Taberî — Câmiü'l-Beyân
[المائدة: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} [المائدة: 23] وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول الرجلين اللذين يخافان الله لبني إسرائيل إذ جبنوا وخافوا من الدخول على الجبارين لما سمعوا خبرهم، وأخبرهم النقباء الذين أفشوا ما عاينوا من أمرهم فيهم، وقالوا: إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فقالا لهم: ادخلوا عليهم أيها القوم باب مدينتهم، فإن الله معكم وهو ناصركم ، وإنكم إذا دخلتم الباب غلبتموهم. 08P301 كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول، قال: لما هم بنو إسرائيل بالانصراف إلى مصر حين أخبرهم النقباء بما أخبروهم من أمر الجبابرة، خر موسى وهارون على وجوههما سجودا قدام جماعة بني إسرائيل، وخرق يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ثيابهما، وكانا من جواسيس الأرض، وقالا لجماعة بني إسرائيل: إن الأرض مررنا بها وجسسناها صالحة رضيها ربنا لنا فوهبها لنا، وإنها لم تكن تفيض لبنا وعسلا، ولكن افعلوا واحدة، لا تعصوا الله، ولا تخشوا الشعب الذين بها، فإنهم جبناء ، مدفوعون في أيدينا، إن حاربناهم ذهبت منهم، وإن الله معنا فلا تخشوهم. فأراد من بني إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنهم بعثوا اثني عشر رجلا، من كل سبط رجلا، عيونا لهم، وليأتوهم بأخبار القوم. فأما 08P302 عشرة فجبنوا قومهم وكرهوا إليهم الدخول عليهم. وأما الرجلان فأمرا قومهما أن يدخلوها، وأن يتبعوا أمر الله، ورغبا في ذلك، وأخبرا قومهما أنهم غالبون إذا فعلوا ذلك " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {عليهم الباب} [المائدة: 23] قرية الجبارين " 08P302 [المائدة: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23] وهذا أيضا خبر من الله جل وعز، عن قول الرجلين اللذين يخافان الله أنهما قالا لقوم موسى يشجعانهم بذلك، ويرغبانهم في المضي لأمر الله بالدخول على الجبارين في مدينتهم: توكلوا أيها القوم على الله في دخولكم عليهم ويقولان لهم: ثقوا بالله فإنه معكم إن أطعتموه فيما أمركم من جهاد عدوكم. وعنيا بقولهما {إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] إن كنتم مصدقي نبيكم صلى الله عليه وسلم، فيما أنبأكم عن ربكم من النصرة والظفر عليهم، وفي غير ذلك من إخباره عن ربه، ومؤمنين بأن ربكم قادر على الوفاء لكم بما وعدكم من تمكينكم في بلاد عدوه وعدوكم 08P302
[المائدة: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملإ من قوم موسى لموسى، إذ رغبوا في جهاد عدوهم، ووعدوا نصر الله إياهم، إن هم ناهضوهم، ودخلوا عليهم باب مدينتهم أنهم قالوا له: {إنا لن ندخلها أبدا} [المائدة: 24] يعنون: إنا لن ندخل مدينتهم أبدا. والهاء والألف في قوله: {إنا لن ندخلها} [المائدة: 24] من ذكر المدينة. ويعنون بقولهم: {أبدا} [البقرة: 95] أيام حياتنا ما داموا فيها، يعني: ما كان الجبارون مقيمين في تلك المدينة التي كتبها الله لهم وأمروا بدخولها. {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} لا نجيء معك يا موسى إن ذهبت إليهم لقتالهم، ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربك فتقاتلانهم وكان بعضهم يقول في ذلك: ليس معنى الكلام: اذهب أنت وليذهب معك ربك فقاتلا ، ولكن معناه: اذهب أنت يا موسى، وليعنك ربك، وذلك أن الله لا يجوز عليه الذهاب. وهذا إنما كان يحتاج إلى طلب المخرج له لو كان الخبر عن قوم مؤمنين ، فأما قوم أهل خلاف على الله عز ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوا في الله عز وجل وافتروا عليه إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم. وقد ذكر عن المقداد أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قال قوم موسى لموسى حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، وحدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مخارق، عن طارق: أن المقداد بن الأسود، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكن نقول: «اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صد المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم: «إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت» فقال له المقداد بن الأسود: أما والله لا نكون كالملإ من بني إسرائيل، إذ قالوا لنبيهم: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون فلما سمعها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تتابعوا على ذلك " وكان ابن عباس والضحاك بن مزاحم وجماعة غيرهما يقولون: إنما قالوا هذا القول لموسى عليه السلام حين تبين لهم أمر الجبارين وشدة بطشهم حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك، يقول: أمر الله جل وعز بني إسرائيل أن يسيروا ، إلى الأرض المقدسة مع نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم، فلما كانوا قريبا من المدينة قال لهم موسى: ادخلوها فأبوا وجبنوا، وبعثوا اثني عشر نقيبا لينظروا إليهم. فانطلقوا فنظروا، فجاءوا بحبة فاكهة من فاكهتهم بوقر الرجل ، فقالوا: قدروا قوة قوم وبأسهم هذه فاكهتهم فعند ذلك قالوا لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله ، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، نحوه 08P304
[المائدة: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} [المائدة: 25] وهذا خبر من الله جل وعز عن قيل قوم موسى حين قال له قومه ما قالوا من قولهم: {إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] أنه قال عند ذلك، وغضب من قيلهم لهم داعيا: يا رب {إني لا أملك إلا نفسي وأخي} [المائدة: 25] يعني بذلك: لا أقدر على أحد أن أحمله على ما أحب وأريد من طاعتك واتباع أمرك ونهيك، إلا على نفسي وعلى أخي. من قول القائل: ما أملك من الأمر شيئا إلا كذا وكذا، بمعنى: لا أقدر على شيء غيره ويعني بقوله: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} [المائدة: 25] افصل بيننا وبينهم بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم فتبعدهم منا، من قول القائل: فرقت بين هذين الشيئين ، بمعنى: فصلت بينهما؛ من قول الراجز: [+البحر الرجز] يا رب فافرق بينه وبيني أشد ما فرقت بين اثنين وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن 08P306 أبيه، عن ابن عباس: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} [المائدة: 25] يقول: «اقض بيني وبينهم» حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} [المائدة: 25] يقول: «اقض بيننا وبينهم» حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: غضب موسى صلى الله عليه وسلم حين قال له القوم: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون}، فدعا عليهم فقال: {رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} [المائدة: 25] وكانت عجلة من موسى عجلها " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ ، قال: ثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} [المائدة: 25] يقول: " اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم، كل هذا من قول الرجل: اقض بيننا، فقضى الله جل ثناؤه بينه وبينهم أن سماهم فاسقين " وعنى بقوله: {الفاسقين} [المائدة: 25] الخارجين عن الإيمان بالله وبه، إلى الكفر بالله وبه. وقد دللنا على أن معنى الفسق: الخروج من شيء إلى شيء، فيما مضى، بما 08P307 أغنى عن إعادته " 08P306
