Taberî — Câmiü'l-Beyân
قال: فأظهره الله على جزيرة العرب، فآمنوا، ثم تجبروا، فغير الله ما بهم. وكفروا بهذه النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم؛ قال القاسم: قال أبو علي: «بقتلهم عثمان بن عفان رضي الله عنه» واختلف أهل التأويل في معنى الكفر الذي ذكره الله في قوله: {فمن كفر بعد ذلك} [المائدة: 12] فقال أبو العالية ما ذكرنا عنه من أنه كفر بالنعمة لا كفر بالله. وروي عن حذيفة في ذلك ما حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، 17P349 قال: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي الشعثاء، قال: كنت جالسا مع حذيفة وعبد الله بن مسعود، فقال حذيفة: " ذهب النفاق، وإنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو الكفر بعد الإيمان قال: فضحك عبد الله، فقال: لم تقول ذلك؟ قال: علمت ذلك قال: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} [النور: 55] . حتى بلغ آخرها " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، قال: ثنا شعبة، عن أبي الشعثاء، قال: قعدت إلى ابن مسعود، وحذيفة، فقال حذيفة: " ذهب النفاق فلا نفاق، وإنما هو الكفر بعد الإيمان فقال عبد الله: تعلم ما تقول؟ قال: فتلا هذه الآية: " {إنما كان قول المؤمنين} [النور: 51] " حتى بلغ: {فأولئك هم الفاسقون} [آل عمران: 82] " قال: فضحك عبد الله. قال: فلقيت أبا الشعثاء بعد ذلك بأيام، فقلت: من أي شيء ضحك عبد الله؟ قال: لا أدري، إن الرجل ربما ضحك من الشيء الذي يعجبه، وربما ضحك من الشيء الذي لا يعجبه، فمن أي شيء ضحك؟ لا أدري والذي قاله أبو العالية من التأويل أشبه بتأويل الآية، وذلك أن الله وعد الإنعام على هذه الأمة بما أخبر في هذه الآية أنه منعم به عليهم؛ ثم قال عقيب ذلك: فمن كفر هذه النعمة بعد ذلك {فأولئك هم الفاسقون} [آل عمران : 82] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن 17P350 مجاهد، قول الله: {يعبدونني لا يشركون بي شيئا} [النور: 55] قال: «تلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد: {أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا} [النور: 55] قال: «لا يخافون غيري» 17P350
[النور: 56_57] القول في تأويل قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير} [النور: 56_57] يقول تعالى ذكره: {وأقيموا} [البقرة: 43] أيها الناس {الصلاة} [البقرة: 3] بحدودها، فلا تضيعوها. {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] التي فرضها الله عليكم أهلها، وأطيعوا رسول ربكم فيما أمركم ونهاكم. {لعلكم ترحمون} [آل عمران: 132] يقول: كي يرحمكم ربكم فينجيكم من عذابه. وقوله: {لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض} [النور: 57] يقول تعالى ذكره: لا تحسبن يا محمد الذين كفروا بالله معجزيه في الأرض إذا أراد إهلاكهم. {ومأواهم} [آل عمران: 151] بعد هلاكهم {النار ولبئس المصير} [النور: 57] الذي يصيرون إليه ذلك المأوى وقد كان بعضهم يقول: «لا يحسبن الذين كفروا» بالياء. وهو مذهب ضعيف عند أهل العربية؛ وذلك أن «تحسب» محتاج إلى منصوبين. وإذا قرئ «يحسبن» لم يكن واقعا إلا على منصوب واحد، غير أني أحسب أن قائله بالياء ظن أنه قد عمل في «معجزين وأن منصوبه الثاني في» الأرض "، وذلك لا معنى له إن كان ذلك قصد. 17P351
[النور: 58] القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم} [النور: 58] اختلف أهل التأويل في المعني بقوله: {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} [النور: 58] فقال بعضهم: عني بذلك الرجال دون النساء، ونهوا عن أن يدخلوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة هؤلاء الذين سموا في هذه الآية إلا بإذن ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، قوله: {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} [النور: 58] قال: «هي على الذكور دون الإناث» وقال آخرون: بل عني به الرجال والنساء ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} [النور: 58] قال: «هي في الرجال والنساء، يستأذنون على كل حال، بالليل والنهار» وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني به الذكور والإناث؛ لأن الله عم بقوله: {الذين ملكت أيمانكم} [النور: 58] جميع أملاك أيماننا، ولم يخصص منهم ذكرا ولا أنثى؛ فذلك على جميع من عمه ظاهر التنزيل. فتأويل الكلام: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، ليستأذنكم في الدخول عليكم عبيدكم وإماؤكم، فلا يدخلوا عليكم إلا بإذن منكم لهم. {والذين لم يبلغوا الحلم منكم} [النور: 58] يقول: والذين لم يحتلموا من أحراركم ثلاث مرات، يعني: ثلاث مرات في ثلاثة أوقات من ساعات ليلكم ونهاركم كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} [النور: 58] قال: عبيدكم المملوكون. {والذين لم يبلغوا الحلم منكم} [النور: 58] قال: لم يحتلموا من أحراركم " قال ابن جريج: قال لي عطاء بن أبي رباح: فذلك على كل صغير وصغيرة أن 17P353 يستأذن، كما قال: {ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء} [النور: 58] قالوا: هي العتمة. قلت: فإذا وضعوا ثيابهم بعد العتمة استأذنوا عليهم حتى يصبحوا؟ قال نعم. قلت لعطاء: هل استئذانهم إلا عند وضع الناس ثيابهم؟
