Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
والنوع السابع : أنهم ما كانوا مهتدين ، والفائدة فيه أنه قد يضل الإنسان عن الحق إلا أن يعود إلى الاهتداء ، فبين تعالى أنهم قد ضلوا ولم يحصل لهم الاهتداء قط . فثبت أنه تعالى ذم الموصوفين بقتل الأولاد وتحريم ما أحله الله تعالى لهم بهذه الصفات السبعة الموجبة لأعظم أنواع الذم ، وذلك نهاية المبالغة . ! 7 < { وهو الذىأنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذآ أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } . > 7 < الأنعام : ( 141 ) وهو الذي أنشأ . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى جعل مدار هذا الكتاب الشريف على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر ، وأنه تعالى بالغ في تقرير هذه الأصول ، وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء ، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة من أنكر البعث والقيامة ، ثم أتبعه بحكاية أقوالهم الركيكة ، وكلماتهم الفاسدة في مسائل أربعة . والمقصود التنبيه على ضعف عقولهم ، وقلة محصولهم ، وتنفير الناس عن الالتفات إلى قولهم ، والاغترار بشبهاتهم . فلما تمم هذه الأشياء عاد بعدها إلى ما هو المقصود الأصلي ، وهو إقامة الدلائل على تقرير التوحيد فقال : { وهو الذى أنشأ جنات معروشات } . / واعلم أنه قد سبق ذكر هذا الدليل في هذه السورة ، وهو قوله : { وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن } ( الأنعام : 99 ) فالآية المتقدمة ذكر تعالى فيها خمسة أنواع ، وهي : الزرع والنخل ، وجنات من أعناب والزيتون والرمان ، وفي هذه الآية التي نحن في تفسيرها ذكر هذه الخمسة بأعيانها لكن على خلاف ذلك الترتيب لأنه ذكر العنب ، ثم النخل ، ثم الزرع ، ثم الزيتون ثم الرمان . وذكر في الآية المتقدمة { مشتبها وغير متشابه } وفي هذه الآية { متشابها وغير متشابه } ثم ذكر في الآية المتقدمة { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } فأمر تعالى هناك بالنظر في أحوالها والاستدلال بها على وجود الصانع الحكيم ، وذكر في هذه الآية { كلوا من ثمره إذا أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده } فأذن في الانتفاع بها ، وأمر بصرف جزء منها إلى الفقراء ، فالذي حصل به الامتياز بين الآيتين أن هناك أمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم . وههنا أذن في الانتفاع بها ، وذلك تنبيه على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم مقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الاستدلال بها سعادة روحانية أبدية . والحاصل من الانتفاع بهذه سعادة جسمانية سريعة الانقضاء ، والأول أولى بالتقديم ، فلهذا السبب قدم الله تعالى الأمر بالاستدلال بها على الإذن بالانتفاع بها . المسألة الثانية : قوله : { وهو الذى أنشأ } أي خلق ، يقال : نشأ الشيء ينشأ نشأة ونشاءة إذا ظهر وارتفع والله ينشئه إنشاء أي يظهره ويرفعه وقوله : { جنات معروشات } يقال عرشت الكرم أعرشه عرشا وعرشته تعريشا ، إذا عطفت العيدان التي يرسل عليها قضبان الكرم ، والواحد عرش ، والجمع عروش ، ويقال : عريش وجمعه عرش ، واعترش العنب العريش اعتراشا إذا علاه .
إذا عرفت هذا فنقول : في قوله : { معروشات وغير معروشات } أقوال : الأول : أن المعروشات وغير المعروشات كلاهما الكرم ، فإن بعض الأعناب يعرش وبعضها لا يعرش ، بل يبقى على وجه الأرض منبسطا . والثاني : المعروشات العنب الذي يجعل لها عروش ، وغير المعروشات كل ما ينبت منبسطا على وجه الأرض مثل القرع والبطيخ . والثالث : المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عريش يحمل عليه فيمسكه / وهو الكرم وما يجري مجراه ، وغير المعروش هو القائم من الشجر المستغني باستوائه وذهابه علوا لقوة ساقه عن التعريش . والرابع : المعروشات ما يحصل في البساتين / والعمرانات مما يغرسه الناس واهتموا به فعرشوه { وغير معروشات } مما أنبته الله تعالى وحشيا في البراري والجبال فهو غير معروش وقوله : { والنخل والزرع } فسر ابن عباس { الزرع } ههنا بجميع الحبوب التي يقتات بها { مختلفا أكله } أي لكل شيء منها طعم غير طعم الآخر { والأكل } كل ما أكل ، وههنا المراد ثمر النخل والزرع ، ومضى القول في { فى الاكل } عند قوله : { فأتت أكلها ضعفين } ( البقرة : 265 ) وقوله : { مختلفا } نصب على الحال . أي أنشأه في حال اختلاف أكله ، وهو قد أنشأه من قبل ظهور أكله وأكل ثمره . الجواب : أنه تعالى أنشأها حال اختلاف ثمرها وصدق هذا لا ينافي صدق أنه تعالى أنشأها قبل ذلك أيضا . وأيضا نصب على الحال مع أنه يؤكل بعد ذلك بزمان ، لأن اختلاف أكله مقدر كما تقول : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا ، أي مقدرا للصيد به غدا . وقرأ ابن كثير ونافع { أكله } بتخفيف الكاف والباقون { أكله } في كل القرآن . وأما توحيد الضمير في قوله : { مختلفا أكله } فالسبب فيه : أنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما جميعا كقوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : 11 ) والمعنى : إليهما وقوله : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } ( التوبة : 62 ) . وأما قوله : { متشابها وغير متشابه } فقد سبق تفسيره في الآية المتقدمة . ثم قال تعالى : { كلوا من ثمره إذا أثمر } وفيه مباحث . البحث الأول : أنه تعالى لما ذكر كيفية خلقه لهذه الأشياء ذكر ما هو المقصود الأصلي من خلقها ، وهو انتفاع المكلفين بها ، فقال : { كلوا من ثمره } واختلفوا ما الفائدة منه ؟ فقال بعضهم : الإباحة . وقال آخرون : بل المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق ، لأنه تعالى لما أوجب الحق فيه ، كان يجوز أن يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المساكين فيه ، بل هذا هو الظاهر فأباح تعالى هذا الأكل ، وأخرج وجوب الحق فيه من أن يكون مانعا من هذا التصرف . وقال بعضهم : بل أباح تعالى ذلك ليبين أن المقصد بخلق هذه النعم . إما الأكل وإما التصدق ، وإنما قدم ذكر الأكل على التصدق ، لأن رعاية النفس مقدمة على رعاية الغير . قال تعالى : { ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك } ( القصص : 77 ) .
