Taberî — Câmiü'l-Beyân
فأما ما ذكر عن مجاهد في ذلك، فقول لا معنى له، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر عنه أكثر ما كان استغفارا لذنوبه بعد نزول قول الله عز وجل عليه {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] وذلك أن هذه السورة أنزلت عليه بعد منصرفه من الحديبية، وأنزل عليه {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] عام قبض. وقيل له فيها {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} [النصر: 3] فكان يعد له صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد استغفار مائة 15P042 مرة ومعلوم أن الله لم يأمره أن يستغفر إلا لما يغفر له باستغفاره ذلك، فبين إذن وجه فساد ما قاله مجاهد حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر، عن أبي أمامة، قال: إنما كانت النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {نافلة لك} [الإسراء: 79] قال: تطوعا وفضيلة لك وقوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] وعسى من الله واجبة، وإنما وجه قول أهل العلم: عسى من الله واجبة، لعلم المؤمنين أن الله لا يدع أن يفعل بعباده ما أطمعهم فيه من الجزاء على أعمالهم والعوض على طاعتهم إياه ليس من صفته الغرور، ولا شك أنه قد أطمع من قال ذلك له في نفعه، إذا هو تعاهده ولزمه، فإن لزم المقول له ذلك وتعاهده ثم لم ينفعه، ولا سبب يحول بينه وبين نفعه إياه مع الإطماع الذي تقدم منه لصاحبه على تعاهده إياه ولزومه، فإنه لصاحبه غار بما كان من إخلافه إياه فيما كان أطمعه فيه بقوله الذي قال له. وإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز أن يكون جل ثناؤه من صفته الغرور لعباده صح ووجب أن كل ما أطمعهم فيه من طمع على طاعته، أو على فعل من الأفعال، أو أمر أو نهي أمرهم به، أو نهاهم عنه، فإنه موف لهم به، وإنهم منه كالعدة التي لا يخلف الوفاء بها، قالوا: عسى ولعل من الله واجبة. وتأويل الكلام: أقم الصلاة المفروضة يا محمد في هذه الأوقات التي أمرتك بإقامتها فيها، ومن الليل فتهجد فرضا فرضته عليك، لعل ربك يبعثك يوم القيامة مقاما تقوم فيه محمودا تحمده، وتغبط فيه.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى ذلك المقام المحمود، فقال أكثر أهل العلم: ذلك هو المقام الذي هو يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: يجمع الناس في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، قياما لا تكلم نفس إلا بإذنه، ينادى: يا محمد، فيقول: " لبيك وسعديك والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، عبدك بين يديك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب هذا البيت، فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله تعالى حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: يجمع الناس في صعيد واحد، فلا تكلم نفس، فأول ما يدعو محمد النبي صلى الله عليه وسلم، فيقوم محمد النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: «لبيك» ، ثم ذكر مثله حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن رشدين بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {عسى أن يبعثك، ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] قال: المقام المحمود: مقام الشفاعة حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله، في قصة ذكرها، قال: ثم يؤمر بالصراط فيضرب على جسر جهنم، فيمر الناس بقدر أعمالهم، يمر أولهم كالبرق، وكمر الريح، وكمر الطير، وكأسرع البهائم، ثم كذلك حتى يمر الرجل سعيا، ثم مشيا، حتى يجيء آخرهم يتلبط على بطنه، فيقول: رب لما أبطأت بي؟ فيقول: إني لم أبطئ بك، إنما أبطأ بك عملك، قال: ثم يأذن الله في الشفاعة، فيكون أول شافع يوم القيامة جبرئيل عليه السلام، روح القدس، ثم إبراهيم خليل الرحمن، ثم 15P045 موسى، أو عيسى، قال أبو الزعراء: لا أدري أيهما قال، قال: ثم يقوم نبيكم صلى الله عليه وسلم رابعا، فلا يشفع أحد بعده فيما يشفع فيه، وهو المقام المحمود الذي ذكر الله {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، في قول الله تعالى {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] قال: المقام المحمود: مقام الشفاعة يوم القيامة حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى: {مقاما محمودا} [الإسراء: 79] قال: شفاعة محمد يوم القيامة حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سليمان، قال: هو الشفاعة، يشفعه الله في أمته، فهو المقام المحمود حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {عسى أن 15P046 يبعثك، ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] وقد ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خير بين أن يكون نبيا عبدا، أو ملكا نبيا، فأومأ إليه جبرئيل عليه السلام: أن تواضع، فاختار نبي الله أن يكون عبدا نبيا، فأعطي به نبي الله ثنتين: أنه أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود الذي قال الله تبارك وتعالى {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] شفاعة يوم القيامة حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {مقاما محمودا} [الإسراء: 79] قال: هي الشفاعة، يشفعه الله في أمته حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر والثوري، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، قال: سمعت حذيفة يقول في قوله : {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] قال: يجمع الله الناس في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي، فينفذهم البصر حفاة عراة، كما خلقوا سكوتا لا تكلم نفس إلا بإذنه، قال: فينادى محمد، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، ولك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت، قال: فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، قال حذيفة: يجمع الله الناس في صعيد واحد، 15P047 حيث ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفاة عراة كما خلقوا أول مرة، ثم يقوم النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: «لبيك وسعديك» ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: هو المقام المحمود وقال آخرون: بل ذلك المقام المحمود الذي وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبعثه إياه، هو أن يقاعده معه على عرشه ذكر من قال ذلك: حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي، قال: ثنا ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] قال: يجلسه معه على عرشه وأولى القولين في ذلك بالصواب ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذلك ما: حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن داود بن يزيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] سئل عنها، قال: «هي الشفاعة» حدثنا علي بن حرب، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا داود بن يزيد 15P048 الأودي، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] قال: «هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي» حدثنا أبو عتبة الحمصي أحمد بن الفرج، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن الزبيدي، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحشر الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تل، فيكسوني ربي حلة خضراء، ثم يؤذن لي، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود» حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثني الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أنه قال: سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر، يقول: سمعت عبد الله بن عمر، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم عليه السلام، فيقول: لست صاحب ذلك، ثم بموسى عليه السلام، فيقول كذلك، ثم بمحمد فيشفع بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا " حدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا سعيد بن زيد، عن علي بن الحكم، قال: ثني عثمان، عن إبراهيم، عن الأسود، وعلقمة، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأقوم المقام المحمود» فقال رجل: يا رسول الله، وما ذلك المقام المحمود؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك إذا جيء بكم حفاة عراة غرلا فيكون أول من يكسى إبراهيم عليه السلام، فيؤتى بريطتين بيضاوين، فيلبسهما، ثم يقعد مستقبل العرش، ثم أوتى بكسوتي فألبسها، فأقوم عن يمينه مقاما لا يقومه غيري يغبطني فيه الأولون والآخرون، ثم يفتح نهر من الكوثر إلى الحوض» حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه» ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فأكون أول من يدعى وجبرئيل عن يمين الرحمن، والله ما رآه قبلها، فأقول: أي رب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي، فيقول الله عز وجل: صدق، ثم أشفع، قال: فهو المقام المحمود " حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة» فذكر 15P050 نحوه، وزاد فيه: " ثم أشفع فأقول: يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض، وهو المقام المحمود " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن آدم بن علي، قال: سمعت ابن عمر، يقول: إن الناس يحشرون يوم القيامة، فيجيء مع كل نبي أمته، ثم يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الأمم هو وأمته، فيرقى هو وأمته على كوم فوق الناس، فيقول: يا فلان اشفع، ويا فلان اشفع، ويا فلان اشفع، فما زال يردها بعضهم على بعض يرجع ذلك إليه، وهو المقام المحمود الذي وعده الله إياه حدثنا محمد بن عوف، قال: ثنا حيوة وربيع، قالا: ثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، فيكسوني ربي عز وجل حلة خضراء، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود» وهذا وإن كان هو الصحيح من القول في تأويل قوله {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] لما ذكرنا من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين، فإن ما قاله مجاهد من أن الله يقعد محمدا صلى الله عليه وسلم على عرشه، قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك.
فأما من جهة النظر، فإن جميع من ينتحل الإسلام إنما اختلفوا في معنى ذلك على أوجه ثلاثة: فقالت فرقة منهم: الله عز وجل بائن من خلقه كان قبل خلقه الأشياء، ثم خلق الأشياء فلم يماسها، وهو كما لم يزل غير أن الأشياء التي خلقها إذ لم يكن هو لها مماسا وجب أن يكون لها مباينا، إذ لا فعال للأشياء إلا وهو مماس للأجسام أو مباين لها. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله عز وجل فاعل الأشياء، ولم يجز في قولهم أنه يوصف بأنه مماس للأشياء، وجب بزعمهم أنه لها مباين، فعلى مذهب هؤلاء سواء أقعد محمدا صلى الله عليه وسلم على عرشه أو على الأرض إذ 15P052 كان من قولهم إن بينونته من عرشه، وبينونته من أرضه بمعنى واحد في أنه بائن منهما كليهما، غير مماس لواحد منهما. وقالت فرقة أخرى: كان الله تعالى ذكره قبل خلقه الأشياء، لا شيء يماسه، ولا شيء يباينه، ثم خلق الأشياء فأقامها بقدرته، وهو كما لم يزل قبل الأشياء خلقه لا شيء يماسه ولا شيء يباينه، فعلى قول هؤلاء أيضا سواء أقعد محمدا صلى الله عليه وسلم على عرشه، أو على أرضه، إذ كان سواء على قولهم عرشه وأرضه في أنه لا مماس ولا مباين لهذا، كما أنه لا مماس ولا مباين لهذه. وقالت فرقة أخرى: كان الله عز ذكره قبل خلقه الأشياء لا شيء يماسه، ولا شيء يباينه، ثم أحدث الأشياء وخلقها، فخلق لنفسه عرشا استوى عليه جالسا، وصار له مماسا، كما أنه قد كان قبل خلقه الأشياء لا شيء يرزقه رزقا، ولا شيء يحرمه ذلك، ثم خلق الأشياء فرزق هذا وحرم هذا، وأعطى هذا، ومنع هذا، قالوا: فكذلك كان قبل خلقه الأشياء يماسه ولا يباينه، وخلق الأشياء فماس العرش بجلوسه عليه دون سائر خلقه، فهو مماس ما شاء من خلقه، ومباين ما شاء منه، فعلى مذهب هؤلاء أيضا سواء أقعد محمدا على عرشه، أو أقعده على منبر من نور، إذ كان من قولهم: إن جلوس الرب على عرشه، ليس بجلوس يشغل جميع العرش، ولا في إقعاد محمد صلى الله عليه وسلم موجبا له صفة الربوبية، ولا