قال: لا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن صالح بن كيسان، ويعقوب بن عتبة، وإسماعيل بن محمد، قالوا: «لا استئذان على خدم الرجل عليه إلا في العورات الثلاث» حدثني علي ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} [النور: 58] يقول: «إذا خلا الرجل بأهله بعد صلاة العشاء، فلا يدخل عليه خادم ولا صبي إلا بإذن حتى يصلي الغداة، فإذا خلا بأهله عند صلاة الظهر فمثل ذلك» حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، أنه سأل عبد الله بن سويد الحارثي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الإذن في العورات الثلاث، فقال: «إذا وضعت ثيابي من الظهيرة، لم يلج علي أحد من الخدم الذي بلغ الحلم ولا أحد ممن لم يبلغ الحلم من الأحرار، إلا بإذن» حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن جريج، قال: سمعت عطاء، يقول: قال ابن عباس: " ثلاث آيات جحدهن الناس: الإذن كله، وقال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]، وقال الناس: أكرمكم أعظمكم بيتا، ونسيت الثالثة " حدثني ابن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في هذه الآية: {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} [النور: 58] قال: كان الحسن يقول: «إذا أبات الرجل خادمه معه فهو إذنه، وإن لم يبته معه استأذن في هذه الساعات» حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثني موسى بن أبي عائشة، عن الشعبي، في قوله: {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} [النور: 58] قال: «لم تنسخ» قلت: إن الناس لا يعملون به قال: «الله المستعان» قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن الشعبي، وسألته عن هذه الآية: {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} [النور: 58] قلت: منسوخة هي؟ قال: «لا والله، ما نسخت» ، قلت: إن الناس لا يعملون بها قال: «الله المستعان» قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: «إن ناسا يقولون نسخت، ولكنها مما يتهاون الناس به» قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} [النور: 58] . إلى آخر الآية، قال: «لا يعمل بها اليوم» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا حنظلة، أنه سمع القاسم بن محمد يسأل عن الإذن، فقال: «يستأذن عند كل عورة، ثم هو طواف؛ يعني الرجل على أمه» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا عبد العزيز بن أبي رواد، قال: أخبرني رجل من أهل الطائف، عن غيلان بن شرحبيل، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم قال الله {ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم} [النور: 58] وإنما العتمة عتمة الإبل " وقوله: {ثلاث عورات لكم} [النور: 58] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: { (ثلاث عورات لكم) } برفع (الثلاث) ، بمعنى الخبر عن هذه الأوقات التي ذكرت. كأنه عندهم قيل: هذه الأوقات الثلاثة التي أمرناكم بأن لا يدخل عليكم فيها من ذكرنا إلا بإذن، ثلاث عورات لكم؛ لأنكم تضعون فيها ثيابكم، وتخلون بأهليكم. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: (ثلاث عورات) بنصب (الثلاث) على الرد على (الثلاث) الأولى. وكأن معنى الكلام عندهم: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات، ثلاث عورات لكم. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم} [النور: 58] يقول تعالى ذكره: ليس عليكم معشر أرباب البيوت والمساكن، {ولا عليهم} [النور: 58] يعني: ولا على الذين ملكت أيمانكم من الرجال والنساء والذين لم يبلغوا الحلم من أولادكم الصغار حرج ولا إثم بعدهن، يعني: بعد العورات الثلاث. والهاء والنون في قوله: {بعدهن} [النور: 58] عائدتان على (الثلاث) من قوله: {ثلاث عورات لكم} [النور: 58] . وإنما يعني بذلك أنه لا حرج ولا جناح على الناس أن يدخل عليهم مماليكهم البالغون، وصبيانهم الصغار بغير إذن بعد هذه الأوقات الثلاث اللاتي ذكرهن في قوله: {من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء} [النور: 58] . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: " ثم رخص لهم في الدخول فيما بين ذلك بغير إذن، يعني فيما بين صلاة الغداة إلى الظهر، وبعد الظهر إلى صلاة العشاء؛ أنه رخص لخادم الرجل والصبي أن يدخل عليه منزله بغير إذن. قال: وهو قوله: {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن} [النور: 58] فأما من بلغ الحلم فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلا بإذن على كل حال " وقوله: {طوافون عليكم} [النور: 58] رفع (الطوافون) بمضمر، وذلك (هم) . يقول لهؤلاء المماليك والصبيان الصغار: هم طوافون عليكم أيها الناس، ويعني بالطوافين: أنهم يدخلون ويخرجون على مواليهم وأقربائهم في منازلهم غدوة وعشية بغير إذن، يطوفون عليهم، بعضكم على بعض في غير الأوقات الثلاث التي أمرهم أن لا يدخلوا على ساداتهم وأقربائهم فيها إلا بإذن. {كذلك يبين الله لكم الآيات} [البقرة: 219] يقول جل ثناؤه: كما بينت لكم أيها الناس أحكام الاستئذان في هذه الآية، كذلك يبين الله لكم جميع أعلامه، وأدلته، وشرائع دينه. {والله عليم حكيم} [النساء: 26] يقول: والله ذو علم بما يصلح عباده، حكيم في تدبيره إياهم وغير ذلك من أموره 17P357
[النور: 59] القول في تأويل قوله تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم} [النور: 59] 17P358 يقول تعالى ذكره: إذا بلغ الصغار من أولادكم وأقربائكم ويعني بقوله: {منكم} [البقرة: 65] من أحراركم {الحلم} [النور: 58] يعني الاحتلام ، واحتلموا. {فليستأذنوا} [النور: 59] يقول: فلا يدخلوا عليكم في وقت من الأوقات إلا بإذن، لا في أوقات العورات الثلاث ولا في غيرها وقوله: {كما استأذن الذين من قبلهم} [النور: 59] يقول: كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقربائه الأحرار. وخص الله تعالى ذكره في هذه الآية الأطفال بالذكر وتعريف حكمهم عباده في الاستئذان دون ذكر ما ملكت أيماننا، وقد تقدمت الآية التي قبلها بتعريفهم حكم الأطفال الأحرار والمماليك؛ لأن حكم ما ملكت أيماننا من ذلك حكم واحد، سواء فيه حكم كبارهم، وصغارهم في أن الإذن عليهم في الساعات الثلاث التي ذكرها الله في الآية التي قبل. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: " أما من بلغ الحلم، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله يعني: من الصبيان الأحرار إلا بإذن على كل حال؛ وهو قوله: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم} [النور: 59] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: 17P359 قال عطاء: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا} [النور: 59] قال: «واجب على الناس أن يستأذنوا إذا احتلموا، على من كان من الناس» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، قال: " يستأذن الرجل على أمه؟ قال: إنما نزلت: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم} [النور: 59] في ذلك " {كذلك يبين الله لكم آياته} [البقرة: 242] يقول: هكذا يبين الله لكم آياته، أحكامه وشرائع دينه، كما بين لكم أمر هؤلاء الأطفال في الاستئذان بعد البلوغ. {والله عليم حكيم} [النساء: 26] يقول: والله عليم بما يصلح خلقه وغير ذلك من الأشياء، حكيم في تدبيره خلقه 17P359
