Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Sección V17/P302–V17/P304

قال: {نور على نور} [النور: 35] فهو يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة في الجنة " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني يحيى بن اليمان، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: " المشكاة: صدر المؤمن " {فيها مصباح} [النور: 35] قال: «القرآن» قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن أم جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، نحو حديث عبد الأعلى، عن عبيد الله حدثني علي، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: {مثل نوره كمشكاة} [النور: 35] قال: " مثل هداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى، ونورا على نور، كما قال إبراهيم صلوات الله عليه قبل أن تجيئه المعرفة: قال {هذا ربي} [الأنعام: 76] حين رأى الكوكب من غير أن يخبره أحد أن له ربا، فلما أخبره الله أنه ربه ازداد هدى على 17P304 هدى " حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} " وذلك أن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال: {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} والمشكاة كوة البيت فيها مصباح، {المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري} [النور: 35] والمصباح: السراج يكون في الزجاجة، وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نورا، وسماها أنواعا شتى " قوله: {يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: هي شجرة لا يفيء عليهما ظل شرق، ولا ظل غرب، ضاحية، ذلك أصفى للزيت. {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} [النور: 35] . قال معمر: وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا، ليست شرقية ولا غربية. وقال آخرون: هو مثل للمؤمن؛ غير أن المصباح وما فيه مثل لفؤاده، والمشكاة مثل لجوفه ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: 17P305 قال مجاهد، وابن عباس جميعا: «المصباح وما فيه مثل فؤاد المؤمن وجوفه، المصباح مثل الفؤاد، والكوة مثل الجوف» قال ابن جريج {كمشكاة} [النور: 35] كوة غير نافذة. قال ابن جريج، وقال ابن عباس: قوله: {نور على نور} [النور: 35] يعني: إيمان المؤمن وعمله وقال آخرون: بل ذلك مثل للقرآن في قلب المؤمن ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة} قال: " ككوة {فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري} [النور: 35] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {الله نور السموات والأرض مثل نوره} نور القرآن الذي أنزل على رسوله وعباده، فهذا مثل القرآن؛ {" كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة} [النور: 35] فقرأ حتى بلغ: {مباركة} [النور: 35] فهذا مثل القرآن يستضاء به في نوره، ويعلمونه ، ويأخذون به، وهو كما هو لا ينقص، فهذا مثل ضربه الله لنوره ".

Sección V17/P304–V17/P308

وفي قوله: {يكاد زيتها يضيء} [النور: 35] قال: «الضوء إشراق ذلك الزيت، والمشكاة التي فيها الفتيلة التي في المصباح، والقناديل تلك المصابيح» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن عياض، في قوله: {كمشكاة} [النور: 35] قال: «الكوة» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن عطية، في قوله: {كمشكاة} [النور: 35] قال قال ابن عمر: " المشكاة: الكوة " وقال آخرون: المشكاة: القنديل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {كمشكاة} [النور: 35] قال: «القنديل، ثم العمود الذي فيه القنديل» حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {كمشكاة} [النور: 35] «الصفر الذي في جوف القنديل» حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن رجل، عن مجاهد، قال: " المشكاة: القنديل " 17P307 وقال آخرون: المشكاة الحديد الذي يعلق به القنديل ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن المفضل، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن مجاهد، قال: «المشكاة الحدائد التي يعلق بها القنديل» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد، الذي أنزله إليهم، فآمنوا به، وصدقوا بما فيه، في قلوب المؤمنين، مثل مشكاة، وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة؛ وذلك هو نظير الكوة التي تكون في الحيطان التي لا منفذ لها. وإنما جعل ذلك العمود مشكاة، لأنه غير نافذ، وهو أجوف، مفتوح الأعلى، فهو كالكوة التي في الحائط التي لا تنفذ. ثم قال: {فيها مصباح} [النور: 35] وهو السراج، وجعل السراج ، وهو المصباح مثلا لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات المبينات. ثم قال: {المصباح في زجاجة} [النور: 35] يعني: أن السراج الذي في المشكاة في القنديل، وهو الزجاجة، وذلك مثل للقرآن، يقول: القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله قلبه في صدره. ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله ، والشك فيه، واستنارته بنور القرآن، واستضاءته بآيات ربه المبينات ، ومواعظه فيها، بالكوكب الدري، فقال: {الزجاجة} [النور: 35] وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه {كأنها كوكب دري} [النور: 35] . واختلفت القراء في قراءة قوله: {دري} [النور: 35] فقرأته عامة قراء الحجاز : { «دري» } [النور: 35] بضم الدال، وترك الهمز. وقرأ بعض قراء البصرة والكوفة: (دريء) بكسر الدال وهمزة وقرأ بعض قراء الكوفة: (دريء) بضم الدال وهمزة. وكأن الذين ضموا داله، وتركوا الهمرة، وجهوا معناه إلى ما قاله أهل التفسير الذي ذكرنا عنهم، من أن الزجاجة في صفائها وحسنها كالدر، وأنها منسوبة إليه لذلك من نعتها وصفتها. ووجه الذين قرءوا ذلك بكسر داله وهمزه، إلى أنه فعيل من درئ الكوكب: أي دفع ورجم به الشيطان، من قوله: {ويدرأ عنها العذاب} [النور: 8] أي يدفع، والعرب تسمي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماءها: الدراري، بغير همز. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول: هي الدرارئ، بالهمز، من يدرأن. وأما الذين قرءوه بضم داله وهمزه، فإن كانوا أرادوا به دروء، مثل سبوح، وقدوس، من درأت، ثم استثقلوا كثرة الضمات فيه، فصرفوا بعضها إلى الكسرة، فقالوا: دريء، كما قيل: {وقد بلغت من الكبر عتيا} [مريم : 8]، وهو فعول، من عتوت عتوا، ثم حولت بعض ضماتها إلى الكسر، فقيل: عتيا. فهو مذهب، وإلا فلا أعرف لصحة قراءتهم ذلك كذلك وجها، وذلك أنه لا يعرف في كلام العرب فعيل. وقد كان بعض أهل العربية يقول: هو لحن. والذي هو أولى القراءات عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأ {دري} [النور: 35] بضم داله، وترك همزه، على النسبة إلى الدر، لأن أهل التأويل بتأويل ذلك جاءوا.

