Qur'an&Sunnah

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

قسم V17/P253–V17/P256

> قوله تعالى : ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو ) وجه الاتصال أن الإنسان قد يترك الجهاد خوفا على نفسه من القتل وخوفا من لزوم الموت فبين أن الحياة الدنيا منقضية فلا ينبغي أن يترك أمر الله محافظة على ما لايبقى و ( ما ) صلة تقديره : اعلموا أن الحياة الدنيا لعب باطل ولهو فرح ثم ينقضي وقال قتادة : لعب ولهو : أكل وشرب وقيل : إنه على المعهود من اسمه قال مجاهد : كل لعب لهو وقد مضى هذا المعنى في الأنعام وقيل : اللعب ما رغب في الدنيا واللهو ما ألهى عن الآخرة أي شغل عنها وقيل : اللعب الاقتناء واللهو النساء ( وزينة ) الزينة ما يتزين به فالكافر يتزين بالدنيا ولا يعمل للآخرة وكذلك من تزين في غير طاعة الله ( وتفاخر بينكم ) أي يفخر بعضكم على بعض بها وقيل : بالخلقة والقوة وقيل : بالأنساب على عادة العرب في المفاخرة بالآباء وفي صحيح مسلم عن النبي ( ص ) قال : ( إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد ( وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية الفخر في الأحساب ( الحديث وقد تقدم جميع هذا ( وتكاثر في الأموال والأولاد ) لأن عادة الجاهلية أن تتكاثر بالأبناء والأموال وتكاثر المؤمنين بالإيمان والطاعة قال بعض المتأخرين : ( لعب ) كلعب الصبيان ( ولهو ) كلهو الفتيان ( وزينة ) كزينة النسوان ( وتفاخر ) كتفاخر الأقران ( وتكاثر ) كتكاثر الدهقان وقيل : المعنى أن الدنيا كهذه الأشياء في الزوال والفناء وعن علي رضي الله عنه قال لعمار : لا تحزن على الدنيا فإن الدنيا ستة أشياء : مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة وأكثر شرابها الماء يستوي فيه جميع الحيوان وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة وأفضل المشموم المسك وهو دم فأرة وأفضل المركوب الفرس وعليها يقتل الرجال وأما المنكوح فالنساء وهو مبال في مبال والله إن المرأة لتزين أحسنها يراد به أقبحها ثم ضرب الله تعالى لها مثلا بالزرع في غيث فقال : ( كمثل غيث ) أي مطر ( أعجب الكفار نباته ) الكفار هنا : الزراع لأنهم يغطون البذر والمعنى أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار ثم لا يلبث أن يصير هشيما كأن لم يكن وإذا أعجب الزراع فهو غاية ما يستحسن وقد مضى معنى هذا المثل في يونس والكهف وقيل الكفار هنا الكافرون بالله عز وجل لأنهم أشد إعجابا بزينة الدنيا من المؤمنين وهذا قول حسن فإن أصل الإعجاب لهم وفيهم ومنهم يظهر ذلك وهو التعظيم للدنيا وما فيها وفي الموحدين من ذلك فروع تحدث من شهواتهم وتتقلل عندهم وتدق إذا ذكروا الآخرة وموضع الكاف رفع على الصفة ( ثم يهيج ) أي يجف بعد خضرته ( فتراه مصفرا ) أي متغيرا عما كان عليه من النضرة ( ثم يكون حطاما ) أي فتاتا وتبنا فيذهب بعد حسنه كذلك دنيا الكافر ( وفي الآخرة عذاب شديد ) أي للكافرين والوقف عليه حسن ويبتدئ ( ومغفرة من الله ورضوان ( أي للمؤمنين وقال الفراء : ( وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة ) تقديره إما عذاب شديد وإما مغفرة فلا يوقف على ( شديد ) ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) هذا تأكيد ما سبق أي تغر الكفار فأما المؤمن فالدنيا له متاع بلاغ إلى الجنة وقيل : العمل للحياة الدنيا متاع الغرور تزهيدا في العمل للدنيا وترغيبا في العمل للآخرة قوله تعالى : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) أي سارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم وقيل : سارعوا بالتوبة لأنها تؤدي إلى المغفرة قاله الكلبي وقيل التكبيرة الأولى مع الإمام قاله مكحول وقيل : الصف الأول ( وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) لو وصل بعضها ببعض قال الحسن : يعني جميع السماوات والأرضين مبسوطتان كل واحدة إلى صاحبتها وقيل : يريد لرجل واحد أي لكل واحد جنه بهذه السعة وقال بن كيسان : عني به جنة واحدة من الجنات والعرض أقل من الطول ومن عادة العرب أنها تعبر عن سعة الشيء بعرضه دون طوله قال : كأن بلاد الله وهي عريضة على الخائف المطلوب كفة حابل وقد مضى هذا كله في آل عمران وقال طارق بن شهاب : قال قوم من أهل الحيرة لعمر رضي الله عنه : أرأيت قول الله عز وجل : ( وجنة عرضها كعرض السماء والأرض فأين النار فقال لهم عمر : أرأيتم الليل إذا ولى وجاء النهار أين يكون الليل فقالوا : لقد نزعت بما في التوراة مثله ( أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ) شرط الإيمان لا غير وفيه تقوية الرجاء وقد قيل : شرط الإيمان هنا وزاد عليه في آل عمران فقال : أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) أي أن الجنة لا تنال ولا تدخل إلا برحمة الله تعالى وفضله وقد مضى هذا في الأعراف وغيرها ( والله ذو الفضل العظيم ) < <

قسم V17/P256

الحديد : ( 22 ) ما أصاب من . . . . . > > < > ( الحديد 22 : 24 ) <

قسم V17/P256–V17/P259

> قوله تعالى : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ) قال مقاتل : القحط وقلة النبات والثمار وقيل : الجوائح في الزرع ( ولا في أنفسكم ) بالأوصاب والأسقام قاله قتادة وقيل : إقامة الحدود قاله بن حيان وقيل : ضيق المعاش وهذا معنى رواه بن جريج ( إلا في كتاب ) يعني في اللوح المحفوظ ( من قبل أن نبرأها ) الضمير في ( نبرأها ) عائد على النفوس أو الأرض أو المصائب أو الجميع وقال بن عباس : من قبل أن يخلق المصيبة وقال سعيد بن جبير : من قبل أن يخلق الأرض والنفس ( إن ذلك على الله يسير ) أي خلق ذلك وحفظ جميعه ( على الله يسير ) هين قال الربيع بن صالح : لما أخذ سعيد بن جبير رضي الله عنه بكيت فقال : ما يبكيك قلت : أبكي لما أرى بك ولما تذهب إليه قال : فلا تبك فإنه كان في علم الله أن يكون ألم تسمع قوله تعالى : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ) الآية وقال بن عباس : لما خلق الله القلم قال له اكتب فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ولقد ترك لهذه الآية جماعة من الفضلاء الدواء في أمراضهم فلم يستعملوه ثقة بربهم وتوكلا عليه وقالوا قد علم الله أيام المرض وأيام الصحة فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا قال الله تعالى : ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) وقد قيل : إن هذه الآية تتصل بما قبل وهو أن الله سبحانه هون عليهم ما يصيبهم في الجهاد من قتل وجرح وبين أن ما يخلفهم عن الجهاد من المحافظة على الأموال وما يقع فيها من خسران فالكل مكتوب مقدر لا مدفع له وإنما على المرء امتثال الأمر ثم أدبهم فقال هذا : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ) أي حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فرغ منه لم يأسوا على ما فاتهم منه وعن بن مسعود أن نبي الله ( ص ) قال : ( لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ( ثم قرأ ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ) أي كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فإنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم لم يفتكم ( ولا تفرحوا بما آتاكم ) أي من الدنيا قاله بن عباس وقال سعيد بن جبير : من العافية والخصب وروى عكرمة عن بن عباس : ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرا وغنيمته شكرا والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان يتعدى فيهما إلى ما لا يجوز قال الله تعالى : ( والله لا يحب كل مختال فخور ) أي متكبر بما أوتي من الدنيا فخور به على الناس وقراءة العامة ( آتاكم ) بمد الألف أي أعطاكم من الدنيا واختاره أبو حاتم وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم وأبو عمرو ( أتاكم ) بقصر الألف واختاره أبو عبيد أي جاءكم وهو معادل ل ( فاتكم ) ولهذا لم يقل أفاتكم قال جعفر بن محمد الصادق : يا بن آدم ما لك تأسى على مفقود لا يرده عليك الفوت أو تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت وقيل لبرزجمهر : أيها الحكيم مالك لا تحزن على ما فات ولا تفرح بما هو آت قال : لأن الفائت لا يتلافى بالعبرة والآتي لا يستدام بالحبرة وقال الفضيل بن عياض في هذا المعنى : الدنيا مبيد ومفيد فما أباد فلا رجعة له وما أفاد آذن بالرحيل وقيل : المختال الذي ينظر إلى نفسه بعين الافتخار والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاحتقار وكلاهما شرك خفي والفخور بمنزلة المصراة تشد أخلافها ليجتمع فيها اللبن فيتوهم المشتري أن ذلك معتاد وليس كذلك فكذلك الذي يرى من نفسه حالا وزينة وهو مع ذلك مدع فهو الفخور 12 قوله تعالى : ( الذين يبخلون ) أي لا يحب المختالين ( الذين يبخلون ) ف ( الذين ) في موضع خفض نعتا للمختال وقيل : رفع بابتداء أي الذين يبخلون فالله غني عنهم قيل : أراد رؤساء اليهود الذين يبخلون ببيان صفة محمد ( ص ) التي في كتبهم لئلا يؤمن به الناس فتذهب مأكلتهم قال السدي والكلبي وقال سعيد بن جبير : ( الذين يبخلون ) يعني بالعلم ( ويأمرون الناس بالبخل ) أي بألا يعلموا الناس شيئا زيد بن أسلم : إنه البخل بأداء حق الله عز وجل وقيل : إنه البخل بالصدقة والحقوق قال عامر بن عبد الله الأشعري وقال طاوس : إنه البخل بما في يديه وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى وفرق أصحاب الخواطر بين البخل والسخاء بفرقين : أحدهما أن البخيل الذي يلتذ بالإمساك والسخي الذي يلتذ بالإعطاء الثاني أن البخيل الذي يعطي عند السؤال والسخي الذي يعطي بغير سؤال ( ومن يتول ) أي عن الإيمان ( فإن الله ) غني عنه ويجوز أن يكون لما حث على الصدقة أعلمهم أن الذين يبخلون بها ويأمرون الناس بالبخل بها فإن الله غني عنهم وقراءة العامة ( بالبخل ) بضم الباء وسكون الخاء وقرأ أنس وعبيد بن عمير ويحيى بن يعمر ومجاهد وحميد وبن محيصن وحمزة والكسائي ( بالبخل ) بفتحتين وهي لغة الأنصار وقرأ أبو العالية وبن السميقع ( بالبخل ) بفتح الباء وإسكان الخاء وعن نصر بن عاصم ( البخل ) بضمتين وكلها لغات مشهورة وقد تقدم الفرق بين البخل والشح في آخر آل عمران وقرأ نافع وبن عامر ( فإن الله الغني الحميد ) بغير ( هو ) والباقون ( هو الغني ) على أن يكون فصلا ويجوز أن يكون مبتدأ والغني ) خبره والجملة خبر إن ومن حذفها فالأحسن أن يكون فصلا لأن حذف الفصل أسهل من حذف المبتدأ < <

