Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

حصہ V13/P192–V13/P193

النوع الثالث : من التكاليف المذكورة في هذه الآية ، قوله تعالى : { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى } واعلم أن هذا أيضا من الأمور الخفية التي أوجب الله تعالى فيها أداء الأمانة ، والمفسرون حملوه على أداء الشهادة فقط ، والأمر والنهي فقط ، قال القاضي وليس الأمر كذلك بل يدخل فيه كل ما يتصل بالقول ، فيدخل فيه ما يقول المرء في الدعوة إلى الدين وتقرير الدلائل عليه بأن يذكر الدليل ملخصا عن الحشو والزيادة بألفاظ مفهومة معتادة ، قريبة من الأفهام ، ويدخل فيه أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقعا على وجه العدل من غير زيادة في الإيذاء والإيحاش ، ونقصان عن القدر الواجب ، ويدخل فيه الحكايات التي يذكرها الرجل حتى لا يزيد فيها ولا ينقص عنها ، ومن جملتها تبليغ الرسالات عن الناس ، فإنه يجب أن يؤديها من غير زيادة ولا نقصان ، ويدخل فيه حكم الحاكم بالقول ، ثم إنه تعالى بين أنه يجب أن يسوي فيه بين القريب والبعيد ، لأنه لما كان المقصود منه طلب رضوان الله تعالى لم يختلف ذلك بالقريب والبعيد . والنوع الرابع : من هذه التكاليف قوله تعالى : { وبعهد الله أوفوا } وهذا من خفيات الأمور لأن الرجل قد يحلف مع نفسه ، فيكون ذلك الحلف خفيا ، ويكون بره وحنثه أيضا خفيا ، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام قال : { ذالكم وصاكم به لعلكم تذكرون } . فإن قيل : فما السبب في أن جعل خاتمة الآية الأولى بقوله : { لعلكم تعقلون } وخاتمة هذه الآية بقوله : { لعلكم تذكرون } . / قلنا : لأن التكاليف الخمسة المذكورة في الأولى أمور ظاهرة جلية ، فوجب تعقلها وتفهمها وأما التكاليف الأربعة المذكورة في هذه الآية فأمور خفية غامضة ، لا بد فيها من الاجتهاد والفكر حتى يقف على موضع الاعتدال ، فلهذا السبب قال : { لعلكم تذكرون } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { تذكرون } بالتخفيف والباقون { تذكرن } بتشديد الذال في كل القرآن وهما بمعنى واحد . ! 7 < { وأن هاذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذالكم وصاكم به لعلكم تتقون } . > 7 < الأنعام : ( 153 ) وأن هذا صراطي . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى قرأ ابن عامر { تذكرون وأن هاذا } بفتح الألف وسكون النون وقرأ حمزة والكسائي { وأن } بكسر الألف وتشديد النون أما قراءة ابن عامر فأصلها { وأنه هاذا صراطي } والهاء ضمير الشأن والحديث وعلى هذا الشرط تخفف . قال الأعشى : في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل أي قد علموا أنه هالك ، وأما كسر { ءان } فالتقدير { أتل ما حرم } ( الأنعام : 151 ) وأتل { إن هذا صراطي } بمعنى أقول وقيل على الاستئناف . وأما فتح أن فقال الفراء فتح { ءان } من وقوع أتل عليها يعني وأتل عليكم { إن هذا صراطي مستقيما } قال : وإن شئت جعلتها خفضا والتقدير { ذالكم وصاكم به } وبأن هذا صراطي . قال أبو علي : من فتح { ءان } فقياس قول سيبويه أنه حملها على قوله : { فاتبعوه } والتقدير لأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه كقوله : { وإن هاذه أمتكم أمة واحدة } ( المؤمنون : 52 ) وقال سيبويه لأن هذه أمتكم ، وقال في قوله : { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } ( الجن : 18 ) والمعنى ولأن المساجد لله .

حصہ V13/P193–V14/P003

المسألة الثانية : القراء أجمعوا على سكون الياء من { صراطي } غير ابن عامر فإنه فتحها وقرأ ابن كثير وابن عامر { سراطي } بالسين وحمزة بين الصاد والزاي والباقون بالصاد صافية وكلها لغات قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ الأعمش { وهاذا صراطي } وفي مصحف عبد الله { وهاذا صراط ربكم } وفي مصحف أبي { وهاذا صراط ربك } . / المسألة الثالثة : أنه تعالى لما بين في الآيتين المتقدمين ما وصى به أجمل في آخره إجمالا يقتضي دخول ما تقدم فيه ، ودخول سائر الشريعة فيه فقال : { وأن هاذا صراطي مستقيما } فدخل فيه كل ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم من دين الإسلام وهو المنهج القويم والصراط المستقيم ، فاتبعوا جملته وتفصيله ولا تعدلوا عنه فتقعوا في الضلالات . وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خط خطا ، ثم قال : هذا سبيل الرشد ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطا ، ثم قال : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ؟ ثم تلا هذه الآية : { وأن هاذا صراطي مستقيما فاتبعوه } وعن ابن عباس هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب ، من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار . ثم قال : { ذالكم وصاكم به } أي بالكتاب { لعلكم تتقون } المعاصي والضلالات . المسألة الرابعة : هذه الآية تدل على أن كل ما كان حقا فهو واحد ، ولا يلزم منه أن يقال : إن كل ما كان واحدا فهو حق ، فإذا كان الحق واحدا كان كل ما سواه باطلا ، وما سوى الحق أشياء كثيرة ، فيجب الحكم بأن كل كثير باطل ، ولكن لا يلزم أن يكون كل باطل كثيرا بعين ما قررناه في القضية الأولى . ! 7 < { ثم ءاتينا موسى الكتاب تماما على الذىأحسن وتفصيلا لكل شىء وهدى ورحمة لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 154 ) ثم آتينا موسى . . . . . > > اعلم أن قوله : { ثم ءاتينا } فيه وجوه : الأول : التقدير : ثم إني أخبركم بعد تعديد المحرمات وغيرها من الأحكام ، إن آتينا موسى الكتاب ، فذكرت كلمة ( ثم ) لتأخير الخبر عن الخبر ، لا لتأخير الواقعة ، ونظيره قوله تعالى : { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } ( الأعراف : 11 ) والثاني : أن التكاليف التسعة المذكورة في الآية المتقدمة التكليف لا يجوز اختلافها بحسب اختلاف الشرائع بل هي أحكام واجبة الثبوت من أول زمان التكليف إلى قيام القيامة . وأما الشرائع التي كانت التوبة مختصة بها ، فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة ، فتقدير الآية أنه تعالى لما ذكرها قال : ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديما وحديثا ، ثم بعد ذلك آتينا موسى الكتاب . الثالث : أن / فيه حذفا تقديره : ثم قل يا محمد إنا آتينا موسى ، فتقديره : اتل ما أوحى إليك ، ثم اتل عليهم خبر ما آتينا موسى .