Sección V17/P308–V17/P311

وقد ذكرنا أقوالهم في ذلك قبل، ففي ذلك مكتفى عن الاستشهاد على صحتها بغيره. فتأويل الكلام: الزجاجة: وهي صدر المؤمن، {كأنها} [النور: 35] يعني كأن الزجاجة، وذلك مثل لصدر المؤمن، {كوكب} [النور: 35] يقول في صفائها وضيائها وحسنها. وإنما يصف صدره بالنقاء من كل ريب وشك في أسباب الإيمان بالله، وبعده من دنس المعاصي، كالكوكب الذي يشبه الدر في الصفاء والضياء والحسن. واختلفوا أيضا في قراءة قوله (توقد من شجرة مباركة) فقرأ ذلك بعض المكيين والمدنيين وبعض البصريين: (توقد من شجرة) بالتاء، وفتحها، وتشديد القاف، وفتح الدال. وكأنهم وجهوا معنى ذلك إلى توقد المصباح من شجرة مباركة. وقرأه بعض عامة قراء المدنيين {يوقد} [النور: 35] بالياء، وتخفيف القاف، ورفع الدال؛ بمعنى: يوقد المصباح موقده من شجرة، ثم لم يسم فاعله. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: (توقد) بضم التاء، وتخفيف القاف ورفع الدال، بمعنى: يوقد الزجاجة موقدها من شجرة مباركة، لما لم يسم فاعله، فقيل: توقد. وقرأه بعض أهل مكة: (توقد) بفتح التاء، وتشديد القاف، وضم الدال؛ بمعنى: تتوقد الزجاجة من شجرة، ثم أسقطت إحدى التاءين اكتفاء بالباقية من الذاهبة. وهذه القراءات متقاربات المعاني، وإن اختلفت الألفاظ بها؛ وذلك أن الزجاجة إذا وصفت بالتوقد أو بأنها توقد، فمعلوم معنى ذلك، فإن المراد به توقد فيها المصباح، أو يوقد فيها المصباح، ولكن وجهوا الخبر إلى أن وصفها بذلك أقرب في الكلام منها، وفهم السامعين معناه، والمراد منه. فإذا كان ذلك كذلك فبأي القراءات قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجب القراءات إلي أن أقرأ بها في ذلك: (توقد) بفتح التاء ، وتشديد القاف، وفتح الدال، بمعنى وصف المصباح بالتوقد؛ لأن التوقد والاتقاد لا شك أنهما من صفته، دون الزجاجة. فمعنى الكلام إذن: كمشكاة فيها مصباح، المصباح من دهن شجرة مباركة، زيتونة، لا شرقية ولا غربية. وقد ذكرنا بعض ما روي عن بعضهم من الاختلاف في ذلك فيما قد مضى، ونذكر باقي ما حضرنا مما لم نذكره قبل. فقال بعضهم: إنما قيل: لهذه الشجرة: لا شرقية ولا غربية أي: ليست شرقية وحدها حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت، وإنما لها نصيبها من الشمس بالغداة ما دامت بالجنب الذي يلي الشرق، ثم لا يكون لها نصيب منها إذا مالت إلى جانب الغرب. ولا هي غربية وحدها، فتصيبها الشمس بالعشي إذا مالت إلى جانب الغرب، ولا تصيبها بالغداة؛ ولكنها شرقية غربية، تطلع عليه الشمس بالغداة، وتغرب عليها، فيصيبها حر الشمس بالغداة والعشي.

Sección V17/P311–V17/P314

قالوا: وإذا كانت كذلك، كان أجود لزيتها ذكر من قال ذلك حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: {زيتونة لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: «لا يسترها من الشمس جبل ولا واد، إذا طلعت وإذا غربت» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا حرمي بن عمارة قال: ثنا شعبة قال: أخبرني عمارة، عن عكرمة، في قوله: {لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: «الشجرة تكون في مكان لا يسترها من الشمس شيء، تطلع عليها، وتغرب عليها» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد وابن عباس {لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قالا: «هي التي بشق الجبل، التي يصيبها شروق الشمس وغروبها، إذا طلعت أصابتها، وإذا غربت أصابتها» 17P312 وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليست شرقية ولا غربية ذكر من قال ذلك حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثني محمد بن الصلت قال: ثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: {لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: «هي شجرة وسط الشجر، ليست من الشرق، ولا من الغرب» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد، في قوله: {زيتونة لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] «متيامنة الشأم، لا شرقي، ولا غربي» وقال آخرون: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قول الله: {لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: والله لو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنما هو مثل ضربه الله لنوره " حدثنا ابن بشار قال: ثنا عثمان يعني ابن الهيثم قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قول الله: {زيتونة لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: «لو كانت في الأرض هذه الزيتونة كانت شرقية أو غربية، ولكن والله ما هي في الأرض، وإنما هو مثل 17P313 ضربه الله لنوره» حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا عوف، عن الحسن، في قوله: {لا شرقية ولا غربية} [النور: 35] قال: «هذا مثل ضربه الله، ولو كانت هذه الشجرة في الدنيا لكانت إما شرقية، وإما غربية» وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك قول من قال: إنها شرقية غربية؛ وقال: ومعنى الكلام: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالعشي، دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب، فهي شرقية غربية. وإنما قلنا ذلك أولى بمعنى الكلام، لأن الله إنما وصف الزيت الذي يوقد على هذا المصباح بالصفاء والجودة، فإذا كان شجره شرقيا غربيا كان زيته لا شك أجود وأصفى وأضوأ وقوله: {يكاد زيتها يضيء} [النور: 35] يقول تعالى ذكره: يكاد زيت هذه الزيتونة يضيء من صفائه، وحسن ضيائه. {ولو لم تمسسه نار} [النور: 35] يقول: فكيف إذا مسته النار؟ . وإنما أريد بقوله: {يوقد من شجرة مباركة} [النور: 35] أن هذا القرآن من عند الله، وأنه كلامه، جعل مثله، ومثل كونه من عنده مثل المصباح الذي يوقد من الشجرة المباركة التي وصفها جل ثناؤه في هذه الآية. وعني بقوله: {يكاد زيتها يضيء} [النور: 35] أن حجج الله تعالى ذكره على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها، ونظر، أو أعرض عنها ولها . {ولو لم تمسسه نار} [النور: 35] يقول: ولو لم يزدها الله بيانا ووضوحا بإنزاله هذا القرآن إليهم، منبها لهم على توحيده، فكيف إذا نبههم به، وذكرهم بآياته ، فزادهم به حجة إلى حججه عليهم قبل ذلك؟ فذلك بيان من الله، ونور على البيان، والنور الذي كان قد وضعه لهم ونصبه قبل نزوله.

Sección V17/P314–V17/P315

وقوله: {نور على نور} [النور: 35] يعني النار على هذا الزيت الذي كاد يضيء ولو لم تمسسه النار كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {نور على نور} [النور: 35] قال: «النار على الزيت» قال: أبو جعفر: وهو عندي كما ذكرت مثل القرآن. ويعني بقوله: {نور على نور} [النور: 35] هذا القرآن نور من عند الله، أنزله إلى خلقه يستضيئون به. {على نور} [النور: 35] على الحجج والبيان الذي قد نصبه لهم قبل مجيء القرآن، وإنزاله إياه، مما يدل على حقيقة وحدانيته. فذلك بيان من الله، ونور على البيان، والنور الذي كان وضعه لهم ونصبه قبل نزوله. وذكر عن زيد بن أسلم في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم، في قوله: {نور على نور} [النور: 35] «يضيء بعضه بعضا، يعني القرآن» وقوله: {يهدي الله لنوره من يشاء} [النور: 35] يقول تعالى ذكره: يوفق الله لاتباع 17P315 نوره، وهو هذا القرآن، من يشاء من عباده وقوله {يهدي الله لنوره من يشاء} [النور: 35] يقول تعالى ذكره: يوفق الله لاتباع نوره وهو هذا القرآن من يشاء من عباده وقوله: {ويضرب الله الأمثال للناس} [إبراهيم: 25] يقول: ويمثل الله الأمثال والأشباه للناس، كما مثل لهم مثل هذا القرآن في قلب المؤمن بالمصباح في المشكاة، وسائر ما في هذه الآية من الأمثال {والله بكل شيء عليم} [البقرة: 282] يقول: والله يضرب الأمثال وغيرها من الأشياء كلها، ذو علم 17P315