[النور: 60] القول في تأويل قوله تعالى: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم} [النور: 60] يقول تعالى ذكره: واللواتي قد قعدن عن الولد من الكبر من النساء، فلا يحضن ولا يلدن؛ واحدتهن قاعد. {اللاتي لا يرجون نكاحا} [النور: 60] يقول: اللاتي قد يئسن من البعولة، فلا يطمعن في الأزواج {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} [النور: 60] يقول: فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن، 17P360 يعني جلابيبهن، وهي القناع الذي يكون فوق الخمار، والرداء الذي يكون فوق الثياب، لا حرج عليهن أن يضعن ذلك عند المحارم من الرجال وغير المحارم من الغرباء غير متبرجات بزينة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا} [النور: 60] " وهي المرأة، لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار وتضع عنها الجلباب ما لم تتبرج لما يكره الله، وهو قوله: {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة} [النور: 60] ثم قال: {وأن يستعففن خير لهن} [النور: 60] " حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {يضعن ثيابهن} [النور: 60] يعني: الجلباب، وهو القناع؛ وهذا للكبيرة التي قد قعدت عن الولد، فلا يضرها أن لا تجلبب فوق الخمار. وأما كل امرأة مسلمة حرة، فعليها إذا بلغت المحيض أن تدني الجلباب على الخمار. وقال الله في سورة الأحزاب: {يدنين عليهن من 17P361 جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} [الأحزاب: 59]، وكان بالمدينة رجال من المنافقين إذا مرت بهم امرأة سيئة الهيئة والزي، حسب المنافقون أنها مزنية وأنها من بغيتهم، فكانوا يؤذون المؤمنات بالرفث، ولا يعلمون الحرة من الأمة؛ فأنزل الله في ذلك: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} [الأحزاب: 59] يقول: إذا كان زيهن حسنا لم يطمع فيهن المنافقون " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج، في قوله: {والقواعد من النساء} [النور: 60] التي قعدت من الولد وكبرت قال ابن جريج: قال مجاهد: {اللاتي لا يرجون نكاحا} [النور: 60] قال: «لا يردنه» {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} [النور: 60] قال: جلابيبهن حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة} [النور: 60] قال: " وضع الخمار قال: التي لا ترجو نكاحا: التي قد بلغت أن لا يكون لها في الرجال حاجة ولا للرجال فيها حاجة؛ فإذا بلغن ذلك وضعن الخمار غير متبرجات بزينة.
ثم قال: {وأن يستعففن خير 17P362 لهن} [النور: 60] كان أبي يقول هذا كله " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن ذر، عن أبي وائل، عن عبد الله، في قوله: {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} [النور: 60] قال: «الجلباب أو الرداء» شك سفيان قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله: " {ليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} قال: الرداء " حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد الله في هذه الآية: {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} [النور: 60] قال: هي «الملحفة» حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت أبا وائل، قال: سمعت عبد الله، يقول في هذه الآية: {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} [النور: 60] قال: «الجلباب» حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: أخبرني الحكم، عن أبي 17P363 وائل، عن عبد الله، مثله حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، في قوله: {أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة} [النور: 60] قال: «هو الرداء» قال الحسن قال: عبد الرزاق: قال الثوري: وأخبرني أبو حصين وسالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: «هو الرداء» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي: {أن يضعن، ثيابهن غير متبرجات بزينة} [النور: 60] قال: «تضع الجلباب المرأة التي قد عجزت ولم تزوج» . قال الشعبي: فإن أبي بن كعب يقرأ: (أن يضعن من ثيابهن) " حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: قلت لابن أبي نجيح: قوله: {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة} [النور: 60] قال: «الجلباب» قال يعقوب: قال أبو يونس: قلت له: عن مجاهد؟ قال: نعم، في الدار والحجرة حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن 17P364 مجاهد، قوله: {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} [النور: 60] قال: «جلابيبهن» وقوله: {غير متبرجات بزينة} [النور: 60] يقول: ليس عليهن جناح في وضع أرديتهن إذا لم يردن بوضع ذلك عنهن أن يبدين ما عليهن من الزينة للرجال. والتبرج: هو أن تظهر المرأة من محاسنها ما ينبغي لها أن تستره وقوله: {وأن يستعففن خير لهن} [النور: 60] يقول: وإن تعففن عن وضع جلابيبهن وأرديتهن، فيلبسنها، خير لهن من أن يضعنها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أن يستعففن، خير لهن} [النور: 60] قال: «أن يلبسن جلابيبهن» حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي: {وأن يستعففن خير لهن} [النور: 60] قال: ترك ذلك، يعني: «ترك وضع الثياب» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأن 17P365 يستعففن خير لهن} [النور: 60] " والاستعفاف: لبس الخمار على رأسها، كان أبي يقول هذا كله " {والله سميع} [البقرة: 224] ما تنطقون بألسنتكم. {عليم} [البقرة: 29] بما تضمره صدوركم، فاتقوه أن تنطقوا بألسنتكم ما قد نهاكم عن أن تنطقوا بها، أو تضمروا في صدوركم ما قد كرهه لكم، فتستوجبوا بذلك منه عقوبة 17P365
