Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Sección V08/P260

فلم يفعل ذلك إلا قليل منهم، فأخذوا الرشوة في الحكم وجاوزوا الحدود، فقال في اليهود حيث حكموا بغير ما أمر الله: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} [المائدة: 64] وقال في النصارى: {فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} [المائدة: 14] وأولى التأويلين بالآية عندي ما قاله الربيع بن أنس، وهو أن المعني بالإغراء بينهم: النصارى في هذه الآية خاصة، وأن الهاء والميم عائدتان على النصارى دون اليهود ، لأن ذكر الإغراء في خبر الله عن النصارى بعد تقضي خبره عن اليهود، وبعد ابتدائه خبره عن النصارى، فأن لا يكون ذلك معنيا به إلا النصارى خاصة أولى من أن يكون معنيا به الحزبان جميعا لما ذكرنا. فإن قال قائل: وما العداوة التي بين النصارى، فتكون مخصوصة بمعنى ذلك؟ قيل: ذلك عداوة النسطورية واليعقوبية والملكية النسطورية واليعقوبية، وليس الذي قاله من قال: معني بذلك إغراء الله بين اليهود والنصارى ببعيد، غير أن هذا أقرب عندي وأشبه بتأويل الآية لما ذكرنا 08P261

Sección V08/P260–V08/P262

[المائدة: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} [المائدة: 14] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: اعف عن هؤلاء الذين هموا ببسط أيديهم إليك وإلى أصحابك، واصفح فإن الله من وراء الانتقام منهم، وسينبئهم الله عند ورودهم الله عليه في معادهم بما كانوا في الدنيا يصنعون من نقضهم ميثاقه، ونكثهم عهده، وتبديلهم كتابه ، وتحريفهم أمره ونهيه، فيعاقبهم على ذلك حسب استحقاقهم " 08P261 [المائدة: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} [المائدة: 15] يقول عز ذكره لجماعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين كانوا في 08P262 عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، قد جاءكم رسولنا، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا} [المائدة: 15] وهو محمد صلى الله عليه وسلم " وقوله: {يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} [المائدة: 15] يقول: " يبين لكم محمد رسولنا كثيرا مما كنتم تكتمونه الناس ولا تبينونه لهم مما في كتابكم. وكان مما يخفونه من كتابهم فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: رجم الزانين المحصنين. وقيل: إن هذه الآية نزلت في تبيين رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس من إخفائهم ذلك من كتابهم ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، قوله: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} [المائدة: 15] فكان الرجم مما أخفوا " حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه، أخبرنا علي بن الحسين ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، في قوله: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم} [المائدة: 15] إلى قوله: {صراط مستقيم} [البقرة: 142] قال: إن نبي الله أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، واجتمعوا في بيت، قال: «أيكم أعلم؟» فأشاروا إلى ابن صوريا، فقال: «أنت أعلمهم؟» قال: سل عما شئت. قال: «أنت أعلمهم؟» قال: إنهم ليزعمون ذلك. قال: فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى ، والذي رفع الطور، وناشده بالمواثيق التي أخذت عليهم، حتى أخذه أفكل ، فقال: إن نساءنا نساء حسان، فكثر فينا القتل ، فاختصرنا أخصورة، فجلدنا مائة، وحلقنا الرءوس، وخالفنا بين الرءوس إلى الدواب، أحسبه قال: الإبل ، قال: فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله فيهم: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم} [المائدة: 15] الآية، وهذه الآية: {وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم} [البقرة: 76] قوله: {ويعفو عن كثير} [المائدة: 15] يعني بقوله ويعفو: ويترك أخذكم بكثير مما كنتم تخفون من كتابكم الذي أنزله الله إليكم، وهو التوراة، فلا تعملون به حتى يأمره الله بأخذكم به 08P263

Sección V08/P262–V08/P264

[المائدة: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} [المائدة: 15] يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب: قد جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نور، يعني بالنور محمدا صلى الله عليه وسلم، الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك فهو نور لمن استنار به يبين الحق، ومن إنارته الحق تبيينه لليهود كثيرا مما كانوا يخفون من الكتاب. وقوله: {وكتاب مبين} [المائدة: 15] يقول جل ثناؤه: قد جاءكم من الله تعالى النور الذي أنار لكم به معالم الحق. {وكتاب مبين} [المائدة: 15] يعني: " كتابا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم من توحيد الله وحلاله وحرامه وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يبين للناس جميع ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم ويوضحه لهم، حتى يعرفوا حقه من باطله 08P264 [المائدة: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} [المائدة: 16] يعني عز ذكره: يهدي بهذا الكتاب المبين الذي جاء من الله جل جلاله، ويعني بقوله: {يهدي به الله} [المائدة: 16] يرشد به الله ويسدد به. والهاء في قوله به عائدة على الكتاب {من اتبع رضوانه} [المائدة: 16] يقول: " من اتبع رضا الله. واختلف في معنى الرضا من الله جل وعز، فقال بعضهم: الرضا منه بالشيء: القبول له والمدح والثناء. قالوا: فهو قابل الإيمان ومزك له ، ومثن على المؤمن بالإيمان، وواصف الإيمان بأنه نور وهدى وفصل. وقال آخرون: معنى الرضا من الله جل وعز معنى مفهوم، هو خلاف السخط، وهو صفة من صفاته على ما يعقل من معاني الرضا، الذي هو خلاف السخط ، وليس ذلك بالمدح، لأن المدح والثناء قول، وإنما يثنى ويمدح ما قد رضي؛ قالوا: فالرضا معنى، والثناء والمدح معنى ليس به. ويعني بقوله: {سبل السلام} [المائدة: 16] طرق السلام، والسلام هو الله عز ذكره حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {من اتبع رضوانه سبل السلام} [المائدة: 16] سبيل الله الذي شرعه لعباده، ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملا إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية " 08P265 [المائدة: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه} [المائدة: 16] يقول عز ذكره: يهدي الله بهذا الكتاب المبين من اتبع رضوان الله إلى سبل السلام، وشرائع دينه {ويخرجهم} [المائدة: 16] يقول: " ويخرج من اتبع رضوانه، والهاء والميم في: ويخرجهم من الظلمات إلى النور، يعني: من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإسلام وضيائه بإذنه، يعني: بإذن الله جل وعز. وإذنه في هذا الموضع تحبيبه إياه الإيمان برفع طابع الكفر عن قلبه ، وخاتم الشرك عنه، وتوفيقه لإبصار سبل السلام 08P265 [المائدة: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {ويهديهم إلى صراط مستقيم} [المائدة: 16] يعني عز ذكره بقوله: {ويهديهم} [النساء: 175] ويرشدهم ويسددهم {إلى صراط مستقيم} [البقرة: 142] يقول: " إلى طريق مستقيم، وهو دين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه 08P266