Sección V17/P315–V17/P317

[النور: 36_37_38] القول في تأويل قوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب} [النور: 36_37_38] يعني تعالى ذكره بقوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، في بيوت أذن الله أن ترفع كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " المشكاة: التي فيها الفتيلة التي فيها المصباح " قال: «المصابيح في بيوت أذن الله أن ترفع» قال أبو جعفر: قد يحتمل أن تكون (من) في صلة (توقد) فيكون المعنى: توقد من شجرة مباركة ذلك المصباح في بيوت أذن الله أن ترفع. وعني بالبيوت المساجد. وقد اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم بالذي قلنا في ذلك ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، ونصر بن عبد الرحمن الأودي، قالا: ثنا حكام، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قول الله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال: «المساجد» حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] «وهي المساجد تكرم، ونهي عن اللغو فيها» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] «يعني كل مسجد يصلى فيه، جامع أو غيره» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال: «مساجد تبنى» حدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال: «في المساجد» قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: «المساجد بيوت الله، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن سالم بن عمر، في قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال: «هي المساجد» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال: المساجد " وقال آخرون: عنى بذلك البيوت كلها ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، ونصر بن عبد الرحمن الأودي، قالا: حدثنا حكام بن سلم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عكرمة: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال: «هي البيوت كلها» 17P318 إنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك، لدلالة قوله: {يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37] على أنها بيوت بنيت للصلاة؛ فلذلك قلنا هي المساجد.

Sección V17/P317–V17/P320

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {أذن الله أن ترفع} [النور: 36] فقال بعضهم: معناه: أذن الله أن تبنى ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أذن الله أن ترفع} [النور: 36] قال: «تبنى» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله وقال آخرون: معناه: أذن الله أن تعظم ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: {أذن الله أن ترفع} [النور: 36] يقول: «أن تعظم لذكره» وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله مجاهد، وهو أن معناه: أذن الله أن ترفع بناء، كما قال جل ثناؤه {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من 17P319 البيت} [البقرة: 127]، وذلك أن ذلك هو الأغلب من معنى الرفع في البيوت والأبنية وقوله: {ويذكر فيها اسمه} [النور: 36] يقول: وأذن لعباده أن يذكروا اسمه فيها وقد قيل: عني به أنه أذن لهم بتلاوة القرآن فيها ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: ثم قال: {ويذكر فيها اسمه} [النور: 36] يقول: «يتلى فيها كتابه» وهذا القول قريب المعنى مما قلناه في ذلك، لأن تلاوة كتاب الله من معاني ذكر الله. غير أن الذي قلنا به أظهر معنييه، فلذلك اخترنا القول به وقوله: {يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37] اختلفت القراء في قراءة قوله: {يسبح له} [النور: 36] فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: {يسبح له} [النور: 36] بضم الياء، وكسر الباء، بمعنى يصلي له فيها رجال، وبجعل {يسبح} [الإسراء: 44] فعلا ل (الرجال) وخبرا عنهم، وترفع به (الرجال) . سوى عاصم، وابن عامر، فإنهما قرأا ذلك: (يسبح له) بضم الياء ، وفتح الباء، على ما لم يسم فاعله، ثم يرفعان (الرجال) بخبر ثان مضمر، كأنهما أرادا: يسبح الله في البيوت التي أذن الله أن ترفع، فسبح له رجال؛ فرفعا (الرجال) بفعل مضمر والقراءة التي هي أولاهما بالصواب: قراءة من كسر الباء، وجعله خبرا ل (الرجال) وفعلا لهم. وإنما كان الاختيار رفع الرجال بمضمر من الفعل لو كان الخبر عن البيوت لا يتم إلا بقوله: {يسبح له فيها} [النور: 36]، فأما والخبر عنها دون ذلك تام، فلا وجه لتوجيه قوله: {يسبح له} [النور: 36] إلى غيره، أي غير الخبر عن الرجال. وعني بقوله: {يسبح له فيها بالغدو والآصال} [النور: 36] يصلي له في هذه البيوت بالغدوات والعشيات رجال، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني علي بن الحسن الأزدي، قال: ثنا المعافى بن عمران، عن سفيان، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «كل تسبيح في القرآن فهو صلاة» حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: ثم قال: {يسبح له فيها بالغدو والآصال} [النور: 36] يقول: " يصلي له فيها بالغداة والعشي. يعني بالغدو: صلاة الغداة، ويعني بالآصال صلاة العصر.

Sección V17/P320–V17/P324

وهما أول ما افترض الله من الصلاة، فأحب أن يذكرهما، ويذكر بهما عبادته " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن: { 17P321 يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال} [النور: 37] «أذن الله أن تبنى، فيصلى فيها بالغدو والآصال» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: في قوله: {يسبح له فيها بالغدو والآصال} [النور: 36] «يعني الصلاة المفروضة» وقوله: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37] يقول تعالى ذكره: لا يشغل هؤلاء الرجال الذين يصلون في هذه المساجد التي أذن الله أن ترفع عن ذكر الله فيها وإقام الصلاة، تجارة ولا بيع كما حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن رجل، نسي اسمه في هذه الآية: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37] إلى قوله: {والأبصار} [يونس: 31] قال: هم قوم في تجاراتهم وبيوعهم، لا تلهيهم تجاراتهم ولا بيوعهم عن ذكر الله " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله: أنه نظر إلى قوم من السوق قاموا وتركوا بياعاتهم إلى الصلاة، فقال: " هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر 17P322 الله} [النور: 37] الآية " قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن سيار، عمن حدثه عن ابن مسعود، نحو ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن سيار، قال: حدثت عن ابن مسعود: أنه رأى قوما من أهل السوق حيث نودي بالصلاة تركوا بياعاتهم ، ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله: " هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37] " وقال بعضهم: معنى ذلك {لا تلهيهم تجارة ولا بيع} [النور: 37] عن صلاتهم المفروضة عليهم ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: ثم قال: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور: 37] يقول: «عن الصلاة المكتوبة» قوله: {وإقام الصلاة} [الأنبياء: 73] يقول: ولا يشغلهم ذلك أيضا عن إقام الصلاة بحدودها في أوقاتها. وبنحو قولنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد، قال: ثنا عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، عن رجل، نسي عوف اسمه في: {وإقام الصلاة} [الأنبياء: 73] قال: «يقومون للصلاة عند مواقيت الصلاة» فإن قال قائل: أو ليس قوله: {وإقام الصلاة} [الأنبياء: 73] مصدرا من قوله أقمت؟ قيل: بلى. فإن قال: أو ليس المصدر منه إقامة، كالمصدر من أجرت إجارة؟ قيل: بلى. فإن قال: وكيف قال: {وإقام الصلاة} [الأنبياء: 73] أو تجيز أن نقول: أقمت إقاما؟ قيل: ولكني أجيز: أعجبني إقام الصلاة. فإن قيل: وما وجه جواز ذلك؟ قيل: إن الحكم في أقمت إذا جعل منه مصدر أن يقال إقواما، كما يقال: أقعدت فلانا إقعادا ، وأعطيته إعطاء؛ ولكن العرب لما سكنت الواو من (أقمت) فسقطت لاجتماعها وهي ساكنة، والميم وهي ساكنة، بنوا المصدر على ذلك؛ إذ جاءت الواو ساكنة قبل ألف الإفعال وهي ساكنة، فسقطت الأولى منهما، فأبدلوا منها هاء في آخر الحرف، كالتكثير للحرف، كما فعلوا ذلك في قولهم: وعدته عدة، ووزنته زنة؛ إذ ذهبت الواو من أوله، كثروه من آخره بالهاء؛ فلما أضيفت الإقامة إلى الصلاة، حذفوا الزيادة التي كانوا زادوها للتكثير، وهي الهاء في آخرها؛ لأن الخافض وما خفض عندهم كالحرف الواحد، فاستغنوا بالمضاف إليه من الحرف الزائد. وقد قال بعضهم في نظير ذلك: [+البحر البسيط] إن الخليط أجدوا البين فانجردوا وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا يريد: عدة الأمر.