قسم V17/P259–V17/P261

الحديد : ( 25 ) لقد أرسلنا رسلنا . . . . . > > < > ( الحديد 25 : 26 ) < > قوله تعالى : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) أي بالمعجزات البينة والشرائع الظاهرة وقيل : الإخلاص لله تعالى في العبادة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة بذلك دعت الرسل : نوح فمن دونه إلى محمد ( ص ) ( وأنزلنا معهم الكتاب ) أي الكتب أي أوحينا إليهم خبر ما كان قبلهم ( والميزان ) قال بن زيد : هو ما يوزن به ويتعامل ( ليقوم الناس بالقسط ) أي بالعدل في معاملاتهم وقوله : ( بالقسط ) يدل على أنه أراد الميزان المعروف وقال قوم : أراد به العدل قال القشيري : وإذا حملناه على الميزان المعروف فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان فهو من باب : علفتها تبنا وماء باردا ويدل على هذا قوله تعالى : ( والسماء رفعها ووضع الميزان ) ثم قال : ( وأقيموا الوزن بالقسط ) وقد مضى القول فيه ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله ( ص ) قال : ( إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض : الحديد والنار والماء والملح ( وروى عكرمة عن بن عباس قال : ثلاثة أشياء نزلت مع آدم عليه السلام : الحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج وعصا موسى وكانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع مع طول موسى والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء : السندان والكلبتان والميقعة وهي المطرقة ذكره الماوردي وقال الثعلبي : قال بن عباس نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين : السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة وحكاه القشيري قال : والميقعة ما يحدد به يقال وقعت الحديدة أقعها أي حددتها وفي الصحاح : والميقعة الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه وخشبة القصار التي يدق عليها والمطرقة والمسن الطويل وروي أن الحديد أنزل في يوم الثلاثاء ( فيه بأس شديد ) أي لأهراق الدماء ولذلك نهي عن الفصد والحجامة في يوم الثلاثاء لأنه يوم جرى فيه الدم وروي عن رسول الله ( ص ) أنه قال : ( في يوم الثلاثاء ساعة لا يرقأ فيها الدم ( وقيل : ( أنزلنا الحديد ) أي أنشأناه وخلقناه كقوله تعالى : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج الزمر وهذا قول الحسن فيكون من الأرض غير منزل من السماء وقال أهل المعاني أي أخرج الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه ( فيه بأس شديد ) يعني السلاح والكراع والجنة وقيل : أي فيه من خشية القتل خوف شديد ( ومنافع للناس ) قال مجاهد : يعني جنة وقيل : يعني انتفاع الناس بالماعون من الحديد مثل السكين والفأس والإبرة ونحوه ( وليعلم الله من ينصره ) أي أنزل الحديد ليعلم من ينصره وقيل : هو عطف على قوله تعالى : ( ليقوم الناس بالقسط ) أي أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب وهذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق ( وليعلم الله من ينصره ) وليرى الله من ينصر دينه ( وينصر ( رسله بالغيب ) قال بن عباس : ينصرونهم لا يكذبونهم ويؤمنون بهم ( بالغيب ) أي وهم لا يرونهم ( إن الله قوي عزيز ) ( قوي ) في أخذه ( عزيز ) أيس منيع غالب وقد تقدم وقيل : ( بالغيب ) بالإخلاص قوله تعالى : ( ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم ) فضل ما أجمل من إرسال الرسل بالكتب وأخبر أنه أرسل نوحا وإبراهيم وجعل النبوة في نسلهما ( ) أي جعلنا بعض ذريتهما الأنبياء وبعضهم أمما يتلون الكتب المنزلة من السماء : التوراة والأنجيل والزبور والفرقان وقال بن عباس : الكتاب الخط بالقلم ( فمنهم ) أي من ائتم بإبراهيم ونوح ( مهتد ) وقيل : ( فمنهم مهتد ) أي من ذريتهما مهتدون ( وكثير منهم فاسقون ) كافرون خارجون عن الطاعة < <

قسم V17/P261

الحديد : ( 27 ) ثم قفينا على . . . . . > > < > ( الحديد 27 ) <

قسم V17/P261–V17/P265

> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ثم قفينا ) أي أتبعنا ( على آثارهم ) أي على آثار الذرية وقيل : على آثار نوح وإبراهيم ( برسلنا ) موسى وإلياس وداود وسليمان ويونس وغيرهم ( وقفينا بعيسى بن مريم ) فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه ( وآتيناه الإنجيل ) وهو الكتاب المنزل عليه وتقدم إشتقاقه في أول سورة آل عمران الثانية قوله تعالى : ( وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه ) على دينه يعني الحواريين وأتباعهم ( رأفة ورحمة ) أي مودة فكان يواد بعضهم بعضا وقيل : هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس وألان الله قلوبهم لذلك بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرفوا الكلم عن مواضعه والرأفة اللين والرحمة الشفقة وقيل : الرأفة تخفيف الكل والرحمة تحمل الثقل وقيل : الرأفة أشد الرحمة وتم الكلام ثم قال ( ورهبانية ابتدعوها ) أي من قبل أنفسهم والأحسن أن تكون الرهبانية منصوبة بإضمار فعل قال أبو علي : وابتدعوها رهبانية ابتدعوها وقال الزجاج : أي ابتدعوها رهبانية كما تقول رأيت زيدا وعمرا كلمت وقيل : إنه معطوف على الرأفة والرحمة والمعنى على هذا أن الله تعالى أعطاهم إياها فغيروا وابتدعوا فيها قال الماوردي : وفيها قراءتان إحداهما بفتح الراء وهي الخوف من الرهب الثانية بضم الراء وهي منسوبة إلى الرهبان كالرضوانية من الرضوان وذلك لأنهم حملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع وذلك أن ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي نفر قليل فترهبوا وتبتلوا قال الضحاك : إن ملوكا بعد عيسى عليه السلام ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم فقال قوم بقوا بعدهم : نحن إذا نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع وقال قتادة : الرهبانية التي ابتدعوها رفض النساء واتخاذ الصوامع وفي خبر مرفوع : هي لحوقهم بالبراري والجبال ( ما كتبناها عليهم ) أي ما فرضناها عليهم ولا أمرناهم بها قاله بن زيد وقوله تعالى : ( إلا ابتغاء رضوان الله ) أي ما أمرناهم إلا بما يرضي الله قاله بن مسلم وقال الزجاج : ( ما كتبناها عليهم ) معناه لم نكتب عليهم شيئا البتة ويكون ( ابتغاء رضوان الله ) بدلا من الهاء والألف في ( كتبناها ) والمعنى : ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله وقيل : ( إلا ابتغاء ) الاستئناء منقطع والتقدير ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ( فما رعوها حق رعايتها ) أي فما قاموا بها حق القيام وهذا خصوص لأن الذين لم يرعوها بعض القوم وإنما تسببوا بالترهب إلى طلب الرياسة على الناس وأكل أموالهم كما قال تعالى : يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) وهذا في قوم أداهم الترهب إلى طلب الرياسة في آخر الأمر وروى سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن بن عباس في قوله تعالى : ( ورهبانية ابتدعوها ) قال : كانت ملوك بعد عيسى بدلوا التوراة والإنجيل وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل ويدعون إلى دين الله تعالى فقال أناس لملكهم : لو قتلت هذه الطائفة فقال المؤمنون : نحن نكفيكم أنفسنا فطائفة قالت : ابنوا لنا اسطوانة ارفعونا فيها واعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم وقالت طائفة : دعونا نهيم في الأرض ونسيح ونشرب كما تشرب الوحوش في البرية فإذا قدرتم علينا فاقتلونا وطائفة قالت : ابنوا لنا دورا في الفيافي ونحفر الآبار ونحترث البقول فلا تروننا وليس أحد من هؤلاء إلا وله حميم منهم ففعلوا فمضى أولئك على منهاج عيسى وخلف قوم من بعدهم ممن قد غير الكتاب فقالوا : نسيح ونتعبد كما تعبد أولئك وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان من تقدم من الذين اقتدوا بهم فذلك قوله تعالى : ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ) الآية يقول : ابتدعها هؤلاء الصالحون ( فما رعوها ) المتأخرون ( حق رعايتها ) ( فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ) يعني الذين ابتدعوها أولا ورعوها ( وكثير منهم فاسقون ) يعني المتأخرين فلما بعث الله محمدا ( ص ) ولم يبق منهم إلا قليل جاؤوا من الكهوف والصوامع والغيران فآمنوا بمحمد ( ص ) الثالثة وهذه الآية دالة على أن كل محدثة بدعة فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية وعن أبي أمامة الباهلي واسمه صدي بن عجلان قال : أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم إنما كتب عليكم الصيام فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فعابهم الله بتركها فقال : ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ) الرابعة وفي الآية دليل على العزلة عن الناس في الصوامع والبيوت وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان وتغير الأصدقاء والإخوان وقد مضى بيان هذا في سورة الكهف مستوفى والحمد لله وفي مسند أحمد بن حنبل من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله ( ص ) في سرية من سراياه فقال : مر رجل بغار فيه شيء من ماء فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى عن الدنيا قال : لو أني أتيت النبي ( ص ) فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل فأتاه فقال : يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا قال : فقال النبي ( ص ) : ( إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف الأول خير من صلاته ستين سنة ( وروى الكوفيون عن بن مسعود قال قال لي رسول الله ( ص ) : ( هل تدري أي الناس أعلم ( قال قلت : الله ورسوله أعلم قال : ( أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس فيه وإن كان مقصرا في العمل وإن كان يزخف على استه هل تدري من أين اتخذ بنو إسرائيل الرهبانية ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا القليل فقالوا إن أفنونا فلم يبق للدين أحد يدعون إليه فتعالوا نفترق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الأمي الذي وعدنا عيسى يعنون محمدا ( ص ) فتفرقوا في غيران الجبال وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر وتلا ( ورهبانية ) الآية أتدري ما رهبانية أمتي الهجرة والجهاد والصوم والصلاة والحج والعمرة والتكبير على التلاع يا بن مسعود اختلف من كان قبلكم من اليهود على إحدى وسبعين فرقة فنجا منهم فرقة وهلك سائرها واختلف من كان من قبلكم من النصارى على اثنين وسبعين فرقة فنجا منهم ثلاثة وهلك سائرها فرقة وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى عليه السلام حتى قتلوا وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك أقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى بن مريم فأخذتهم الملوك وقتلتهم وقطعتهم بالمناشير وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهراني قومهم فيدعوهم إلى دين الله ودين عيسى بن مريم فساحوا في الجبال وترهبوا فيها وهي التي قال الله تعالى فيهم : ( ورهبانية ابتدعوها ) الآية فمن آمن بي واتبعني وصدقني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الفاسقون ( يعني الذي تهودوا وتنصروا وقيل : هؤلاء الذين أدركوا محمدا ( ص ) فلم يؤمنوا به فأولئك هم الفاسقون وفي الآية تسلية للنبي ( ص ) أي إن الأولين أصروا على الكفر أيضا فلا تعجب من أهل عصرك إن أصروا على الكفر والله أعلم < <

قسم V17/P265

الحديد : ( 28 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( الحديد 28 : 29 ) <