Sección V08/P264–V08/P266

[المائدة: 17] القول في تأويل قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير} [المائدة: 17] هذا ذم من الله عز ذكره للنصارى والنصرانية الذين ضلوا عن سبل السلام، واحتجاج منه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في فريتهم عليه بادعائهم له ولدا ، يقول جل ثناؤه: أقسم لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وكفرهم في ذلك تغطيتهم الحق في تركهم نفي الولد عن الله جل وعز، وادعائهم أن المسيح هو الله فرية وكذبا عليه وقد بينا معنى المسيح فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع 08P266 [المائدة: 17] القول في تأويل قوله تعالى: {قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} [المائدة: 17] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للنصارى الذين افتروا علي، وضلوا عن سواء السبيل، بقيلهم: إن الله هو المسيح ابن مريم {من يملك من الله شيئا} يقول: " من الذي يطيق أن يدفع من أمر الله جل وعز شيئا، فيرده إذا قضاه؛ من قول القائل: ملكت على فلان أمره: إذا صار لا يقدر أن ينفذ أمرا إلا به وقوله: {إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} [المائدة: 17] يقول: " من ذا الذي يقدر أن يرد من أمر الله شيئا إن شاء أن يهلك المسيح ابن مريم بإعدامه من الأرض وإعدام أمه مريم، وإعدام جميع من في الأرض من الخلق جميعا. يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الجهلة من النصارى لو كان المسيح كما يزعمون أنه هو الله، وليس كذلك، لقدر أن يرد أمر الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أمه، وقد أهلك أمه فلم يقدر على دفع أمره فيها إذ نزل ذلك، ففي ذلك لكم معتبر إن اعتبرتم، وحجة عليكم إن عقلتم في أن المسيح بشر كسائر بني آدم ، وأن الله عز وجل هو الذي لا يغلب ولا يقهر ولا يرد له أمر، بل هو الحي الدائم القيوم الذي يحيي ويميت، وينشئ ويفني، وهو حي لا يموت 08P267

Sección V08/P266–V08/P269

[المائدة: 17] القول في تأويل قوله تعالى: {ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء} [المائدة: 17] يعني تبارك وتعالى بذلك: والله له تصريف ما في السموات والأرض وما بينهما، يعني : وما بين السماء والأرض، يهلك من يشاء من ذلك، ويبقي ما يشاء منه، ويوجد ما أراد، ويعدم ما أحب، لا يمنعه من شيء أراد من ذلك مانع، ولا يدفعه عنه دافع؛ ينفذ فيهم حكمه، ويمضي فيهم قضاءه، لا المسيح الذي إن أراد إهلاكه ربه وإهلاك أمه ، لم يملك دفع ما أراد به ربه من ذلك يقول جل وعز: كيف يكون إلها يعبد من كان عاجزا عن دفع ما أراد به غيره من السوء، وغير قادر على صرف ما نزل به من الهلاك؟ بل الإله المعبود الذي له ملك كل شيء، وبيده تصريف كل من في السماء والأرض وما بينهما فقال جل ثناؤه: {وما بينهما} [المائدة: 17] وقد ذكر السموات بلفظ الجمع، ولم يقل: وما بينهن، لأن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، كما قال الراعي: [+البحر الكامل] طرقا فتلك هماهمي أقريهما قلصا لواقح كالقسي وحولا فقال: طرقا، مخبرا عن شيئين، ثم قال: فتلك هماهمي، فرجع إلى معنى الكلام وقوله: {يخلق ما يشاء} [آل عمران: 47] يقول: " جل ثناؤه: وينشئ ما يشاء ويوجده، ويخرجه من حال العدم إلى حال الوجود، ولن يقدر على ذلك غير الله الواحد القهار، وإنما يعني بذلك أن له تدبير السموات والأرض وما بينهما، وتصريفه وإفناءه وإعدامه، وإيجاد ما يشاء مما هو غير موجود ولا منشأ، يقول: فليس ذلك لأحد سواي، فكيف زعمتم أيها الكذبة أن المسيح إله ، وهو لا يطيق شيئا من ذلك، بل لا يقدر على دفع الضرر عن نفسه، ولا عن أمه ، ولا اجتلاب نفع إليها، إلا بإذني 08P268 [المائدة: 17] القول في تأويل قوله تعالى: {والله على كل شيء قدير} [المائدة: 17] يقول عز ذكره: الله المعبود هو القادر على كل شيء، والمالك كل شيء، الذي لا يعجزه شيء أراده، ولا يغلبه شيء طلبه، المقتدر على هلاك المسيح وأمه ومن في الأرض جميعا، لا العاجز الذي لا يقدر على منع نفسه من ضر نزل به من الله ولا منع أمه من الهلاك 08P269 [المائدة: 18] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير} [المائدة: 18] وهذا خبر من الله جل وعز عن قوم من اليهود والنصارى أنهم قالوا هذا القول وقد ذكر عن ابن عباس تسمية الذين قالوا ذلك من اليهود حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير، أو عكرمة ، عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضاء وبحري بن عمرو، وشأس بن عدي، فكلموه، فكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله جل وعز فيهم: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18] إلى آخر الآية. وكان السدي يقول في ذلك بما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله 08P270 وأحباؤه} [المائدة: 18] أما أبناء الله فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدا من ولدك أدخلهم النار فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي مناد: أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل ، فأخرجهم. فذلك قوله: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} [آل عمران: 24] وأما النصارى، فإن فريقا منهم قال للمسيح: ابن الله " والعرب قد تخرج الخبر إذا افتخرت مخرج الخبر عن الجماعة، وإن كان ما افتخرت به من فعل واحد منهم، فتقول: نحن الأجواد الكرام، وإنما الجواد فيهم واحد منهم وغير المتكلم الفاعل ذلك، كما قال جرير: [+البحر الطويل] ندسنا أبا مندوسة القين بالقنا وما ردم من جار بيبة ناقع فقال: ندسنا، وإنما النادس: رجل من قوم جرير غيره، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن جماعة هو أحدهم. فكذا أخبر الله عز ذكره عن النصارى أنها قالت ذلك على هذا الوجه إن شاء الله. وقوله: {وأحباؤه} [المائدة: 18] وهو جمع حبيب {قل فلم يعذبكم بذنوبكم} [المائدة: 18] يقول الله لنبيه 08P271 محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الكذبة المفترين على ربهم: فلم يعذبكم ربكم، يقول: فلأي شيء يعذبكم ربكم بذنوبكم إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحباؤه، فإن الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم مقرون أنه معذبكم. وذلك أن اليهود قالت: إن الله معذبنا أربعين يوما عدد الأيام التي عبدنا فيها العجل، ثم يخرجنا جميعا منها؛ فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم: إن كنتم كما تقولون أبناء الله وأحباؤه، فلم يعذبكم بذنوبكم؟ يعلمهم عز ذكره أنهم أهل فرية وكذب على الله جل وعز 08P269