البحث الثاني : تمسك بعضهم بقوله : { كلوا من ثمره إذا أثمر } بأن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق ، لأن قوله : { كلوا } خطاب عام يتناول الكل ، فصار هذا جاريا مجرى قوله تعالى : { خلق لكم ما فى الارض جميعا } وأيضا يمكن التمسك به على أن الأصل عدم وجوب الصدقة ، وأن من ادعى إيجابه كان هو المحتاج إلى الدليل ، فيتمسك به في أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر ، لا يلزمه قضاء ما مضى ، وفي أن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام . / البحث الثالث : قوله : { كلوا من ثمره } يدل على أن صيغة الأمر قد ترد في غير موضع الوجوب وفي غير موضع الندب ، وعند هذا قال بعضهم : الأصل في الاستعمال الحقيقة ، فوجب جعل هذه الصيغة مفيدة لرفع الحجر ، فلهذا قالوا : الأمر مقتضاه الإباحة ، إلا أنا نقول : نعلم بالضرورة من لغة العرب أن هذه الصيغة تفيد ترجيح جانب الفعل ، وأن حملها على الإباحة لا يصار إليه إلا بدليل منفصل . أما قوله تعالى : { وهو الذى أنشأ جنات } ففيه أبحاث : البحث الأول : قرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم { حصاده } بفتح الحاء والباقون بكسر الحاء قال الواحدي : قال جميع أهل اللغة يقال : حصاد وحصاد ، وجداد وجداد ، وقطاف وقطاف ، وجذاذ وجذاذ ، وقال سيبويه جاؤا بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعال ، وربما قالوا فيه فعال . البحث الثاني : في تفسير قوله : { وهو الذى } ثلاثة أقوال . القول الأول : قال ابن عباس في رواية عطاء يريد به العشر فيما سقت السماء ، ونصف العشر فيما سقي بالدواليب ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك . فإن قالوا : كيف يؤدي الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل ؟ وأيضا هذه السورة مكية ، وإيجاب الزكاة مدني . قلنا : لما تعذر إجراء قوله : { وهو الذى } على ظاهره بالدليل الذي ذكرتم . لا جرم حلمناه على تعلق حق الزكاة به في ذلك الوقت ، والمعنى : اعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد ولا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء . والجواب عن السؤال الثاني : لا نسلم أن الزكاة ما كانت واجبة في مكة ، بل لا نزاع أن الآية المدنية وردت بإيجابها ، إلا أن ذلك لا يمنع أنها كانت واجبة بمكة . وقيل أيضا : هذه الآية مدنية . والقول الثاني : أن هذا حق في المال سوى الزكاة . وقال مجاهد : إذا حصدت فحضرت المساكين فاطرح لهم منه ، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه ، وإذا كربلته فاطرح لهم منه ، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته . والقول الثالث : أن هذا كان قبل وجوب الزكاة ، فلما فرضت الزكاة نسخ هذا ، وهذا قول سعيد بن جبير ، والأصح هو القول الأول ، والدليل عليه أن قوله تعالى : { وهو الذى } إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوما قبل ورود هذه الآية لئلا تبقى هذه الآية مجملة . وقد قال عليه الصلاة / والسلام : ( ليس في المال حق سوى الزكاة ) فوجب أن يكون المراد بهذا الحق حق الزكاة . البحث الثالث : قوله تعالى : { وهو الذى أنشأ جنات } بعد ذكر الأنواع الخمسة ، وهو العنب والنخل ، والزيتون ، والرمان ؛ يدل عى وجوب الزكاة في الكل ، وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار ، كما كان يقوله أبو حنيفة رحمه الله .
فإن قالوا : لفظ الحصاد مخصوص بالزرع . فنقول : لفظ الحصد في أصل اللغة غير مخصوص بالزرع ، والدليل عليه ، أن الحصد في اللغة عبارة عن القطع ، وذلك يتناول الكل وأيضا الضمير في قوله حصاده يجب عوده إلى أقرب المذكورات وذلك هو الزيتون والرمان ، فوجب أن يكون الضمير عائدا إليه . البحث الرابع : قال أبو حنيفة رحمه الله : العشر واجب في القليل والكثير . وقال الأكثرون إنه لا يجب إلا إذا بلغ خمسة أوسق . واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، فقال : قوله : { وهو الذى أنشأ جنات } يقتضي ثبوت حق في القليل والكثير ، فإذا كان ذلك الحق هو الزكاة وجب القول بوجوب الزكاة في القليل والكثير . أما قوله تعالى : { ولا تسرفوا } فاعلم أن لأهل اللغة في تفسير الإسراف قولين : الأول : قال ابن الأعرابي : السرف تجاوز ما حد لك . الثاني : قال شمر : سرف المال ، ما ذهب منه من غير منفعة . إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين فيه أقوال : الأول : أن الإنسان إذا أعطى كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف ، لأنه جاء في الخبر ، ( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ) . وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها ، ثم قسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئا فأنزل الله تعالى قوله : { وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغير } أي ولا تعطوا كله . والثاني : قال سعيد بن المسيب : { لا تسرفوا } أي لا تمنعوا الصدقة / وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف مجاوزة الحد ، إلا أن الأول مجاوزة في الإعطاء ، والثاني : مجاوزة في المنع . الثالث : قال مقاتل : معناه : لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام ، وهذا أيضا من باب المجاوزة ، لأن من أشرك الأصنام في الحرث والأنعام ، فقد جاوز ما حد له . الرابع : قال الزهري معناه : لا تنفقوا في معصية الله تعالى . قال مجاهد : لو كان أبو قبيس ذهبا ، فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفا . ولو أنفق درهما في معصية الله كان مسرفا . وهذا المعنى أراده حاتم الطائي حين قيل له : لا خير في السرف . فقال لا سرف في الخير ، وهذا على القول الثاني في معنى السرف ، فإن من أنفق / في معصية الله ، فقد أنفق فيما لا نفع فيه . ثم قال تعالى : { إنه لا يحب المسرفين } والمقصود منه الزجر ، لأن كل مكلف لا يحبه الله تعالى فهو من أهل النار ، والدليل عليه قوله تعالى : { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم } ( المائدة : 18 ) فدل هذا على أن كل من أحبه الله فليس هو من أهل النار . وذلك يفيد من بعض الوجوه أن من لم يحبه الله فهو من أهل النار . ! 7 < { ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله بهاذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } . > 7 < الأنعام : ( 142 - 144 ) ومن الأنعام حمولة . . . . . > >
اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية إنعامه على عباده بالمنافع النباتية أتبعها بذكر إنعامه عليهم بالمنافع الحيوانية . فقال : { ومن الانعام حمولة وفرشا } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ( الواو ) في قوله : { ومن الانعام حمولة وفرشا } توجب العطف على ما تقدم / من قوله : { وهو الذى أنشأ جنات معروشات } والتقدير : وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ، وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا وكثر أقوالهم في تفسير الحمولة والفرش وأقربها إلى التحصيل وجهان : الأول : أن الحمولة ما تحمل الأثقال والفرش ما يفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش . والثاني : الحمولة الكبار التي تصلح للحمل ، والفرش الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض بسبب صغر أجرامها مثل الفرش المفروش عليها . ثم قال تعالى : { كلوا مما رزقكم الله } يريد ما أحلها لكم . قالت المعتزلة : إنه تعالى أمر بأكل الرزق ، ومنع من أكل الحرام ، ينتج أن الرزق ليس بحرام . ثم قال : { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي في التحليل والتحريم من عند أنفسكم كما فعله أهل الجاهلية { خطوات } جمع خطوة . وهي ما بين القدمين . قال الزجاج : وفي { خطوات الشيطان } ثلاثة أوجه : بضم الطاء وفتحها وبإسكانها ، ومعناه : طرق الشيطان . أي لا تسلكوا الطريق الذي يسوله لكم الشيطان . ثم قال تعالى : { إنه لكم عدو مبين } أي بين العداوة ، أخرج آدم من الجنة ، وهو القائل { لاحتنكن ذريته إلا قليلا } ( الإسراء : 62 ) . ثم قال تعالى : { ثمانية أزواج } وفيه بحثان : البحث الأول : في انتصاب قوله : { ثمانية } وجهان : الأول : قال الفراء : انتصب ثمانية بالبدل من قوله : { حمولة وفرشا } والثاني : أن يكون التقدير : كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج . البحث الثاني : الواحد إذا كان وحده فهو فرد ، فإذا كان معه غيره من جنسه سمي زوجا ، وهما زوجان بدليل قوله : { خلق الزوجين الذكر والانثى } ( النجم : 45 ) وبدليل قوله : { ثمانية أزواج } ثم فسرها بقوله : { من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } . ثم قال : { ومن الضأن اثنين } يعني الذكر والأنثى ، والضأن ذوات الصوف من الغنم . قال الزجاج : وهي جمع ضائن وضائنة مثل تاجر وتاجرة . ويجمع الضأن أيضا على الضئين بكسر الضاد وفتحها وقوله : { ومن المعز اثنين } قرىء { ومن المعز } بفتح العين / والمعز ذوات الشعر من الغنم . ويقال للواحد : ماعز . وللجمع : معزى . فمن قرأ { المعز } بفتح العين فهو جمع ماعز ، مثل خادم وخدم وطالب وطلب ، وحارس وحرس . ومن قرأ بسكون العين فهو أيضا جمع ماعز كصاحب وصحب ، وتاجر وتجر ، وراكب وركب . وأما انتصاب اثنين فلأن تقدير الآية أنشأ ثمانية أزواج أنشأ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين وقوله : { قل ءآلذكرين حرم أم الانثيين } نصب الذكرين بقوله : / { حرم } والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله . قال المفسرون : إن المشركين من أهل الجاهلية كانوا يحرمون بعض الأنعام ، فاحتج الله تعالى على إبطال قولهم بأن ذكر الضأن والمعز والإبل والبقر وذكر من كل واحد من هذه الأربعة زوجين ، ذكرا وأنثى .
