Qur'an&Sunnah

Taberî — Câmiü'l-Beyân

Sección V20/P482–V20/P484

[الشورى: 14] القول في تأويل قوله تعالى: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب} [الشورى: 14] يقول تعالى ذكره: وما تفرق المشركون بالله في أديانهم فصاروا أحزابا، إلا من بعد ما جاءهم العلم ، بأن الذي أمرهم الله به، وبعث به نوحا، هو إقامة الدين الحق، وأن لا تتفرقوا فيه حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} [الشورى: 14] فقال: «إياكم والفرقة فإنها هلكة» {بغيا بينهم} [البقرة: 213] يقول: بغيا من بعضكم على بعض وحسدا وعداوة على طلب الدنيا {ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى} [الشورى: 14] يقول جل ثناؤه: ولولا قول سبق يا محمد من ربك لا يعاجلهم بالعذاب، ولكنه أخر ذلك إلى أجل مسمى، وذلك الأجل المسمى فيما ذكر: يوم القيامة ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، {ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى} [الشورى: 14] قال: «يوم القيامة» وقوله: {لقضي بينهم} [يونس: 19] يقول: لفرغ ربك من الحكم بين هؤلاء المختلفين في الحق الذي بعث به نبيه نوحا من بعد علمهم به، بإهلاكه أهل الباطل منهم، وإظهاره أهل الحق عليهم وقوله: {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم} [الشورى: 14] يقول: وإن الذين أتاهم الله من بعد هؤلاء المختلفين في الحق كتابه التوراة والإنجيل {لفي شك منه مريب} [هود: 110] يقول: لفي شك من الدين الذي وصى الله به نوحا وأوحاه إليك يا محمد وأمركما بإقامته مريب وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم} [الشورى: 14] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم} [الشورى: 14] قال: «اليهود والنصارى» 20P484

Sección V20/P484–V20/P487

[الشورى: 15] القول في تأويل قوله تعالى: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير} [الشورى: 15] يقول تعالى ذكره: فإلى ذلك الدين الذي شرع لكم، ووصى به نوحا، وأوحاه إليك يا محمد، فادع عباد الله، واستقم على العمل به، ولا تزغ عنه، واثبت عليه كما أمرك ربك بالاستقامة وقيل: فلذلك فادع، والمعنى: فإلى ذلك، فوضعت اللام موضع إلى، كما قيل: {بأن ربك أوحى لها} [الزلزلة: 5] وقد بينا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا وكان بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك في قوله: {فلذلك فادع} [الشورى: 15] إلى معنى هذا، ويقول: معنى الكلام: فإلى هذا القرآن فادع واستقم والذي قال من هذا القول قريب المعنى مما قلناه، غير أن الذي قلنا في ذلك أولى بتأويل الكلام، لأنه في سياق خبر الله جل ثناؤه عما شرع لكم من الدين لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بإقامته، ولم يأت من الكلام ما يدل على انصرافه عنه إلى غيره وقوله: {ولا تتبع أهواءهم} [المائدة: 48] يقول تعالى ذكره: ولا تتبع يا محمد أهواء الذين شكوا في الحق الذي شرعه الله لكم من الذين أورثوا الكتاب من بعد القرون الماضية قبلهم، فتشك فيه، كالذي شكوا فيه {وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب} [الشورى: 15] يقول تعالى ذكره: وقل لهم يا محمد: صدقت بما أنزل الله من كتاب كائنا ما كان ذلك الكتاب، توراة كان أو إنجيلا أو زبورا أو صحف إبراهيم، لا أكذب بشيء من ذلك تكذيبكم ببعضه معشر الأحزاب، وتصديقكم ببعض وقوله: {وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم} [الشورى: 15] يقول تعالى ذكره: وقل لهم يا محمد: وأمرني ربي أن أعدل بينكم معشر الأحزاب، فأسير فيكم جميعا بالحق الذي أمرني به وبعثني بالدعاء إليه كالذي: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأمرت لأعدل بينكم} [الشورى: 15] قال: «أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يعدل، فعدل حتى مات صلوات الله وسلامه عليه والعدل ميزان الله في الأرض، به يأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل يصدق الله الصادق، ويكذب الكاذب، وبالعدل يرد المعتدي ويوبخه» ذكر لنا أن نبي الله داود عليه السلام: كان يقول: ثلاث من كن فيه أعجبني جدا: القصد في الفاقة والغنى، والعدل في الرضا والغضب، والخشية في السر والعلانية، وثلاث من كن فيه أهلكه: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه وأربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: لسان ذاكر، وقلب شاكر، وبدن صابر، وزوجة مؤمنة. واختلف أهل العربية في معنى اللام التي في قوله: {وأمرت لأعدل بينكم} [الشورى: 15] فقال بعض نحويي البصرة: معناها: كي، وأمرت كي أعدل، وقال غيره: معنى الكلام: وأمرت بالعدل، والأمر واقع على ما بعده، وليست اللام التي في لأعدل بشرط قال: {وأمرت} [الشورى: 15] تقع على «أن» وعلى «كي» واللام، أمرت أن أعبد، وكي أعبد، ولأعبد قال: وكذلك كل ما طالب الاستقبال، ففيه هذه الأوجه الثلاثة والصواب من القول في ذلك عندي أن الأمر عامل في معنى لأعدل، لأن معناه: وأمرت بالعدل بينكم وقوله: {الله ربنا وربكم} [الشورى: 15] يقول: الله مالكنا ومالككم معشر الأحزاب من أهل الكتابين التوراة والإنجيل {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} [القصص: 55] يقول: لنا ثواب ما اكتسبناه من الأعمال، ولكم ثواب ما اكتسبتم منها وقوله: {لا حجة بيننا وبينكم} [الشورى: 15] يقول: لا خصومة بيننا وبينكم.

Sección V20/P487

كما: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، والحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {لا حجة بيننا وبينكم} [الشورى: 15] قال: «لا خصومة» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قول الله عز وجل: {لا حجة بيننا وبينكم} [الشورى: 15] " لا خصومة بيننا وبينكم، وقرأ: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت: 46] إلى آخر الآية " وقوله: {الله يجمع بيننا} [الشورى: 15] يقول: الله يجمع بيننا يوم القيامة، فيقضي بيننا بالحق فيما اختلفنا فيه {وإليه المصير} [المائدة: 18] يقول: وإليه المعاد والمرجع بعد مماتنا 20P487

Sección V20/P487

[الشورى: 16] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد} [الشورى: 16] 20P488 يقول تعالى ذكره: والذين يخاصمون في دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من بعد ما استجاب له الناس، فدخلوا فيه من الذين أورثوا الكتاب {حجتهم داحضة} [الشورى: 16] يقول: خصومتهم التي يخاصمون فيه باطلة ذاهبة عند ربهم {وعليهم غضب} [الشورى: 16] يقول: وعليهم من الله غضب، ولهم في الآخرة عذاب شديد، وهو عذاب النار وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود خاصموا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في دينهم، وطمعوا أن يصدوهم عنه، ويردوهم عن الإسلام إلى الكفر ذكر الرواية عمن ذكر ذلك عنه: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد} [الشورى: 16] قال: " هم أهل الكتاب كانوا يجادلون المسلمين، ويصدونهم عن الهدى من بعد ما استجابوا لله وقال: هم أهل الضلالة كان استجيب لهم على ضلالتهم، وهم يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية " حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له} [الشورى: 16] قال: «طمع رجال بأن تعود الجاهلية» حدثنا محمد بن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن 20P489 مجاهد، أنه قال في هذه الآية {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له} [الشورى: 16] قال: «بعد ما دخل الناس في الإسلام» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم} [الشورى: 16] قال: " هم اليهود والنصارى، قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم " حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة} [الشورى: 16] الآية قال: " هم اليهود والنصارى حاجوا أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن أولى بالله منكم " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {والذين يحاجون في الله} [الشورى: 16] إلى آخر الآية قال: «نهاه عن الخصومة» 20P489

