Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
> أي وطحوها وقيل : ومن طحاها على ما ذكرناه آنفا أي بسطها كذا قال عامة المفسرين مثل دحاها قال الحسن ومجاهد وغيرهما : طحاها ودحاها : واحد أي بسطها من كل جانب والطحو : البسط طحا يطحو طحوا وطحى يطحى طحيا وطحيت : أضطجعت عن أبي عمرو وعن إبن عباس : طحاها : قسمها وقيل : خلقها قال الشاعر : وما تدري جذيمة من طحاها ولا من ساكن العرش الرفيع الماوردي : ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز لأنه حياة لما خلق عليها ويقال في بعض أيمان العرب : لا والقمر الطاحي أي المشرف المشرق المرتفع قال أبو عمرو : طحا الرجل : إذا ذهب في الأرض يقال : ما أدري أين طحا ويقال : طحا به قلبه : إذا ذهب به في كل شيء قال علقمة : طحا بك قلب في الحسان طروب بعيد الشباب عصر حان مشيب < < الشمس : ( 7 ) ونفس وما سواها > > < > ( 7 ) < > قيل : المعنى وتسويتها فما : بمعنى المصدر وقيل : المعنى ومن سواها وهو الله عز وجل وفي النفس قولان : أحدهما آدم الثاني كل نفس منفوسة وسوى : بمعنى هيأ وقال مجاهد : سواها : سوى خلقها وعدل وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم أقسم جل ثناؤه بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه < < الشمس : ( 8 ) فألهمها فجورها وتقواها > > < > ( 8 ) < > قوله تعالى : ( فألهمها ) أي عرفها كذا روى إبن أبي نجيح عن مجاهد أي عرفها طريق الفجور والتقوى وقاله إبن عباس وعن مجاهد أيضا : عرفها الطاعة والمعصية وعن محمد بن كعب قال : إذا أراد الله عز وجل بعبده خيرا ألهمه الخير فعمل به وإذا أراد به السوء ألهمه الشر فعمل به وقال الفراء : فألهمها قال : عرفها طريق الخير وطريق الشر كما قال : وهديناه النجدين وروى الضحاك عن إبن عباس قال : ألهم المؤمن المتقي تقواه وألهم الفاجر فجوره وعن سعيد عن قتادة قال : بين لها فجورها وتقواها والمعنى متقارب وروي عن أبي هريرة قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فألهمها فجورها وتقواها قال : ( اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها ( ورواه جويبر عن الضحاك عن إبن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية فألهمها فجورها وتقواها رفع صوته بها وقال : ( اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها وأنت خير من زكاها ( وفي صحيح مسلم عن أبي الأسود الدؤلي قال : قال لي عمران إبن حصين : أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي ومضى عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقلت : بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم قال فقال : أفلا يكون ظلما قال : ففزعت من ذلك فزعا شديدا وقلت : كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون فقال لي : يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه : أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقال : ( لا بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ( والفجور والتقوى : مصدران في موضع المفعول به < < الشمس : ( 9 ) قد أفلح من . . . . . > > < > ( الشمس 9 : 10 ) <
> قوله تعالى : ( قد افلح من زكاها ) هذا جواب القسم بمعنى : لقد أفلح قال الزجاج : اللام حذفت لأن الكلام طال فصار طوله عوضا منها وقيل : الجواب محذوف أي والشمس وكذا وكذا لتبعثن الزمخشري : تقديره ليدمدمن الله عليهم أي على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا وأما قد أفلح من زكاها فكلام تابع لأوله لقوله : فألهمها فجورها وتقواها على سبيل الإستطراد وليس من جواب القسم في شيء وقيل : هو على التقديم والتأخير بغير حذف والمعنى : قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها والشمس وضحاها ( أفلح ) فاز ( من زكاها ) أي من زكى الله نفسه بالطاعة ( وقد خاب من دساها ) أي خسرت نفس دسها الله عز وجل بالمعصية وقال إبن عباس : خابت نفس أضلها وأغواها وقيل : أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال وخاب من دس نفسه في المعاصي قاله قتادة وغيره وأصل الزكاة : النمو والزيادة ومنه زكا الزرع : إذا كثر ريعه ومنه تزكية القاضي للشاهد لأنه يرفعه بالتعديل وذكر الجميل وقد تقدم هذا المعنى في أول سورة البقرة مستوفي فمصطنع المعروف والمبادر إلى أعمال البر شهر نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب تنزل الربا وإرتفاع الأرض ليشتهر مكانها للمعتفين وتوقد النار في الليل للطارقين وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام ليخفى مكانها عن الطالبين فأولئك علوا أنفسهم وزكوها وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها وكذا الفاجر أبدا خفي المكان زمر المروءة غامض الشخص ناكس الرأس بركوب المعاصي وقيل : دساها : أغواها قال : وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت حلائله منه أرامل ضيعا قال أهل اللغة : والأصل : دسسها من التدسيس وهو إخفاء الشيء في الشيء فأبدلت سينه ياء كما يقال : قصيت أظفاري وأصله قصصت أظفاري ومثله قولهم في تقضض : تقضي وقال إبن الأعرابي : وقد خاب من دساها أي دس نفس في جملة الصالحين وليس منهم < < الشمس : ( 11 ) كذبت ثمود بطغواها > > < > ( 11 : 14 ) < > قوله تعالى : ( كذبت ثمود بطغواها ) أي بطغيانها وهو خروجها عن الحد في العصيان قاله مجاهد وقتادة وغيرهما وعن إبن عباس بطغواها أي بعذابها الذي وعدت به قال : وكان أسم العذاب الذي جاءها الطغوى لأنه طغى عليهم وقال محمد كعب : بطغواها بأجمعها وقيل : هو مصدر وخرج على هذا المخرج لأنه أشكل برءوس الآي وقيل : الأصل بطغياها إلا أن فعلي إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الأسم واوا ليفصل بين الأسم والوصف وقراءة العامة بفتح الطاء وقرأ الحسن والجحدري وحماد بن سلمة ( بضم الطاء ) على أنه مصدر كالرجعي والحسني وشبههما في المصادر وقيل : هما لغتان ( إذ إنبعث ) أي نهض ( أشقاها ) لعقر الناقة وأسمه قدار بن سالف وقد مضى في الأعراف بيان هذا وهل كان واحدا أو جماعة وفي البخاري عن عبد الله إبن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذ إنبعث أشقاها إنبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة ( وذكر الحديث خرجه مسلم أيضا وروى الضحاك عن علي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( أتدري من أشقى الأولين ( قلت : : الله ورسوله أعلم قال : ( قاتلك ( فقال لهم رسول الله ) يعني صالحا ( ناقة الله ) ناقة منصوب على التحذير كقولك : الأسد الأسد والصبي الصبي والحذار الحذار أي أحذروا ناقة الله أي عقرها وقيل : ذروا ناقة الله كما قال : هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ( وسقياها ) أي ذروها وشربها وقد مضى في سورة الشعراء بيانه والحمد لله وأيضا في سورة أقتربت الساعة فإنهم لما أقترحوا الناقة وأخرجها لهم من الصخرة جعل لهم شرب يوم من بئرهم ولها شرب يوم مكان ذلك فشق ذلك عليهم ( فكذبوه ) أي كذبوا صالحا عليه السلام في قوله لهم : ( إنكم تعذبون إن عقرتموها ( فعقروها ) أي عقرها الأشقى وأضيف إلى الكل لأنهم رضوا بفعله وقال قتادة : ذكر لنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم وقال الفراء : عقرها إثنان : والعرب تقول : هذان أفضل الناس وهذان خير الناس وهذه المرأة أشقى القوم فلهذا لم يقل : أشقياها قوله تعالى : ( فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ) أي أهلكهم وأطبق عليهم العذاب بذنبهم الذي هو الكفر والتكذيب والعقر وروى الضحاك عن إبن عباس قال : دمدم عليهم قال : دمر عليهم ربهم بذنبهم أي بجرمهم وقال الفراء : دمدم أي أرجف وحقيقة الدمدمة تضعيف العذاب وترديده ويقال : دممت على الشيء : أي أطبقت عليه ودمم عليه القبر : أطبقه وناقة مدومة : ألبسها الشحم فإذا كررت الإطباق قلت : دمدمت والدمدمة : إهلاك بإستئصال قاله المؤرج وفي الصحاح : ودمدمت الشيء : إذا ألزقته بالأرض وطحطحته ودمدم الله عليهم : أي أهلكهم القشيري : وقيل : دمدمت على الميت التراب : أي سويت عليه فقوله فدمدم عليهم أي أهلكهم فجعلهم تحت التراب ( فسواها ) أي سوى عليهم الأرض وعلى الأول فسواها أي فسوى الدمدمة والإهلاك عليهم وذلك أن الصيحة أهلكتهم فأتت على صغيرهم وكبيرهم وقال إبن الأنباري : دمدم أي غضب والدمدمة : الكلام الذي يزعج الرجل وقال بعض اللغويين : الدمدمة : الإدامة تقول العرب : ناقة مدمدمة أي سمينة وقيل : فسواها أي فسوى الأمة في إنزال العذاب بهم صغيرهم وكبيرهم وضيعهم وشريفهم ذكرهم وأنثاهم وقرأ إبن الزبير فدمدم وهما لغتان كما يقال : أمتقع لونه وانتقع 15 ) <