ثم قال إن كان حرم منها الذكر وجب أن يكون كل ذكورها حراما وإن كان حرم الأنثى ، وجب أن يكون كل إناثها حراما ، وقوله : { أما اشتملت عليه أرحام الانثيين } تقديره : إن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وجب تحريم الأولاد كلها لأن الأرحام تشتمل على الذكور والإناث ، هذا ما أطبق عليه المفسرون في تفسير هذه الآية ، وهو عندي بعيد جدا ، لأن لقائل أن يقول : هب أن هذه الأنواع الأربعة ، أعني : الضأن ، والمعز ، والإبل ، والبقر ، محصورة في الذكور والإناث ، إلا أنه لا يجب أن تكون علة تحريم ما حكموا بتحريمه محصورة في الذكورة والأنوثة ، بل علة تحريمها كونها بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حاما أو سائر الاعتبارات ، كما أنا إذا قلنا : أنه تعالى حرم ذبح بعض الحيوانات لأجل الأكل . فإذا قيل : إن ذلك الحيوان إن كان قد حرم لكونه ذكرا وجب أن يحرم كل حيوان ذكر ، وإن كان قد حرم لكونه أنثى وجب أن يحرم كل حيوان أنثى ، ولما لم يكن هذا الكلام لازما علينا ، فكذا هذا الوجه الذي ذكره المفسرون في تفسير هذه الآية ، ويجب على العاقل أن يذكر في تفسير كلام الله تعالى وجها صحيحا فأما تفسيره بالوجوه الفاسدة فلا يجوز والأقرب عندي فيه وجهان : أحدهما : أن يقال : إن هذا الكلام ما ورد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم ، بل هو استفهام على سبيل الإنكار يعني أنكم لا تقرون بنبوة نبي ، ولا تعرفون شريعة شارع ، فكيف تحكمون بأن هذا يحل وأن ذلك يحرم ؟ وثانيهما : أن حكمهم بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام مخصوص بالإبل ، فالله تعالى بين أن النعم عبارة عن هذه الأنواع الأربعة ، فلما لم تحكموا بهذه الأحكام في الأقسام الثلاثة ، وهي : الضأن والمعز والبقر ، فكيف خصصتم الإبل بهذا الحكم على التعيين ؟ فهذا ما عندي في هذه الآية والله أعلم بمراده . ثم قال تعالى : { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهاذا } والمراد هل شاهدتم الله حرم هذا إن كنتم لا تؤمنون برسول ؟ وحاصل الكلام من هذه الآية : أنكم لا تعترفون بنبوة أحد من الأنبياء ، فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة ؟ ولما بين ذلك قال : { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم } قال ابن عباس : يريد عمرو بن لحي ، لأنه هو الذي غير شريعة إسماعيل ، والأقرب أن يكون هذا محمولا على كل من فعل ذلك ، لأن اللفظ عام والعلة الموجبة لهذا الحكم عامة ، / فالتخصيص تحكم محض . قال المحققون : إذا ثبت أن من افترى على الله الكذب في تحريم مباح استحق هذا الوعيد الشديد ، فمن افترى على الله الكذب في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والنبوات والملائكة ومباحث المعاد كان وعيده أشد وأشق . قال القاضي : ودل ذلك على أن الإضلال عن الدين مذموم ، لا يليق بالله ، لأنه تعالى إذا ذم الإضلال الذي ليس فيه إلا تحريم المباح ، فالذي هو أعظم منه أولى بالذم . وجوابه : أنه ليس كل ما كان مذموما منا كان مذموما من الله تعالى . ألا ترى أن الجمع بين العبيد والإماء وتسليط الشهوة عليهم وتمكينهم من أسباب الفجور مذموم منا وغير مذموم من الله تعالى فكذا ههنا . ثم قال : { إن الله لا يهدى القوم الظالمين } قال القاضي : لا يهديهم إلا ثوابه وإلى زيادات الهدى التي يختص المهتدي بها . وقال أصحابنا : المراد منه الإخبار بأنه تعالى لا يهدي أولئك المشركين ، أي لا ينقلهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، والكلام في ترجيح أحذ القولين على الآخر معلوم .
! 7 < { قل لا أجد فى مآ أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما حملت ظهورهمآ أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ذالك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين } . > 7 < الأنعام : ( 145 - 147 ) قل لا أجد . . . . . > > /اعلم أنه تعالى لما بين فساد طريقة أهل الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الباب ، فقال : { قل لا أجد فيما أوحى إلى } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة { إلا أن تكون } بالتار { ميتة } بالنصب على تقدير : إلا أن تكون العين أو النفس أو الجثة ميتة . وقرأ ابن عامر إلا أن تكون بالتاء { ميتة } بالرفع على معنى إلا أن تقع ميتة أو تحدث ميتة والباقون { إلا أن يكون ميتة } أي إلا أن يكون المأكول ميتة ، أو إلا أن يكون الموجود ميتة . المسألة الثانية : لما بين الله تعالى أن التحريم والتحليل لا يثبت إلا بالوحي . قال : { قل لا أجد فيما أوحى إلا محرما على طاعم يطعمه } أي على آكل يأكله ، وذكر هذا ليظهر أن المراد منه هو بيان ما يحل ويحرم من المأكولات . ثم ذكر أمورا أربعة . أولها : الميتة ، وثانيها : الدم المسفوح ، وثالثها : لحم الخنزير فإنه رجس ، ورابعها : الفسق وهو الذي أهل به لغير الله ، فقوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إليك محرما } إلا هذه الأربعة مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة وذلك لأنه لما ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرمات والمحللات إلا بالوحي ، وثبت أنه لا وحي من الله تعالى إلا إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، وثبت أنه تعالى يأمره أن يقول : إني لا أجد فيما أوحي إلي محرما من المحرمات إلا هذه الأربعة كان هذا مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة .
واعلم أن هذه السورة مكية ، فبين تعالى في هذه السورة المكية أنه لا محرم إلا هذه الأربعة ثم أكد ذلك بأن قال في سورة النحل : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } ( النحل : 115 ) وكلمة { إنما } تفيد الحصر فقد حصلت لنا آيتان مكيتان يدلان على حصر المحرمات في هذه الأربعة ، فبين في سورة البقرة وهي مدنية أيضا أنه لا محرم إلا هذه الأربعة فقال : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله } وكلمة { إنما } تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة لتلك الآية المكية لأن كلمة { إنما } تفيد الحصر ، فكلمة { إنما } في الآية المدنية مطابقة لقوله : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } إلا كذا وكذا في الآية المكية ، ثم ذكر تعالى في سورة المائدة قوله تعالى : { أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم } ( المائدة : 1 ) وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله : { إلا ما يتلى عليكم } هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل ، وهو قوله : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم } وكل هذه الأشياء أقسام الميتة وأنه تعالى إنما أعادها بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل ، فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها / كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا الحصر . فإن قال قائل : فيلزمكم في التزام هذا الحصر تحليل النجاسات والمستقذرات ، ويلزم عليه أيضا تحليل الخمر ، وأيضا فيلزمكم تحليل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة مع أن الله تعالى حكم بتحريمها . قلنا : هذا لا يلزمنا من وجوه : الأول : أنه تعالى قال في هذه الآية : { أو لحم خنزير فإنه رجس } ومعناه أنه تعالى إنما حرم لحم الخنزير لكونه نجسا ، فهذا يقتضي أن النجاسة علة لتحريم الأكل . فوجب أن يكون كل نجس يحرم أكله ، وإذا كان هذا مذكورا في الآية كان السؤال ساقطا . والثاني : أنه تعالى قال في آية أخرى : { ويحرم عليهم الخبئث } وذلك يقتضي تحريم كل الخبائث ، والنجاسات خبائث ، فوجب القول بتحريمها . الثالث : أن الأمة مجمعة على حرمة تناول النجاسات ، فهب أنا التزمنا تخصيص هذه السورة بدلالة النقل المتواتر من دين محمد في باب النجاسات . فوجب أن يبقى ما سواها على وفق الأصل تمسكا بعموم كتاب الله في الآية المكية والآية المدنية ، فهذا أصل مقرر كامل في باب ما يحل وما يحرم من المطعومات ، وأما الخمر فالجواب عنه : أنها نجسة فيكون من الرجس فيدخل تحت قوله : { رجس } وتحت قوله : { ويحرم عليهم الخبئث } وأيضا ثبت تخصيصه بالنقل المتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم في تحريمه ، وبقوله تعالى : { فاجتنبوه } وبقوله : { وإثمهما أكبر من نفعهما } والعام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، فتبقى هذه الآية فيما عداها حجة . وأما قوله ويلزم تحليل الموقوذة والمتردية والنطحية . فالجواب عنه من وجوه : أولها : أنها ميتات . فكانت داخلة تحت هذه الآية . وثانيها : أنا نخص عموم هذه الآية بتلك الآية ، وثالثها : أن نقول إنها إن كانت ميتة دخلت تحت هذه الآية ، وإن لم تكن ميتة فنخصصها بتلك الآية . فإن قال قائل : المحرمات من المطعومات أكثر مما ذكر في هذه الآية فما وجهها ؟
أجابوا عنه من وجوه : أحدها : أن المعنى لا أجد محرما مما كان أهل الجاهلية يحرمه من البحائر والسوائب وغيرها إلا ما ذكر في هذه الآية ، وثانيها : أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن تحريم غير ما نص عليه في هذه الآية ثم وجدت محرمات أخرى بعد ذلك . وثالثها : هب أن اللفظ عام إلا أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز فنحن نخصص هذا العموم بأخبار الآحاد . ورابعها : أن مقتضى هذه الآية أن نقول إنه لا يجد في القرآن ، ويجوز أن يحرم الله تعالى ما سوى هذه الأربعة على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام . ولقائل أن يقول : هذه الأجوبة ضعيفة . / أما الجواب الأول : فضعيف لوجوه : أحدها : لا يجوز أن يكون المراد من قوله : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } ما كان يحرمه أهل الجاهلية من السوائب والبحائر وغيرها إذ لو كان المراد ذلك لما كانت الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب داخلة تحته ، ولو لم تكن هذه الأشياء داخلة تحت قوله : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما } لما حسن استثناؤها / ولما رأينا أن هذه الأشياء مستثناة عن تلك الكلمة ، علمنا أنه ليس المراد من تلك الكلمة ما ذكروه . وثانيها : أنه تعالى حكم بفساد قولهم في تحريم تلك الأشياء ، ثم إنه تعالى في هذه الآية خصص المحرمات في هذه الأربعة وتحليل تلك الأشياء التي حرمها أهل الجاهلية لا يمنع من تحليل غيرها ، فوجب إبقاء هذه الآية على عمومها لأن تخصيصها يوجب ترك العمل بعمومها من غير دليل ، وثالثها : أنه تعالى قال في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم } وذكر هذه الأشياء الأربعة ، وكلمة { إنما } تفيد الحصر وهذه الآية في سورة البقرة غير مسبوقة بحكاية أقوال أهل الجاهلية في تحريم البحائر والسوائب فسقط هذا العذر . وأما جوابهم الثاني : وهو أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرما إلا هذه الأربعة . فجوابه من وجوه : أولها : أن قوله تعالى في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله } ( البقرة : 173 ) آية مدنية نزلت بعد استقرار الشريعة ، وكلمة { إنما } تفيد الحصر فدل هاتان الآيتان على أن الحكم الثابت في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء ، وثانيها : أنه لما ثبت بمقضتى هاتين الآيتين حصر المحرمات في هذه الاربعة كان هذا اعترافا بحل ما سواها ، فالقول بتحريم شيء خامس يكون نسخا ، ولا شك أن مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ ، لأنه لو كان احتمال طريان الناسخ معادلا لاحتمال بقاء الحكم على ما كان ، فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من الأحكام لاحتمال أن يقال : إنه وإن كان ثابتا إلا أنه زال ، ولما اتفق الكل على أن الأصل عدم النسخ ، وأن القائل به والذاهب إليه هو المحتاج إلى الدليل علمنا فساد هذا السؤال .
وأما جوابهم الثالث : وهو أنا نخصص عموم القرآن بخبر الواحد . فنقول : ليس هذا من باب التخصيص ، بل هو صريح النسخ ، لأن قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه } مبالغة في أنه لا يحرم سوى هذه الأربعة ، وقوله في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم الميتة } وكذا وكذا ، تصريح بحصر المحرمات في هذه الأربعة ، لأن كلمة { إنما } تفيد الحصر ، فالقول بأنه ليس الأمر كذلك يكون دفعا لهذا الذي ثبت بمقتضى هاتين الآيتين أنه كان ثابتا في أول الشريعة بمكة ، / وفي آخرها بالمدينة ، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز . وأما جوابهم الرابع : فضعيف أيضا ، لأن قوله تعالى : { قل لا أجد فيما أوحى إليك } يتناول كل ما كان وحيا ، سواء كان ذلك الوحي قرآنا أو غيره ، وأيضا فقوله في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم الميتة } يزيل هذا الاحتمال . فثبت بالتقرير الذي ذكرنا قوة هذا الكلام ، وصحة هذا المذهب ، وهو الذي كان يقول به مالك بن أنس رحمه الله ، ومن السؤالات الضعيفة أن كثيرا من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( ما استخبثه العرب فهو حرام ) وقد علم أن الذي يستخبثه العرب فهو غير مضبوط ، فسيد العرب بل سيد العالمين محمد صلوات الله عليه ، لما رآهم يأكلون الضب قال : ( يعافه طبعي ) ثم إن هذا الاستقذار ما صار سببا لتحريم الضب . وأما سائر العرب فمنهم من لا يستقذر شيئا ، وقد يختلفون في بعض الأشياء ، فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون ، فعلمنا أن أمر الاستقذار غير مضبوط ، بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم ؟ المسألة الثالثة : اعلم أنا قد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأشياء الأربعة في سورة البقرة على سبيل الاستقصاء ، فلا فائدة في الإعادة . فأولها : الميتة ، ودخلها التخصيص في قوله عليه الصلاة والسلام : ( أحلت لنا ميتتان السمك والجراد ) وثانيها : الدم المسفوح ، والسفح الصب . يقال : سفح الدم سفحا ، وسفح هو سفوحا إذا سال . وأنشد أبو عبيدة لكثير : أقول ودمعي واكف عند رسمها عليك سلام الله والدمع يسفح قالن ابن عباس : يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء ، وما يخرج من الأوداج عند الذبح ، وعلى هذا التقدير : فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما ، ولا ما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل ، وسئل أو مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم . وعن القدري : يرى فيها حمرة الدم ، فقال لا بأس به ، إنما نهى عن الدم المسفوح . وثالثها : لحم الخنزير فإنه رجس . ورابعها : قوله : { أو فسقا أهل لغير الله به } وهو منسوق على قوله : { إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا } فسمى ما أهل لغير الله به فسقا لتوغله في باب الفسق كما يقال : فلان كرم وجود إذا كان كاملا فيهما ، ومنه قوله تعالى : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } ( الأنعام : 121 ) .