قسم V17/P265–V17/P268

> قوله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا ) أي آمنوا بموسى وعيسى ( اتقوا الله وآمنوا برسوله ) بمحمد ( ص ) ( يؤتكم كفلين من رحمته ) أي مثلين من الآجر على إيمانكم بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم وهذا مثل قوله تعالى : أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا وقد تقدم القول فيه والكفل الحظ والنصيب وقد مضى في النساء وهو في الأصل كساء يكتفل به الراكب فيحفظه من السقوط قال بن جريج ونحوه قال الأزهري قال : اشتقاقه من الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه إذا ارتدفه لئلا يسقط فتأويله يؤتكم نصيبين يحفظانكم من هلكة المعاصي كما يحفظ الكفل الراكب وقال أبو موسى الأشعري : ( كفلين ) ضعفين بلسان الحبشة وعن بن زيد : ( كفلين ) أجر الدنيا والآخرة وقيل : لما نزلت ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي ( ص ) فنزلت هذه الآية وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الحسنة إنما لها من الآجر مثل واحد فقال : الحسنة اسم عام ينطلق على كل نوع من الإيمان وينطلق على عمومه فإذا انطلقت الحسنة على نوع واحد فليس له عليها من الثواب إلا مثل واحد وإن انطلقت على حسنة تشتمل على نوعين كان الثواب عليها مثلين بدليل هذه الآية فإن قال : ( كفلين من رحمته ) والكفل النصيب كالمثل فجعل لمن اتقى الله وآمن برسوله نصيبين نصيبا لتقوى الله ونصيبا لإيمانه برسوله فدل على أن الحسنة التي جعل لها عشر هي التي جمعت عشرة أنواع من الحسنات وهو الأيمان الذي جمع الله تعالى في صفته عشرة أنواع لقوله تعالى : ( إن المسلمين والمسلمات الأحزاب ) الآية بكمالها فكانت هذه الأنواع العشرة التي هي ثوابها أمثالها فيكون لكل نوع منها مثل وهذا تأويل فاسد لخروجه عن عموم الظاهر في قوله تعالى : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) بما لا يحتمله تخصيص العموم لأن ما جمع عشر حسنات فليس يجزئ عن كل حسنة إلا بمثلها وبطل أن يكون جزاء الحسنة عشر أمثالها والأخبار دالة عليه وقد تقدم ذكرها ولو كان كما ذكر لما كان بين الحسنة والسيئة فرق ( ويجعل لكم نورا ) أي بيانا وهدى عن مجاهد وقال بن عباس : هو القرآن وقيل : ضياء ( تمشون به ) في الآخرة على الصراط وفي القيامة إلى الجنة وقيل تمشون به في الناس تدعونهم إلى الإسلام فتكونون رؤساء في دين الإسلام لا تزول عنكم رياسة كنتم فيها وذلك أنهم خافوا أن تزول رياستهم لو آمنوا بمحمد عليه السلام وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف أحكام الله لا الرياسة الحقيقية في الدين ( ويغفر لكم ) ذنوبكم ( والله غفور رحيم ) قوله تعالى : ( لئلا يعلم أهل الكتاب ) أي ليعلم و ( أن لا ) صلة زائدة مؤكدة قاله الأخفش وقال الفراء : معناه لأن يعلم و ( لا ) صلة زائدة في كل كلام دخل عليه جحد قال قتادة : حسد أهل الكتاب المسلمين فنزلت : ( لئلا يعلم أهل الكتاب ) أي لأن يعلم أهل الكتاب أنهم ( لا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله ) وقال مجاهد : قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبي يقطع الأيدي والأرجل فلما خرج من العرب كفروا فنزلت : ( لئلا يعلم ) أي ليعلم أهل الكتاب ( أن لا يقدرون ) أي أنهم لا يقدرون كقوله تعالى : أن لا يرجع إليهم قولا وعن الحسن : ( ليلا يعلم أهل الكتاب ) وروي ذلك عن بن مجاهد وروى قطرب بكسر اللام وإسكان الياء وفتح لام الجر لغة معروفة ووجه إسكان الياء أن همزة ( أن ) حذفت فصارت ( لن ) فأدغمت النون في اللام فصار ( للا ) فلما اجتمعت اللامات أبدلت الوسطى منها ياء كما قالوا في أما : أيما وكذلك القول في قراءة من قرأ ( ليلا ) بكسر اللام إلا أنه أبقى اللام على اللغة المشهورة فيها فهو أقوى من هذه الجهة وعن بن مسعود ( لكيلا يعلم ) وعن حطان بن عبد الله ( لأن يعلم ) وعن عكرمة ( ليعلم ) وهو خلاف المرسوم ( من فضل الله ) قيل : الإسلام وقيل : الثواب وقال الكلبي : من رزق الله وقيل : نعم الله التي لا تحصى ( وأن الفضل بيد الله ) ليس بأيديهم فيصرفون النبوة عن محمد ( ص ) إلى من يحبون وقيل : ( وأن الفضل بيد الله ) أي هو ( له ) وفي البخاري : حدثنا الحكم بن نافع قال حدثنا شعيب عن الزهري قال أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله ( ص ) يقول وهو قائم على المنبر : ( إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى غروب الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين قال أهل التوراة ربنا هؤلاء أقل عملا وأكثر أجرا قال هل ظلمتكم من أجركم من شيء قالوا لا فقال فذلك فضلي أوتيه من أشاء ( في رواية : ( فغضبت اليهود والنصارى وقالوا ربنا ( الحديث ( والله ذو الفضل العظيم ) [ تم تفسير سورة الحديد والحمد لله ] <

قسم V17/P268

> تفسير سورة المجادلة < > وهي اثنتان وعشرون آية مدنية في قول الجميع إلا رواية عن عطاء : أن العشر الأول منها مدني وباقيها مكي وقال الكلبي : نزل جميعها بالمدينة غير قوله تعالى : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) نزلت بمكة بسم الله الرحمن الرحيم < < المجادلة : ( 1 ) قد سمع الله . . . . . > > < > ( المجادله 1 ) <

قسم V17/P268–V17/P271

> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما ) التي اشتكت إلى الله هي خولة بنت ثعلبة وقيل بنت حكيم وقيل اسمها جميلة وخولة أصح وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت وقد مر بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته والناس معه على حمار فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت : يا عمر قد كنت تدعى عميرا ثم قيل لك عمر ثم قيل لك أمير المؤمنين فاتق الله يا عمر فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت ومن أيقن بالحساب خاف العذاب وهو واقف يسمع كلامها فقيل له : يا أمير المؤمنين أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف فقال : والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لا زلت إلا للصلاة المكتوبة أتدرون من هذه العجوز هي خولة بنت ثعلبة سمع الله قولها من فوق سبع سماوات أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر وقالت عائشة رضي الله عنها : تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ( ص ) وهي تقول : يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ) خرجه بن ماجة في السنن والذي في البخاري من هذا عن عائشة قالت : الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله ( ص ) وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول فأنزل الله عز وجل : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ) وقال الماوردي : هي خولة بنت ثعلبة وقيل : بنت خويلد وليس هذا بمختلف لأن أحدهما أبوها والآخر جدها فنسبت إلى كل واحد منهما وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت وقال الثعلبي قال بن عباس : هي خولة بنت خويلد الخزرجية كانت تحت أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت وكانت حسنة الجسم فرآها زوجها ساجدة فنظر عجيزتها فأعجبه أمرها فلما انصرفت أرادها فأبت فغضب عليها قال عروة : وكان امرأ به لمم فأصابه بعض لممه فقال لها : أنت علي كظهر أمي وكان الإيلاء والظهار من الطلاق في الجاهلية فسألت النبي ( ص ) فقال لها : ( حرمت عليه ( فقالت : والله ما ذكر طلاقا ثم قالت : أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وبن عمي وقد نفضت له بطني فقال : ( حرمت عليه ( فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزلت عليه الآية وروى الحسن : أنها قالت : يا رسول الله قد نسخ الله سنن الجاهلية وإن زوجي ظاهر مني فقال رسول الله ( ص ) : ( ما أوحي إلي في هذا شيء ( فقالت : يا رسول الله أوحي إليك في كل شيء وطوي عنك هذا فقال : ( هو ما قلت لك ( فقالت : إلى الله أشكو لا إلى رسوله فأنزل الله : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ) الآية وروى الدارقطني من حديث قتادة أن أنس بن مالك حدثه قال : إن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته خويلد بنت ثعلبة فشكت ذلك إلى رسول الله ( ص ) فقالت : ظاهر حين كبرت سني ورق عظمي فأنزل الله تعالى آية الظهار فقال رسول الله ( ص ) لأوس : ( اعتق رقبة ( قال : مالي بذلك يدان قال : ( فصم شهرين متتابعين ( قال : أما إني إذا أخطأني أن آكل في يوم ثلاث مرات يكل بصري قال : ( فأطعم ستين مسكينا ( قال : ما أجد إلا أن تعينني منك بعون وصلة قال : فأعانه رسول الله ( ص ) بخمسة عشر صاعا حتى جمع الله له [ والله غفور رحيم ] ( إن الله سميع بصير ) قال : فكانوا يرون أن عنده مثلها وذلك لستين مسكينا وفي الترمذي وسنن بن ماجة : أن سلمة بن صخر البياضي ظاهر من امرأته وأن النبي ( ص ) قال له : ( اعتق رقبة ( قال : فضربت صفحة عنقي بيدي فقلت : لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها قال : ( فصم شهرين ( فقلت : يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام قال : ( فأطعم ستين مسكينا ( الحديث وذكر بن العربي في أحكامه : روي أن خولة بنت دليج ظاهر منها زوجها فأتت النبي ( ص ) فسألته عن ذلك فقال النبي ( ص ) : ( قد حرمت عليه ( فقالت : أشكو إلى الله حاجتي [ ثم عادت فقال رسول الله ( ص ) : ( حرمت عليه ( فقالت : إلى الله أشكو حاجتي إليه ] وعائشة تغسل شق رأسه الأيمن ثم تحولت إلى الشق الآخر وقد نزل عليه الوحي فذهبت أن تعيد فقالت عائشة : اسكتي فإنه قد نزل الوحي فلما نزل القرآن قال رسول الله ( ص ) لزوجها : ( اعتق رقبة ( قال : لا أجد قال : ( صم شهرين متتابعين ( قال : إن لم آكل في اليوم ثلاث مرات خفت أن يعشو بصري قال : ( فأطعم ستين مسكينا ( قال : فأعني فأعانه بشيء قال أبو جعفر النحاس : أهل التفسير على أنها خولة وزوجها أوس بن الصامت واختلفوا في نسبها قال بعضهم : هي أنصارية وهي بنت ثعلبة وقال بعضهم : هي بنت دليج وقيل : هي بنت خويلد وقال بعضهم : هي بنت الصامت وقال بعضهم : هي أمة كانت لعبد الله بن أبي وهي التي أنزل الله فيها ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا النور لأنه كان يكرهها على الزنى وقيل : هي بنت حكيم قال النحاس : وهذا ليس بمتناقض يجوز أن تنسب مرة إلى أبيها ومرة إلى أمها ومرة إلى جدها ويجوز أن تكون أمة كانت لعبد الله بن أبي فقيل لها أنصارية بالولاء لأنه كان في عداد الأنصار وإن كان من المنافقين الثانية قرئ ( قد سمع الله ) بالادغام و ( قد سمع الله ) بالإظهار والأصل في السماع إدراك المسموعات وهو اختيار الشيخ أبي الحسن وقال بن فورك : الصحيح أنه إدراك المسموع قال الحاكم أبو عبد الله في معنى السميع : إنه المدرك للأصوات التي يدركها المخلوقون بآذانهم من غير أن يكون له أذن وذلك راجع إلى أن الأصوات لا تخفى عليه وإن كان غير موصوف بالحس المركب في الأذن كالأصم من الناس لما لم تكن له هذه الحاسة لم يكن أهلا لإدراك الصوت والسمع والبصر صفتان كالعلم والقدرة والحياة والإرادة فهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه وتعالى متصفا بهما وشكى واشتكى بمعنى واحد وقريء ( تحاورك ) أي تراجعك الكلام ( تجادلك ) أي تسائلك < <