Sección V17/P324–V17/P325

فأسقط الهاء من العدة لما أضافها، فكذلك ذلك في إقام الصلاة وقوله: {وإيتاء الزكاة } [الأنبياء: 73] قيل: معناه: وإخلاص الطاعة لله ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [النور: 56]، {وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة} [مريم: 55] . وقوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة} [مريم: 31]، وقوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا} [النور: 21] وقوله: {وحنانا من لدنا وزكاة} [مريم: 13] . ونحو هذا في القرآن، قال: " يعني بالزكاة: طاعة الله 17P325 والإخلاص " وقوله: {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} [النور: 37] يقول: يخافون يوما تتقلب فيه القلوب من هوله، بين طمع بالنجاة وحذر بالهلاك. {والأبصار} [يونس: 31] أي ناحية يؤخذ بهم: أذات اليمين؟ أم ذات الشمال؟ ومن أين يؤتون كتبهم: أمن قبل الأيمان، أو من قبل الشمائل؟ وذلك يوم القيامة كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الله بن عياش: قال زيد بن أسلم، في قول الله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} [النور: 36] . إلى قوله: {تتقلب فيه القلوب والأبصار} [النور: 37] «يوم القيامة» وقوله: {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا} [النور: 38] يقول: فعلوا ذلك، يعني: أنهم لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأطاعوا ربهم، مخافة عذابه يوم القيامة؛ كي يثيبهم الله يوم القيامة بأحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا، ويزيدهم على ثوابه إياهم على أحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا، من فضله، فيفضل عليهم من عنده بما أحب من كرامته لهم وقوله: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} [البقرة: 212] يقول تعالى ذكره: يتفضل على من شاء وأراد من طوله وكرامته، مما لم يستحقه بعمله، ولم يبلغه بطاعته؛ {بغير حساب} [البقرة: 212] يقول: بغير محاسبة على ما بذل له، وأعطاه 17P325

Sección V17/P325–V17/P327

[النور: 39] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه 17P326 الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} [النور: 39] وهذا مثل ضربه الله لأعمال أهل الكفر به، فقال: والذين جحدوا توحيد ربهم وكذبوا بهذا القرآن وبمن جاء به، مثل أعمالهم التي عملوها {كسراب} [النور: 39] يقول: مثل سراب، والسراب ما لصق بالأرض، وذلك يكون نصف النهار وحين يشتد الحر. والآل ما كان كالماء بين السماء والأرض، وذلك يكون أول النهار، يرفع كل شيء ضحى وقوله: {بقيعة} [النور: 39] وهي جمع قاع، كالجيرة جمع جار، والقاع ما انبسط من الأرض واتسع، وفيه يكون السراب وقوله: {يحسبه الظمآن ماء} [النور: 39] يقول: يظن العطشان من الناس السراب ماء {حتى إذا جاءه} [النور: 39] والهاء من ذكر السراب، والمعنى: حتى إذا جاء الظمآن السراب ملتمسا ماء يستغيث به من عطشه {لم يجده شيئا} [النور: 39] يقول: لم يجد السراب شيئا، فكذلك الكافرون بالله من أعمالهم التي عملوها في غرور، يحسبون أنها منجيتهم عند الله من عذابه، كما حسب الظمآن الذي رأى السراب، فظنه ماء يرويه من ظمئه؛ حتى إذا هلك وصار إلى الحاجة إلى عمله الذي كان يرى أنه نافعه عند الله، لم يجده ينفعه شيئا؛ لأنه كان عمله على كفر بالله، ووجد الله هذا الكافر عند هلاكه بالمرصاد، فوفاه يوم القيامة حساب أعماله التي عملها في الدنيا، وجازاه بها جزاءه الذي يستحقه عليه منه فإن قال قائل: وكيف قيل: {حتى إذا جاءه لم يجده شيئا} [النور: 39] فإن لم يكن السراب شيئا، فعلام أدخلت الهاء في قوله: {حتى إذا جاءه} [النور: 39] قيل: إنه شيء يرى من بعيد كالضباب الذي يرى كثيفا من بعيد والهباء، فإذا قرب منه المرء رق وصار كالهواء. وقد يحتمل أن يكون معناه: حتى إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا، فاكتفى بذكر السراب من ذكر موضعه. {والله سريع الحساب} [البقرة: 202] يقول: والله سريع حسابه لأنه تعالى ذكره لا يحتاج إلى عقد أصابع ولا حفظ بقلب ولكنه عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد، ومن بعده ما عمله، وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: " ثم ضرب مثلا آخر، فقال: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} [النور: 39] قال: وكذلك الكافر يجيء يوم القيامة وهو يحسب أن عند الله خيرا، فلا يجد، فيدخله النار " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب بنحوه حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {أعمالهم كسراب بقيعة} [النور: 39] يقول: «الأرض المستوية» حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} [النور: 39] . إلى قوله: {والله سريع الحساب} [البقرة: 202] قال: «هو مثل ضربه الله لرجل عطش فاشتد عطشه، فرأى سرابا، فحسبه ماء، فطلبه، وظن أنه قد قدر عليه، حتى أتاه، فلما أتاه لم يجده شيئا، وقبض عند ذلك. يقول الكافر كذلك، يحسب أن عمله مغن عنه، أو نافعه شيئا، ولا يكون آتيا على شيء حتى يأتيه الموت، فإذا أتاه الموت لم يجد عمله أغنى عنه شيئا، ولم ينفعه إلا كما نفع العطشان المشتد إلى السراب» حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {كسراب بقيعة} [النور: 39] قال: " بقاع من الأرض، والسراب عمله. زاد الحارث في حديثه عن الحسن: والسراب: عمل الكافر. {إذا جاءه لم يجده شيئا} [النور: 39] .

