Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

قسم V17/P216–V17/P219

> قوله تعالى : ( أفرأيتم ما تحرثون ) هذه حجة أخرى أي أخبروني عما تحرثون من أرضكم فتطرحون فيها البذر أنتم تنبتونه وتحصلونه زرعا فيكون فيه السنبل والحب أم نحن نفعل ذلك وإنما منكم البذر وشق الأرض فإذا أقررتم بأن إخراج السنبل من الحب ليس إليكم فكيف تنكرون إخراج الأموات من الأرض وإعادتهم وأضاف الحرث إليهم والزرع إليه تعالى لأن الحرث فعلهم ويجري على اختيارهم والزرع من فعل الله تعالى وينبت على اختياره لا على اختيارهم كذلك ما روى أبو هريرة عن النبي ( ص ) أنه قال : ( لايقول أحدكم زرعت وليقل حرثت فإن الزارع هو الله ( قال أبو هريرة : ألم تسمعوا قول الله تعالى : ( أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون ) والمستحب لكل من يلقي البذر في الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة ( أفرأيتم ما تحرثون ) الآية ثم يقول : بل الله الزارع والمنبت والمبلغ اللهم صل على محمد وارزقنا ثمره وجنبنا ضرره واجعلنا لأنعمك من الشاكرين ولآلائك من الذاكرين وبارك لنا فيه يا رب العالمين ويقال : إن هذا القول أمان لذلك الزرع من جميع الآفات : الدود والجراد وغير ذلك سمعناه من ثقة وجرب فوجد كذلك ومعنى ( أأنتم تزرعونه ) أي تجعلونه [ زرعا ] وقد يقال : فلان زراع كما يقال حراث أي يفعل ما يئول إلى أن يكون زرعا يعجب الزراع وقد يطلق لفظ الزرع على بذر الأرض وتكريبها تجوزا قلت : فهو نهي إرشاد [ وأدب ] لا نهي حظر وإيجاب ومنه قوله عليه السلام : ( لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي وليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي ( وقد مضى في يوسف القول فيه وقد بالغ بعض العلماء فقال : لا يقل حرثت فأصبت بل يقل : أعانني الله فحرثت وأعطاني بفضله ما أصبت قال الماوردي : وتتضمن هذه الآية أمرين أحدهما الامتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم الثاني البرهان الموجب للاعتبار لأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذره وانتقاله إلى استواء حاله من العفن والترتيب حتى صار زرعا أخضر ثم جعله قويا مشتدا أضعاف ما كان عليه فهو بإعادة من أمات أخف عليه وأقدر وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفطر السليمة ثم قال ( لونشاء لجعلناه حطاما ) أي متكسرا يعني الزرع والحطام الهشيم الهالك الذي لا ينتفع به في مطعم ولا غذاء فنبه بذلك أيضا على أمرين : أحدهما ما أولاهم به من النعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاما ليشكروه الثاني ليعتبروا بذلك في أنفسهم كما أنه يجعل الزرع حطاما إذا شاء وكذلك يهلكهم إذا شاء ليتعظوا فينزجروا ( فظلتم تفكهون ) أي تعجبون بذهابها وتندمون مما حل بكم قاله الحسن وقتادة وغيرهما وفي الصحاح : وتفكه أي تعجب ويقال : تندم قال الله تعالى : ( فظلتم تفكهون ) أي تندمون وتفكهت بالشيء تمتعت به وقال يمان : تندمون على نفقاتكم دليله : فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وقال عكرمة : تلاومون وتندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت عقوبتكم حتى نالتكم في زرعكم بن كيسان : تحزنون والمعنى متقارب وفيه لغتان : تفكهون وتفكنون : قال الفراء : والنون لغة عكل وفي الصحاح : التفكن التندم على ما فات وقيل : التفكه التكلم فيما لا يعينك ومنه قيل للمزاح فكاهه بالضم فأما الفكاهة بالفتح فمصدر فكه الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا وقراءة العامة ( فظلتم ) بفتح الظاء وقرأ عبد الله ( فظلتم ) بكسر الظاء ورواها هارون عن حسين عن أبي بكر فمن فتح فعلى الأصل والأصل ظللتم فحذف اللام الأولى تخفيفا ومن كسر نقل كسرة اللام الأولى إلى الظاء ثم حذفها ( إنا لمغرمون ) وقرأ أبو بكر والمفضل ( أئنا ) بهمزتين على الاستفهام ورواه عاصم عن زر بن حبيش الباقون بهمزة واحدة على الخبر أي يقولون ( إنا لمغرمون ) أي معذبون عن بن عباس وقتادة قالا : والغرام العذاب ومنه قول بن المحلم : وثقت بأن الحفظ مني سجية وأن فؤادي متبل بك مغرم وقال مجاهد وعكرمة : لمولع بنا ومنه قول النمر بن تولب : سلا عن تذكرة تكتما وكان رهينا بها مغرما يقال : أغرم فلان بفلانة أي أولع بها ومنه الغرام وهو الشر اللازم وقال مجاهد أيضا : لملقون شرا وقال مقاتل بن حيان : مهلكون النحاس : ( إنا لمغرمون ) مأخوذ من الغرام وهو الهلاك كما قال : يوم النسار ويوم الجفا ركانا عذابا وكانا غراما الضحاك وبن كيسان : هو من الغرم والمغرم الذي ذهب بغير عوض أي غرمنا الحب الذي بذرناه وقال مرة الهمداني : محاسبون ( بل نحن محرومون ) أي حرمنا ما علينا من الريع والمحروم الممنوع من الرزق والمحروم ضد المرزوق وهو المحارف في قول قتادة وعن أنس أن النبي ( ص ) مر بأرض الأنصار فقال : ( ما يمنعكم من الحرث ( قالوا : الجدوبة فقال : ( لاتفعلوا فإن الله تعالى يقول أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر ( ثن تلا ( أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أن نحن الزارعون ) قلت : وفي هذا الخبر والحديث الذي قبله ما يصحح قول من أدخل الزارع في أسماء الله سبحانه وأباه الجمهور من العلماء وقد ذكرنا ذلك في : الكتاب الأسني في شرح أسماء الله الحسنى < <

قسم V17/P219

الواقعة : ( 68 ) أفرأيتم الماء الذي . . . . . > > < > ( الواقعه 68 : 74 ) <

قسم V17/P219–V17/P222

> قوله تعالى : ( أفرأيتم الماء الذي تشربون ) لتحيوا به أنفسكم وتسكنوا به عطشكم لأن الشراب إنما يكون تبعا للمطعوم ولهذا جاء الطعام مقدما في الآية قبل ألا ترى أنك تسقي ضيفك بعد أن تطعمه الزمخشري : ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء : إذا سقيت ضيوف الناس محضا سقوا أضيافهم شبما زلالا وسقي بعض العرب فقال : أنا لا أشرب إلا على ثميلة ( أأنتم أنزلتموه من المزن ) أي السحاب الواحدة مزنة فقال الشاعر : فنحن كماء المزن ما في نصابنا كهام ولا فينا بعد بخيل وهذا قول بن عباس ومجاهد وغيرهما أن المزن السحاب وعن بن عباس أيضا والثوري : المزن السماء والسحاب وفي الصحاح : أبو زيد : المزنة السحابة البيضاء والجمع مزن والمزنة المطرة قال : ألم تر أن الله أنزل مزنة وعفر الظباء في الكناس تقمع ( أم نحن المنزلون ) أي فإذا عرفتم بأني أنزلته فلم لا تشكروني بإخلاص العباد لي ولم تنكرون قدرتي على الإعادة ( لو نشاء جعلناه أجاجا ) أي ملحا شديد الملوحة قاله بن عباس الحسن : مرا قعاقا لا تنتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما ( فلولا ) أي فهلا تشكرون الذي صنع بكم قوله تعالى : ( أفرأيتم النار التي تورون ) أي أخبروني عن النار التي تظهرونها بالقدح من الشجر الرطب ( أأنتم أنشأتم شجرتها ) يعني التي تكون منها الزناد وهي المرخ والعقار ومنه قولهم : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر منها كأنهما أخذا من النار ما هو حسبهما ويقال : لأنهما يسرعان الورى يقال : أوريت النار إذا قدحتها وورى الزند يرى إذا انقدح منه النار وفيه لغة أخرى : وورى الزند يرى بالكسر فيهما ( أم نحن المنشئون ) أي المخترعون الخالقون أي فإذا عرفتم قدرتي فاشكروني ولا تنكروا قدرتي على البعث قوله تعالى : ( نحن جعلناها تذكرة ) يعني نار الدنيا موعظة للنار الكبرى قاله قتادة ومجاهد : تبصرة للناس من الظلام وصح عن النبي ( ص ) أنه قال : ( إن ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ( فقالوا يا رسول الله : أن كانت لكافية قال : ( فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها ( ومتاعا للمقوين ) قال الضحاك : أي منفعة للمسافرين سموا بذلك لنزولهم القوى وهو الفقر الفراء : إنما يقال للمسافرين : مقوين إذا أنزلوا القي وهي الأرض القفر التي لا شيء فيها وكذلك القوى والقواء بالمد والقصر ومنزل قواء لا أنيس به ويقال : أقوت الدار وقويت أيضا أي خلت من سكانها وقال النابغة : يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد وقال عنترة : حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم ويقال : أقوى أي قوي وقوي أصحابه وأقوى إذا سافر نزل القواء والقي وقال مجاهد : ( للمقوين ) المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخبز والاصطلاء والاستضاءة ويتذكر بها نار جهنم فيستجار بالله منها وقال بن زيد : للجائعين في إصلاح طعامهم يقال : أقويت منذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا وبات فلان القواء وبات القفر إذا بات جائعا على غير طعم قال الشاعر : وإني لأختار القوي طاوي الحشى محافظة من أن يقال لئيم وقال الربيع والسدي : ( المقوين ) المنزلين [ الذين ] لا زناد معهم يعني نارا يوقدون فيختبرون بها ورواه العوفي عن بن عباس وقال قطرب : المقوي من الأضداد يكون بمعنى الفقير ويكون بمعنى الغني يقال : أقوى الرجل إذا لم يكن معه زاد وأقوى إذا قويت دوابه وكثر ماله المهدوي : والآية تصلح للجميع لأن النار يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير وحكى الثعلبي أن أكثر المفسرين على القول الأول القشيري : وخص المسافر بالانتفاع بها لأن انتفاعه بها أكثر من منفعة المقيم لأن أهل البادية لابد لهم من النار يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع وفي كثير من حوائجهم قوله تعالى : ( فسبح باسم ربك العظيم ) أي فنزه الله عما أضافه إليه المشركون من الأنداد والعجز عن البعث < <