[المائدة: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين} [المائدة: 26] اختلف أهل التأويل في الناصب للأربعين، فقال بعضهم: الناصب له قوله: {محرمة} [المائدة: 26] وإنما حرم الله جل وعز على القوم الذين عصوه وخالفوا أمره من قوم موسى وأبوا حرب الجبارين، دخول مدينتهم أربعين سنة، ثم فتحها عليهم، وأسكنوها ، وأهلك الجبارين بعد حرب منهم لهم، بعد أن قضيت الأربعون سنة، وخرجوا من التيه " حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: لما قال لهم القوم ما قالوا ودعا موسى عليهم ، أوحى الله إلى موسى: {إنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين} وهم يومئذ فيما ذكر ستمائة ألف مقاتل فجعلهم فاسقين بما عصوا، فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادين لكي يخرجوا منها، حتى يمسوا وينزلوا، فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا. وإنهم اشتكوا إلى موسى ما فعل بهم، فأنزل عليهم المن والسلوى ، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، ينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته. وسأل موسى ربه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض، إذا ما نزل القوم ضربه بعصاه فيخرج منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط منهم عين، قد علم كل أناس مشربهم. حتى إذا خلت أربعون سنة، وكانت عذابا بما اعتدوا وعصوا، أوحي إلى موسى أن مرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة، فإن الله قد كفاهم عدوهم، وقل لهم إذا أتوا المسجد أن يأتوا الباب ويسجدوا إذا دخلوا، ويقولوا حطة. وإنما قولهم حطة، أن يحط عنهم خطاياهم. فأبى عامة القوم، وعصوا، وسجدوا على خدهم، وقالوا حنطة، فقال الله جل ثناؤه: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} [البقرة: 59] إلى: {بما كانوا يفسقون} [البقرة: 59] وقال آخرون: بل الناصب للأربعين: {يتيهون في الأرض} [المائدة: 26] قالوا: ومعنى الكلام: قال: فإنها محرمة عليهم أبدا يتيهون في الأرض أربعين سنة. قالوا: ولم يدخل مدينة الجبارين أحد ممن قال: {إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24]، وذلك أن الله عز ذكره حرمها عليهم. قالوا: وإنما دخلها من أولئك القوم: يوشع وكلاب اللذان قالا لهم: {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} [المائدة: 23] وأولاد الذين حرم الله عليهم دخولها، فتيههم الله فلم يدخلها منهم أحد ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة، في قول الله: {إنها محرمة عليهم} قال: «أبدا» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة ، في قول الله: {يتيهون في الأرض} [المائدة: 26] قال: «أربعين سنة» حدثنا المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هارون النحوي، قال: ثني الزبير بن الخريت، عن عكرمة، في قوله: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} [المائدة: 26] قال: «التحريم لا منتهى له» حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: غضب موسى على قومه، فدعا عليهم، فقال: {رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} [المائدة: 25] الآية، فقال الله جل وعز: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} [المائدة: 26] فلما ضرب عليهم التيه، ندم موسى، وأتاه قومه الذين كانوا يطيعونه، فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فمكثوا في التيه؛ فلما خرجوا من التيه، رفع المن والسلوى، وأكلوا من البقول. والتقى موسى وعوج، فوثب موسى في السماء عشرة أذرع، وكانت عصاه عشرة أذرع، وكان طوله عشرة أذرع، فأصاب كعب عوج فقتله. ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات، ولم يشهد الفتح.
ثم إن الله لما انقضت الأربعون سنة بعث يوشع بن نون نبيا، فأخبرهم أنه نبي، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدقوه، فهزم الجبارين، واقتحموا عليهم يقاتلونهم، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها " حدثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان ، 08P310 قال: قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما دعا موسى، قال الله: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} [المائدة: 26] قال: " فدخلوا التيه، فكل من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنة مات في التيه. قال: فمات موسى في التيه، ومات هارون قبله. قال: فلبثوا في تيههم أربعين سنة، فناهض يوشع بمن بقي معه مدينة الجبارين، فافتتح يوشع المدينة " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة} [المائدة: 26] حرمت عليهم القرى، وكانوا لا يهبطون قرية، ولا يقدرون على ذلك، إنما يتبعون الأطواء أربعين سنة. وذكر لنا أن موسى صلى الله عليه وسلم مات في الأربعين سنة، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثني بعض أهل العلم بالكتاب الأول، قال: لما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت، من معصيتهم نبيهم ، وهمهم بكالب ويوشع، إذ أمراهم بدخول مدينة الجبارين، وقالا لهم ما قالا ، ظهرت عظمة الله بالغمام على نار فيه الرمز على كل بني إسرائيل، فقال جل ثناؤه لموسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب وإلى متى لا يصدقون بالآيات كلها التي وضعت بينهم؟ أضربهم بالموت فأهلكهم، وأجعل لك شعبا أشد منهم. فقال موسى يسمع أهل المصر الذين أخرجت هذا الشعب بقوتك من بينهم، ويقول ساكنو هذه البلاد الذين قد سمعوا أنك أنت الله في هذا الشعب، فلو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد، لقالت الأمم الذين سمعوا باسمك: إنما قتل هذا الشعب من أجل لا يستطيع أن يدخلهم الأرض التي خلق لهم، فقتلهم في البرية، ولكن لترتفع أياديك، ويعظم جزاؤك يا رب كما كنت تكلمت وقلت لهم، فإنه طويل صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق، وإنك تحفظ الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أجيال وأربعة، فاغفر أي رب آثام هذا الشعب، بكثرة نعمك، كما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلى الآن. فقال الله جل ثناؤه لموسى صلى الله عليه وسلم: قد غفرت لهم بكلمتك، ولكن قد أنى لي أنا الله، وقد ملأت الأرض محمدتي كلها، ألا يرى القوم الذين قد رأوا محمدتي وآياتي التي فعلت في أرض مصر وفي القفار، سألوني عشر مرات ولم يطيعوني، لا يرون الأرض التي خلقت لآبائهم، ولا يراها من أغضبني؛ فأما عبدي كالب الذي كان روحه معي واتبع هواي، فإني مدخله الأرض التي دخلها، ويراها خلفه. وكان العماليق والكنعانيون جلوسا في الجبال، ثم غدوا فارتحلوا في القفار في طريق يحرسون ، وكلم الله عز وجل موسى وهارون، وقال لهما: إلى متى توسوس علي هذه الجماعة جماعة السوء؟ قد سمعت وسوسة بني إسرائيل. وقال: لأفعلن بكم كما قلت لكم، ولتلقين جيفكم في هذه القفار، وحسابكم من بني عشرين سنة فما فوق ذلك من أجل أنكم وسوستم علي، فلا تدخلوا الأرض التي دفعت إليها، ولا ينزل فيها أحد منكم غير كالب بن يوفنا ويوشع بن نون، وتكون أثقالكم كما كنتم الغنيمة.