Sección V17/P327–V17/P329

إتيانه إياه: موته، وفراقه الدنيا. {ووجد الله} [النور: 39] عند فراقه الدنيا، {فوفاه حسابه "} [النور: 39] حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {كسراب بقيعة} [النور: 39] قال: بقيعة من الأرض. {يحسبه الظمآن ماء} [النور: 39] هو مثل 17P329 ضربه الله لعمل الكافر، يقول: «يحسب أنه في شيء، كما يحسب هذا السراب ماء» {حتى إذا جاءه لم يجده شيئا} [النور: 39] " وكذلك الكافر إذا مات لم يجد عمله شيئا {ووجد الله عنده فوفاه حسابه} [النور: 39] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {والذين كفروا} [النور: 39] إلى قوله: {ووجد الله عنده} [النور: 39] قال: " هذا مثل ضربه الله للذين كفروا؛ {أعمالهم كسراب بقيعة} [النور: 39] قد رأى السراب، ووثق بنفسه أنه ماء، فلما جاءه لم يجده شيئا. قال: وهؤلاء ظنوا أن أعمالهم صالحة، وأنهم سيرجعون منها إلى خير، فلم يرجعوا منها، إلا كما رجع صاحب السراب؛ فهذا مثل ضربه الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه " {والله سريع الحساب} [البقرة: 202] يقول: والله سريع حسابه؛ لأنه تعالى ذكره لا يحتاج إلى عقد أصابع، ولا حفظ بقلب، ولكنه عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد، ومن بعد ما عمله 17P329

Sección V17/P329–V17/P331

[النور: 40] القول في تأويل قوله تعالى: {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40] وهذا مثل آخر ضربه الله لأعمال الكفار، يقول تعالى ذكره: ومثل أعمال هؤلاء الكفار في أنها عملت على خطأ وفساد وضلالة وحيرة من عمالها فيها، وعلى غير هدى، مثل ظلمات في بحر لجي. ونسب البحر إلى اللجة، وصفا له بأنه عميق كثير الماء. ولجة البحر: معظمه. {يغشاه موج} [النور: 40] يقول: يغشى البحر موج، {من فوقه موج} [النور: 40] يقول: من فوق الموج موج آخر يغشاه، {من فوقه سحاب} [النور: 40] يقول: من فوق الموج الثاني الذي يغشى الموج الأول سحاب. فجعل الظلمات مثلا لأعمالهم، والبحر اللجي مثلا لقلب الكافر، يقول: عمل بنية قلب قد غمره الجهل، وتغشته الضلالة والحيرة، كما يغشى هذا البحر اللجي موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب هذا الكافر الذي مثل عمله مثل هذه الظلمات، يغشاه الجهل بالله، بأن الله ختم عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وجعل على بصره غشاوة، فلا يبصر به حجج الله، فتلك ظلمات بعضها فوق بعض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب} [النور: 40] . إلى قوله: {من نور} [النور: 40] قال: يعني بالظلمات الأعمال، وبالبحر اللجي قلب الإنسان. قال: يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، قال: ظلمات بعضها فوق بعض؛ يعني بذلك: الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر " وهو كقوله: {ختم الله على قلوبهم} [البقرة: 7] الآية، وكقوله: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23] إلى قوله: {أفلا تذكرون} [يونس: 3] حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {أو كظلمات في بحر لجي} [النور: 40] " عميق، وهو مثل ضربه الله للكافر يعمل في 17P331 ضلالة وحيرة قال: {ظلمات بعضها فوق بعض} [النور: 40] " وروي عن أبي بن كعب ما حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، في قوله: {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج} [النور: 40] . الآية، قال: ضرب مثلا آخر للكافر، فقال: {أو كظلمات في بحر لجي} [النور: 40] . الآية قال: فهو يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن أبي الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، بنحوه حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج} [النور: 40] . إلى قوله: {ظلمات بعضها فوق بعض} [النور: 40] قال: شر بعضه فوق بعض " وقوله: {إذا أخرج يده لم يكد يراها} [النور: 40] يقول: إذا أخرج الناظر يده في هذه الظلمات، لم يكد يراها. فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: لم يكد يراها، مع شدة هذه الظلمة التي وصف ، وقد علمت أن قول القائل: لم أكد أرى فلانا، إنما هو إثبات منه لنفسه رؤيته بعد جهد وشدة، ومن دون الظلمات التي وصف في هذه الآية ما لا يرى الناظر يده إذا أخرجها فيه، فكيف فيها؟ قيل: في ذلك أقوال نذكرها، ثم نخبر بالصواب من ذلك: أحدها: أن يكون معنى الكلام: إذا أخرج يده رائيا لها لم يكد يراها؛ أي: لم يعرف من أين يراها.

Sección V17/P331–V17/P332

والثاني: أن يكون معناه إذا أخرج يده لم يرها، ويكون قوله: {لم يكد} [النور: 40] في دخوله في الكلام، نظير دخول الظن فيما هو يقين من الكلام، كقوله: {وظنوا ما لهم من محيص} [فصلت: 48] ونحو ذلك. والثالث: أن يكون قد رآها بعد بطء وجهد، كما يقول القائل لآخر: ما كدت أراك من الظلمة، وقد رآه، ولكن بعد إياس وشدة. وهذا القول الثالث أظهر معاني الكلمة من جهة ما تستعمل العرب (أكاد) في كلامها. والقول الآخر الذي قلنا إنه يتوجه إلى أنه بمعنى: لم يرها، قول أوضح من جهة التفسير، وهو أخفى معانيه. وإنما حسن ذلك في هذا الموضع، أعني: أن يقول: لم يكد يراها، مع شدة الظلمة التي ذكر؛ لأن ذلك مثل، لا خبر عن كائن كان. {ومن لم يجعل الله له نورا} [النور: 40] يقول: من لم يرزقه الله إيمانا ، وهدى من الضلالة ، ومعرفة بكتابه، {فما له من نور} [النور: 40] يقول: فما له من إيمان ، وهدى، ومعرفة بكتابه 17P333