[النور: 61] القول في تأويل قوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون} [النور: 61] قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في هذه الآية في المعنى الذي أنزلت فيه، فقال بعضهم: أنزلت هذه الآية ترخيصا للمسلمين في الأكل مع العميان والعرجان والمرضى وأهل الزمانة من طعامهم، من أجل أنهم كانوا قد امتنعوا من أن يأكلوا معهم من طعامهم، خشية أن يكونوا قد أتوا بأكلهم معهم من طعامهم شيئا مما نهاهم الله عنه بقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثني عبد الله قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم. إلى قوله: {أو أشتاتا} [النور: 61] وذلك لما أنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29]، فقال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام من أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد. فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله بعد ذلك: {ليس على الأعمى حرج} [النور: 61] . إلى قوله: {أو ما ملكتم مفاتحه} [النور: 61] حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {ليس على الأعمى حرج} [النور: 61] . الآية، " كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا مريض، فقال بعضهم: إنما كان بهم التقذر والتقزز. وقال بعضهم: المريض لا يستوفي الطعام كما يستوفي الصحيح، والأعرج المنحبس لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والأعمى لا يبصر طيب الطعام. فأنزل الله: ليس عليكم حرج في مؤاكلة المريض والأعمى 17P367 والأعرج " فمعنى الكلام على تأويل هؤلاء: ليس عليكم أيها الناس في الأعمى حرج أن تأكلوا منه ومعه، ولا في الأعرج حرج، ولا في المريض حرج، ولا في أنفسكم، أن تأكلوا من بيوتكم. فوجهوا معنى «على» في هذا الموضع إلى معنى «في» وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية ترخيصا لأهل الزمانة في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية؛ لأن قوما كانوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن عندهم في بيوتهم ما يطعمونهم، ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله في هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتخوفون من أن يطعموا ذلك الطعام، لأنه أطعمهم غير ملكه ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: لا جناح عليكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم قال: كان رجال زمنى قال ابن عمرو في حديثه: عميان وعرجان.
وقال الحارث: عمي عرج أولو حاجة، يستتبعهم رجال إلى بيوتهم، فإن لم يجدوا طعاما ذهبوا بهم إلى بيوت 17P368 آبائهم ومن عدد منهم من البيوت، فكره ذلك المستتبعون، فأنزل الله في ذلك: {ليس عليكم جناح} [النور: 61] وأحل لهم الطعام حيث وجدوه " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " كان الرجل يذهب بالأعمى والمريض والأعرج إلى بيت أبيه، أو إلى بيت أخيه، أو عمه، أو خاله، أو خالته، فكان الزمنى يتحرجون من ذلك ، يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فنزلت هذه الآية رخصة لهم " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحو حديث ابن عمرو، عن أبي عاصم وقال آخرون: بل نزلت ترخيصا لأهل الزمانة الذين وصفهم الله في هذه الآية أن يأكلوا من بيوت من خلفهم في بيوته من الغزاة ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: قلت للزهري، في قوله: {ليس على الأعمى حرج } [النور: 61] : ما بال الأعمى ذكر هاهنا 17P369 والأعرج والمريض؟ فقال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله " أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم يقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا وكانوا يتحرجون من ذلك، يقولون: لا ندخلها وهي غيب. فأنزلت هذه الآية رخصة لهم " وقال آخرون: بل عني بقوله: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} [النور: 61] في التخلف عن الجهاد في سبيل الله. قالوا: وقوله: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} [النور: 61] كلام منقطع عما قبله ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} [النور: 61] قال: هذا في الجهاد في سبيل الله. وفي قوله: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} [النور: 61] . إلى قوله: {أو صديقكم} [النور: 61] قال: " هذا شيء قد انقطع، إنما كان هذا في الأول، لم يكن لهم أبواب، وكانت الستور مرخاة، فربما دخل الرجل البيت وليس فيه أحد، فربما وجد الطعام وهو جائع، فسوغه الله أن يأكله. قال: وقد ذهب ذلك اليوم، البيوت اليوم فيها أهلها، وإذا أخرجوا أغلقوها؛ فقد ذهب ذلك " 17P370 وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية ترخيصا للمسلمين الذين كانوا يتقون مؤاكلة أهل الزمانة في مؤاكلتهم إذا شاءوا ذلك ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن مقسم، في قوله: {ليس على الأعمى حرج} [النور: 61] قال: " كانوا يتقون أن يأكلوا مع الأعمى والأعرج، فنزلت: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} [النور: 61] " واختلفوا أيضا في معنى قوله: {أو ما ملكتم مفاتحه} [النور: 61] فقال بعضهم: عني بذلك وكيل الرجل وقيمه، أنه لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته، ونحو ذلك ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس ، في قوله: {أو ما ملكتم مفاتحه} [النور: 61] «وهو الرجل يوكل الرجل بضيعته، فرخص الله له أن يأكل من ذلك الطعام والتمر ويشرب اللبن» 17P371 وقال آخرون: بل عني بذلك: منزل الرجل نفسه أنه لا بأس عليه أن يأكل ذكر من قال ذلك حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {أو ما ملكتم مفاتحه} [النور: 61] يعني: «بيت أحدهم، فإنه يملكه، والعبيد منهم مما ملكوا» حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {أو ما ملكتم مفاتحه} [النور: 61] «مما تحبون يا ابن آدم» حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: {أو ما ملكتم مفاتحه} [النور: 61] قال: «خزائن لأنفسهم، ليست لغيرهم» وأشبه الأقوال التي ذكرنا في تأويل قوله: {ليس على الأعمى حرج} [النور: 61] .