وأما بنوكم اليوم الذين لم يعلموا ما بين الخير والشر، فإنهم يدخلون الأرض، وإني بهم عارف لهم الأرض التي أردت لهم وتسقط جيفكم في هذه القفار، وتتيهون في هذه القفار على حساب الأيام التي جسستم الأرض أربعين يوما مكان كل يوم سنة وتقتلون بخطاياكم أربعين سنة، وتعلمون أنكم وسوستم: قد أنى لي أنا الله فاعل بهذه الجماعة، جماعة بني إسرائيل، الذين وعدوا بأن يتيهوا في القفار، فيها يموتون فأما الرهط الذين كان موسى بعثهم يتجسسون الأرض، ثم حرشوا الجماعة ، فأفشوا فيهم خبر الشر، فماتوا كلهم بغتة، وعاش يوشع وكالب بن يوفنا من الرهط الذين انطلقوا يتحسسون الأرض. فلما قال موسى عليه السلام هذا الكلام كله لبني إسرائيل، حزن الشعب حزنا شديدا، وغدوا فارتفعوا على رأس الجبل ، وقالوا: نرتقي الأرض التي قال جل ثناؤه من أجل أنا قد أخطأنا. فقال لهم موسى: لم تعتدون في كلام الله من أجل ذلك، لا يصلح لكم عمل، ولا تصعدوا من أجل أن الله ليس معكم، فالآن تنكسرون من قدام أعدائكم من أجل العمالقة والكنعانيين أمامكم، فلا تقعوا في الحرب من أجل أنكم انقلبتم على الله فلم يكن الله معكم فأخذوا يرقون في الجبل، ولم يبرح التابوت الذي فيه مواثيق الله جل ذكره وموسى من المحلة؛ يعني من الحكمة، حتى هبط العماليق والكنعانيون في ذلك الحائط، فحرقوهم وطردوهم وقتلوهم. فتيهم الله عز ذكره في التيه أربعين سنة بالمعصية، حتى هلك من كان استوجب المعصية من الله في ذلك. قال: فلما شب النواشئ من ذراريهم، وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة التي تتيهوا فيها وسار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وكان فيما يزعمون على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، وكان لهما صهرا؛ قدم يوشع بن نون إلى أريحاء في بني إسرائيل، فدخلها بهم، وقتل الجبابرة الذين كانوا فيها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم ، ثم قبضه الله إليه لا يعلم قبره أحد من الخلائق " وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: إن الأربعين منصوبة بالتحريم، وإن قوله: {محرمة عليهم أربعين سنة} [المائدة: 26] معني به جميع قوم موسى لا بعض دون بعض منهم؛ لأن الله عز ذكره عم بذلك القوم ، ولم يخصص منهم بعضا دون بعض «وقد وفى الله بما وعدهم به من العقوبة ، فتيههم أربعين سنة، وحرم على جميعهم في الأربعين سنة التي مكثوا فيها تائهين دخول الأرض المقدسة، فلم يدخلها منهم أحد، لا صغير ولا كبير ولا صالح ولا طالح، حتى انقضت السنون التي حرم الله عز وجل عليهم فيها دخولها. ثم أذن لمن بقي منهم وذراريهم بدخولها مع نبي الله موسى، والرجلين اللذين أنعم الله عليهما.