قسم V17/P222

الواقعة : ( 75 ) فلا أقسم بمواقع . . . . . > > < > ( الواقعه 75 : 80 ) <

قسم V17/P222–V17/P226

> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فلا أقسم ) ( لا ) صلة في قول أكثر المفسرين والمعنى فاقسم بدليل قوله : ( وإنه لقسم ) وقال الفراء : هي نفي والمعنى ليس الأمر كما تقولون ثم استأنف ( أقسم ) وقد يقول الرجل : لا والله ما كان كذا فلا يريد به نفي اليمين بل يريد به نفي كلام تقدم أي ليس الأمر كما ذكرت بل هو كذا وقيل : ( لا ) يعني ألا للتنبيه كما قال : ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ونبه بهذا على فضيلة القرآن ليتدبروه وإنه ليس بشعر ولا سحر ولا كهانة كما زعموا وقرأ الحسن وحميد وعيسى بن عمر ( فلأقسم ) بغير ألف بعد اللام على التحقيق وهو فعل حال ويقدر مبتدأ محذوف التقدير : فلأنا أقسم بذلك ولو أريد به الاستقبال للزمت النون وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يراد به الاستقبال وهو شاذ الثانية قوله تعالى : ( بمواقع النجوم ) مواقع النجوم مساقطها ومغاربها في قول قتادة وغيره عطاء بن أبي رباح : منازلها الحسن : انكدارها وانتثارها يوم القيامة الضحاك : هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون إذا أمطروا قالوا مطرنا بنوء كذا الماوردي : ويكون قوله تعالى : ( فلا أقسم ) مستعملا على حقيقته من نفي القسم القشيري : هو قسم ولله تعالى أن يقسم بما يريد وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى وصفاته القديمة قلت : يدل على هذا قراءة الحسن ( فلأقسم ) وما أقسم به سبحانه من مخلوقاته في غير موضع من كتابه وقال بن عباس : المراد بمواقع النجوم نزول القرآن نجوما أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ من السماء العليا إلى السفرة الكاتبين فنجمه السفرة على جبريل عشرين ليلة ونجمه على محمد عليهما الصلاة والسلام عشرين سنة فهو ينزله على الأحداث من أمته حكاه الماوردي عن بن عباس والسدي وقال أبو بكر الأنباري : حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا حجاج بن المنهال حدثنا همام عن الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس قال : نزل القرآن إلى سماء الدنيا جملة واحدة ثم نزل إلى الأرض نجوما وفرق بعد ذلك خمس آيات خمس آيات وأقل وأكثر فذلك قول الله تعالى : ( فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم ) وحكى الفراء عن بن مسعود أن مواقع النجوم هو محكم القرآن وقرأ حمزة والكسائي ( بموقع ) على التوحيد وهي قراءة عبد الله بن مسعود والنخعي والأعمش وبن محيصن ورويس عن يعقوب الباقون على الجمع فمن أفرد فلأنه اسم جنس يؤدي الواحد فيه عن الجمع ومن جمع فلاختلاف أنواعه الثالثة قوله تعالى : ( إنه لقرآن كريم ) قيل : إن الهاء تعود على القرآن أي إن القرآن لقسم عظيم قاله بن عباس وغيره وقيل : ما أقسم الله به عظيم ( إنه لقرآن كريم ) ذكر المقسم عليه أي أقسم بمواقع النجوم إن هذا القرآن قرآن كريم ليس بسحر ولا كهانة وليس بمفترى بل هو قرآن كريم محمود جعله الله تعالى معجزة لنبيه ( ص ) وهو كريم على المؤمنين لأنه كلام ربهم وشفاء صدورهم كريم على أهل السماء لأنه تنزيل ربهم ووحيه وقيل : ( كريم ) أي غير مخلوق وقيل : ( كريم ) لما فيه من كريم الأخلاق ومعاني الأمور وقيل : لأنه يكرم حافظه ويعظم قارئه الرابعة قوله تعالى : ( في كتاب مكنون ) مصون عند الله تعالى وقيل : مكنون محفوظ عن الباطل والكتاب هنا كتاب في السماء قاله بن عباس وقال جابر بن يزيد وبن عباس أيضا : هو اللوح المحفوظ عكرمة : التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن ومن ينزل عليه السدي : الزبور مجاهد وقتادة : هو المصحف الذي في أيدينا الخامسة قوله تعالى : ( لا يمسه إلا المطهرون ) اختلف في معنى ( لا يمسه ) هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى وكذلك اختلف في ( المطهرون ) من هم فقال أنس وسعيد بن جبير : لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة وكذا قال أبو العالية وبن زيد : إنهم الذين طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة والرسل من بني آدم فجبريل النازل به مطهر والرسل الذين يجيئهم بذلك مطهرون الكلبي : هم السفرة الكرام البررة وهذا كله قول واحد وهو نحو ما اختاره مالك حيث قال : أحسن ما سمعت في قوله ( لا يمسه إلا المطهرون ) أنها بمنزلة الآية التي في عبس وتولى : فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة يريد أن المطهرين هم الملائكة الذين وصفوا بالطهارة في سورة عبس وقيل : معنى ( لايمسه ) لا ينزل به ( إلا المطهرون ) أي الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء وقيل : لا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون وقيل : إن إسرافيل هو الموكل بذلك حكاه القشيري بن العربي : وهذا باطل لأن الملائكة لا تناله في وقت ولا تصل إليه بحال ولو كان المراد به ذلك لما كان للاستثناء فيه مجال وأما من قال : إنه الذي بأيدي الملائكة في الصحف فهو قول محتمل وهو اختيار مالك وقيل : المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا وهو الأظهر وقد روى مالك وغيره أن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله ( ص ) ونسخته : من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحرث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قيل ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد وكان في كتابه : ألا يمس القرآن إلا طاهر وقال بن عمر : قال النبي ( ص ) : ( لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر ( وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة : ( لا يمسه إلا المطهرون ) فقام واغتسل وأسلم وقد مضى في أول سورة طه وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره : ( لا يمسه إلا المطهرون ) من الأحداث والأنجاس الكلبي : من الشرك الربيع بن أنس : من الذنوب والخطايا وقيل : معنى ( لايمسه ) لا يقرؤه ( إلا المطهرون ) إلا الموحدون قاله محمد بن فضيل وعبدة قال عكرمة : كان بن عباس ينهى أن يمكن أحد من اليهود والنصارى من قراءة القرآن وقال الفراء : لا يجد طعمه ونفعه وبركته إلا المطهرون أي المؤمنون بالقرآن بن العربي : وهو اختيار البخاري قال النبي ( ص ) : ( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ( ص ) نبيا ( وقال الحسين بن الفضل : لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره الله من الشرك والنفاق وقال أبو بكر الوراق : لا يوفق للعمل به إلا السعداء وقيل : المعنى لا يمس ثولبه إلا المؤمنون ورواه معاذ عن النبي ( ص ) ثم قيل : ظاهر الآية خبر عن الشرع أي لا يمسه إلا المطهرون شرعا فإن وجد خلاف ذلك فهو غير الشرع وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن العربي وأبطل أن يكون لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر وقد مضى هذا المعنى في سورة البقرة المهدوي : يجوز أن يكون أمرا وتكون ضمة السين ضمة إعراب ويجوز أن يكون نهيا وتكون ضمة السين ضمة بناء والفعل مجزوم السادسة واختلف العلماء في مس المصحف على غير وضوء فالجمهور على المنع من مسه لحديث عمرو بن حزم وهو مذهب علي وبن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي واختلفت الرواية عن أبي حنيفة فروي عنه أنه يمسه المحدث وقد روى هذا عن جماعة من السلف منهم بن عباس والشعبي وغيرهما وروى عنه أنه يمس ظاهره وحواشيه وما لا مكتوب فيه وأما الكتاب فلا يمسه إلا طاهر بن العربي : وهذا إن سلمه مما يقوي الحجة عليه لأن حريم الممنوع ممنوع وفيما كتبه النبي ( ص ) لعمرو بن حزم أقوى دليل عليه وقال مالك : لا يحمله غير طاهر بعلاقة ولا على وسادة وقال أبو حنيفة : لا بأس بذلك ولم يمنع من حمله بعلاقة أو مسه بحائل وقد روي عن الحكم وحماد وداود بن علي أنه لا بأس بحمله ومسه لمسلم والكافر طاهرا أو محدثا إلا أن داود قال : لا يجوز المشرك حمله واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي ( ص ) إلى قيصر وهو موضع ضرورة فلا حجة فيه وفي مس الصبيان إياه على وجهين : أحدهما المنع اعتبارا بالبالغ الثاني الجواز لأنه لو منع لم يحفظ القرآن لأن تعلمه حال الصغر ولأن الصبي وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة لأن النية لا تصح منه فإذا جاز أن يحمله على غير طهارة كاملة جاز أن يحمله محدثا السابعة قوله تعالى : ( تنزيل من رب العالمين ) أي منزل كقولهم : ضرب الأمير ونسج اليمن وقيل : ( تنزيل ) صفة لقوله تعالى : ( إنه لقرآن كريم ) وقيل : أي هو التنزيل < <