Sección V20/P487–V20/P492

[الشورى: 17_18] القول في تأويل قوله تعالى: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد} [الشورى: 17_18] يقول تعالى ذكره: {الله الذي أنزل} [الشورى: 17] هذا {الكتاب} [البقرة: 2] يعني القرآن {بالحق والميزان} [الشورى: 17] يقول: وأنزل الميزان وهو العدل، ليقضي بين الناس بالإنصاف، ويحكم فيهم بحكم الله الذي أمر به في كتابه 20P490 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثنا الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {أنزل الكتاب بالحق والميزان} [الشورى: 17] قال: «العدل» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} [الشورى: 17] قال: " الميزان: العدل " وقوله: {وما يدريك لعل الساعة قريب} [الشورى: 17] يقول تعالى ذكره: وأي شيء يدريك ويعلمك، لعل الساعة التي تقوم فيها القيامة قريب {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} [الشورى: 18] يقول: يستعجلك يا محمد بمجيئها الذين لا يوقنون بمجيئها، ظنا منهم أنها غير جائية {والذين آمنوا مشفقون منها} [الشورى: 18] يقول: والذين صدقوا بمجيئها، ووعد الله إياهم الحشر فيها {مشفقون منها} [الشورى: 18] يقول: وجلون من مجيئها، خائفون من قيامها، لأنهم لا يدرون ما الله فاعل بهم فيها {ويعلمون أنها الحق} [الشورى: 18] يقول: ويوقنون أن مجيئها الحق اليقين، لا يمترون في مجيئها {ألا إن الذين يمارون في الساعة} [الشورى: 18] يقول تعالى ذكره: ألا إن الذين يخاصمون في قيام الساعة ويجادلون فيه {لفي ضلال بعيد} [الشورى: 18] يقول: لفي جور عن طريق الهدى، وزيغ عن سبيل الحق والرشاد، بعيدا من الصواب 20P490 [الشورى: 19_20] القول في تأويل قوله تعالى: {الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى: 19_20] يقول تعالى ذكره: الله ذو لطف بعباده، يرزق من يشاء فيوسع عليه ويقتر على من يشاء منهم {وهو القوي} [الشورى: 19] الذي لا يغلبه ذو أيد لشدته، ولا يمتنع عليه إذا أراد عقابه بقدرته {العزيز} [البقرة: 129] في انتقامه إذا انتقم من أهل معاصيه {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه} [الشورى: 20] يقول تعالى ذكره: من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه: يقول: نزد له في عمله الحسن، فنجعل له بالواحدة عشرا، إلى ما شاء ربنا من الزيادة {ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها} [الشورى: 20] يقول: ومن كان يريد بعمله الدنيا ولها يسعى لا للآخرة، نؤته منها ما قسمنا له منها {وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى: 20] يقول: وليس لمن طلب بعمله الدنيا ولم يرد الله به في ثواب الله لأهل الأعمال التي أرادوه في الدنيا حظ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه} [الشورى: 20] إلى {وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى: 20] قال: يقول: «من كان إنما يعمل للدنيا نؤته منها» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {من كان يريد 20P492 حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا} [الشورى: 20] الآية، يقول: «من آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيبا في الآخرة إلا النار، ولم نزده بذلك من الدنيا شيئا إلا رزقا قد فرغ منه وقسم له» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه} [الشورى: 20] قال: من كان يريد الآخرة وعملها نزد له في عمله {ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها} [الشورى: 20] إلى آخر الآية قال: من أراد الدنيا وعملها آتيناه منها، ولم نجعل له في الآخرة من نصيب، الحرث العمل، من عمل للآخرة أعطاه الله، ومن عمل للدنيا أعطاه الله " حدثني محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه} [الشورى: 20] قال: «من كان يريد عمل الآخرة نزد له في عمله» وقوله: {وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى: 20] قال: للكافر عذاب أليم 20P492

Sección V20/P492–V20/P494

[الشورى: 21] القول في تأويل قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم} [الشورى: 21] يقول تعالى ذكره: أم لهؤلاء المشركين بالله شركاء في شركهم وضلالتهم {شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] يقول: ابتدعوا لهم من الدين ما لم يبح الله لهم ابتداعه {ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم} [الشورى: 21] يقول تعالى ذكره: ولولا السابق من الله في أنه لا يعجل لهم العذاب في الدنيا، وأنه مضى من قيله إنهم مؤخرون بالعقوبة إلى قيام الساعة، لفرغ من الحكم بينكم وبينهم بتعجيله العذاب لهم في الدنيا، ولكن لهم في الآخرة من العذاب الأليم، كما قال جل ثناؤه: {وإن الظالمين لهم عذاب أليم} [الشورى: 21] يقول: وإن الكافرين بالله لهم يوم القيامة عذاب مؤلم موجع 20P493 [الشورى: 22] القول في تأويل قوله تعالى: {ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير} [الشورى: 22] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ترى يا محمد الكافرين بالله يوم القيامة {مشفقين مما كسبوا} [الشورى: 22] يقول: وجلين خائفين من عقاب الله على ما كسبوا في الدنيا من أعمالهم الخبيثة {وهو واقع بهم} [الشورى: 22] يقول: والذين هم مشفقون منه من عذاب الله، نازل بهم، وهم ذائقوه لا محالة وقوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات} [الشورى: 22] يقول تعالى ذكره: والذين آمنوا بالله وأطاعوه فيما أمر ونهى في الدنيا في روضات البساتين في الآخرة ويعني بالروضات: جمع روضة، وهي المكان الذي يكثر نبته، ولا تقول العرب لمواضع الأشجار رياض، ومنه قول أبي النجم: والنغض مثل الأجرب المدجل حدائق الروض التي لم تحلل 20P494 يعني بالروض: جمع روضة وإنما عنى جل ثناؤه بذلك: الخبر عما هم فيه من السرور والنعيم. كما: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات} [الشورى: 22] إلى آخر الآية قال: «في رياض الجنة ونعيمها» وقوله: {لهم ما يشاءون عند ربهم} [الزمر: 34] يقول: للذين آمنوا وعملوا الصالحات عند ربهم في الآخرة ما تشتهيه أنفسهم، وتلذه أعينهم، {ذلك هو الفضل الكبير} [فاطر: 32] ، يقول تعالى ذكره: هذا الذي أعطاهم الله من هذا النعيم، وهذه الكرامة في الآخرة هو الفضل من الله عليهم، الكبير الذي يفضل كل نعيم وكرامة في الدنيا من بعض أهلها على بعض 20P494