Sección V08/P269–V08/P272

[المائدة: 18] القول في تأويل قوله تعالى: {بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [المائدة: 18] يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم: ليس الأمر كما زعمتم أنكم أبناء الله وأحباؤه بل أنتم بشر ممن خلق، يقول: خلق من بني آدم، خلقكم الله مثل سائر بني آدم، إن أحسنتم جوزيتم بإحسانكم كما سائر بني آدم مجزيون بإحسانهم، وإن أسأتم جوزيتم بإساءتكم كما غيركم مجزي بها، ليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه، فإنه يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبه، فيصفح عنه بفضله ، ويسترها عليه برحمته، فلا يعاقبه بها وقد بينا معنى المغفرة في موضع غير هذا بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. {ويعذب من يشاء} [البقرة: 284] يقول: " ويعدل على من يشاء من خلقه، فيعاقبه على ذنوبه ، ويفضحه بها على رءوس الأشهاد، فلا يسترها عليه، وإنما هذا من الله عز وجل وعيد لهؤلاء اليهود والنصارى، المتكلين على منازل سلفهم الخيار عند الله، الذين فضلهم الله بطاعتهم إياه، واجتنابهم معصيته، لمسارعتهم إلى رضاه، واصطبارهم على ما نابهم فيه. يقول لهم: لا تغتروا بمكان أولئك مني ، ومنازلهم عندي، فإنهم إنما نالوا مني بالطاعة لي، وإيثار رضاي على محابهم ، لا بالإماني، فجدوا في طاعتي، وانتهوا إلى أمري، وانزجروا عما نهيتهم عنه، فإني إنما أغفر ذنوب من أشاء أن أغفر ذنوبه من أهل طاعتي، وأعذب من أشاء تعذيبه من أهل معصيتي، لا لمن قربت زلفة آبائه مني، وهو لي عدو ولأمري ونهيي مخالف وكان السدي يقول في ذلك بما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: قوله: {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [آل عمران: 129] يقول: «يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذبه» 08P272 [المائدة: 18] القول في تأويل قوله تعالى: {ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير} [المائدة: 18] يقول: لله تدبير ما في السموات وما في الأرض وما بينهما، وتصريفه، وبيده أمره، وله ملكه، يصرفه كيف يشاء ويدبره كيف أحبه، لا شريك له في شيء منه ولا لأحد معه فيه ملك، فاعلموا أيها القائلون: نحن أبناء الله وأحباؤه، أنه إن عذبكم بذنوبكم، لم يكن لكم منه مانع ولا لكم عنه دافع؛ لأنه لا نسب بين أحد 08P273 وبينه فيحابيه لسبب ذلك، ولا لأحد في شيء ومرجعه. فاتقوا أيها المفترون عقابه إياكم على ذنوبكم بعد مرجعكم إليه، ولا تغتروا بالإماني وفضائل الآباء والإسلاف 08P272