حصہ V14/P003–V14/P005

أما قوله : { تماما على الذى أحسن } ففيه وجوه : الأول : معناه تماما للكرامة والنعمة على الذي أحسن . أي على كل من كان محسنا صالحا ، ويدل عليه قراءة عبد الله { على الذين أحسنوا } والثاني : المراد تماما للنعمة والكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة بالتبليغ ، وفي كل ما أمر به والثالث : تماما على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع ، من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته ، أي زيادة على علمه على وجه التتميم ، وقرأ يحيى بن يعمر { على الذى أحسن } أي على الذي هو أحسن بحذف المبتدأ كقراءة من قرأ { مثلا ما بعوضة } ( البقرة : 26 ) بالرفع وتقدير الآية : على الذي هو أحسن دينا وأرضاه ، أو يقال المراد : آتينا موسى الكتاب تماما ، أي تاما كاملا على أحسن ما تكون عليه الكتب ، أي على الوجه الذي هو أحسن وهو معنى قول الكلبي : أتم له الكتاب على أحسنه ، ثم بين تعالى ما في التوراة من النعم في الدين وهو تفصيل كل شيء ، والمراد به ما يختص بالدين فدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا صلى الله عليه وسلم دينه ، وشرعه ، وسائر الأدلة والأحكام إلا ما نسخ منها ولذلك قال : { وهدى ورحمة } والهدى معروف وهو الدلالة ، والرحمة هي النعمة { لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون } أي لكي يؤمنوا بلقاء ربهم ، والمراد به لقاء ما وعدهم الله به من ثواب وعقاب . ! 7 < { وهاذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم فقد جآءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزى الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون } . > 7 < الأنعام : ( 155 - 157 ) وهذا كتاب أنزلناه . . . . . > > / اعلم أن قوله : { وهاذا كتاب } لا شك أن المراد هو القرآن وفائدة وصفه بأنه مبارك أنه ثابت لا يتطرق إليه النسخ كما في الكتابين ، أو المراد أنه كثير الخير والنفع . ثم قال : { فاتبعوه } والمراد ظاهر . ثم قال : { واتقوا لعلكم ترحمون } أي لكي ترحموا . وفيه ثلاثة أقوال : قيل اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة ، وقيل : اتقوا لترحموا ، أي ليكون الغرض بالتقوى رحمة الله ، وقيل : اتقوا لترحموا جزاء على التقوى . ثم قال تعالى : { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } وفيه وجوه : الوجه الأول : قال الكسائي والفراء ، والتقدير : أنزلناه لئلا تقولوا ، ثم حذف الجار وحرف النفي ، كقوله : { يبين الله لكم أن تضلوا } ( النساء : 176 ) وقوله : { رواسى أن تميد بكم } ( النحل : 15 ) أي لئلا . والوجه الثاني : وهو قول البصريين معناه : أنزلناه كراهة أن تقولوا ولا يجيزون إضمار ( لا ) فإنه لا يجوز أن يقال : جئت أن أكرمك بمعنى : أن لا أكرمك ، وقد ذكرنا تحقيق هذه المسألة في آخر سورة النساء . والوجه الثالث : قال الفراء : يجوز أن يكون ( إن ) متعلقة باتقوا ، والتأويل : واتقوا أن تقولوا إنما أنزل الكتاب .

حصہ V14/P005–V14/P006

البحث الثاني : قوله : { أن تقولوا } خطاب لأهل مكة ، والمعنى : كراهة أن يقول أهل مكة أنزل الكتاب ، وهو التوراة والإنجيل على طائفتين من قبلنا ، وهم اليهود والنصارى ، وإن كنا ( إن ) هي المحففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ، والأصل وأنه كنا عن دراستهم لغافلين ، والمراد بهذه الآيات إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن على محمد كي لا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما ، فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم وقوله : { وإن كنا عن دراستهم لغافلين } أي لا نعلم ما هي ، لأن كتابهم ما كان بلغتنا ، ومعنى أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ، مفسر للأول في أن معناه لئلا يقولوا ويحتجوا بذلك ، ثم بين تعالى قطع احتجاجهم بهذا ، وقال : { فقد جاءكم بينة من ربكم } وهو القرآن وما جاء به الرسول { وهدى ورحمة } . فإن قيل : البينة والهدى واحد ، فما الفائدة في التكرير ؟ / قلنا : القرآن بينة فيما يعلم سمعا وهو هدى فيما يعلم سمعا وعقلا ، فلما اختلفت الفائدة صح هذا العطف ، وقد بينا أن معنى { رحمة } أي أنه نعمة في الدين . ثم قال تعالى : { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } والمراد تعظيم كفر من كذب بآيات الله ، وصدف عنها ، أي منع عنها ، لأن الأول ضلال ، والثاني منع عن الحق وإضلال . ثم قال تعالى : { سنجزى الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب } وهو كقوله : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب } . ! 7 < { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى ربك أو يأتى بعض ءايات ربك يوم يأتى بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت فىإيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 158 ) هل ينظرون إلا . . . . . > > قرأ حمزة والكسائي : { يأتيهم } بالياء وفي النحل مثله ، والباقون { تأتيهم } بالتاء . واعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما أنزل الكتاب إزالة للعذر ، وإزاحة للعلة ، وبين أنهم لا يؤمنون ألبتة وشرح أحوالا توجب اليأس عن دخولهم في الإيمان فقال : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } ونظير هذه الآية قوله في سورة البقرة : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } ( الأنعام : 158 ) ومعنى ينظرون ينتظرون وهل استفهام معناه النفي ، وتقدير الآية : أنهم لا يؤمنون بك إلا إذا جاءهم أحد هذه الأمور الثلاثة ، وهي مجيء الملائكة ، أو مجيء الرب ، أو مجيء الآيات القاهرة من الرب . فإن قيل : قوله : { أو يأتى ربك } هل يدل على جواز المجيء والغيبة على الله . قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن هذا حكاية عنهم ، وهم كانوا كفارا ، واعتقاد الكافر ليس بحجة ، والثاني : أن هذا مجاز . ونظيره قوله تعالى : { فأتى الله بنيانهم } ( النحل : 26 ) وقوله : { إن الذين يؤذون الله } ( الأحزاب : 57 ) والثالث : قيام الدلائل القاطعة على أن المجيء والغيبة على الله تعالى محال ، وأقربها قول الخليل صوات الله عليه في الرد على عبدة الكواكب { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) .

حصہ V14/P006–V14/P007

/ فإن قيل : قوله : { أو يأتى ربك } لا يمكن حمله على إثبات أثر من آثار قدرته ، لأن على هذا التقدير : يصير هذا عين قوله : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم } فوجب حمله على أن المراد منه إتيان الرب . قلنا : الجواب المعتمد أن هذا حكاية مذهب الكفار ، فلا يكون حجة ، وقيل : يأتي ربك بالعذاب ، أو يأتي بعض آيات ربك وهو المعجزات القاهرة . ثم قال تعالى : { يوم يأتى بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل } وأجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علامات القيامة ، عن البراء بن عازب قال : كنا نتذاكر أمر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما تتذاكرون ؟ قلنا : نتذاكر الساعة قال : ( إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ، الدخان ، ودابة الأرض ، وخسفا بالمشرق ، وخسفا بالمغرب وخسفا بجزيرة العرب ، والدجال . وطلوع الشمس من مغربها ، ويأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى ، ونار تخرج من عدن ) وقوله : { لم تكن ءامنت من قبل } صفة لقوله : { نفسا } وقوله : { أو كسبت فى إيمانها خيرا } صفة ثانية معطوفة على الصفة الأولى ، والمعنى : أن أشراط الساعة إذا ظهرت ذهب أوان التكليف عندها ، فلم ينفع الإيمان نفسا ما آمنت قبل ذلك ، وما كسبت في إيمانها خيرا قبل ذلك . ثم قال تعالى : { قل انتظروا إنا منتظرون } وعيد وتهديد . ! 7 < { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شىء إنمآ أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون } . > 7 < الأنعام : ( 159 ) إن الذين فرقوا . . . . . > > قرأ حمزة والكسائي { فارقوا } بالألف والباقون { الذين فرقوا } ومعنى القراءتين عند التحقيق واحد لأن الذي فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وأنكر بعضا ، فقد فارقه في الحقيقة ، وفي الآية أقوال : القول الأول : المراد سائر الملل . قال ابن عباس : يريد المشركين بعضهم يعبدون الملائكة ويزعمون أنهم بنات الله ، وبعضهم يعبدون الأصنام ، ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، فهذا معنى فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، أي فرقا وأحزابا في الضلالة . وقال مجاهد وقتادة : هم اليهود والنصارى ، وذلك لأن النصارى تفرقوا فرقا ، وكفر بعضهم بعضا ، وكذلك اليهود ، وهم أهل / كتاب واحد ، واليهود تكفر النصارى . والقول الثاني : أن المراد من الآية أخذوا ببعض وتركوا بعضا ، كما قال تعالى : { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } ( البلقرة : 85 ) وقال أيضا : { إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض } . والقول الثالث : قال مجاهد : إن الذين فرقوا دينهم من هذه الأمة ، هم أهل البدع والشبهات واعلم أن المراد من الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة ، وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع وقوله : { لست منهم فى شىء } فيه قولان : الأول : أنت منهم بريء وهم منك برآء وتأويله : إنك بعيد عن أقوالهم ومذاهبهم ، والعقاب اللازم على تلك الإباطيل مقصور عليهم ولا يتعداهم . والثاني : لست من قتالهم في شيء . قال السدي : يقولون لم يؤمر بقتالهم ، فلما أمر بقتالهم نسخ ، وهذا بعيد ، لأن المعنى لست من قتالهم في هذا الوقت في شيء ، فورد الأمر بالقتال في وقت آخر لا يوجب النسخ .