Sección V20/P494–V20/P498

[الشورى: 23] القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور} [الشورى: 23] يقول تعالى ذكره: هذا الذي أخبرتكم أيها الناس أني أعددته للذين آمنوا وعملوا الصالحات في الآخرة من النعيم والكرامة، البشرى التي يبشر الله عباده الذين آمنوا به في الدنيا، وعملوا بطاعته فيها {قل لا أسألكم عليه أجرا} [الأنعام: 90] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للذين يمارونك في الساعة من مشركي قومك: لا أسألكم أيها القوم على دعايتكم إلى ما أدعوكم إليه من الحق الذي جئتكم به والنصيحة التي أنصحكم ثوابا وجزاء وعوضا من أموالكم تعطوننيه {إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] فقال بعضهم: معناه: إلا أن تودوني في قرابتي منكم ، وتصلوا رحمي بيني وبينكم. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، ويعقوب قالا: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن ابن عباس، في قوله: {لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] قال: «لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم قرابة» ، فقال: «قل لا أسألكم عليه أجرا أن تودوني في القرابة التي بيني وبينكم» حدثنا أبو كريب قال: ثنا أبو أسامة قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، في قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] قال: سئل عنها ابن عباس، فقال ابن جبير: هم قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلت، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من بطون قريش إلا وله فيهم قرابة قال: فنزلت {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] قال: «إلا القرابة التي بيني وبينكم أن تصلوها» حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة في جميع قريش، فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه قال: «يا قوم إذا أبيتم أن تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم، لا يكن غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي منكم» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] يعني محمدا صلى الله عليه وسلم قال لقريش: «لا أسألكم من أموالكم شيئا، ولكن أسألكم أن لا تؤذوني لقرابة ما بيني وبينكم، فإنكم قومي وأحق من أطاعني وأجابني» حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عكرمة قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان واسطا من قريش، كان له في كل بطن من قريش نسب، فقال: «لا أسألكم على ما أدعوكم إليه إلا أن تحفظوني في قرابتي، قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى» حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم واسط النسب من قريش، ليس حي من أحياء قريش إلا وقد ولدوه قال: فقال الله عز وجل: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] «إلا أن تودوني لقرابتي منكم وتحفظوني» حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس قال: ثنا عبثر قال: ثنا حصين، عن أبي مالك، في هذه الآية: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وأمه من بني زهرة وأم أبيه من بني مخزوم، فقال: «احفظوني في قرابتي» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا حرمي قال: ثنا شعبة قال: أخبرني عمارة، عن 20P497 عكرمة، في قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] قال: «تعرفون قرابتي، وتصدقونني بما جئت به، وتمنعوني» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] «وإن الله تبارك وتعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن لا يسأل الناس على هذا القرآن أجرا إلا أن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة، وكل بطون قريش قد ولدته وبينه وبينهم قرابة» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] أن تتبعوني، وتصدقوني وتصلوا رحمي " حدثنا محمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] قال: " لم يكن بطن من بطون قريش إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ولادة، فقال: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني لقرابتي منكم " حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] يعني قريشا يقول: «إنما أنا رجل منكم، فأعينوني على عدوي، واحفظوا قرابتي، وإن الذي جئتكم به لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى، أن تودوني لقرابتي، 20P498 وتعينوني على عدوي» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] قال: يقول: «إلا أن تودوني لقرابتي كما توادون في قرابتكم وتواصلون بها، ليس هذا الذي جئت به يقطع ذلك عني، فلست أبتغي على الذي جئت به أجرا آخذه على ذلك منكم» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن عطاء بن دينار، في قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] يقول: «لا أسألكم على ما جئتكم به أجرا، إلا أن تودوني في قرابتي منكم، وتمنعوني من الناس» حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] قال: " كل قريش كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة، فقال: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني بالقرابة التي بيني وبينكم " وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل لمن تبعك من المؤمنين: لا أسألكم على ما جئتكم به أجرا إلا أن تودوا قرابتي ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمارة قال: ثنا إسماعيل بن أبان قال: ثنا الصباح بن يحيى 20P499 المري، عن السدي، عن أبي الديلم قال: لما جيء بعلي بن الحسين رضي الله عنهما أسيرا، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، وقطع قربى الفتنة، فقال له علي بن الحسين رضي الله عنه: «أقرأت القرآن» ؟

Sección V20/P498–V20/P503

قال: نعم قال: «أقرأت آل حم؟ » قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم قال: " ما قرأت {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] " قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: «نعم» حدثنا أبو كريب قال: ثنا مالك بن إسماعيل قال: ثنا عبد السلام قال: ثنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس قال: قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا، فكأنهم فخروا قال ابن عباس، أو العباس، شك عبد السلام: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم في مجالسهم، فقال: «يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟ » قالوا: بلى يا رسول الله قال: «ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي؟ » قالوا: بلى يا رسول الله قال: «أفلا تجيبوني؟ » قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: " ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك، أولم يكذبوك فصدقناك، أولم يخذلوك فنصرناك؟ " قال: فما زال يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله قال: فنزلت {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] " حدثني يعقوب قال: ثنا مروان، عن يحيى بن كثير، عن أبي العالية، عن سعيد بن جبير، في قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] قال: «هي قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم» حدثني محمد بن عمارة الأسدي، ومحمد بن خلف قالا: ثنا عبيد الله قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق قال: سألت عمرو بن شعيب، عن قول الله، عز وجل: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] قال: «قربى النبي صلى الله عليه وسلم» وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل لا أسألكم أيها الناس على ما جئتكم به أجرا إلا أن توددوا إلى الله، وتتقربوا بالعمل الصالح والطاعة ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن داود، ومحمد بن داود، أخوه أيضا قالا: ثنا عاصم بن علي قال: ثنا قزعة بن سويد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قل لا أسألكم على ما أتيتكم به من البينات والهدى أجرا إلا أن توددوا لله وتتقربوا إليه بطاعته» حدثنا ابن المثنى قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، أنه قال في هذه الآية {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] قال: «القربى إلى الله» حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم قال: أخبرنا عوف، عن الحسن، في قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] قال: «إلا التقرب إلى الله، والتودد إليه بالعمل الصالح» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: قال الحسن في قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] «قل لا أسألكم على ما جئتكم به، وعلى هذا الكتاب أجرا، إلا المودة في القربى، إلا أن توددوا إلى الله بما يقربكم إليه، وعمل بطاعته» قال بشر: قال يزيد: وحدثنيه يونس، عن الحسن، حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] «إلا أن توددوا إلى الله فيما يقربكم إليه» وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تصلوا قرابتكم ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا أبو عامر قال: ثنا قرة، عن عبد الله بن القاسم، في قوله: {إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] " قال: أمرت أن تصل قرابتك " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال: معناه: قل لا أسألكم عليه أجرا يا معشر قريش، إلا أن تودوني في قرابتي منكم، وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم وإنما قلت: هذا التأويل أولى بتأويل الآية لدخول «في» في قوله: {إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال: إلا أن تودوا قرابتي، أو تقربوا إلى الله، لم يكن لدخول «في» في الكلام في هذا الموضع وجه معروف، ولكان التنزيل: إلا مودة القربى إن عنى به الأمر بمودة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلا المودة بالقربى، أو ذا القربى إن عنى به التودد والتقرب وفي دخول «في» في الكلام أوضح الدليل على أن معناه: إلا مودتي في قرابتي منكم، وأن الألف واللام في المودة أدخلتا بدلا من الإضافة، كما قيل: {فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 41] وقوله: «إلا» في هذا الموضع استثناء منقطع ومعنى الكلام: قل لا أسألكم عليه أجرا، لكني أسألكم المودة في القربى، فالمودة منصوبة على المعنى الذي ذكرت وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: هي منصوبة بمضمر من الفعل، بمعنى: إلا أن أذكر مودة قرابتي وقوله: {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا} [الشورى: 23] يقول تعالى ذكره: ومن يعمل حسنة، وذلك أن يعمل عملا يطيع الله فيه من المؤمنين {نزد له فيها حسنا} [الشورى: 23] يقول: نضاعف عمله ذلك الحسن، فنجعل له مكان الواحد عشرا إلى ما شئنا من الجزاء والثواب 20P503 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