> أي فعل الله ذلك بهم غير خائف أن تلحقه تبعة الدمدمة من أحد قاله بن عباس والحسن وقتادة ومجاهد والهاء في عقباها ترجع إلى الفعلة كقوله : ( من أغتسل يوم الجمعة فبها ونعمت ( أي بالفعلة والخصلة قال السدي والضحاك والكلبي : ترجع إلى العاقر أي لم يخف الذي عقرها عقبى ما صنع وقاله إبن عباس أيضا وفي الكلام تقديم وتأخير مجازه : إذ إنبعث أشقاها ولا يخاف عقباها وقيل : لا يخاف رسول الله صالح عاقبة إهلاك قومه ولا يخشى ضررا يعود عليه من عذابهم لأنه قد أنذرهم ونجاه الله تعالى حين أهلكهم وقرأ نافع وإبن عامر فلا بالفاء وهو الأجود لأنه يرجع إلى المعنى الأول أي فلا يخاف الله عاقبة إهلاكهم والباقون بالواو وهي أشبه بالمعنى الثاني أي ولا يخاف الكافر عاقبة ما صنع وروى إبن وهب وإبن القاسم عن مالك قالا : أخرج إلينا مالك مصحفا لجده وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان حين كتب المصاحف وفيه : ولا يخاف بالواو وكذا هي في مصاحف أهل مكة والعراقيين بالواو وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم إتباعا لمصحفهم < > تفسير سورة والليل < > مكية وقيل : مدنية وهي إحدى وعشرون آية بإجماع بسم الله الرحمن الرحيم < < الليل : ( 1 ) والليل إذا يغشى > > < > ( الليل 1 : 4 ) < > قوله تعالى : ( والليل إذا يغشى ) أي يغطى ولم يذكر معه مفعولا للعلم به وقيل : يغشى النهار وقيل : الأرض وقيل : الخلائق وقيل : يغشى كل شيء بظلمته وروى سعيد عن قتادة قال : أول ما خلق الله النور والظلمة ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما والنور نهارا مضيئا مبصرا ( والنهار إذا تجلى ) أي إذا إنكشف ووضح وظهر وبان بضوئه عن ظلمة الليل ( وما خلق الذكر والأنثى ) قال الحسن : معناه والذي خلق الذكر والأنثى فيكون قد أقسم بنفسه عز وجل وقيل : معناه وخلق الذكر والأنثى ( فما ) : مصدرية على ما تقدم وأهل مكة يقولون للرعد : سبحان ما سبحت له ( فما ) على هذا بمعنى ( من ) وهو قول أبي عبيدة وغيره وقد تقدم وقيل : المعنى وما خلق من الذكر والأنثى فتكون من مضمرة ويكون القسم منه بأهل طاعته من أنبيائه وأوليائه ويكون قسمه بهم تكرمة لهم وتشريفا وقال أبو عبيدة : وما خلق أي من خلق وكذا قوله : والسماء وما بناها ونفس وما سواها ما في هذه المواضع بمعنى من وروي عن إبن مسعود أنه كان يقرأ والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى ويسقط وما خلق وفي صحيح مسلم عن علقمة قال : قدمنا الشام فأتانا أبو الدرداء فقال : فيكم أحد يقرأ علي قراءة عبد الله فقلت : نعم أنا قال : فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية والليل إذا يغشى قال : سمعته يقرأ والليل إذا يغشى والذكر والأنثى قال : وأنا والله هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ وما خلق فلا أتابعهم قال أبو بكر الأنباري : وحدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا محمد قال حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أنا الرازق ذو القوة المتين قال أبو بكر : كل من هذين الحديثين مردود بخلاف الإجماع له وأن حمزة وعاصما يرويان عن عبد الله بن مسعود ما عليه جماعة المسلمين والبناء على سندين يوافقان الإجماع أولى من الأخذ بواحد يخالفه الإجماع والأمة وما يبني على رواية واحد إذا حاذاه رواية جماعة تخالفه أخذ برواية الجماعة وأبطل نقل الواحد لما يجوز عليه من النسيان والإغفال ولو صح الحديث عن أبي الدرداء وكان إسناده مقبولا معروفا ثم كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة رضي الله عنهم يخالفونه لكان الحكم العمل بما روته الجماعة ورفض ما يحكيه الواحد المنفرد الذي يسرع إليه من النسيان ما لا يسرع إلى الجماعة وجميع أهل الملة وفي المراد بالذكر والأنثى قولان : أحدهما آدم وحواء قاله إبن عباس والحسن والكلبي الثاني يعني جميع الذكور والإناث من بني آدم والبهائم لأن الله تعالى خلق جميعهم من ذكر وأنثى من نوعهم وقيل : كل ذكر وأنثى من الآدميين دون البهائم لإختصاصهم بولاية الله وطاعته ( إن سعيكم لشتى ) هذا جواب القسم والمعنى : إن عملكم لمختلف وقال عكرمة وسائر المفسرين : السعي : العمل فساع في فكاك نفسه وساع في عطبها يدل عليه قوله عليه السلام : ( الناس غاديان : فمبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها ( وشتى : واحده شتيت مثل مريض ومرضى وإنما قيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعضه أي إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض لأن بعضه ضلالة وبعضه هدى أي فمنكم مؤمن وبر وكافر وفاجر ومطيع وعاص وقيل : لشتى أي لمختلف الجزاء فمنكم مثاب بالجنة ومعاقب بالنار وقيل : أي لمختلف الأخلاق فمنكم راحم وقاس وحليم وطائش وجواد وبخيل وشبه ذلك < <
الليل : ( 5 ) فأما من أعطى . . . . . > > < > ( الليل 5 : 10 ) <
> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فأما من أعطى وأتقى ) قال إبن مسعود : يعني أبا بكر رضي الله عنه وقاله عامة المفسرين فروي عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال : كان أبو بكر يعتق على الإسلام عجائز ونساء قال : فقال له أبوه قحافة : أي بني لو أنك أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون معك فقال : يا أبت إنما أريد ما أريد وعن إبن عباس في قوله تعالى : فأما من أعطى أي بذل وأتقى أي محارم الله التي نهى عنها ( وصدق بالحسنى ) أي بالخلف من الله تعالى على عطائه ( فسنيسره لليسرى ) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا ( وروي من حديث أبي الدرداء : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من يوم غربت شمسه إلا بعث بجنبتها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين : اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا ( فأنزل الله تعالى في ذلك في القرآن فأما من أعطى الآيات وقال أهل التفسير : فأما من أعطى المعسرين وقال قتادة : أعطى حق الله تعالى الذي عليه وقال الحسن : أعطى الصدق من قلبه ( وصدق بالحسنى ) أي بلا إله إلا الله قاله الضحاك والسلمي وإبن عباس أيضا وقال مجاهد : بالجنة دليله قوله تعالى : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة الآية وقال قتادة : بموعود الله الذي وعده أن يثيبه زيد بن أسلم : بالصلاة والزكاة والصوم الحسن : بالخلف من عطائه وهو إختيار الطبري وتقدم عن إبن عباس وكله متقارب المعنى إذ كله يرجع إلى الثواب الذي هو الجنة الثانية قوله تعالى : ( فسنيسره لليسرى ) أي نرشده لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل عليه فعلها وقال زيد بن أسلم : لليسرى للجنة وفي الصحيحين والترمذي عن علي رضي الله عنه قال : كنا في جنازة بالبقيع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فجلس وجلسنا معه ومعه عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه إلى السماء فقال : ( ما من نفس منفوسة إلا ] قد [ كتب مدخلها ( فقال القوم : يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا فمن كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء قال : ( بل أعملوا فكل ميسر أما من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل السعادة وأما من كان من أهل الشقاء فإنه ييسر لعمل الشقاء ثم قرأ فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل وأستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ( لفظ الترمذي وقال فيه : حديث حسن صحيح وسأل غلامان شابان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : العمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم في شيء يستأنف فقال عليه السلام : ( بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ( قالا : ففيم العمل قال : ( أعملوا فكل ميسر لعمل الذي خلق له ( قالا : فالآن نجدونعمل الثالثة قوله تعالى : ( وأما من بخل وأستغنى ) أي ضن بما عنده فلم يبذل خيرا وقد تقدم بيانه وثمرته في الدنيا في سورة آل عمران وفي الآخرة مآله النار كما في هذه الآية روى الضحاك عن إبن عباس ( فسنيسره للعسرى ) قال : سوف أحول بينه وبين الإيمان بالله وبرسوله وعنه عن إبن عباس قال : نزلت في أمية بن خلف وروى عكرمة عن بن عباس : وأما من بخل وأستغنى يقول : بخل بماله وأستغنى عن ربه ( وكذب بالحسنى ) أي بالخلف وروى إبن أبي نجيح عن مجاهد : وكذب بالحسنى قال : بالجنة وبإسناد عنه آخر قال بالحسنى أي بلا إله إلا الله ( فسنيسره ) أي نسهل طريقه ( للعسرى ) أي للشر وعن إبن مسعود : للنار وقيل : أي فسنعسر عليه أسباب الخير والصلاح حتى يصعب عليه فعلها وقد تقدم أن الملك ينادي صباحا ومساء : ( اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا ( رواه أبو الدرداء مسألة : قال العلماء : ثبت بهذه الآية وبقوله : ومما رزقناهم ينفقون وقوله : الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية إلى غير ذلك من الآيات أن الجود من مكارم الأخلاق والبخل من ارذلها وليس الجواد الذي يعطي في غير موضع العطاء ولا البخيل الذي يمنع في موضع المنع لكن الجواد الذي يعطي في موضع العطاء والبخيل الذي يمنع في موضع العطاء فكل من أستفاد بما يعطي أجرا وحمدا فهو الجواد وكل من أستحق بالمنع ذما أو عقابا فهو البخيل ومن لم يستفد بالعطاء أجرا ولا حمدا وإنما أستوجب به ذما فليس بجواد وإنما هو مسرف مذموم وهو من المبذرين الذين جعلهم الله إخوان الشياطين وأوجب الحجر عليهمومن لم يستوجب بالمنع عقابا ولا ذما وأستوجب به حمدا فهو من أهل الرشد الذين يستحقون القيام على أموال غيرهم بحسن تدبيرهم وسدادرأيهم الرابعة قال الفراء : يقول القائل : كيف قال : فسنيسره للعسرى وهل في العسرى تيسير فيقال في الجواب : هذا في إجازته بمنزلة قوله عز وجل : فبشرهم بعذاب أليم والبشارة في الأصل على المفرح والسار فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر جاءت البشارة فيهما وكذلك التيسير في الأصل على المفرح فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر جاء التيسير فيهما جميعا قال الفراء : وقوله تعالى فسنيسره : سنهيئه والعرب تقول : قد يسرت الغنم : إذا ولدت أو تهيأت للولادة قال : هما سيدانا يزعمان وإنما يسوداننا أن يسرت غنماهما < <