قسم V17/P271

المجادلة : ( 2 ) الذين يظاهرون منكم . . . . . > > < > ( المجادله 2 ) <

قسم V17/P271–V17/P278

> فيه ثلاث وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( الذين يظهرون ) قرأ بن عامر وحمزة والكسائي وخلف ( يظاهرون ) بفتح الياء وتشديد الظاء وألف وقرأ نافع وبن كثير وأبو عمرو ويعقوب ( يظهرون ) بحذف الألف وتشديد الهاء والظاء وفتح الياء وقرأ أبو العالية وعاصم وزر بن حبيش ( يظاهرون ) بضم الياء وتخفيف الظاء وألف وكسر الهاء وقد تقدم هذا في الأحزاب وفي قراءة أبي ( يتظاهرون ) وهي معنى قراءة بن عامر وحمزة وذكر الظهر كناية عن معنى الركوب والآدمية إنما يركب بطنها ولكن كني عنه بالظهر لأن ما يركب من غير الآدميات فإنما يركب ظهره فكني بالظهر عن الركوب ويقال : نزل عن امرأته أي طلقها كأنه نزل عن مركوب ومعنى أنت علي كظهر أمي : أي أنت علي محرمة لا يحل لي ركوبك الثانية حقيقة الظهار تشبيه ظهر بظهر والموجب للحكم منه تشبيه ظهر محلل بظهر محرم ولهذا أجمع الفقهاء على أن من قال لزوجته : أنت علي كظهر أمي أنه مظاهر وأكثرهم على أنه إن قال لها : أنت علي كظهر ابنتي أو اختي أو غير ذلك من ذوات المحارم أنه مظاهر وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهما واختلف فيه عن الشافعي رضي الله عنه فروي عنه نحو قول مالك لأنه شبه امرأته بظهر محرم عليه مؤبد كالأم وروى عنه أبو ثور : أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها وهو مذهب قتادة والشعبي والأول قول الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري الثالثة أصل الظهار أن يقول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي وإنما ذكر الله الظهر كناية عن البطن وسترا فإن قال : أنت علي كأمي ولم يذكر الظهر أو قال : أنت علي مثل أمي فإن أراد الظهار فله نيته وإن أراد الطلاق كان مطلقا البتة عند مالك وإن لم تكن له نية في طلاق ولا ظهار كان مظاهرا ولا ينصرف صريح الظهار بالنية إلى الطلاق كما لا ينصرف صريح الطلاق وكنايته المعروفة له إلى الظهار وكناية الظهار خاصة تنصرف بالنية إلى الطلاق البت الرابعة ألفاظ الظهار ضربان : صريح وكناية فالصريح أنت علي كظهر أمي وأنت عندي وأنت مني وأنت معي كظهر أمي وكذلك أنت علي كبطن أمي أو كرأسها أو فرجها أو نحوه وكذلك فرجك أو رأسك أو ظهرك أو بطنك أو رجلك علي كظهر أمي فهو مظاهر مثل قوله : يدك أو رجلك أو رأسك أو فرجك طالق تطلق عليه وقال الشافعي في أحد قوليه : لا يكون ظهارا وهذا ضعيف منه لأنه قد وافقنا على أنه يصح إضافة الطلاق إليه خاصة حقيقة خلافا لأبي حنيفة فصح إضافة الظهار إليه ومتى شبهها بأمه أو بإحدى جداته من قبل أبيه أو أمه فهو ظهار بلا خلاف وإن شبهها بغيرهن من ذوات المحارم التي لا تحل له بحال كالبنت والأخت والعمة والخالة كان مظاهرا عند أكثر الفقهاء وعند الإمام الشافعي رضي الله عنه على الصحيح من المذهب على ما ذكرنا والكناية أن يقول : أنت علي كأمي أو مثل أمي فإنه يعتبر فيه النية فإن أراد الظهار كان ظهارا وإن لم يرد الظهار لم يكن مظاهرا عند الشافعي وأبي حنيفة وقد تقدم مذهب مالك رضي الله عنه في ذلك والدليل عليه أنه أطلق تشبيه امرأته بأمه فكان ظهارا أصله إذا ذكر الظهر وهذا قوي فإن معنى اللفظ فيه موجود واللفظ بمعناه ولم يلزم حكم الظهر للفظه وإنما ألزمه بمعناه وهو التحريم قاله بن العربي الخامسة إذا شبه جملة أهله بعضو من أعضاء أمه كان مظاهرا خلافا لأبي حنيفة في قوله : إنه إن شبهها بعضو يحل له النظر إليه لم يكن مظاهرا وهذا لا يصح لأن النظر إليه على طريق الاستمتاع لا يحل له وفيه وقع التشبيه وإياه قصد المظاهر وقد قال الإمام الشافعي في قول : إنه لا يكون ظهارا إلا في الظهر وحده وهذا فاسد لأن كل عضو منها محرم فكان التشبيه به ظهارا كالظهر ولأن المظاهر إنما يقصد تشبيه المحلل بالمحرم فلزم على المعنى السادسة إن شبه امرأته بأجنبية فإن ذكر الظهر كان ظهارا حملا على الأول وإن لم يذكر الظهر فاختلف فيه علماؤنا فمنهم من قال : يكون ظهارا ومنهم من قال : يكون طلاقا وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يكون شيئا قال بن العربي : وهذا فاسد لأنه شبه محللا من المرأة بمحرم فكان مقيدا بحكمه كالظهر والأسماء بمعانيها عندنا وعندهم بألفاظها وهذا نقض للأصل منهم قلت : الخلاف في الظهار بالأجنبية قوي عند مالك وأصحابه منهم من لا يرى الظهار إلا بذوات المحارم خاصة ولا يرى الظهار بغيرهن ومنهم من لا يجعله شيئا ومنهم من يجعله في الأجنبية طلاقا وهو عند مالك إذا قال : كظهر ابني أو غلامي أو كظهر زيد أو كظهر أجنبية ظهار لا يحل له وطؤها في حين يمينه وقد روي عنه أيضا : أن الظهار بغير ذوات المحارم ليس بشيء كما قال الكوفي والشافعي وقال الأوزاعي : لو قال لها أنت علي كظهر فلان رجل فهو يمين يكفرها والله أعلم السابعة إذا قال : أنت علي حرام كظهر أمي كان ظهارا ولم يكن طلاقا لأن قوله : أنت حرام علي يحتمل التحريم بالطلاق فهي مطلقة ويحتمل التحريم بالظهار فلما صرح به كان تفسيرا لأحد الاحتمالين يقضى به فيه الثامنة الظهار لازم في كل زوجة مدخول بها أو غير مدخول بها على أي الأحوال كانت من زوج يجوز طلاقه وكذلك عند مالك من يجوز له وطؤها من إمائه إذا ظاهر منهن لزمه الظهار فيهن وقال أبو حنيفة والشافعي : لا يلزم قال القاضي أبو بكر بن العربي : وهي مسألة عسيرة جدا علينا لأن مالكا يقول : إذا قال لأمته أنت علي حرام لا يلزم فكيف يبطل فيها صريح التحريم وتصح كنايته ولكن تدخل الأمة في عموم قوله : ( من نسائهم ) لأنه أراد من محللاتهم والمعنى فيه أنه لفظ يتعلق بالبضع دون رفع العقد فصح في الأمة أصله الحلف بالله تعالى التاسعة ويلزم الظهار قبل النكاح إذا نكح التي ظاهر منها عند مالك ولا يلزم عند الشافعي وأبي حنيفة لقوله تعالى : ( من نسائهم ) وهذه ليست من نسائه وقد مضى أصل هذه المسألة في سورة التوبة عند قوله تعالى : ومنهم من عاهد الله الآية العاشرة الذمي لا يلزم ظهاره وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي : يصح ظهار الذمي ودليلنا قوله تعالى : ( منكم ) يعني من المسلمين وهذا يقتضي خروج الذمي من الخطاب فإن قيل : هذا استدلال بدليل الخطاب قلنا : هو استدلال بالاشتقاق والمعنى فإن أنكحة الكفار فاسدة مستحقة الفسخ فلا يتعلق بها حكم طلاق ولا ظهار وذلك كقوله تعالى : وأشهدوا ذوى عدل منكم الطلاق وإذا خلت الأنكحة عن شروط الصحة فهي فاسدة ولا ظهار في النكاح الفاسد بحال الحادية عشر : ( منكم ) يقتضي صحة ظهار العبد خلافا لمن منعه وحكاه الثعلبي عن مالك لأنه من جملة المسلمين وأحكام النكاح في حقه ثابتة وإن تعذر عليه العتق والإطعام فإنه قادر على الصيام الثانية عشر وقال مالك رضي الله عنه : ليس على النساء تظاهر وإنما قال الله تعالى : ( والذين يظهرون منكم من نسائهم ) ولم يقل اللائي يظهرن منكن من أزواجهن إنما الظهار على الرجال قال بن العربي : هكذا روي عن بن القاسم وسالم ويحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزناد وهو صحيح معنى لأن الحل والعقد [ والتحليل والتحريم ] في النكاح بيد الرجال ليس بيد المرأة منه شيء وهذا إجماع قال أبو عمر : ليس على النساء ظهار في قول جمهور العلماء وقال الحسن بن زياد : هي مظاهرة وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد : ليس ظهار المرأة من الرجل بشيء قبل النكاح كان أو بعده وقال الشافعي : لا ظهار للمرأة من الرجل وقال الأوزاعي : إذا قالت المرأة لزوجها أنت علي كظهر أمي فلانة فهي يمين تكفرها وكذلك قال إسحاق قال : لا تكون امرأة متظاهرة من رجل ولكن عليها يمين تكفرها وقال الزهري : أرى أن تكفر كفارة الظهار ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها أن يصيبها رواه عنه معمر وبن جريج عن عطاء قال : حرمت ما أحل الله عليها كفارة يمين وهو قول أبي يوسف وقال محمد بن الحسن : لا شيء عليها الثالثة عشر من به لمم وانتظمت له في بعض الأوقات الكلم إذا ظاهر لزم ظهاره لما روي في الحديث : أن خولة بنت ثعلبة وكان زوجها أوس بن الصامت وكان به لمم فأصابه بعض لممه فظاهر من امرأته الرابعة عشر من غضب وظاهر من امرأته أو طلق لم يسقط عنه غضبه حكمه وفي بعض طرق هذا الحديث قال يوسف بن عبد الله بن سلام : حدثتني خولة امرأة أوس بن الصامت قالت : كان بيني وبينه شيء فقال : أنت علي كظهر أمي ثم خرج إلى نادي قومه فقولها : كان بيني وبينه شيء دليل على منازعة أحرجته فظاهر منها والغضب لغو لا يرفع حكما ولا يغير شرعا وكذلك السكران وهي : الخامسة عشر يلزمه حكم الظهار والطلاق في حال سكره إذا عقل قوله ونظم قوله ونظم كلامه لقوله تعالى : حتى تعلموا ما تقولون على ما تقدم في النساء بيانه والله أعلم السادسة عشر ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ منها بشيء حتى يكفر خلافا للشافعي في أحد قوليه لأن قوله : أنت علي كظهر أمي يقتضي تحريم كل استمتاع بلفظه ومعناه فإن وطئها قبل أن يكفر وهي : السابعة عشر استغفر الله تعالى وأمسك عنها حتى يكفر كفارة واحدة وقال مجاهد وغيره : عليه كفارتان روى سعيد عن قتادة ومطرف عن رجاء بن حيوة عن قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص في المظاهر : إذا وطىء قبل أن يكفر عليه كفارتان ومعمر عن قتادة قال : قال قبيصة بن ذويب : عليه كفارتان وروى جماعة من الأئمة منهم بن ماجة والنسائي عن بن عباس : أن رجلا ظاهر من امرأته فغشيها قبل أن يكفر فأتى النبي ( ص ) فذكر ذلك له فقال : ( ما حملك على ذلك ( فقال : يا رسول الله رأيت بياض خلخالها في ضوء القمر فلم أملك نفسي أن وقعت عليها فضحك النبي ( ص ) وأمره ألا يقربها حتى يكفر وروى بن ماجة والدارقطني عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر أنه ظاهر في زمان النبي ( ص ) ثم وقع بامرأته قبل أن يكفر فأتى رسول الله ( ص ) فذكر ذلك له فأمره أن يكفر تكفيرا واحدا الثامنة عشر إذا ظاهر من أربع نسوة في كلمة واحدة كقوله : أنتن علي كظهر أمي كان مظاهرا من كل واحدة منهن ولم يجز له وطء إحداهن وأجزأته كفارة واحدة وقال الشافعي : تلزمه أربع كفارات وليس في الآية دليل على شيء من ذلك لأن لفظ الجمع إنما وقع في عامة المؤمنين والمعول على المعنى وقد روى الدارقطني عن بن عباس قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : إذا كان تحت الرجل أربع نسوة فظاهر منهن يجزيه كفارة واحدة فإن ظاهر من واحدة بعد أخرى لزمه في كل واحدة منهن كفارة وهذا إجماع التاسعة عشر فإن قال لأربع نسوة : إن تزوجتكن فأنتن علي كظهر أمي فتزوج إحداهن لم يقربها حتى يكفر ثم قد سقط عنه اليمين في سائرهن وقد قيل : لا يطأ البواقي منهن حتى يكفر والأول هو المذهب الموفية عشرون وإن قال لامرأته : أنت علي كظهر أمي وأنت طالق البتة لزمه الطلاق والظهار معا ولم يكفر حتى ينكحها بعد زوج آخر ولا يطأها إذا نكحها حتى يكفر فإن قال لها : أنت طالق البتة وأنت علي كظهر أمي لزمه الطلاق ولم يلزمه الظهار لأن المبتوتة لا يلحقها طلاق الحادية والعشرون قال بعض العلماء : لا يصح ظهار غير المدخول بها وقال المزني : لا يصح الظهار من المطلقة الرجعية وهذا ليس بشيء لأن أحكام الزوجية في الموضعين ثابتة وكما يلحقها الطلاق كذلك يلحقها الظهار قياسا ونظرا والله أعلم الثانية والعشرون قوله تعالى : ( ما هن أمهاتهم ) أي ما نساؤهم بأمهاتهم وقراءة العامة ( أمهاتهم ) بخفض التاء على لغة أهل الحجاز كقوله تعالى : ما هذا بشرا وقرأ أبو معمر والسلمي وغيرهما ( أمهاتهم ) بالرفع على لغة تميم قال الفراء : أهل نجد وبنو تميم يقولون ما هذا بشر وما هن أمهاتهم ) بالرفع ( إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ) أي ما أمهاتهم إلا الوالدات وفي المثل : ولدك من دمي عقبيك وقد تقدم القول في اللائي في الأحزاب الثالثة والعشرون قوله تعالى : ( وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ) أي فظيعا من القول لا يعرف في الشرع والزور الكذب ( وإن الله لعفو غفور ) إذ جعل الكفارة عليهم مخلصة لهم من هذا القول المنكر < <