Sección V08/P272–V08/P275

[المائدة: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير} [المائدة: 19] يعني جل ثناؤه بقوله: {يا أهل الكتاب} [آل عمران: 64] اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نزلت هذه الآية. وذلك أنهم أو بعضهم فيما ذكر لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به وبما جاءهم به من عند الله ، قالوا: ما بعث الله من نبي بعد موسى، ولا أنزل بعد التوراة كتابا حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال : ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه لنا بصفته. فقال رابع بن حرملة ووهب بن يهوذا: أما قلنا هذا لكم وما أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده. 08P274 فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهما: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير} [المائدة: 19] ويعني بقوله جل ثناؤه: {قد جاءكم رسولنا} [المائدة: 15] قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم {رسولنا يبين لكم} [المائدة: 19] يقول: " يعرفكم الحق، ويوضح لكم أعلام الهدى ، ويرشدكم إلى دين الله المرتضى. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل} [المائدة: 19] وهو محمد صلى الله عليه وسلم، جاء بالفرقان الذي فرق الله به بين الحق والباطل، فيه بيان الله ونوره وهداه، وعصمة لمن أخذ به يقول: على انقطاع من الرسل. والفترة في هذا الموضع: الانقطاع، يقول: قد جاءكم رسولنا يبين لكم الحق والهدى على انقطاع من الرسل. . والفترة: الفعلة، من قول القائل: فتر هذا الأمر يفتر فتورا ، وذلك إذا هدأ وسكن، وكذلك الفترة في هذا الموضع معناها: السكون، يراد به سكون مجيء الرسل، وذلك انقطاعها. ثم اختلف أهل التأويل في قدر مدة تلك الفترة، فاختلف في الرواية في ذلك عن قتادة. فروى معمر عنه، ما: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {على فترة من الرسل} [المائدة: 19] قال: " كان بين 08P275 عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم خمسمائة وستون سنة. وروى سعيد بن أبي عروبة عنه ما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ، ذكر لنا أنها كانت ستمائة سنة، أو ما شاء من ذلك، الله أعلم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أصحابه، قوله: {قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل} [المائدة: 19] قال: " كان بين عيسى ومحمد صلى لله عليهما وسلم خمسمائة سنة وأربعون سنة. قال معمر: قال قتادة: خمسمائة سنة وستون سنة " وقال آخرون بما: حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {على فترة من الرسل} [المائدة: 19] قال: " كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم أربعمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة ويعني بقوله: {أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير} [المائدة: 19] أن لا تقولوا، وكي لا تقولوا، كما قال جل ثناؤه: {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176] بمعنى: أن لا تضلوا ، وكي لا تضلوا.

Sección V08/P275

فمعنى الكلام: قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ، كي لا تقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير. يعلمهم عز ذكره أنه قد قطع عذرهم برسوله صلى الله عليه وسلم ، وأبلغ إليهم في الحجة. ويعني بالبشير: المبشر من أطاع الله وآمن به وبرسوله وعمل بما آتاه من عند الله بعظيم ثوابه في آخرته، وبالنذير المنذر من عصاه وكذب رسوله صلى الله عليه وسلم وعمل بغير ما أتاه من عند الله من أمره ونهيه بما لا قبل له به من أليم عقابه في معاده وشديد عذابه في قيامته 08P276

Sección V08/P275–V08/P276

[المائدة: 19] القول في تأويل قوله تعالى: {فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير} [المائدة: 19] يقول جل ثناؤه لهؤلاء اليهود الذين وصفنا صفتهم: قد أعذرنا إليكم، واحتججنا عليكم برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إليكم، وأرسلناه إليكم، ليبين لكم ما أشكل عليكم من أمر دينكم، كيلا تقولوا لم يأتنا من عندك رسول يبين لنا ما نحن عليه من الضلالة، فقد جاءكم من عندي رسول، يبشر من آمن بي وعمل بما أمرته، وانتهى عما نهيته عنه، وينذر من عصاني وخالف أمري، وأنا القادر على كل شيء، أقدر على عقاب من عصاني وثواب من أطاعني، فاتقوا عقابي على معصيتكم إياي وتكذيبكم رسولي ، واطلبوا ثوابي على طاعتكم إياي، وتصديقكم بشيري ونذيري، فإني أنا الذي لا يعجزه شيء أراده ولا يفوته شيء طلبه 08P276 [المائدة: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} [المائدة: 20] وهذا أيضا من الله تعريف لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قديم بتمادي هؤلاء اليهود في الغي وبعدهم عن الحق وسوء اختيارهم لأنفسهم وشدة خلافهم لأنبيائهم وبطء إنابتهم إلى الرشاد، مع كثرة نعم الله عندهم وتتابع أياديه وآلائه عليه، مسليا بذلك نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما يحل به من علاجهم وينزل به من مقاساتهم في ذات الله. يقول الله له صلى الله عليه وسلم: لا تأس على ما أصابك منهم، فإن الذهاب عن الله والبعد من الحق وما فيه لهم الحظ في الدنيا والآخرة من عاداتهم وعادات أسلافهم وأوائلهم، وتعز بما لاقى منهم أخوك موسى صلى الله عليه وسلم، واذكر إذ قال موسى لهم: {يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم} [المائدة: 20] يقول: " اذكروا أيادي الله عندكم وآلاءه قبلكم. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة: {اذكروا نعمة الله عليكم} [المائدة: 20] قال: «أيادي الله عندكم وأيامه» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: اذكروا نعمة الله عليكم يقول: «عافية الله» وإنما اخترنا ما قلنا، لأن الله لم يخصص من النعم شيئا، بل عم ذلك بذكر النعم، فذلك على العافية وغيرها، إذ كانت العافية أحد معاني النعم 08P277