وأما قوله تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم } فالمعنى أنه لما بين في هذه الأربعة أنها محرمة ، بين أن عند الاضطرار يزول ذلك التحريم ، وهذه الآية قد استقصينا تفسيرها في سورة البقرة . وقوله عقيب ذلك : { فإن ربك غفور رحيم } يدل على حصول الرخصة ، / ثم بين تعالى أنه حرم على اليهود أشياء أخرى سوى هذه الأربعة ، وهي نوعان : الأول : أنه تعالى حرم عليهم كل ذي ظفر . وفيه مباحث : البحث الأول : قال الواحدي : في الظفر لغات ظفر بضم الفاء ، وهو أعلاها وظفر بسكون الفاء ، وظفر بكسر الظاء وسكون الفاء ، وهي قراءة الحسن وظفر بكسرهما وهي قراءة أبي السمال . البحث الثاني : قال الواحدي : اختلفوا في كل ذي ظفر الذي حرمه الله تعالى على اليهود روي عن ابن عباس : أنه الإبل فقط . وفي رواية أخرى عن ابن عباس : أنه الإبل والنعامة ، وهو قول مجاهد . وقال عبد الله بن مسلم : إنه كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب . ثم قال : { كذالك } قال المفسرون . وقال : وسمى الحافر ظفرا على الاستعارة . وأقول : أماحمل الظفر على الحافر فبعيد من وجهين : الأول : أن الحافر لا يكاد يسمى ظفرا . والثاني : أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال إنه تعالى حرم عليهم كل حيوان له حافر ، وذلك باطل لأن الآية تدل على أن الغنم والبقر مباحان لهم من حصول الحافر لهما . وإذا ثبت هذا فنقول : وجب حمل الظفر على المخالب والبراثن لأن المخالب آلات الجوارح في الاصطياد والبراثن آلات السباع في الاصطياد ، وعلى هذا التقدير : يدخل فيه أنواع السباع والكلاب والسنانير ، ويدخل فيه الطيور التي تصطاد لأن هذه الصفة تعم هذه الأجناس . إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر } يفيد تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين : الأول : أن قوله : { وعلى الذين هادوا حرمنا } كذا وكذا يفيد الحصر في اللغة . والثاني : أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة في حق الكل لم يبق لقوله ، { وعلى الذين هادوا حرمنا } فائدة . فثبت أن تحريم السباع وذوي المخالب من الطير مختص باليهود ، فوجب أن لا تكون محرمة على المسلمين ، فصارت هذه الآية دالة على هذه الحيوانات على المسلمين / وعند هذا نقول : ما روي أنه صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور ضعيف لأنه خبر واحد على خلاف كتاب الله تعالى ، فوجب أن لا يكون مقبولا ، وعلى هذا التقدير : يقوى قول مالك في هذه المسألة . النوع الثاني : من الأشياء التي حرمها الله تعالى على اليهود خاصة ، قوله تعالى : { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما } فبين تعالى أنه حرم على اليهود شحوم البقر والغنم ، ثم في الآية قولان : الأول : إنه تعالى استثنى عن هذا التحريم ثلاثة أنواع : أولها : قوله : { إلا ما حملت ظهورهما } قال ابن عباس : إلا ما علق بالظهر من الشحم ، فإني لم أحرمه وقال قتادة : إلا ما علق بالظهر والجنب / من داخل بطونها ، وأقول ليس على الظهر والجنب شحم إلا اللحم الأبيض السمين الملتصق باللحم الأحمر على هذا التقدير : فذلك اللحم السمين الملتصق مسمم بالشحم ، وبهذا التقدير : لو حلف لا يأكل الشحم ، وجب أن يحنث بأكل ذلك اللحم السمين .
والاستثناء الثاني : قوله تعالى : { أو الحوايا } قال الواحدي : وهي المباعر والمصارين ، واحدتها حاوية وحوية . قال ابن الأعرابي : هي الحوية أو الحاوية ، وهي الدوارة التي في بطن الشاة . وقال ابن السكيت : يقال حاوية وحوايا ، مثل رواية وروايا . إذا عرفت هذا : فالمراد أن الشحوم الملتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة . والاستثناء الثالث : قوله : { وما اختلط بعظم } قالوا : إنه شحم الإلية في قول جميع المفسرين . وقال ابن جريج : كل شحم في القائم والجنب والرأس ، وفي العينين والأذنيين . يقول : إنه اختلط بعظم فهو حلال لهم ، وعلى هذا التقدير : فالشحم الذي حرمه الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية . القول الثاني : في الآية أن قوله : { أو الحوايا } غير معطوف على المستثنى ، بل على المستثنى منه والتقدير : حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم قالوا : ودخلت كلمة ( أو ) كدخولها في قوله تعالى : { ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا } ( الإنسان : 24 ) والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى ، فاعص هذا واعص هذا ، فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا . ثم قال تعالى : { ذالك جزيناهم ببغيهم } والمعنى : أنا إنما خصصناهم بهذا التحريم جزاء على بغيهم ، وهو قتلهم الأنبياء ، وأخذهم الربا ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ، ونظيره قوله تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ( النساء : 160 ) . ثم قال تعالى : { وإنا لصادقون } أي في الأخبار عن بغيهم وفي الأخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم . قال القاضي : نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم ، لأن التكليف تعريض للثواب ، والتعريض للثواب إحسان . فلم يجز أن يكون التكليف جزاء على الجرم المتقدم . فالجواب : أن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد استحقاق الثواب ، ويمكن أيضا أن يكون للجرم المتقدم ، وكل واحد منهما غير مستبعد . ثم قال تعالى : { فإن كذبوك } يعني إن كذبوك في ادعاء النبوة والرسالة ، وكذبوك في تبليغ هذه الأحكام { فقل ربكم ذو رحمة واسعة } فلذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة { ولا يرد بأسه } أي عذابه إذا جاء الوقت { عن القوم المجرمين } يعني الذين كذبوك فيما تقول . والله أعلم . ! 7 < { سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا ولا ىابآؤنا ولا حرمنا من شىء كذالك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فلله الحجة البالغة فلو شآء لهداكم أجمعين } . > 7 < الأنعام : ( 148 - 149 ) سيقول الذين أشركوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن أهل الجاهلية إقدامهم على الحكم في دين الله بغير حجة ولا دليل ، حكى عنهم عذرهم في كل ما يقدمون عليه من الكفريات ، فيقولون : لو شاء الله منا أن لا نكفر لمنعنا عن هذا الكفر ، وحيث لم يمنعنا عنه ، ثبت أنه مريد لذلك فإذا أراد الله ذلك منا امتنع منا تركه فكنا معذورين فيه ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن المعتزلة زعموا أن هذه الآية تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه : فالوجه الأول : أنه تعالى حكى عن الكفار صريح قول المجبرة وهو قولهم : لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك ، وإنما حكى عنهم هذا القول في معرض الذم والتقبيح ، فوجب كون هذا المذهب مذموما باطلا .
والوجه الثاني : أنه تعالى قال : { كذب } وفيه قراءتان بالتخفيف وبالتثقيل . أما القراءة بالتخفيف فهي تصريح بأنهم قد كذبوا في ذلك القول ، وذلك يدل على أن الذي تقوله المجبرة في هذه المسألة كذب . وأما القراءة بالتشديد ، فلا يمكن حملها على أن القول استوجبوا الذم بسبب أنهم كذبوا أهل المذاهب ، لأنا لو حملنا الآية عليه لكان هذا المعنى ضدا لمعنى الذي يدل عليه قراءة { كذب } بالتخفيف ، وحينئذ تصير إحدى القراءتين ضدا للقراءة الأخرى ، وذلك يوجب دخول التناقض في كلام الله تعالى ، وإذا بطل ذلك وجب حمله على أن المراد منه أن كل من كذب نبيا من الأنبياء في الزمان المتقدم ، فإنه كذبه بهذا الطريق ، لأنه يقول الكل بمشيئة الله تعالى ، فهذا الذي / أنا عليه من الكفر ، إنما حصل بمشيئة الله تعالى ، فلم يمنعني منه ، فهذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين والمتأخرين في تكذيب الأنبياء ، وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم ، فإذا حملنا الآية على هذا الوجه صارت القراءة بالتشديد مؤكدة للقراءة بالتخفيف ويصير مجموع القراءتين دالا على إبطال قول المجبرة . الوجه الثالث : في دلالة الآية على قولنا قوله تعالى : { حتى ذاقوا بأسنا } وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله تعالى في ذهابهم إلى هذا المذهب . المذهب الرابع : قوله تعالى : { قل هل عندكم من علم وقالوا لنا } ولا شك أنه استفهام على سبيل الأنكار ، وذلك يدل على أن القائلين بهذا القول ليس لهم به علم ولا حجة ، وهذا يدل على فساد هذا المذهب ، لأن كل ما كان حقا كان القول به علما . الوجه الخامس : قوله تعالى : { إن يتبعون إلا الظن } مع أنه تعالى قال في سائر الآيات : { إن الظن لا يغنى من الحق شيئا } . والوجه السادس : قوله تعالى : { وإن هم إلا يخرصون } والخرص أقبح أنواع الكذب ، وأيضا قال تعالى : { قتل الخرصون } . والوجه السابع : قوله تعالى : { قل فلله الحجة البالغة } وتقريره : أنهم احتجوا في دفع دعوة الأنبياء والرسل على أنفسهم بأن قالوا : كل ما حصل فهو بمشيئة الله تعالى ، وإذا شاء الله منا ذلك ، فكيف يمكننا تركه ؟ وإذا كنا عاجزين عن تركه ، فكيف يأمرنا بتركه ؟ وهل في وسعنا وطاقتنا أن نأتي بفعل على خلاف مشيئة الله تعالى ؟ فهذا هو حجة الكفار على الأنبياء ، فقال تعالى : { قل فلله الحجة البالغة } وذلك من وجهين : الوجه الأول : أنه تعالى أعطاكم عقولا كاملة ، وأفهاما وافية ، وآذانا سامعة ، وعيونا باصرة ، وأقدركم على الخير والشر ، وأزال الأعذار والموانع بالكلية عنكم ، فإن شئتم ذهبتم إلى عمل الخيرات ، وإن شئتم إلى عمل المعاصي والمنكرات ، وهذه القدرة والمكنة معلومة الثبوت بالضرورة ، وزوال الموانع والعوائق معلوم الثبوت أيضا بالضرورة ، وإذا كان الأمر كذلك كان ادعاؤكم أنكم عاجزون عن الإيمان والطاعة دعوى باطلة فثبت بما ذكرنا أنه ليس لكم على الله حجة بالغة ا بل لله الحجة البالغة عليكم . والوجه الثاني : أنكم تقولون : لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف مشيئة الله تعالى ، لكنه قد غلبنا الله وقهرناه ، وأتينا بالفعل على مضادته ومخالفته ، وذلك يوجب كونه عاجزا ضعيفا ، وذلك يقدح في كونه إلها .