قسم V17/P278

المجادلة : ( 3 ) والذين يظاهرون من . . . . . > > < > ( المجادله 3 : 4 ) <

قسم V17/P278–V17/P287

> فيه اثنتا عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( والذين يظهرون من نسائهم ) هذا ابتداء والخبر ( فتحرير رقبة ) وحذف عليهم لدلالة الكلام عليه أي فعليهم تحرير رقبة وقيل : أي فكفارتهم عتق رقبة والمجمع عليه عند العلماء في الظهار قول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي وهو قول المنكر والزور الذي عني الله بقوله : ( وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ) فمن قال هذا القول حرم عليه وطء امرأته فمن عاد لما قال لزمته كفارة الظهار لقوله عز وجل : ( والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة ) وهذا يدل على أن كفارة الظهار لا تلزم بالقول خاصة حتى ينضم إليها العود وهذا حرف مشكل اختلف الناس فيه على أقوال سبعة : الأول أنه العزم على الوطء وهو مشهور قول العراقيين أبي حنيفة وأصحابه وروي عن مالك : فإن عزم على وطئها كان عودا وإن لم يعزم لم يكن عودا الثاني العزم على الإمساك بعد التظاهر منها قاله مالك الثالث العزم عليهما وهو قول مالك في موطئه قال مالك في قول الله عز وجل : ( والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ) قال : سمعت أن تفسير ذلك أن يظاهر الرجل من امرأته ثم يجمع على إصابتها وإمساكها فإن أجمع على ذلك فقد وجبت عليه الكفارة وإن طلقها ولم يجمع بعد تظاهره منها على إمساكها وإصابتها فلا كفارة عليه قال مالك : وإن تزوجها بعد ذلك لم يمسها حتى يكفر كفارة التظاهر القول الرابع أنه الوطء نفسه فإن لم يطأ لم يكن عودا قاله الحسن ومالك أيضا الخامس وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه : هو أن يمسكها زوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق لأنه لما ظاهر قصد التحريم فإن وصل به الطلاق فقد جرى على خلاف ما ابتدأه من إيقاع التحريم ولا كفارة عليه وإن أمسك عن الطلاق فقد عاد إلى ما كان عليه فتجب عليه الكفارة السادس أن الظهار يوجب تحريما لا يرفعه إلا الكفارة ومعنى العود عند القائلين بهذا : أنه لا يستبيح وطأها إلا بكفارة يقدمها قاله أبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد السابع هو تكرير الظهار بلفظه وهذا قول أهل الظاهر النافين للقياس قالوا : إذا كرر اللفظ بالظهار فهو العود وإن لم يكرر فليس بعود ويسند ذلك إلى بكير بن الأشج وأبي العالية وأبي حنيفة أيضا وهو قول الفراء وقال أبو العالية : وظاهر الآية يشهد له لأنه قال : ( ثم يعودون لما قالوا ) أي إلى قول ما قالوا وروى علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله عز وجل : ( والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ) هو أن يقول لها أنت علي كظهر أمي فإذا قال لها ذلك فليست تحل له حتى يكفر كفارة الظهار قال بن العربي : فأما القول بأنه العود إلى لفظ الظهار فهو باطل قطعا لا يصح عن بكير وإنما يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه وقد رويت قصص المتظاهرين وليس في ذكر الكفارة عليهم ذكر لعود القول منهم وأيضا فإن المعنى ينقضه لأن الله تعالى وصفه بأنه منكر من القول وزور فكيف يقال له إذا أعدت القول المحرم والسبب المحظور وجبت عليك الكفارة وهذا لا يعقل ألا ترى أن كل سبب يوجب الكفارة لا تشترط فيه الإعادة من قتل ووطء في صوم أو غيره 13 قلت : قول يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه حمل منه عليه وقد قال بقول داود من ذكرناه عنهم وأما قول الشافعي : بأنه ترك الطلاق مع القدرة عليه فينقضه ثلاثة أمور أمهات : الأول أنه قال : ( ثم ) وهذا بظاهره يقتضي التراخي الثاني أن قوله تعالى : ( ثم يعودون ) يقتضي وجود فعل من جهة ومرور الزمان ليس بفعل منه الثالث أن الطلاق الرجعي لا ينافي البقاء على الملك فلم يسقط حكم الظهار كالإيلاء فإن قيل : فإذا رآها كالأم لم يمسكها إذ لا يصح إمساك الأم بالنكاح وهذه عمدة أهل ما وراء النهر قلنا : إذا عزم على خلاف ما قال ورآها خلاف الأم كفر وعاد إلى أهله وتحقيق هذا القول : أن العزم قول نفسي وهذا رجل قال قولا اقتضى التحليل وهو النكاح وقال قولا اقتضى التحريم وهو الظهار ثم عاد لما قال وهو التحليل ولا يصح أن يكون منه ابتداء عقد لأن العقد باق فلم يبق إلا أنه قول عزم يخالف ما اعتقده وقاله في نفسه من الظهار الذي أخبر عنه بقوله أنت علي كظهر أمي وإذا كان ذلك كفر وعاد إلى أهله لقوله : ( من قبل أن يتماسا ) وهذا تفسير بالغ [ في فنه الثانية قال بعض أهل التأويل : الآية فيها تقديم وتأخير والمعنى ( والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون ) إلى ما كانوا عليه من الجماع ( فتحرير رقبة ) لما قالوا أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا فالجار في قوله : ( لما قالوا ) متعلق بالمحذوف الذي هو خبر الابتداء وهو عليهم قال الأخفش وقال الزجاج : المعنى ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا وقيل : المعنى الذين كانوا يظهرون من نسائهم في الجاهلية ثم يعودون لما كانوا قالوه في الجاهلية في الإسلام فكفارة من عاد أن يحرر رقبة الفراء : اللام بمعنى عن والمعنى ثم يرجعون عما ما قالوا ويريدون الوطء وقال الأخفش : لما قالوا وإلى ما قالوا واحد واللام وإلى يتعاقبان قال : الحمد لله الذي هدانا لهذا وقال : فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقال : بأن ربك أوحى لها الزلزلة وقال : وأوحي إلى نوح الثالثة قوله تعالى : ( فتحرير رقبة ) أي فعليه إعتاق رقبة يقال : حررته أي جعلته حرا ثم هذه الرقبة يجب أن تكون كاملة سليمة من كل عيب من كمالها إسلامها عند مالك والشافعي كالرقبة في كفارة القتل وعند أبي حنيفة وأصحابه تجزي الكفارة ومن فيها شائبة رق كالمكاتبة وغيرها الرابعة فإن أعتق نصفي عبدين فلا يجزيه عندنا ولا عند أبي حنيفة وقال الشافعي يجزئ لأن نصف العبدين في معنى العبد الواحد ولأن الكفارة بالعتق طريقها المال فجاز أن يدخلها التبعيض والتجزيء كالإطعام ودليلنا قوله تعالى : ( فتحرير رقبة ) وهذا الإسم عبارة عن شخص واحد وبعض الرقبة ليس برقبة وليس ذلك مما يدخله التلفيق لأن العبادة المتعلقة بالرقبة لا يقوم النصف من رقبتين مقامها أصله إذا اشترك رجلان في أضحيتين ولأنه لو أمر رجلين أن يحجا عنه حجة لم يجز أن يحج عنه واحد منهما نصفها كذلك هذا ولأنه لو أوصى بأن تشترى رقبة فتعتق عنه لم يجز ان يعتق عنه نصف عبدين كذلك في مسألتنا وبهذا يبطل دليلهم والإطعام وغيره لا يتجزى في الكفارة عندنا ) أي يجامعها فلا يجوز للمظاهر الوطء قبل التكفير فإن جامعها قبل التكفير أثم وعصى ولا يسقط عنه التكفير وحكي عن مجاهد : أنه إذا وطىء قبل أن يشرع في التكفير لزمته كفارة أخرى وعن غيره : أن الكفارة الواجبة بالظهار تسقط عنه ولا يلزمه شيء أصلا لأن الله تعالى أوجب الكفارة وأمر بها قبل المسيس فإذا أخرها حتى مس فقد فات وقتها والصحيح ثبوت الكفارة لأنه بوطئه ارتكب إثما فلم يكن ذلك مسقطا للكفارة ويأتي بها قضاء كما لو أخر الصلاة عن وقتها وفي حديث أوس بن الصامت لما أخبر النبي ( ص ) بأنه وطىء امرأته أمره بالكفارة وهذا نص وسواء كانت كفارة بالعتق أو الصوم أو الإطعام وقال أبو حنيفة : إن كانت كفارته بالإطعام جاز أن يطأ ثم يطعم فأما غير الوطء من القبلة والمباشرة والتلذذ فلا يحرم في قول أكثر العلماء وقاله الحسن وسفيان وهو الصحيح من مذهب الشافعي وقيل : وكل ذلك محرم وكل معاني المسيس وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي وقد تقدم السادسة قوله تعالى : ( ذلكم توعظون به ) أي تؤمرون به ( والله بما تعملون خبير ) من التكفير وغيره السابعة من لم يجد الرقبة ولا ثمنها أو كان مالكا لها إلا أنه شديد الحاجة إليها لخدمته أو كان مالكا لثمنها إلا أنه يحتاج إليه لنفقته أو كان له مسكن ليس له غيره ولا يجد شيئا سواه فله أن يصوم عند الشافعي وقال أبو حنيفة : لا يصوم وعليه عتق ولو كان محتاجا إلى ذلك وقال مالك : إذا كان له دار وخادم لزمه العتق فإن عجز عن الرقبة وهي : الثامنة فعليه صوم شهرين متتابعين فإن أفطر في أثنائهما بغير عذر استأنفهما وإن أفطر لعذر من سفر أو مرض فقيل : يبني قاله بن المسيب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي وهو أحد قولي الشافعي وهو الصحيح من مذهبه وقال مالك إنه إذا مرض في صيام كفارة الظهار بنى إذا صح ومذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أنه يبتدئ وهو أحد قولي الشافعي التاسعة إذا ابتدأ الصيام ثم وجد الرقبة أتم الصيام وأجزأه عند مالك والشافعي لأنه بذلك أمر حين دخل فيه ويهدم الصوم ويعتق عند أبي حنيفة وأصحابه قياسا على الصغيرة المعتدة بالشهور ترى الدم قبل انقضائها فإنها تستأنف الحيض إجماعا من العلماء وإذا ابتدأ سفرا في صيامه فأفطر ابتدأ الصيام عند مالك والشافعي وأبي حنيفة لقوله : ( متتابعين ) ويبنى في قول الحسن البصري لأنه عذر [ وقياسا على رمضان فإن تخللها زمان لا يحل صومه في الكفارة كالعيدين وشهر رمضان انقطع ] العاشرة إذا وطىء المتظاهر في خلال الشهرين نهارا بطل التتابع في قول الشافعي وليلا فلا يبطل لأنه ليس محلا للصوم وقال مالك وأبو حنيفة : يبطل بكل حال ووجب عليه ابتداء الكفارة لقوله تعالى : ( من قبل أن يتماسا ) وهذا الشرط عائد إلى جملة الشهرين وإلى أبعاضهما فإذا وطىء قبل انقضائهما فليس هو الصيام المأمور به فلزمه استئنافه كما لو قال : صل قبل أن تكلم زيدا فكلم زيدا في الصلاة أو قال : صل قبل أن تبصر زيدا فأبصره في الصلاة لزمه استئنافها لأن هذه الصلاة ليست هي الصلاة المأمور بها كذلك هذا والله أعلم الحادية عشرة ومن تطاول مرضه طولا لا يرجى برؤه كان بمنزلة العاجز من كبر وجاز له العدول عن الصيام إلى الإطعام ولو كان مرضه مما يرجى برؤه واشتدت حاجته إلى وطء امرأته كان الاختيار له أن ينتظر البرء حتى يقدر على الصيام ولو كفر بالإطعام ولم ينتظر القدرة على الصيام أجزأه الثانية عشرة ومن تظاهر وهو معسر ثم أيسر لم يجزه الصوم ومن تظاهر وهو موسر ثم أعسر قبل أن يكفر صام وإنما ينظر إلى حال يوم يكفر ولو جامعها في عدمه وعسره ولم يصم حتى أيسر لزمه العتق ولو ابتدأ بالصوم ثم أيسر فإن كان مضى من صومه صدر صالح نحو الجمعة وشبهها تمادى وإن كان اليوم واليومين ونحوهما ترك الصوم وعاد إلى العتق وليس ذلك بواجب عليه ألا ترى أنه غير واجب على من طرأ الماء عليه وهو قد دخل بالتيمم في الصلاة أن يقطع ويبتدئ الطهارة عند مالك الثالثة عشرة ولو أعتق رقبتين عن كفارتي ظهار أو قتل أو فطر في رمضان وأشرك بينهما في كل واحدة منهما لم يجزه وهو بمنزلة من أعتق رقبة واحدة عن كفارتين وكذلك لو صام عنهما أربعة أشهر حتى يصوم عن كل واحدة منهما شهرين وقد قيل : إن ذلك يجزيه ولو ظاهر من امرأتين له فأعتق رقبة عن إحداهما بغير عينها لم يجز له وطء واحدة منهما حتى يكفر كفارة أخرى ولو عين الكفارة عن إحداهما جاز له أن يطأها قبل أن يكفر الكفارة عن الأخرى ولو ظاهر من أربع نسوة فأعتق عنهن ثلاث رقاب وصام شهرين لم يجزه العتق ولا الصيام لأنه إنما صام عن كل واحدة خمسة عشر يوما فإن كفر عنهن بالإطعام جاز أن يطعم عنهن مائتي مسكين وإن لم يقدر فرق بخلاف العتق والصيام لأن صيام الشهرين لا يفرق والإطعام يفرق فصل وفيه ست مسائل : الأولى ذكر الله عز وجل الكفارة هنا مرتبة فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن الرقبة وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا عند عدم الاستطاعة على الصيام فمن لم يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مدان بمد النبي ( ص ) وإن أطعم مدا بمد هشام وهو مدان إلا ثلثا أو أطعم مدا ونصفا بمد النبي ( ص ) أجزأه قال أبو عمر بن عبد البر : وأفضل ذلك مدان بمد النبي ( ص ) لأن الله عز وجل لم يقل في كفارة الظهار من أوسط ما تطعمون فواجب قصد الشبع قال بن العربي : وقال مالك في رواية بن القاسم وبن عبد الحكم : مد بمد هشام وهو الشبع ها هنا لأن الله تعالى أطلق الطعام ولم يذكر الوسط وقال في رواية أشهب : مدان بمد النبي ( ص ) : [ قيل له : ألم تكن قلت مد هشام قال بلى مدان بمد النبي ( ص ) أحب إلي ] وكذلك قال عنه بن القاسم أيضا قلت : وهي رواية بن وهب ومطرف عن مالك : أنه يعطى مدين لكل مسكين بمد النبي ( ص ) وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ومذهب الشافعي وغيره مد واحد لكل مسكين لا يلزمه أكثر من ذلك لأنه يكفر بالإطعام ولم يلزمه صرف زيادة على المد أصله كفارة الإفطار واليمين ودليلنا قوله تعالى : ( فإطعام ستين مسكينا ) وإطلاق الإطعام يتناول الشبع وذلك لا يحصل بالعادة بمد واحد إلا بزيادة عليه وكذلك قال أشهب : قلت لمالك أيختلف الشبع عندنا وعندكم قال نعم الشبع عندنا مد بمد النبي ( ص ) والشبع عندكم أكثر لأن النبي ( ص ) دعا لنا بالبركة دونكم فأنتم تأكلون أكثر مما نأكل نحن وقال أبو الحسن القابسي : إنما أخذ أهل المدينة بمد هشام في كفارة الظهار تغليظا على المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكرا من القول وزورا قال بن العربي : وقع الكلام ها هنا في مد هشام كما ترون ووددت أن يهشم الزمان ذكره ويمحو من الكتب رسمه فإن المدينة التي نزل الوحي بها واستقر الرسول بها ووقع عندهم الظهار وقيل لهم فيه : ( فإطعام ستين مسكينا ) فهموه وعرفوا المراد به وأنه الشبع وقدره معروف عندهم متقرر لديهم وقد ورد ذلك الشبع في الأخبار كثيرا واستمرت الحال على ذلك أيام الخلفاء الراشدين المهديين حتى نفخ الشيطان في أذن هشام فرأى أن مد النبي ( ص ) لا يشبعه ولا مثله من حواشيه ونظرائه فسول له أن يتخذ مدا يكون فيه شبعه فجعله رطلين وحمل الناس عليه فإذا ابتل عاد نحو الثلاثة الأرطال فغير السنة وأذهب محل البركة قال النبي ( ص ) حين دعا ربه لأهل المدينة بأن تبقى لهم البركة في مدهم وصاعهم مثل ما بارك لإبراهيم بمكة فكانت البركة تجري بدعوة النبي ( ص ) في مده فسعى الشيطان في تغيير هذه السنة وإذهاب هذه البركة فلم يستجب له في ذلك إلا هشام فكان من حق العلماء أن يلغوا ذكره ويمحوا رسمه إذا لم يغيروا أمره وأما أن يحيلوا على ذكره في الأحكام ويجعلوه تفسيرا لما ذكر الله ورسوله بعد أن كان مفسرا عند الصحابة الذين نزل عليهم فخطب جسيم ولذلك كانت رواية أشهب في ذكر مدين بمد النبي ( ص ) في كفارة الظهار أحب إلينا من الرواية بأنها بمد هشام ألا ترى كيف نبه مالك على هذا العلم بقوله لأشهب : الشبع عندنا بمد النبي ( ص ) والشبع عندكم أكثر لأن النبي ( ص ) دعا لنا بالبركة وبهذا أقول فإن العبادة إذا أديت بالسنة فإن كانت بالبدن كانت أسرع إلى القبول وإن كانت بالمال كان قليلها أثقل في الميزان وأبرك في يد الآخذ وأطيب في شدقه وأقل آفة في بطنه وأكثر إقامة لصلبه والله أعلم الثانية ولا يجزئ عند مالك والشافعي أن يطعم أقل من ستين مسكينا وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن أطعم مسكينا واحدا كل يوم نصف صاع حتى يكمل العدد أجزأه الثالثة قال القاضي أبو بكر بن العربي : من غريب الأمر أن أبا حنيفة قال إن الحجر على الحر باطل واحتج بقوله تعالى : ( فتحرير رقبة ) ولم يفرق بين الرشيد والسفيه وهذا فقه ضعيف لا يناسب قدره فإن هذه الآية عامة وقد كان القضاء بالحجر في أصحاب رسول الله ( ص ) فاشيا والنظر يقتضيه ومن كان عليه حجر لصغر أو لولاية وبلغ سفيها قد نهى عن دفع المال إليه فكيف ينفذ فعله فيه والخاص يقضي على العام الرابعة وحكم الظهار عند بعض العلماء ناسخ لما كانوا عليه من كون الظهار طلاقا وقد روي معنى ذلك عن بن عباس وأبي قلابة وغيرهما الخامسة قوله تعالى : ( ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ) أي ذلك الذي وصفنا من التغليظ في الكفارة ( لتؤمنوا ) أي لتصدقوا أن الله أمر به وقد استدل بعض العلماء على أن هذه الكفارة إيمان بالله سبحانه وتعالى لما ذكرها وأوجبها قال : ( ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ) أي ذلك لتكونوا مطيعين لله تعالى واقفين عند حدوده لا تتعدوها فسمي التكفير لأنه طاعة ومراعاة للحد إيمانا فثبت أن كل ما أشبهه فهو إيمان فإن قيل : معنى قوله : ( ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ) أي لئلا تعودوا للظهار الذي هو منكر من القول وزور وقيل له : قد يجوز أن يكون هذا مقصودا والأول مقصودا فيكون المعنى ذلك لئلا تعودوا للقول المنكر والزور بل تدعونهما طاعة لله سبحانه وتعالى إذ كان قد حرمهما ولتجتنبوا المظاهر منها إلى أن تكفروا إذ كان الله منع من مسيسها وتكفروا إذ كان الله تعالى أمر بالكفارة وألزم إخراجها منكم فتكونوا بهذا كله مؤمنين بالله ورسوله لأنها حدود تحفظونها وطاعات تؤدونها والطاعة لله ولرسوله ( ص ) إيمان وبالله التوفيق السادسة قوله تعالى : ( وتلك حدود الله ) أي بين معصيته وطاعته فمعصيته الظهار وطاعته الكفارة ( وللكافرين عذاب أليم ) أي لمن لم يصدق بأحكام الله تعالى عذاب جهنم < <