الليل : ( 11 ) وما يغني عنه . . . . . > > < > ( الليل 11 : 13 ) < > قوله تعالى : ( وما يغني عنه ماله إذا تردى ) أي مات يقال : ردي الرجل يردى ردى : إذا هلك قال : صرفت الهوى عنهن من خشية الردى وقال أبو صالح وزيد بن أسلم : إذا تردى : سقط في جهنم ومنه المتردية ويقال : ردى في البئر وتردى : إذا سقط في بئر أو تهور من جبل يقال : ما أدري أين ردى أي أين ذهب وما : يحتمل أن تكون جحدا أي ولا يغني عنه ماله شيئا ويحتمل أن تكون إستفهاما معناه التوبيخ أي أي شيء يغني عنه إذا هلك ووقع في جهنم ( إن علينا للهدى ) أي إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلالة فالهدى : بمعنى بيان الأحكام قاله الزجاج أي على الله البيان بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته قاله قتادة وقال الفراء : من سلك الهدى فعلى الله سبيله لقوله : وعلى الله قصد السبيل يقول : من أراد الله فهو على السبيل القاصد وقيل : معناه إن علينا للهدى والإضلال فترك الإضلال كقوله : بيدك الخير وبيده ملكوت كل شيء وكما قال : سرابيل تقيكم الحر وهي تقي البرد عن الفراء أيضا وقيل : أي إن علينا ثواب هداه الذي هديناه ( وإن لنا للآخرة والأولى ) للآخرة الجنة والأولى الدنيا وكذا روى عطاء عن إبن عباس أي الدنيا والآخرة لله تعالى وروى أبو صالح عن إبن عباس قال : ثواب الدنيا والآخرة وهو كقوله تعالى : من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق < < الليل : ( 14 ) فأنذرتكم نارا تلظى > > < > ( الليل 14 : 16 ) < > قوله تعالى : ( فأنذرتكم ) أي حذرتكم وخوفتكم ( نارا تلظى ) أي تلهب وتتوقد وأصله تتلظى وهي قراءة عبيد بن عمير ويحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف ( لا يصلاها ) أي لا يجد صلاها وهو حرها ( إلا الأشقى ) أي الشقي ( الذي كذب ) نبي الله محمدا صلى الله عليه وسلم ( وتولى ) أي أعرض عن الإيمان وروى مكحول عن أبي هريرة قال : كل يدخل الجنة إلا من أباها قال : يا أبا هريرة ومن يأبى أن يدخل الجنة قال : الذي كذب وتولى وقال مالك : صلى بنا عمر بن عبد العزيز المغرب فقرأ والليل إذا يغشى فلما بلغ فأنذرتكم نارا تلظى وقع عليه البكاء فلم يقدر يتعداها من البكاء فتركها وقرأ سورة أخرى وقال الفراء : إلا الأشقى إلا من كان شقيا في علم الله جل ثناؤه وروى الضحاك عن إبن عباس قال : لا يصلاها إلا الأشقى أمية بن خلف ونظراؤه الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وقال قتادة : كذب بكتاب الله وتولى عن طاعة الله وقال الفراء : لم يكن كذب برد ظاهر ولكنه قصر عما أمر به من الطاعة فجعل تكذيبا كما تقول : لقي فلان العدو فكذب : إذا نكل ورجع عن إتباعه قال : وسمعت أبا ثروان يقول : إن بني نمير ليس لجدهم مكذوبة يقول : إذا لقوا صدقوا القتال ولم يرجعوا وكذلك قوله جل ثناؤه : ليس لوقعتها كاذبة يقول : هي حق وسمعت سلم بن الحسن يقول : سمعت أبا إسحاق الزجاج يقول : هذه الآية التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء فزعموا أنه لا يدخل النار إلا كافر لقوله جل ثناؤه : لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وليس الأمر كما ظنوا هذه نار موصوفة بعينها لا يصلى هذه النار إلا الذي كذب وتولى ولأهل النار منازل فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار والله سبحانه كل ما وعد عليه بجنس من العذاب فجائز أن يعذب به وقال جل ثناؤه : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فلو كان كل من لم يشرك لم يعذب لم يكن في قوله : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فائدة وكان ويغفر ما دون ذلك كلاما لا معنى له الزمخشري : الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل : الأشقى وجعل مختصا بالصلى كأن النار لم تخلق إلا له وقيل : الأتقى وجعل مختصا بالجنة كأن الجنة لم تخلق إلا له وقيل : هما أبو جهل أو أمية بن خلف وأبو بكر رضي الله عنه < <
الليل : ( 17 ) وسيجنبها الأتقى > > < > ( الليل 17 : 18 ) < > قوله تعالى : ( وسيجنبها ) أي يكون بعيدا منها ( الأتقى ) أي المتقي الخائف قال إبن عباس : هو أبو بكر رضي الله عنه يزحزح عن دخول النار ثم وصف الأتقى فقال ( الذي يؤتي ماله يتزكى ) أي يطلب أن يكون عند الله زاكيا ولا يطلب بذلك رياء ولا سمعة بل يتصدق به مبتغيا به وجه الله تعالى وقال بعض أهل المعاني : أراد بقوله الأتقى والأشقى أي التقي والشقي كقول طرفة : تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد أي واحد ووحيد وتوضع ( أفعل ) موضع فعيل نحو قولهم : الله أكبر بمعنى كبير وهو أهون عليه بمعنى هين < < الليل : ( 19 ) وما لأحد عنده . . . . . > > < > ( الليل 19 : 21 ) <
> قوله تعالى : ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى ) أي ليس يتصدق ليجازي على نعمة إنما يبتغي وجه ربه الأعلى أي المتعالي ( ولسوف يرضى ) أي بالجزاء فروى عطاء والضحاك عن إبن عباس قال : عذب المشركون بلالا وبلال يقول أحد أحد فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أحد يعني الله تعالى ينجيك ( ثم قال لأبي بكر : ( يا أبا بكر إن بلالا يعذب في الله ( فعرف أبو بكر الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنصرف إلى منزله فأخذ رطلا من ذهب ومضى به إلى أمية بن خلف فقال له : أتبيعني بلالا قال : نعم فأشتراه فأعتقه فقال المشركون : ما أعتقه أبو بكر إلا ليد كانت له عنده فنزلت وما لأحد عنده أي عند أبي بكر من نعمة أي من يد ومنة تجزى بل إبتغاء بما فعل وجه ربه الأعلى وقيل : أشترى أبو بكر من أمية وأبي بن خلف بلالا ببردة وعشر أواق فأعتقه لله فنزلت : إن سعيكم لشتى وقال سعيد بن المسيب : بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر حين قال له أبو بكر : أتبيعنيه فقال : نعم أبيعه بنسطاس وكان نسطاس عبدا لأبي بكر صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوار ومواش وكان مشركا فحمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون له ماله فأبى فباعه أبو بكر به فقال المشركون : ما فعل أبو بكر ببلال هذا إلا ليد كانت لبلال عنده فنزلت وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا إبتغاء أي لكن إبتغاء فهو إستثناء منقطع فلذلك نصبت كقولك : ما في الدار أحد إلا حمارا ويجوز الرفع وقرأ يحيى بن وثاب إلا إبتغاء وجه ربه بالرفع على لغة من يقول : يجوز الرفع في المستثنى وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبي خازم : أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها إلا الجآذر والظلمان تختلف وقول القائل : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس وفي التنزيل : ما فعلوه إلا قليل منهم وقد تقدم ( وجه ربه الأعلى ) أي مرضاته وما يقرب منه والأعلى من نعت الرب الذي أستحق صفات العلو ويجوز أن يكون إبتغاء وجه ربه مفعولا له على المعنى لأن معنى الكلام : لا يؤتى ماله إلا إبتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمته ( ولسوف يرضى ) أي سوف يعطيه في الجنة ما يرضى وذلك أنه يعطيه أضعاف ما أنفق وروى أبو حيان التيمي عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله أبا بكر زوجني إبنته وحملني إلى دار الهجرة وأعتق بلالا من ماله ( ولما أشتراه أبو بكر قال له بلال : هل أشتريتني لعملك أو لعمل الله قال : بل لعمل الله قال : فذرني وعمل الله فأعتقه وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا ( يعني بلالا رضي الله عنه ) وقال عطاء وروي عن إبن عباس : إن السورة نزلت في أبي الدحداح في النخلة التي أشتراها بحائط له فيما ذكر الثعلبي عن عطاء وقال القشيري عن إبن عباس : بأربعين نخلة ولم يسم الرجل قال عطاء : كان لرجل من الأنصار نخلة يسقط من بلحها في دار جار له فيتناوله صبيانه فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تبيعها بنخلة في الجنة ( فأبى فخرج فلقيه أبو الدحداح فقال : هل لك أن تبيعنيها بحسنى : حائط له فقال : هي لك فأتى أبو الدحداح إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله أشترها مني بنخلة في الجنة قال : ( نعم والذي نفسي بيده ( فقال : هي لك يا رسول الله فدعا النبي صلى الله عليه وسلم جار الأنصاري فقال : ( خذها ( فنزلت والليل إذا يغشى إلى آخر السورة في بستان أبي الدحداح وصاحب النخلة فأما من أعطى وأتقى يعني أبا الدحداح وصدق بالحسنى أي بالثواب فسنيسره لليسرى : يعني الجنة وأما من بخل وأستغنى يعني الأنصاري وكذب بالحسنى أي بالثواب فسنيسره للعسرى يعني جهنم وما يغني عنه ماله إذا تردى أي مات إلى قوله : لا يصلاها إلا الأشقى يعني بذلك الخزرجي وكان منافقا فمات على نفاقه وسيجنبها الأتقى يعني أبا الدحداح الذي يؤتي ماله يتزكى في ثمن تلك النخلة ما لأحد عنده من نعمة تجزى يكافئه عليها يعني أبا الدحداح ولسوف يرضى إذا أدخله الله الجنة والأكثر أن السورة نزلت في أبي بكر رضي الله عنه وروي ذلك عن إبن مسعود وإبن عباس وعبد الله بن الزبير وغيرهم وقد ذكرنا خبرا آخر لأبي الدحداح في سورة البقرة عند قوله : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا والله تعالى أعلم <