/ فأجاب تعالى عنه : بأن العجز والضعف إنما يلزم إذا لم أكن قادرا على حملهم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء ، وأنا قادر على ذلك وهو المراد من قوله : { ولو شآء لهداكم أجمعين } إلا أني لا أحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء ، لأن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف ، فثبت بهذا البيان أن الذي يقولونه من أنا لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله ، فإنه يلزم منه كونه تعالى عاجزا ضعيفا ، كلام باطل . فهذا أقصى ما يمكن أن يذكر في تمسك المعتزلة بهذه الآية . والجواب المعتمد في هذا الباب أن نقول : إنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا ، ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من التأويلات . وأجبنا عنها بأجوبه واضحة قوية مؤكدة بالدلائل العقلية القاطعة . وإذا ثبت هذا ، فلو كان المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، لوقع التناقض الصريح في كتاب الله تعالى فإنه يوجب أعظم أنواع الطعن فيه . إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى حكى عن القوم أنهم قالوا { لو شاء الله ما أشركنا } ثم ذكر عقيبه { كذالك كذب الذين من قبلهم } فهذا يدل على أن القوم قالوا لما كان الكل بمشيئة الله تعالى وتقديره ، كان التكليف عبثا ، فكانت دعوى الأنبياء باطلة ، ونبوتهم ورسالتهم باطلة ، ثم إنه تعالى بين أن التمسك بهذا الطريق في إبطال النبوة باطل ، وذلك لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا اعتراض عليه لأحد في فعله ، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر ، ومع هذا فيبعث إليه الأنبياء ويأمره بالإيمان ، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع . فالحاصل : أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في إبطال نبوة الأنبياء ، ثم إنه تعالى بين أن هذا الاستدلال فاسد باطل ، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء ، وعلى هذا الطريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلية ، وجميع الوجوه التي ذكرتموها في التقبيح والتهجين عائد إلى تمسككم بثبوت المشيئة لله على دفع دعوة الأنبياء ، فيكون الحاصل : أن هذا الاستدلال باطل ، وليس فيه البتة ما يدل على أن القول بالمشية باطل .
فإن قالوا : هذا العذر إنما يستقيم إذ قرأنا قوله تعالى : { كذالك كذب } بالتسديد . وأما إذا قرأناه بالتخفيف ، فإنه يسقط هذا العذر بالكلية فنقول فيه وجهان . الأول : أنا نمنع صحة هذه القراءة ، والدليل عليه أنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على قولنا : فلو كانت هذه الآية دالة على قولهم ، لوقع التناقض ، ولخرج القرآن عن كونه كلاما لله تعالى ، ويندفع هذا التناقض / بأن لا تقبل هذه القراءة ، فوجب المصير إليه . الثاني : سلمنا صحة هذه القراءة لكنا نحملها على أن القوم كذبوا في أنه يلزم من ثبوت مشيئة الله تعالى في كل أفعال العباد سقوط نبوة الأنبياء وبطلان دعوتهم ، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يبق للمعتزلة بهذه الآية تمسك البتة ، والحمد لله الذي أعاننا على الخروج من هذه العهدة القوية ، ومما يقوي ما ذكرناه ما روي أن ابن عباس قيل له بعد ذهاب بصره ما تقول فيمن يقول : لا قدر ، فقال إن كان في البيت أحد منهم أتيت عليه ويله أما يقرأ { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) { إنا نحن نحى الموتى ونكتب ما قدموا وءاثارهم } ( يس : 12 ) وقال ابن عباس : أول ما خلق الله القلم ، قال له اكتب القدر ، فجرى بما يكون إلى قيام الساعة ، وقال صلوات الله عليه : ( المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة ) . المسألة الثانية : زعم سيبويه أن عطف الظاهر على المضمر المرفوع في الفعل قبيح ، فلا يجوز أن يقال : قمت وزيد ، وذلك لأن المعطوف عليه أصل ، والمعطوف فرع ، والمضمر ضعيف ، والمظهر قوي ، وجعل القوي فرعا للضعيف ، لا يجوز . إذا عرفت هذا الأصل فنقول : إن جاء الكلام في جانب الأثبات ، وجب تأكيد الضمير فنقول : قمت أنا وزيد ، وإن جاء في جانب النفي قلت ما قمت ولا زيد . إذا ثبت هذا فنقول قوله : { لو شاء الله ما أشركنا ولا ىاباؤنا } فعطف قوله : { ولا ىاباؤنا } على الضمير في قوله : { ما أشركنا } إلا أنه تخلل بينهما كلمة لا فلا جرم حسن هذا العطف . قال في جامع الأصفهاني : إن حرف العطف يجب أن يكون متأخرا عن اللفظة المؤكدة للضمير حتى يحسن العطف ويندفع المحذور المذكور من عطف القوي على الضعيف ، وهذا المقصود إنما يحصل إذا قلنا : { ما أشركنا نحن ولا ءاباؤنا } حتى تكون كلمة { لا } مقدمة على حرف العطف . أما ههنا حرف العطف مقدم على كلمة { لا } وحينئذ يعود المحذور المذكور . فالجواب : أن كلمة { لا } لما أدخلت على قوله : { ءاباؤنا } كان ذلك موجبا إضمار فعل هناك ، لأن صرف النفي إلى ذوات الآباء محال ، بل يجب صرف هذا النفي إلى فعل يصدر منهم ، وذلك هو الإشراك ، فكان التقدير : ما أشركنا ولا أشرك آباؤنا ، وعلى هذا التقدير فالإشكال زائل . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا على قولهم الكل بمشيئة الله تعالى بقوله : { فلو شاء لهداكم أجمعين } فكلمة ( لو ) في اللغة تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فدل هذا على أنه تعالى ما شاء أن يهديهم ، وما هداهم أيضا . وتقريره بحسب الدليل العقلي ، أن قدرة الكافر على الكفر إن لم تكن قدرة على الإيمان . الله تعالى على هذا التقدير ما أقدره على الإيمان ، فلو شاء الأيمان منه ، فقد شاء الفعل / من غير قدرة على الفعل ، وذلك محال ومشيئة المحال محال ، وإن كانت القدرة على الكفر قدرة على الإيمان توقف رجحان أحد الطرفين على حصول الداعية المرجحة .