قسم V17/P226

الواقعة : ( 81 ) أفبهذا الحديث أنتم . . . . . > > < > ( الواقعه 81 : 87 ) <

قسم V17/P226–V17/P231

> قوله تعالى : ( أفبهذا الحديث ) يعني القرآن ( أنتم مدهنون ) أي مكذبون قاله بن عباس وعطاء وغيرهما والمدهن الذي ظاهره خلاف باطنه كأنه شبه بالدهن في سهولة ظاهره وقال مقاتل بن سليمان وقتادة : مدهنون كافرون نظيره : ودوا لو تدهن فيدهنون وقال المؤرج : المدهن المنافق أو الكافر الذي يلين جانبه ليخفي كفره والإدهان المداهنة التكذيب والكفر والنفاق وأصله اللين وأن يسر خلاف ما يظهر وقال أبو قيس بن الأسلت : الحزم والقوة خير من ال إدهان والفهة والهاع وأدهن وداهن واحد وقال قوم : داهنت بمعنى واريت وأدهنت بمعنى غششت وقال الضحاك : ( مدهنون ) معرضون مجاهد : ممالئون الكفار على الكفر به بن كيسان : المدهن الذي لا يعقل ما حق الله عليه ويدفعه بالعلل وقال بعض اللغويين : مدهنون تاركون للجزم في قبول القرآن قوله تعالى : ( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) قال بن عباس : تجعلون شكركم التكذيب وذكر الهيثم بن عدي : أن من لغة أسد شنوءة ما رزق فلان أي ما شكره وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان شكره لأن شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه فيكون الشكر رزقا على هذا المعنى فقيل : ( وتجعلون رزقكم ) أي شكر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقا لكم ( أنكم تكذبون ) بالرزق أي تضعون الكذب مكان الشكر كقوله تعالى : وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية أي لم يكونوا يصلون ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون مكان الصلاة فقيل بيان أن ما أصاب العباد من خير فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكن أسبابا بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة أو صبر إن كان مكروها تعبدا له وتذللا وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي ( ص ) قرأ ( وتجعلون شكركم أنكم تكذبون ) حقيقة وعن بن عباس أيضا : أن المراد به الاستسقاء بالأنواء وهو قول العرب : مطرنا بنوء كذا رواه علي بن أبي طالب عن النبي ( ص ) وفي صحيح مسلم عن بن عباس قال : مطر الناس على عهد النبي ( ص ) فقال النبي ( ص ) : ( أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا هذه رحمة الله وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا قال : فنزلت هذه الآية : ( فلا أقسم بمواقع النجوم حتى بلغ ( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) وعنه أيضا أن النبي ( ص ) خرج في سفر فعطشوا فقال النبي ( ص ) : ( أرأيتم إن دعوت الله لكم فسقيتم لعلكم تقولون هذا المطر بنوءكذا ( فقالوا : يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء فصلى بركعتين ودعا ربه فهاجت ريح ثم هاجت سحابة فمطروا فمر النبي ( ص ) ومعه عصابة من أصحابه برجل يغترف بقدح له وهو يقول سقينا بنوء كذا ولم يقل هذا من رزق الله فنزلت : ( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) أي شكركم لله على رزقه إياكم ( أنكم تكذبون ) بالنعمة وتقولون سقينا بنوء كذا كقولك : جعلت إحساني إليك إساة منك إلي وجعلت إنعامي لديك أن اتخذتني عدوا وفي الموطأ عن زيد بن خالد الجهني أنه قال : صلى بنا رسول الله ( ص ) صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس وقال : ( أتدرون ماذا قال ربكم ( قالوا : الله ورسوله أعلم قال : ( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك مؤمن بالكوكب كافر بي ( قال الشافعي رحمه الله : لا أحب أحدا أن يقول مطرنا بنوء كذا وكذا وإن كان النوء عندنا الوقت المخلوق لا يضر ولا ينفع ولا يمطر ولا يحبس شيئا من المطر والذي أحب أن يقول : مطرنا وقت كذا كما تقول مطرنا شهر كذا ومن قال : مطرنا بنوء كذا وهو يريد أن النوء أنزل الماء كما عني بعض أهل الشرك من الجاهلية بقوله فهو كافر حلال دمه إن لم يتب وقال أبو عمر بن عبد البر : وأما قوله ( ص ) حاكيا عن الله سبحانه : ( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ( فمعناه عندي على وجهين : أما أحدهما فإن المعتقد بأن النوء هو الموجب لنزول الماء وهو المنشئ للسحاب دون الله عز وجل فذلك كافر كفرا صريحا يجب استتابته عليه وقتله [ إن أبى ] لنبذه الإسلام ورده القرآن والوجه الآخر أن يعتقد أن النوء ينزل الله به الماء وأنه سبب الماء على ما قدره الله وسبق في علمه وهذا وإن كان وجها مباحا فإن فيه أيضا كفرا بنعمة الله عز وجل وجهلا بلطيف حكمته في أن ينزل الماء متى شاء مرة بنوء كذا ومرة بنوء كذا وكثيرا ما ينوء النوء فلا ينزل معه شيء من الماء وذلك من الله تعالى لا من النوء وكذلك كان أبو هريرة يقول إذا أصبح وقد مطر : مطرنا بنوء الفتح ثم يتلو : ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها قال أبو عمر : وهذا عندي نحو قول رسول الله ( ص ) : ( أمطرنا بفضل الله ورحمته ( ومن هذا الباب قول عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب حين استسقى به : يا عم رسول الله ( ص ) كم بقي من نوء الثريا فقال العباس : ألعلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعا بعد سقوطها فما مضت سابعة حتى مطروا فقال عمر : الحمد لله هذا بفضل الله ورحمته وكأن عمر رحمه الله قد علم أن نوء الثريا وقت يرجى فيه المطر ويؤمل فسأله عنه أخرج أم بقيت منه بقية وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية أن النبي ( ص ) سمع رجلا في بعض أسفاره يقول : مطرنا ببعض عثانين الأسد فقال رسول الله ( ص ) : ( كذبت بل هو سقيا الله عز وجل ( قال سفيان : عثانين الأسد الذراع والجبهة وقراءة العامة ( تكذبون ) من التكذيب وقرأ المفضل عن عاصم ويحيى بن وثاب ( تكذبون ) بفتح التاء مخففا ومعناه ما قدمناه من قول من قال : مطرنا بنوء كذا وثبت من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله ( ص ) : ( ثلاث لن يزلن في أمتي التفاخر في الأحساب والنياحة والأنواء ( ولفظ مسلم في هذا ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة ( قوله تعالى : ( فلولا إذا بلغت الحلقوم ) أي فهلا إذا بلغت النفس أو الروح الحلقوم ولم يتقدم لها ذكر لأن المعنى معروف قال حاتم أماوي ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر وفي حديث : ( إن ملك الموت له أعوان يقطعون العروق ويجمعون الروح شيئا فشيئا حتى ينتهى بها إلى الحلقوم فيتوفاها ملك الموت ( وأنتم حينئذ تنظرون ) أمري وسلطاني وقيل : تنظرون إلى الميت لا تقدرون له على شيء وقال بن عباس : يريد من حضر من أهل الميت ينتظرون متى تخرج نفسه ثم قيل : هو رد عليهم في قولهم لإخوانهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا أي فهل ردوا روح الواحد منهم إذا بلغت الحلقوم وقيل : المعنى فهلا إذا بلغت نفس أحدكم الحلقوم عند النزع وأنتم حضور أمسكتم روحه في جسده مع حرصكم على امتداد عمره وحبكم لبقائه وهذا رد لقولهم : نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وقيل : هو خطاب لمن هو في النزع أي إن لم يك ما بك من الله فهلا حفظت على نفسك الروح ( ونحن أقرب إليه منكم ) أي بالقدرة والعلم والرؤية قال عامر بن عبد القيس : ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله تعالى أقرب إلي منه وقيل : أراد ورسلنا الذين يتولون قبضه ( أقرب إليه منكم ) ( ولكن لا تبصرون ) أي لا ترونهم قوله تعالى : ( فلولا إن كنتم غير مدينين ) أي فهلا إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين بأعمالكم ومنه قوله تعالى : إنا لمدينون أي مجزيون محاسبون وقد تقدم وقيل : غير مملوكين ولا مقهورين قال الفراء وغيره : دنته ملكته وأنشد للحطيئة : لقد دينت أمر بنيك حتى تركتهم أدق من الطحين يعني ملكت ودانه أي أذله واستعبده يقال : دنته فدان وقد مضى في الفاتحة القول في هذا عند قوله تعالى : يوم الدين ( ترجعونها ) ترجعون الروح إلى الجسد ( إن كنتم صادقين ) أي ولن ترجعونها فبطل زعمكم أنكم غير مملوكين ولا محاسبين و ( ترجعونها ) جواب لقوله تعالى : ( فلولا إذا بلغت الحلقوم ) ولقوله : ( فلولا إن كنتم غير مدينين ) أجيبا بجواب واحد قاله الفراء وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد ومنه قوله تعالى : فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أجيبا بجواب واحد وهما شرطان وقيل : حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه وقيل : فيها تقديم وتأخير مجازها : فلولا وهلا إن كنتم غير مدينين ترجعونها تردون نفس هذا الميت إلى جسده إذا بلغت الحلقوم < <