> تفسير سورة الضحى < > مكية بإتفاق وهي إحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم < < الضحى : ( 1 ) والضحى > > < > ( الضحى 1 : 3 ) <
> قوله تعالى : ( والضحى والليل إذا سجى ) قد تقدم القول في الضحى والمراد به النهار لقوله : والليل إذا سجى فقابله بالليل وفي سورة الأعراف أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أي نهارا وقال قتادة ومقاتل وجعفر الصادق : أقسم بالضحى الذي كلم الله فيه موسى وبليلة المعراج وقيل : هي الساعة التي خر فيها السحرة سجدا بيانه قوله تعالى : وأن يحشر الناس ضحى وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله : فيه إضمار مجازه ورب الضحى وسجا معناه : سكن قاله قتادة ومجاهد وإبن زيد وعكرمة يقال : ليلة ساجية أي ساكنة ويقال للعين إذا سكن طرفها : ساجية يقال : سجا الليل يسجو سجوا : إذا سكن والبحر إذا سجا : سكن قال الأعشى : فما ذنبنا أن جاش بحر إبن عمكم وبحرك ساج ما يواري الدعامصا وقال الراجز : يا حبذا القمراء والليل الساج وطرق مثل ملاء النساج وقال جرير : ولقد رمينك يوم رحن بأعين ينظرن من خلل الستور سواجي وقال الضحاك : سجا غطى كل شيء قال الأصمعي : سجو الليل : تغطيته النهار مثلما يسجى الرجل بالثوب وقال الحسن : غشى بظلامه وقاله إبن عباس وعنه : إذا ذهب وعنه أيضا : إذا أظلم وقال سعيد بن جبير : أقبل وروي عن قتادة أيضا وروى إبن أبي نجيح عن مجاهد : سجا أستوى والقول الأول أشهر في اللغة : سجا سكن أي سكن الناس فيه كما يقال : نهار صائم وليل قائم وقيل : سكونه إستقرار ظلامه وإستواؤه ويقال : والضحى والليل إذا سجا : يعني عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى وعباده الذين يعبدونه بالليل إذا أظلم ويقال : الضحى : يعني نور الجنة إذا تنور والليل إذا سجا : يعني ظلمة الليل إذا أظلم ويقال : والضحى : يعني النور الذي في قلوب العارفين كهيئة النهار والليل إذا سجا : يعني السواد الذي في قلوب الكافرين كهيئة الليل فأقسم الله عز وجل بهذه الأشياء ( ما ودعك ربك ) : هذا جواب القسم وكان جبريل عليه السلام أبطأ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال المشركون : قلاه الله وودعه فنزلت الآية وقال إبن جريج : إحتبس عنه الوحي إثني عشر يوما وقال إبن عباس : خمسة عشر يوما وقيل : خمسة وعشرين يوما وقال مقاتل : أربعين يوما فقال المشركون : إن محمدا ودعه ربه وقلاه ولو كان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء وفي البخاري عن جندب بن سفيان قال : أشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت أمرأة فقالت : يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث فأنزل الله عز وجل والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وفي الترمذي عن جندب البجلي قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار فدميت إصبعه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت ( قال : وأبطأ عليه جبريل فقال المشركون : قد ودع محمد فأنزل الله تبارك وتعالى ما ودعك ربك وما قلى هذا حديث حسن صحيح لم يذكر الترمذي : فلم يقم ليلتين أو ثلاثا أسقطه الترمذي وذكره البخاري وهو أصح ما قيل في ذلك والله أعلم وقد ذكره الثعلبي أيضا عن جندب بن سفيان البجلي قال : رمى النبي صلى الله عليه وسلم في إصبعه بحجر فدميت فقال : ( هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت ( فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم الليل فقالت له أم جميل أمرأة أبي لهب : ما أرى شيطانك إلا قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث فنزلت والضحى وروي عن أبي عمران الجوني قال : أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم حتى شق عليه فجاء وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو فنكت بين كتفيه وأنزل عليه : ما ودعك ربك وما قلى وقالت خولة وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم : إن جروا دخل البيت فدخل تحت السرير فمات فمكث نبي الله صلى الله عليه وسلم أياما لا ينزل عليه الوحي فقال : ( يا خولة ما حدث في بيتي ما لجبريل لا يأتيني ( قالت خولة فقلت : لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا جرو ميت فأخذته فألقيته خلف الجدار فجاء نبي الله ترعد لحياه وكان إذا نزل عليه الوحي أستقبلته الرعدة فقال : ( يا خولة دثريني ( فأنزل الله هذه السورة ولما نزل جبريل سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن التأخر فقال : ( أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة ( وقيل : لما سألته اليهود عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف قال : ( سأخبركم غدا ( ولم يقل إن شاء الله فأحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبريل عليه بقوله ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله فأخبره بما سئل عنه وفي هذه القصة نزلت ما ودعك ربك وما قلى وقيل : إن المسلمين قالوا : يا رسول الله ما لك لا ينزل عليك الوحي فقال : ( وكيف ينزل علي وأنتم لا تنقون رواجبكم وفي رواية براجمكم ولا تقصون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم ( فنزل جبريل بهذه السورة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما جئت حتى أشتقت إليك ( فقال جبريل : ( وأنا كنت أشد إليك شوقا ولكني عبد مأمور ( ثم أنزل عليه وما نتنزل إلا بأمر ربك ودعك بالتشديد : قراءة العامة من التوديع وذلك كتوديع المفارق وروي عن إبن عباس وإبن الزبير أنهما قرأاه ودعك بالتخفيف ومعناه : تركك قال : وثم ودعنا أل عمرو وعامر فرائس أطراف المثقفة السمر وإستعماله قليل يقال : هو يدع كذا أي يتركه قال المبرد محمد بن يزيد : لا يكادون يقولون ودع ولا وذر لضعف الواو إذا قدمت وأستغنوا عنها بترك قوله تعالى : ( وما قلى ) أي ما أبغضك ربك منذ أحبك وترك الكاف لأنه رأس آية والقلى : البغض فإن فتحت القاف مددت تقول : قلاه يقليه قلى وقلاء كما تقول : قريت الضيف أقريه قرى وقراء ويقلاه : لغة طيء وأنشد ثعلب : أيام أم الغمر لا نقلاها أي لا نبغضها ونقلي أي نبغض وقال : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت وقال أمرؤ القيس : ولست بمقلي الخلال ولا قال وتأويل الآية : ما ودعك ربك وما قلاك فترك الكاف لأنه رأس آية كما قال عز وجل : والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أي والذاكرات الله < <
