما وكان الملبي إنما يقصد إليه فكان ذلك وجه الخصوصية وكذلك مسجد منى 1 ( قوله باب التلبية ) هي مصدر لبى أي قال لبيك ولا يكون عامله إلا مضمرا

قسم V03/P408–V03/P411

1474 قوله لبيك هو لفظ مثنى عند سيبويه ومن تبعه وقال يونس هو اسم مفرد وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير كلدى وعلى ورد بأنها قلبت ياء مع المظهر وعن الفراء هو منصوب على المصدر وأصله لبا لك فثنى على التأكيد أي إلبابا بعد إلباب وهذه التثنية ليست حقيقية بل هي للتكثير أو المبالغة ومعناه إجابة بعد إجابة أو إجابة لازمة قال بن الأنباري ومثله حنانيك أي تحننا بعد تحنن وقيل معنى لبيك اتجاهي وقصدي إليك مأخوذ من قولهم داري تلب دارك أي تواجهها وقيل معناه محبتي لك مأخوذ من قولهم امرأة لبة أي محبة وقيل إخلاصي لك من قولهم حب لباب أي خالص وقيل أنا مقيم على طاعتك من قولهم لب الرجل بالمكان إذا أقام وقيل قربا منك من الإلباب وهو القرب وقيل خاضعا لك والأول أظهر وأشهر لأن المحرم مستجيب لدعاء الله إياه في حج بيته ولهذا من دعى فقال لبيك فقد استجاب وقال بن عبد البر قال جماعة من أهل العلم معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج انتهى وهذا أخرجه عبد بن حميد وبن جرير وبن أبي حاتم بأسانيدهم في تفاسيرهم عن بن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغير واحد والأسانيد إليهم قوية وأقوى ما فيه عن بن عباس ما أخرجه أحمد بن منيع في مسنده وبن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عنه قال لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قيل له أذن في الناس بالحج قال رب وما يبلغ صوتي قال أذن وعلي البلاغ قال فنادى إبراهيم يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فسمعه من بين السماء والأرض أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون ومن طريق بن جريج عن عطاء عن بن عباس وفيه فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء وأول من أجابه أهل اليمن فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ قال بن المنير في الحاشية وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان بإستدعاء منه سبحانه وتعالى قوله ان الحمد روى بكسر الهمزة على الاستئناف وبفتحها على التعليل والكسر أجود عند الجمهور وقال ثعلب لأن من كسر جعل معناه إن الحمد لك على كل حال ومن فتح قال معناه لبيك لهذا السبب وقال الخطابي لهج العامة بالفتح وحكاه الزمخشري عن الشافعي قال بن عبد البر المعنى عندي واحد لأن من فتح أراد لبيك لأن الحمد لك على كل حال وتعقب بأن التقييد ليس في الحمد وإنما هو في التلبية قال بن دقيق العيد الكسر أجود لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة وأن الحمد والنعمة لله على كل حال والفتح يدل على التعليل فكأنه يقول أجبتك لهذا السبب والأول أعم فهو أكثر فائدة ولما حكى الرافعي الوجهين من غير ترجيح رجح النووي الكسر وهذا خلاف ما نقله الزمخشري أن الشافعي أختار الفتح وأن أبا حنيفة أختار الكسر قوله والنعمة لك المشهور فيه النصب قال عياض ويجوز الرفع على الابتداء ويكون الخبر محذوفا والتقدير أن الحمد لك والنعمة مستقرة لك قاله بن الأنباري وقال بن المنير في الحاشية قرن الحمد والنعمة وأفرد الملك لأن الحمد متعلق النعمة ولهذا يقال الحمد لله على نعمه فجمع بينهما كأنه قال لا حمد إلا لك لأنه لا نعمة إلا لك وأما الملك فهو معنى مستقل بنفسه ذكر لتحقيق أن النعمة كلها لله