فإن قلنا : أنه تعالى خلق تلك الداعية فقد حصلت الداعية المرجحة مع القدرة ، ومجموعهما موجب للفعل ، فحيث لم يحصل الفعل علمنا أن تلك الداعية لم تحصل ، وإذا لم تحصل امتنع منه فعل الإيمان ، وإذا امتنع ذلك منه ، امتنع أن يريده الله منه ، لأن إرادة المحال محال ممتنع ، فثبت أن ظاهر القرآن دل على أنه تعالى ما أراد الإيمان من الكافر ، والبرهان العقلي الذي قررناه يدل عليه أيضا ، فبطل قولهم من كل الوجوه ، أوما قوله : تحمل هذه الآية على مشيئة الإلجاء فنقول : هذا التأويل إنما يحسن المصير إليه لو ثبت بالبرهان العقلي امتناع الحمل على ظاهر هذا الكلام ، أما لو قام البرهان العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه هذا الظاهر ، فكيف يصار إليه ؟ ثم نقول : هذا الدليل باطل من وجوه : الأول : أن هذا الكلام لا بد فيه من إضمار ، فنحن نقول : التقدير : لو شاء الهداية لهداكم ، وأنتم تقولون التقدير : لو شاء الهداية على سبيل الإلجار لهداكم ، فإضماركم أكثر فكان قولكم مرجوحا . الثاني : أنه تعالى يريد من الكافر الإيمان الاختياري ، والإيمان الحاصل بالإلجاء غير الإيمان الحاصل بالاختيار ، وعلى هذا التقدير يلزم كونه تعالى عاجزا عن تحصيل مراده ، لأن مراده هو الإيمان الاختياري ، وأنه لا يقدر البتة على تحصيله ، فكان القول بالعجز لازما . الثالث : أن هذا الكلام موقوف على الفرق بين الإيمان الحاصل بالاختيار ، وبين الإيمان الحاصل بالإلجاء . أما الإيمان الحاصل بالاختيار . فإنه يمتنع حصوله إلا عند حصول داعية جازمة ، وإرادة لازمة . فإن الداعية التي يترتب عليها حصول الفعل ، إما أن تكون بحيث يجب ترتب الفعل عليها أو لا يجب . فإن وجب فهي الداعية الضرورية ، وحينئذ لا يبقى بينها وبين الداعية الحاصلة بالإلجاء فرق . وإن لم تجب ترتب الفعل عليها ، فحينئذ يمكن تخلف الفعل عنها ، فلنفرض تارة ذلك الفعل متخلفا عنها ، وتارة غير متخلف ، فامتياز أحد الوقتين عن الآخر لا بد وأن يكون لمرجح زائد فالحاصل قبل ذلك ما كان تمام الداعية ، وقد فرضناه كذلك ، وهذا خلف ، ثم عند انضمام هذا القيد الزائد إن وجب الفعل لم يبق بينه وبين الضرورية فرق ، وإن لم يجب افتقر إلى قيد زائد ولزم التسلسل ، وهو محال . فثبت أن الفرق الذي ذكروه بين الداعية الاختيارية وبين الداعية الضرورية وإن كان في الظاهر معتبرا ، إلا أنه عند التحقيق والبحث لا يبقى له محصول . ! 7 < { قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون أن الله حرم هاذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهوآء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالا خرة وهم بربهم يعدلون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 150 ) قل هلم شهداءكم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما أبطل على الكفار جميع أنواع حجهم بين أنه ليس لهم على قولهم شهود البتة ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : { هلم } كلمة دعوة إلى الشيء ، والمعنى : هاتوا شهداءكم ، وفيه قولان : الأول : أنه يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع ، والذكر والأنثى . قال تعالى : { قل هلم شهداءكم الذين يشهدون } وقال : { والقائلين لإخوانهم هلم إلينا } واللغة الثانية يقال للاثنين : هلما ، وللجمع : هلموا ، وللمرأة : هلمي ، وللاثنين : هلما ، وللجمع : هلمن . والأول أفصح .
المسألة الثانية : في أصل هذه الكلمة قولان : قال الخليل وسيبويه أنها ( ها ) ضمت إليها ( لم ) أي جمع ، وتكون بمعنى ؛ أدن . يقال : لفلان لمة ، أي دنو ، ثم جعلتا كالكلمة الواحدة ، والفائدة في قولنا : ( ها ) استعطاف المأمور واستدعاء إقباله على الأمر ، إلا أنه لما كثر استعماله حذف عنه الألف على سبيل التخفيف . كقولك : لم أبل ، ولم أر ، ولم تك ، وقال الفراء : أصلها ( هل ) أم أرادوا ( بهل ) حرف الاستفهام . وبقولنا : ( أم ) أي أقصد ؟ والتقدير : هل قصد ؟ والمقصودمن هذا الاستفهام الأمر بالقصد ، كأنك تقول : أقصد ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يقال : كان الأصل أن قالوا : هل لك في الطعام ، أم أي قصد ؟ ثم شاع في الكل كما أن كلمة ( تعالى ) كانت مخصوصة بصورة معينة ، ثم عمت . المسألة الثالثة : أنه تعالى نبه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه ، ومعنى { هلم } أحضروا شهداءكم . ثم قال : { فإن شهدوا فلا تشهد معهم } تنبيها على كونهم كاذبين ، ثم بين تعالى أنه إن وقعت منهم تلك الشهادة فعن اتباع الهوى ، فأمر نبيه أن لا يتبع أهواءهم ، ثم زاد في تقبيح ذلك بأنهم لا يؤمنون بالآخرة ، وكانوا ممن ينكرون البعث والنشور ، وزاد في تقبيحهم بأنهم يعدلون بربهم / فيجعلون له شركاء . والله أعلم . ! 7 < { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ذالكم وصاكم به لعلكم تعقلون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 151 ) قل تعالوا أتل . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين فساد ما يقول الكفار أن الله حرم علينا كذا وكذا ، أردفه تعالى ببيان الأشياء التي حرمها عليهم ، وهي الاشياء المذكورة في هذه الآية ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : ( تعال ) من الخاص الذي صار عاما ، وأصله أن يقوله من كان في مكان لمن هو أسفل منه ، ثم كثر وعم ، وما في قوله : { ما حرم ربكم عليكم } منصوب ، وفي ناصبه وجهان : الأول : أنه منصوب بقوله : { اتل } والتقدير : أتل الذي حرمه عليكم ، والثاني : أنه منصوب بحرم ، والتقدير : أتل الأشياء التي حرم عليكم . فإن قيل : قوله : { ءان تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا } كالتفصيل لما أجمله في قوله : { ما حرم ربكم عليكم } وهذا باطل ، لأن ترك الشرك والإحسان بالوالدين واجب ، لا محرم .
والجواب من وجوه : الأول : أن المراد من التحريم أن يجعل له حريما معينا ، وذلك بأن بينه بيانا مضبوطا معينا ، فقوله : { أتل ما حرم ربكم عليكم } معناه : أتل عليكم ما بينه بيانا شافيا بحيث يجعل له حريما معينا ، وعلى هذا التقرير فالسؤال زائل ، والثاني : أن الكلام تم وانقطع عند قوله { أتل ما حرم ربكم } ثم ابتدأ فقال : { عليكم أن لا تشركوا } كما يقال : عليكم السلام ، أو أن الكلام تم وانقطع عند قوله : { أتل ما حرم ربكم عليكم } ثم ابتدأ فقال : { ألا تشركوا به شيئا } بمعنى لئلا تشركوا ، والتقدير : أتل ما حرم ربكم عليكم لئلا تشركوا به شيئا . الثالث : أن تكون ( أن ) / في قوله : { أن لا تشركوا } مفسرة بمعنى : أي ، وتقدير الآية : أتل ما حرم ربكم عليكم ، أي لا تشركوا ، أي ذلك التحريم هو قوله : { لا تشركوا به شيئا } . فإن قيل : فقوله : { وبالوالدين إحسانا } معطوف على قوله : { أن لا تشركوا به شيئا } فوجب أن يكون قوله : { وبالوالدين إحسانا } مفسرا لقوله : { أتل ما حرم ربكم عليكم } فيلزم أن يكون الإحسان بالوالدين حراما ، وهو باطل . قلنا : لما أوجب الإحسان إليهما ، فقد حرم الإساءة إليهما . المسألة الثانية : أنه تعالى أوجب في هذه الآية أمور خمسة : أولها : قوله : { أن لا تشركوا به شيئا } . واعلم أنه تعالى قد شرح فرق المشركين في هذه السورة على أحسن الوجوه ، وذلك لأن طائفة من المشركين يجعلون الأصنام شركاء لله تعالى ، وإليهم الإشارة بقوله حكاية عن إبراهيم { وإذ قال إبراهيم لابيه ءازر أتتخذ أصناما ءالهة إنى أراك وقومك فى ضلال مبين } ( الأنعام : 74 ) . والطائفة الثانية : من المشركين عبدة الكواكب ، وهم الذين حكى الله عنهم ، أن إبراهيم عليه السلام أبطل قولهم بقوله : { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) . والطائفة الثالثة : الذين حكى الله تعالى عنهم : { أنهم جعلوا لله شركاء الجن } وهم القائلون بيزدان وأهرمن . والطائفة الرابعة : الذين جعلوا لله بنين وبنات ، وأقام الدلائل على فساد أقوال هؤلاء الطوائف والفرق ، فلما بين بالدليل فساد قول هؤلاء الطوائف . قال ههنا : { ألا تشركوا به شيئا } . النوع الثاني : من الأشياء التي أوجبها ههنا قوله : { وبالوالدين إحسانا } وإنما ثنى بهذا التكليف ، لأن أعظم أنواع النعم على الإنسان نعمة الله تعالى ، ويتلوها نعمة الوالدين ، لأن المؤثر الحقيقي في وجود الإنسان هو الله سبحانه وفي الظاهر هو الأبوان ، ثم نعمهما على الإنسان عظيمة وهي نعمة التربية والشفقة والحفظ عن الضياع والهلاك في وقت الصغر .