قسم V17/P231

الواقعة : ( 88 ) فأما إن كان . . . . . > > < > ( الواقعه 88 : 96 ) <

قسم V17/P231–V17/P234

> قوله تعالى : ( فأما إن كان من المقربين ) ذكر طبقات الخلق عند الموت وعند البعث وبين درجاتهم فقال : ( فأما إن كان ) هذا المتوفى ( من المقربين ) وهم السابقون ( فروح وريحان وجنة نعيم ) وقراءة العامة ( فروح ) بفتح الراء ومعناه عند بن عباس وغيره : فراحة من الدنيا وقال الحسن : الروح الرحمة الضحاك : الروح الاستراحة القتبي : المعنى له في القبر طيب نسيم وقال أبو العباس بن عطاء : الروح النظر إلى وجه الله والريحان الاستماع لكلامه ووحيه ( وجنة نعيم ) هو ألا يحجب فيها عن الله عز وجل وقرأ الحسن وقتادة ونصر بن عاصم والجحدري ورويس وزيد عن يعقوب ( فروح ) بضم الراء ورويت عن بن عباس قال الحسن : الروح الرحمة لأنها كالحياة للمرحوم وقالت عائشة رضي الله عنها : قرأ النبي ( ص ) ( فروح ) بضم الراء ومعناه فبقاء له وحياة في الجنة وهذا هو الرحمة ( وريحان ) قال مجاهد وسعيد بن جبير : أي رزق قال مقاتل : هو الرزق بلغة حمير يقال : خرجت أطلب ريحان الله أي رزقه قال النمر بن تولب : سلام الإله وريحانه ورحمته وسماء درر وقال قتادة : إنه الجنة الضحاك : الرحمة وقيل هو الريحان المعروف الذي يشم قاله الحسن وقتادة أيضا الربيع بن خيثم : هذا عند الموت والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث أبو الجوزاء : هذا عند قبض روحه يتلقى بضبائر الريحان أبو العالية : لا يفارق أحد روحه من المقربين في الدنيا حتى يؤتى بغصنين من ريحان فيشمهما ثم يقبض روحه فيهما وأصل ريحان واشتقاقه تقدم في أول سورة الرحمن فتأمله وقد سرد الثعلبي في الروح والريحان أقوالا كثيرة سوى ما ذكرناه من أرادها وجدها هماك قوله تعالى : ( وأما إن كان من أصحاب اليمين ) أي ( إن كان ) هذا المتوفى ( من أصحاب اليمين ) ( فسلام لك من أصحاب اليمين ) أي لست ترى منهم إلا ما تحب من السلامة فلا تهتم لهم فإنهم يسلمون من عذاب الله وقيل : المعنى سلام لك منهم أي أنت سالم من الاغتمام لهم والمعنى واحد قيل : أي أن أصحاب اليمين يدعون لك يا محمد بأن يصلى الله عليك ويسلم وقيل : المعنى إنهم يسلمون عليك يا محمد وقيل : معناه سلمت أيها العبد مما تكره فإنك من أصحاب اليمين فحذف إنك وقيل : إنه يحيا بالسلام إكراما فعلى هذا في محل السلام ثلاثة أقاويل : أحدها عند قبض روحه في الدنيا يسلم عليه ملك الموت قاله الضحاك وقال بن مسعود : إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال : ربك يقرئك السلام وقد مضى هذا في سورة النحل عند قوله تعالى : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين الثاني عند مساءلته في القبر يسلم عليه منكر ونكير الثالث عند بعثه في القيامة تسلم عليه الملائكة قبل وصوله إليها قلت : وقد يحتمل أن تسلم عليه في المواطن الثلاثة ويكون ذلك إكراما بعد إكرام والله أعلم وجواب ( إن ) عند المبرد محذوف التقدير مهما يكن من شيء ( فسلام لك من أصحاب اليمين ) إن كان من أصحاب اليمين ( فسلام لك من أصحاب اليمين ) فحذف جواب الشرط لدلالة ما تقدم عليه كما حذف الجواب في نحو قولك أنت ظالم إن فعلت لدلالة ما تقدم عليه ومذهب الأخفش أن الفاء جواب ( أما ) و ( إن ) ومعنى ذلك أن الفاء جواب ( أما ) عند الزجاج : الخروج من شيء إلى شيء أي دع ما كنا فيه وخذ في غيره قوله تعالى : ( وأما إن كان من المكذبين ) بالبعث ( الضالين ) عن الهدى وطريق الحق ( فنزل من حميم ) أي فلهم رزق من حميم كما قال : ( ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون ) وكما قال : ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ( وتصلية جحيم ) إدخال في النار وقيل : إقامة في الجحيم ومقاساة لأنواع عذابها يقال : أصلاه النار وصلاه أي جعله يصلاها والمصدر ها هنا أضيف إلى المفعول كما يقال : لفلان إعطاء مال أي يعطى المال وقريء ( وتصلية ) بكسر التاء أي ونزل من تصلية جحيم ثم أدغم أبو عمرو التاء في الجحيم وهو بعيد ( إن هذا لهو حق اليقين ) أي هذا الذي قصصناه محض اليقين وخالصه وجاز إضافة الحق إلى اليقين وهما واحد لاختلاف لفظهما قال المبرد : هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين فهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين وعند البصريين حق الأمر اليقين أو الخبر اليقين وقيل : هو توكيد وقيل : أصل اليقين أن يكون نعتا للحق فأضيف المنعوت إلى النعت على الإتساع والمجاز كقوله : ولدار الآخرة وقال قتادة في هذه الآية : إن الله ليس بتارك أحدا من الناس حتى يقفه على اليقين من هذا القرآن فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فنفعته ذلك يوم القيامة وأما الكافر فأيقن يوم القيامة حين لا ينغعه اليقين ( فسبح باسم ربك العظيم ) أي نزه الله تعالى عن السوء والباء زائدة أي سبح اسم ربك والاسم المسمى وقيل : ( فسبح ) أي فصل بذكر ربك وبأمره وقيل : فاذكر اسم ربك العظيم وسبح وعن عقبة بن عامر قال : لما نزلت ( فسبح باسم ربك العظيم ) قال النبي ( ص ) : ( اجعلوها في ركوعكم ( ولما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال النبي ( ص ) : ( اجعلوها في سجودكم ( خرجه أبو داود والله أعلم 11 <