Sección V20/P503

ذكر من قال ذلك: حدثني محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قول الله عز وجل: {ومن يقترف حسنة} [الشورى: 23] قال: «يعمل حسنة» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا} [الشورى: 23] قال: " من يعمل خيرا نزد له الاقتراف: العمل " وقوله: {إن الله غفور شكور} [الشورى: 23] يقول: إن الله غفور لذنوب عباده، شكور لحسناتهم وطاعتهم إياه. كما: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {" إن الله غفور} [البقرة: 173] للذنوب {شكور} [الشورى: 23] للحسنات يضاعفها " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {إن الله غفور شكور} [الشورى: 23] قال: «غفر لهم الذنوب، وشكر لهم نعما هو أعطاهم إياها، وجعلها فيهم» 20P503

Sección V20/P503–V20/P506

[الشورى: 24] القول في تأويل قوله تعالى: {أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور} [الشورى: 24] يقول تعالى ذكره: أم يقول هؤلاء المشركون بالله: {افترى} [آل عمران: 94] محمد {على الله كذبا} [الأنعام : 21] فجاء بهذا الذي يتلوه علينا اختلاقا من قبل نفسه 20P504 وقوله: {فإن يشأ الله} [الشورى: 24] يا محمد يطبع على قلبك، فتنس هذا القرآن الذي أنزل إليك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك} [الشورى: 24] «فينسيك القرآن» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} [الشورى: 24] قال: «إن يشأ الله أنساك ما قد أتاك» حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قول الله عز وجل: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} [الشورى: 24] قال: «يطبع» وقوله: {ويمح الله الباطل} [الشورى: 24] يقول: ويذهب الله بالباطل فيمحقه {ويحق الحق بكلماته} [الشورى: 24] التي أنزلها إليك يا محمد فيثبته وقوله: {ويمح الله الباطل} [الشورى: 24] في موضع رفع بالابتداء، ولكنه حذفت منه الواو في المصحف، كما حذفت من قوله: {سندع الزبانية} [العلق: 18] ومن قوله: {ويدع الإنسان بالشر} [الإسراء: 11] وليس بجزم على العطف 20P505 على يختم وقوله: {إنه عليم بذات الصدور} [الأنفال: 43] يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم بما في صدور خلقه، وما تنطوي عليه ضمائرهم، لا يخفى عليه من أمورهم شيء، يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: لو حدثت نفسك أن تفتري على الله كذبا، لطبعت على قلبك، وأذهبت الذي آتيتك من وحيي، لأني أمحو الباطل فأذهبه، وأحق الحق، وإنما هذا إخبار من الله الكافرين به، الزاعمين أن محمدا افترى هذا القرآن من قبل نفسه، فأخبرهم أنه إن فعل لفعل به ما أخبر به في هذه الآية 20P505 [الشورى: 25] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون} [الشورى: 25] يقول تعالى ذكره: والله الذي يقبل مراجعة العبد إذا رجع إلى توحيد الله وطاعته من بعد كفره {ويعفو عن السيئات} [الشورى: 25] يقول: ويعفو أن يعاقبه على سيئاته من الأعمال، وهي معاصيه التي تاب منها {ويعلم ما تفعلون} [الشورى: 25] اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: (يفعلون) بالياء، بمعنى: ويعلم ما يفعل عباده، وقرأته عامة قراء الكوفة: {تفعلون} [النحل: 91] بالتاء على وجه الخطاب والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن الياء أعجب إلي، لأن الكلام من قبل ذلك جرى على الخبر، وذلك قوله: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} [الشورى: 25] ويعني جل ثناؤه بقوله: {ويعلم ما تفعلون} [الشورى: 25] ويعلم ربكم أيها الناس ما تفعلون من خير وشر، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم على كل ذلك جزاءه، فاتقوا الله في أنفسكم، واحذروا أن تركبوا ما تستحقون به منه العقوبة حدثنا تميم بن المنتصر قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي، عن همام بن الحارث قال: " أتينا عبد الله نسأله عن هذه الآية: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون} [الشورى: 25] قال: فوجدنا عنده أناسا أو رجالا يسألونه عن رجل أصاب من امرأة حراما، ثم تزوجها، فتلا هذه الآية {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون} [الشورى: 25] " 20P506

Sección V20/P506–V20/P508

[الشورى: 26] القول في تأويل قوله تعالى: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد} [الشورى: 26] يقول تعالى ذكره: ويجيب الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه لبعضهم دعاء بعض وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب قال: ثنا عثام قال: ثنا الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن سلمة بن سبرة قال: خطبنا معاذ، فقال: " أنتم المؤمنون، وأنتم أهل الجنة، والله إني لأرجو أن من تصيبون من فارس والروم يدخلون الجنة، ذلك بأن أحدهم إذا عمل لأحدكم العمل قال: أحسنت رحمك الله، أحسنت غفر الله لك، ثم قرأ: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله} [الشورى: 26] " وقوله: {ويزيدهم من فضله} [النساء: 173] يقول تعالى ذكره: ويزيد الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع إجابته إياهم دعاءهم، وإعطائه إياهم مسألتهم من فضله على مسألتهم إياه، بأن يعطيهم ما لم يسألوه وقيل: إن ذلك الفضل الذي ضمن جل ثناؤه أن يزيدهموه، هو أن يشفعهم في إخوان إخوانهم إذا هم شفعوا في إخوانهم، فشفعوا فيهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن إبراهيم النخعي، في قول الله عز وجل: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [الشورى: 26] قال: «يشفعون في إخوانهم، ويزيدهم من فضله» قال: «يشفعون في إخوان إخوانهم» وقوله: {والكافرون لهم عذاب شديد} [الشورى: 26] يقول جل ثناؤه: والكافرون بالله لهم يوم القيامة عذاب شديد على كفرهم به واختلف أهل العربية في معنى قوله: {ويستجيب الذين آمنوا} [الشورى: 26] فقال بعضهم: أي استجاب فجعلهم هم الفاعلين، فالذين في قوله رفع، والفعل لهم وتأويل الكلام على هذا المذهب: واستجاب الذين آمنوا وعملوا الصالحات لربهم إلى الإيمان به، والعمل بطاعته إذ دعاهم إلى ذلك وقال آخر منهم: بل معنى ذلك: ويجيب الذين آمنوا وهذا القول يحتمل وجهين: أحدهما الرفع، بمعنى: ويجيب الله الذين آمنوا والآخر ما قاله صاحب القول الذي ذكرنا وقال بعض نحويي الكوفة: {ويستجيب الذين آمنوا} [الشورى: 26] يكون «الذين» في موضع نصب بمعنى: ويجيب الله الذين آمنوا وقد جاء في التنزيل: {فاستجاب لهم ربهم} [آل عمران: 195] والمعنى: فأجاب لهم ربهم، إلا أنك إذا قلت استجاب، أدخلت اللام في المفعول، وإذا قلت أجاب حذفت اللام، ويكون استجابهم، بمعنى: استجاب لهم، كما قال جل ثناؤه: {وإذا كالوهم أو وزنوهم} [المطففين: 3] والمعنى والله أعلم: إذا كالوا لهم، أو وزنوا لهم {يخسرون} [المطففين: 3] قال: ويكون «الذين» في موضع رفع إن يجعل الفعل لهم، أي الذين آمنوا يستجيبون لله، ويزيدهم على إجابتهم، والتصديق به من فضله وقد بينا الصواب في ذلك من القول على ما تأوله معاذ ومن ذكرنا قوله فيه 20P509