Sección V08/P276–V08/P279

[المائدة: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا} [المائدة: 20] يعني بذلك جل ثناؤه، أن موسى ذكر قومه من بني إسرائيل بأيام الله عندهم وبآلائه قبلهم، فحرضهم بذلك على اتباع أمر الله في قتال الجبارين، فقال لهم: اذكروا نعمة الله عليكم أن فضلكم بأن جعل فيكم أنبياء يأتونكم بوحيه ويخبرونكم بآياته الغيب، ولم يعط ذلك غيركم في زمانكم هذا فقيل إن الأنبياء الذين ذكرهم موسى أنهم جعلوا فيهم هم الذين اختارهم موسى، إذ صار إلى الجبل وهم السبعون الذين ذكرهم الله، فقال: {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا} [سورة: الأعراف، آية رقم: 155] {وجعلكم ملوكا} [سورة: المائدة، آية رقم: 20] سخر لكم من غيركم خدما يخدمونكم. وقيل: إنما قال ذلك لهم موسى، لأنه لم يكن في ذلك الزمان أحد سواهم يخدمه أحد من بني آدم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا} [المائدة: 20] قال: «كنا نحدث أنهم أول من سخر لهم الخدم من بني آدم وملكوا» وقال آخرون: كل من ملك بيتا وخادما وامرأة، فهو ملك كائنا من كان من الناس ذكر من قال ذلك: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا أبو هانئ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي، يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله، رجل، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي خادما. قال: فأنت من الملوك " حدثنا الزبير بن بكار، قال: ثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، قال: سمعت زيد بن أسلم، يقول: {وجعلكم ملوكا} [المائدة: 20] فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له بيت وخادم فهو ملك» حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة ، عن حميد، عن الحسن، أنه تلا هذه الآية: {وجعلكم ملوكا} [المائدة: 20] فقال: وهل الملك إلا مركب وخادم ودار. فقال قائلو هذه المقالة: إنما قال لهم موسى ذلك، لأنهم كانوا يملكون الدور والخدم، ولهم نساء وأزواج " ذكر من قال ذلك: حدثنا سفيان بن وكيع، وابن حميد قالا: ثنا جرير، عن منصور، قال: أراه عن الحكم: {وجعلكم ملوكا} [المائدة: 20] قال: «كانت بنو إسرائيل إذا كان للرجل منهم بيت وامرأة وخادم، عد ملكا» حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفيان. ح، وحدثنا سفيان، قال: ثنا أبي ، عن سفيان، عن منصور، عن الحكم: {وجعلكم ملوكا} [المائدة: 20] قال: " الدار والمرأة والخادم. قال سفيان: أو اثنتين من الثلاثة " حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، 08P280 عن رجل، عن ابن عباس، في قوله: {وجعلكم ملوكا} [المائدة: 20] قال: «البيت والخادم» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس، في قوله: {وجعلكم ملوكا} [المائدة: 20] قال: «الزوجة والخادم والبيت» حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وجعلكم ملوكا} [المائدة: 20] قال: «جعل لكم أزواجا وخدما وبيوتا» حدثنا المثنى، قال: ثنا علي بن محمد الطنافسي، قال: ثنا أبو معاوية ، عن حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قول الله: {وجعلكم ملوكا} [المائدة: 20] قال: «كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمى ملكا» حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وجعلكم ملوكا} [المائدة: 20] قال: " ملكهم الخدم.

Sección V08/P279–V08/P281

قال قتادة: كانوا أول 08P281 من ملك الخدم " حدثني الحرث بن محمد قال: ثنا عبد العزيز بن أبان، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد: {وجعلكم ملوكا} [المائدة: 20] قال: «جعل لكم أزواجا وخدما وبيوتا» وقال آخرون: إنما عنى بقوله: {وجعلكم ملوكا} [المائدة: 20] أنهم يملكون أنفسهم وأهليهم وأموالهم ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {وجعلكم ملوكا} [المائدة: 20] يملك الرجل منكم نفسه وأهله وماله " 08P281

Sección V08/P281–V08/P282

[المائدة: 20] القول في تأويل قوله تعالى: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} [المائدة: 20] اختلف فيمن عنوا بهذا الخطاب، فقال بعضهم: عني به أمة محمد صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان ، عن السدي، عن أبي مالك، وسعيد بن جبير: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} [المائدة: 20] قالا: أمة محمد صلى الله عليه وسلم " 08P282 وقال آخرون: عني به قوم موسى صلى الله عليه وسلم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: «هم قوم موسى» حدثني الحارث بن محمد، قال: ثنا عبد العزيز بن أبان، قال: ثنا سفيان ، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} [المائدة: 20] قال: «هم بين ظهرانيه يومئذ» ثم اختلفوا في الذي آتاهم الله ما لم يؤت أحد من العالمين، فقال بعضهم: هو المن والسلوى والحجر والغمام ذكر من قال ذلك: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل ، عن مجاهد: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} [المائدة: 20] قال: «المن والسلوى والحجر والغمام» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} [المائدة: 20] يعني أهل ذلك الزمان، المن والسلوى والحجر والغمام " وقال آخرون: هو الدار والخادم والزوجة ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بشر بن السري ، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} [المائدة: 20] قال: «الرجل يكون له الدار والخادم والزوجة» حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} [المائدة: 20] المن والسلوى والحجر والغمام " وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين، خطاب لبني إسرائيل، حيث جاء في سياق قوله: {اذكروا نعمة الله عليكم} [المائدة: 20] ومعطوفا عليه. ولا دلالة في الكلام تدل على أن قوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} [المائدة: 20] مصروف عن خطاب الذين ابتدئ بخطابهم في أول الآية. فإذا كان ذلك كذلك، فأن يكون خطابا لهم أولى من أن يقال: هو مصروف عنهم إلى غيرهم. فإن ظن ظان أن قوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} [المائدة: 20] لا يجوز أن يكون خطابا لبني إسرائيل، إذ كانت أمة محمد قد أوتيت من كرامة الله نبيها 08P284 عليه الصلاة والسلام محمدا، ما لم يؤت أحدا غيرهم، وهم من العالمين؛ فقد ظن غير الصواب، وذلك أن قوله: {وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} [المائدة: 20] خطاب من موسى صلى الله عليه وسلم لقومه يومئذ، وعنى بذلك عالمي زمانه لا عالمي كل زمان، ولم يكن أوتي في ذلك الزمان من نعم الله وكرامته ما أوتي قومه صلى الله عليه وسلم أحد من العالمين، فخرج الكلام منه صلى الله عليه وسلم على ذلك لا على جميع كل زمان 08P283