مخرجه من 15P053 صفة العبودية لربه، كما أن مباينة محمد صلى الله عليه وسلم ما كان مباينا له من الأشياء غير موجبة له صفة الربوبية، ولا مخرجته من صفة العبودية لربه من أجل أنه موصوف بأنه له مباين، كما أن الله عز وجل موصوف على قول قائل هذه المقالة بأنه مباين لها، هو مباين له. قالوا: فإذا كان معنى مباين ومباين لا يوجب لمحمد صلى الله عليه وسلم الخروج من صفة العبودة والدخول في معنى الربوبية، فكذلك لا يوجب له ذلك قعوده على عرش الرحمن، فقد تبين إذا بما قلنا أنه غير محال في قول أحد ممن ينتحل الإسلام ما قاله مجاهد من أن الله تبارك وتعالى يقعد محمدا على عرشه. فإن قال قائل: فإنا لا ننكر إقعاد الله محمدا على عرشه، وإنما ننكر إقعاده إياه معه حدثني عباس بن عبد العظيم، قال: ثنا يحيى بن كثير، عن الجريري، عن سيف السدوسي، عن عبد الله بن سلام، قال: إن محمدا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة على كرسي الرب بين يدي الرب تبارك وتعالى، وإنما ينكر إقعاده إياه معه. قيل: أفجائز عندك أن يقعده عليه لا معه، فإن أجاز ذلك صار إلى الإقرار بأنه إما معه أو إلى أنه يقعده، والله للعرش مباين، أو لا مماس ولا مباين، وبأي ذلك قال 15P054 كان منه دخولا في بعض ما كان ينكره، وإن قال: ذلك غير جائز كان منه خروجا من قول جميع الفرق التي حكينا قولهم، وذلك فراق لقول جميع من ينتحل الإسلام، إذ كان لا قول في ذلك إلا الأقوال الثلاثة التي حكيناها، وغير محال في قول منها ما قال مجاهد في ذلك 15P053
[الإسراء: 80] القول في تأويل قوله تعالى: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} [الإسراء: 80] يقول تعالى ذكره لنبيه: وقل يا محمد يا رب أدخلني مدخل صدق. واختلف أهل التأويل في معنى مدخل الصدق الذي أمره الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرغب إليه في أن يدخله إياه، وفي مخرج الصدق الذي أمره أن يرغب إليه في أن يخرجه إياه، فقال بعضهم: عنى بمدخل الصدق: مدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، حين هاجر إليها، ومخرج الصدق: مخرجه من مكة، حين خرج منها مهاجرا إلى المدينة ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله تبارك وتعالى اسمه {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} [الإسراء: 80] حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن الحسن، في قول الله: {أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} [الإسراء: 80] قال: كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه، أو يطردوه، أو يوثقوه، وأراد الله قتال أهل مكة، فأمره أن يخرج إلى المدينة، فهو الذي قال الله {أدخلني مدخل صدق} [الإسراء: 80] حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، {مدخل صدق} [الإسراء: 80] قال: المدينة {ومخرج صدق} قال: مكة حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} [الإسراء: 80] أخرجه الله من مكة إلى الهجرة بالمدينة حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} [الإسراء: 80] قال: المدينة حين هاجر إليها، ومخرج صدق: مكة حين خرج منها مخرج صدق، قال ذلك حين خرج مهاجرا وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقل رب أمتني إماتة صدق، وأخرجني بعد الممات من قبري يوم القيامة مخرج صدق ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {وقل رب أدخلني مدخل صدق} [الإسراء: 80] . .
الآية، قال: يعني بالإدخال: الموت، والإخراج : الحياة بعد الممات وقال آخرون: بل عنى بذلك: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني من النبوة مدخل صدق، وأخرجني منه مخرج صدق ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {أدخلني مدخل صدق} [الإسراء: 80] قال: فيما أرسلتني به من أمرك {وأخرجني مخرج صدق} [الإسراء: 80] قال: كذلك أيضا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه وقال آخرون: بل معنى ذلك: أدخلني مدخل صدق: الجنة، وأخرجني مخرج صدق: من مكة إلى المدينة ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن: {أدخلني مدخل صدق} [الإسراء: 80] الجنة، و {مخرج صدق} [الإسراء: 80] من مكة إلى المدينة وقال آخرون: بل معنى ذلك: أدخلني في الإسلام مدخل صدق ذكر من قال ذلك: حدثنا سهل بن موسى الرازي، قال: ثنا ابن نمير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: {رب أدخلني مدخل صدق} [الإسراء: 80] قال: أدخلني في الإسلام مدخل صدق وأخرجني منه مخرج صدق وقال آخرون: بل معنى ذلك: أدخلني مكة آمنا، وأخرجني منها آمنا ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك، قال في قوله: {رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} [الإسراء: 80] يعني مكة، دخل فيها آمنا، وخرج منها آمنا وأشبه هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال: معنى ذلك: وأدخلني المدينة مدخل صدق، وأخرجني من مكة مخرج صدق. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لأن ذلك عقيب قوله: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا} [الإسراء: 76] وقد دللنا فيما مضى على أنه عنى بذلك أهل مكة، فإذ كان ذلك عقيب خبر الله عما كان المشركون أرادوا من استفزازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليخرجوه عن مكة، كان بينا، إذ كان الله قد أخرجه منها، أن قوله: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} [الإسراء: 80] أمر منه له بالرغبة إليه في أن يخرجه من البلدة التي هم المشركون بإخراجه منها مخرج صدق، وأن يدخله البلدة التي نقله الله إليها مدخل صدق وقوله: {واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} [الإسراء: 80] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: واجعل لي ملكا ناصرا ينصرني على من ناوأني، وعزا أقيم به دينك، وأدفع به عنه من أراده بسوء ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عوف، عن الحسن، في قول الله عز وجل: {واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} [الإسراء: 80] يوعده لينزعن ملك فارس، وعز فارس، وليجعلنه له.