قسم V17/P234–V17/P235

> تفسير سورة الحديد < > مدنية في قول الجميع وهي تسع وعشرون آية عن العرباض بن سارية أن النبي ( ص ) كان يقرأ بالمسبحات قبل أن يرقد ويقول : ( إن فيهن آية أفضل من ألف آية ( يعني بالمسبحات الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن بسم الله الرحمن الرحيم < < الحديد : ( 1 ) سبح لله ما . . . . . > > < > ( الحديد 1 : 3 ) < > قوله تعالى : ( سبح لله ما في السماوات والأرض ) أي مجد الله ونزهه عن السوء وقال بن عباس : صلى لله ( ما في السماوات ) ممن خلق من الملائكة ( والأرض ) من شيء فيه روح أو لا روح فيه وقيل : هو تسبيح الدلالة وأنكر الزجاج هذا وقال : لو كان هذا تسبيح الدلالة وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة فلم قال : ولكن لا تفقهون تسبيحهم وإنما هو تسبيح مقال واستدل بقوله تعالى : وسخرنا مع داود الجبال يسبحن الأنبياء فلو كان هذا تسبيح دلالة فأي تخصيص لداود قلت : وما ذكره هو الصحيح وقد مضى بيانه والقول فيه في الإسراء عند قوله تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ( وهو العزيز الغالب ومنه ) قوله تعالى : ( له ملك السماوات والأرض ) أي انفرد بذلك والملك عبارة عن الملك ونفوذ الأمر فهو سبحانه الملك القادر القاهر وقيل : أراد خزائن المطر والنبات وسائر الرزق ( يحيي ويميت ) يميت الأحياء في الدنيا ويحيى الأموات للبعث وقيل : يحيى النطف وهي موات ويميت الأحياء وموضع ( يحيي ويميت ) رفع على معنى وهو يحيي ويميت ويجوز أن يكون نصبا بمعنى ( له ملك السماوات والأرض ) محييا ومميتا على الحال من المجرور في ( له ) والجار عاملا فيها ( وهو على كل شيء قدير ) أي هو الله لا يعجزه شيء قوله تعالى : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) اختلف في معاني هذه الأسماء وقد بيناها في الكتاب الأسني وقد شرحها رسول الله ( ص ) شرحا يغني عن قول كل قائل فقال في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : ( اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين واغننا من الفقر ( عني بالظاهر الغالب وبالباطن العالم والله أعلم ( وهو بكل شيء عليم ) بما كان أو يكون فلا يخفى عليه شيء < < الحديد : ( 4 ) هو الذي خلق . . . . . > > < > ( الحديد 4 : 6 ) <

قسم V17/P235–V17/P238

> قوله تعالى : ( هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ) تقدم في الأعراف مستوفى قوله تعالى : ( يعلم ما يلج في الأرض ) أي يدخل فيها من مطر وغيره ( وما يخرج منها ) من نبات وغيره ( وما ينزل من السماء ) من رزق ومطر وملك ( وما يعرج فيها ) يصعد فيها من ملائكة وأعمال العباد ( وهو معكم ) يعني بقدرته وسلطانه وعلمه ( أينما كنتم والله بما تعملون بصير ) يبصر أعمالكم ويراها ولا يخفى عليه شيء منها وقد جمع في هذه الآية بين ( استوى على العرش ) وبين ( وهو معكم ) والأخذ بالظاهرين تناقض فدل على أنه لا بد من التأويل والإعراض عن التأويل اعتراف بالتناقض وقد قال الإمام أبو المعالي : إن محمدا ( ص ) ليلة الإسراء لم يكن بأقرب إلى الله عز وجل من يونس بن متى حين كان في بطن الحوت وقد تقدم قوله تعالى : ( له ملك السماوات والأرض ) هذا التكرير للتأكيد أي هو المعبود على الحقيقة ( وإلى الله ترجع الأمور ) أي أمور الخلائق في الآخرة وقرأ الحسن والأعرج ويعقوب وبن عامر وأبو حيوة وبن محيصن وحميد والأعمش وحمزة والكسائي وخلف ( ترجع ) بفتح التاء وكسر الجيم الباقون ( ترجع ) قوله تعالى : ( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الآخر حتى يصير النهار خمس عشرة ساعة وهو أطول ما يكون والليل تسع ساعات وهو أقصر ما يكون وهو قول الكلبي وروي عن بن مسعود وتحتمل ألفاظ الآية أن يدخل فيها تعاقب الليل ) تقدم في آل عمران ( وهو عليم بذات الصدور ) أي لا تخفى عليه الضمائر ومن كان بهذه الصفة فلا يجوز أن يعبد من سواه < < الحديد : ( 7 ) آمنوا بالله ورسوله . . . . . > > < > ( الحديد 7 : 9 ) < > قوله تعالى : ( آمنوا بالله ورسوله ) أي صدقوا أن الله واحد وأن محمدا رسوله ( وأنفقوا ) من وجوه الطاعات وما يقرب منه ( مما جعلكم مستخلفين فيه ) دليل على أن أصل الملك لله سبحانه وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضي الله فيثيبه على ذلك بالجنة فمن أنفق منها في حقوق الله وهان عليه الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه كان له الثواب الجزيل والأجر العظيم وقال الحسن : ( مستخلفين فيه ) بوراثتكم إياه عمن كان قبلكم وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب والوكلاء فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم ( فالذين آمنوا ) وعملوا الصالحات ( منكم وأنفقوا ) في سبيل الله ( لهم أجر كبير ) وهو الجنة قوله تعالى : ( وما لكم لا تؤمنون بالله ) استفهام يراد به التوبيخ أي أي عذر لكم في ألا تؤمنوا وقد أزيحت العلل ( والرسول يدعوكم ) بين بهذا أنه لا حكم قبل ورود الشرائع وقرأ أبو عمرو : ( وقد أخذ ميثاقكم ) على غير مسمى الفاعل والباقون على مسمى الفاعل أي أخذ الله ميثاقكم قال مجاهد : هو الميثاق الأول الذي كان وهم في ظهر آدم بأن الله ربكم لا إله لكم سواه وقيل : أخذ ميثاقكم بأن ركب فيكم العقول وأقام عليكم الدلائل والحجج التي تدعوا إلى متابعة الرسول ( إن كنتم مؤمنين ) أي إذ كنتم وقيل أي إن كنتم مؤمنين بالحجج والدلائل وقيل : أي إن كنتم مؤمنين بحق يوما من الأيام فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لقيام الحجج والأعلام ببعثة محمد ( ص ) فقد صحت براهينه وقيل : إن كنتم مؤمنين بالله خالقكم وكانوا يعترفون بهذا وقيل : هو خطاب لقوم آمنوا وأخذ النبي ( ص ) ميثاقهم فارتدوا وقوله : ( إن كنتم مؤمنين ) أي إن كنتم تقرون بشرائط الإيمان ) يريد القرآن وقيل : المعجزات أي ألزمكم الإيمان بمحمد ( ص ) لما معه من المعجزات والقرآن أكبرها وأعظمها ( ليخرجكم ) أي بالقرآن وقيل : بالرسول وقيل : بالدعوة ( من الظلمات ) وهو الشرك والكفر ( إلى النور ) وهو الإيمان ( وإن الله بكم لرءوف رحيم ) < <