حصہ V14/P007–V14/P008

ثم قال : { إنما أمرهم إلى الله } أي فيما يتصل بالأمهال والأنظار ، والاستئصال والإهلاك { ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون } والمراد الوعيد . ! 7 < { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جآء بالسيئة فلا يجزىإلا مثلها وهم لا يظلمون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 160 ) من جاء بالحسنة . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال بعضهم : الحسنة قول لا إله إلا الله ، والسيئة هي الشرك ، وهذا بعيد بل يجب أن يكون محمولا على العموم إما تمسكا باللفظ وإما لأجل أنه حكم مرتب على صف مناسب له فيقتضي كون الحكم معللا بذلك الوصف . فوجب أن يعم لعموم العلة . المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله : حذفت الهاء من عشر والأمثال جمع مثل ، والمثل مذكر لأنه أريد عشر حسنات أمثالها ، ثم حذفت الحسنات وأقيمت الأمثال التي هي صفتها مقامها وحذف الموصوف كثير في الكلام ، ويقوي هذا قراءة من قرأ عشر أمثالها بالرفع والتنوين . المسألة الثالثة : مذهبنا أن الثواب تفضل من الله تعالى في الحقيقة ، وعلى هذا التقدير فلا إشكال في الآية ، أما المعتزلة فهم فرقوا بين الثواب والتفضل بأن الثواب هو المنفعة المستحقة / والتفضل هو المنفعة التي لا تكون مستحقة ثم إنهم على تقريع مذاهبهم اختلفوا . فقال بعضهم : هذه العشرة تفضل والثواب غيرها وهو قول الجبائي قال : لأنه لو كان الواحد ثوابا وكانت التسعة تفضلا لزم أن يكون الثواب دون التفضل ، وذلك لا يجوز ، لأنه لو جاز أن يكون التفضل مساويا للثواب في الكثرة والشرف ، لم يبق في التكليف فائدة أصلا فيصير عبثا وقبيحا ، ولما بطل ذلك علمنا أن الثواب يجب أن يكون أعظم في القدر وفي التعظيم من التفضل . وقال آخرون : لا يبعد أن يكون الواحد من هذه التسعة ثوابا ، وتكون التسعة الباقية تفضلا ، إلا أن ذلك الواحد يكون أوفر وأعظم وأعلى شأنا من التسعة الباقية . المسألة الرابعة : قال بعضهم : التقدير بالعشرة ليس المراد منه التحديد ، بل أراد الإضعاف مطلقا ، كقول القائل لئن أسديت إلي معروفا لإكافئنك بعشر أمثاله ، وفي الوعيد يقال : لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشرا ، ولا يريد التحديد فكذا ههنا . والدليل على أنه لا يمكن حمله على التحديد قوله تعالى : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف } ( البقرة : 261 ) . ثم قال تعالى : { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } أي الأجزاء يساويها ويوازيها . روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى قال الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو عفو فالويل لمن غلب آحاده أعشاره ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وإن لم يعملها فإن عملها فعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها وإن عملها فسيئة واحدة ) وقوله : { وهم لا يظلمون } أي لا ينقص من ثواب طاعتهم ، ولا يزاد على عقاب سيئاتهم في الآية سؤالان : السؤال الأول : كفر ساعة كيف يوجب عقاب الأبد على نهاية التغليظ . جوابه : أنه كان الكافر على عزم أنه لو عاش أبدا لبقي على ذلك الإعتقاد أبدا ، فلما كان ذلك العزم مؤبدا عوقب بعقاب الأبد خلاف المسلم المذنب ، فإنه يكون على عزم الإقلاع عن ذلك الذنب ، فلا جرم كانت عقوبته منقطعة . السؤال الثاني : إعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلا عن صيام ستين يوما ، وهو في كفارة الظهار ، وتارة جعل بدلا عن صيام أيام قلائل ، وذلك يدل على أن المساواة غير معتبرة .

حصہ V14/P008–V14/P010

جوابه : إن المساواة إنما تحصل بوضع الشرع وحكمه . السؤال الثالث : إذا أحدث في رأس إنسان موضحتين : وجب فيه إرشان ، فإن رفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة ، فههنا ازدادت الجناية . وقل العقاب ، فالمساواة غير معتبرة . / وجوابه : إن ذلك من تعبدات الشرع وتحكماته . السؤال الرابع : أنه يجب في مقابلة تفويت أكثر كل واحد من الأعضاء دية كاملة ، ثم إذا قتله وفوت كل الأعضاء ، وجبت دية واحدة ، وذلك يمتنع القول من رعاية المماثلة . جوابه : أنه من باب تحكمات الشريعة . والله أعلم . ! 7 < { قل إننى هدانى ربىإلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } . > 7 ! < < الأنعام : ( 161 ) قل إنني هداني . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما علم رسوله أنواع دلائل التوحيد ، والرد على القائلين بالشركاء والأنداد والأضداد وبالغ في تقرير إثبات التوحيد ، والرد على القائلين بالشركاء والأنداد والأضداد ، وبالغ في تقرير إثبات التوحيد والنافين للقضاء والقدر ، ورد على أهل الجاهلية في أباطيلهم ، أمره أن يختم الكلام بقوله : { إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم } وذلك يدل على أن الهداية لا تحصل إلا بالله وانتصب دينا لوجهين : أحدهما : على البدل من محل صراط لأن معناه هداني ربي صراطا مستقيما كما قال : { ويهديك صراطا مستقيما } ( الفتح : 2 ) والثاني : أن يكون التقدير الزموا دينا ، وقوله : فيما قال صاحب ( الكشاف ) القيم فيعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من القائم ، وقرأ أهل الكوفة قيما مكسورة القاف خفيفة الياء قال الزجاج : هو مصدر بمعنى القيام كالصغر والكبر والحول والشبع ، والتأويل دينا ذا قيم ووصف الدين بهذا الوصف على سبيل المبالغة ، وقوله : { ملة إبراهيم حنيفا } فقوله : { ملة } بدل من قوله : { دينا قيما } وحينفا منصوب على الحال من إبراهيم ، والمعنى هداني ربي وعرفني ملة إبراهيم حال كونها موصوفة بالحنيفية ، ثم قال في صفة إبراهيم : { وما كان من المشركين } والمقصود منه الرد على المشركين . ! 7 < { قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذالك أمرت وأنا أول المسلمين } . > 7 < الأنعام : ( 162 - 163 ) قل إن صلاتي . . . . . > > اعلم أنه تعالى كما عرفه الدين المستقيم عرفه كيف يقوم به ويؤديه فقوله : { قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين } يدل على أنه يؤديه مع الأخلاص وأكده بقوله : { لا شريك له } وهذا يدل على أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل يجب أن يؤتى بها مع تمام الإخلاص وهذا من أقوى الدلائل على أن شرط صحة الصلاة أن يؤتى بها مقرونة بالأخلاص . أما قوله : { ونسكى } فقيل المراد بالنسك الذبيحة بعينها ، يقول : من فعل كذا فعليه نسك . أي دم يهريقه ، وجمع بين الصلاة والذبح ، كما في قوله : { فصل لربك وانحر } ( الكوثر : 2 ) وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال : النسك سبائك الفضة ، كل سبيكة منها نسيكة ، وقيل : للمتعبد ناسك ، لأنه خلص نفسه من دنس الآثام ، وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث ، وعلى هذا التأويل ، فالنسك كل ما تقربت به إلى الله تعالى . إلا أن الغالب عليه في العرف الذبح وقوله : { ومحياى ومماتى } أي حياتي وموتي لله .