قسم V17/P287–V17/P289

المجادلة : ( 5 ) إن الذين يحادون . . . . . > > < > ( المجادله 5 : 6 ) < > قوله تعالى : ( إن الذين يحادون الله ورسوله ) لما ذكر المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين المخالفين لها والمحادة المعاداة والمخالفة في الحدود وهو مثل قوله تعالى : ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله الأنفال وقيل : ( يحادون الله ) أي أولياء الله كما في الخبر : ( من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ( وقال الزجاج : المحادة أن تكون في حد يخالف حد صاحبك وأصلها الممانعة ومنه الحديد ومنه الحداد للبواب ( كبتوا ) قال أبو عبيدة والأخفش : أهلكوا وقال قتادة : أخزوا كما أخزي الذين من قبلهم وقال بن زيد : عذبوا وقال السدي : لعنوا وقال الفراء : غيظوا يوم الخندق وقيل : يوم بدر والمراد المشركون وقيل : المنافقون ( كما كبت الذين من قبلهم ) وقيل : ( كبتوا أي سيكبتون وهو بشارة من الله تعالى للمؤمنين بالنصر وأخرج الكلام بلفظ الماضي تقريبا للمخبر عنه وقيل : هي بلغة مذحج ( وقد أنزلنا آيات بينات ) فيمن حاد الله ورسوله من الذين من قبلهم فيما فعلنا بهم ( وللكافرين عذاب مهين ) قوله تعالى : ( يوم ) نصب بعذاب مهين ) أو بفعل مضمر تقديره واذكر تعظيما لليوم ( يبعثهم الله جميعا ) أي الرجال والنساء يبعثهم من قبورهم في حالة واحدة ( فينبئهم ) أي يخبرهم ( بما عملوا ) في الدنيا ( أحصاه الله ) عليهم في صحائف أعمالهم ( ونسوه ) حتى ذكرهم به في صحائفهم ليكون أبلغ في الحجة عليهم ( والله على كل شيء شهيد ) مطلع وناظر لا يخفى عليه شيء < < المجادلة : ( 7 ) ألم تر أن . . . . . > > < > ( المجادله 7 ) < > قوله تعالى : ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ) فلا يخفى عليه سر ولا علانية ( ما يكون من نجوى ) قراءة العامة بالياء لأجل الحائل بينهما وقرأ أبو جعفر بن القعقاع والأعرج وأبو حيوة وعيسى ( ما تكون ) بالتاء لتأنيث الفعل والنجوى : السرار وهو مصدر والمصدر قد يوصف به يقال : قوم نجوى أي ذوو نجوى ونجوى ومنه قوله تعالى وإذ هم نجوى وقوله تعالى : ( ثلاثة ) خفض بإضافة ( نجوى ) إليها قال الفراء : ( ثلاثة ) نعت للنجوى فانخفضت وإن شئت أضفت ( نجوى ) إليها ولو نصب على إضمار فعل جاز وهي قراءة بن أبي عبلة ( ثلاثة ) و ( خمسة ) بالنصب على الحال بإضمار يتناجون لأن نجوى يدل عليه قاله الزمخشري ويجوز رفع ( ثلاثة ) على البدل من موضع ( نجوى ) ثم قيل : كل سرار نجوى وقيل : النجوى ما يكون من خلوة ثلاثة يسرون شيئا ويتناجون به والسرار ما كان بين اثنين ( إلا هو رابعهم ) يعلم ويسمع نجواهم يدل عليه افتتاح الآية بالعلم ثم ختمها بالعلم وقيل : النجوى من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض فالمتناجيان يتناجيان ويخلوان بسرهما كخلو المرتفع من الأرض عما يتصل به والمعنى : أن سمع الله محيط بكل كلام وقد سمع الله مجادلة المرأة التي ظاهر منها زوجها ( ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ) قرأ سلام ويعقوب وأبو العالية ونصر وعيسى بالرفع على موضع ( من نجوى ) قبل دخول ( من ) لأن تقديره ما يكون نجوى وثلاثة ) يجوز أن يكون مرفوعا على محل ( لا ) مع ( أدنى ) كقولك : لا حول ولا قوة إلا بالله بفتح الحول ورفع القوة ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء كقولك لا حول ولا قوة إلا بالله وقد مضى في البقرة بيان هذا مستوفى وقرأ الزهري وعكرمة ( أكبر ) بالباء والعامة بالثاء وفتح الراء على اللفظ وموضعها جر وقال الفراء في قوله : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ) قال : المعنى غير مصمود والعدد غير مقصود لأنه تعالى إنما قصد وهو أعلم أنه مع كل عدد قل أو كثر يعلم ما يقولون سرا وجهرا ولا تخفى عليه خافية فمن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض العدد دون بعض وقيل : معنى ذلك أن الله معهم بعلمه حيث كانوا من غير زوال ولا انتقال ونزل ذلك في قوم من المنافقين كانوا فعلوا شيئا سرا فأعلم الله أنه لا يخفى عليه ذلك قال بن عباس وقال قتادة ومجاهد : نزلت في اليهود ( ثم ينبئهم ) يخبرهم ( بما عملوا ) من حسن وسيء ( يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ) < <