Sección V20/P508–V20/P511

[الشورى: 27] القول في تأويل قوله تعالى: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير} [الشورى: 27] ذكر أن هذه الآية نزلت من أجل قوم من أهل الفاقة من المسلمين تمنوا سعة الدنيا والغنى، فقال جل ثناؤه: ولو بسط الله الرزق لعباده، فوسعه وكثره عندهم لبغوا، فتجاوزوا الحد الذي حده الله لهم إلى غير الذي حده لهم في بلاده بركوبهم في الأرض ما حظره عليهم، ولكنه ينزل رزقهم بقدر لكفايتهم الذي يشاء منه. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال أبو هانئ: سمعت عمرو بن حريث، وغيره، يقولون: " إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب الصفة {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء} [الشورى: 27] ذلك بأنهم قالوا: لو أن لنا، فتمنوا " حدثنا محمد بن سنان القزاز قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقري قال: ثنا حيوة قال: أخبرني أبو هانئ، أنه سمع عمرو بن حريث يقول: إنما نزلت هذه الآية، ثم ذكر مثله حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} [الشورى: 27] الآية قال: " كان يقال: خير الرزق ما لا يطغيك ولا يلهيك " وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها» فقال له قائل: يا نبي الله هل يأتي الخير بالشر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل يأتي الخير بالشر؟» فأنزل الله عليه عند ذلك، وكان إذا نزل عليه كرب لذلك، وتربد وجهه، حتى إذا سري عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «هل يأتي الخير بالشر» يقولها ثلاثا: «إن الخير لا يأتي إلا بالخير» ، يقولها ثلاثا وكان صلى الله عليه وسلم وتر الكلام: «ولكنه والله ما كان ربيع قط إلا أحبط أو ألم فأما عبد أعطاه الله مالا فوضعه في سبيل الله التي افترض وارتضى، فذلك عبد أريد به خير ، وعزم له على الخير، وأما عبد أعطاه الله مالا فوضعه في شهواته ولذاته، وعدل عن حق الله عليه، فذلك عبد أريد به شر، وعزم له على شر» وقوله: {إنه بعباده خبير بصير} [الشورى: 27] يقول تعالى ذكره: إن الله بما يصلح عباده ويفسدهم من غنى وفقر وسعة وإقتار وغير ذلك من مصالحهم ومضارهم، ذو خبرة وعلم، بصير بتدبيرهم وصرفهم فيما فيه صلاحهم 20P510 [الشورى: 28] القول في تأويل قوله تعالى: {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد} [الشورى: 28] يقول تعالى ذكره: والله الذي ينزل المطر من السماء فيغيثكم به أيها الناس {من بعد ما قنطوا} [الشورى: 28] يقول: من بعد ما يئس من نزوله ومجيئه {وينشر رحمته} [الشورى: 28] يقول: وينشر في خلقه رحمته، ويعني بالرحمة: الغيث الذي ينزله من السماء وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: أجدبت الأرض، وقنط الناس قال: «مطروا إذن» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {من بعد ما قنطوا} [الشورى: 28] قال: «يئسوا» حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين قحط المطر، وقنط الناس قال: " مطرتم {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته} [الشورى: 28] " وقوله: {وهو الولي الحميد} [الشورى: 28] يقول: وهو الذي يليكم 20P512 بإحسانه وفضله، الحميد بأياديه عندكم، ونعمه عليكم في خلقه 20P511

Sección V20/P511–V20/P514

[الشورى: 29] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} [الشورى: 29] يقول تعالى ذكره: ومن حججه عليكم أيها الناس أنه القادر على إحيائكم بعد فنائكم، وبعثكم من قبوركم من بعد بلائكم، خلقه السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة، يعني وما فرق في السماوات والأرض من دابة كما: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وما بث فيهما من دابة} [الشورى: 29] قال: «الناس والملائكة» {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} [الشورى: 29] يقول: وهو على جمع ما بث فيهما من دابة إذا شاء جمعه، ذو قدرة لا يتعذر عليه، كما لم يتعذر عليه خلقه وتفريقه، يقول تعالى ذكره: فكذلك هو القادر على جمع خلقه بحشر يوم القيامة بعد تفرق أوصالهم في القبور 20P512 [الشورى: 30_31] القول في تأويل قوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} [الشورى: 30_31] يقول تعالى ذكره: وما يصيبكم أيها الناس من مصيبة في الدنيا في أنفسكم وأهليكم وأموالكم {فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] يقول: فإنما يصيبكم 20P513 ذلك عقوبة من الله لكم بما اجترمتم من الآثام فيما بينكم وبين ربكم ويعفو لكم ربكم عن كثير من إجرامكم، فلا يعاقبكم بها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا ابن علية قال: ثنا أيوب قال: قرأت في كتاب أبي قلابة قال: نزلت: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] وأبو بكر رضي الله عنه يأكل، فأمسك فقال: يا رسول الله إني لراء ما عملت من خير أو شر؟ فقال: «أرأيت ما رأيت مما تكره فهو من مثاقيل ذر الشر، وتدخر مثاقيل الخير حتى تعطاه يوم القيامة» قال: قال أبو إدريس: فأرى مصداقها في كتاب الله قال: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30] قال أبو جعفر: حدث هذا الحديث الهيثم بن الربيع، فقال فيه أيوب عن أبي قلابة، عن أنس، أن أبا بكر رضي الله عنه كان جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، وهو غلط، والصواب عن أبي إدريس حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] الآية ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا 20P514 يصيب ابن آدم خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو عنه أكثر» حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] الآية قال: «يعجل للمؤمنين عقوبتهم بذنوبهم ولا يؤاخذون بها في الآخرة» وقال آخرون: بل عنى بذلك: وما عوقبتم في الدنيا من عقوبة بحد حددتموه على ذنب استوجبتموه عليه فبما كسبت أيديكم يقول: فبما عملتم من معصية الله {ويعفو عن كثير} [المائدة: 15] فلا يوجب عليكم فيها حدا ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، {وما أصابكم من مصيبة} [الشورى: 30] الآية قال: «هذا في الحدود» وقال قتادة: بلغنا أنه ما من رجل يصيبه عثرة قدم ولا خدش عود أو كذا وكذا إلا بذنب، أو يعفو، وما يعفو أكثر وقوله: {وما أنتم بمعجزين في الأرض} [العنكبوت: 22] يقول: وما أنتم أيها الناس 20P515 بمفيتي ربكم بأنفسكم إذا أراد عقوبتكم على ذنوبكم التي أذنبتموها، ومعصيتكم إياه التي ركبتموها هربا في الأرض، فمعجزيه، حتى لا يقدر عليكم، ولكنكم حيث كنتم في سلطانه وقبضته، جارية فيكم مشيئته {وما لكم من دون الله من ولي} [البقرة: 107] يليكم بالدفاع عنكم إذا أراد عقوبتكم على معصيتكم إياه {ولا نصير} [البقرة: 107] يقول: ولا لكم من دونه نصير ينصركم إذا هو عاقبكم، فينتصر لكم منه، فاحذروا أيها الناس معاصيه، واتقوه أن تخالفوه فيما أمركم أو نهاكم، فإنه لا دافع لعقوبته عمن أحلها به 20P514