حصہ V14/P010–V14/P011

واعلم أنه تعالى قال : { إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين } فأثبت كون الكل لله ، والمحيا والممات ليسا لله بمعنى أنه يؤتى بهما لطاعة الله تعالى ، فإن ذلك محال ، بل معنى كونهما لله أنهما حاصلان بخلق الله تعالى ، فكذلك أن يكون كون الصلاة والنسك لله مفسرا بكونهما واقعين بخلق الله ، وذلك من أدل الدلائل على أن طاعات العبد مخلوقة لله تعالى . وقرأ نافع { محياي } ساكنة الياء ونصبها في مماتي ، وإسكان الياء في محياي شاذ غير مستعمل ، لأن فيه جمعا بين ساكنين لا يلتقيان على هذا الحد في نثر ولا نظم ، ومنهم من قال : إنه لغة لبعضهم ، وحاصل الكلام ، أنه تعالى أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله تعالى ، وتقديره وقضاءه وحكمه ، ثم نص على أنه لا شريك له في الخلق ، والتقدير : ثم يقول وبذلك أمرت أي وبهذا التوحيد أمرت . ثم يقول : { أمرت وأنا أول المسلمين } أي المستسلمين لقضاء الله وقدره ، ومعلوم أنه ليس أولا لكل مسلم ، فيجب أن يكون المراد كونه أولا لمسلمي زمانه . ! 7 < { قل أغير الله أبغى ربا وهو رب كل شىء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } . > 7 ! / < < الأنعام : ( 164 ) قل أغير الله . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوحيد المحض ، وهو أن يقول : { إن صلاتى ونسكى } إلى قوله : { لا شريك له } أمره بأن يذكر ما يجري مجرى الدليل على صحة هذا التوحيد ، وتقريره من وجهين : الأول : أن أصناف المشركين أربعة ، لأن عبدة الأصنام أشركوا بالله ، وعبدة الكواكب أشركوا بالله والقائلون : بيزدان ، وأهرمن . وهم الذين قال الله في حقهم : { وجعلوا لله شركاء الجن } أشركوا بالله والقائلون : بأن المسيح ابن الله والملائكة بناته ، أشركوا أيضا بالله ، فهؤلاء هم فرق المشركين ، وكلهم معترفون أن الله خالق الكل ، وذلك لأن عبدة الأصنام معترفون بأن الله سبحانه هو الخالق للسموات والأرض ، ولكل ما في العالم من الموجودات ، وهو الخالق للأصنام والأوثان بأسرها . وأما عبدة الكواكب فهم معترفون بأن الله خالقها وموجدها . وأما القائلون بيزدان ، وهرمن فهم أيضا معترفون بأن الشيطان محدث ، وأن محدثه هو الله سبحانه . وأما القائلون بالمسيح والملائكة فهم معترفون بأن الله خالق الكل ، فثبت بما ذكرنا أن طوائف المشركين أطبقوا واتفقوا على أن الله خالق هؤلاء الشركاء . إذا عرفت هذا فالله سبحانه قال له يا محمد : { قل أغير الله أبغى ربا } مع أن هؤلاء الذين اتخذوا ربا غير الله تعالى أقروا بأن الله خالق تلك الأشياء ، وهل يدخل في العقل جعل المربوب شريكا للرب وجعل العبد شريكا للمولى ، وجعل المخلوق شريكا للخالق ؟ ولما كان الأمر كذلك ، ثبت بهذا الدليل أن اتخاذ رب غير الله تعالى قول فاسد ، ودين باطل . الوجه الثاني : في تقرير هذا الكلام أن الموجود ، إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته . وثبت أن الواجب لذاته واحد ، فثبت أن ما سواه ممكن لذاته ، وثبت أن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى ربا لكل شيء .

حصہ V14/P011–V14/P012

وإذا ثبت هذا فنقول : صريح العقل يشهد بأنه لا يجوز جعل المربوب شريكا للرب وجعل المخلوق شريكا للخالق فهذا هو المراد من قوله : { قل أغير الله أبغى ربا وهو رب كل شىء } ( الأنعام : 164 ) ثم إنه تعالى لما بين بهذا الدليل القاهر القاطع هذا التوحيد بين أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب ، فقال : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } ( الأنعام : 164 ) ومعناه أن إثم الجاني عليه ، لا على غيره { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الإسراء : 15 ) أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى ، ثم بين تعالى أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم فيه ولا آمر إلا الله تعالى ، فهو قوله : { ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } ( الأنعام : 164 ) . ! 7 < { وهو الذى جعلكم خلائف الا رض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فى مآ آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } . > 7 < الأنعام : ( 165 ) وهو الذي جعلكم . . . . . > > اعلم أن في قوله : { جعلكم خلائف الارض } وجوها : أحدها : جعلهم خلائف الأرض لأن محمدا عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين ، فخلفت أمته سائر الأمم . وثانيها : جعلهم يخلف بعضهم بعضا . وثالثها : أنهم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها . ثم قال : { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } في الشرف . والعقل ، والمال ، والجاه ، والرزق ، وإظهار هذا التفاوت ليس لأجل العجز والجهل والبخل ، فإنه تعالى متعال عن هذه الصفات ، وإنما هو لأجل الابتلاء والامتحان وهو المراد من قوله : { ليبلوكم فيما ءاتاكم } ( المائدة : 48 ) وقد ذكرنا أن حقيقة الابتلاء والامتحان على الله محال ، إلا أن المراد هو التكليف وهو عمل لو صدر من الواحد منا لكان ذلك شبيها بالابتلاء والامتحان ، فسمى لهذا الاسم لأجل هذه المشابهة ، ثم إن هذا المكلف إما أن يكون مقصرا فيما كلف به ، وإما أن يكون موفرا فيه ، فإن كان الأول كان نصيبه من التخويف والترهيب ، وهو قوله : { إن ربك سريع العقاب } ( الأنعام : 165 ) ووصف العقاب بالسرعة ، لأن ما هو آت قريب ، وإن كان الثاني ، وهو أن يكون موفرا في تلك الطاعات كان نصيبه من التشريف والترغيب هو قوله : { وإنه لغفور رحيم } أي يغفر الذنوب ويستر العيوب في الدنيا بستر فضله وكرمه ورحمته ، وفي الآخرة بأن يفيض عليه أنواع نعمه ، وهذا الكلام بلغ في شرح الأعذار والإنذار والترغيب والترهيب إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه ، وهذا آخر الكلام في تفسير سورة الأنعام ، والحمد لله الملك العلام . < > 1 ( سورة الأعراف ) 1 < > مكية إلا من آية : 163 إلى غاية آية 170 ، فمدنية وآياتها 206 نزلت بعد ص ! 7 < { المص كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين } . > 7 < الأعراف : ( 1 - 2 ) المص > > في الآية مسائل :

حصہ V14/P012–V14/P013

المسألة الأولى : قال ابن عباس { المص } أنا الله أفصل ، وعنه أيضا : أنا الله أعلم وأفصل : قال الواحدي : وعلى هذا التفسير فهذه الحروف واقعة في موضع جمل ، والجمل إذا كانت ابتداء وخبرا فقط لا موضع لها من الإعراب ، فقوله : أنا الله أعلم ، لا موضع لها من الأعراب ، فقوله : ( أنا ) مبتدأ وخبره قوله : ( الله ) وقوله : ( أعلم ) خبر بعد خبر ، وإذا كان المعنى { المص } أنا الله أعلم كان أعرابها كإعراب الشيء الذي هو تأويل لها ، وقال السدي : { المص } على هجاء قولنا في أسماء الله تعالى أنه المصور . قال القاضي : ليس هذا اللفظ على قولنا : أنا الله أفصل ، أولى من حمله على قوله : أنا الله أصلح ، أنا الله أمتحن ، أنا الله الملك ، لأنه إن كانت العبرة بحرف الصاد فهو / موجود في قولنا أنا الله أصلح ، وإن كانت العبرة بحرف الميم ، فكما أنه موجود في العلم فهو أيضا موجود في الملك والامتحان ، فكان حمل قولنا : { المص } على ذلك المعنى بعينه محض التحكم ، وأيضا فإن جاء تفسير الألفاظ بناء على ما فيها من الحروف من غير أن تكون تلك اللفظة موضوعة في اللغة لذلك المعنى ، انفتحت طريقة الباطنية في تفسير سائر ألفاظ القرآن بما يشاكل هذا الطريق . وأما قول بعضهم : إنه من أسماء الله تعالى فأبعد ، لأنه ليس جعله إسما لله تعالى ، أولى من جعله اسما لبعض رسله من الملائكة ، أو الأنبياء ، لأن الاسم إنما يصير اسما للمسمى بواسطة الوضع والاصطلاح ، وذلك مفقود ههنا ، بل الحق أن قوله : { المص } اسم لقب لهذه السورة ، وأسماء الألقاب لا تفيد فائدة في المسميات ، بل هي قائمة مقام الإشارات ، ولله تعالى أن يسمي هذه السورة بقوله : { المص } كما أن الواحد منا إذا حدث له ولد فإنه يسميه بمحمد . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { المص } مبتدأ ، وقوله : { كتاب } خبره ، وقوله : { أنزل إليك } صفة لذلك الخبر . أي السورة المسما بقولنا : { المص كتاب أنزل إليك } . فإن قيل : الدليل الذي دل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هوأن الله تعالى خصه بإنزال هذا القرآن عليه ، فما لم نعرف هذا المعنى لا يمكننا أن نعرف نبوته ، وما لم نعرف نبوته ، لا يمكننا أن نحتج بقوله . فلو أثبتنا كون هذه السورة نازلة عليه من عند الله بقوله : لزم الدور . قلنا : نحن بمحض العقل نعلم أن هذه السورة كتاب أنزل إليه من عند الله . والدليل عليه أنه عليه الصلاة والسلام ما تلمذ لأستاذ ، ولا تعلم من معلم ، ولا طالع كتابا ولم يخالط العلماء والشعراء وأهل الأخبار ، وانقضى من عمره أربعون سنة ، ولم يتفق له شيء من هذه الأحوال ، ثم بعد انقضاء الأربعين ظهر عليه هذا الكتاب العزيز المشتمل على علوم الأولين والآخرين ، وصريح العقل يشهد بأن هذا لا يكون إلا بطريق الوحي من عند الله تعالى . فثبت بهذا الدليل العقلي أن { المص } كتاب أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه وإلهه . المسألة الثانية : احتج القائلون بخلق القرآن بقوله : { كتاب أنزل إليك } قالوا إنه تعالى وصفه بكونه منزلا ، والإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال ، وذلك لا يليق بالقديم ، فدل على أنه محدث . وجوابه : أن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو هذه الحروف ولا نزاع في كونها محدثة مخلوقة . والله أعلم .