وافتتح قرية الجبارين إن شاء الله نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم وعلى مقدمته يوشع، وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأولين أن عوج بن عوق قتله موسى صلى الله عليه وسلم، فلو كان قتله إياه قبل مصيره في التيه وهو من أعظم الجبارين خلقا لم تكن بنو إسرائيل تجزع من الجبارين الجزع الذي ظهر منها، ولكن ذلك كان إن شاء الله بعد فناء الأمة التي جزعت وعصت ربها وأبت الدخول على الجبارين مدينتهم» وبعد: فإن أهل العلم بأخبار الأولين مجمعون على أن بلعم بن باعوراء كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى؛ ومحال أن يكون ذلك كان وقوم موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم، لأن المعونة إنما يحتاج إليها من كان مطلوبا، فأما ولا طالب فلا وجه للحاجة إليها " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف، قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع ووثب في السماء عشرة أذرع، فضرب عوجا فأصاب كعبه، فسقط ميتا ، فكان جسرا للناس يمرون عليه " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع ووثبته عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع، فوثب فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسرا لأهل النيل سنة " ومعنى: {يتيهون في الأرض} [المائدة: 26] يحارون فيها ويضلون، ومن ذلك قيل للرجل الضال عن سبيل الحق: تائه. وكان تيههم ذلك أنهم كانوا يصبحون أربعين سنة كل سنة يوم جادين في قدر ستة فراسخ للخروج منه، فيمسون في الموضع الذي ابتدءوا السير منه " حدثني بذلك المثنى قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا ، ويمسون حيث أصبحوا في تيههم " 08P315
[المائدة: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {فلا تأس على القوم الفاسقين} [المائدة: 26] يعني جل ثناؤه بقوله: {فلا تأس} [المائدة: 26] فلا تحزن، يقال منه: أسي فلان على كذا يأسى أسى، وقد أسيت من كذا: أي حزنت، ومنه قول امرئ القيس: [+البحر الطويل] وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل يعني: لا تهلك حزنا «وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل» ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: ثني معاوية ، عن علي، عن ابن عباس: {فلا تأس} [المائدة: 26] يقول: «فلا تحزن» حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: {فلا تأس على القوم الفاسقين} [المائدة: 26] قال: " لما ضرب عليهم التيه، ندم موسى صلى الله عليه وسلم. فلما ندم أوحى الله إليه: {فلا تأس على القوم الفاسقين} [المائدة: 26] لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين " 08P316
[المائدة: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] 08P316 يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واتل على هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليكم، عليك وعلى أصحابك معك، وعرفهم مكروه عاقبة الظلم والمكر، وسوء مغبة الجور ونقض العهد، وما جزاء الناكث وثواب الوافي، خبر ابني آدم هابيل وقابيل، وما آل إليه أمر المطيع منهما ربه الوافي بعهده، وما إليه صار أمر العاصي منهما ربه الجائر الناقض عهده؛ فلتعرف بذلك اليهود وخامة غب غدرهم، ونقضهم ميثاقهم بينك وبينهم، وهمهم بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك. فإن لك ولهم في حسن ثوابي وعظم جزائي على الوفاء بالعهد الذي جازيت المقتول الوافي بعهده من ابني آدم ، وعاقبت به القاتل الناكث عهده؛ عزاء جميلا " واختلف أهل العلم في سبب تقريب ابني آدم القربان، وسبب قبول الله عز وجل ما تقبل منه، ومن اللذان قربا؟ فقال بعضهم: كان ذلك عن أمر الله جل وعز إياهما بتقريبه. وكان سبب القبول أن المتقبل منه قرب خير ماله وقرب الآخر شر ماله، وكان المقربان ابني آدم لصلبه أحدهما: هابيل، والآخر قابيل " ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، 08P318 عن هشام بن سعيد، عن إسماعيل بن رافع، قال: بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان، كان أحدهما صاحب غنم، وكان أنتج له حمل في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره من حبه، حتى لم يكن له مال أحب إليه منه. فلما أمر بالقربان، قربه لله فقبله الله منه، فما زال يرتع في الجنة حتى فدي به ابن إبراهيم صلى الله عليه وسلم " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن أبي المغيرة ، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن ابني آدم اللذين قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم ، وأنهما أمرا أن يقربا قربانا؛ وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب شر حرثه الكوزن والزوان غير طيبة بها نفسه؛ وإن الله تقبل قربان صاحب الغنم ولم يتقبل قربان صاحب الحرث. وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، وقال: أيم الله، إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه. وقال آخرون: لم يكن ذلك من أمرهما عن أمر الله إياهما به " ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين فيتصدق عليه، وإنما كان القربان يقربه الرجل. فبينا ابنا آدم قاعدان، إذ قالا: لو قربنا قربانا، وكان الرجل إذا قرب قربانا فرضيه الله أرسل إليه نارا فأكلته، وإن لم يكن رضيه الله خبت النار. فقربا قربانا، وكان أحدهما راعيا، وكان الآخر حراثا، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها وقرب الآخر أبغض زرعه، فجاءت النار، فنزلت بينهما، فأكلت الشاة وتركت الزرع. وإن ابن آدم قال لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانا فتقبل منك ورد علي؟ فلا والله، لا تنظر الناس إلي وإليك وأنت خير مني، فقال: لأقتلنك.
فقال له أخوه: ما ذنبي، إنما يتقبل الله من المتقين " حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {إذ قربا قربانا} [المائدة: 27] قال: «ابنا آدم هابيل وقابيل لصلب آدم، فقرب أحدهما شاة وقرب الآخر بقلا، فقبل من صاحب الشاة، فقتله صاحبه» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا} [المائدة: 27] قال: " هابيل وقابيل، فقرب هابيل عناقا من أحسن غنمه، وقرب قابيل زرعا من زرعه. قال: فأكلت النار العناق، ولم تأكل الزرع، ف {قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا رجل، سمع مجاهدا، في قوله: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا} [المائدة: 27] قال: " هو هابيل وقابيل لصلب آدم، قربا قربانا، قرب أحدهما شاة من غنمه وقرب الآخر بقلا، فتقبل من صاحب الشاة، فقال لصاحبه: لأقتلنك، فقتله، فعقل الله إحدى رجليه بساقها إلى فخذها إلى يوم القيامة، وجعل وجهه إلى الشمس حيثما دارت عليه حظيرة من ثلج في الشتاء وعليه في الصيف حظيرة من نار ، ومعه سبعة أملاك كلما ذهب ملك جاء الآخر " حدثنا سفيان، قال: ثنا أبي، عن سفيان، ح، وحدثنا هناد، قال : ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر} [المائدة: 27] قال: " قرب هذا كبشا وقرب هذا صبرة من طعام؛ فتقبل من أحدهما. قال: تقبل من صاحب الشاة ولم يتقبل من الآخر " حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر} [المائدة: 27] كان رجلان من بني آدم، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} [المائدة: 27] قال: " كان أحدهما اسمه قابيل والآخر هابيل؛ أحدهما صاحب غنم، والآخر صاحب زرع، فقرب هذا من أمثل غنمه حملا، وقرب هذا من أردإ زرعه. قال: فنزلت النار، فأكلت الحمل، فقال لأخيه: لأقتلنك " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: " أن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قابيل. فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى قابيل ذلك وكرهه، تكرما عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحن ولادة الجنة وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي، ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها على أخيه وأرادها لنفسه ، فالله أعلم أي ذلك كان. فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحل لك. فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، فقال له أبوه: يا بني فقرب قربانا، ويقرب أخوك هابيل قربانا ، فأيكما قبل الله قربانه فهو أحق بها.