وعز الروم، وملك الروم، وليجعلنه له حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} [الإسراء: 80] وإن نبي الله علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرا لكتاب الله عز وجل، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، وإن السلطان رحمة من الله جعلها بين أظهر عباده، لولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم وقال آخرون: بل عنى بذلك حجة بينة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل {سلطانا نصيرا} [الإسراء: 80] قال: حجة بينة حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك أمر من الله تعالى نبيه بالرغبة إليه في أن يؤتيه سلطانا نصيرا له على من بغاه وكاده، وحاول منعه من إقامته فرائض الله في نفسه وعباده. وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك عقيب خبر الله عما كان المشركون هموا به من إخراجه من مكة، فأعلمه الله عز وجل أنهم لو فعلوا ذلك عوجلوا بالعذاب عن قريب، ثم أمره بالرغبة إليه في إخراجه من بين أظهرهم إخراج صدق يحاوله عليهم، ويدخله بلدة غيرها، بمدخل صدق يحاوله عليهم ولأهلها في دخولها إليها، وأن يجعل له سلطانا نصيرا على أهل البلدة التي أخرجه أهلها منها، وعلى كل من كان لهم شبيها، وإذا أوتي ذلك، فقد أوتي لا شك حجة بينة وأما قوله: {نصيرا} [النساء: 45] فإن ابن زيد كان يقول فيه، نحو قولنا الذي قلنا فيه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} [الإسراء: 80] قال: ينصرني وقد قال الله لموسى {سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا} [القصص: 35] هذا مقدم ومؤخر، إنما هو سلطان بآياتنا فلا يصلون إليكما 15P060
[الإسراء: 81_82] القول في تأويل قوله تعالى: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 81_82] يقول تعالى ذكره: وقل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين كادوا أن يستفزونك من الأرض ليخرجوك منها: {جاء الحق وزهق الباطل} [الإسراء: 81] واختلف أهل التأويل في معنى الحق الذي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعلم المشركين أنه قد جاء، والباطل الذي أمره أن يعلمهم أنه قد زهق، فقال بعضهم: الحق: هو القرآن في هذا الموضع، والباطل: هو الشيطان ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وقل جاء الحق} [الإسراء: 81] قال: الحق: القرآن {وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} [الإسراء: 81] حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {وقل جاء الحق} [الإسراء: 81] قال: القرآن: {وزهق الباطل} [الإسراء: 81] قال: هلك الباطل وهو الشيطان وقال آخرون: بل عنى بالحق جهاد المشركين وبالباطل الشرك ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وقل جاء الحق} [الإسراء: 81] قال: دنا القتال {وزهق الباطل} [الإسراء: 81] قال: الشرك وما هم فيه حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} [الإسراء: 81] 15P062 وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر المشركين أن الحق قد جاء، وهو كل ما كان لله فيه رضا وطاعة، وأن الباطل قد زهق: يقول: وذهب كل ما كان لا رضا لله فيه ولا طاعة مما هو له معصية وللشيطان طاعة، وذلك أن الحق هو كل ما خالف طاعة إبليس، وأن الباطل: هو كل ما وافق طاعته، ولم يخصص الله عز ذكره بالخبر عن بعض طاعاته، ولا ذهاب بعض معاصيه، بل عم الخبر عن مجيء جميع الحق، وذهاب جميع الباطل، وبذلك جاء القرآن والتنزيل، وعلى ذلك قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الشرك بالله، أعني على إقامة جميع الحق، وإبطال جميع الباطل وأما قوله عز وجل: {وزهق الباطل} [الإسراء: 81] فإن معناه: ذهب الباطل، من قولهم: زهقت نفسه: إذا خرجت وأزهقتها أنا، ومن قولهم: أزهق السهم: إذا جاوز الغرض فاستمر على جهته، يقال منه: زهق الباطل، يزهق زهوقا، وأزهقه الله: أي أذهبه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، {إن الباطل كان زهوقا} [الإسراء: 81] يقول: ذاهبا وقوله عز وجل: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [الإسراء: 82] يقول تعالى ذكره: وننزل عليك يا محمد من القرآن ما هو شفاء يستشفى به من الجهل من الضلالة، ويبصر به من العمى للمؤمنين ورحمة لهم دون الكافرين به، لأن المؤمنين يعملون بما فيه من فرائض الله، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه فيدخلهم بذلك الجنة، وينجيهم من عذابه، فهو لهم رحمة ونعمة من الله، أنعم بها عليهم {ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] يقول: ولا يزيد هذا الذي ننزل عليك من القرآن الكافرين به إلا خسارا: يقول: إهلاكا، لأنهم كلما نزل فيه أمر من الله بشيء أو نهي عن شيء كفروا به، فلم يأتمروا لأمره، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه، فزادهم ذلك خسارا إلى ما كانوا فيه قبل ذلك من الخسار، ورجسا إلى رجسهم قبل، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [الإسراء: 82] إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه {ولا يزيد الظالمين} [الإسراء: 82] به {إلا خسارا} [الإسراء: 82] أنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، وإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين 15P063
[الإسراء: 83] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا} [الإسراء: 83] يقول تبارك وتعالى: وإذا أنعمنا على الإنسان، فنجيناه من رب ما هو فيه في البحر، وهو ما قد أشرف فيه عليه من الهلاك بعصوف الريح عليه إلى البر، 15P064 وغير ذلك من نعمنا، أعرض عن ذكرنا، وقد كان بنا مستغيثا دون كل أحد سوانا في حال الشدة التي كان فيها {ونأى بجانبه} [الإسراء: 83] يقول: وبعد منا بجانبه، يعني بنفسه، كأن لم يدعنا إلى ضر مسه قبل ذلك، كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن مجاهد، في قوله: {ونأى بجانبه} [الإسراء: 83] قال: تباعد منا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج عن مجاهد، مثله والقراءة على تصيير الهمزة في نأى قبل الألف، وهي اللغة الفصيحة، وبها نقرأ. وكان بعض أهل المدينة يقرأ ذلك (وناء) فيصير الهمزة بعد الألف، وذلك وإن كان لغة جائزة قد جاءت عن العرب بتقديمهم في نظائر ذلك الهمز في موضع هو فيه مؤخر، وتأخيرهموه في موضع هو مقدم، كما قال الشاعر: [+البحر الخفيف] أعلام يقلل راء رؤيا فهو يهذي بما رأى في المنام 15P065 وكما قال آبار وهي أبآر، فقدموا الهمزة، فليس ذلك هو اللغة الجودى، بل الأخرى هي الفصيحة وقوله عز وجل: {وإذا مسه الشر كان يئوسا} يقول: وإذا مسه الشر والشدة كان قنوطا من الفرج والروح. وبنحو الذي قلنا في اليئوس، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا علي بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وإذا مسه الشر كان يئوسا} يقول: قنوطا حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وإذا مسه الشر كان يئوسا} يقول: إذا مسه الشر أيس وقنط 15P065 [الإسراء: 84] القول في تأويل قوله تعالى: {قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا} [الإسراء: 84] يقول عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للناس: كلكم يعمل على شاكلته: على ناحيته وطريقته {فربكم أعلم بمن هو} [الإسراء: 84] منكم {أهدى سبيلا} [الإسراء: 84] يقول: ربكم أعلم بمن هو منكم أهدى طريقا إلى الحق من غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {كل يعمل على شاكلته} [الإسراء: 84] يقول: على ناحيته حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {على شاكلته} [الإسراء: 84] قال: على ناحيته حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد {قل كل يعمل على شاكلته} [الإسراء: 84] قال: على طبيعته على حدته حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {قل كل يعمل على شاكلته} [الإسراء: 84] يقول: على ناحيته وعلى ما ينوي وقال آخرون: الشاكلة: الدين ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {كل يعمل على شاكلته} [الإسراء: 84] قال: على دينه، الشاكلة: الدين 15P066