لأنه صاحب الملك قوله والملك بالنصب أيضا على المشهور ويجوز الرفع وتقديره والملك كذلك ووقع عند مسلم من رواية موسى بن عقبة عن نافع وغيره عن بن عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استوت به راحلته عند مسجد ذي الحليفة أهل فقال لبيك الحديث وللمصنف في اللباس من طريق الزهري عن سالم عن أبيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبدا يقول لبيك اللهم لبيك الحديث وقال في آخره لا يزيد على هذه الكلمات زاد مسلم من هذا الوجه قال بن عمر كان عمر يهل بهذا ويزيد لبيك اللهم لبيك وسعديك والخير في يديك والرغباء إليك والعمل وهذا القدر في رواية مالك أيضا عنده عن نافع عن بن عمر أنه كان يزيد فيها فذكر نحوه فعرف أن بن عمر اقتدي في ذلك بأبيه وأخرج بن أبي شيبة من طريق المسور بن مخرمة قال كانت تلبية عمر فذكر مثل المرفوع وزاد لبيك مرغوبا ومرهوبا إليك ذا النعماء والفضل الحسن واستدل به على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قال الطحاوي بعد أن أخرجه من حديث بن عمر وبن مسعود وعائشة وجابر وعمرو بن معد يكرب أجمع المسلمون جميعا على هذه التلبية غير أن قوما قالوا لا بأس أن يزيد فيها من الذكر لله ما أحب وهو قول محمد والثوري والأوزاعي واحتجوا بحديث أبي هريرة يعني الذي أخرجه النسائي وبن ماجة وصححه بن حبان والحاكم قال كان من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك إله الحق لبيك وبزيادة بن عمر المذكورة وخالفهم آخرون فقالوا لا ينبغي أن يزاد على ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس كما في حديث عمرو بن معد يكرب ثم فعله هو ولم يقل لبوا بما شئتم مما هو من جنس هذا بل علمهم كما علمهم التكبير في الصلاة فكذا لا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئا مما علمه ثم أخرج حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمع رجلا يقول لبيك ذا المعارج فقال أنه لذو المعارج وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فهذا سعد قد كره الزيادة في التلبية وبه نأخذ انتهى ويدل على الجواز ما وقع عند النسائي من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن بن مسعود قال كان من تلبية النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ففيه دلالة على أنه قد كان يلبي بغير ذلك وما تقدم عن عمر وبن عمر وروى سعيد بن منصور من طريق الأسود بن يزيد أنه كان يقول لبيك غفار الذنوب وفي حديث جابر الطويل في صفة الحج حتى استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك الخ قال وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد عليهم شيئا منه ولزم تلبيته وأخرجه أبو داود من الوجه الذي أخرجه منه مسلم قال والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلا يقول لهم شيئا وفي رواية البيهقي ذا المعارج وذا الفواضل وهذا يدل على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو صلى الله عليه وسلم عليها وأنه لا بأس بالزيادة لكونه لم يردها عليهم وأقرهم عليها وهو قول الجمهور وبه صرح أشهب وحكى بن عبد البر عن مالك الكراهة قال وهو أحد قولي الشافعي وقال الشيخ أبو حامد حكى أهل العراق عن الشافعي يعني في القديم أنه كره الزيادة على المرفوع وغلطوا بل لا يكره ولا يستحب وحكى الترمذي عن الشافعي قال فإن زاد في التلبية شيئا من تعظيم الله فلا بأس وأحب إلي أن يقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن بن عمر حفظ التلبية