إلى قوله: {أو صديقكم} [النور: 61] القول الذي ذكرنا عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، وذلك أن أظهر معاني قوله: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج 17P372 حرج} [النور: 61] أنه لا حرج على هؤلاء الذين سموا في هذه الآية أن يأكلوا من بيوت من ذكره الله فيها، على ما أباح لهم من الأكل منها. فإذ كان ذلك أظهر معانيه، فتوجيه معناه إلى الأغلب الأعرف من معانيه أولى من توجيهه إلى الأنكر منها. فإذ كان ذلك كذلك، كان ما خالف من التأويل قول من قال: معناه: ليس في الأعمى والأعرج حرج، أولى بالصواب. وكذلك أيضا الأغلب من تأويل قوله: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} [النور: 61] أنه بمعنى: ولا عليكم أيها الناس. ثم جمع هؤلاء والزمنى الذين ذكرهم قبل في الخطاب، فقال: أن تأكلوا من بيوت أنفسكم. وكذلك تفعل العرب إذا جمعت بين خبر الغائب والمخاطب، غلبت المخاطب فقالت: أنت وأخوك قمتما، وأنت وزيد جلستما، ولا تقول: أنت وأخوك جلسا، وكذلك قوله: {ولا على أنفسكم} [النور: 61] والخبر عن الأعمى والأعرج والمريض، غلب المخاطب، فقال: أن تأكلوا، ولم يقل: أن يأكلوا . فإن قال قائل: فهذا الأكل من بيوتهم قد علمناه كان لهم حلالا إذ كان ملكا لهم، أو كان أيضا حلالا لهم الأكل من مال غيرهم؟ 17P373 قيل له: ليس الأمر في ذلك على ما توهمت؛ ولكنه كما ذكرناه عن عبيد الله بن عبد الله، أنهم كانوا إذا غابوا في مغازيهم وتخلف أهل الزمانة منهم، دفع الغازي مفتاح مسكنه إلى المتخلف منهم، فأطلق له في الأكل مما يخلف في منزله من الطعام، فكان المتخلفون يتخوفون الأكل من ذلك، وربه غائب، فأعلمه الله أنه لا حرج عليه في الأكل منه، وأذن لهم في أكله. فإذ كان ذلك كذلك تبين أن لا معنى لقول من قال: إنما أنزلت هذه الآية من أجل كراهة المستتبع أكل طعام غير المستتبع؛ لأن ذلك لو كان كما قال من قال ذلك: لقيل: ليس عليكم حرج أن تأكلوا من طعام غير من أضافكم، أو من طعام آباء من دعاكم، ولم يقل: أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم. وكذلك لا وجه لقول من قال: معنى ذلك: ليس على الأعمى حرج في التخلف عن الجهاد في سبيل الله، لأن قوله: {أن تأكلوا} [النور: 61] خبر «ليس» و «أن» في موضع نصب على أنها خبر لها، فهي متعلقة ب «ليس» فمعلوم بذلك أن معنى الكلام: ليس على الأعمى حرج أن يأكل من بيته، ولا ما قاله الذين ذكرنا من أنه لا حرج عليه في التخلف عن الجهاد. فإذ كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، تبين أن معنى الكلام: لا ضيق 17P374 على الأعمى، ولا على الأعرج، ولا على المريض، ولا عليكم أيها الناس، أن تأكلوا من بيوت أنفسكم أو من بيوت آبائكم، أو من بيوت أمهاتكم، أو من بيوت إخوانكم، أو من بيوت أخواتكم، أو من بيوت أعمامكم، أو من بيوت عماتكم، أو من بيوت أخوالكم، أو من بيوت خالاتكم، أو من البيوت التي ملكتم مفاتحها، أو من بيوت صديقكم، إذا أذنوا لكم في ذلك، عند مغيبهم ومشهدهم. والمفاتح: الخزائن ، واحدها: مفتح، إذا أريد به المصدر، وإذا كان من المفاتيح التي يفتح بها، فهي مفتح ومفاتح؛ وهي هاهنا على التأويل الذي اخترناه جمع مفتح الذي يفتح به. وكان قتادة يتأول في قوله: {أو صديقكم} [النور: 61] ما حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {أو صديقكم} [النور: 61] «فلو أكلت من بيت صديقك من غير أمره، لم يكن بذلك بأس» قال معمر: قلت لقتادة: أولا أشرب من هذا الحب؟ قال: أنت لي صديق.
17P375 وأما قوله: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} [النور: 61] فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: كان الغني من الناس يتخوف أن يأكل مع الفقير، فرخص لهم في الأكل معهم ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: {أن تأكلوا، جميعا أو أشتاتا} [النور: 61] قال: كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصديقه، فيدعوه إلى طعامه ليأكل معه، فيقول: والله إني لأجنح أن آكل معك والجنح: الحرج وأنا غني وأنت فقير فأمروا أن يأكلوا جميعا أو أشتاتا " وقال آخرون: بل عني بذلك حي من أحياء العرب، كانوا لا يأكل أحدهم وحده، ولا يأكل إلا مع غيره، فأذن الله لهم أن يأكل من شاء منهم وحده ومن شاء منهم مع غيره ذكر من قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: " كانوا يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه 17P376 غيره، فرخص الله لهم، فقال: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} [النور: 61] " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: «كانت بنو كنانة يستحي الرجل منهم أن يأكل، وحده، حتى نزلت هذه الآية» حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول: " كانوا لا يأكلون إلا جميعا، ولا يأكلون متفرقين، وكان ذلك فيهم دينا؛ فأنزل الله: ليس عليكم حرج في مؤاكلة المريض والأعمى، وليس عليكم حرج أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} [النور: 61] قال: كان من العرب من لا يأكل أبدا جميعا، ومنهم من لا يأكل إلا جميعا، فقال الله ذلك " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: " نزلت: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} [النور: 61] في حي من العرب كان الرجل منهم لا يأكل طعامه وحده، كان يحمله بعض يوم حتى يجد من يأكله معه. قال: وأحسب أنه ذكر أنهم من كنانة " 17P377 وقال آخرون: بل عني بذلك قوم كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم في أن يأكلوا كيف شاءوا ذكر من قال ذلك حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن عمران بن سليمان، عن أبي صالح، وعكرمة، قالا: " كانت الأنصار إذا نزل بهم الضيف لا يأكلون حتى يأكل الضيف معهم، فرخص لهم، قال الله: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} [النور: 61] " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وضع الحرج عن المسلمين أن يأكلوا جميعا معا إذا شاءوا، أو أشتاتا متفرقين إذا أرادوا. وجائز أن يكون ذلك نزل بسبب من كان يتخوف من الأغنياء الأكل مع الفقير، وجائز أن يكون نزل بسبب القوم الذين ذكر أنهم كانوا لا يطعمون وحدانا، وبسبب غير ذلك؛ ولا خبر بشيء من ذلك يقطع العذر، ولا دلالة في ظاهر التنزيل على حقيقة شيء منه.