[الإسراء: 85] القول في تأويل قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما 15P067 أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ويسألك الكفار بالله من أهل الكتاب عن الروح ما هي؟ قل لهم: الروح من أمر ربي، وما أوتيتم أنتم وجميع الناس من العلم إلا قليلا. وذكر أن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فنزلت هذه الآية بمسألتهم إياه عنها، كانوا قوما من اليهود ذكر الرواية بذلك: حدثنا أبو هشام، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث بالمدينة، ومعه عسيب يتوكأ عليه، فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم: اسألوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، فقام متوكئا على عسيبه، فقمت خلفه، فظننت أنه يوحى إليه، فقال: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] فقال بعضهم لبعض: ألم نقل لكم لا تسألوه حدثنا يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: بينا أنا أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرة بالمدينة، إذ مررنا على يهود، فقال بعضهم: سلوه عن الروح، فقالوا: ما رابكم إلى أن تسمعوا ما تكرهون، فقاموا إليه، فسألوه، فقام فعرفت أنه يوحى إليه، فقمت مكاني، ثم قرأ: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] فقالوا: ألم ننهكم أن تسألوه حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فأنزل الله تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] فقالوا: أتزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا، وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} [البقرة: 269] قال: فنزلت: {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} قال: ما أوتيتم من علم، فنجاكم الله به من النار، فهو كثير طيب، وهو في علم الله قليل حدثني إسماعيل بن أبي المتوكل، قال: ثنا الأشجعي أبو عاصم الحمصي، قال: ثنا 15P069 إسحاق بن عيسى أبو يعقوب، قال: ثنا القاسم بن معن، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: إني لمع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث بالمدينة، إذ أتاه يهودي، قال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} [الإسراء: 85] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويسألونك عن الروح} [الإسراء: 85] لقيت اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم، فتغشوه وسألوه وقالوا: إن كان نبيا علم فسيعلم ذلك، فسألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، فأنزل الله في كتابه ذلك كله {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] يعني اليهود حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {ويسألونك عن الروح،} [الإسراء: 85] قال: يهود تسأل عنه حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، {ويسألونك عن الروح،} [الإسراء: 85] قال: يهود تسأله حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ويسألونك عن الروح،} [الإسراء: 85] . .
الآية: وذلك أن اليهود 15P070 قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرنا ما الروح، وكيف تعذب الروح التي في الجسد، وإنما الروح من الله عز وجل، ولم يكن نزل عليه فيه شيء، فلم يحر إليهم شيئا، فأتاه جبرئيل عليه السلام، فقال له: {قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قالوا له: من جاءك بهذا؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «جاءني به جبريل من عند الله» ، فقالوا: والله ما قاله لك إلا عدو لنا، فأنزل الله تبارك اسمه: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك} [البقرة: 97] الآية حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فمررنا بأناس من اليهود، فقالوا: يا أبا القاسم ما الروح؟ فأسكت، فرأيت أنه يوحى إليه، قال: فتنحيت عنه إلى سباطة، فنزلت عليه: {ويسألونك عن الروح} [الإسراء: 85] . . الآية، فقالت اليهود: هكذا نجده عندنا واختلف أهل التأويل في الروح الذي ذكر في هذا الموضع ما هي؟ فقال بعضهم: هي جبرئيل عليه السلام ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، { 15P071 ويسألونك عن الروح،} [الإسراء: 85] قال: هو جبرائيل، قال قتادة: وكان ابن عباس يكتمه وقال آخرون: هي ملك من الملائكة ذكر من قال ذلك. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {ويسألونك عن الروح،} [الإسراء: 85] قال: الروح: ملك حدثني علي، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني أبو مروان يزيد بن سمرة صاحب قيسارية، عمن حدثه عن علي بن أبي طالب، أنه قال في قوله: {ويسألونك عن الروح} [الإسراء: 85] قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان منها سبعون ألف لغة يسبح الله عز وجل بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة وقد بينا معنى الروح في غير هذا الموضع من كتابنا ، بما أغنى عن إعادته وأما قوله: {من أمر ربي} [الإسراء: 85] فإنه يعني: أنه من الأمر الذي يعلمه الله عز 15P072 وجل دونكم، فلا تعلمونه ويعلم ما هو وأما قوله: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] فإن أهل التأويل اختلفوا في المعني بقوله {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] فقال بعضهم: عنى بذلك: الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح وجميع الناس غيرهم، ولكن لما ضم غير المخاطب إلى المخاطب، خرج الكلام على المخاطبة، لأن العرب كذلك تفعل إذا اجتمع في الكلام مخبر عنه غائب ومخاطب أخرجوا الكلام خطابا للجمع ذكر من قال ذلك: حدثني ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت بمكة {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار يهود، فقالوا: يا محمد ألم يبلغنا أنك تقول {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] أفعنيتنا أم قومك؟ قال: «كلا قد عنيت» قالوا: فإنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي في علم الله قليل، وقد آتاكم ما إن عملتم به انتفعتم» فأنزل الله {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} . .