Sección V17/P332–V17/P334

[النور: 41_42] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ولله ملك السموات والأرض وإلى الله المصير} [النور: 41_42] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فتعلم أن الله يصلي له من في السماوات والأرض من ملك وإنس وجن. {والطير صافات} [النور: 41] في الهواء أيضا تسبح له. {كل قد علم صلاته وتسبيحه} [النور: 41] والتسبيح عندك صلاة، فيقال: قيل: إن الصلاة لبني آدم، والتسبيح لغيرهم من الخلق ، ولذلك فصل فيما بين ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه} قال: «والصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه} قال: " صلاته: للناس، وتسبيحه: عامة لكل شيء " ويتوجه قوله: {كل قد علم صلاته وتسبيحه} [النور: 41] لوجوه: أحدها: أن تكون الهاء التي في قوله: {صلاته وتسبيحه} [النور: 41] من ذكر {كل} [النور: 41] ، فيكون تأويل الكلام: كل مصل ومسبح منهم، قد علم الله صلاته وتسبيحه، ويكون (الكل) حينئذ مرتفعا بالعائد من ذكره في قوله: {كل قد علم صلاته وتسبيحه} [النور: 41] وهو الهاء التي في الصلاة. والوجه الآخر: أن تكون الهاء في الصلاة والتسبيح أيضا ل (الكل) ، ويكون (الكل) مرتفعا بالعائد من ذكره عليه في {علم} [النور: 41] ويكون {علم} [النور: 41] فعلا ل (الكل) ، فيكون تأويل الكلام حينئذ: قد علم كل مصل ومسبح منهم صلاة نفسه، وتسبيحه الذي كلفه ، وألزمه. والوجه الآخر أن تكون الهاء في الصلاة والتسبيح من ذكر الله، والعلم ل (الكل) ، فيكون تأويل الكلام حينئذ: قد علم كل مسبح ومصل صلاة الله التي كلفه إياها، وتسبيحه. وأظهر هذه المعاني الثلاثة على هذا الكلام المعنى الأول، وهو أن يكون المعنى: كل مصل منهم ومسبح، قد علم الله صلاته وتسبيحه وقوله: {والله عليم بما يفعلون} [النور: 41] يقول تعالى ذكره: والله ذو علم بما يفعل كل مصل ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء من أفعالهم، طاعتها 17P335 ومعصيتها، محيط بذلك كله، وهو مجازيهم على ذلك كله وقوله: {ولله ملك السموات والأرض} يقول جل ثناؤه: ولله سلطان السماوات والأرض وملكها، دون كل من هو دونه من سلطان وملك، فإياه فارهبوا أيها الناس، وإليه فارغبوا لا إلى غيره، فإن بيده خزائن السماوات والأرض، لا يخشى بعطاياكم منها فقرا. {وإلى الله المصير} [آل عمران: 28] يقول: وأنتم إليه بعد وفاتكم، مصيركم، ومعادكم، فيوفيكم أجور أعمالكم التي عملتموها في الدنيا، فأحسنوا عبادته، واجتهدوا في طاعته، وقدموا لأنفسكم الصالحات من الأعمال 17P335

Sección V17/P334–V17/P338

[النور: 43_44] القول في تأويل قوله تعالى: {ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} [النور: 43_44] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {ألم تر} [البقرة: 243] يا محمد {أن الله يزجي} [النور: 43] يعني يسوق {سحابا} [الأعراف: 57] حيث يريد. {ثم يؤلف بينه} [النور: 43] يقول: ثم يؤلف بين السحاب. وأضاف (بين) إلى السحاب، ولم يذكر مع غيره، و (بين) لا تكون مضافة إلا إلى جماعة أو اثنين، لأن السحاب في معنى جمع، واحده سحابة، كما يجمع النخلة: نخل، والتمرة تمر، فهو نظير قول قائل: جلس فلان بين النخل. وتأليف الله السحاب: جمعه بين متفرقها. وقوله: {ثم يجعله ركاما} [النور: 43] يقول: ثم يجعل السحاب الذي يزجيه ويؤلف بعضه إلى بعض {ركاما} [النور: 43] يعني: متراكما بعضه على بعض وقد حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا خالد، قال: ثنا فطر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبيد بن عمير الليثي، قال: " الرياح أربع: يبعث الله الريح الأولى فتقم الأرض قما، ثم يبعث الثانية فتنشيء سحابا، ثم يبعث الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاما، ثم يبعث الرابعة فتمطره " وقوله: {فترى الودق يخرج من خلاله} [النور: 43] يقول: فترى المطر يخرج من بين السحاب، وهو الودق قال الشاعر: [+البحر المتقارب] فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها والهاء في قوله: {من خلاله} [النور: 43] من ذكر السحاب، والخلال: جمع خلل. وذكر عن ابن عباس وجماعة أنهم كانوا يقرءون ذلك: «من خلله» حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا حرمي بن عمارة، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا قتادة، عن الضحاك بن مزاحم، أنه " قرأ هذا الحرف: {فترى الودق يخرج من خلاله} [النور: 43] «من خلله» قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عمارة، عن رجل، عن ابن 17P337 عباس، أنه " قرأ هذا الحرف: {فترى الودق يخرج من خلاله} [النور: 43] «من خلله» حدثنا أحمد بن يوسف قال: ثنا القاسم قال: ثنا حجاج، عن هارون قال: أخبرني عمارة بن أبي حفصة، عن رجل، عن ابن عباس، " أنه قرأها: «من خلله» بفتح الخاء، من غير ألف " قال هارون: فذكرت ذلك لأبي عمرو، فقال: إنها لحسنة، ولكن خلاله أعم. وأما قراء الأمصار، فإنهم على القراءة الأخرى: {من خلاله} [النور: 43] وهي التي نختار، لإجماع الحجة من القراء عليها حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فترى الودق يخرج من خلاله} [النور: 43] قال: الودق القطر، والخلال: السحاب " وقوله: {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} [النور: 43] قيل في ذلك قولان: أحدهما: أن معناه: وأن الله ينزل من السماء من جبال في السماء من برد، مخلوقة هنالك خلقه. كأن الجبال على هذا القول، هي من برد، كما يقال: جبال من طين. والقول الآخر: أن الله ينزل من السماء قدر جبال، وأمثال جبال من برد إلى الأرض، كما يقال: عندي بيتان تبنا، والمعنى: قدر بيتين من التبن، والبيتان ليسا من التبن وقوله: {فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء} [النور: 43] يقول: فيعذب بذلك الذي ينزل من السماء من جبال فيها من برد من يشاء فيهلكه، أو يهلك به زروعه وماله. {ويصرفه عن من يشاء} [النور: 43] من خلقه، يعني عن زروعهم وأموالهم وقوله: {يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} [النور: 43] يقول: يكاد شدة ضوء برق هذا السحاب يذهب بأبصار من لاقى بصره.

Sección V17/P338

والسنا: مقصور، وهو ضوء البرق كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: {يكاد سنا برقه} [النور: 43] قال: «ضوء برقه» حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {يكاد سنا برقه} [النور: 43] يقول: «لمعان البرق يذهب بالأبصار» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} [النور: 43] قال: " سناه: ضوء يذهب بالأبصار " وقرأت قراء الأمصار {يكاد سنا برقه يذهب} [النور: 43] بفتح الياء من {يذهب} [النور: 43] ، سوى أبي جعفر القارئ، فإنه قرأه بضم الياء: (يذهب بالأبصار) 17P339 والقراءة التي لا أختار غيرها هي فتحها، لإجماع الحجة من القراء عليها، وأن العرب إذا أدخلت الباء في مفعول (ذهبت) ، لم يقولوا: إلا ذهب به، دون أذهبت به. وإذا أدخلوا الألف في (أذهبت) ، لم يكادوا أن يدخلوا الباء في مفعوله، فيقولون: أذهبته، وذهبت به وقوله: {يقلب الله الليل والنهار} [النور: 44] يقول: يعقب الله بين الليل والنهار ويصرفهما، إذا أذهب هذا، جاء هذا، وإذا أذهب هذا، جاء هذا. {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} [آل عمران: 13] يقول: إن في إنشاء الله السحاب، وإنزاله منه الودق، ومن السماء البرد، وفي تقليبه الليل والنهار، لعبرة لمن اعتبر به، وعظة لمن اتعظ به ممن له فهم وعقل؛ لأن ذلك ينبيء، ويدل على أن له مدبرا ومصرفا ومقلبا، لا يشبهه شيء 17P339