Sección V08/P282–V08/P286

[المائدة: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} [المائدة: 21] وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول موسى صلى الله عليه وسلم لقومه من بني إسرائيل، وأمره إياهم عن أمر الله إياه، يأمرهم بدخول الأرض المقدسة ثم اختلف أهل التأويل في الأرض التي عناها بالأرض المقدسة، فقال بعضهم: عنى بذلك: الطور وما حوله ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الأرض المقدسة: الطور وما حوله " حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، مثله حدثني الحارث بن محمد، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: {ادخلوا الأرض المقدسة} [المائدة: 21] قال: « 08P285 الطور وما حوله» وقال آخرون: هو الشام ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {الأرض المقدسة} [المائدة: 21] قال: «هي الشام» وقال آخرون: هي أرض أريحاء ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] قال: «أريحاء» حدثني يوسف بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: «هي أريحاء» حدثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان ، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «هي أريحاء» 08P286 وقيل: إن الأرض المقدسة: دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وعنى بقوله {المقدسة} [المائدة: 21] المطهرة المباركة. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {الأرض المقدسة} [المائدة: 21] قال: «المباركة» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، بمثله وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: هي الأرض المقدسة، كما قال نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم. لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض ، لا تدرك حقيقة صحته إلا بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به، غير أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التي بين الفرات وعريش مصر لإجماع جميع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار على ذلك. ويعني بقوله: {التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] التي أثبت في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن ، ومنازل دون الجبابرة التي فيها. فإن قال قائل: فكيف قال: {التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] وقد علمت أنهم لم يدخلوها بقوله: {فإنها محرمة عليهم} [المائدة: 26] فكيف يكون مثبتا في اللوح المحفوظ أنها مساكن لهم، ومحرما عليهم سكناها؟ قيل: إنها كتبت لبني إسرائيل دارا ومساكن، وقد سكنوها ونزلوها ، وصارت لهم كما قال الله جل وعز. وإنما قال لهم موسى: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] يعني بها: كتبها الله لبني إسرائيل، وكان الذين أمرهم موسى بدخولها من بني إسرائيل، ولم يعن صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ذكره كتبها للذين أمرهم بدخولها بأعيانهم ، ولو قال قائل: قد كانت مكتوبة لبعضهم، ولخاص منهم، فأخرج الكلام على العموم والمراد منه الخاص، إذ كان يوشع وكالب قد دخلا، وكانا ممن خوطب بهذا القول، كان أيضا وجها صحيحا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق: {التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] التي وهب الله لكم " وكان السدي يقول: معنى كتب في هذا الموضع بمعنى أمر حدثنا بذلك موسى بن هارون قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] التي أمركم الله بها " 08P287

Sección V08/P286–V08/P288

[المائدة: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} [المائدة: 21] وهذا خبر من الله عز ذكره عن قيل موسى عليه السلام لقومه من بني إسرائيل، إذ أمرهم عن أمر الله عز ذكره إياه بدخول الأرض المقدسة، أنه قال لهم: امضوا أيها القوم لأمر الله الذي أمركم به من دخول الأرض المقدسة {ولا ترتدوا} [المائدة: 21] يقول: " لا ترجعوا القهقرى مرتدين {على أدباركم} [المائدة: 21] يعني: " إلى ورائكم، ولكن امضوا قدما لأمر الله الذي أمركم به من الدخول على القوم الذين أمركم الله بقتالهم والهجوم عليهم في أرضهم، وأن الله عز ذكره قد كتبها لكم مسكنا وقرارا. ويعني بقوله: {فتنقلبوا خاسرين} [آل عمران: 149] أنكم تنصرفوا خائبين هكذا، وقد بينا معنى الخسارة في غير هذا الموضع بشواهده المغنية عن إعادته في هذا الموضع، فإن قال قائل: وما كان وجه قيل موسى لقومه إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين؟ أو يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضا جعلت له؟ قيل: إن الله عز ذكره كان أمره بقتال من فيها من أهل الكفر به وفرض عليهم دخولها، فاستوجب القوم الخسارة بتركهم. إذا فرض الله عليهم من وجهين: أحدهما تضييع فرض الجهاد الذي كان الله فرضه عليهم. والثاني: خلافهم أمر الله في تركهم دخول الأرض ، وقولهم لنبيهم موسى صلى الله عليه وسلم إذ قال لهم: ادخلوا الأرض المقدسة: {إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} [المائدة: 22] كان قتادة يقول في ذلك بما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد ، عن قتادة، قوله: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] أمروا بها 08P289 كما أمروا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة " 08P288