والصواب التسليم لما دل عليه ظاهر التنزيل، والتوقف فيما لم يكن على صحته دليل وقوله: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله} [النور: 61] اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: معناه: فإذا دخلتم أيها الناس بيوت أنفسكم، فسلموا على أهليكم وعيالكم ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهري، وقتادة، في قوله: {فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] قالا: بيتك، إذا دخلته فقل: سلام عليكم " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] قال: «سلم على أهلك» قال ابن جريج: وسئل عن عطاء بن أبي رباح: أحق على الرجل إذا دخل على أهله أن يسلم عليهم؟ قال: نعم. وقالها عمرو بن دينار. وتلوا: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة} [النور: 61] قال عطاء بن أبي رباح ذلك غير مرة " قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله، " يقول: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم {تحية من عند الله 17P379 مباركة طيبة} [النور: 61] . قال: ما رأيته إلا يوجبه " قال ابن جريج: وأخبرني زياد، عن ابن طاوس أنه كان يقول: «إذا دخل أحدكم بيته فليسلم» قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: إذا خرجت، أواجب السلام؟ هل أسلم عليهم؟ فإنما قال: {إذا دخلتم بيوتا فسلموا} قال: ما أعلمه واجبا ولا آثر عن أحد وجوبه، ولكن أحب إلي، وما أدعه إلا ناسيا. قال ابن جريج: وقال عمرو بن دينار: لا، قال: قلت لعطاء: فإن لم يكن في البيت أحد؟ قال: سلم قل: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله. قلت له: قولك هذا إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد ،. عمن تأثره؟ قال: سمعته، ولم يؤثر لي عن أحد قال ابن جريج: وأخبرني عطاء الخراساني، عن ابن عباس قال: «السلام علينا من ربنا» وقال عمرو بن دينار: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» حدثنا أحمد بن عبد الرحيم، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: ثنا صدقة، عن زهير، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: " إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، تحية من عند الله مباركة طيبة.
قال: ما رأيته إلا يوجبه " حدثنا محمد بن عباد الرازي قال: ثنا حجاج بن محمد الأعور قال: قال لي ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: فذكر مثله حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] يقول: «سلموا على أهاليكم إذا دخلتم بيوتكم، وعلى غير أهاليكم، فسلموا إذا دخلتم بيوتهم» وقال آخرون: بل معناه: فإذا دخلتم المساجد فسلموا على أهلها ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: {إذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} قال: " هي المساجد، يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، في قوله: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] قال: " إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وإذا دخلت بيتك فقل: السلام عليكم " وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا دخلتم بيوتا من بيوت المسلمين فيها ناس منكم، فليسلم بعضكم على بعض ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: {فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] " أي: ليسلم بعضكم على بعض، كقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] قال: " إذا دخل المسلم سلم عليه، كمثل قوله: {لا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29]، إنما هو: لا تقتل أخاك المسلم. وقوله: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} [البقرة: 85]، قال: «يقتل بعضكم بعضا، قريظة والنضير» وقال آخرون: معناه: فإذا دخلتم بيوتا ليس فيها أحد، فسلموا على أنفسكم ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك، قال: " إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وإذا دخلت بيتا فيه ناس من المسلمين وغير المسلمين، فقل مثل ذلك " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي سنان، عن ماهان، قال: " إذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم قال: تقولوا: السلام علينا من ربنا " حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرنا شعبة، عن منصور، ، قال شعبة: وسألته عن هذه الآية: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله} [النور: 61] قال: قال إبراهيم: إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن نافع، أن عبد الله " كان إذا دخل بيتا ليس فيه أحد قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، قال: ثنا منصور، عن إبراهيم: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] قال: إذا دخلت بيتا فيه يهود فقل: السلام عليكم وإن لم يكن فيه أحد فقل: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه: فإذا دخلتم بيوتا من بيوت المسلمين، فليسلم بعضكم على بعض. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن الله جل ثناؤه قال: {فإذا دخلتم بيوتا} [النور: 61] ولم يخصص من ذلك بيتا دون بيت، وقال: {فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] يعني: بعضكم على بعض. فكان معلوما إذ لم يخصص ذلك على بعض البيوت دون بعض، أنه معني به جميعها، مساجدها وغير مساجدها.