Sección V17/P338–V17/P341

[النور: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير} [النور: 45] اختلفت القراء في قراءة قوله: {والله خلق كل دابة من ماء} [النور: 45] فقرأته عامة قراء الكوفة غير عاصم: (والله خالق كل دابة) وقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وعاصم: {والله خلق كل دابة} [النور: 45] بنصب كل، و {خلق} [البقرة: 29] على مثال (فعل) . وهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، وذلك أن الإضافة في قراءة من قرأ 17P340 ذلك (خالق) تدل على أن معنى ذلك المضي، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وقوله: {خلق كل دابة من ماء} [النور: 45] يعني: من نطفة {فمنهم من يمشي على بطنه} [النور: 45] كالحيات وما أشبهها. وقيل: إنما قيل: {فمنهم من يمشي على بطنه} [النور: 45] والمشي لا يكون على البطن؛ لأن المشي إنما يكون لما له قوائم، على التشبيه، وأنه لما خالط ما له قوائم ما لا قوائم له، جاز، كما قال: {ومنهم من يمشي على رجلين} [النور: 45] كالطير، {ومنهم من يمشي على أربع} [النور: 45] كالبهائم. فإن قال قائل: فكيف قيل: فمنهم من يمشي، و (من) للناس، وكل هذه الأجناس أو أكثرها لغيرهم؟ قيل: لأنه تفريق ما هو داخل في قوله: {والله خلق كل دابة} [النور: 45] وكان داخلا في ذلك الناس وغيرهم، ثم قال: {فمنهم} [البقرة: 253] لاجتماع الناس والبهائم وغيرهم في ذلك واختلاطهم، فكنى عن جميعهم كنايته عن بني آدم، ثم فسرهم ب (من) ، إذ كان قد كنى عنهم كناية بني آدم خاصة. {يخلق ما يشاء} [آل عمران: 47] يقول: يحدث الله ما يشاء من الخلق. {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] يقول: إن الله على إحداث ذلك وخلقه وخلق ما يشاء من الأشياء غيره، ذو قدرة لا يتعذر عليه شيء أراد 17P340 [النور: 46] القول في تأويل قوله تعالى: {لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [النور: 46] يقول تعالى ذكره: لقد أنزلنا أيها الناس علامات واضحات، دالات على طريق الحق، وسبيل الرشاد. {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 213] : يقول: 17P341 والله يرشد من يشاء من خلقه بتوفيقه، فيهديه إلى دين الإسلام، وهو الصراط المستقيم والطريق القاصد الذي لا اعوجاج فيه 17P340 [النور: 47_48] القول في تأويل قوله تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون} [النور: 47_48] يقول تعالى ذكره: ويقول المنافقون: صدقنا بالله وبالرسول وأطعنا الله وأطعنا الرسول. {ثم يتولى فريق منهم} [آل عمران: 23] يقول: ثم تدبر كل طائفة منهم من بعد ما قالوا هذا القول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدعو إلى المحاكمة إلى غيره خصمها. {وما أولئك بالمؤمنين} [المائدة: 43] يقول: وليس قائلو هذه المقالة، يعني قوله: {آمنا بالله وبالرسول وأطعنا} [النور: 47] بالمؤمنين، لتركهم الاحتكام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعراضهم عنه إذا دعوا إليه وقوله: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله} [النور: 48] يقول: وإذا دعي هؤلاء المنافقون إلى كتاب الله وإلى رسوله {ليحكم بينهم} [آل عمران: 23] فيما اختصموا فيه بحكم الله، {إذا فريق منهم معرضون} [النور: 48] عن قبول الحق والرضا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم 17P341

Sección V17/P341–V17/P342

[النور: 50] القول في تأويل قوله تعالى: {وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون} [النور: 50] يقول تعالى ذكره: وإن يكن الحق لهؤلاء الذين يدعون إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، فيأبون ويعرضون عن الإجابة إلى ذلك، قبل الذين يدعونهم إلى الله ورسوله، يأتوا إلى رسول الله مذعنين، يقول {مذعنين} [النور: 49] منقادين لحكمه، 17P342 مقرين به، طائعين غير مكرهين؛ يقال منه: قد أذعن فلان بحقه، إذا أقر به طائعا غير مستكره، وانقاد له وسلم وكان مجاهد فيما ذكر عنه يقول في ذلك ما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {يأتوا إليه مذعنين} [النور: 49] قال: سرعا " وقوله: {أفي قلوبهم مرض} [النور: 50] يقول تعالى ذكره: أفي قلوب هؤلاء الذين يعرضون إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، شك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لله رسول، فهم يمتنعون من الإجابة إلى حكمه والرضا به؟ . {أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله} [النور: 50] إذا احتكموا إلى حكم كتاب الله وحكم رسوله؟ وقوله: {أن يحيف الله عليهم ورسوله} [النور: 50] والمعنى: أن يحيف رسول الله عليهم، فبدأ بالله تعالى ذكره تعظيما لله، كما يقال: ما شاء الله ثم شئت، بمعنى شئت. ومما يدل على أن معنى ذلك كذلك قوله: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم} [النور: 48] فأفرد الرسول بالحكم، ولم يقل: ليحكما وقوله: {بل أولئك هم الظالمون} [النور: 50] يقول: ما خاف هؤلاء المعرضون عن حكم الله وحكم رسوله، إذ أعرضوا عن الإجابة إلى ذلك، مما دعوا إليه، أن يحيف عليهم رسول الله، فيجور في حكمه عليهم؛ ولكنهم قوم أهل ظلم لأنفسهم بخلافهم أمر ربهم، ومعصيتهم الله فيما أمرهم من الرضا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أحبوا وكرهوا، والتسليم له 17P342 [النور: 51] القول في تأويل قوله تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} [النور: 51] يقول تعالى ذكره: إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا إلى حكم الله وإلى حكم رسوله، {ليحكم بينهم} [آل عمران: 23] وبين خصومهم، {أن يقولوا سمعنا} [النور: 51] ما قيل لنا، {وأطعنا} [البقرة: 285] من دعانا إلى ذلك. ولم يعن بكان في هذا الموضع الخبر عن أمر قد مضى فيقضى، ولكنه تأنيب من الله الذين أنزلت هذه الآية بسببهم، وتأديب منه آخرين غيرهم. وقوله: {وأولئك هم المفلحون} [البقرة: 5] يقول تعالى ذكره: والذين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم وبين خصومهم، أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. {المفلحون} [البقرة: 5] يقول: هم المنجحون المدركون طلباتهم، بفعلهم ذلك، المخلدون في جنات الله 17P343 [النور: 52] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} [النور: 52] يقول تعالى ذكره: ومن يطع الله ورسوله فيما أمره ونهاه، ويسلم لحكمهما له وعليه، ويخف عاقبة معصية الله، ويحذره، ويتق عذاب الله بطاعته إياه في أمره ونهيه؛ {فأولئك} [البقرة: 81] يقول: فالذين يفعلون ذلك هم الفائزون برضا الله عنهم يوم القيامة، وأمنهم من عذابه 17P343