قسم V17/P238

الحديد : ( 10 ) وما لكم ألا . . . . . > > < > ( الحديد 10 ) <

قسم V17/P238–V17/P241

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وما لكم ان لا تنفقوا في سبيل الله ) أي أي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله وفيما يقر بكم من ربكم وأنتم تموتون وتخلفون أموالكم وهي صائرة إلى الله تعالى فمعنى الكلام التوبيخ على عدم الإنفاق ( ولله ميراث السماوات والأرض ) أي إنهما راجعتان إليه بانقراض من فيهما كرجوع الميراث إلى المستحق له الثانية قوله تعالى : ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح فتح مكة وقال الشعبي والزهري : فتح الحديبية قال قتادة كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك وفي الكلام حذف أي ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل فحذف لدلالة الكلام عليه وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف الإسلام وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق والأجر على قدر النصب والله أعلم الثالثة روى أشهب عن مالك قال : ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم وقد قال الله تعالى : ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) وقال الكلبي : نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ففيها دليل واضح على تفضيل أبي بكر وتقديمه لأنه أول من أسلم وعن بن مسعود : أول من أظهر الإسلام بسيفه النبي ( ص ) وأبي بكر ولأنه أول من أنفق على نبي الله ( ص ) وعن بن عمر قال : كنت عند النبي ( ص ) وعنده أبو بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فقال : ( قد أنفق علي ماله قبل الفتح ( قال : فإن الله يقول لك إقرأ على أبي بكر السلام وقل له أراض أنت في فقرك هذا أم ساخط فقال رسول صلى الله ( عليه وسلم ) : ( يا أبا بكر إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول اراض أنت في فقرك هذا أم ساخط ( فقال أبو بكر : أأسخط على ربي إني عن ربي لراض إني عن ربي لراض إني عن ربي لراض قال : ( فإن الله يقول لك قد رضيت عنك كما أنت عني راض ( فبكى أبو بكر فقال جبريل عليه السلام : والذي بعثك يا محمد بالحق لقد تخللت حملة العرش بالعبي منذ تخلل صاحبك هذا بالعباءة ولهذا قدمته الصحابة على أنفسهم وأقروا له بالتقدم والسبق وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : سبق النبي ( ص ) وصلى أبو بكر وثلث عمر فلا أوتي برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته حد المفتري ثمانين جلدة وطرح الشهادة فنال المتقدمون من المشقة أكثر مما نال من بعدهم وكانت بصائرهم أيضا أنفذ الرابعة التقدم والتأخر قد يكون في أحكام الدنيا فأما في أحكام الدين فقد قالت عائشة رضي الله عنها : أمرنا رسول الله ( ص ) أن ننزل الناس منازلهم وأعظم المنازل مرتبة الصلاة وقد قال ( ص ) في مرضه : ( مروا أبا بكر فليصل بالناس ( الحديث وقال : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ( وقال : ( وليؤمكما أكبركما ( من حديث مالك بن الحويرث وقد تقدم وفهم منه البخاري وغيره من العلماء أنه أراد كبر المنزلة كما قال ( ص ) : ( الولاء للكبر ( ولم يعن كبر السن وقد قال مالك وغيره : إن للسن حقا وراعاه الشافعي وأبو حنيفة وهو أحق بالمراعاة لأنه إذا اجتمع العلماء والسن في خيرين قدم العلم وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدين فمن قدم في الدين قدم في الدنيا وفي الآثار : ( ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ( ومن الحديث الثابت في الأفراد : ( ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له عند سنه من يكرمه ( وأنشدوا : يا عائبا للشيوخ من أشر داخلة في الصبا ومن بذخ اذكر إذا شئت أن تعيرهم جدك واذكر أباك يا بن أخ واعلم بأن الشباب منسلخ عنك وما وزره بمنسلخ من لا يعز الشيوخ لا بلغت يوما به سنه إلى الشيخ الخامسة قوله تعالى : ( وكلا وعد الله الحسنى ) أي المتقدمون المتناهون السابقون والمتأخرون اللاحقون وعدهم الله جميعا الجنة مع تفاوت الدرجات وقرأ بن عامر ( وكل ) بالرفع وكذلك هو بالرفع في مصاحف أهل الشام الباقون ( وكلا ) بالنصب على ما في مصاحفهم فمن نصب فعلى إيقاع الفعل عليه أي وعد الله كلا الحسنى ومن رفع فلأن المفعول إذا تقدم ضعف عمل الفعل والهاء محذوفة من وعده < <

قسم V17/P241

الحديد : ( 11 ) من ذا الذي . . . . . > > < > ( الحديد 11 : 12 ) <

قسم V17/P241–V17/P244

> قوله تعالى : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) ندب إلى الإنفاق في سبيل الله وقد مضى في البقرة القول فيه والعرب تقول لكل من فعل فعلا حسنا : قد أقرض كما قال : وإذا جوزيت قرضا فاجزه إنما يجزئ الفتى ليس الجمل وسمي قرضا لأن القرض أخرج لاسترداد البدل أي من ذا الذي ينفق في سبيل الله حتى يبدله الله بالأضعاف الكثيرة قال الكلبي : ( قرضا ) أي صدقة ( حسنا ) أي محتسبا من قلبه بلا من ولا أذى ( فيضاعفه له ) ما بين السبع إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف وقيل : القرض الحسن هو أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر رواه سفيان عن أبي حيان وقال زيد بن أسلم : هو النفقة على الأهل الحسن : التطوع بالعبادات وقيل : إنه عمل الخير والعرب تقول : لي عند فلان قرض صدق وقرض سوء القشيري : والقرض الحسن أن يكون المتصدق صادق النية طيب النفس يبتغي به وجه الله دون الرياء والسمعة وأن يكون من الحلال ومن القرض الحسن ألا يقصد إلى الرديء فيخرجه لقوله تعالى : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون وأن يتصدق في حال يأمل الحياة فإن النبي ( ص ) سئل عن أفضل الصدقة فقال : ( أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا ولفلان كذا ( وأن يخفي صدقته لقوله تعالى : وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم وألا يمن لقوله تعالى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى وأن يستحقر كثير ما يعطي لأن الدنيا كلها قليلة وأن يكون من أحب أمواله لقوله تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وأن يكون كثيرا لقوله ( ص ) : ( أفضل الرقاب أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ( فيضاعفه له ) وقرأ بن كثير وبن عامر ( فيضعفه ) بإسقاط الألف إلا بن عامر ويعقوب نصبوا الفاء وقرأ نافع وأهل الكوفة والبصرة ( فيضاعفه ) بالألف وتخفيف العين إلا أن عاصما نصب الفاء ورفع الباقون عطفا على ( يقرض ) وبالنصب جوابا على الاستفهام وقد مضى في البقرة القول في هذا مستوفى ( وله أجر كريم ) يعني الجنة قوله تعالى : ( يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ) العامل في ( يوم ) ( وله أجر كريم ) وفي الكلام حذف أي ( وله أجر كريم ) في ( يوم ترى ) فيه ( المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم ) أي يمضي على الصراط في قول الحسن وهو الضياء الذي يمرون فيه ( بين أيديهم ) أي قدامهم ( وبأيمانهم ) قال الفراء : الباء بمعنى في أي في أيمانهم أو بمعنى عن أي عن أيمانهم وقال الضحاك : ( نورهم ) هداهم ( وبأيمانهم ) كتبهم واختاره الطبري أي يسعى إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم وفي أيمانهم كتب أعمالهم فالباء على هذا بمعنى في ويجوز على هذا أن يوقف على ( بين أيديهم ) ولا يوقف إذا كانت بمعنى عن وقرأ سهل بن سعد الساعدي وأبو حيوة ( وبإيمانهم ) بكسر الألف أراد الإيمان الذي هو ضد الكفر وعطف ما ليس بظرف على الظرف لأن معنى الظرف الحال وهو متعلق بمحذوف والمعنى يسعى كائنا ( بين أيديهم ) وكائنا ( بإيمانهم ) وليس قوله : ( بين أيديهم ) متعلقا بنفس ( يسعى ) وقيل : أراد بالنور القرآن وعن بن مسعود : يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم وأدناهم نورا من نوره على إبهام رجله فيطفأ مرة ويوقد أخرى وقال قتادة : ذكر لنا أن نبي الله ( ص ) قال : ( إن من المؤمنين من يضيء نوره كما بين المدينة وعدن أو ما بين المدينة وصنعاء ودون ذلك حتى يكون منهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه ( قال الحسن : ليستضيئوا به على الصراط كما تقدم وقال مقاتل : ليكون دليلا لهم إلى الجنة والله أعلم قوله تعالى : ( بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار ) التقدير يقال لهم : ( بشراكم اليوم ) دخول جنات ولا بد من تقدير حذف المضاف لأن البشرى حدث والجنة عين فلا تكون هي هي ( تجري من تحتها الأنهار ) أي من تحتهم أنهار اللبن والماء والخمر والعسل من تحت مساكنها ( خالدين فيها ) حال من الدخول المحذوف التقدير ( بشراكم اليوم ) دخول جنات ( تجري من تحتها الأنهار ) مقدرين الخلود فيها ولا تكون الحال من بشراكم لأن فيه فصلا بين الصلة والموصول ويجوز أن يكون مما دل عليه البشرى كأنه قال : تبشرون خالدين ويجوز أن يكون الظرف الذي هو ( اليوم ) خبرا عن ( بشراكم ) و ( جنات ) بدلا من البشرى على تقدير حذف المضاف كما تقدم و ( خالدين ) حال حسب ما تقدم وأجاز الفراء نصب ( جنات ) على الحال على أن يكون ( اليوم ) خبرا عن ( بشراكم ) وهو بعيد إذ ليس في ( جنات ) معنى الفعل وأجاز أن يكون ( بشراكم ) نصبا على معنى يبشرونهم بشرى وينصب ( جنات ) بالبشرى وفيه تفرقة بين الصلة والموصول < <