Sección V08/P288–V08/P290

[المائدة: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} [المائدة: 22] وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن جواب قوم موسى عليه السلام، إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة، أنهم أبوا عليه إجابة إلى ما أمرهم به من ذلك، واعتلوا عليه في ذلك بأن قالوا: إن في الأرض المقدسة التي تأمرنا بدخولها قوما جبارين لا طاقة لنا بحربهم ولا قوة لنا بهم. وسموهم جبارين ، لأنهم كانوا بشدة بطشهم وعظيم خلقهم فيما ذكر لنا قد قهروا سائر الأمم غيرهم. وأصل الجبار: المصلح أمر نفسه وأمر غيره، ثم استعمل في كل من اجتر نفعا إلى نفسه بحق أو باطل طلب الإصلاح لها، حتى قيل للمتعدي إلى ما ليس له بغيا على الناس وقهرا لهم وعتوا على ربه: جبار، وإنما هو فعال من قولهم: جبر فلان هذا الكسر إذا أصلحه ولأمه، ومنه قول الراجز: [+البحر الرجز] قد جبر الدين الإله فجبر وعور الرحمن من ولى العور يريد: قد أصلح الدين الإله فصلح، ومن أسماء الله تعالى ذكره الجبار ، لأنه المصلح أمر عباده القاهر لهم بقدرته ومما ذكرته من عظم خلقهم ما: حدثني به، موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قصة ذكرها من أمر موسى وبني إسرائيل، قال: ثم أمرهم بالسير إلى أريحاء، وهي أرض بيت المقدس، فساروا حتى إذا كانوا قريبا منهم، بعث موسى اثني عشر نقيبا من جميع أسباط بني إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبارين، فلقيهم رجل من الجبارين ، يقال له: عوج، فأخذ الاثني عشر فجعلهم في حجزته، وعلى رأسه حملة حطب ، وانطلق بهم إلى امرأته، فقال: انظري لي هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا. فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا، بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك " حدثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان ، قال: قال أبو سعيد، قال عكرمة، عن ابن عباس، قال: أمر موسى أن يدخل ، مدينة الجبارين، قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبا من المدينة، وهي أريحاء. فبعث إليهم اثني عشر عينا، من كل سبط منهم عينا، ليأتوه بخبر القوم. قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمرا عظيما من هيئتهم وجثثهم وعظمهم ، فدخلوا حائطا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم وتتبعهم، فكلما أصاب واحدا منهم أخذه ، فجعله في كمه مع الفاكهة. وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {إن فيها قوما جبارين} [المائدة: 22] ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخلق ليست لغيرهم " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: إن موسى عليه السلام قال لقومه: إني سأبعث رجالا يأتونني بخبرهم، وإنه أخذ من كل سبط رجلا، فكانوا اثني عشر نقيبا، فقال: سيروا إليهم وحدثوني حديثهم وما أمرهم، ولا تخافوا إن الله معكم ما أقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة، وآمنتم برسله، وعزرتموهم، وأقرضتم الله قرضا حسنا. ثم إن القوم ساروا حتى هجموا عليهم، فرأوا أقواما لهم أجسام عجب، عظما وقوة ، وأنه فيما ذكر أبصرهم أحد الجبارين، وهم لا يألون أن يخفوا أنفسهم حين رأوا العجب، فأخذ ذلك الجبار منهم رجالا، فأتى رئيسهم، فألقاهم قدامه ، فعجبوا وضحكوا منهم، فقال قائل منهم: إن هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوكم ، وأنه لولا ما دفع الله عنهم لقتلوا.

Sección V08/P290

وإنهم رجعوا إلى موسى عليه السلام فحدثوه العجب " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {اثني عشر نقيبا} [المائدة: 12] من كل سبط من بني إسرائيل رجل أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم، يلقونهم إلقاء، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بينهم في خشبة، 08P292 ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة نفس أو أربعة " حدثني المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه حدثني محمد بن الوزير بن قيس، عن أبيه، عن جويبر، 0 عن الضحاك: {إن فيها قوما جبارين} [المائدة: 22] قال: «سفلة لا خلاق لهم» 08P292

Sección V08/P290–V08/P292

[المائدة: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} [المائدة: 22] وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول قوم موسى لموسى جوابا لقوله لهم: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] فقالوا: {إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها} [المائدة: 22] يعنون: من الأرض المقدسة الجبارون الذين فيها، جبنا منهم وجزعا من قتالهم. وقالوا له: إن يخرج منها هؤلاء الجبارون دخلناها، وإلا فإنا لا نطيق دخولها وهم فيها، لأنه لا طاقة لنا بهم ولا يد حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، أن كالب بن يوفنا أسكت الشعب عن موسى، صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: إنا سنعلو الأرض ونرثها ، وإن لنا بهم قوة. وأما الذين كانوا معه، فقالوا: لا نستطيع أن نصل إلى ذلك الشعب من أجل أنهم أجرأ منا. ثم إن أولئك الجواسيس أخبروا بني إسرائيل الخبر ، وقالوا: إنا مررنا في أرض وأحسسناها، فإذا هي تأكل ساكنها، ورأينا رجالها جساما ، ورأينا الجبابرة بني الجبابرة، وكنا في أعينهم مثل الجراد. فأرجفت الجماعة من بني إسرائيل، فرفعوا أصواتهم بالبكاء. فبكى الشعب تلك الليلة ، ووسوسوا على موسى وهارون، فقالوا لهما: يا ليتنا متنا في أرض مصر، وليتنا نموت في هذه البرية ولم يدخلنا الله هذه الأرض لنقع في الحرب، فتكون نساؤنا وأبناؤنا وأثقالنا غنيمة، ولو كنا قعودا في أرض مصر، كان خيرا لنا وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر " 08P293