وكان قابيل على بذر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قابيل قمحا وقرب هابيل أبكارا من أبكار غنمه، وبعضهم يقول: قرب بقرة، فأرسل الله نارا بيضاء، فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، فيما ذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام البطن هذا الآخر. حتى ولد له ابنان يقال لهما: " قابيل، وهابيل، وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع. وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل. وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك ، وأنا أحق أن أتزوجها. فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى. وإنهما قربا قربانا إلى الله أيهما أحق بالجارية، وكان آدم يومئذ قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، قال الله لآدم: يا آدم، هل تعلم أن لي بيتا في الأرض؟ قال: اللهم لا. قال: فإن لي بيتا بمكة فأته. فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالإمانة ، فأبت. وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، وقال لقابيل، فقال: نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك. فلما انطلق آدم قربا قربانا، 08P323 وكان قابيل يفخر عليه، فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك ، وأنا وصي والدي. فلما قربا، قرب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها فأكلها. فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي. فقال هابيل {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} [المائدة: 27] ذكر لنا أنهما هابيل وقابيل. فأما هابيل فكان صاحب ماشية، فعمد إلى خير ماشيته، فتقرب بها، فنزلت عليه نار فأكلته. وكان القربان إذا تقبل منهم نزلت عليه نار فأكلته، وإذا رد عليهم أكلته الطير والسباع. وأما قابيل فكان صاحب زرع، فعمد إلى أردإ زرعه ، فتقرب به، فلم تنزل عليه النار، فحسد أخاه عند ذلك فقال: {لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} [المائدة: 27] قال: " هما قابيل وهابيل. قال: كان أحدهما صاحب زرع والآخر صاحب ماشية، فجاء أحدهما بخير ماله وجاء الآخر بشر ماله، فجاءت النار، فأكلت قربان أحدهما وهو هابيل، وتركت قربان الآخر، فحسده فقال: لأقتلنك " حدثنا سفيان، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد 08P324 : {إذ قربا قربانا} [المائدة: 27] قال: «قرب هذا زرعا وذا عناقا، فتركت النار الزرع وأكلت العناق» وقال آخرون: اللذان قربا قربانا وقص الله عز ذكره قصصهما في هذه الآية، رجلان من بني إسرائيل لا من ولد آدم لصلبه ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن، قال: كان الرجلان اللذان في القرآن، اللذان قال الله: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} [المائدة: 27] من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان في بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات " وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، أن اللذين قربا القربان كان ابني آدم لصلبه ، لا من ذريته من بني إسرائيل. وذلك أن الله عز وجل يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة، والمخاطبون بهذه الآية كانوا عالمين أن تقريب القربان لله لم يكن إلا في ولد آدم دون الملائكة والشياطين وسائر الخلق غيرهم.
فإذا كان معلوما ذلك عندهم، فمعقول أنه لو لم يكن معنيا بابني آدم اللذين ذكرهما الله في كتابه ابناه لصلبه، لم يفدهم بذكره جل جلاله إياهما فائدة لم تكن عندهم. وإذا كان غير جائز أن يخاطبهم خطابا لا يفيدهم به معنى، فمعلوم أنه عنى ابني آدم لصلبه، لا ابني بنيه الذين بعد منه نسبهم مع إجماع أهل الأخبار والسير والعلم بالتأويل على أنهما كانا ابني آدم لصلبه وفي عهد آدم وزمانه، وكفى بذلك شاهدا. وقد ذكرنا كثيرا ممن نص عنه القول بذلك، وسنذكر كثيرا ممن لم يذكر إن شاء الله حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا حسام بن مصك ، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، قال: " لما قتل ابن آدم أخاه ، مكث آدم مائة سنة حزينا لا يضحك، ثم أتي فقيل له: حياك الله وبياك. فقال: بياك: أضحكك " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني، قال: قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: لما قتل ابن آدم أخاه، بكى آدم فقال: [+البحر الوافر] تغيرت البلاد ومن عليها فلون الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم وقل بشاشة الوجه المليح فأجيب آدم عليه السلام 08P326 [+البحر الوافر] أبا هابيل قد قتلا جميعا وصار الحي كالميت الذبيح وجاء بشرة قد كان منها على خوف فجاء بها يصيح وأما القول في تقريبهما ما قربا، فإن الصواب فيه من القول أن يقال: إن الله عز ذكره أخبر عباده عنهما أنهما قد قربا، ولم يخبر أن تقريبهما ما قربا كان عن أمر الله إياهما به ولا عن غير أمره. وجائز أن يكون كان عن أمر الله إياهما بذلك، وجائز أن يكون عن غير أمره. غير أنه أي ذلك كان فلم يقربا ذلك إلا طلب قربة إلى الله إن شاء الله. وأما تأويل قوله: {قال لأقتلنك} [المائدة: 27] فإن معناه: قال الذي لم يتقبل منه قربانه للذي تقبل منه قربانه: لأقتلنك. فترك ذكر المتقبل قربانه والمردود عليه قربانه ، استغناء بما قد جرى من ذكرهما عن إعادته، وكذلك ترك ذكر المتقبل قربانه مع قوله: {قال إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] . وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس: حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {قال لأقتلنك} [المائدة: 27] فقال له أخوه: ما ذنبي {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إنما 08P327 يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] قال: " يقول: إنك لو اتقيت الله في قربانك تقبل منك، جئت بقربان مغشوش بأشر ما عندك، وجئت أنا بقربان طيب بخير ما عندي؛ قال: وكان قال: يتقبل الله منك ولا يتقبل مني " ويعني بقوله: {من المتقين} [المائدة: 27] من الذين اتقوا الله وخافوه بأداء ما كلفهم من فرائضه واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته. وقد قال جماعة من أهل التأويل: المتقون في هذا الموضع الذين اتقوا الشرك ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله: {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] الذين يتقون الشرك " وقد بينا معنى القربان فيما مضى، وأنه الفعلان من قول القائل: قرب، كما الفرقان: الفعلان من فرق، والعدوان من عدا. وكانت قرابين الأمم الماضية قبل أمتنا كالصدقات والزكوات فينا، غير أن قرابينهم كان يعلم المتقبل منها وغير المتقبل فيما ذكر بأكل النار ما تقبل منها وترك النار ما لم يتقبل منها. والقربان في أمتنا: الأعمال الصالحة: من الصلاة ، والصيام، والصدقة على أهل المسكنة، وأداء الزكاة المفروضة، ولا سبيل لها إلى العلم في عاجل بالمتقبل منها والمردود. وقد ذكر عن عامر بن عبد الله العنبري، أنه حين حضرته الوفاة بكى، فقيل له: 08P328 ما يبكيك، فقد كنت وكنت؟