حصہ V14/P013–V14/P014

فإن قيل : فهب أن المراد منه الحروف ، إلا أن الحروف أعراض غير باقية بدليل أنها متوالية ، / وكونها متوالية يشعر بعدم بقائها / وإذا كان كذلك فالعرض الذي لا يبقى زمانين كيف يعقل وصفه بالنزول . والجواب : أنه تعالى أحدث هذه الرقوم والنقوش في اللوح المحفوظ ، ثم إن الملك يطالع تلك النقوش ، وينزل من السماء إلى الأرض ، ويعلم محمدا تلك الحروف والكلمات ، فكان المراد بكون تلك الحروف نازلة ، هو أن مبلغها نزل من السماء إلى الأرض بها . المسألة الثالثة : الذين أثبتوا لله مكانا تمسكوا بهذه الآية فقالوا : إن كلمة ( من ) لابتداء الغاية ، وكلمة ( إلى ) لانتهاء الغاية فقوله : { أنزل إليك } يقتضي حصول مسافة مبدؤها هو الله تعالى وغايتها محمد ، وذلك يدل على أنه تعالى مختص بجهة فوق ، لأن النزول هو الانتقال من فوق إلى أسفل . وجوابه : لما ثبت بالدلائل القاهرة أن المكان والجهة على الله تعالى محال وجب حمله على التأويل الذي ذكرناه ، وهو أن الملك انتقل به من العلو إلى أسفل . ثم قال تعالى : { فلا يكن فى صدرك حرج منه } وفي تفسير الحرج قولان : الأول : الحرج الضيق ، والمعنى : لا يضيق صدرك بسبب أن يكذبوك في التبليغ . والثاني : { فلا يكن فى صدرك حرج منه } أي شك منه ، كقوله تعالى : { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك } ( يونس : 94 ) وسمي الشك حرجا ، لأن الشاك ضيق الصدر حرج الصدر ، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسح القلب . ثم قال تعالى : { لتنذر به } هذه ( اللام ) بماذا تتعلق ؟ فيه أقوال : الأول : قال الفراء : إنه متعلق بقوله : { أنزل إليك } على التقديم والتأخير ، والتقدير : كتاب أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه . فإن قيل : فما فائدة هذا التقديم والتأخير ؟ قلنا : لأن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر ، فلهذا السبب أمره الله تعالى بإزالة الحرج عن الصدر ، ثم أمره بعد ذلك بالإنذار والتبليغ . الثاني : قال ابن الأنباري : اللام ههنا بمعنى : كي . والتقدير : فلا يكن في صدرك شك كي تنذر غيرك . الثالث : قال صاحب ( النظم ) : اللام ههنا : بمعنى : أن . والتقدير : لا يضق صدرك ولا يضعف عن أن تنذر به ، والعرب تضع هذه اللام في موضع ( أن ) قال تعالى : { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } ( التوبة : 32 ) وفي موضع أخر { يريدون ليطفئوا } ( الصف : 8 ) وهما بمعنى واحد . والرابع : تقدير الكلام : أن هذا الكتاب أنزله الله عليك ، وإذا علمت أنه تنزيل الله تعالى ، فاعلم أن عناية الله معك ، وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج ، لأن من كان الله حافظا له وناصرا ، لم يخف أحدا ، وإذا زال الخوف / والضيق عن القلب ، فاشتغل بالإنذار والتبليغ والتذكير اشتغال الرجال الأبطال ، ولا تبال بأحد من أهل الزيغ والضلال والإبطال .

حصہ V14/P014–V14/P015

ثم قال : { وذكرى للمؤمنين } قال ابن عباس : يريد مواعظ للمصدقين . قال الزجاج : وهو اسم في موضع المصدر . قال الليث : { الذكرى } اسم للتذكرة ، وفي محل ذكرى من الإعراب وجوه قال الفراء : يجوز أن يكون في موضع نصب على معنى : لتنذر به ولتذكر ، ويجوز أن يكون رفعا بالرد على قوله : { كتاب } والتقدير : كتاب حق وذكرى ، ويجوز أيضا أن يكون التقدير ، وهو ذكرى ، ويجوز أن يكون خفضا ، لأن معنى لتنذر به ، لأن تنذر به فهو في موضع خفض ، لأن المعنى للإنذار والذكرى . فإن قيل : لم قيد هذه الذكرى بالمؤمنين . قلنا : هو نظير قوله تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) والبحث العقلي فيه أن النفوس البشرية على قسمين : نفوس بليدة جاهلة ، بعيدة عن عالم الغيب ، غريقة في طلب اللذات الجسمانية ، والشهوات الجسدانية ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة بالحوادث الروحانية / فبعثة الأنبياء والرسل في حق القسم الأول ، إنذار وتخويف ، فإنهم لما غرقوا في نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، احتاجوا إلى موقظ يوقظهم ، وإلى منبه ينبههم . وأما في حق القسم الثاني فتذكير وتنبيه ، وذلك لأن هذه النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية مستعدة للانجذاب إلى عالم القدس والاتصال بالحضرة الصمدية ، إلا أنه ربما غشيها غواش من عالم الجسم ، فيعرض لها نوع ذهول وغفلة ، فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله تعالى ، تذكرت مركزها وأبصرت منشأها ، واشتاقت إلى ما حصل هنالك من الروح والراحة والريحان ، فثبت أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذارا في حق طائفة ، وذكرى في حق طائفة أخرى . والله أعلم . ! 7 < { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أوليآء قليلا ما تذكرون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 3 ) اتبعوا ما أنزل . . . . . > > اعلم أن أمر الرسالة إنما يتم بالمرسل وهو الله سبحانه وتعالى والمرسل وهو الرسول ، والمرسل إليه ، وهو الأمة ، فلما أمر في الآية الأولى الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي ، وعزم / صحيح أمر المرسل إليه . وهم الأمة بمتابعة الرسول . فقال : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الحسن : يا ابن آدم ، أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله . واعلم أن قوله : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } يتناول القرآن والسنة . فإن قيل : لماذا قال : { أنزل إليكم } وإنما أنزل على الرسول . قلنا : إنه منزل على الكل بمعنى أنه خطاب للكل . إذا عرفت هذا فنقول : هذه الآية تدل على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس لا يجوز لأن عموم القرآن منزل من عند الله تعالى . والله تعالى أوجب متابعته ، فوجب العمل بعموم القرآن ولما وجب العمل به امتنع العمل بالقياس ، وإلا لزم التناقض . فإن قالوا : لما ورد الأمر بالقياس في القرآن . وهو قوله : { فاعتبروا } ( الحشر : 2 ) كان العمل بالقياس عملا بما أنزل الله . قلنا : هب أنه كذلك إلا أنا نقول : الآية الدالة على وجوب العمل بالقياس إنما تدل على الحكم المثبت بالقياس ، لا ابتداء بل بواسطة ذلك القياس . وأما عموم القرآن ، فإنه يدل على ثبوت ذلك الحكم ابتداء لا بواسطة ، ولما وقع التعارض كان الذي دل عليه ما أنزله الله ابتداء أولى بالرعاية من الحكم الذي دل عليه ما أنزله الله بواسطة شيء آخر ، فكان الترجيح من جانبنا . والله أعلم .