إلى قوله {إن الله سميع بصير} [الحج: 75] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله عز وجل {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] قال: يا محمد والناس أجمعون وقال آخرون: بل عنى بذلك الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح خاصة دون غيرهم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85] يعني: اليهود وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: خرج الكلام خطابا لمن خوطب به، والمراد به جميع الخلق، لأن علم كل أحد سوى الله، وإن كثر في علم الله قليل. وإنما معنى الكلام: وما أوتيتم أيها الناس من العلم إلا قليلا من كثير مما يعلم الله 15P073
[الإسراء: 86] القول في تأويل قوله تعالى: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا} [الإسراء: 86] يقول تعالى ذكره: ولئن شئنا لنذهبن بالذي آتيناك من العلم الذي أوحينا إليك من هذا القرآن لنذهبن به، فلا تعلمه، ثم لا تجد لنفسك بما نفعل بك من ذلك وكيلا، يعني: قيما يقوم لك، فيمنعنا من فعل ذلك بك، ولا ناصرا ينصرك، 15P074 فيحول بيننا وبين ما نريد بك، قالا: وكان عبد الله بن مسعود يتأول معنى ذهاب الله عز وجل به رفعه من صدور قارئيه ذكر الرواية بذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عبد العزيز بن رفيع، عن بندار، عن معقل، قال: قلت لعبد الله، وذكر أنه يسرى على القرآن: كيف وقد أثبتناه في صدورنا ومصاحفنا؟ قال: يسرى عليه ليلا، فلا يبقى منه في مصحف ولا في صدر رجل، ثم قرأ عبد الله: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} [الإسراء: 86] حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن إسحاق بن يحيى، عن المسيب بن رافع، عن عبد الله بن مسعود، قال: تطرق الناس ريح حمراء من نحو الشام، فلا يبقى في مصحف رجل ولا قلبه آية. قال رجل: يا أبا عبد الرحمن، إني قد جمعت القرآن، قال: لا يبقى في صدرك منه شيء. ثم قرأ ابن مسعود: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} [الإسراء: 86] 15P074 [الإسراء: 87] القول في تأويل قوله تعالى: {إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا} [الإسراء: 87] يقول عز وجل: {ولئن شئنا لنذهبن} [الإسراء: 86] يا محمد {بالذي أوحينا إليك} [الإسراء: 86] ولكنه لا يشاء ذلك، رحمة من ربك وتفضلا منه عليك {إن فضله كان عليك كبيرا} [الإسراء: 87] باصطفائه إياك لرسالته، وإنزاله عليك كتابه، وسائر نعمه عليك التي لا تحصى 15P075 [الإسراء: 88] القول في تأويل قوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] يقول جل ثناؤه: قل يا محمد للذين قالوا لك: إنا نأتي بمثل هذا القرآن: لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، لا يأتون أبدا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض عونا وظهرا. وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب قوم من اليهود جادلوه في القرآن، وسألوه أن يأتيهم بآية غيره شاهدة له على نبوته، لأن مثل هذا القرآن بهم قدرة على أن يأتوا به ذكر الرواية بذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثنا محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمود بن سيحان، وعمر بن أصان، وبحري بن عمرو، وعزيز بن أبي عزيز، وسلام بن مشكم، فقالوا: أخبرنا يا محمد بهذا الذي جئتنا به حق من عند الله عز وجل، فإنا لا نراه متناسقا كما تناسق التوراة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والله إنكم لتعرفون أنه من عند الله تجدونه مكتوبا عندكم، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما جاءوا به» فقال عند ذلك، وهم جميعا: فنحاص، وعبد الله بن صوريا، وكنانة بن أبي الحقيق، وأشيع، وكعب بن أسد، وسموأل بن زيد، وجبل بن عمرو: يا محمد ما يعلمك هذا إنس ولا جان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أما والله إنكم لتعلمون أنه من عند الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل» فقالوا: يا محمد، إن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما شاء، ويقدر منه على ما أراد، فأنزل علينا كتابا نقرؤه ونعرفه، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به، فأنزل الله عز وجل فيهم وفيما قالوا: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله {لئن اجتمعت الإنس والجن} [الإسراء: 88] . . إلى قوله {ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء: 88] قال: معينا، قال: يقول: لو برزت الجن وأعانهم الإنس، فتظاهروا لم يأتوا بمثل هذا القرآن وقوله عز وجل {لا يأتون بمثله} [الإسراء: 88] رفع، وهو جواب لقوله «لئن» ، لأن العرب إذا أجابت لئن بلا رفعوا ما بعدها، لأن «لئن» كاليمين وجواب اليمين بلا مرفوع، وربما جزم لأن التي يجاب بها زيدت عليه لام، كما قال الأعشى: [+البحر البسيط] لئن منيت بنا عن غب معركة لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل 15P077
[الإسراء: 89] القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا} [الإسراء: 89] يقول تعالى ذكره: ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل احتجاجا بذلك كله عليهم، وتذكيرا لهم، وتنبيها على الحق ليتبعوه ويعملوا به {فأبى أكثر الناس إلا كفورا} [الإسراء: 89] يقول: فأبى أكثر الناس إلا جحودا للحق، وإنكارا لحجج الله وأدلته 15P077 [الإسراء: 90] القول في تأويل قوله تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض 15P078 ينبوعا} [الإسراء: 90] يقول تعالى ذكره: وقال يا محمد المشركون بالله من قومك لك: لن نصدقك حتى تفجر لنا من أرضنا هذه عينا تنبع لنا بالماء. وقوله {ينبوعا} [الإسراء: 90] يفعول من قول القائل: نبع الماء: إذا ظهر وفار، ينبع وينبع، وهو ما نبع. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90] أي حتى تفجر لنا من الأرض عيونا: أي ببلدنا هذا حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله {حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90] قال: عيونا حدثنا محمد، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {ينبوعا } [الإسراء: 90] قال: عيونا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله واختلفت القراء في قراءة قوله {تفجر} [الإسراء: 90] فروي عن إبراهيم النخعي أنه قرأ {حتى تفجر لنا} [الإسراء: 90] خفيفة وقوله {فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا} [الإسراء: 91] بالتشديد، وكذلك كانت قراء الكوفيين يقرءونها، فكأنهم ذهبوا بتخفيفهم الأولى إلى معنى: حتى تفجر لنا من الأرض ماء مرة واحدة. وبتشديدهم الثانية إلى أنها «تفجر» في أماكن شتى، مرة بعد أخرى، إذا كان ذلك تفجر أنهار لا نهر واحد، والتخفيف في الأولى والتشديد في الثانية على ما ذكرت من قراءة الكوفيين أعجب إلي لما ذكرت من افتراق معنييهما، وإن لم تكن الأولى مدفوعة صحتها 15P079 [الإسراء: 91] القول في تأويل قوله تعالى: {أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا} [الإسراء: 91] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وقال لك يا محمد مشركو قومك: لن نصدقك حتى تستنبط لنا عينا من أرضنا، تدفق بالماء أو تفور، أو يكون لك بستان، وهو الجنة، من نخيل وعنب، فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا بأرضنا هذه التي نحن بها خلالها، يعني: خلال النخيل والكروم، ويعني بقوله: {خلالها تفجيرا} [الإسراء: 91] بينها في أصولها تفجيرا بسبب أبنيتها 15P079
[الإسراء: 92] القول في تأويل قوله تعالى: {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} [الإسراء: 92] اختلفت القراء في قراءة قوله: {كسفا} [الإسراء: 92] فقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة بسكون السين، بمعنى: (أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا) ، وذلك أن الكسف في كلام العرب: جمع كسفة، وهو جمع الكثير من العدد للجنس، كما تجمع السدرة بسدر، والتمرة بتمر، فحكي عن العرب سماعا: أعطني كسفة من هذا الثوب: أي قطعة منه، يقال منه: جاءنا بثريد كسف: أي قطع خبز. وقد يحتمل إذا قرئ كذلك «كسفا» بسكون السين أن يكون مرادا به المصدر من كسف. فأما الكسف بفتح السين، فإنه جمع ما بين الثلاث إلى العشر، يقال: كسفة واحدة، وثلاث كسف، وكذلك إلى العشر وقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض الكوفيين {كسفا} [الإسراء: 92] بفتح السين بمعنى: جمع الكسفة الواحدة من الثلاث إلى العشر، يعني بذلك قطعا: ما بين الثلاث إلى العشر. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه بسكون السين، لأن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، لم يقصدوا في مسألتهم إياه ذلك أن يكون بحد معلوم من القطع، إنما سألوا أن يسقط عليهم من السماء قطعا، وبذلك جاء التأويل أيضا عن أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله {كسفا} [الإسراء: 92] قال: السماء جميعا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله قال ابن جريج: قال عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قوله {كما زعمت علينا كسفا} [الإسراء: 92] قال: مرة واحدة، والتي في الروم {ويجعله كسفا} [الروم: 48] قال: قطعا، قال ابن جريج: كسفا لقول الله: {إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء} [سبأ: 9] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا} [الإسراء: 92] قال: أي قطعا حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة {كسفا} [الإسراء: 92] قال: قطعا حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {كسفا} [الإسراء: 92] يقول: قطعا حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا} [الإسراء: 92] يعني قطعا 15P082
[الإسراء: 92] القول في تأويل قوله: {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} [الإسراء: 92] يقول تعالى ذكره عن قيل المشركين لنبي الله صلى الله عليه وسلم: أو تأتي بالله يا محمد والملائكة قبيلا. واختلف أهل التأويل في معنى القبيل في هذا الموضع، فقال بعضهم: معناه: حتى يأتي الله والملائكة كل قبيلة منا قبيلة قبيلة، فيعاينونهم ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {والملائكة قبيلا} [الإسراء: 92] قال: على حدتنا، كل قبيلة حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} [الإسراء: 92] قال: قبائل على حدتها كل قبيلة وقال آخرون: معنى ذلك: أو تأتي بالله والملائكة عيانا نقابلهم مقابلة، فنعاينهم معاينة ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} [الإسراء: 92] نعاينهم معاينة حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} [الإسراء: 92] فنعاينهم ووجهه بعض أهل العربية إلى أنه بمعنى الكفيل من قولهم: هو قبيل فلان بما لفلان عليه وزعيمه. وأشبه الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي قاله قتادة من أنه بمعنى المعاينة، من قولهم: قابلت فلانا مقابلة، وفلان قبيل فلان، بمعنى قبالته، كما قال الشاعر: [+البحر الطويل] نصالحكم حتى تبوءوا بمثلها كصرخة حبلى يسرتها قبيلها يعني قابلتها. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول: إذا وصفوا بتقدير فعيل من قولهم قابلت ونحوها، جعلوا لفظ صفة الاثنين والجميع من المؤنث والمذكر على لفظ واحد، نحو قولهم: هذه قبيلي، وهما قبيلي، وهم 15P084 قبيلي، وهن قبيلي 15P083