قسم V17/P289

المجادلة : ( 8 ) ألم تر إلى . . . . . > > < > ( المجادله 8 ) <

قسم V17/P289–V17/P293

> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ) قيل : إن هذا في اليهود والمنافقين حسب ما قدمناه وقيل في المسلمين قال بن عباس : نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم فيقول المؤمنون : لعلهم بلغهم عن إخواننا وقرابتنا من المهاجرين والأنصار قتل أو مصيبة أو هزيمة ويسوءهم ذلك فكثرت شكواهم إلى النبي ( ص ) فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت وقال مقاتل : كان بين النبي ( ص ) وبين اليهود موادعة فإذا مر بهم رجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرا فيعرج عن طريقه فنهاهم رسول الله ( ص ) فلم ينتهوا فنزلت وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان الرجل يأتي النبي ( ص ) فيسأله الحاجة ويناجيه والأرض يومئذ حرب فيتوهمون أنه يناجيه في حرب أو بلية أو أمر مهم فيفزعون لذلك فنزلت الثانية روى أبو سعيد الخدري قال : كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله ( ص ) فقال : ( ما هذه النجوى ألم تنهوا عن النجوى ( فقلنا : تبنا إلى الله يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيخ يعني الدجال فرقا منه فقال : ( ألا أخبركم بما هو أخوف عندي منه ( قلنا : بلى يا رسول الله قال : ( الشرك الحفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل ( ذكره الماوردي وقرأ حمزة وخلف ورويس عن يعقوب ( وينتجون ) في وزن يفتعلون وهي قراءة عبد الله وأصحابه وقرأ الباقون ( ومتناجون ) في وزن يتفاعلون واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله تعالى : ( إذا تناجيتم ) و ( تناجوا ) النحاس : وحكى سيبويه أن تفاعلوا وافتعلوا يأتيان بمعنى واحد نحو تخاصموا واختصموا وتقاتلوا واقتتلوا فعلى هذا ( يتناجون ) و ( ينتجون ) واحد ومعنى ( بالإثم والعدوان ) أي الكذب والظلم ( ومعصية الرسول ) أي مخالفته وقرأ الضحاك ومجاهد وحميد ( ومعصيات الرسول ) بالجمع الثالثة قوله تعالى : ( وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ) لا خلاف بين النقلة أن المراد بها اليهود كانوا يأتون النبي ( ص ) فيقولون : السلام عليك يريدون بذلك السلام ظاهرا وهم يعنون الموت باطنا فيقول النبي ( ص ) : ( عليكم ( في رواية وفي رواية أخرى ( وعليكم ( قال بن العربي : وهي مشكلة وكانوا يقولون : لو كان محمد نبيا لما أمهلنا الله بسبه والاستخفاف به وجهلوا أن الباري تعالى حليم لا يعاجل من سبه فكيف من سب نبيه وقد ثبت أن النبي ( ص ) قال : ( لا أحد أصبر على الأذى من الله يدعون له الصاحبة والولد وهو يعافيهم ويرزقهم ( فأنزل الله تعالى هذا كشفا لسرائرهم وفضحا لبواطنهم معجزة لرسول صلى الله عليه وسلم ) وقد ثبت عن قتادة عن أنس أن يهوديا أتى على رسول الله ( ص ) وعلى أصحابه فقال : السام عليكم فرد عليه النبي ( ص ) وقال : ( أتدرون ما قال هذا ( قالوا : الله ورسول أعلم قال : ( قال كذا ردوه علي ( فردوه قال : ( قلت السام عليكم ( قال : نعم فقال النبي ( ص ) عند ذلك : ( إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت ( فأنزل الله تعالى : ( وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ) قلت : خرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وثبت عن عائشة أنها قالت : جاء أناس من اليهود إلى النبي ( ص ) فقالوا : السام عليك يا أبا القاسم فقلت : السام عليكم وفعل الله بكم وفعل فقال عليه السلام : ( مه يا عائشة فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش ( فقلت : يا رسول الله ألست ترى ما يقولون فقال : ( ألست ترين أرد عليهم ما يقولون أقول وعليكم ( فنزلت هذه الآية ( بما لم يحيك به الله ) أي أن الله سلم عليك وهم يقولون السام عليك والسام الموت خرجه البخاري ومسلم بمعناه وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي ( ص ) : ( إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ( كذا الرواية ( وعليكم ) 0 بالواو تكلم عليها العلماء لأن الواو العاطفة يقتضي التشريك فيلزم منه أن يدخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت أو من سآمه ديننا وهو الملال يقال : سئم يسأم سآمه وسآما فقال بعضهم : الواو زائدة كما زيدت في قول الشاعر : فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى أي لما أجزنا انتحى فزاد الواو وقال بعضهم : هي للاستئناف كأنه قال : والسام عليكم وقال بعضهم : هي على بابها من العطف ولا يضرنا ذلك لأنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا كما قال النبي ( ص ) روى الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : سلم ناس من يهود على رسول الله ( ص ) فقالوا : السام عليك يا أبا القاسم فقال : ( وعليكم ( فقالت عائشة وغضبت : ألم تسمع ما قالوا قال : ( بلى قد سمعت فرددت عليهم وإنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا ( خرجه مسلم ورواية الواو أحسن معنى وإثباتها أصح رواية وأشهر وقد أختلف في رد السلام على أهل الذمة هل هو واجب كالرد على المسلمين وإليه ذهب بن عباس والشعبي وقتادة للأمر بذلك وذهب مالك فيما روي عنه أشهب وبن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب فإن رددت فقل عليك وقد اختار بن طاوس أن يقول في الرد عليهم : علاك السلام أي ارتفع عنك واختار بعض أصحابنا : السلام بكسر السين يعني الحجارة وما قاله مالك أولى اتباعا للسنة والله أعلم وروى مسروق عن عائشة قالت : أتى النبي ( ص ) ناس من اليهود فقالوا : السام عليك يا أبا القاسم قال : ( وعليكم ( قالت عائشة : قلت بل عليكم السام والذام فقال رسول الله ( ص ) : ( يا عائشة لا تكوني فاحشة ( فقالت : ما سمعت ما قالوا فقال : ( أو ليس قد رددت عليهم الذي قالوا قلت وعليكم ( وفي رواية قال : ففطنت بهم عائشة فسبتهم فقال رسول الله ( ص ) : ( مه يا عائشة فإن الله لا يحب الفحش والتفحش ( وزاد فأنزل الله تبارك وتعالى : ( وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ) إلى آخر الآية الذام بتخفيف الميم هو العيب وفي المثل لا تعدم الحسنات ذاما أي عيبا ويهمز ولا يهمز يقال : ذأمه يذأمه مثل ذأب يذأب والمفعول مذءوم مهموزا ومنه ( مذءوما مدحورا الأعراف ) ويقال : ذامه يذومه مخففا كرامه يرومه قوله تعالى : ( ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول ) قالوا : لو كان محمد نبيا لعذبنا الله بما نقول فهلا يعذبنا الله وقيل : قالوا إنه يرد علينا ويقول وعليكم السام والسام الموت فلو كان نبيا لاستجيب له فينا ومتنا وهذا موضع تعجب منهم فإنهم كانوا أهل كتاب وكانوا يعلمون أن الأنبياء قد يغضبون فلا يعاجل من يغضبهم بالعذاب ( حسبهم جهنم ) أي كافيهم جهنم عقابا غدا ( فبئس المصير ) أي المرجع < <

قسم V17/P293–V17/P295

المجادلة : ( 9 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المجادله 9 ) < > قوله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم ) نهى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود فقال : ( يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم ) أي تساررتم ( فلا تتناجوا ) هذه قراءة العامة وقرأ يحيى بن وثاب وعاصم ورويس عن يعقوب ( فلا تنتجوا ) من الانتجاء ( بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر ) أي بالطاعة ( والتقوى ) بالعفاف عما نهى الله عنه وقيل : الخطاب للمنافقين أي يأيها الذين آمنوا بزعمهم وقيل : أي يأيها الذين آمنوا بموسى ( واتقوا الله الذي إليه تحشرون ) أي تجمعون في الآخرة < < المجادلة : ( 10 ) إنما النجوى من . . . . . > > < > ( المجادله 10 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( إنما النجوى من الشيطان ) أي من تزيين الشيطان ( ليحزن الذين آمنوا ) إذ توهموا أن المسلمين أصيبوا في السرايا أو إذا أجروا اجتماعهم على مكايدة المسلمين وربما كانوا يناجون النبي ( ص ) فيظن المسلمون أنهم ينتقصونهم عند النبي ( ص ) ( وليس بضارهم ) أي التناجي ( شيئا إلا بإذن الله ) أي بمشيئته وقيل : بعلمه وعن بن عباس : بأمره ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) أي يكلون أمرهم إليه ويفوضون جميع شؤونهم إلى عونه ويستعيذون به من الشيطان ومن كل شر فهو الذي سلط الشيطان بالوساوس ابتلاء للعبد وامتحانا ولو شاء لصرفه عنه الثانية في الصحيحين عن بن عمر أن رسول الله ( ص ) قال : ( إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الواحد ( وعن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله ( ص ) : ( إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه ( فبين في هذا الحديث غاية المنع وهي أن يجد الثالث من يتحدث معه كما فعل بن عمر وذلك أنه كان يتحدث مع رجل فجاء آخر يريد أن يناجيه فلم يناجيه حتى دعا رابعا فقال له وللأول : تأخرا وناجى الرجل الطالب للمناجاة خرجه الموطأ وفيه أيضا التنبيه على التعليل بقوله : ( من أجل أن يحزنه ( أي يقع في نفسه ما يحزن لأجله وذلك بأن يقدر في نفسه أن الحديث عنه بما يكره أو أنه لم يروه أهلا ليشركوه في حديثهم إلى غير ذلك من ألقيات الشيطان وأحاديث النفس وحصل ذلك كله من بقائه وحده فإذا كان معه غيره أمن ذلك وعلى هذا يستوي في ذلك الأعداد فلا يتناجى أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف مثلا لوجود ذلك المعنى في حقه بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع فيكون بالمنع أولى وإنما خص الثلاثة بالذكر لأنه أول عدد يتأتى ذلك المعنى فيه وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال وإليه ذهب بن عمر ومالك والجمهور وسواء أكان التناجي في مندوب أو مباح أو واجب فإن الحزن يقع به وقد ذهب بعض الناس إلى أن ذلك كان في أول الإسلام لأن ذلك كان في حال المنافقين فيتناجى المنافقون دون المؤمنين فلما فشا الإسلام سقط ذلك وقال بعضهم : ذلك خاص بالسفر في المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه فأما في الحضر وبين العمارة فلا فإنه يجد من يعينه بخلاف السفر فإنه مظنة الاغتيال وعدم المغيث والله أعلم < < المجادلة : ( 11 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المجادله 11 ) <