Sección V17/P342–V17/P345

[النور: 53] القول في تأويل قوله تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون} [النور: 53] يقول تعالى ذكره: وحلف هؤلاء المعرضون عن حكم الله وحكم رسوله إذ دعوا إليه {بالله جهد أيمانهم} [المائدة: 53] يقول: أغلظ أيمانهم وأشدها: {لئن أمرتهم} [النور: 53] يا محمد بالخروج إلى جهاد عدوك وعدو المؤمنين {ليخرجن قل لا تقسموا} [النور: 53] ؛ لا تحلفوا، فإن هذه {طاعة معروفة} [النور: 53] منكم، فيها التكذيب كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {قل لا تقسموا طاعة معروفة} [النور: 53] قال: «قد عرفت طاعتكم إلي أنكم تكذبون» {إن الله خبير بما تعملون} [المائدة: 8] يقول: إن الله ذو خبرة بما تعملون من طاعتكم الله ورسوله، أو خلافكم أمرهما أو غير ذلك من أموركم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم بكل ذلك 17P344 [النور: 54] القول في تأويل قوله تعالى: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [النور: 54] يقول تعالى ذكره {قل} [البقرة: 80] يا محمد، لهؤلاء المقسمين بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن، وغيرهم من أمتك {أطيعوا الله} [آل عمران: 32] أيها القوم فيما أمركم به ونهاكم عنه، و {أطيعوا الرسول} [النساء: 59] فإن طاعته لله طاعة. {فإن تولوا} [آل عمران: 32] يقول: فإن تعرضوا وتدبروا عما أمركم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نهاكم عنه، وتأبوا أن تذعنوا لحكمه لكم وعليكم. {فإنما عليه ما حمل} [النور: 54] يقول: فإنما عليه فعل ما أمر بفعله من تبليغ رسالة الله إليكم، على ما كلفه من التبليغ. {وعليكم ما حملتم} [النور: 54] يقول: وعليكم أيها الناس أن تفعلوا ما ألزمكم وأوجب عليكم من اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، والانتهاء إلى طاعته فيما أمركم ونهاكم. وقلنا إن قوله: {فإن تولوا} [آل عمران: 32] بمعنى: فإن تتولوا، فإنه في موضع جزم؛ لأنه خطاب للذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] يدل على أن ذلك كذلك قوله: {وعليكم ما حملتم} [النور: 54] ولو كان قوله: {تولوا} [البقرة: 115] فعلا ماضيا على وجه الخبر عن غيب، لكان في موضع قوله: {وعليكم ما حملتم} [النور: 54] وعليهم ما حملوا وقوله: {وإن تطيعوه تهتدوا} [النور: 54] يقول تعالى ذكره: وإن تطيعوا أيها الناس رسول الله فيما يأمركم وينهاكم، ترشدوا وتصيبوا الحق في أموركم. {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [النور: 54] يقول: وغير واجب على من أرسله الله إلى قوم برسالة إلا أن يبلغهم رسالته بلاغا يبين لهم ذلك البلاغ عما أراد الله به، يقول: فليس على محمد أيها الناس إلا أداء رسالة الله إليكم، وعليكم الطاعة؛ وإن أطعتموه لحظوظ أنفسكم تصيبون، وإن عصيتموه بأنفسكم فتوبقون 17P345

Sección V17/P345–V17/P347

[النور: 55] القول في تأويل قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} [النور: 55] يقول تعالى ذكره: {وعد الله الذين آمنوا} [المائدة: 9] بالله ورسوله {منكم} [البقرة: 65] أيها الناس، {وعملوا الصالحات} [البقرة: 25] يقول: وأطاعوا الله ورسوله فيما أمراه ونهياه؛ {ليستخلفنهم في الأرض} [النور: 55] يقول: ليورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها. {كما استخلف الذين من قبلهم} [النور: 55] يقول: كما فعل من قبلهم ذلك ببني إسرائيل، إذ أهلك الجبابرة بالشأم، وجعلهم ملوكها وسكانها. {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} [النور: 55] يقول: وليوطئن لهم دينهم، يعني: ملتهم التي ارتضاها لهم فأمرهم بها. وقيل: وعد الله الذين آمنوا، ثم تلقى ذلك بجواب اليمين بقوله: {ليستخلفنهم} [النور: 55] لأن الوعد قول يصلح فيه (أن) ، وجواب اليمين كقوله: وعدتك أن أكرمك، ووعدتك لأكرمنك. واختلف القراء في قراءة قوله: {كما استخلف} [النور: 55] فقرأته عامة القراء: {كما استخلف} [النور: 55] بفتح التاء واللام، بمعنى: كما استخلف الله الذين من قبلهم من الأمم. وقرأ ذلك عاصم: (كما استخلف) بضم التاء، وكسر اللام، على مذهب ما لم يسم فاعله. واختلفوا أيضا في قراءة قوله: {وليبدلنهم} [النور: 55] فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار سوى عاصم: {وليبدلنهم} [النور: 55] بتشديد الدال، بمعنى: وليغيرن حالهم عما هي عليه من الخوف إلى الأمن، والعرب تقول: قد بدل فلان: إذا غيرت حاله ولم يأت مكان غيره، وكذلك كل مغير عن حاله فهو عندهم مبدل بالتشديد. وربما قيل بالتخفيف، وليس بالفصيح. فأما إذا جعل مكان الشيء المبدل غيره، فذلك بالتخفيف: أبدلته فهو مبدل. وذلك كقولهم: أبدل هذا الثوب: أي جعل مكانه آخر غيره، وقد يقال بالتشديد؛ غير أن الفصيح من الكلام ما وصفت. وكان عاصم يقرؤه: (وليبدلنهم) بتخفيف الدال والصواب من القراءة في ذلك: التشديد، على المعنى الذي وصفت قبل، لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه، وأن ذاك تغيير حال الخوف إلى الأمن. وأرى عاصما ذهب إلى أن الأمن لما كان خلاف الخوف وجه المعنى إلى أنه ذهب بحال الخوف، وجاء بحال الأمن، فخفف ذلك. ومن الدليل على ما قلنا من أن التخفيف إنما هو ما كان في إبدال شيء مكان آخر، قول أبي النجم: [+البحر الرجز] عزل الأمير للأمير المبدل وقوله: {يعبدونني} [النور: 55] يقول: يخضعون لي بالطاعة، ويتذللون لأمري ونهيي {لا يشركون بي شيئا} [النور: 55] يقول: لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام ولا شيئا غيرها، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إلي دون كل ما عبد من شيء غيري. وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل شكاية بعض أصحابه إليه في بعض الأوقات التي كانوا فيها من العدو في خوف شديد مما هم فيه 17P348 من الرعب والخوف، وما يلقون بسبب ذلك من الأذى والمكروه ذكر الرواية بذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات} [النور: 55] الآية قال: " مكث النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين خائفا يدعو إلى الله سرا وعلانية، قال: ثم أمر بالهجرة إلى المدينة. قال: فمكث بها هو وأصحابه خائفون، يصبحون في السلاح، ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تغبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم محتبيا فيه ، ليس فيه حديدة» . فأنزل الله هذه الآية: {وعد الله الذين آمنوا منكم} [النور: 55] . إلى قوله: {فمن كفر بعد ذلك} [المائدة: 12] قال: " يقول: من كفر بهذه النعمة {فأولئك هم الفاسقون} [آل عمران: 82] وليس يعني الكفر بالله.

Preguntas