فقال: يبكيني أني أسمع الله يقول: {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] حدثني بذلك، محمد بن عمر المقدمي، قال: ثني سعيد بن عامر، عن همام، عمن ذكره، عن عامر وقد قال بعضهم: قربان المتقين: الصلاة حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص بن غياث، عن عمران بن سليم، عن عدي بن ثابت، قال: " كان قربان المتقين: الصلاة " 08P328
[المائدة: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} [المائدة: 28] وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن المقتول من ابني آدم أنه قال لأخيه لما قال له أخوه القاتل لأقتلنك: والله {لئن بسطت إلي يدك} [المائدة: 28] يقول: " مددت إلي يدك {لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك} [المائدة: 28] يقول: " ما أنا بماد يدي إليك {لأقتلك} [المائدة: 28] وقد اختلف في السبب الذي من أجله قال المقتول ذلك لأخيه ولم يمانعه ما فعل به، فقال بعضهم: قال ذلك إعلاما منه لأخيه القاتل أنه لا يستحل قتله ولا بسط يده إليه بما لم يأذن الله به ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: «وايم الله، إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك} [المائدة: 28] لا أنا بمنتصر، ولأمسكن يدي عنك " وقال آخرون: لم يمنعه مما أراد من قتله، وقال ما قال له مما قص الله في كتابه. إلا أن الله عز ذكره فرض عليهم أن لا يمتنع من أريد قتله ممن أراد ذلك منه ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا رجل ، سمع مجاهدا، يقول في قوله: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك} [المائدة: 28] قال مجاهد: كان كتب الله عليهم: إذا أراد الرجل أن يقتل رجلا تركه ولا يمتنع منه " وأولى القولين في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد كان حرم عليهم قتل نفس بغير نفس ظلما، وأن المقتول قال لأخيه: ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إلي يدك؛ لأنه كان حراما عليه من قتل أخيه مثل الذي كان حراما على أخيه القاتل من قتله. فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله، فلا دلالة على أن القاتل حين أراد قتله وعزم عليه كان المقتول عالما بما هو عليه عازم منه ومحاول من قتله، فترك دفعه عن نفسه؛ بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غيلة، اغتاله وهو نائم، فشدخ رأسه بصخرة. فإذا كان ذلك ممكنا، ولم يكن في الآية دلالة على أنه كان مأمورا بترك منع أخيه من قتله، لم يكن جائزا ادعاء ما ليس في الآية إلا ببرهان يجب تسليمه. وأما تأويل قوله: {إني أخاف الله رب العالمين} [المائدة: 28] فإني أخاف الله في بسط يدي إليك إن بسطتها لقتلك. {رب العالمين} [المائدة: 28] يعني: مالك الخلائق كلها أن يعاقبني على بسط يدي إليك 08P330
[المائدة: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين} [المائدة: 29] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: إني أريد أن تبوء بإثمي من قتلك إياي وإثمك في معصيتك الله بغير ذلك من معاصيك ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في حديثه عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس ، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إني أريد أن تبوء 08P331 بإثمي وإثمك} [المائدة: 29] يقول: " إثم قتلي إلى إثمك الذي في عنقك {فتكون من أصحاب النار} [المائدة: 29] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} [المائدة: 29] يقول بقتلك إياي، وإثمك قبل ذلك " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} [المائدة: 29] قال: «بإثم قتلي وإثمك» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} [المائدة: 29] يقول: «إني أريد أن يكون عليك خطيئتك ودمي، تبوء بهما جميعا» حدثني الحرث قال: ثنا عبد العزيز، عن سفيان ، عن منصور، عن مجاهد: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} [المائدة: 29] يقول: " إني أريد أن تبوء بقتلك إياي {وإثمك} [المائدة: 29] قال: «بما كان منك قبل ذلك» حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: ثني عبيد بن سليم، عن الضحاك، قوله: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} [المائدة: 29] قال: " أما إثمك، فهو الإثم الذي عمل قبل قتل النفس، يعني أخاه. وأما إثمه: 08P332 فقتله أخاه " وكأن قائلي هذه المقالة وجهوا تأويل قوله: {إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} [المائدة: 29] أي " إني أريد أن تبوء بإثم قتلي، فحذف القتل واكتفى بذكر الإثم، إذ كان مفهوما معناه عند المخاطبين به وقال آخرون: معنى ذلك: إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها وإثمك في قتلك إياي. وهذا قول وجدته عن مجاهد، وأخشى أن يكون غلطا، لأن الصحيح من الرواية عنه ما قد ذكرنا قبل ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إني أريد أن تبوء، بإثمي وإثمك} [المائدة: 29] يقول: «إني أريد أن تكون عليك خطيئتي ودمي، فتبوء بهما جميعا» والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن تأويله: إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي ، وذلك هو معنى قوله: {إني أريد أن تبوء بإثمي} [المائدة: 29] وأما معنى {وإثمك} [المائدة: 29] فهو إثمه بغير قتله، وذلك معصية الله جل ثناؤه في أعمال سواه. وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع أهل التأويل عليه، لأن الله عز ذكره قد أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه، وإذا كان ذلك حكمه في خلقه فغير 08P333 جائز أن يكون آثام المقتول مأخوذا بها القاتل وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتيله. فإن قال قائل: أو ليس قتل المقتول من بني آدم كان معصية لله من القاتل؟ قيل: بلى، وأعظم بها معصية. فإن قال: فإذا كان لله جل وعز معصية، فكيف جاز أن يريد ذلك منه المقتول ويقول: {إني أريد أن تبوء بإثمي} [المائدة: 29] وقد ذكرت أن تأويل ذلك: إني أريد أن تبوء بإثم قتلي؟ فمعناه: إني أريد أن تبوء بإثم قتلي إن قتلتني لأني لا أقتلك، فإن أنت قتلتني فإني مريد أن تبوء بإثم معصيتك الله في قتلك إياي. وهو إذا قتله، فهو لا محالة باء به في حكم الله، فإرادته ذلك غير موجبة له الدخول في الخطأ.