حصہ V14/P015–V14/P016

المسألة الثانية : قوله تعالى : { ولا تتبعوا من دونه أولياء } قالوا معناه ولا تتولوا من دونه أولياء من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع . ولقائل أن يقول : الآية تدل على أن المتبوع إما أن يكون هو الشيء الذي أنزله الله تعالى أو غيره . أما الأول : فهو الذي أمر الله باتباعه . وأما الثاني : فهو الذي نهى الله عن اتباعه ، فكان المعنى أن كل ما يغاير الحكم الذي أنزله الله تعالى فإنه لا يجوز إتباعه . إذا ثبت هذا فنقول : إن نفاة القياس تمسكوا به في نفي القياس . فقالوا الآية تدل على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله تعالى والعمل بالقياس متابعة لغير ما أنزله الله تعالى ، فوجب أن لا يجوز . فإن قالوا : لما دل قوله فاعتبروا على العمل بالقياس كان العمل بالقياس عملا بما أنزله الله تعالى أجيب عنه بأن العمل بالقياس ، لو كان عملا بما أنزله الله تعالى ، لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافرا لقوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ( المائدة : 44 ) وحيث أجمعت الأمة على عدم التكفير علمنا أن العمل بحكم القياس ليس عملا بما أنزله الله تعالى ، وحينئذ يتم الدليل . / وأجاب عنه مثبتو القياس : بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وما ذكرتموه تمسك بظاهر العموم ، وهو دليل مظنون والقاطع أولى من المظنون . وأجاب : الأولون بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله : { ويتبع غير سبيل المؤمنين } ( النساء : 115 ) وعموم قوله : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) وعموم قوله : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } ( آل عمران : 110 ) وبعموم قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا تجتمع أمتي على الضلالة ) وعلى هذا فإثبات كون الإجماع حجة ، فرع عن التمسك بالعمومات ، والفرع لا يكون أقوى من الأصل . فأجاب مثبتو القياس : بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في أثبات القياس قويت القوة وحصل الترجيح . والله أعلم . المسألة الثالثة : الحشوية الذين ينكرون النظر العقلي والبراهين العقلية ، تمسكوا بهذه الآية وهو بعيد لأن العلم بكون القرآن حجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية ، فلو جعلنا القرآن طاعنا في صحة الدلائل العقلية لزم التناقض وهو باطل . المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر { قليلا ما يتذكرون } ( النمل : 62 ) بالياء تارة والتاء أخرى . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء وتخفيف الذال ، والباقون بالتاء وتشديد الذال . قال الواحدي رحمه الله : تذكرون أصله تتذكرون فأدغم تاء تفعل في الذال لأن التاء مهموسة ، والذال مجهورة والمجهور أزيد صوتا من المهموس ، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد ، وما موصولة بالفعل وهي معه بمنزلة المصدر . فالمعنى : قليلا تذكركم ، وأما قراءة ابن عامر { يتذكرون } بياء وتاء فوجهها أن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي قليلا ما يتذكر هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب ، وأما قراءة حمزة والكسائي وحفص ، خفيفة الذال شديدة الكاف ، فقد حذفوا التاء التي أدغمها الأولون ، وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة والله أعلم . قال صاحب ( الكشاف ) : وقرأ مالك بن دينار ولا تبتغوا من الابتغاء من قوله تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا } ( آل عمران : 85 ) . ! 7 < { وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون فما كان دعواهم إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } . > 7 <

حصہ V14/P016–V14/P017

الأعراف : ( 4 - 5 ) وكم من قرية . . . . . > > / اعلم أنه تعالى لما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالإنذار والتبليغ ، وأمر القوم بالقبول والمتابعة ذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة والإعراض عنها من الوعيد ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الزجاج : موضع كم رفع بالابتداء وخبره أهلكناها . قال : وهو أحسن من أن يكون في موضع نصب لأن قولك زيد ضربته أجود من قولك زيدا ضربته ، والنصب جيد عربي أيضا كقوله تعالى : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } . المسألة الثانية : قيل : في الآية محذوف والتقدير : وكم من أهل قرية ويدل عليه وجوه : أحدها : قوله : { فجاءها بأسنا } والبأس لا يليق إلا بالأهل . وثانيها : قوله : { أو هم قائلون } فعاد الضمير إلى أهل القرية . وثالثها : أن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بإهلاكهم . ورابعها : أن معنى البيات والقائلة لا يصح إلا فيهم . فإن قيل : فلماذا قال أهلكناها ؟ أجابوا بأنه تعالى رد الكلام على اللفظ دون المعنى كقوله تعالى : { وكأين من قرية عتت } ( الطلاق : 8 ) فرده على اللفظ . ثم قال : { أعد الله لهم } ( الأحزاب : 25 ) فرده على المعنى دون اللفظ ، ولهذا السبب قال الزجاج : ولو قال فجاءهم بأسنا لكان صوابا ، وقال بعضهم : لا محذوف في الآية والمراد إهلاك نفس القرية لأن في إهلاكها بهدم أو خسف أو غيرهما إهلاك من فيها ، ولأن على هذا التقدير يكون قوله : { فجاءها بأسنا } محمولا على ظاهره ولا حاجة فيه إلى التأويل . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : قوله : { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا } يقتضي أن يكون الإهلاك متقدما على مجيء البأس وليس الأمر كذلك ، فإن مجيء البأس مقدم على الإهلاك والعلماء أجابوا عن هذا السؤال من وجوه : الأول : المراد بقوله : { أهلكناها } أي حكمنا بهلاكها فجاءها بأسنا . وثانيها : كم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كقوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى } ( المائدة : 6 ) وثالثها : أنه لو قال وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا لم يكن السؤال واردا فكذا ههنا لأنه تعالى عبر عن ذلك الإهلاك بلفظ البأس . فإن قالوا : السؤال باق ، لأن الفاء في قوله : { فجاءها بأسنا } فاء التعقيب ، وهو يوجب المغايرة . فنقول : الفاء قد تجيء بمعنى التفسير كقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه ) فالفاء في قوله فيغسل للتفسير ، لأن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه . فكذلك ههنا البأس جار مجرى التفسير ، لذلك الإهلاك ، لأن الإهلاك ، قد يكون بالموت المعتاد ، وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم ، فكان ذكر البأس تفسيرا لذلك الإهلاك . الرابع : قال الفراء : لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معا كما يقال : أعطيتني فأحسنت ، وما كان الإحسان بعد الإعطاء / ولا قبله ، وإنما وقعا معا فكذا ههنا ، وقوله : { بياتا } قال الفراء يقال : بات الرجل يبيت بيتا ، وربما قالوا بياتا قالوا : وسمي البيت لأنه يبات فيه . قال صاحب ( الكشاف ) : قوله : { بياتا } مصدر واقع موقع الحال بمعنى بائتين وقوله : { أو هم قائلون } فيه بحثان :