عنه ثم زاد من قبله زيادة ونصب البيهقي الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي فقال الاقتصار على المرفوع أحب ولا ضيق أن يزيد عليها قال وقال أبو حنيفة أن زاد فحسن وحكى في المعرفة عن الشافعي قال ولا ضيق على أحد في قول ما جاء عن بن عمر وغيره من تعظيم الله ودعائه غير أن الاختيار عندي أن يفرد ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك انتهى وهذا أعدل الوجوه فيفرد ما جاء مرفوعا وإذا أختار قول ما جاء موقوفا أو أنشأه هو من قبل نفسه مما يليق قاله على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع وهو شبيه بحال الدعاء في التشهد فإنه قال فيه ثم ليتخير من المسألة والثناء ما شاء أي بعد أن يفرغ من المرفوع كما تقدم ذلك في موضعه تكميل لم يتعرض المصنف لحكم التلبية وفيها مذاهب أربعة يمكن توصيلها إلى عشرة الأول أنها سنة من السنن لا يجب بتركها شيء وهو قول الشافعي وأحمد ثانيها واجبة ويجب بتركها دم حكاه الماوردي عن بن أبي هريرة من الشافعية وقال إنه وجد للشافعي نصا يدل عليه وحكاه بن قدامة عن بعض المالكية والخطابي عن مالك وأبي حنيفة وأغرب النووي فحكى عن مالك أنها سنة ويجب بتركها دم ولا يعرف ذلك عندهم إلا أن بن الجلاب قال التلبية في الحج مسنونة غير مفروضة وقال بن التين يريد أنها ليست من أركان الحج وإلا فهي واجبة ولذلك يجب بتركها الدم ولو لم تكن واجبة لم يجب وحكى بن العربي أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم وهذا قدر زائد على أصل الوجوب ثالثها واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج كالتوجه على الطريق وبهذا صدر بن شاس من المالكية كلامه في الجواهر له وحكى صاحب الهداية من الحنفية مثله لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين وقال بن المنذر قال أصحاب الرأي إن كبر أو هلل أو سبح ينوي بذلك الإحرام فهو محرم رابعها أنها ركن في الإحرام لا ينعقد بدونها حكاه بن عبد البر عن الثوري وأبي حنيفة وبن حبيب من المالكية والزبيري من الشافعية وأهل الظاهر قالوا هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة ويقويه ما تقدم من بحث بن عبد السلام عن حقيقة الإحرام وهو قول عطاء أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه قال التلبية فرض الحج وحكاه بن المنذر عن بن عمر وطاوس وعكرمة وحكى النووي عن داود أنه لا بد من رفع الصوت بها وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنا قوله عن أبي عطية هو مالك بن عامر وسيأتي الخلاف في اسمه في تفسير سورة البقرة ورجال هذا الإسناد إلى عائشة كوفيون إلا شيخ البخاري وأردف المصنف حديث بن عمر بحديث عائشة لما فيه من الدلالة على أنه كان يديم ذلك وقد تقدم أن في حديث جابر عند مسلم التصريح بالمداومة قوله تابعه أبو معاوية يعني تابع سفيان وهو الثوري عن الأعمش وروايته وصلها مسدد في مسنده عنه وكذلك أخرجها الجوزقي من طريق عبد الله بن هشام عنه قوله وقال شعبة الخ وصله أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة ولفظه مثل لفظ سفيان إلا أنه زاد فيه ثم سمعتها تلبي وليس فيه قوله لا شريك لك وهذا أخرجه أحمد عن غندر عن شعبة وسليمان شيخ شعبة فيه هو الأعمش والطريقان جميعا محفوظان وهو محمول على أن للأعمش فيه شيخين ورجح أبو حاتم في العلل رواية الثوري ومن تبعه على رواية شعبة فقال أنها وهم وخيثمة هو بن عبد الرحمن الجعفي وأفادت هذه الطريق بيان سماع أبي عطية له من عائشة والله أعلم