النوع الثالث : قوله : { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم } فأوجب بعد رعاية حقوق الأبوين رعاية حقوق الأولاد وقوله : { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق } أي من خوف الفقر وقد صرح بذكر الخوف في قوله : { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } والمراد منه النهي عن الوأد ، إذ كانوا يدفنون البنات أحياء ، بعضهم للغيرة ، وبعضهم خوف الفقر ، وهو السبب الغالب ، فبين تعالى فساد هذه العلة بقوله : { نحن نرزقكم وإياهم } ، لأنه تعالى إذا كان متكفلا برزق الوالد والولد ، فكما وجب على الوالدين تبقية النفس والاتكال في رزقها على الله ، فكذلك القول في حال الولد ، قال شمر : أملق ، لازم ومتعد . يقال : أملق الرجل ، فهو مملق ، إذا افتقر ، فهذا لازم ، وأملق / الدهر ما عنده ، إذا أفسده ، والإملاق الفساد . والنوع الرابع : قوله : { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } قال ابن عباس : كانوا يكرهون الزنا علانية ، ويفعلون ذلك سرا ، فنهاهم الله عن الزنا علانية وسرا ، والأولى أن لا يخصص هذا النهي بنوع معين ، بل يجري على عمومه في جميع الفواحش ظاهرها وباطنها لأن اللفظ عام . والمعنى الموجب لهذا النهي وهو كونه فاحشة عام أيضا ومع عموم اللفظ والمعنى يكون التخصيص على خلاف الدليل ، وفي قوله : { ما ظهر منها وما بطن } دقيقة ، وهي : أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته ، ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس ، وذلك باطل ، لأن من كان مذمة الناس عنده أعظم وقعا من عقاب الله ونحوه فإنه يخشى عليه من الكفر ، ومن ترك المعصية ظاهرا وباطنا ، دل ذلك على أنه إنما تركها تعظيما لأمر الله تعالى وخوفا من عذابه ورغبة في عبوديته . والنوع الخامس : قوله : { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق } . واعلم أن هذا داخل في جملة الفواحش إلا أنه تعالى أفرده بالذكر لفائدتين : إحداهما : أن الإفراد بالذكر يدل على التعظيم والتفخيم ، كقوله : { وملئكته وجبريل وميكال } والثانية : أنه تعالى أراد أن يستثني منه ، ولا يتأتى هذا الاستثناء في جملة الفواحش . إذا عرفت هدا فنقول : قوله : { إلا بالحق } أي قتل النفس المحرمة قد يكون حقا لجرم يصدر منها . والحديث أيضا موافق له وهو قوله عليه السلام : ( لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل نفس بغير حق ) والقرآن دل على سبب رابع ، وهو قوله تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا } ( المائدة : 33 ) . والحاصل : أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت إلا بدليل منفصل . ثم إنه تعالى لما بين أحوال هذه الأقسام الخمسة أتبعه باللفظ الذي يقرب إلى القلب القبول / فقال : { ذالكم وصاكم به } لما في هذه اللفظة من اللطف والرأفة ، وكل ذلك ليكون المكلف أقرب إلى القبول ، ثم أتبعه بقوله : { لعلكم تعقلون } أي لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ، ومنافعها في الدين والدنيا . ! 7 < { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذالكم وصاكم به لعلكم تذكرون } . > 7 < الأنعام : ( 152 ) ولا تقربوا مال . . . . . > >
اعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى خمسة أنواع من التكاليف ، وهي أمور ظاهرة جلية لا حاجة فيها إلى الفكر والاجتهاد ، ثم ذكر تعالى في هذه الآية أربعة أنواع من التكاليف ، وهي أمور خفية يحتاج المرء العاقل في معرفته بمقدارها إلى التفكر ، والتأمل والاجتهاد . فالنوع الأولى : من التكاليف المذكورة في هذه الآية قوله : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده } . واعلم أنه تعالى قال في سورة البقرة : { فى الدنيا والاخرة ويسئلونك عن اليتامى قل } ( البقرة : 220 ) والمعنى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بأن يسعى في تنميته وتحصيل الربح به ورعاية وجوه الغبطة له ، ثم إن كان القيم فقيرا محتاجا أخذ بالمعروف ، وإن كان غنيا فاحترز عنه كان أولى فقوله : { إلا بالتى هى أحسن } معناه كمعنى قوله : { ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } ( النساء : 6 ) . وأما قوله : { حتى يبلغ أشده } فالمعنى احفظوا ماله حتى يبلغ أشده ، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله . وأما معنى الأشد وتفسيره : قال الليث : الأشد . مبلغ الرجل الحكمة والمعرفة . قال الفراء : الأشد . وأحدها شد في القياس ، ولم أسمع لها بواحد . وقال أبو الهيثم : واحدة الأشد شدة كما أن واحدة الأنعم نعمة ، والشدة : القوة والجلادة ، والشديد الرجل القوي ، وفسروا بلوغ الأشد في هذه الآية بالاحتلام بشرط أن يؤنس منه الرشد ، وقد استقصينا في هذا الفصل في أول سورة النساء . والنوع الثاني : قوله تعالى : { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } . اعلم أن كل شيء بلغ تمام الكمال ، فقد وفى وتم . يقال : درهم واف ، وكيل واف ، وأوفيته حقه ، ووفيته إذا أتممته ، وأوفى الكيل إذا أتمه ولم ينقص منه شيئا وقوله : { والميزان } أي الوزن بالميزان وقوله : { بالقسط } أي بالعدل لا بخس ولا نقصان . فإن قيل : إيفاء الكيل والميزان ، هو عين القسط ، فما الفائدة في هذا التكرير ؟ قلنا : أمر الله المعطي بإيفاء ذي الحق حقه من غير نقصاه ، وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة . / واعلم أنه لما كان يجوز أن يتوهم الإنسان أنه يجب على التحقيق وذلك صعب شديد في العدل أتبعه الله تعالى بما يزيل هذا التشديد فقال : { لا نكلف نفسا إلا وسعها } أي الواجب في إيفاء الكيل والوزن هذا القدر الممكن في إيفاء الكيل والوزن . أما التحقيق فغير واجب . قال القاضي : إذا كان تعالى قد خفف على المكلف هذا التخفيف مع أن ما هو التضييق مقدور له ، فكيف يتوهم أنه تعالى يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا قدرة له عليه ؟ بل قالوا : يخلق الكفر فيه ، ويريده منه ، ويحكم به عليه ، ويخلق فيه القدرة الموجبة لذلك الكفر ، والداعية الموجبة له ، ثم ينهاه عنه فهو تعالى لما لم يجوز ذلك القدر من التشديد والتضييق على العبد ، وهو إيفاء الكيل والوزن على سبيل التحقيق ، فكيف يجوز أن يضيف على العبد مثل هذا التضييق والتشديد ؟ واعلم أنا نعارض القاضي وشيوخه في هذا الموضع بمسألة العلم ومسألة الداعي / وحينئذ ينقطع ولا يبقى لهذا الكلام رواء ولا رونق .