Sección V20/P514–V20/P517

[الشورى: 32_33] القول في تأويل قوله تعالى: {ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} [الشورى: 32_33] يقول تعالى ذكره: ومن حجج الله أيها الناس عليكم بأنه القادر على كل ما يشاء، وأنه لا يتعذر عليه فعل شيء أراده، السفن الجارية في البحر والجواري: جمع جارية، وهي السائرة في البحر كما: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {الجوار في البحر} [الشورى: 32] قال: «السفن» حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، {ومن آياته الجوار في البحر} [الشورى: 32] قال: " الجواري: السفن " وقوله: {كالأعلام} [الشورى: 32] يعني كالجبال: واحدها علم، ومنه قول الشاعر: كأنه علم في رأسه نار يعني: جبل وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {كالأعلام} [الشورى: 32] قال: «كالجبال» حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي قال: " الأعلام: الجبال " وقوله: {إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره} [الشورى: 33] يقول تعالى ذكره: إن يشأ الله الذي قد أجرى هذه السفن في البحر أن لا تجري فيه، أسكن الريح التي تجري بها فيه، فثبتن في موضع واحد، ووقفن على 20P517 ظهر الماء لا تجري، فلا تتقدم ولا تتأخر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره} [الشورى: 33] سفن هذا البحر تجري بالريح فإذا أمسكت عنها الريح ركدت قال الله عز وجل: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} [إبراهيم: 5] " حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، {إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره} [الشورى: 33] «لا تجري» حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {فيظللن رواكد على ظهره} [الشورى: 33] يقول: «وقوفا» وقوله: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} [إبراهيم: 5] يقول: إن في جري هذه الجواري في البحر بقدرة الله لعظة وعبرة وحجة بينة على قدرة الله على ما يشاء، لكل ذي صبر على طاعة الله، شكور لنعمه وأياديه عنده 20P517

Sección V20/P517–V20/P520

[الشورى: 34_35_36] القول في تأويل قوله تعالى: {أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله 20P518 خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} [الشورى: 34_35_36] يقول تعالى ذكره: أو يوبق هذه الجواري في البحر بما كسبت ركبانها من الذنوب، واجترموا من الآثام، وجزم يوبقهن، عطفا على {يسكن الريح} [الشورى: 33] ومعنى الكلام إن يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره، {أو يوبقهن} [الشورى: 34] ويعني بقوله: {أو يوبقهن} [الشورى: 34] أو يهلكهن بالغرق وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني علي قال: ثنا أبو صالح قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: {أو يوبقهن} [الشورى: 34] يقول: «يهلكهن» حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {أو يوبقهن} [الشورى: 34] أو يهلكهن " حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، {أو يوبقهن} [الشورى: 34] قال: «يغرقهن بما كسبوا» وبنحو الذي قلنا في قوله: {بما كسبوا} [الشورى: 34] قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {أو يوبقهن بما كسبوا} [الشورى: 34] «أي بذنوب أهلها» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {أو يوبقهن بما كسبوا} [الشورى: 34] قال: «بذنوب أهلها» حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {أو يوبقهن بما كسبوا} [الشورى: 34] قال: «يوبقهن بما كسبت أصحابهن» وقوله: {ويعف عن كثير} [الشورى : 34] يقول: ويصفح تعالى ذكره عن كثير من ذنوبكم فلا يعاقب عليها وقوله: {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا} [الشورى: 35] يقول جل ثناؤه: ويعلم الذين يخاصمون رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من المشركين في آياته وعبره وأدلته على توحيده واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة: (ويعلم الذين) رفعا على الاستئناف، كما قال في سورة براءة: {ويتوب الله على من يشاء} [التوبة: 15] وقرأته قراء الكوفة والبصرة: {ويعلم الذين} [الشورى: 35] نصبا كما قال في سورة آل عمران {ويعلم الصابرين} [آل عمران: 142] على الصرف؛ وكما قال 20P520 النابغة: فإن يهلك أبو قابوس يهلك ربيع الناس والشهر الحرام ونمسك بعده بذناب عيش أجب الظهر له سنام والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ولغتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وقوله: {ما لهم من محيص} [فصلت: 48] يقول تعالى ذكره: ما لهم من محيد من عقاب الله إذا عاقبهم على ذنوبهم، وكفرهم به، ولا لهم منه ملجأ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {ما لهم من محيص} [فصلت: 48] «ما لهم من ملجأ» وقوله: {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا} [الشورى: 36] يقول تعالى ذكره: فما أعطيتم أيها الناس من شيء من رياش الدنيا من المال والبنين، فمتاع الحياة الدنيا، يقول تعالى ذكره: فهو متاع لكم تتمتعون به في الحياة الدنيا، وليس من دار الآخرة، ولا مما ينفعكم في معادكم {وما عند الله خير وأبقى} [القصص: 60] يقول تعالى ذكره: والذي عند الله لأهل طاعته والإيمان به في الآخرة، خير مما أوتيتموه في الدنيا من متاعها وأبقى، لأن ما أوتيتم في الدنيا فإنه نافد، وما عند الله من النعيم في جنانه لأهل طاعته باق غير نافد {للذين آمنوا} [المائدة: 82] : يقول: وما عند الله للذين آمنوا به، وعليه يتوكلون في أمورهم، وإليه يقومون في أسبابهم، وبه يثقون، خير وأبقى مما أوتيتموه من متاع الحياة الدنيا 20P521

Sección V20/P520–V20/P522

[الشورى: 37_38] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} [الشورى: 37_38] يقول تعالى ذكره: وما عند الله للذين آمنوا {والذين يجتنبون كبائر الإثم} [الشورى: 37] وكبائر فواحش الإثم، قد بينا اختلاف أهل التأويل فيها وبينا الصواب من القول عندنا فيها في سورة النساء، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا {والفواحش} [الشورى: 37] قيل: إنها الزنى ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي 20P522 ، {والفواحش} [الشورى: 37] قال: " الفواحش: الزنى " واختلفت القراء في قراءة قوله: {كبائر الإثم} [الشورى: 37] فقرأته عامة قراء المدينة على الجماع كذلك في النجم، وقرأته عامة قراء الكوفة: (كبير الإثم) على التوحيد فيهما جميعا؛ وكأن من قرأ ذلك كذلك، عنى بكبير الإثم: الشرك، كما كان الفراء يقول: كأني أستحب لمن قرأ كبائر الإثم أن يخفض الفواحش، لتكون الكبائر مضافة إلى مجموع إذ كانت جمعا، وقال: ما سمعت أحدا من القراء خفض الفواحش والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء على تقارب معنييهما، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وقوله: {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} [الشورى: 37] يقول تعالى ذكره: وإذا ما غضبوا على من اجترم إليهم جرما، هم يغفرون لمن أجرم إليهم ذنبه، ويصفحون عنه عقوبة ذنبه وقوله: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة} [الشورى: 38] يقول تعالى ذكره: والذين أجابوا لربهم حين دعاهم إلى توحيده، والإقرار بوحدانيته والبراءة من 20P523 عبادة كل ما يعبد دونه {وأقاموا الصلاة} [البقرة: 277] المفروضة بحدودها في أوقاتها {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38] يقول: وإذا حزبهم أمر تشاوروا بينهم {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] يقول: ومن الأموال التي رزقناهم ينفقون في سبيل الله، ويؤدون ما فرض عليهم من الحقوق لأهلها من زكاة ونفقة على من تجب عليه نفقته وكان ابن زيد يقول: عنى بقوله: {والذين استجابوا لربهم} [الشورى: 38] الآية الأنصار حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، وقرأ {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون} [الشورى: 37] قال: «فبدأ بهم» {والذين استجابوا لربهم} [الشورى: 38] «الأنصار» {وأقاموا الصلاة} [الشورى: 38] «وليس فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم» {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38] «ليس فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا» 20P523