قسم V03/P411–V03/P412

1 ( قوله باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال ) سقط من رواية المستملي لفظ التحميد والمراد بالإهلال هنا التلبية وقوله عند الركوب أي بعد الإستواء على الدابة لا حال وضع الرجل مثلا في الركاب وهذا الحكم وهو استحباب التسبيح وما ذكر معه قبل الإهلال قل من تعرض لذكره مع ثبوته وقيل أراد المصنف الرد على من زعم أنه يكتفى بالتسبيح وغيره عن التلبية ووجه ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أتى بالتسبيح وغيره ثم لم يكتف به حتى لبى ثم أورد المصنف حديث أنس وهو مشتمل على أحكام فتقدم منها ما يتعلق بقصر الصلاة وبالإحرام وسيأتي ما يتعلق بالقرآن قريبا قوله ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب ظاهره أن إهلاله كان بعد صلاة الصبح لكن عند مسلم من طريق أبي حسان عن بن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج وللنسائي من طريق الحسن عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالبيداء ثم ركب ويجمع بينهما بأنه صلاها في آخر ذي الحليفة وأول البيداء والله أعلم قوله ثم أهل بحج وعمرة يأتي الكلام عليه في باب التمتع والقرآن قريبا إن شاء الله تعالى قوله حتى كان يوم التروية بضم يوم لأن كان تامة قوله ونحر النبي صلى الله عليه وسلم بدنات بيده قياما وذبح بالمدينة كبشين أملحين قال أبو عبد الله هو المصنف قال بعضهم هذا عن أيوب عن رجل عن أنس هكذا وقع عند الكشميهني والبعض المبهم هنا ليس هو إسماعيل بن علية كما زعم بعضهم فقد أخرجه المصنف عن مسدد عنه في باب نحر البدن قائمة بدون هذه الزيادة ويحتمل أن يكون حماد بن سلمة فقد أخرجه الإسماعيلي من طريقه عن أيوب لكن صرح بذكر أبي قلابة ووهيب أيضا ثقة حجة فقد جعله من رواية أيوب عن أبي قلابة عن أنس فعرف أنه المبهم وقد تابعه عبد الوهاب الثقفي على حديث ذبح الكبشين الأملحين عن أيوب عن أبي قلابة كما سيأتي في الأضاحي إن شاء الله تعالى قوله باب من أهل حين استوت به راحلته قائمة أورد فيه حديث بن عمر مختصرا وقد تقدم الكلام عليه قريبا ورواية صالح بن كيسان عن نافع من الأقران وقد سمع بن جريج من نافع كثيرا وروى هذا عنه بواسطة وهو دال على قلة تدليسه والله أعلم 1 ( قوله باب الإهلال مستقبل القبلة ) زاد المستملي الغداة بذي الحليفة وسيأتي شرحه