ويعني بقوله: {فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين} [المائدة: 29] يقول: " فتكون بقتلك إياي من سكان الجحيم، ووقود النار المخلدين فيها {وذلك جزاء الظالمين} [المائدة: 29] يقول: " والنار ثواب التاركين طريق الحق الزائلين عن قصد السبيل، المتعدين ما جعل لهم إلى ما لم يجعل لهم. وهذا يدل على أن الله عز ذكره قد كان أمر ونهى آدم بعد أن أهبطه إلى الأرض، ووعد وأوعد ، ولولا ذلك ما قال المقتول للقاتل: فتكون من أصحاب النار بقتلك إياي، ولا أخبره أن ذلك جزاء الظالمين. فكان مجاهد يقول: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه في الشمس حيثما دارت دار، عليه في الصيف حظيرة 08P334 من نار وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج حدثنا بذلك القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد ذلك. قال: وقال عبد الله بن عمرو: «إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب، عليه شطر عذابهم» وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ما روي عن عبد الله بن عمرو خبر حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، وحدثنا سفيان، قال: ثنا جرير، وأبو معاوية ح وحدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، ووكيع، جميعا عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها، ذلك بأنه أول من سن القتل» حدثنا سفيان، قال : ثنا أبي ح، وحدثنا ابن بشار ، قال: ثنا عبد الرحمن جميعا، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة ، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن إبراهيم النخعي، قال: «ما من مقتول يقتل ظلما، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفل منه» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، أنه حدث عن عبد الله بن عمرو، أنه كان يقول: «إن أشقى الناس رجلا لابن آدم الذي قتل أخاه، ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة إلا لحق به منه شيء، وذلك أنه أول من سن القتل» وبهذا الخبر الذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين أن القول الذي قاله الحسن في ابني آدم اللذين ، ذكرهما الله في هذا الموضع أنهما ليسا بابني آدم لصلبه، ولكنهما رجلان من بني إسرائيل، وأن القول الذي حكي عنه، أن أول من مات آدم، وأن القربان الذي كانت النار تأكله لم يكن إلا في بني إسرائيل خطأ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن هذا القاتل الذي قتل أخاه. أنه أول من سن 08P336 القتل، وقد كان لا شك القتل قبل إسرائيل، فكيف قبل ذريته، وخطأ من القول أن يقال: أول من سن القتل رجل من بني إسرائيل. وإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الصحيح من القول هو قول من قال: هو ابن آدم لصلبه، لأنه أول من سن القتل، فأوجب الله له من العقوبة ما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 08P335
[المائدة: 30] القول في تأويل قوله تعالى: {فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين} [المائدة: 30] يعني جل ثناؤه بقوله {فطوعت} [المائدة: 30] فأقامته وساعدته عليه. وهو فعلت من الطوع، من قول القائل: طاعني هذا الأمر: إذا انقاد له. وقد اختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم: معناه: فشجعت له نفسه قتل أخيه. ذكر من قال ذلك: حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، ومحمد بن حميد، قالا: ثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: {فطوعت له نفسه} [المائدة: 30] قال: «شجعت» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي 08P337 نجيح، عن مجاهد: {فطوعت له نفسه} [المائدة: 30] قال: «فشجعته» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: {فطوعت له نفسه قتل أخيه} [المائدة: 30] قال: " شجعته على قتل أخيه. وقال آخرون: معنى ذلك: زينت له " ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فطوعت له نفسه} [المائدة: 30] قال: «زينت له نفسه قتل أخيه ، فقتله» ثم اختلفوا في صيغة قتله إياه كيف كانت، والسبب الذي من أجله قتله. فقال بعضهم: وجده نائما فشدخ رأسه بصخرة ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، فيما ذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس ، وعن مرة، عن عبد الله، وعن ناس، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فطوعت له نفسه قتل أخيه} [المائدة: 30] فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رءوس الجبال. وأتاه يوما من الأيام وهو يرعى غنما له في جبل وهو نائم ، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه، فمات، فتركه بالعراء " وقال بعضهم ما: حدثني محمد بن عمر بن علي، قال: سمعت أشعث السجستاني ، يقول: سمعت ابن جريج، قال: ابن آدم الذي قتل صاحبه لم يدر كيف يقتله ، فتمثل إبليس له في هيئة طير، فأخذ طيرا فقصع رأسه، ثم وضعه بين حجرين فشدخ رأسه، فعلمه القتل " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قتله حيث يرعى الغنم، فأتى فجعل لا يدري كيف يقتله، فلوى برقبته وأخذ برأسه، فنزل إبليس، وأخذ دابة أو طيرا، فوضع رأسه على حجر، ثم أخذ حجرا آخر فرضخ به رأسه، وابن آدم القاتل ينظر، فأخذ أخاه، فوضع رأسه على حجر وأخذ حجرا آخر فرضخ به رأسه " حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا رجل، سمع مجاهدا، يقول، فذكر نحوه حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما أكلت النار قربان ابن آدم الذي تقبل قربانه ، قال الآخر لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانا فتقبل منك ورد علي؟ والله لا تنظر الناس إلي وإليك وأنت خير مني. فقال: لأقتلنك. فقال له أخوه: ما ذنبي {إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27] فخوفه بالنار ، فلم ينته ولم ينزجر، فطوعت له نفسه 08P339 قتل أخيه، فقتله فأصبح من الخاسرين " حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير أرمي الجمرة وهو متقنع متوكئ على يدي، حتى إذا وازينا بمنزل سمرة الصراف، وقف يحدثني عن ابن عباس، قال: " نهى أن ينكح المرأة أخوها توأمها وينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد في كل بطن رجل وامرأة، فولدت امرأة وسيمة، وولدت امرأة دميمة قبيحة، فقال أخو الدميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي. قال: لا ، أنا أحق بأختي. فقربا قربانا فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله.