حصہ V14/P017–V14/P019

البحث الأول : أنه حال معطوفة على قوله : { بياتا } كأنه قيل : فجاءها بأسنا بائتين أو قائلين . قال الفراء : وفيه واو مضمرة ، والمعنى : أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو وهم قائلون ، إلا أنهم استثقلوا الجمع بين حرفي العطف ، ولو قيل : كان صوابا ، وقال الزجاج : أنه ليس بصواب لأن واو الحال قريبة من واو العطف ، فالجمع بينهما يوجب الجمع بين المثلين وأنه لا يجوز ، ولو قلت : جاءني زيد راجلا وهو فارس لم يحتج فيه إلى واو العطف . البحث الثاني : كلمة ( أو ) دخلت ههنا بمعنى أنهم جاءهم بأسنا مرة ليلا ومرة نهارا ، وفي القيلولة قولان : قال الليث : القيلولة نومة نصف النهار . وقال الأزهري : القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر ، وإن لم يكن مع ذلك نوم ، والدليل عليه : إن الجنة لا نوم فيها والله تعالى يقول : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } ( الفرقان : 24 ) ومعنى الآية أنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له ، أما ليلا وهم نائمون ، أو نهارا وهم قائلون ، والمقصود : أنهم جاءهم العذاب على حين غفلة منهم من غير تقدم إمارة تدلهم على نزول ذلك العذاب ، فكأنه قيل : للكفار لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة والفراغ ، فإن عذاب الله إذا وقع ، وقع دفعة من غير سبق إمارة فلا تغتروا بأحوالكم . ثم قال تعالى : { فما كان دعواهم } قال أهل اللغة : الدعوى اسم يقوم مقام الادعاء ، ومقام الدعاء . حكى سيبويه : اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ، ودعوى المسلمين . قال ابن عباس : فما كان تضرعهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا أنا كنا ظالمين فأقروا على أنفسهم بالشرك . قال ابن الأنباري : فما كان قولهم إذ جاءهم بأسنا إلا الاعتراف بالظلم والإقرار بالإسارة وقوله : { إلا أن قالوا } الاختيار عند النحويين أن يكون موضع أن رفعا بكان ويكون قوله : { دعواهم } نصبا كقوله : { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا } ( النمل : 56 ) وقوله : { فكان عاقبتهما أنهما فى النار } ( الحشر : 17 ) وقوله : { ما كان حجتهم إلا أن } ( الجاثية : 25 ) قال ويجوز أن يكون أيضا على الضد من هذا بأن يكون الدعوى رفعا ، وإن قالوا نصبا كقوله تعالى : { ليس البر أن تولوا } ( البقرة : 177 ) على قراءة من رفع البر ، والأصل في هذا الباب أنه إذا حصل بعد كلمة كان معرفتان فأنت بالخيار في رفع أيهما شئت ، وفي نصب الآخر كقولك كان زيد أخاك وإن شئت كان زيدا أخوك . قال الزجاج : إلا أن الاختيار إذا جعلنا قوله : { دعواهم } في موضع / رفع أن يقول : { فما كانت دعواهم } فلما قال : كان دل على أن الدعوى في موضع نصب ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه يجوز تذكير الدعوى ، وإن كانت رفعا فتقول : كان دعواه باطلا ، وباطلة ، والله أعلم . ! 7 < { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غآئبين } . > 7 < الأعراف : ( 6 - 7 ) فلنسألن الذين أرسل . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : في تقرير وجه النظم وجهان : الوجه الأول : أنه تعالى لما أمر الرسل في الآية المتقدمة بالتبليغ ، وأمر الأمة بالقبول والمتابعة ، وذكر التهديد على ترك القبول والمتابعة بذكر نزول العذاب في الدنيا ، أتبعه بنوع آخر من التهديد ، وهو أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم يوم القيامة .

حصہ V14/P019–V14/P020

الوجه الثاني : أنه تعالى لما قال : { فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } ( الأعراف : 5 ) أتبعه بأنه لا يقع يوم القيامة الاقتصار على ما يكون منهم من الاعتراف . بل ينضاف إليه أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم ، وبين أن هذا السؤل لا يختص بأهل العقاب . بل هو عام في أهل العقاب وأهل الثواب . المسألة الثانية : الذين أرسل إليهم . هم الأمة ، والمرسلون هم الرسل ، فبين تعالى أنه يسأل هذين الفريقين ، ونظير هذه الآية قوله : { فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون } ( الحجر : 92 ) . ولقائل أن يقول : المقصود من السؤال أن يخبر المسؤول عن كيفية أعماله ، فلما أخبر الله عنهم في الآية المتقدمة أنهم يقرون بأنهم كانوا ظالمين ، فما الفائدة في ذكر هذا السؤال بعده ؟ وأيضا قال تعالى بعد هذه الآية : { فلنقصن عليهم بعلم } فإذا كان يقصه عليهم بعلم ، فما معنى هذا السؤال . والجواب : أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين ، سئلوا بعد ذلك عن سبب ذلك الظلم والتقصير ، والمقصود منه التقريع والتوبيخ . فإن قيل : فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة ؟ قلنا : لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة التحق التقصير بكليته بالأمة ، فيتضاعف / إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير ، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار ، لما ثبت أن كل التقصير كان منهم . ثم قال تعالى : { فلنقصن عليهم بعلم } والمراد أنه تعالى يكرر ويبين للقوم ما أعلنوه وأسروه من أعمالهم ، وأن يقص الوجوه التي لأجلها أقدموا على تلك الأعمال ، ثم بين تعالى أنه إنما يصح منه أن يقص تلك الأحوال عليهم لأنه ما كان غائبا عن أحوالهم بل كان عالما بها . وما خرج عن علمه شيء منها ، وذلك يدل على أن الإلهية لا تكمل إلا إذا كان عالما بجميع الجزئيات ، حتى يمكنه أن يميز المطيع عن العاصي ، والمحسن عن المسيء ، فظهر أن كل من أنكر كونه تعالى عالما بالجزئيات ، امتنع منه الاعتراف بكونه تعالى آمرا ناهيا مثيبا معاقبا ، ولهذا السبب فإنه تعالى أينما ذكر أحوال البعث والقيامة بين كونه عالما بجميع المعلومات . المسألة الثالثة : قوله تعالى : { فلنقصن عليهم بعلم } يدل على أنه تعالى عالم بالعلم ، وأن قول من يقول : إنه لا علم لله قول باطل . فإن قيل : كيف الجمع بين قوله : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين } وبين قوله : { فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان } ( الرحمن : 39 ) وقوله : { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } ( القصص : 78 ) . قلنا فيه وجوه : أحدها : أن القوم لا يسألون عن الأعمال ، لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال / وعن الصوارف التي صرفتم عنها . وثانيها : أن السؤال قد يكون لأجل الاسترشاد والاستفادة ، وقد يكون لأجل التوبيخ والإهانة ، كقول القائل ألم أعطك وقوله تعالى : { ألم أعهد إليكم يبنى وإذ أخذ } ( يس : 60 ) قال الشاعر : ألستم خير من ركب المطايا

حصہ V14/P020–V14/P021

إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لا يسأل أحدا لأجل الاستفادة والاسترشاد ، ويسألهم لأجل توبيخ الكفار وإهانتهم ، ونظيره قوله تعالى : { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } ( الصافات : 27 ) ثم قال : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } ( المؤمنون : 101 ) فإن الآية الأولى تدل على أن المسألة الحاصلة بينهم إنما كانت على سبيل أن بعضهم يلوم بعضا ، والدليل عليه قول : { فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون } ( القلم : 30 ) وقوله : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } ( القلم : 30 ) معناه أنه لا يسأل بعضهم بعضا على سبيل الشفقة واللطف ، لأن النسب يوجب الميل والرحمة والإكرام . والوجه الثالث : في الجواب : أن يوم القيامة يوم طويل ومواقفها كثيرة ، فأخبر عن بعض الأوقات بحصول السؤال ، وعن بعضها بعدم السؤال . / المسألة الرابعة : الآية تدل على أنه تعالى يحاسب كل عباده ، لأنهم لا يخرجون عن أن يكونوا رسلا أو مرسلا إليهم ، ويبطل قول من يزعم أنه لا حساب على الأنبياء والكفار . المسألة الخامسة : الآية تدل على كونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ، لأنه تعالى قال : { وما كنا غائبين } ولو كان تعالى على العرش لكان غائبا عنا . فإن قالوا : نحمله على أنه تعالى ما كان غائبا عنهم بالعلم والإحاطة . قلنا : هذا تأويل والأصل في الكلام حمله على الحقيقة . فإن قالوا : فأنتم لما قلتم أنه تعالى غير مختص بشيء من الأحياز والجهات ، فقد قلتم أيضا بكونه غائبا . قلنا : هذا باطل لأن الغائب هو الذي يعقل أن يحضر بعد غيبة ، وذلك مشروط بكونه مختصا بمكان وجهة ، فأما الذي لا يكون مختصا بمكان وجهة وكان ذلك محالا في حقه ، امتنع وصفه بالغيبة والحضور ، فظهر الفرق والله أعلم . ! 7 < { والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولائك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } . > 7 < الأعراف : ( 8 - 9 ) والوزن يومئذ الحق . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن من جملة أحوال القيامة السؤال والحساب ، بين في هذه الآية أن من جملة أحوال القيامة أيضا وزن الأعمال ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : { الوزن } مبتدأ و { يومئذ } ظرف له و { الحق } خبر المبتدأ ، ويجوز أن يكون { يومئذ } الخبر و { الحق } صفة للوزن ، أي والوزن الحق ، أي العدل يوم يسأل الله الأمم والرسل .