Sección V20/P522–V20/P526

[الشورى: 39_40] القول في تأويل قوله تعالى: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين} [الشورى: 39_40] يقول تعالى ذكره: والذين إذا بغى عليهم باغ، واعتدى عليهم هم ينتصرون ثم اختلف أهل التأويل في الباغي الذي حمد تعالى ذكره المنتصر منه بعد بغيه عليه، فقال بعضهم: هو المشرك إذا بغى على المسلم ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال: أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: ذكر المهاجرين 20P524 صنفين، صنفا عفا، وصنفا انتصر، وقرأ {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون} [الشورى: 37] قال: «فبدأ بهم» {والذين استجابوا لربهم} [الشورى: 38] إلى قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] «وهم الأنصار» ثم ذكر الصنف الثالث فقال: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} [الشورى: 39] «من المشركين» وقال آخرون: بل هو كل باغ بغى فحمد المنتصر منه ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} [الشورى: 39] قال: «ينتصرون ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا» وهذا القول الثاني أولى في ذلك بالصواب؛ لأن الله لم يخصص من ذلك معنى دون معنى، بل حمد كل منتصر بحق ممن بغى عليه فإن قال قائل: وما في الانتصار من المدح؟ قيل: إن في إقامة الظالم على سبيل الحق وعقوبته بما هو له أهل تقويما له، وفي ذلك أعظم المدح وقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] وقد بينا فيما مضى معنى ذلك، وأن معناه: وجزاء سيئة المسيء عقوبته بما أوجبه الله عليه، فهي وإن كانت عقوبة من الله أوجبها عليه، فهي مساءة له والسيئة: إنما هي الفعلة من السوء، وذلك نظير قول الله عز وجل {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} [الأنعام: 160] 20P525 وقد قيل: إن معنى ذلك: أن يجاب القائل الكلمة القزعة بمثلها ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب قال: قال لي أبو بشر: سمعت ابن أبي نجيح، يقول في قوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] قال: " يقول أخزاه الله، فيقول: أخزاه الله " حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] قال: «إذا شتمك بشتيمة فاشتمه مثلها من غير أن تعتدي» وكان ابن زيد يقول في ذلك بما: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} [الشورى: 39] «من المشركين» {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح} [الشورى: 40] الآية، ليس أمركم أن تعفوا عنهم لأنه أحبهم {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} [الشورى: 41] ، ثم نسخ هذا كله وأمره بالجهاد فعلى قول ابن زيد هذا تأويل الكلام: وجزاء سيئة من المشركين إليكم، سيئة مثلها منكم إليهم، وإن عفوتم وأصلحتم في العفو، فأجركم في عفوكم عنهم إلى الله، إنه لا يحب الكافرين؛ وهذا على قوله كقول الله عز وجل {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله} [البقرة: 194] وللذي قال من ذلك وجه غير أن الصواب عندنا: أن تحمل الآية على الظاهر ما لم ينقله إلى الباطن ما يجب التسليم له، وأن لا يحكم لحكم في آية بالنسخ إلا بخبر يقطع العذر أو حجة يجب التسليم لها، ولم تثبت حجة في قوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] أنه مراد به المشركون دون المسلمين، ولا بأن هذه الآية منسوخة، فنسلم لها بأن ذلك كذلك وقوله: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40] يقول جل ثناؤه: فمن عفا عمن أساء إليه إساءته إليه، فغفرها له، ولم يعاقبه بها، وهو على عقوبته عليها قادر ابتغاء وجه الله، فأجر عفوه ذلك على الله، والله مثيبه عليه ثوابه {إنه لا يحب الظالمين} [الشورى: 40] يقول: إن الله لا يحب أهل الظلم الذين يتعدون على الناس، فيسيئون إليهم بغير ما أذن الله لهم فيه 20P526

Sección V20/P526–V20/P528

[الشورى: 41_42] القول في تأويل قوله تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم} [الشورى: 41_42] يقول تعالى ذكره: ولمن انتصر ممن ظلمه من بعد ظلمه إياه {فأولئك ما عليهم من سبيل} [الشورى: 41] يقول: فأولئك المنتصرون منهم لا سبيل للمنتصر منهم عليهم بعقوبة ولا أذى، لأنهم انتصروا منهم بحق، ومن أخذ حقه ممن وجب ذلك له 20P527 عليه، ولم يتعد، لم يظلم، فيكون عليه سبيل وقد اختلف أهل التأويل في المعني بذلك، فقال بعضهم: عنى به كل منتصر ممن أساء إليه، مسلما كان المسيء أو كافرا ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال: ثنا معاذ قال: ثنا ابن عون قال: كنت أسأل عن الانتصار، {ولمن انتصر بعد ظلمه} [الشورى: 41] الآية، فحدثني علي بن زيد بن جدعان، عن أم محمد امرأة أبيه قال ابن عون: زعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين قالت: قالت أم المؤمنين: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندنا زينب بنت جحش، فجعل يصنع بيده شيئا، ولم يفطن لها، فقلت بيدي حتى فطنته لها، فأمسك، وأقبلت زينب تقحم لعائشة، فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة: «سبيها» فسبتها وغلبتها وانطلقت زينب فأتت عليا، فقالت: إن عائشة تقع بكم وتفعل بكم، فجاءت فاطمة، فقال لها: «إنها حبة أبيك ورب الكعبة» ، فانصرفت وقالت لعلي: إني قلت له كذا وكذا، فقال كذا وكذا؛ قال: وجاء علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه في ذلك حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولمن انتصر 20P528 بعد ظلمه} [الشورى: 41] الآية قال: «هذا في الخمش يكون بين الناس» حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} [الشورى : 41] قال: «هذا فيما يكون بين الناس من القصاص، فأما لو ظلمك رجل لم يحل لك أن تظلمه» وقال آخرون: بل عنى به الانتصار من أهل الشرك، وقال: هذا منسوخ ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} [الشورى: 41] قال: " لمن انتصر بعد ظلمه من المؤمنين انتصر من المشركين وهذا قد نسخ، وليس هذا في أهل الإسلام، ولكن في أهل الإسلام الذي قال الله تبارك وتعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34] " والصواب من القول أن يقال: إنه معني به كل منتصر من ظالمه، وأن الآية محكمة غير منسوخة للعلة التي بينت في الآية قبلها وقوله: {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس} [الشورى: 42] يقول تبارك وتعالى: إنما الطريق لكم أيها الناس على الذين يتعدون على الناس ظلما وعدوانا، بأن 20P529 يعاقبوهم بظلمهم لا على من انتصر ممن ظلمه، فأخذ منه حقه وقوله: {ويبغون في الأرض بغير الحق} [الشورى: 42] يقول: ويتجاوزون في أرض الله الحد الذي أباح لهم ربهم إلى ما لم يأذن لهم فيه، فيفسدون فيها بغير الحق {أولئك لهم عذاب أليم} [آل عمران: 91] يقول: فهؤلاء الذين يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق، لهم عذاب من الله يوم القيامة في جهنم مؤلم موجع 20P529