Sección V08/P292–V08/P296

[المائدة: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23] وهذا خبر من الله عز ذكره عن الرجلين الصالحين من قوم موسى: يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا، أنهما وفيا لموسى بما عهد إليهما من ترك إعلام قومه بني إسرائيل الذين أمرهم بدخول الأرض المقدسة على الجبابرة من الكنعانيين، بما رأيا وعاينا من شدة بطش الجبابرة وعظم خلقهم، ووصفهما الله بأنهما ممن يخاف الله ويراقبه في أمره ونهيه؛ كما: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان ،. ح ، وحدثنا ابن وكيع، قال ثنا أبي، عن سفيان ،. ح، وحدثنا هناد، قال: ثنا 08P294 وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: {رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] قال: «كلاب بن يوفنا ويوشع بن نون» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن منصور، عن مجاهد، قال: {رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] قال: «يوشع بن نون، وكلاب بن يوفنا، وهما من النقباء» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قصة ذكرها، قال: فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم، إلا يوشع بن نون، وكلاب بن يوفنا يأمران الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم، فعصوهما، وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما " حدثنا ابن حميد، وسفيان بن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن منصور ، عن مجاهد، مثل حديث ابن بشار، عن ابن مهدي، إلا أن ابن حميد قال في حديثه: " هما من الاثني عشر نقيبا حدثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان ، 08P295 قال: قال أبو سعيد، قال عكرمة، عن ابن عباس، في قصة ذكرها، قال: فرجعوا، يعني النقباء الاثني عشر، إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال لهم موسى: اكتموا شأنهم ولا تخبروا به أحدا من أهل العسكرة فإنكم إن أخبرتموهم بهذا الخبر فشلوا ولم يدخلوا المدينة. قال: فذهب كل رجل منهم، فأخبر قريبه وابن عمه، إلا هذين الرجلين يوشع بن نون وكلاب بن يوفنا، فإنهما كتما ولم يخبرا به أحدا، وهما اللذان قال الله: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] إلى قوله: {وبين القوم الفاسقين} [المائدة: 25] " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] وهما اللذان كتماهم: يوشع بن نون فتى موسى، وكالوب بن يوفنة ختن موسى " حدثنا سفيان، قال: ثنا عبيد الله، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] كالوب ويوشع بن نون 08P296 فتى موسى " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] والرجلان اللذان أنعم الله عليهما من بني إسرائيل: يوشع بن نون: وكالوب بن يوفنة " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] ذكر لنا أن الرجلين: يوشع بن نون، وكالب " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: أن موسى، قال للنقباء لما رجعوا فحدثوه العجب: لا تحدثوا أحدا بما رأيتم، إن الله سيفتحها لكم ويظهركم عليها من بعد ما رأيتم وإن القوم أفشوا الحديث في بني إسرائيل، فقام رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما: كان أحدهما فيما سمعنا يوشع بن نون وهو فتى موسى ، والآخر كالب، فقالا: ادخلوا عليهم الباب إن كنتم مؤمنين " واختلف القراء في قراءة قوله: {قال رجلان من الذين يخافون} [المائدة: 23] قرأ ذلك قراء الحجاز والعراق والشام: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] بفتح الياء من يخافون، على التأويل الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه آنفا، أنهما يوشع بن نون وكالب من قوم موسى ممن يخاف الله، وأنعم عليهما بالتوفيق.

Sección V08/P296–V08/P298

وكان قتادة يقول في بعض القراءة: " قال رجلان من الذين يخافون الله أنعم الله عليهما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ،. ح، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] في بعض الحروف: «يخافون الله أنعم الله عليهما» وهذا أيضا مما يدل على صحة تأويل من تأول ذلك على ما ذكرنا عنه أنه قال: يوشع، وكالب. وروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ ذلك: «قال رجلان من الذين يخافون» بضم الياء {أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] حدثني بذلك، أحمد بن يوسف قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا هشيم، عن القاسم بن أبي أيوب، ولا نعلمه أنه سمع منه، عن سعيد بن جبير، أنه كان يقرؤها بضم الياء من: يخافون " وكأن سعيدا ذهب في قراءته هذه إلى أن الرجلين اللذين أخبر الله عنهما أنهما 08P298 قالا لبني إسرائيل: ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، كانا من رهط الجبابرة، وكانا أسلما واتبعا موسى، فهما من أولاد الجبابرة ، الذين يخافهم بنو إسرائيل وإن كان لهم في الدين مخالفين. وقد حكي نحو هذا التأويل عن ابن عباس حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} [المائدة: 21] قال: " هي مدينة الجبارين، لما نزل بها موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلا، وهم النقباء الذين ذكر نعتهم ليأتوه بخبرهم. فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه ، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه، فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى، بعثنا إليكم لنأتيه بخبركم، فأعطوهم حبة من عنب بوقر الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه، فقولوا لهم: اقدروا قدر فاكهتهم فلما أتوهم، قالوا لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] وكانا من أهل المدينة أسلما واتبعا موسى وهارون، فقالا لموسى: {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله 08P299 فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23] فعلى هذه القراءة وهذا التأويل لم يكتم من الاثني عشر نقيبا أحدا ما أمرهم موسى بكتمانه بني إسرائيل مما رأوا وعاينوا من عظم أجسام الجبابرة وشدة بطشهم وعجيب أمورهم، بل أفشوا ذلك كله. وإنما القائل للقوم ولموسى: ادخلوا عليهم الباب، رجلان من أولاد الذين كان بنو إسرائيل يخافونهم ويرهبون الدخول عليهم من الجبابرة، كان أسلما وتبعا نبي الله صلى الله عليه وسلم. وأولى القراءتين بالصواب عندنا ، قراءة من قرأ {من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] لإجماع قراء الأمصار عليها، وأن ما استفاضت به القراءة عنهم فحجة لا يجوز خلافها ، وما انفرد به الواحد فجائز فيه الخطأ والسهو. ثم في إجماع الحجة في تأويلها على أنهما رجلان من أصحاب موسى من بني إسرائيل وأنهما يوشع وكلاب ، ما أغنى عن الاستشهاد على صحة القراءة بفتح الياء في ذلك وفساد غيره، وهو التأويل الصحيح عندنا لما ذكرنا من إجماعها عليه. وأما قوله: {أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] فإنه يعني: أنعم الله عليهم بطاعة الله في طاعة نبيه موسى صلى الله عليه وسلم، وانتهائهم إلى أمره، والانزجار عما زجرهما عنه صلى الله عليه وسلم، من إفشاء ما عاينا من عجيب أمر الجبارين إلى بني إسرائيل الذي حذر عنه أصحابهما الآخرين الذين كانوا معهما من النقباء.

Sección V08/P298

08P300 وقد قيل : إن معنى ذلك: أنعم الله عليهما بالخوف ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا خلف بن تميم ، قال: ثنا إسحاق بن القاسم، عن سهل بن علي، قوله: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] قال: «أنعم الله عليهما بالخوف» وبنحو الذي قلنا في ذلك، كان الضحاك يقول وجماعة غيره حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثني عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} [المائدة: 23] بالهدى فهداهما، فكانا على دين موسى، وكانا في مدينة الجبارين " 08P300

Preguntas