الضحى : ( 4 ) وللآخرة خير لك . . . . . > > < > ( 4 : 5 ) < > روى سلمة عن إبن إسحاق قال : وللآخرة خير لك من الأولى أي ما عندي في مرجعك إلي يا محمد خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا وقال إبن عباس : أرى النبي صلى الله عليه وسلم ما يفتح الله على أمته بعده فسر بذلك فنزل جبريل بقوله : وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى قال إبن إسحاق : الفلج في الدنيا والثواب في الآخرة وقيل : الحوض والشفاعة وعن إبن عباس : ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك رفعه الأوزاعي قال : حدثني إسماعيل بن عبيد الله عن علي بن عبد الله إبن عباس عن أبيه قال : أرى النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته فسر بذلك فأنزل الله عز وجل والضحى إلى قوله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى فأعطاه الله جل ثناؤه ألف قصر في الجنة ترابها المسك في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم وعنه قال : رضي محمد ألا يدخل أحد من أهل بيته النار وقال السدي وقيل : هي الشفاعة في جميع المؤمنين وعن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يشفعني الله في أمتي حتى يقول الله سبحانه لي : رضيت يا محمد فأقول يا رب رضيت ( وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم : فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم وقول عيسى : إن تعذبهم فإنهم عبادك فرفع يديه وقال : ( اللهم أمتي أمتي ( وبكى فقال الله تعالى لجبريل : ( أذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك ( فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فأخبره فقال الله تعالى لجبريل : ( أذهب إلى محمد فقل له : إن الله يقول لك : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ( وقال علي رضي الله عنه لأهل العراق : إنكم تقولون إن أرجى آية في كتاب الله تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله قالوا : إنا نقول ذلك قال : ولكنا أهل البيت نقول : إن أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى : ولسوف يعطيك ربك فترضى وفي الحديث : لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار ( < < الضحى : ( 6 ) ألم يجدك يتيما . . . . . > > < > ( 6 ) < > عدد سبحانه مننه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال : ( ألم يجدك يتيما ) لا أب لك قد مات أبوك ( فآوى ) أي جعل لك مأوى تأوي إليه عند عمك أبي طالب فكفلك وقيل لجعفر بن محمد الصادق : لم أوتم النبي صلى الله عليه وسلم من أبويه فقال : لئلا يكون لمخلوق عليه حق وعن مجاهد : هو من قول العرب : درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل فمجاز الآية : ألم يجدك واحدا في شرفك لا نظير لك فآواك الله بأصحاب يحفظونك ويحوطونك < < الضحى : ( 7 ) ووجدك ضالا فهدى > > < > ( 7 ) <
> أي غافلا عما يراد بك من أمر النبوة فهداك : أي أرشدك والضلال هنا بمعنى الغفلة كقوله جل ثناؤه : لا يضل ربي ولا ينسى أي لا يغفل وقال في حق نبيه : وإن كنت من قبله لمن الغافلين وقال قوم : ضالا لم تكن تدري القرآن والشرائع فهداك الله إلى القرآن وشرائع الإسلام عن الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما وهو معنى قوله تعالى : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان على ما بينا في سورة الشورى وقال قوم : ووجدك ضالا أي في قوم ضلال فهداهم الله بك هذا قول الكلبي والفراء وعن السدي نحوه أي ووجد قومك في ضلال فهداك إلى إرشادهم وقيل : ووجدك ضالا عن الهجرة فهداك إليها وقيل : ضالا أي ناسيا شأن الإستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فأذكرك كما قال تعالى : أن تضل إحداهما وقيل : ووجدك طالبا للقبلة فهداك إليها بيانه : قد نرى تقلب وجهك في السماء الآية ويكون الضلال بمعنى الطلب لأن الضال طالب وقيل : ووجدك متحيرا عن بيان ما نزل عليك فهداك إليه فيكون الضلال بمعنى التحير لأن الضال متحير وقيل : ووجدك ضائعا في قومك فهداك إليه ويكون الضلال بمعنى الضياع وقيل : ووجدك محبا للهداية فهداك إليها ويكون الضلال بمعنى المحبة ومنه قوله تعالى : قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم أي في محبتك قال الشاعر : هذا الضلال أشاب مني المفرقا والعارضين ولم أكن متحققا عجبا لعزة في إختيار قطيعتي بعد الضلال فحبلها قد أخلقا وقيل : ضالا في شعاب مكة فهداك وردك إلى جدك عبد المطلب قال إبن عباس : ضل النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير في شعاب مكة فرآه أبو جهل منصرفا عن أغنامه فرده إلى جده عبد المطلب فمن الله عليه بذلك حين رده إلى جده على يدي عدوه وقال سعيد بن جبير : خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب في سفر فأخذ إبليس بزمام الناقة في ليلة ظلماء فعدل بها عن الطريق فجاء جبريل عليه السلام فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الهند ورده إلى القافلة فمن الله عليه بذلك وقال كعب : إن حليمة لما قضت حق الرضاع جاءت برسول الله صلى الله عليه وسلم لترده على عبد المطلب فسمعت عند باب مكة : هنيئا لك يا بطحاء مكة اليوم يرد إليك النور والدين والبهاء والجمال قالت : فوضعته لأصلح ثيابي فسمعت هدة شديدة فألتفت فلم أره فقلت : معشر الناس أين الصبي فقالوا : لم نر شيئا فصحت : وامحمداه فإذا شيخ فان يتوكأ على عصاه فقال : أذهبي إلى الصنم الأعظم فإن شاء أن يرده عليك فعل ثم طاف الشيخ بالصنم وقبل رأسه وقال : يا رب لم تزل منتك على قريش وهذه السعدية تزعم أن إبنها قد ضل فرده إن شئت فأنكب ( هبل ) على وجهه وتساقطت الأصنام وقالت : إليك عنا أيها الشيخ فهلاكنا على يدي محمد فألقى الشيخ عصاه وأرتعد وقال : إن لإبنك ربا لا يضيعه فأطلبيه على مهل فأنحشرت قريش إلى عبد المطلب وطلبوه في جميع مكة فلم يجدوه فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعا وتضرع إلى الله أن يرده وقال : يا رب رد ولدي محمدا أردده ربي وأتخذ عندي يدا يا رب إن محمد لم يوجدا فشمل قومي كلهم تبددا فسمعوا مناديا ينادي من السماء : معاشر الناس لا تضجوا فإن لمحمد ربا لا يخذله ولا يضيعه وإن محمدا بوادي تهامة عند شجرة السمر فسار عبد المطلب هو وورقة بن نوفل فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يلعب بالأغصان وبالورق وقيل : ووجدك ضالا ليلة المعراج حين أنصرف عنك جبريل وأنت لا تعرف الطريق فهداك إلى ساق العرش وقال أبو بكر الوراق وغيره : ووجدك ضالا : تحب أبا طالب فهداك إلى محبة ربك وقال بسام بن عبد الله : ووجدك ضالا بنفسك لا تدري من أنت فعرفك بنفسك وحالك وقال الجنيدي : ووجدك متحيرا في بيان الكتاب فعلمك البيان بيانه : لتبين للناس ما نزل إليهم الآية لتبين لهم الذي أختلفوا فيه وقال بعض المتكلمين : إذا وجدت العرب شجرة منفردة في فلاة من الأرض لا شجر معها سموها ضالة فيهتدي بها إلى الطريق فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ووجدك ضالا أي لا أحد على دينك وأنت وحيد ليس معك أحد فهديت بك الخلق إلي قلت : هذه الأقوال كلها حسان ثم منها ما هو معنوي ومنها ما هو حسي والقول الأخير أعجب إلي لأنه يجمع الأقوال المعنوية وقال قوم : إنه كان على جملة ما كان القوم عليه لا يظهر لهم خلافا على ظاهر الحال فأما الشرك فلا يظن به بل كان على مراسم القوم في الظاهر أربعين سنة وقال الكلبي والسدي : هذا على ظاهره أي وجدك كافرا والقوم كفار فهداك وقد مضى هذا القول والرد عليه في سورة الشورى وقيل : وجدك مغمورا بأهل الشرك فميزك عنهم يقال : ضل الماء في اللبن ومنه أئذا ضللنا في الأرض أي لحقنا بالتراب عند الدفن حتى كأنا لا نتميز من جملته وفي قراءة الحسن ووجدك ضال فهدى أي وجدك الضال فأهتدى بك وهذه قراءة على التفسير وقيل : ووجدك ضالا لا يهتدي إليك قومك ولا يعرفون قدرك فهدى المسلمين إليك حتى آمنوا بك < <
الضحى : ( 8 ) ووجدك عائلا فأغنى > > < > ( 8 ) < > أي فقيرا لا مال لك ( فأغنى ) أي فأغناك بخديجة رضي الله عنها يقال : عال الرجل يعيل عيلة : إذا أفتقر وقال أحيحة بن الجلاح : فما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل أي يفتقر وقال مقاتل : فرضاك بما أعطاك من الرزق وقال الكلبي : قنعك بالرزق وقال إبن عطاء : ووجدك فقير النفس فأغنى قلبك وقال الأخفش : وجدك ذا عيال دليله فأغنى ومنه قول جرير : الله أنزل في الكتاب فريضة لإبن السبيل وللفقير العائل وقيل : وجدك فقيرا من الحجج والبراهين فأغناك بها وقيل : أغناك بما فتح لك من الفتوح وأفاءه عليك من أموال الكفار القشيري : وفي هذا نظر لأن السورة مكية وإنما فرض الجهاد بالمدينة وقراءة العامة عائلا وقرأ إبن السميقع عيلا بالتشديد مثل طيب وهين < < الضحى : ( 9 ) فأما اليتيم فلا . . . . . > > < > ( الضحى 9 : 11 ) <
> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فأما اليتيم فلا تقهر ) أي لا تسلط عليه بالظلم أدفع إليه حقه وأذكر يتمك قاله الأخفش وقيل : هما لغتان بمعنى وعن مجاهد فلا تقهر فلا تحتقر وقرأ النخعي والأشهب العقيلي تكهر بالكاف وكذلك هو في مصحف إبن مسعود فعلى هذا يحتمل أن يكون نهيا عن قهره بظلمه وأخذ ماله وخص اليتيم لأنه لا ناصر له غير الله تعالى فغلظ في أمره بتغليظ العقوبة على ظالمه والعرب تعاقب بين الكاف والقاف النحاس : وهذا غلط إنما يقال كهره : إذا أشتد عليه وغلظ وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة برد السلام قال : فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني الحديث وقيل : القهر الغلبة والكهر : الزجر الثانية ودلت الآية على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه حتى قال قتادة : كن لليتيم كالأب الرحيم وروى عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال : ( إن أردت أن يلين فأمسح رأس اليتيم وأطعم المسكين ( وفي الصحيح عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى ومن حديث إبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن اليتيم إذا بكى أهتز لبكائه عرش الرحمن فيقول الله تعالى لملائكته : يا ملائكتي من ذا الذي أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب فتقول الملائكة ربنا أنت أعلم فيقول الله تعالى لملائكته : يا ملائكتي أشهدوا أن من أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة ( فكان إبن عمر إذا رأى يتيما مسح برأسه وأعطاه شيئا وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ضم يتيما فكان في نفقته وكفاه مئونته كان له حجابا من النار يوم القيامة ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة ( وقال أكثم إبن صيفي : الأذلاء أربعة : النمام والكذاب والمديون واليتيم الثالثة قوله تعالى : ( وأما السائل فلا تنهر ) أي لا تزجره فهو نهى عن إغلاظ القول ولكن رده ببذل يسير أو رد جميل وأذكر فقرك قاله قتادة وغيره وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يمنعن أحدكم السائل وأن يعطيه إذا سأل ولو رأى في يده قلبين من ذهب ( وقال إبراهيم بن أدهم : نعم القوم السؤال : يحملون زادنا إلى الآخرة وقال إبراهيم النخعي : السائل بريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول : هل تبعثون إلى أهليكم بشيء وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ردوا السائل ببذل يسير أو رد جميل فإنه يأتيكم من ليس من الإنس ولا من الجن ينظر كيف صنيعكم فيما خولكم الله ( وقيل : المراد بالسائل هنا الذي يسأل عن الدين أي فلا تنهره بالغلظة والجفوة وأجبه برفق ولين قاله سفيان قال إبن العربي : وأما السائل عن الدين فجوابه فرض على العالم على الكفاية كإعطاء سائل البر سواء وقد كان أبو الدرداء ينظر إلى اصحاب الحديث ويبسط رداءه لهم ويقول : مرحبا بأحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حديث أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال : كنا إذا أتينا أبا سعيد يقول : مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون فإذا أتوكم فأستوصوا بهم خيرا ( وفي رواية ( يأتيكم رجال من قبل المشرق ( فذكره واليتيم والسائل منصوبان بالفعل الذي بعده وحق المنصوب أن يكون بعد الفاء والتقدير : مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم ولا تنهر السائل وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( سألت ربي مسألة وددت أني لم أسألها : قلت يا رب إتخذت إبراهيم خليلا وكلمت موسى تكليما وسخرت مع داؤد الجبال يسبحن وأعطيت فلانا كذا فقال عز وجل : ألم أجدك يتيما فآويتك ألم أجدك ضالا فهديتك ألم أجدك عائلا فأغنيتك ألم أشرح لك صدرك ألم أوتك ما لم أوت أحدا قبلك : خواتيم سورة البقرة ألم أتخذك خليلا كما أتخذت إبراهيم خليلا قلت بلى يا رب ( الرابعة قوله تعالى : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) أي أنشر ما أنعم الله عليك بالشكر والثناء والتحدث بنعم الله والإعتراف بها شكر وروى إبن أبي نجيح عن مجاهد وأما بنعمة ربك قال بالقرآن وعنه قال : بالنبوة أي بلغ ما أرسلت به والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والحكم عام له ولغيره وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : إذا أصبت خيرا أو عملت خيرا فحدث به الثقة من إخوانك وعن عمرو بن ميمون قال : إذا لقي الرجل من إخوانه من يثق به يقول له : رزق الله من الصلاة البارحة كذا وكذا وكان أبو فراس عبد الله بن غالب إذا أصبح يقول : لقد رزقني الله البارحة كذا قرأت كذا وصليت كذا وذكرت الله كذا وفعلت كذا فقلنا له : يا أبا فراس إن مثلك لا يقول هذا قال يقول الله تعالى : وأما بنعمة ربك فحدث وتقولون أنتم : لا تحدث بنعمة الله ونحوه عن أيوب السختياني وأبي رجاء العطاردي رضي الله عنهم وقال بكر بن عبد الله المزني قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أعطى خيرا فلم ير عليه سمى بغيض الله معاديا لنعم الله ( وروى الشعبي عن النعمان بن بشير قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله والتحدث بالنعم شكر وتركه كفر والجماعة رحمة والفرقة عذاب ( وروى النسائي عن مالك بن نضلة الجشمي قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فرآني رث الثياب فقال : ( ألك مال ( قلت نعم يا رسول الله من كل المال قال : ( إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك ( وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله جميل يحب الجمال ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده ( فصل يكبر القارئ في رواية البزي عن إبن كثير وقد رواه مجاهد عن إبن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغ آخر والضحى كبر بين كل سورة تكبيرة إلى أن يختم القرآن ولا يصل آخر السورة بتكبيره بل يفصل بينهما بسكتة وكأن المعنى في ذلك أن الوحي تأخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أياما فقال ناس من المشركين : قد ودعه صاحبه وقلاه فنزلت هذه السورة فقال : ( الله أكبر ( قال مجاهد : قرأت على بن عباس فأمرني به وأخبرني به عن أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكبر في قراءة الباقين لأنها ذريعة إلى الزيادة في القرآن قلت : القرآن ثبت نقلا متواترا سوره وآياته وحروفه لا زيادة فيه ولانقصان فالتكبير على هذا ليس بقرآن فإذا كان بسم الله الرحمن الرحيم المكتوب في المصحف بخط المصحف ليس بقرآن فكيف بالتكبير الذي هو ليس بمكتوب أما أنه ثبت سنة بنقل الآحاد فأستحبه إبن كثير لا أنه أوجبه فخطأ من تركه ذكر الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ في كتاب المستدرك له على البخاري ومسلم : حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ الإمام بمكة في المسجد الحرام قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي بن زيد الصائغ قال : حدثنا أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزة : سمعت عكرمة بن سليمان يقول : قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين فلما بلغت والضحى قال لي كبر عند خاتمة كل سورة حتى تختم فإني قرأت على عبد الله بن كثير فلما بلغت والضحى قال : كبر حتى تختم وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد وأخبره مجاهد أن إبن عباس أمره بذلك وأخبره إبن عباس أن أبي بن كعب أمره بذلك وأخبره أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك هذا حديث صحيح ولم يخرجاه <
> تفسير سورة ألم نشرح < > مكية في قول الجميع وهي ثماني آيات بسم الله الرحمن الرحيم < < الشرح : ( 1 ) ألم نشرح لك . . . . . > > < > ( الشرح 1 ) < > شرح الصدر : فتحه أي ألم نفتح صدرك للإسلام وروى أبو صالح عن إبن عباس قال : ألم نلين لك قلبك وروى الضحاك عن إبن عباس قال : قالوا يا رسول الله أينشرح الصدر قال : ( نعم وينفسح ( قالوا : يا رسول الله وهل لذلك علامة قال : ( نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والإعتداد للموت قبل نزول الموت ( وقد مضى هذا المعنى في الزمر عند قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه وروي عن الحسن قال : ألم نشرح لك صدرك قال : ملئ حكما وعلما وفي الصحيح عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رجل من قومه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( فبينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول : أحد الثلاثة فأتيت بطست من ذهب فيها ماء زمزم فشرح صدري إلى كذا وكذا ( قال قتادة قلت : ما يعني قال : إلى أسفل بطني قال : ( فأستخرج قلبي فغسل قلبي بماء زمزم ثم أعيد مكانه ثم حشى إيمانا وحكمة ( وفي الحديث قصة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( جاءني ملكان في صورة طائر معهما ماء وثلج فشرح أحدهما صدري وفتح الآخر بمنقاره فيه فغسله ( وفي حديث آخر قال : ( جاءني ملك فشق عن قلبي فأستخرج منه عذرة وقال : قلبك وكيع وعيناك بصيرتان وأذناك سميعتان أنت محمد رسول الله لسانك صادق ونفسك مطمئنة وخلقك قثم وأنت قيم ( قال أهل اللغة : قوله ( وكيع أي يحفظ ما يوضع فيه يقال : سقاء وكيع أي قوي يحفظ ما يوضع فيه وأستوكعت معدته أي قويت وقوله ( قثم ( أي جامع يقال : رجل قثوم للخير أي جامع له ومعنى ألم نشرح قد شرحنا الدليل على ذلك قوله في النسق عليه : ووضعنا عنك وزرك فهذا عطف على التأويل لا على التنزيل لأنه لو كان على التنزيل لقال : ونضع عنك وزرك فدل هذا على أن معنى ألم نشرح : قد شرحنا ولم جحد وفي الإستفهام طرف من الجحد وإذا وقع جحد رجع إلى التحقيق كقوله تعالى : أليس الله بأحكم الحاكمين ومعناه : الله أحكم الحاكمين وكذا أليس الله بكاف عبده ومثله قول جرير يمدح عبد الملك إبن مروان : ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح المعنى : أنتم كذا < < الشرح : ( 2 ) ووضعنا عنك وزرك > > < > ( الشرح 2 : 3 ) <