حصہ V14/P021

المسألة الثانية : في تفسير وزن الأعمال قولان : الأول : في الخبر أنه تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها ، ثم قال ابن عباس : أما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة ، فتوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته ، فذلك قوله : { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون } الناجون قال وهذا كما قال في سورة الأنبياء : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا } ( الأنبياء : 47 ) وأما كيفية وزن الأعمال على هذا القول ففيه وجوه : أحدهما : أن أعمال المؤمن تتصور بصورة حسنة ، وأعمال الكافر بصورة قبيحة ، فتوزن تلك الصورة : كما ذكره ابن عباس . والثاني : أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد مكتوبة ، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يوزن يوم القيامة فقال : ( الصحف ) وهذا القول مذهب عامة المفسرين في هذه الآية ، وعن عبد لله بن سلام ، أن ميزان رب العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة ، والأخرى على جهنم ، ولو وضعت السموات والأرض في إحداهما لوسعتهن ، وجبريل آخذ بعموده ينظر إلى لسانه ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يأتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله يوضع في الأخرى فترجح ) وعن الحسن : بينما الرسول صلى الله عليه وسلم ذات يوم واضع رأسه في حجر عائشة رضي الله عنها قد أغفى فسالت الدموع من عينها فقال : ( ما أصابك ما أبكاك ؟ ) فقالت : ذكرت حشر الناس وهل يذكر أحد أحدا ، فقال لها : ( يحشرون حفاة عراة غرلا ) { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } ( عبس : 37 ) لا يذكر أحد أحدا عند الصحف ، وعند وزن الحسنات والسيئات ، وعن عبيد بن عمير يأتى بالرجل العظيم الأكول الشروب فلا يكون له وزن بعوضة . والقول الثاني : وهو قول مجاهد والضحاك والأعمش ، أن المراد من الميزان العدل والقضاء وكثير من المتأخرين ذهبوا إلى هذا القول ، وقالوا حمل لفظ الوزن على هذا المعنى سائغ في اللغة والدليل عليه فوجب المصير إليه . وأما بيان أن حمل لفظ الوزن على هذا المعنى جائز في اللغة ، فلأن العدل في الأخذ والإعطاء ، لا يظهر إلا بالكيل والوزن في الدنيا فلم يبعد جعل الوزن كناية عن العدل ، ومما يقوي ذلك أن الرجل إذا لم يكن له قدرة ولا قيمة عند غيره يقال : إن فلانا لا يقيم لفلان وزنا قال تعالى : { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } ( الكهف : 105 ) ويقال أيضا فلان استخف بفلان ، ويقال هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه / أي يعادله ويساويه مع أنه ليس هناك وزن في الحقيقة قال الشاعر : قد كنت قبل لقائكم ذا قوة عندي لكل مخاصم ميزانه أراد عندي لكل مخاصم كلام يعادل كلامه فجعل الوزن مثلا للعدل .

حصہ V14/P021–V14/P022

إذا ثبت هذا فنقول : وجب أن يكون المراد من هذه الآية هذا المعنى فقط والدليل عليه أن / الميزان ، إنما يراد ليتوصل به إلى معرفة مقدار الشيء ، ومقادير الثواب والعقاب لا يمكن إظهارها بالميزان ، لأن أعمال العباد أعراض وهي قد فنيت وعدمت ، ووزن المعدوم محال ، وأيضا فبتقدير بقائها كان وزنها محالا ، وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال . فنقول : المكلف يوم القيامة ، إما أن يكون مقرا بأنه تعالى عادل حكيم أو لا يكون مقرا بذلك فإن كان مقرا بذلك ، فحينئذ كفاه حكم الله تعالى بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب وإن لم يكن مقرا بذلك لم يعرف من رجحان كفة الحسنات على كفة السيئات أو بالعكس حصول الرجحان لاحتمال أنه تعالى أظهر ذلك الرجحان لا على سبيل العدل والإنصاف . فثبت أن هذا الوزن لا فائدة فيه ألبتة ، أجاب الأولون وقالوا إن جميع المكلفين يعلمون يوم القيامة أنه تعالى منزه عن الظلم والجور ، والفائدة في وضع ذلك الميزان أن يظهر ذلك الرجحان لأهل القيامة ، فإن كان ظهور الرجحان في طرف الحسنات ، ازداد فرحه وسروره بسبب ظهور فضله وكمال درجته لأهل القيامة وإن كان بالضد فيزداد غمه وحزنه وخوفه وفضيحته في موقف القيامة ، ثم اختلفوا في كيفية ذلك الرجحان ، فبعضهم قال يظهر هناك نور في رجحان الحسنات ، وظلمة في رجحان السيئات ، وآخرون قالوا بل بظهور رجحان في الكفة . المسألة الثالثة : الأظهر إثبات موازين في يوم القيامة لا ميزان واحد والدليل عليه قوله : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } ( الأنبياء : 47 ) وقال في هذه الآية : { فمن ثقلت موازينه } وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان ، ولأفعال الجوارح ميزان ، ولما يتعلق بالقول ميزان آخر . قال الزجاج : إنما جمع الله الموازين ههنا ، فقال : { فمن ثقلت موازينه } ولم يقل ميزانه لوجهين : الأول : أن العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد . فيقولون : خرج فلان إلى مكة على البغال . والثاني : أن المراد من الموازين ههنا جمع موزون لا جمع ميزان وأراد بالموازين الأعمال الموزونة ولقائل أن يقول هذان الوجهان يوجبان العدول عن ظاهر اللفظ ، وذلك إنما يصار إليه عند تعذر حمل الكلام على ظاهره ولا مانع ههنا منه فوجب إجراء اللفظ على حقيقته فكما لم يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة ، فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل . وأما قوله تعالى : { ومن خفت موازينه فأولائك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } . اعلم أن هذه الآية فيها مسائل : المسألة الأولى : أنها تدل على أن أهل القيامة فريقان منهم من يزيد حسناته على سيئاته ، ومنهم من يزيد سيئاته على حسناته ، فأما القسم الثالث وهو الذي تكون حسناته وسيئاته متعادلة متساوية / فإنه غير موجود .

حصہ V14/P022–V14/P023

المسألة الثانية : قال أكثر المفسرين المراد من قوله : { ومن خفت موازينه } الكافر والدليل عليه القرآن والخبر والأثر . أما القرآن فقوله تعالى : { فأولائك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } ولا معنى لكون الإنسان ظالما بآيات الله إلا كونه كافرا بها منكرا لها / فدل هذا على أن المراد من هذه الآية أهل الكفر ، وأما الخبر فما روي أنه إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجرته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك فمن أنت ؟ فيقول : ( أنا نبيك محمد وهذه صلاتك التي كنت تصلي علي قد وفيتك أحوج ما تكون إليها ) ، وهذا الخبر رواه الواحدي في ( البسيط ) ، وأما جمهور العلماء فرووا ههنا الخبر الذي ذكرناه من أنه تعالى يلقى في كفة الحسنات الكتاب المشتمل على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . قال القاضي : يجب أن يحمل هذا على أنه أتى بالشهادتين بحقهما من العبادات ، لأنه لو لم يعتبر ذلك لكان من أتى بالشهادتين يعلم أن المعاصي لا تضره ، وذلك إغراء بمعصية الله تعالى . ولقائل أن يقول : العقل يدل على صحة ما دل عليه هذا الخبر ، وذلك أن العمل كلما كان أشرف وأعلى درجة ، وجب أن يكون أكثر ثوابا ، ومعلوم أن معرفة الله تعالى ومحبته أعلى شأنا ، وأعظم درجة من سائر الأعمال ، فوجب أن يكون أوفى ثوابا ، وأعلى درجة من سائر الأعمال . وأما الأثر فلأن ابن عباس وأكثر المفسرين حملوا هذه الآية على أهل الكفر . وإذا ثبت هذا الأصل فنقول : إن المرجئة الذين يقولون المعصية لا تضر مع الإيمان تمسكوا بهذه الآية وقالوا إنه تعالى حصر أهل موقف القيامة في قسمين : أحدهما : الذين رجحت كفة حسناتهم وحكم عليهم بالفلاح . والثاني : الذين رجحت كفة سيئاتهم ، وحكم عليهم بأنهم أهل الكفر الذين كانوا يظلمون بآيات الله ، وذلك يدل على أن المؤمن لا يعاقب ألبتة . ونحن نقول في الجواب : أقصى ما في الباب أنه تعالى لم يذكر هذا القسم الثالث في هذه الآية إلا أنه تعالى ذكره في سائر الآيات فقال : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 116 ) والمنطوق راجح على المفهوم ، فوجب المصير إلى إثباته ، وأيضا فقال تعالى في هذا القسم : { فأولائك الذين خسروا أنفسهم } ونحن نسلم أن هذا لا يليق إلا بالكافر وأما العاصي المؤمن فإنه يعذب أياما ثم يعفى عنه ، ويتخلص إلى رحمة الله تعالى ، فهو في الحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة الله أبد الآباد من غير زوال وانقطاع . والله أعلم . ! 7 < { ولقد مكناكم فى الا رض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 10 ) ولقد مكناكم في . . . . . > > في الآية مسائل :

سوالات