ومعنى قوله: {فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] نظير قوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] وقوله: {تحية من عند الله} [النور: 61] ونصب تحية، بمعنى: تحيون أنفسكم تحية من عند الله السلام تحية، فكأنه قال: فليحي بعضكم بعضا تحية من عند الله وقد كان بعض أهل العربية يقول: إنما نصبت بمعنى: أمركم بها تفعلونها تحية منه، ووصف جل ثناؤه هذه التحية المباركة الطيبة لما فيها من الأجر الجزيل ، والثواب العظيم وقوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات} [البقرة: 219] يقول تعالى ذكره: هكذا يفصل الله لكم معالم دينكم فيبينها لكم، كما فصل لكم في هذه الآية ما أحل لكم فيها، وعرفكم سبيل الدخول على من تدخلون عليه. {لعلكم تعقلون} [البقرة: 73] يقول: لكي تفقهوا عن الله أمره ونهيه وأدبه 17P384
[النور: 62] القول في تأويل قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم 17P385 واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم} [النور: 62] يقول تعالى ذكره: ما المؤمنون حق الإيمان، إلا الذين صدقوا الله ورسوله. {وإذا كانوا معه} [النور: 62] يقول: وإذا كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، {على أمر جامع} [النور: 62] يقول: على أمر يجمع جميعهم من حرب حضرت، أو صلاة اجتمع لها، أو تشاور في أمر نزل؛ {لم يذهبوا} [النور: 62] يقول: لم ينصرفوا عما اجتمعوا له من الأمر، حتى يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} [النور: 62] يقول: «إذا كان أمر طاعة لله» حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس قوله: {وإذا كانوا معه على أمر جامع} [النور: 62] قال: «أمر من طاعة الله عام» حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: سأل مكحولا الشامي إنسان وأنا أسمع، ومكحول، جالس مع عطاء، عن 17P386 قول الله، في هذه الآية: {وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} [النور: 62] فقال مكحول: في يوم الجمعة، وفي زحف، وفي كل أمر جامع، قد أمر أن لا يذهب أحد في يوم جمعة حتى يستأذن الإمام، وكذلك في كل جامع، ألا ترى أنه يقول: {وإذا كانوا معه على أمر جامع} [النور: 62] ؟ " حدثني يعقوب، قال: ثني ابن علية قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن الحسن، قال: " كان الرجل إذا كانت له حاجة والإمام يخطب، قام فأمسك بأنفه، فأشار إليه الإمام أن يخرج. قال: فكان رجل قد أراد الرجوع إلى أهله، فقام إلى هرم بن حيان وهو يخطب، فأخذ بأنفه، فأشار إليه هرم أن يذهب. فخرج إلى أهله فأقام فيهم، ثم قدم؛ قال له هرم: أين كنت؟ قال: في أهلي؟ قال: أبإذن ذهبت؟ قال: نعم، قمت إليك وأنت تخطب، فأخذت بأنفي، فأشرت إلي أن اذهب، فذهبت. فقال: أفاتخذت هذا دغلا؟ أو كلمة نحوها. ثم قال: اللهم أخر رجال السوء إلى زمان السوء " حدثني الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: {وإذا كانوا معه على أمر جامع} [النور: 62] قال: «هو الجمعة إذا كانوا معه، لم يذهبوا حتى يستأذنوه» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} [النور: 62] قال: الأمر الجامع حين يكونون معه في جماعة الحرب أو جمعة. قال: والجمعة من الأمر الجامع، لا ينبغي لأحد أن يخرج إذا قعد الإمام على المنبر يوم الجمعة إلا بإذن سلطان إذا كان حيث يراه أو يقدر عليه، ولا يخرج إلا بإذن.
وإذا كان حيث لا يراه ولا يقدر عليه ولا يصل إليه، فالله أولى بالعذر " وقوله: {إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله} [النور: 62] يقول تعالى ذكره: إن الذين لا ينصرفون يا محمد إذا كانوا معك في أمر جامع، عنك إلا بإذنك لهم، طاعة منهم لله ولك، وتصديقا بما أتيتهم به من عندي؛ أولئك الذين يصدقون الله ورسوله حقا، لا من خالف أمر الله وأمر رسوله، فينصرف عنك بغير إذن منك له، بعد تقدمك إليه أن لا ينصرف عنك إلا بإذنك وقوله: {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم} [النور: 62] يقول تعالى ذكره: فإذا استأذنك يا محمد الذين لا يذهبون عنك إلا بإذنك في هذه المواطن لبعض شأنهم يعني لبعض حاجاتهم التي تعرض لهم فأذن لمن شئت منهم في الانصراف عنك لقضائها. {واستغفر لهم} [آل عمران: 159] يقول: وادع الله لهم بأن يتفضل عليهم بالعفو عن تبعات ما بينه وبينهم. {إن 17P388 الله غفور} [البقرة: 173] لذنوب عباده التائبين، {رحيم} [البقرة: 143] بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها 17P387
[النور: 63] القول في تأويل قوله تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] يقول تعالى ذكره لأصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {لا تجعلوا} [النور: 63] أيها المؤمنون {دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} [النور: 63] . واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: نهى الله بهذه الآية المؤمنين أن يتعرضوا لدعاء الرسول عليهم، وقال لهم: اتقوا دعاءه عليكم، بأن تفعلوا ما يسخطه فيدعو لذلك عليكم فتهلكوا، فلا تجعلوا دعاءه كدعاء غيره من الناس، فإن دعاءه موجبة ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،، قوله: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} [النور: 63] «دعوة الرسول عليكم موجبة، فاحذروها» 17P389 وقال آخرون: بل ذلك نهي من الله أن يدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلظ وجفاء، وأمر لهم أن يدعوه بلين وتواضع ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {كدعاء بعضكم بعضا} [النور: 63] قال: أمرهم أن يدعوا يا رسول الله، في لين وتواضع، ولا يقولوا: يا محمد، في تجهم " حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} [النور: 63] قال: أمرهم أن يدعوه: يا رسول الله، في لين وتواضع " حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} [النور: 63] قال: أمرهم أن يفخموه ويشرفوه " وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي التأويل الذي قاله ابن عباس، وذلك أن الذي قبل قوله: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} [النور: 63] نهي من الله المؤمنين أن يأتوا من الانصراف عنه في الأمر الذي يجمع 17P390 جميعهم ما يكرهه، والذي بعده وعيد للمنصرفين بغير إذنه عنه، فالذي بينهما بأن يكون تحذيرا لهم سخطه أن يضطره إلى الدعاء عليهم أشبه من أن يكون أمرا لهم بما لم يجر له ذكر من تعظيمه وتوقيره بالقول والدعاء وقوله: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا} [النور: 63] يقول تعالى ذكره: إنكم أيها المنصرفون عن نبيكم بغير إذنه، تسترا وخفية منه، وإن خفي أمر من يفعل ذلك منكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله يعلم ذلك، ولا يخفى عليه، فليتق من يفعل ذلك منكم الذين يخالفون أمر الله في الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه، أن تصيبهم فتنة من الله، أو يصيبهم عذاب أليم، فيطبع على قلوبهم، فيكفروا بالله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن جويبر، عن الضحاك، في قول الله: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا} [النور: 63] قال: " كانوا يستتر بعضهم ببعض، فيقومون، فقال: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، قال: يطبع على قلبه، فلا يأمن أن يظهر 17P391 الكفر بلسانه فتضرب عنقه " حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا} [النور: 63] قال: «خلافا» حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا} [النور: 63] قال: هؤلاء المنافقون الذين يرجعون بغير إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " اللواذ: يلوذ عنه ، ويروغ ويذهب بغير إذن النبي صلى الله عليه وسلم " {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} [النور: 63] الذين يصنعون هذا، {أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] . الفتنة هاهنا: الكفر، واللواذ: مصدر لاوذت بفلان ملاوذة ولواذا، ولذلك ظهرت الواو، ولو كان مصدرا للذت لقيل: لياذا، كما يقال: قمت قياما، وإذا قيل: قاومتك، قيل: قواما طويلا. واللواذ: هو أن يلوذ القوم بعضهم ببعض، يستتر هذا بهذا ، وهذا بهذا، كما قال الضحاك وقوله: {أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] يقول: أو يصيبهم في عاجل الدنيا عذاب من الله موجع، على صنيعهم ذلك، وخلافهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} [النور: 63] وأدخلت (عن) لأن معنى الكلام: فليحذر الذين يلوذون عن أمره ويدبرون عنه معرضين 17P392
[النور: 64] القول في تأويل قوله تعالى: {ألا إن لله ما في السموات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم} [النور: 64] يقول تعالى ذكره: {ألا إن لله} [يونس: 55] ملك جميع {السموات والأرض} يقول: فلا ينبغي لمملوك أن يخالف أمر مالكه فيعصيه، فيستوجب بذلك عقوبته. يقول: فكذلك أنتم أيها الناس، لا يصلح لكم خلاف ربكم الذي هو مالككم، فأطيعوه، وأتمروا لأمره ولا تنصرفوا عن رسوله إذا كنتم معه على أمر جامع إلا بإذنه. وقوله: {قد يعلم ما أنتم عليه} [النور: 64] من طاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم من ذلك كما حدثني أيضا، يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {قد يعلم ما أنتم عليه} [النور: 64] صنيعكم هذا أيضا " {ويوم يرجعون إليه} [النور: 64] يقول: ويوم يرجع إلى الله الذين يخالفون عن أمره. {فينبئهم} [الأنعام: 108] يقول: فيخبرهم حينئذ، {بما عملوا} [النور: 64] في الدنيا، ثم يجازيهم على ما أسلفوا فيها، من خلافهم على ربهم. {والله بكل شيء عليم} [البقرة : 282] يقول: والله 17P393 ذو علم بكل شيء عملتموه أنتم وهم وغيركم وغير ذلك من الأمور، لا يخفى عليه شيء، بل هو محيط بذلك كله، وهو موف كل عامل منكم أجر عمله يوم ترجعون إليه [025] سورة الفرقان مكية وآياتها سبع وسبعون بسم الله الرحمن الرحيم 17P394 [الفرقان: 1] القول في تأويل قوله تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] قال أبو جعفر: تبارك: تفاعل من البركة كما حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، قال: ثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: " تبارك: تفاعل من البركة " وهو كقول القائل: تقدس ربنا، فقوله: {تبارك الذي نزل الفرقان} [الفرقان: 1] يقول: تبارك الذي نزل الفصل بين الحق والباطل، فصلا بعد فصل ، وسورة بعد سورة، على عبده محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون محمد لجميع الجن والإنس الذين بعثه الله إليهم داعيا إليه، نذيرا: يعني منذرا ينذرهم عقابه ، ويخوفهم عذابه، إن لم يوحدوه، ولم يخلصوا له العبادة، ويخلعوا كل ما دونه من الآلهة والأوثان وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {تبارك 17P395 الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] قال: النبي النذير. وقرأ: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24]، وقرأ: {وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون} [الشعراء: 208]، قال: رسل. قال: المنذرون: الرسل. قال: وكان نذيرا واحدا بلغ ما بين المشرق والمغرب، ذو القرنين، ثم بلغ السدين، وكان نذيرا، ولم أسمع أحدا يحق أنه كان نبيا. {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19]، قال: من بلغه القرآن من الخلق، فرسول الله نذيره. وقرأ: {يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158]، وقال: لم يرسل الله رسولا إلى الناس عامة إلا نوحا، بدأ به الخلق، فكان رسول أهل الأرض كلهم، ومحمد صلى الله عليه وسلم ختم به " 17P394
Preguntas
- ¿Qué enseña el islam sobre la vida después de la muerte?
- ¿Qué creen los musulmanes acerca de los profetas?
- ¿Cómo se realizan las cinco oraciones diarias (salat)?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?