فلم يزل ذلك الكبش محبوسا عند الله حتى أخرجه في فداء إسحاق ، فذبحه على هذا الصفا في ثبير عند منزل سمرة الصراف، وهو على يمينك حين ترمي الجمار. قال ابن جريج: وقال آخرون بمثل هذه القصة. قال: فلم يزل بنو آدم على ذلك حتى مضى أربعة آباء، فنكح ابنة عمه، وذهب نكاح الأخوات وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد أخبر عن القاتل أنه قتل أخاه، ولا خبر عندنا يقطع العذر بصفته قتله إياه. وجائز أن يكون على نحو ما قد ذكر السدي في خبره، وجائز أن يكون كان على ما ذكره مجاهد، والله أعلم أي ذلك كان، غير أن القتل قد كان لا شك فيه. وأما قوله: {فأصبح من الخاسرين} [المائدة: 30] فإن تأويله: فأصبح القاتل أخاه من ابني آدم من حزب الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتهم بدنياهم بإيثارهم إياها عليها فوكسوا في بيعهم وغبنوا فيه، وخابوا في صفقتهم 08P340
[المائدة: 31] القول في تأويل قوله تعالى: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين} [المائدة: 30] قال أبو جعفر: وهذا أيضا أحد الأدلة على أن القول في أمر ابني آدم بخلاف ما رواه عمرو عن الحسن؛ لأن الرجلين اللذين وصف الله صفتهما في هذه الآية لو كانا من بني إسرائيل لم يجهل القاتل دفن أخيه ومواراة سوأة أخيه، ولكنهما كانا من ولد آدم لصلبه. ولم يكن القاتل منهما أخاه علم سنة الله في عادة الموتى، ولم يدر ما يصنع بأخيه المقتول، فذكر أنه كان يحمله على عاتقه حينا حتى أراحت جيفته، فأحب الله تعريفه السنة في موتى خلقه، فقيض له الغرابين اللذين وصف صفتهما في كتابه - ذكر الأخبار عن أهل التأويل بالذي كان من فعل القاتل من ابني آدم بأخيه المقتول بعد قتله إياه: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا يحيى بن أبي روق الهمداني، عن أبيه، عن 08P341 الضحاك، عن ابن عباس، قال: مكث يحمل أخاه في جراب على رقبته سنة، حتى بعث الله جل وعز الغرابين، فرآهما يبحثان، فقال: أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب؟ فدفن أخاه " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه} بعث الله جل وعز غرابا حيا إلى غراب ميت، فجعل الغراب الحي يواري سوأة الغراب الميت، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب} [المائدة: 31] الآية " حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، فيما ذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن عبد الله، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لما مات الغلام تركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين، فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له، ثم حثا عليه، فلما رآه قال: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي} فهو قول الله: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه} حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يبحث} [المائدة: 31] قال: «بعث الله غرابا حتى حفر لآخر إلى جنبه ميت وابن آدم القاتل ينظر إليه، ثم بحث عليه حتى غيبه» حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: {غرابا يبحث في الأرض} [المائدة: 31] حتى حفر لآخر ميت إلى جنبه ، فغيبه، وابن آدم القاتل ينظر إليه حيث يبحث عليه، حتى غيبه فقال: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب} [المائدة: 31] الآية " حدثني الحرث قال: ثنا عبد العزيز قالا: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد قوله: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض} [المائدة: 31] قال: " بعث الله غرابا إلى غراب، فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فجعل يحثي عليه التراب ، فقال: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين} حدثني المثنى، قال: ثني عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي ، عن ابن عباس: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض} [المائدة: 31] قال: " جاء غراب إلى غراب ميت، فحثى عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب} [المائدة: 31] الآية " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، قال: «لما قتله ندم ، فضمه إليه حتى أروح، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله» حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه} [المائدة: 31] أنه بعثه الله عز ذكره يبحث في الأرض ذكر لنا أنهما غرابان اقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، وذلك، يعني ابن آدم، ينظر، وجعل الحي يحثي على الميت التراب، فعند ذلك قال ما قال: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب} [المائدة: 31] الآية، إلى قوله: {من النادمين} [المائدة: 31] حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: أما قوله: {فبعث الله غرابا} [المائدة: 31] قال: " قتل غراب غرابا.
فجعل يحثو عليه، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه حين رآه: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين} حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد في قوله: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه} قال: " وارى الغراب الغراب. قال: كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض حتى رأى الغراب يدفن الغراب، فقال: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين} حدثني المثنى، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا خالد، عن حصين، عن أبي مالك، في قول الله: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب} [المائدة: 31] قال: " بعث الله غرابا، فجعل يبحث على غراب ميت التراب، قال: فقال عند ذلك 08P344 {أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين} حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض} [المائدة: 31] بعث الله غرابا حيا إلى غراب ميت، فجعل الغراب الحي يواري سوأة الغراب الميت، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب } [المائدة: 31] الآية " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، فيما يذكر عن بعض، أهل العلم بالكتاب الأول، قال: لما قتله سقط في يديه، ولم يدر كيف يواريه ، وذلك أنه كان فيما يزعمون أول قتيل من بني آدم، وأول ميت قال {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي} الآية إلى قوله: {ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون} [المائدة: 32] قال: " ويزعم أهل التوراة أن قابيل حين قتل أخاه هابيل، قال له جل ثناؤه: يا قابيل أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رقيبا. فقال الله جل وعز له: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض، الآن أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها فبلعت دم أخيك من يدك، فإذا أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعا تائها في الأرض. قال قابيل: عظمت خطيئتي عن أن تغفرها، قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض، وأتوارى من قدامك، وأكون فزعا تائها في الأرض، وكل من لقيني قتلني. فقال جل وعز: ليس ذلك كذلك، ولا يكون كل قاتل قتيلا يجزى واحدا ، ولكن يجزى سبعة، وجعل الله في قابيل آية، لئلا يقتله كل من وجده. وخرج قابيل من قدام الله عز وجل، من شرقي عدن الجنة " حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا الأعمش، عن خيثمة ، قال: «لما قتل ابن آدم أخاه نشفت الأرض دمه، فلعنت، فلم تنشف الأرض دما بعد» فتأويل الكلام: فأثار الله للقاتل إذ لم يدر ما يصنع بأخيه المقتول غرابا يبحث في الأرض، يقول: يحفر في الأرض، فيثير ترابها ليريه كيف يواري سوءة أخيه، يقول: ليريه كيف يواري جيفة أخيه. وقد يحتمل أن يكون عنى بالسوءة الفرج، غير أن الأغلب من معناه ما ذكرت من الجيفة، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل. وفي ذلك محذوف ترك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه ، وهو: فأراه بأن بحث في الأرض لغراب آخر ميت، فواراه فيها، فقال القاتل أخاه حينئذ: {يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب} [المائدة: 31] الذي وارى الغراب الآخر الميت {فأواري سوأة أخي} فواراه حينئذ {فأصبح من النادمين} [المائدة: 31] على ما فرط منه من معصية الله عز ذكره في قتله أخاه.
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cómo se realizan las cinco oraciones diarias (salat)?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?