Sección V20/P528–V20/P530

[الشورى: 43_44] القول في تأويل قوله تعالى: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل} [الشورى: 43_44] يقول تعالى ذكره: ولمن صبر على إساءة إليه، وغفر للمسيء إليه جرمه إليه، فلم ينتصر منه، وهو على الانتصار منه قادر ابتغاء وجه الله وجزيل ثوابه {إن ذلك لمن عزم الأمور} [الشورى: 43] يقول: إن صبره ذلك وغفرانه ذنب المسيء إليه، لمن عزم الأمور التي ندب إليها عباده، وعزم عليهم العمل به {ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده} [الشورى: 44] يقول: ومن خذله الله عن الرشاد، فليس له من ولي يليه، فيهديه لسبيل الصواب، ويسدده من بعد إضلال الله إياه {وترى الظالمين لما رأوا العذاب} [الشورى: 44] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وترى الكافرين بالله يا محمد يوم القيامة لما عاينوا عذاب الله يقولون لربهم: {هل} [البقرة: 210] لنا يا رب {إلى مرد من سبيل} [الشورى: 44] وذلك كقوله {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا} الآية، استعتب المساكين في غير حين الاستعتاب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {هل إلى مرد من سبيل} [الشورى: 44] يقول: «إلى الدنيا» واختلف أهل العربية في وجه دخول «إن» في قوله: {إن ذلك لمن عزم الأمور} [الشورى: 43] مع دخول اللام في قوله: {ولمن صبر وغفر} [الشورى: 43] فكان نحويو أهل البصرة يقول في ذلك: أما اللام التي في قوله: {ولمن صبر وغفر} [الشورى: 43] فلام الابتداء، وأما إن ذلك فمعناه والله أعلم: إن ذلك منه من عزم الأمور، وقال: قد تقول: مررت بالدار الذراع بدرهم: أي الذراع منها بدرهم، ومررت ببر قفيز بدرهم، أي قفيز منه بدرهم قال: وأما ابتداء «إن» في هذا الموضع، فمثل {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم} [الجمعة: 8] يجوز ابتداء الكلام، وهذا إذا طال الكلام في هذا الموضع وكان بعضهم يستخطئ هذا القول ويقول: إن العرب إذا أدخلت اللام في أوائل الجزاء أجابته بجوابات الأيمان بما، ولا، وإن واللام قال: وهذا من ذاك، كما قال: {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم} [الحشر: 12] {ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون} [الحشر: 12] فجاء بلا وباللام جوابا للام الأولى قال: ولو قال: لئن قمت إني لقائم لجاز ولا حاجة به إلى العائد، لأن الجواب في اليمين قد يكون فيه العائد، وقد لا يكون؛ ألا ترى أنك تقول: لئن قمت لأقومن، ولا أقوم، وإني لقائم فلا تأتي بعائد قال: وأما قولهم: مررت بدار الذراع بدرهم وببر قفيز بدرهم، فلا بد من أن يتصل بالأول بالعائد، وإنما يحذف العائد فيه، لأن الثاني تبعيض للأول مررت ببر بعضه بدرهم، وبعضه بدرهم؛ فلما كان المعنى التبعيض حذف العائد قال: وأما ابتداء «إن» في كل موضع إذا طال الكلام، فلا يجوز أن تبتدئ إلا بمعنى: قل إن الموت الذي تفرون منه، فإنه جواب للجزاء، كأنه قال: ما فررتم منه من الموت، فهو ملاقيكم وهذا القول الثاني عندي أولى في ذلك بالصواب للعلل التي ذكرناها 20P531

Sección V20/P530–V20/P534

[الشورى: 45] القول في تأويل قوله تعالى: {وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم} [الشورى: 45] يقول تعالى ذكره: وترى يا محمد الظالمين يعرضون على النار {خاشعين من الذل} [الشورى: 45] يقول: خاضعين متذللين كما: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: " الخشوع: 20P532 الخوف والخشية لله عز وجل "، وقرأ قول الله عز وجل: {لما رأوا العذاب} [الشورى: 44] إلى قوله: {خاشعين من الذل} [الشورى: 45] قال: «قد أذلهم الخوف الذي نزل بهم وخشعوا له» حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: {خاشعين} [الشورى: 45] قال: «خاضعين من الذل» وقوله: {ينظرون من طرف خفي} [الشورى: 45] يقول: ينظر هؤلاء الظالمون إلى النار حين يعرضون عليها من طرف خفي واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {من طرف خفي} [الشورى: 45] فقال بعضهم: معناه: من طرف ذليل وكأن معنى الكلام: من طرف قد خفي من ذلة ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل} [الشورى: 45] إلى قوله: {من طرف خفي} [الشورى: 45] يعني بالخفي: «الذليل» حدثنا محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد، في قوله عز وجل: {من طرف خفي} [الشورى: 45] قال: «ذليل» وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يسارقون النظر ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ينظرون من طرف خفي} [الشورى: 45] قال: «يسارقون النظر» حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، {من طرف خفي} [الشورى: 45] قال: «يسارقون النظر» واختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعض نحويي البصرة في ذلك: جعل الطرف العين، كأنه قال: ونظرهم من عين ضعيفة، والله أعلم قال: وقال يونس: إن {من طرف} [الشورى: 45] مثل بطرف، كما تقول العرب: ضربته في السيف، وضربته بالسيف وقال آخر منهم: إنما قيل: {من طرف خفي} [الشورى: 45] لأنه لا يفتح عينيه، إنما ينظر ببعضها وقال آخرون منهم: إنما قيل: {من طرف خفي} [الشورى: 45] لأنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم، لأنهم يحشرون عميا والصواب من القول في ذلك، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ومجاهد، وهو أن معناه: أنهم ينظرون إلى النار من طرف ذليل، وصفه الله جل ثناؤه بالخفاء للذلة التي قد ركبتهم، حتى كادت أعينهم أن تغور، فتذهب وقوله: {وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم 20P534 يوم القيامة} [الشورى: 45] يقول تعالى ذكره: وقال الذين آمنوا بالله ورسوله: إن المغبونين الذين غبنوا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة في الجنة كما: حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: {الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} [الزمر: 15] قال: «غبنوا أنفسهم وأهليهم في الجنة» وقوله: {ألا إن الظالمين في عذاب مقيم} [الشورى: 45] يقول تعالى ذكره: ألا إن الكافرين يوم القيامة في عذاب لهم من الله مقيم عليهم، ثابت لا يزول عنهم، ولا يبيد، ولا يخف 20P534

Preguntas