قسم V17/P295–V17/P300

> فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس ) لما بين أن اليهود يحيونه بما لم يحيه به الله وذمهم على ذلك وصل به الأمر بتحسين الأدب في مجالسة رسول الله ( ص ) حتى لا يضيقوا عليه المجلس وأمر المسلمين بالتعاطف والتآلف حتى يفسح بعضهم لبعض حتى يتمكنوا من الاستماع من رسول الله ( ص ) والنظر إليه قال قتادة ومجاهد : كانوا يتنافسون في مجلس النبي ( ص ) فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض وقال الضحاك وقال بن عباس : المراد بذلك مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب قال الحسن ويزيد بن أبي حبيب : كان النبي ( ص ) إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه على الصف الأول فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في القتال والشهادة فنزلت فيكون كقوله : مقاعد للقتال وقال مقاتل : كان النبي ( ص ) في الصفة وكان في المكان ضيق يوم الجمعة وكان النبي ( ص يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء أناس من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبقوا في المجلس فقاموا حيال النبي ( ص ) على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم يفسحوا لهم فشق ذلك على النبي ( ص ) فقال لمن حول من [ غير ] أهل بدر : ( قم يا فلان وأنت يا فلان ( بعدد القائمين من أهل بدر فشق ذلك على من أقيم وعرف النبي ( ص ) الكراهية في وجوههم فغمز المنافقون وتكلموا بأن قالوا : ما أنصف هؤلاء وقد أحبوا القرب من نبيهم فسبقوا إلى المكان فأنزل الله عز وجل هذه الآية ( تفسحوا أي توسعوا وفسح فلان لأخيه في مجلسه يفسح فسحا أي وسع له ومنه قولهم : بلد فسيح ولك في كذا فسحة وفسح يفسح مثل منع يمنع أي وسع في المجلس وفسح يفسح فساحة مثل كرم يكرم [ كرامة ] أي صار واسعا ومنه مكان فسيح الثانية قرأ السلمي وزر بن حبيش وعاصم ( في المجالس ) وقرأ قتادة وداود بن أبي هند والحسن باختلاف عنه ( إذا قيل لكم تفاسحوا ) الباقون ( تفسحوا في المجلس ) فمن جمع فلأن قول : ( تفسحوا في المجالس ) ينبئ أن لكل واحد مجلسا وكذلك إن أريد به الحرب وكذلك يجوز أن يراد مسجد النبي ( ص ) وجمع لأن لكل جالس مجلسا وكذلك يجوز إن أريد بالمجلس المفرد مجلس النبي ( ص ) ويجوز أن يراد به الجمع على مذهب الجنس كقولهم : كثر الدينار والدرهم قلت : الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير والأجر سواء كان مجلس حرب أو ذكر أو مجلس يوم الجمعة فإن كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه [ قال ( صلى الله عليه وسلم ) : ( من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به ( ] ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك فيخرجه الضيق عن موضعه روى البخاري ومسلم عن بن عمر عن النبي ( ص ) قال : ( لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ( وعنه عن النبي ( ص ) أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر ولكن تفسحوا وتوسعوا وكان بن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه لفظ البخاري الثالثة إذا قعد واحد من الناس في موضع من المسجد لا يجوز لغيره أن يقيمه حتى يقعد مكانه لما روى مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ( ص ) قال : ( لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول افسحوا ( فرع القاعد في المكان إذا قام حتى يقعد غيره موضعه نظر فإن كان الموضع الذي قام إليه مثل الأول في سماع كلام الإمام لم يكره له ذلك وإن كان أبعد من الإمام كره له ذلك لأن فيه تفويت حظه الرابعة إذا أمر إنسان انسانا أن يبكر إلى الجامع فيأخذ له مكانا يقعد فيه لا يكره فإذا جاء الآمر يقوم من الموضع لما روى : أن بن سيرين كان يرسل غلامه إلى مجلس له في يوم الجمعة فيجلس له فيه فإذا جاء قام له منه فرع وعلى هذا من أرسل بساطا أو سجادة فتبسط له في موضع من المسجد الخامسة روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ( ص ) قال : ( إذا قام أحدكم وفي حديث أبي عوانة من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به ( قال علماؤنا : هذا يدل على صحة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه لأنه إذا كان أولى به بعد قيامه فقبله أولى به وأحرى وقد قيل : إن ذلك على الندب لأنه موضع غير متملك لأحد لا قبل الجلوس ولا بعد وهذا فيه نظر وهو أن يقال : سلمنا أنه غير متملك لكنه يختص به إلى أن يفرغ غرضه منه فصار كأنه يملك منفعته إذ قد منع غيره من يزاحمه عليه والله أعلم السادسة قوله تعالى : ( يفسح الله لكم ) أي في قبوركم وقيل : في قلوبكم وقيل : يوسع عليكم في الدنيا والآخرة ( وإذا قيل انشزوا فانشزوا ) قرأ نافع وبن عامر وعاصم بضم الشين فيهما وكسر الباقون وهما لغتان مثل يعكفون الأعراف ويعرشون الأعراف والمعنى انهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير قال أكثر المفسرين وقال مجاهد والضحاك : إذا نودي للصلاة فقوموا إليها وذلك أن رجالا تثاقلوا عن الصلاة فنزلت وقال الحسن ومجاهد أيضا : أي انهضوا إلى الحرب وقال بن زيد : هذا في بيت النبي ( ص ) كان كل رجل منهم يحب أن يكون آخر عهده بالنبي ( ص ) فقال الله تعالى : ( وإذا قيل انشزوا ) عن النبي ( ص ) ( فانشزوا ) فإن له حوائج فلا تمكثوا وقال قتادة : المعنى أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف وهذا هو الصحيح لأنه يعم والنشز الارتفاع مأخوذ من نشز الأرض وهو ارتفاعها يقال نشز ينشز وينشز إذا انتحى من موضعه أي ارتفع منه وامرأة ناشز منتحية عن زوجها وأصل هذا من النشز والنشز هو ما ارتفع من الأرض وتنحى ذكره النحاس السابعة قوله تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) أي في الثواب في الآخرة وفي الكرامة في الدنيا فيرفع المؤمن على من ليس بمؤمن والعالم على من ليس بعالم وقال بن مسعود : مدح الله العلماء في هذه الآية والمعنى أنه يرفع الله الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم ( درجات ) أي درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به وقيل : كان أهل الغنى يكرهون أن يزاحمهم من يلبس الصوف فيستبقون إلى مجلس النبي ( ص ) فالخطاب لهم ورأى عليه الصلاة والسلام رجلا من الأغنياء يقبض ثوبه نفورا من بعض الفقراء أراد أن يجلس إليه فقال يا فلان : ( خشيت أن يتعدى غناك إليه أو فقره إليك ( وبين في هذه الآية أن الرفعة عند الله تعالى بالعلم والإيمان لا بالسبق إلى صدور المجالس وقيل : أراد بالذين أوتوا العلم الذين قرؤوا القرآن وقال يحيى بن يحيى عن مالك : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم ) الصحابة ( والذين أوتوا العلم درجات ) يرفع الله بها العالم والطالب للحق قلت : والعموم أوقع في المسألة وأولى بمعنى الآية فيرفع المؤمن بإيمانه أولا ثم بعلمه ثانيا وفي صحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقدم عبد الله بن عباس على الصحابة فكلموه في ذلك فدعاهم ودعاه وسألهم عن تفسير إذا جاء نصر الله والفتح النصر فسكتوا فقال بن عباس : هو أجل رسول الله ( ص ) أعلمه الله إياه فقال عمر : ما أعلم منها إلا ما تعلم وفي البخاري عن عبد الله بن عباس قال : قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على بن أخيه الحر بن قيس بن حصن وكان من النفر الذين يدنيهم عمر وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا الحديث وقد مضى في آخر الأعراف وفي صحيح مسلم أن نافع بن عبد الحرث لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال : من استعملته على أهل الوادي فقال : بن أبزى فقال : ومن بن أبزى قال : مولى من موالينا قال : فاستخلفت عليهم مولى قال : إنه قارئ لكتاب الله وإنه عالم بالفرائض قال عمر : أما إن نبيكم ( ص ) قد قال : ( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين ( وقد مضى أول الكتاب ومضى القول في فضل العلم والعلماء في غير موضع من هذا الكتاب [ والحمد لله ] وروي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ( بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة ( وعنه ( ص ) : ( فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ( وعنه عليه الصلاة والسلام : ( يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ( فأعظم بمنزلة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله ( ص ) وعن بن عباس : خير سليمان [ عليه السلام ] بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي المال والملك معه < <

قسم V17/P300–V17/P302

المجادلة : ( 12 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( المجادله 12 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ) ( ناجيتم ) ساررتم قال بن عباس : نزلت بسبب أن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول الله ( ص ) حتى شقوا عليه فأراد الله عز وجل أن يخفف عن نبيه ( ص ) فلما قال ذلك كف كثير من الناس ثم وسع الله عليهم بالآية التي بعدها وقال الحسن : نزلت بسبب أن قوما من المسلمين كانوا يستخلون النبي ( ص ) ويناجونه فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى فشق عليهم ذلك فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن استخلائه وقال زيد بن أسلم : نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي ( ص ) ويقولون : إنه أذن يسمع كل ما قيل له وكان لا يمنع أحدا مناجاته فكان ذلك يشق على المسلمين لأن الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم ناجوه بأن جموعا اجتمعت لقتاله قال : فأنزل الله تبارك وتعالى : ( يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ) الآية فلم ينتهوا فأنزل الله هذه الآية فانتهى أهل الباطل عن النجوى لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة وشق ذلك على أهل الإيمان وامتنعوا من النجوى لضعف مقدرة كثير منهم عن الصدقة فخفف الله عنهم بما بعد الآية الثانية قال بن العربي : وفي هذا الخبر عن زيد ما يدل على أن الأحكام لا تترتب بحسب المصالح فإن الله تعالى قال : ( ذلك خير لكم وأطهر ) ثم نسخه مع كونه خيرا وأطهر وهذا رد على المعتزلة عظيم في التزام المصالح لكن راوي الحديث عن زيد ابنه عبد الرحمن وقد ضعفه العلماء والأمر في قوله تعالى : ( ذلك خير لكم وأطهر ) نص متواتر في الرد على المعتزلة والله أعلم الثالثة روى الترمذي عن علي بن علقمة الأنماري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لما نزلت ( يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) [ سألته ] قال لي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ما ترى دينارا ( قلت لا يطيقونه قال : ( فنصف دينار ( قلت : لا يطيقونه قال : ( فكم ( قلت : شعيرة قال : ( إنك لزهيد ( قال فنزلت : ( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ) الآية قال : فبي خفف الله عن هذه الأمة قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه ومعنى قوله : شعيرة يعني وزن شعيرة من ذهب قال بن العربي : وهذا يدل على مسألتين حسنتين أصوليتين : الأولى نسخ العبادة قبل فعلها والثانية النظر في المقدرات بالقياس خلافا لأبي حنيفة قلت : الظاهر أن النسخ إنما وقع بعد فعل الصدقة وقد روي عن مجاهد : أن أول من تصدق في ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه وناجى النبي ( ص ) روي أنه تصدق بخاتم وذكر القشيري وغيره عن علي بن أبي طالب أنه قال : ( في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي وهي : ( يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) كان لي دينار فبعته فكنت إذا ناجيت الرسول تصدقت بدرهم حتى نفد فنسخت بالآية الأخرى ( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ) وكذلك قال بن عباس : نسخها الله بالآية التي بعدها وقال بن عمر : لقد كانت لعلي رضي الله عنه ثلاثة لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم : تزويجه فاطمة وإعطاؤه الراية يوم خيبر وآية النجوى ( ذلك خير لكم ) أي من إمساكها ( وأطهر ) لقلوبكم من المعاصي ( فإن لم تجدوا ) يعني الفقراء ( فإن الله غفور رحيم <

الأسئلة

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân · 126 · Qur'an & Sunnah