قسم V03/P412–V03/P413

1478 قوله وقال أبو معمر هو عبد الله بن عمرو لا إسماعيل القطيعي وقد وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق عباس الدوري عن أبي معمر وقال ذكره البخاري بلا رواية قوله إذا صلى بالغداة أي صلى الصبح بوقت الغداة وللكشميهني إذا صلى الغداة أي الصبح قوله فرحلت بتخفيف الحاء قوله استقبل القبلة قائما أي مستويا على ناقته أو وصفه بالقيام لقيام ناقته وقد وقع في الرواية الثانية بلفظ فإذا استوت به راحلته قائمة وفهم الداودي من قوله استقبل القبلة قائما أي في الصلاة فقال في السياق تقديم وتأخير فكأنه قال أمر براحلته فرحلت ثم استقبل القبلة قائما أي فصلى صلاة الإحرام ثم ركب حكاه بن التين قال وإن كان ما في الأصل محفوظا فلعله لقرب إهلاله من الصلاة انتهى ولا حاجة إلى دعوى التقديم والتأخير بل صلاة الإحرام لم تذكر هنا والاستقبال إنما وقع بعد الركوب وقد رواه بن ماجة وأبو عوانة في صحيحه من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع بلفظ كان إذا أدخل رجله في الغرز واستوت به ناقته قائما أهل قوله ثم يمسك الظاهر أنه أراد يمسك عن التلبية وكأنه أراد بالحرم المسجد والمراد بالإمساك عن التلبية التشاغل بغيرها من الطواف وغيره لا تركها أصلا وسيأتي نقل الخلاف في ذلك وأن بن عمر كان لا يلبي في طوافه كما رواه بن خزيمة في صحيحه من طريق عطاء قال كان بن عمر يدع التلبية إذا دخل الحرم ويراجعها بعد ما يقضي طوافه بين الصفا والمروة وأخرج نحوه من طريق القاسم بن محمد عن بن عمر قال الكرماني ويحتمل أن يكون مراده بالحرم منى يعني فيوافق الجمهور في استمرار التلبية حتى يرمي جمرة العقبة لكن يشكل عليه قوله في رواية إسماعيل بن علية إذا دخل أدنى الحرم والأولى أن المراد بالحرم ظاهره لقوله بعد ذلك حتى إذا جاء ذا طوى فجعل غاية الإمساك الوصول إلى ذي طوى والظاهر أيضا أن المراد بالإمساك ترك تكرار التلبية ومواظبتها ورفع الصوت بها الذي يفعل في أول الإحرام لا ترك التلبية رأسا والله أعلم قوله ذا طوى بضم الطاء وبفتحها وقيدها الأصيلي بكسرها واد معروف بقرب مكة ويعرف اليوم ببئر الزاهر وهو مقصور منون وقد لا ينون ونقل الكرماني أن في بعض الروايات حتى إذا حاذى طوى بحاء مهملة بغير همز وفتح الذال قال والأول هو الصحيح لأن اسم الموضع ذو طوى لا طوى فقط قوله وزعم هو من إطلاق الزعم على القول الصحيح وسيأتي من رواية بن علية عن أيوب بلفظ ويحدث قوله تابعه إسماعيل هو بن علية قوله عن أيوب في الغسل أي وغيره لكن من غير مقصود الترجمة لأن هذه المتابعة وصلها المصنف كما سيأتي بعد أبواب عن يعقوب بن إبراهيم حدثنا بن علية به ولم يقتصر فيه على الغسل بل ذكره كله إلا القصة الأولى وأوله كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية والباقي مثله ولهذه النكتة أورد المصنف طريق فليح عن نافع المقتصرة على القصة الأولى بزيادة ذكر الدهن الذي ليست له رائحة طيبة ولم يقع في رواية فليح التصريح باستقبال القبلة لكنه من لازم الموجه إلى مكة في ذلك الموضع أن يستقبل القبلة وقد صرح بالاستقبال في الرواية الأولى وهما حديث واحد وإنما أحتاج إلى رواية فليح للنكتة التي بينتها والله أعلم وبهذا التقرير يندفع اعتراض الإسماعيلي عليه في إيراده حديث فليح وأنه ليس فيه للاستقبال ذكر قال المهلب استقبال القبلة بالتلبية هو المناسب لأنها إجابة لدعوة إبراهيم ولأن المجيب لا يصلح له أن يولي المجاب ظهره بل يستقبله قال وإنما كان بن عمر يدهن ليمنع بذلك القمل عن شعره ويجتنب ما له رائحة طيبة صيانة للاحرام 1 ( قوله باب التلبية إذا انحدر في الوادي ) أورد فيه حديث بن عباس أما موسى كأني أنظر إليه إذا انحدر إلى الوادي يلبي وفيه قصة وسيأتي بهذا الإسناد بأتم من هذا السياق في كتاب اللباس وقوله