[الإسراء: 93] القول في تأويل قوله تعالى: {أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا} [الإسراء: 93] يقول تعالى ذكره مخبرا عن المشركين الذين ذكرنا أمرهم في هذه الآيات: أو يكون لك يا محمد بيت من ذهب، وهو الزخرف. كما: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، {أو يكون لك بيت من زخرف } [الإسراء: 93] يقول: بيت من ذهب حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله {من زخرف} [الإسراء: 93] قال: من ذهب حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أو يكون لك بيت من زخرف} [الإسراء: 93] والزخرف هنا: الذهب حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله {أو يكون لك بيت من زخرف} [الإسراء: 93] قال: من ذهب حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن رجل، عن الحكم، قال: قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأيناه في قراءة ابن مسعود: «أو يكون لك بيت من ذهب» حدثنا محمد بن المثنى ثنا قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، قال: لم أدر ما الزخرف، حتى سمعنا في قراءة عبد الله بن مسعود: «بيت من ذهب» وقوله {أو ترقى في السماء} [الإسراء: 93] يعني: أو تصعد في درج إلى السماء، وإنما قيل في السماء، وإنما يرقى إليها لا فيها، لأن القوم قالوا: أو ترقى في سلم إلى السماء، فأدخلت «في» في الكلام ليدل على معنى الكلام، يقال: رقيت في السلم، فأنا أرقى رقيا ورقيا ورقيا، كما قال الشاعر: [+البحر الرجز] أنت الذي كلفتني رقي الدرج على الكلال والمشيب والعرج وقوله: {ولن نؤمن لرقيك} [الإسراء: 93] يقول: ولن نصدقك من أجل رقيك إلى السماء {حتى تنزل علينا كتابا} [الإسراء: 93] منشورا {نقرؤه} [الإسراء: 93] فيه أمرنا باتباعك والإيمان بك، كما: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قالا: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله {كتابا نقرؤه} [الإسراء: 93] قال: من رب العالمين إلى فلان، عند كل رجل صحيفة تصبح عند رأسه يقرؤها حدثنا القاسم ، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه، إلا أنه، قال: كتابا نقرؤه من رب العالمين، وقال أيضا: تصبح عند رأسه موضوعة يقرؤها حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله {حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه} [الإسراء: 93] أي كتابا خاصا نؤمر فيه باتباعك وقوله: {قل سبحان ربي} [الإسراء: 93] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك القائلين لك هذه الأقوال، تنزيها لله عما يصفونه به، وتعظيما له من أن يؤتى به وملائكته، أو يكون لي سبيل إلى شيء مما تسألونيه: {هل كنت إلا بشرا رسولا} [الإسراء: 93] يقول: هل أنا إلا عبد من عبيده من بني آدم، فكيف أقدر أن أفعل ما سألتموني من هذه الأمور، وإنما يقدر عليها خالقي وخالقكم، وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم، والذي سألتموني أن أفعله بيد الله الذي أنا وأنتم عبيد له، لا يقدر على ذلك غيره. وهذا الكلام الذي أخبر الله أنه كلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر كان من ملإ من قريش اجتمعوا لمناظرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاجته، فكلموه بما أخبر الله عنهم في هذه الآيات.
ذكر تسمية الذين ناظروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك منهم والسبب الذي من أجله ناظروه به حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني شيخ من أهل مصر، قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب ورجلا من بني عبد الدار، وأبا البختري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيها ومنبها ابني الحجاج السهميين اجتمعوا، أو من اجتمع منهم، بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا، وهو يظن أنه بدا لهم في أمره بداء، وكان عليهم حريصا، يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على 15P088 قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك به رئيا تراه قد غلب عليك وكانوا يسمون التابع من الجن: الرئي فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه، أو نعذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا، ولا أقل مالا، ولا أشد عيشا منا، فسل ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، ويبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول، حق هو أم باطل ؟
فإن صنعت ما سألناك، 15P089 وصدقوك صدقناك، وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك بالحق رسولا، كما فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما بهذا بعثت، إنما جئتكم من الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا، فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، واسأله فليجعل لك جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك» فقالوا: يا محمد، فما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك، ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله ما نؤمن بالرحمن أبدا، أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة، وهن بنات الله، وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وقام معه 15P090 عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهو ابن عمته هو لعاتكة بنت عبد المطلب، فقال له: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا، ليعرفوا منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب، فوالله لا أومن لك أبدا، حتى تتخذ إلى السماء سلما ترقى فيه، وأنا أنظر حتى تأتيها، وتأتي معك بنسخة منشورة معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك لظننت ألا أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا أسيفا لما فاته مما كان يطمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه، فلما قام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو جهل: يا معشر قريش، إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وسب آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر قدر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت رأسه به حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير أو عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، بنحوه، إلا أنه قال: وأبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث أبناء بني عبد الدار، وأبا البختري بن هشام حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد، قال: 15P091 قلت له في قوله تعالى {لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90] قال: قلت له: نزلت في عبد الله بن أبي أمية، قال: قد زعموا ذلك 15P090
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cómo se realizan las cinco oraciones diarias (salat)?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?