> قوله تعالى : ( ووضعنا عنك وزرك ) أي حططنا عنك ذنبك وقرأ أنس وحللنا وحططنا وقرأ إبن مسعود : وحللنا عنك وقرك هذه الآية مثل قوله تعالى : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قيل : الجميع كان قبل النبوة والوزر : الذنب أي وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية لأنه كان صلى الله عليه وسلم في كثير من مذاهب قومه وإن لم يكن عبد صنما ولا وثنا قال قتادة والحسن والضحاك : كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوب أثقلته فغفرها الله له ( الذي أنقض ظهرك ) أي أثقله حتى سمع نقيضه اي صوته وأهل اللغة يقولون : أنقض الحمل ظهر الناقة : إذا سمعت له صريرا من شدة الحمل وكذلك سمعت نقيض الرحل أي صريره قال جميل : وحتى تداعت بالنقيض حباله وهمت بواني زوره أن تحطما بواني زوره : أي أصول صدره فالوزر : الحمل الثقيل قال المحاسبي : يعني ثقل الوزر لو لم يعف الله عنه ( الذي أنقض ظهرك ) أي أثقله وأوهنه قال : وإنما وصفت ذنوب الأنبياء بهذا الثقل مع كونها مغفورة لشدة إهتمامهم بها وندمهم منها وتحسرهم عليها وقال السدي : ووضعنا عنك وزرك أي وحططنا عنك ثقلك وهي في قراءة عبد الله إبنمسعود وحططنا عنك وقرك وقيل : أي حططنا عنك ثقل آثام الجاهلية قال الحسين إبن الفضل : يعني الخطأ والسهو وقيل : ذنوب أمتك أضافها إليه لإشتغال قلبه بها وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة : خفنا عنك أعباء النبوة والقيام بها حتى لا تثقل عليك وقيل : كان في الإبتداء يثقل عليه الوحي حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجيل إلى أن جاءه جبريل وأراه نفسه وأزيل عنه ما كان يخاف من تغير العقل وقيل : عصمناك عن إحتمال الوزر وحفظناك قبل النبوة في الازبعين من الأدناس حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر من الأدناس < < الشرح : ( 4 ) ورفعنا لك ذكرك > > < > ( الشرح 4 ) < > قال مجاهد : يعني بالتأذين وفيه يقول حسان بن ثابت : أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد وضم الإله أسم النبي إلى أسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وروي عن الضحاك عن إبن عباس قال : يقول له لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان والإقامة والتشهد ويوم الجمعة على المنابر ويوم الفطر ويوم الأضحى : وأيام التشريق ويوم عرفة وعند الجمار وعلى الصفا والمروة وفي خطبة النكاح وفي مشارق الأرض ومغاربها ولو أن رجلا عبد الله جل ثناؤه وصدق بالجنة والنار وكل شيء ولم يشهد أن محمدا رسول الله لم ينتفع بشيء وكان كافرا وقيل : أي أعلينا ذكرك فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك وأمرناهم بالبشارة بك ولا دين إلا ودينك يظهر عليه وقيل : رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود وكرائم الدرجات < < الشرح : ( 5 ) فإن مع العسر . . . . . > > < > ( 5 : 6 ) <
> أي إن مع الضيقة والشدة يسرا أي سعة وغنى ثم كرر فقال : ( إن مع العسر يسرا ) فقال قوم : هذا التكرير تأكيد للكلام كما يقال : إرم إرم اعجل اعجل قال الله تعالى : كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ونظيره في تكرار الجواب : بلى بلى لا لا وذلك للإطناب والمبالغة قاله الفراء ومنه قول الشاعر : هممت بنفسي بعض الهموم فأولى لنفسي أولى لها وقال قوم : إن من عادة العرب إذا ذكروا أسما معرفا ثم كرروه فهو هو وإذا نكروه ثم كرروه فهو غيره وهما إثنان ليكون أقوى للأمل وأبعث على الصبر قاله ثعلب وقال إبن عباس : يقول الله تعالى خلقت عسرا واحدا وخلقت يسرين ولن يغلب عسر يسرين وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة : أنه قال : ( لن يغلب عسر يسرين ( وقال إبن مسعود : والذي نفسي بيده لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه ولن يغلب عسر يسرين وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف منهم فكتب إليه عمر رضي الله عنهما : أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله بعده فرجا وإنه لن يغلب عسر يسرين وإن الله تعالى يقول في كتابه : يا أيها الذين آمنوا أصبروا وصابروا ورابطوا وأتقوا الله لعلكم تفلحون وقال قوم منهم الجرجاني : هذا قول مدخول لأنه يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل : إن مع الفارس سيفا إن مع الفارس سيفا أن يكون الفارس واحدا والسيف إثنان والصحيح أن يقال : إن الله بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم مقلا مخفا فعيره المشركون بفقره حتى قالوا له : نجمع لك مالا فأغتم وظن أنهم كذبوه لفقره فعزاه الله وعدد نعمه عليه ووعده الغنى بقوله : فإن مع العسر يسرا أي لا يحزنك ما عيروك به من الفقر فإن مع ذلك العسر يسرا عاجلا أي في الدنيا فأنجز له ما وعده فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز واليمن ووسع ذات يده حتى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل ويهب الهبات السنية ويعد لأهله قوت سنة فهذا الفضل كله من أمر الدنيا وإن كان خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد يدخل فيه بعض أمته إن شاء الله تعالى ثم إبتدأ فضلا آخرا من الآخرة وفيه تأسية وتعزية له صلى الله عليه وسلم فقال مبتدئا : إن مع العسر يسرا فهو شيء آخر والدليل على إبتدائه تعريه من فاء أو واو أو غيرها من حروف النسق التي تدل على العطف فهذا وعد عام لجميع المؤمنين لا يخرج أحد منه أي إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرا في الآخرة لا محالة وربما أجتمع يسر الدنيا ويسر الآخرة والذي في الخبر : ( لن يغلب عسر يسرين ( يعني العسر الواحد لن يغلبهما وإنما يغلب أحدهما إن غلب وهو يسر الدنيا فأما يسر الآخرة فكائن لا محالة ولن يغلبه شيء أو يقال : إن مع العسر وهو إخراج أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة يسرا وهو دخوله يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل مع عز وشرف < < الشرح : ( 7 ) فإذا فرغت فانصب > > < > ( الشرح 7 : 8 ) <
> فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( فإذا فرغت ) قال إبن عباس وقتادة : فإذا فرغت من صلاتك ( فأنصب ) أي بالغ في الدعاء وسله حاجتك وقال إبن مسعود : إذا فرغت من الفرائض فأنصب في قيام الليل وقال الكلبي : إذا فرغت من تبليغ الرسالة فأنصب أي أستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات وقال الحسن وقتادة أيضا : إذا فرغت من جهاد عدوك فأنصب لعبادة ربك وعن مجاهد : فإذا فرغت من دنياك فأنصب في صلاتك ونحوه عن الحسن وقال الجنيد : إذا فرغت من أمر الخلق فأجتهد في عبادة الحق قال إبن العربي : ومن المبتدعة من قرأ هذه الآية فأنصب بكسر الصاد والهمز من أوله وقالوا : معناه : أنصب الإمام الذي تستخلفه وهذا باطل في القراءة باطل في المعنى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحدا وقرأها بعض : الجهال فأنصب بتشديد الباء معناه : إذا فرغت من الجهاد فجد في الرجوع إلى بلدك وهذا باطل أيضا قراءة لمخالفة الإجماع لكن معناه صحيح لقوله صلى الله عليه وسلم : ( السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل الرجوع إلى أهله ( وأشد الناس عذابا وأسوأهم مباء ومآبا من أخذ معنى صحيحا فركب عليه من قبل نفسه قراءة أو حديثا فيكون كاذبا على الله كاذبا على رسوله ومن أظلم ممن أفترى على الله كذبا قال المهدوي : وروي عن أبي جعفر المنصور : أنه قرأ ألم نشرح لك صدرك بفتح الحاء وهو بعيد وقد يؤول على تقدير النون الخفيفة ثم أبدلت النون ألفا في الوقف ثم حمل الوصل على الوقف ثم حذف الألف وأنشد عليه : إضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسوط قونس الفرس أراد : إضربن وروي عن أبي السمال فإذا فرغت بكسر الراء وهي لغة فيه وقرئ : فرغب أي فرغب الناس إلى ما عنده الثانية قال إبن العربي : روي عن شريح أنه مر بقوم يلعبون يوم عيد فقال ما بهذا أمر الشارع وفيه نظر فإن الحبش كانوا يلعبون بالدرق والحراب في المسجد يوم العيد والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر ودخل أبو بكر في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها وعندها جاريتان من جواري الأنصار تغنيان فقال أبو بكر : أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( دعهما يا أبا بكر فإنه يوم عيد ( وليس يلزم الدءوب على العمل بل مكروه للخلق تفسير < > تفسير سورة والتين < > ( مكية في قول الأكثر وقال إبن عباس وقتادة : هي مدنية وهي ثماني آيات بسم الله الرحمن الرحيم < < التين : ( 1 ) والتين والزيتون > > < > ( التين 1 ) <
> فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( والتين والزيتون ) قال إبن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي : هو تينكم الذي تأكلون وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت قال الله تعالى : وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين وقال أبو ذر : أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم سل تين فقال : ( كلوا ( وأكل منه ثم قال : ( لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس ( وعن معاذ : أنه أستاك بقضيب زيتون وقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفر وهي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي ( وروي عن إبن عباس أيضا : التين : مسجد نوح عليه السلام الذي بني على الجودي والزيتون : مسجد بيت المقدس وقال الضحاك : التين : المسجد الحرام والزيتون المسجد الأقصى إبن زيد : التين : مسجد دمشق والزيتون : مسجد بيت المقدس قتادة : التين : الجبل الذي عليه دمشق : والزيتون : الجبل الذي عليه بيت المقدس وقال محمد بن كعب : التين : مسجد أصحاب الكهف والزيتون : مسجد إيلياء وقال كعب الأحبار وقتادة أيضا وعكرمة وإبن زيد : التين : دمشق والزيتون : بيت المقدس وهذا إختيار الطبري وقال الفراء : سمعت رجلا من أهل الشام يقول : التين : جبال ما بين حلوان إلى همذان والزيتون : جبال الشام وقيل : هما جبلان بالشام يقال لهما طور زيتا وطور تينا ( بالسريانية ) سميا بذلك لأنهما ينبتانهما وكذا روى أبو مكين عن عكرمة قال : التين والزيتون : جبلان بالشام وقال النابغة : أتين التين عن عرض وهذا أسم موضع ويجوز أن يكون ذلك على حذف مضاف أي ومنابت التين والزيتون ولكن لا دليل على ذلك من ظاهر التنزيل ولا من قول من لا يجوز خلافه قاله النحاس الثانية أصح هذه الأقوال الأول لأنه الحقيقة ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل وإنما أقسم الله بالتين لأنه كان ستر آدم في الجنة لقوله تعالى : يخصفان عليهما من ورق الجنة وكان ورق التين وقيل : أقسم به ليبين وجه المنة العظمى فيه فإنه جميل المنظر طيب المخبر نشر الرائحة سهل الجني على قدر المضغة وقد أحسن القائل فيه : أنظر إلى التين في الغصون ضحى ممزق الجلد مائل العنق كأنه رب نعمة سلبت فعاد بعد الجديد في الخلق أصغر ما في النهود أكبره لكن ينادي عليه في الطرق وقال آخر : التين يعدل عندي كل فاكهة إذا انثنى مائلا في غصنه الزاهي مخمش الوجه قد سالت حلاوته كأنه راكع من خشية الله وأقسم بالزيتون لأنه مثل به إبراهيم في قوله تعالى : يوقد من شجرة مباركة زيتونة وهو أكثر أدم أهل الشام والمغرب يصطبغون به ويستعملونه في طبيخهم ويستصبحون به ويداوي به أدواء الجوف والقروح والجراحات وفيه منافع كثيرة وقال عليه السلام : ( كلوا الزيت وأدهنوا به فإنه من شجرة مباركة ( وقد مضى في سورة المؤمنون القول فيه الثالثة قال إبن العربي ولأمتنان البارئ سبحانه وتعظيم المنة في التين وأنه مقتات مدخر فلذلك قلنا بوجوب الزكاة فيه وإنما فر كثير من العلماء من التصريح بوجوب الزكاة فيه تقية جور الولاة فإنهم يتحاملون في الأموال الزكاتية فيأخذونها مغرما حسب ما أنذر به الصادق صلى الله عليه وسلم فكره العلماء أن يجعلوا لهم سبيلا إلى مال آخر يتشططون فيه ولكن ينبغي للمرء أن يخرج عن نعمة ربه بأداء حقه وقد قال الشافعي لهذه العلة وغيرها : لا زكاة في الزيتون والصحيح وجوب الزكاة فيهما < < التين : ( 2 ) وطور سينين > > < > ( 2 ) <
> روى إبن أبي نجيح عن مجاهد وطور قال : جبل سينين قال : مبارك ( بالسريانية ) وعن عكرمة عن إبن عباس قال : طور جبل وسينين حسن وقال قتادة : سينين هو المبارك الحسن وعن عكرمة قال : الجبل الذي نادى الله جل ثناؤه منه موسى عليه السلام وقال مقاتل والكلبي : سينين كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسيناء بلغة النبط وعن عمرو بن ميمون قال : صليت مع عمر بن الخطاب العشاء بمكة فقرأ والتين والزيتون وطور سيناء وهذا البلد الأمين قال : وهكذا هي في قراءة عبد الله ورفع صوته تعظيما للبيت وقرأ في الركعة الثانية : ألم تر كيف فعل ربك ولإيلاف قريش جمع بينهما ذكره إبن الأنباري النحاس : وفي قراءة عبد الله سيناء ( بكسر السين ) وفي حديث عمرو بن ميمون عن عمر ( بفتح السين ) وقال الأخفش : طور جبل وسينين شجر واحدته سينينية وقال أبو علي : سينين فعليل فكررت اللام التي هي نون فيه كما كررت في زحليل : للمكان الزلق وكرديدة : للقطعة من التمر وخنذيد : للطويل ولم ينصرف سينين كما لم ينصرف سيناء لأنه جعل أسما لبقعة أو أرض ولو جعل أسما للمكان أو للمنزل أو أسم مذكر لأنصرف لأنك سميت مذكرا بمذكر وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام والأرض المقدسة وقد بارك الله فيهما كما قال : إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله < < التين : ( 3 ) وهذا البلد الأمين > > < > ( التين 3 ) < > يعني مكة سماه أمينا لأنه آمن كما قال : أنا جعلنا حرما آمنا فالأمين : بمعنى الآمن قاله الفراء وغيره قال الشاعر : ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني حلفت يمينا لا أخون أميني يعني : آمني وبهذا أحتج من قال : إنه أراد بالتين دمشق وبالزيتون بيت المقدس فأقسم الله بجبل دمشق لأنه مأوى عيسى عليه السلام وبجبل بيت المقدس لأنه مقام الأنبياء عليهم السلام وبمكة لأنها أثر إبراهيم ودار محمد صلى الله عليه وسلم < < التين : ( 4 ) لقد خلقنا الإنسان . . . . . > > < > ( التين 4 : 5 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( لقد خلقنا الإنسان ) هذا جواب القسم وأراد بالإنسان : الكافر قيل : هو الوليد بن المغيرة وقيل : كلدة بن أسيد فعلى هذا نزلت في منكري البعث وقيل : المراد بالإنسان آدم وذريته ( في أحسن تقويم ) وهو إعتداله وإستواء شبابه كذا قال عامة المفسرين وهو أحسن ما يكون لأنه خلق كل شيء منكبا على وجهه وخلقه هو مستويا وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها وقال أبو بكر بن طاهر : مزينا بالعقل مؤديا للأمر مهديا بالتمييز مديد القامة يتناول مأكوله بيده إبن العربي : ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان فإن الله خلقه حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما وهذه صفات الرب سبحانه وعنها عبر بعض العلماء ووقع البيان بقوله : ( إن الله خلق آدم على صورته ( يعني على صفاته التي قدمنا ذكرها وفي رواية ( على صورة الرحمن ( ومن أين تكون للرحمن صورة متشخصة فلم يبق إلا أن تكون معاني وقد أخبرنا المبارك بن عبد الجبار الأزدي قال : أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن أبي علي القاضي المحسن عن أبيه قال : كان عيسى بن موسى الهاشمي يحب زوجته حبا شديدا فقال لها يوما : أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر فنهضت وأحتجبت عنه وقالت : طلقتني وبات بليلة عظيمة فلما أصبح غدا إلى دار المنصور فأخبره الخبر وأظهر للمنصور جزعا عظيما فأستحضر الفقهاء وأستفتاهم فقال جميع من حضر : قد طلقت إلا رجلا واحدا من أصحاب أبي حنيفة فإنه كان ساكتا فقال له المنصور : ما لك لا تتكلم فقال له الرجل : بسم الله الرحمن الرحيم والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم يا أمير المؤمنين فالإنسان أحسن الأشياء ولا شيء أحسن منه فقال المنصور لعيسى بن موسى : الأمر كما قال الرجل فأقبل على زوجتك وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل : أن أطيعي زوجك ولا تعصيه فما طلقك فهذا يدلك على أن الإنسان أحسن خلق الله باطنا وظاهرا جمال هيئة وبديع تركيب : الرأس بما فيه والصدر بما جمعه والبطن بما حواه والفرج وما طواه واليدان وما بطشتاه والرجلان وما أحتملتاه ولذلك قالت الفلاسفة : إنه العالم الأصغر إذ كل ما في المخلوقات جمع فيه الثانية قوله تعالى : ( ثم رددناه أسفل سافلين ) أي إلى أرذل العمر وهو الهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة حتى يصير كالصبي في الحال الأول قاله الضحاك والكلبي وغيرهما وروى إبن أبي نجيح عن مجاهد : ثم رددناه أسفل سافلين إلى النار يعني الكافر وقاله أبو العالية وقيل : لما وصفه الله بتلك الصفات الجليلة التي ركب الإنسان عليها طغى وعلا حتى قال : أنا ربكم الأعلى وحين علم الله هذا من عبده وقضاؤه صادر من عنده رده أسفل سافلين بأن جعله مملوءا قذرا مشحونا نجاسة وأخرجها على ظاهره إخراجا منكرا على وجه الإختيار تارة وعلى وجه الغلبة أخرى حتى إذا شاهد ذلك من أمره رجع إلى قدره وقرأ عبد الله أسفل السافلين وقال أسفل سافلين على الجمع لأن الإنسان في معنى جمع ولو قال : اسفل سافل جاز لأن لفظ الإنسان واحد وتقول : هذا أفضل قائم ولا تقول أفضل قائمين لأنك تضمر لواحد فإن كان الواحد غير مضمر له رجع أسمه بالتوحيد والجمع كقوله تعالى : والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون الزمر وقوله تعالى : وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة وقد قيل : إن معنى رددناه أسفل سافلين أي رددناه إلى الضلال كما قال تعالى : إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات أي إلا هؤلاء فلا يردون إلى ذلك والإستثناء على قول من قال : أسفل سافلين : النار متصل ومن قال : إنه الهرم فهو منقطع < <