قسم V03/P413–V03/P414

1480 أما موسى كأني أنظر إليه قال المهلب هذا وهم من بعض رواته لأنه لم يأت أثر ولا خبر أن موسى حي وأنه سيحج وإنما أتى ذلك عن عيسى فاشتبه على الراوي ويدل عليه قوله في الحديث الآخر ليهلن بن مريم بفج الروحاء انتهى وهو تغليط للثقات بمجرد التوهم فسيأتي في اللباس بالإسناد المذكور بزيادة ذكر إبراهيم فيه أفيقال أن الراوي غلط فزاده وقد أخرج مسلم الحديث من طريق أبي العالية عن بن عباس بلفظ كأني أنظر إلى موسى هابطا من الثنية واضعا أصبعيه في أذنيه مارا بهذا الوادي وله جؤار إلى الله بالتلبية قاله لما مر بوادي الأزرق واستفيد منه تسمية الوادي وهو خلف أمج بينه وبين مكة ميل واحد وأمج بفتح الهمزة والميم وبالجيم قرية ذات مزارع هناك وفي هذا الحديث أيضا ذكر يونس أفيقال أن الراوي الآخر غلط فزاد يونس وقد اختلف أهل التحقيق في معنى قوله كأني أنظر على أوجه الأول هو على الحقيقة والأنبياء أحياء عند ربهم يرزقون فلا مانع أن يحجوا في هذا الحال كما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم رأى موسى قائما في قبره يصلي قال القرطبي حببت إليهم العبادة فهم يتعبدون بما يجدونه من دواعي أنفسهم لا بما يلزمون به كما يلهم أهل الجنة الذكر ويؤيده أن عمل الآخرة ذكر ودعاء لقوله تعالى دعواهم فيها سبحانك اللهم الآية لكن تمام هذا التوجيه أن يقال أن المنظور إليه هي أرواحهم فلعلها مثلت له صلى الله عليه وسلم في الدنيا كما مثلت له ليلة الإسراء وأما أجسادهم فهي في القبور قال بن المنير وغيره يجعل الله لروحه مثالا فيرى في اليقظة كما يرى في النوم ثانيها كأنه مثلت له أحوالهم التي كانت في الحياة الدنيا كيف تعبدوا وكيف حجوا وكيف لبوا ولهذا قال كأني ثالثها كأنه أخبر بالوحي عن ذلك فلشدة قطعه به قال كأني أنظر إليه رابعها كأنها رؤية منام تقدمت له فأخبر عنها لما حج عند ما تذكر ذلك ورؤيا الأنبياء وحي وهذا هو المعتمد عندي لما سيأتي في أحاديث الأنبياء من التصريح بنحو ذلك في أحاديث أخر وكون ذلك كان في المنام والذي قبله أيضا ليس ببعيد والله أعلم قال بن المنير في الحاشية توهيم المهلب للراوي وهم منه وإلا فأي فرق بين موسى وعيسى لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رفع نزل إلى الأرض وإنما ثبت أنه سينزل قلت أراد المهلب بأن عيسى لما ثبت أنه سينزل كان كالمحقق فقال كأني أنظر إليه ولهذا استدل المهلب بحديث أبي هريرة الذي فيه ليهلن بن مريم بالحج والله أعلم قوله إذا انحدر كذا في الأصول وحكى عياض أن بعض العلماء أنكر اثبات الألف وغلط رواته قال وهو غلط منه إذ لا فرق بين إذا وإذ هنا لأنه وصفه حالة انحداره فيما مضى وفي الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود تنبيه لم يصرح أحد ممن روى هذا الحديث عن بن عون بذكر النبي صلى الله عليه وسلم قاله الإسماعيلي ولا شك أنه مراد لأن ذلك لا يقوله بن عباس من قبل نفسه ولا عن غير النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم 1 ( قوله باب كيف تهل الحائض والنفساء ) أي كيف تحرم قوله أهل تكلم به الخ هكذا في رواية المستملي والكشميهني وليس هذا مخالفا لما قدمناه من أن أصل الإهلال رفع الصوت لأن رفع الصوت يقع بذكر الشيء عند ظهوره قوله وما أهل لغير الله به وهو من استهلال الصبي أي أنه من رفع الصوت بذلك فاستهل الصبي أي رفع صوته بالصياح إذا خرج من بطن أمه وأهل به لغير الله أي رفع الصوت به عند الذبح للأصنام ومنه استهلال المطر والدمع وهو صوت وقعه بالأرض ومن لازم ذلك الظهور غالبا