قسم V17/P244

الحديد : ( 13 ) يوم يقول المنافقون . . . . . > > < > ( الحديد 13 : 15 ) <

قسم V17/P244–V17/P247

> قوله تعالى : ( يوم يقول المنافقون ) العامل في ( يوم ) ( ذلك هو الفوز العظيم ) وقيل : هو بدل من اليوم الأول ( انظرونا نقتبس ) قراءة العامة بوصل الألف مضمومة الظاء من نظر والنظر الانتظار أي انتظرونا وقرأ الأعمش وحمزة ويحيى بن وثاب ( أنظرونا ) بقطع الألف وكسر الظاء من الإنظار أي أمهلونا وأخرونا أنظرته أخرته واستنظرته أي أستمهلته وقال الفراء تقول العرب أنظرني انتظرني وأنشد لعمرو بن كلثوم : أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا أي انتظرنا ( نقتبس من نوركم ) أي نستضيء من نوركم قال بن عباس وأبو أمامة : يغشى الناس يوم القيامة ظلمة قال الماوردي : أظنها بعد فصل القضاء ثم يعطون نورا يمشون فيه قال المفسرون : يعطي الله المؤمنين نورا يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط ويعطى المنافقين أيضا نورا خديعة لهم دليله قوله تعالى : وهو خادعهم وقيل : إنما يعطون النور لأن جميعهم أهل دعوة دون الكافر ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه قاله بن عباس وقال أبو أمامة : يعطى المؤمن النور ويترك الكافر والمنافق بلا نور وقال الكلبي : بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور فبينما هم يمشون إذ بعث الله فيهم ريحا وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين فذلك قوله تعالى : ربنا أتمم لنا نورنا التحريم يقوله المؤمنون خشية أن يسلبوه كما سلبه المنافقون فإذا بقي المنافقون في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم قالوا للمؤمنين : ( انظرونا نقتبس من نوركم ) ( قيل ارجعوا وراءكم ) أي قالت لهم الملائكة ( ارجعوا ) وقيل : بل هو قول المؤمنين لهم ( ارجعوا وراءكم ) إلى الموضع الذي أخذنا منه النور فاطلبوا هنالك لأنفسكم نورا فإنكم لا تقتبسون من نورنا فلما رجعوا وانعزلوا في طلب النور ( فضرب بينهم بسور ) وقيل : أي هلا طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا ( بسور ) أي سور والباء صلة قاله الكسائي والسور حاجز بين الجنة والنار وروي أن ذلك السور ببيت المقدس عند موضع يعرف بوادي جهنم ( باطنه فيه الرحمة ) يعني ما يلي منه المؤمنين ( وظاهره من قبله العذاب ) يعني ما يلي المنافقين قال كعب الأحبار : هو الباب الذي ببيت المقدس المعروف بباب الرحمة وقال عبد الله بن عمرو : إنه سور ببيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد ( وظاهره من قبله العذاب ) يعني جهنم ونحوه عن بن عباس وقال زياد بن أبي سوادة : قام عبادة بن الصامت على سور بيت المقدس الشرقي فبكى وقال : من ها هنا أخبرنا رسول الله ( ص ) أنه رأى جهنم وقال قتادة : هو حائط بين الجنة والنار ( باطنه فيه الرحمة ) يعني الجنة ( وظاهره من قبله العذاب ) يعني جهنم وقال مجاهد : إنه حجاب كما في الأعراف وقد مضى القول فيه وقد قيل : إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين قوله تعالى : ( ينادونهم ) أي ينادي المنافقون المؤمنين ( ألم نكن معكم ) في الدنيا يعني نصلي مثل ما تصلون ونغزوا مثل ما تغزون ونفعل مثل ما تفعلون ( قالوا بلى ) أي يقول المؤمنون ( بلى ) قد كنتم معنا في الظاهر ( ولكنكم فتنتم أنفسكم ) أي استعملتموها في الفتنة وقال مجاهد : أهلكتموها بالنفاق وقيل : بالمعاصي قاله أبو سنان وقيل : بالشهوات واللذات رواه أبو نمير الهمداني ( وتربصتم وارتبتم ) أي ( تربصتم ) بالنبي ( ص ) الموت وبالمؤمنين الدوائر وقيل : ( تربصتم ) بالتوبة ( وارتبتم ) أي شككتم في التوحيد والنبوة ( وغرتكم الأماني ) أي الأباطيل وقيل : طول الأمل وقيل : هو ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين ونزول الدوائر بهم وقال قتادة : الأماني هنا خدع الشيطان وقيل : الدنيا قاله عبد الله بن عباس وقال أبو سنان : هو قولهم سيغفر لنا وقال بلال بن سعد : ذكرك حسناتك ونسيانك سيئاتك غرة ( حتى جاء أمر الله ) يعني الموت وقيل : نصرة نبيه ( ص ) وقال قتادة : إلقاؤهم في النار ( وغرتكم ) أي خدعكم ( بالله الغرور ) أي الشيطان قاله عكرمة وقيل : الدنيا قاله الضحاك وقال بعض العلماء : إن للباقي بالماضي معتبرا وللآخر بالأول مزدجرا والسعيد من لا يغتر بالطمع ولا يركن إلى الخدع ومن ذكر المنية نسي الأمنية ومن أطال الأمل نسي العمل وغفل عن الأجل وجاء ( الغرور ) على لفظ المبالغة للكثرة وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السميقع وسماك بن حرب ( الغرور ) بضم الغين يعني الأباطيل وهو مصدر وعن بن عباس : أن النبي صلى الله ( عليه وسلم ) خط لنا خطوطا وخط منها خطا ناحية فقال : ( أتدرون ما هذا هذا مثل بن آدم ومثل التمني وتلك الخطوط والآمال بينما هو يتمنى إذ جاءه الموت ( وعن بن مسعود قال : خط لنا رسول الله ( ص ) خطا مربعا وخط وسطه خطا وجعله خارجا منه وخط عن يمينه ويساره خطوطا صغارا فقال : ( هذا بن آدم وهذا أجله محيط به وهذا أمله قد جاوز أجله وهذه الخطوط الصغار الأعراض فإن أخطأه هذا نهشه هذا وإن أخطأه هذا نهشه هذا ( قوله تعالى : ( فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ) أيها المنافقون ( ولا من الذين كفروا ) أيأسهم من النجاة وقراءة العامة ( يؤخذ ) بالياء لأن التأنيث غير حقيقي ولأنه قد فصل بينها وبين الفعل وقرأ بن عامر ويعقوب ( تؤخذ ) بالتاء واختاره أبو حاتم لتأنيث الفدية والأول اختيار أبي عبيد أي لا يقبل منكم بدل ولا عوض ولا نفس أخرى ( مأواكم النار ) أي مقامكم ومنزلكم ( هي مولاكم ) أي أولى بكم والمولى من يتولى مصالح الإنسان ثم استعمل فيمن كان ملازما للشيء وقيل : أي النار تملك أمرهم بمعنى أن الله تبارك وتعالى يركب فيها الحياة والعقل فهي تتميز غيظا على الكفار ولهذا خوطبت في قوله تعالى : يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ( وبئس المصير ) أي ساءت مرجعا ومصيرا < <