قسم V03/P414–V03/P416

1481 قوله فأهللنا بعمرة قال عياض اختلفت الروايات في إحرام عائشة اختلافا كثيرا قلت وسيأتي بسط القول فيه بعد بابين في باب التمتع والقران قوله فقال انقضى رأسك هو بالقاف وبالمعجمة قوله وامتشطي وأهلي بالحج وهو شاهد الترجمة وقد سبق في كتاب الحيض بلفظ وافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت وسيأتي بقية الكلام عليه بعد هذا قوله ثم طافوا طوافا آخر كذا للكشميهني والجرجاني ولغيرهما طوافا واحدا والأول هو الصواب قاله عياض قال الخطابي استشكل بعض أهل العلم أمره لها بنقض رأسها ثم بالامتشاط وكان الشافعي يتأوله على أنه أمرها أن تدع العمرة وتدخل عليها الحج فتصير قارنة قال وهذا لا يشاكل القصة وقيل أن مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة قال وهذا لا يعلم وجهه وقيل كانت مضطرة إلى ذلك قال ويحتمل أن يكون نقض رأسها كان لأجل الغسل لتهل بالحج لا سيما إن كانت ملبدة فنحتاج إلى نقض الضفر وأما الامتشاط فلعل المراد به تسريحها شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شيء ثم تضفره كما كان 1 ( قوله باب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم أي فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ) فجاز الإحرام على الإبهام لكن لا يلزم منه جواز تعليقه إلا على فعل من يتحقق أنه يعرفه كما وقع في حديثي الباب وأما مطلق الإحرام على الإبهام فهو جائز ثم يصرفه المحرم لما شاء لكونه صلى الله عليه وسلم لم ينه عن ذلك وهذا قول الجمهور وعن المالكية لا يصح الإحرام على الإبهام وهو قول الكوفيين قال بن المنير وكأنه مذهب البخاري لأنه أشار بالترجمة إلى أن ذلك خاص بذلك الزمن لأن عليا وأبا موسى لم يكن عندهما أصل يرجعان إليه في كيفية الإحرام فأحالاه على النبي صلى الله عليه وسلم وأما الآن فقد استقرت الأحكام وعرفت مراتب الإحرام فلا يصح ذلك والله أعلم وكأنه أخذ الإشارة من تقييده بزمن النبي صلى الله عليه وسلم قوله قاله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى ما أخرجه موصولا في باب بعث علي إلى اليمن من كتاب المغازي من طريق بكر بن عبد الله المزني عن بن عمر فذكر فيه حديثا فقدم علينا علي بن أبي طالب من اليمن حاجا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بما أهللت فإن معنا أهلك قال أهللت بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم الحديث وإنما قال له فإن معنا أهلك لأن فاطمة كانت قد تمتعت بالعمرة وأحلت كما بينه مسلم من حديث جابر

قسم V03/P416

1483 قوله حدثنا عبد الصمد هو بن عبد الوارث بن سعيد ومروان الأصفر يقال اسم أبيه خاقان وهو أبو خلف البصري وروى أيضا عن أبي هريرة وبن عمر وغيرهما من الصحابة وليس له في البخاري عن أنس سوى هذا الحديث وهو من أفراد الصحيح قال الترمذي حسن غريب وقال الدارقطني في الأفراد لا أعلم رواه عن سليم بن حيان غير عبد الصمد بن عبد الوارث قوله قدم علي من اليمن سيأتي في المغازي ذكر سبب بعث علي إلى اليمن وأن ذلك قبل حجة الوداع وبيان ذلك من حديث البراء بن عازب ومن حديث بريدة قوله وزاد محمد بن بكر عن بن جريج يعني عن عطاء عن جابر ثبت هذا التعليق في رواية أبي ذر وقد وصله الإسماعيلي من طريق محمد بن بشار وأبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء كلاهما عن محمد بن بكر به وسيأتي معلقا أيضا في المغازي من هذا الوجه مقرونا بطريق مكي بن إبراهيم أيضا هناك أتم والمذكور في كل من الموضعين قطعة من الحديث وأورد بقيته بهذين السندين معلقا وموصولا في كتاب الاعتصام والمراد بقوله في طريق مكي وذكر قول سراقة أي سؤاله أعمرتنا لعامنا هذا أو للأبد قال بل للأبد وسيأتي موصولا في أبواب العمرة من وجه آخر عن عطاء عن جابر قوله وامكث حراما كما أنت في حديث بن عمر المشار إليه فأمسك فإن معنا هديا

الأسئلة