قسم V17/P247

الحديد : ( 16 ) ألم يأن للذين . . . . . > > < > ( الحديد 16 : 17 ) <

قسم V17/P247–V17/P251

> قوله تعالى : ( ألم يأن للذين آمنوا ) أي يقرب ويحين قال الشاعر : ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا وأن يحدث الشيب المبين لنا عقلا وماضيه أنى بالقصر يأنى ويقال : آن لك بالمد أن تفعل كذا يئين أينا أي حان مثل أنى لك وهو مقلوب منه وأنشد بن السكيت : ألما يئن لي أن تجلى عمايتي وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا فجمع بين اللغتين وقرأ الحسن ( ألما يأن ) وأصلها ( ألم ) زيدت ( ما ) فهي نفي لقول القائل : قد كان كذا و ( لم ) نفي لقوله : كان كذا وفي صحيح مسلم عن بن مسعود قال : ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) إلا أربع سنين قال الخليل : العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة تقول عاتبته معاتبة ( أن تخشع ) أي تذل وتلين ( قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق روي أن المزاح والضحك كثر في أصحاب النبي ( ص ) لما ترفهوا بالمدينة فنزلت الآية ولما نزلت هذه الآية قال ( ص ) : ( إن الله يستبطئكم بالخشوع ( فقالوا عند ذلك : خشعنا وقال بن عباس : إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن وقيل : نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة وذلك أنهم سألوا سلمان أن يحدثهم بعجائب التوراة فنزلت : الر تلك آيات الكتاب المبين إلى قوله : نحن نقص عليك أحسن القصص الآية فأخبرهم أن هذا القصص أحسن من غيره وأنفع لهم فكفوا عن سلمان ثم سألوه مثل الأول فنزلت : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ) فعلى هذا التأويل يكون الذين آمنوا في العلانية باللسان قال السدي وغيره : ( ألم يأن للذين آمنوا ) بالظاهر وأسروا الكفر ( أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) وقيل : نزلت في المؤمنين قال سعد : قيل يا رسول الله لو قصصت علينا فنزل : نحن نقص عليك فقالوا بعد زمان : لو حدثتنا فنزل : الله نزل أحسن الحديث الزمر فقالوا بعد مدة : لو ذكرتنا فأنزل الله تعالى : ( ألم يأن للذين آمنو أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ) ونحوه عن بن مسعود قال : ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول : ما أحدثنا قال الحسن : استبطأهم وهم أحب خلقه إليه وقيل : هذا الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد عليهم السلام لأنه قال عقيب هذا : ( والذين آمنوا بالله ورسله الحديد ) أي ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم للقرآن وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى وعيسى إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيهم فقست قلوبهم قوله تعالى : ( ولا يكونوا ) أي وألا يكونوا فهو منصوب عطفا على ( أن تخشع ) وقيل : مجزوم على النهي مجازه ولا يكونن ودليل هذا التأويل رواية رويس عن يعقوب ( لا تكونوا ) بالتاء وهي قراءة عيسى وبن إسحاق يقول : لا تسلكوا سبيل اليهود والنصارى أعطوا التوراة والإنجيل فطالت الأزمان بهم قال بن مسعود : إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم استحلته أنفسهم وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ثم قالوا : أعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم وإلا فاقتلوهم ثم اصطلحوا على أن يرسلوه إلى عالم من علمائهم وقالوا : إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد وإن أبى قتلناه فلا يختلف علينا بعده أحد فأرسلوا إليه فكتب كتاب الله في ورقة وجعلها في [ قرن وعلقه في ] عنقه ثم لبس عليه ثيابه فأتاهم فعرضوا عليه كتابهم وقالوا : أتؤمن بهذا فضرب بيده على صدره وقال : آمنت بهذا يعني المعلق على صدره فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة وخير مللهم أصحاب ذي القرن قال عبد الله : ومن يعش منكم فسيرى منكرا وبحسب أحدكم إذا رأى المنكر لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره وقال مقاتل بن حيان : يعني مؤمني أهل الكتاب طال عليهم الأمد واستبطئوا بعث النبي ( ص ) ( فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) يعني الذين ابتدعوا الرهبانية أصحاب الصوامع وقيل : من لا يعلم ما يتدين به من الفقه ويخالف من يعلم وقيل : هم من لا يؤمن في علم الله تعالى ثبتت طائفة منهم على دين عيسى حتى بعث النبي ( ص ) فآمنوا به وطائفة منهم رجعوا عن دين عيسى وهم الذين فسقهم الله وقال محمد بن كعب : كانت الصحابة بمكة مجدبين فلما هاجروا أصابوا الريف والنعمة ففتروا عما كانوا فيه فقست قلوبهم فوعظهم الله فأفاقوا وذكر بن المبارك : أخبرنا مالك بن أنس قال : بلغني أن عيسى عليه السلام قال لقومه : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسوا قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وانظروا فيها أو قال في ذنوبكم كأنكم عبيد فإنما الناس رجلان معافى ومبتلى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية وهذه الآية ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) كانت سبب توبة الفضيل بن عياض وبن المبارك رحمهما الله تعالى ذكر أبو المطرف عبد الرحمن بن مروان القلانسي قال : حدثنا أبو محمد الحسن بن رشيق قال حدثنا علي بن يعقوب الزيات قال حدثنا إبراهيم بن هشام قال حدثنا زكريا بن أبي أبان قال حدثنا الليث بن الحرث قال حدثنا الحسن بن داهر قال سئل عبد الله بن المبارك عن بدء زهده قال : كنت يوما مع إخواني في بستان لنا وذلك حين حملت الثمار من ألوان الفواكه فأكلنا وشربنا حتى الليل فنمنا وكنت مولعا بضرب العود والطنبور فقمت في بعض الليل فضربت بصوت يقال له راشين السحر وأراد سنان يغني وطائر يصيح فوق رأسي على شجرة والعود بيدي لا يجيبني إلى ما أريد وإذا به ينطق كما ينطق الإنسان يعني العود الذي بيده ويقول : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ) قلت : بلى والله وكسرت العود وصرفت من كان عندي فكان هذا أول زهدي وتشميري وبلغنا عن الشعر الذي أراد بن المبارك أن يضرب به العود : ألم يأن لي منك أن ترحما وتعص العواذل واللوما وترثى لصب بكم مغرم أقام على هجركم مأتما يبيت إذا جنه ليله يراعي الكواكب والأنجما وماذا على الظبي لو أنه أحل من الوصل ما حرما وأما الفضيل بن عياض فكان سبب توبته أنه عشق جارية فواعدته ليلا فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع قارئا يقرأ : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) فرجع القهقري وهو يقول : بلى والله قد آن فآواه الليل إلى خربة وفيها جماعة من السابلة وبعضهم يقول لبعض : إن فضيلا يقطع الطريق فقال الفضيل : أواه أراني بالليل أسعى في معاصي الله قوم من المسلمين يخافونني اللهم إني قد تبت إليك وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام قوله تعالى : ( اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها ) أي ( يحيي الأرض ) الجدبة ( بعد موتها ) بالمطر وقال صالح المري : المعنى يلين القلوب بعد قساوتها وقال جعفر بن محمد : يحييها بالعدل بعد الجور وقيل : المعنى فكذلك يحيى الكافر بالهدى إلى الإيمان بعد موته بالكفر والضلالة وقيل : كذلك يحيي الله الموتى من الأمم ويميز بين الخاشع قلبه وبين القاسي قلبه ( قد بينا الآيات لعلكم تعقلون ) أي إحياء الله الأرض بعد موتها دليل على قدرة الله وأنه لمحيي الموتى < <

قسم V17/P251–V17/P253

الحديد : ( 18 ) إن المصدقين والمصدقات . . . . . > > < > ( الحديد 18 : 19 ) < > قوله تعالى : ( إن المصدقين والمصدقات ) قرأ بن كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من التصديق أي من المصدقين بما أنزل الله تعالى الباقون بالتشديد أي المتصدقين والمتصدقات فأدغمت التاء في الصاد وكذلك في مصحف أبي وهو حث على الصدقات ولهذا قال : ( وأقرضوا الله قرضا حسنا ) بالصدقة والنفقة في سبيل الله قال الحسن : كل ما في القرآن من القرض الحسن فهو التطوع وقيل : هو العمل الصالح من الصدقة وغيرها محتسبا صادقا وإنما عطف بالفعل على الاسم لأن ذلك الاسم في تقدير الفعل أي إن الذين تصدقوا وأقرضوا ( يضاعف لهم ) أمثالها وقراءة العامة بفتح العين على ما لم يسم فاعله وقرأ الأعمش ( يضاعفه ) بكسر العين وزيادة هاء وقرأ بن كثير وبن عامر ويعقوب ( يضعف ) بفتح العين وتشديدها ( ولهم أجر كريم ) يعني الجنة قوله تعالى : ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ) اختلف في ( الشهداء ) هل هو مقطوع مما قبل أو متصل به فقال مجاهد وزيد بن أسلم : إن الشهداء والصديقين هم المؤمنون وأنه متصل وروي معناه عن النبي ( ص ) فلا يوقف على هذا على قوله : ( الصديقون ) وهذا قول بن مسعود في تأويل الآية قال القشيري قال الله تعالى : فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فالصديقون هم الذين يتلون الأنبياء والشهداء هم الذين يتلون الصديقين والصالحون يتلون الشهداء فيجوز أن تكون هذه الآية في جملة من صدق بالرسل أعني ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء ) ويكون المعنى بالشهداء من شهد لله بالوحدانية فيكون صديق فوق صديق في الدرجات كما قال النبي ( ص ) : ( إن أهل الجنات العلا ليراهم من دونهم كما يرى أحدكم الكوكب الذي في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ( وروي عن بن عباس ومسروق أن الشهداء غير الصديقين فالشهداء على هذا منفصل مما قبله والوقف على قوله : ( الصديقون ) حسن والمعنى ( والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ) أي لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم وفيهم قولان أحدهما أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب قاله الكلبي ودليله قوله تعالى : وجئنا بك على هؤلاء شهيدا الثاني أنهم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة وفيما يشهدون به قولان : أحدهما أنهم يشهدون على أنفسهم بما عملوا من طاعة ومعصية وهذا معنى قول مجاهد الثاني يشهدون لأنبيائهم بتبليغهم الرسالة إلى أممهم قاله الكلبي وقال مقاتل قولا ثالثا : إنهم القتلى في سبيل الله تعالى ونحوه عن بن عباس أيضا قال : أراد شهداء المؤمنين والواو واو الابتداء والصديقون على هذا القول مقطوع من الشهداء وقد اختلف في تعيينهم فقال الضحاك : هم ثمانية نفر أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتابعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ألحقه الله بهم لما صدق نبيه ( ص ) وقال مقاتل بن حيان : الصديقون هم الذين آمنوا بالرسل ولم يكذبوهم طرفة عين مثل مؤمن آل فرعون وصاحب آل ياسين وأبي بكر الصديق وأصحاب الأخدود قوله تعالى : ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ) أي بالرسل والمعجزات ( أولئك أصحاب الجحيم ) فلا أجر لهم ولا نور < < الحديد : ( 20 ) اعلموا أنما الحياة . . . . . > > < > ( الحديد 20 : 21 ) <

الأسئلة