Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
الحجة السابعة : وهي مبنية على القوانين العقلية الحكمية ، وهي أنا قد بينا أن جوهر الروح ليس من جنس الأجسام الكائنة الفاسدة المتعرضة للتفرق والتمزق ، بل هو من جنس جواهر الملائكة وسكان عالم السموات ونوع المقدسين المطهرين إلا أنه لما تعلق بهذا البدن واستغرق في تدبيره صار في ذلك الاستغراق إلى حيث نسي الوطن الأول والمسكن المتقدم وصار بالكلية متشبها بهذا الجسم الفاسد فضعفت قوته وذهبت مكنته ولم يقدر على شيء من الأفعال ، أما إذا استأنست بمعرفة الله ومحبته وقل انغماسها في تدبير هذا البدن ، وأشرقت عليها أنوار الأرواح السماوية العرشية المقدسة ، وفاضت عليها من تلك الأنوار قويت على التصرف في أجسام هذا العالم مثل قوة الأرواح الفلكية على هذه الأعمال ، وذلك هو الكرامات ، وفيه دقيقة أخرى وهي أن مذهبنا أن الأرواح البشرية مختلفة بالماهية ففيها القوية والضعيفة ، وفيها النورانية والكدرة ، وفيها الحرة والنذلة والأرواح الفلكية أيضا كذلك ، ألا ترى إلى جبريل كيف قال الله في وصفه : { إنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم أمين } ( التكوير : 19 20 ) وقال في قوم آخرين من الملائكة : { وكم من ملك فى السماوات لا تغنى شفاعتهم شيئا } ( النجم : 26 ) فكذا ههنا فإذا اتفق في نفس من النفوس كونها قوية ، القوة القدسية العنصرية مشرقة الجوهر علوية الطبيعة ، ثم انضاف إليها أنواع الرياضات التي تزيل عن وجهها غبرة عالم الكون والفساد أشرقت وتلألأت وقويت على التصرف في هيولي عالم الكون والفساد بإعانة نور معرفة الحضرة الصمدية وتقوية أضواء حضرة الجلال والعزة . ولنقبض ههنا عنان البيان فإن وراءها أسرارا دقيقة وأحوالا / عميقة من لم يصل إليها لم يصدق بها ، ونسأل الله الإعانة على إدراك الخيرات / واحتج المنكرون للكرامات بوجوه . الشبهة الأولى : وهي التي عليها يعولون وبها يضلون أن ظهور الخارق للعادة جعله الله دليلا على النبوة فلو حصل لغير نبي لبطلت هذه الدلالة لأن حصول الدليل مع عدم المدلول يقدح في كونه دليلا ، وذلك باطل . والشبهة الثانية : تمسكوا بقوله عليه السلام حكاية عن الله سبحانه : ( لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم ) قالوا : هذا يدل على أن التقرب إلى الله بأداء الفرائض أعظم من التقرب إليه بأداء النوافل ، ثم إن المتقرب إليه بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى أن لا يحصل له ذلك . الشبهة الثالثة : تمسكوا بقوله تعالى : { وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس } ( النحل : 7 ) والقول بأن الولي ينتقل من بلد إلى بلد بعيد لا على الوجه طعن في هذه الآية ، وأيضا أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يصل من مكة إلى المدينة إلا في أيام كثيرة مع التعب الشديد فكيف يعقل أن يقال أن الولي ينتقل من بلد نفسه إلى الحج في يوم واحد . الشبهة الرابعة : قالوا : هذا الولي الذي تظهر عليه الكرامات إذا ادعى على إنسان درهما فهل نطالبه بالبينة أم لا ؟ فإن طالبناه بالبينة كان عبثا لأن ظهور الكرامات عليه يدل على أنه لا يكذب ، ومع قيام الدليل القاطع كيف يطلب الدليل الظني ، وإن لم نطالبه بها فقد تركنا قوله عليه السلام : ( البينة على المدعي ) فهذا يدل على أن القول بالكرامة باطل . الشبهة الخامسة : إذا جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء جاز ظهورها على الباقين ، فإذا كثرت الكرامات حتى خرقت العادة جرت وفقا للعادة وذلك يقدح في المعجزة والكرامة . ( والجواب ) عن الشبهة الأولى : أن الناس اختلفوا في أنه هل يجوز للولي دعوى الولاية ؟
فقال قوم من المحققين : إن ذلك لا يجوز ، فعلى هذا القول يكون الفرق بين المعجزات والكرامات أن المعجزة تكون مسبوقة بدعوى النبوة والكرامة لا تكون مسبوقة بدعوى الولاية ، والسبب في هذا الفرق أن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا إلى الخلق ليصيروا دعاة للخلق من الكفر إلى الإيمان ومن المعصية إلى الطاعة فلو لم تظهر دعوى النبوة لم يؤمنوا به وإذا لم يؤمنوا به بقوا على الكفر وإذا ادعوا النبوة وأظهروا المعجزة آمن القوم بهم فإقدام الأنبياء على دعوى النبوة ليس الغرض منه تعظيم النفس بل المقصود منه إظهار الشفقة على الخلق حتى ينتقلوا من الكفر إلى الإيمان ، أما ثبوت الولاية للولي فليس الجهل بها كفرا ولا معرفتها إيمانا فكان دعوى الولاية طلبا لشهوة النفس ، فعلمنا أن النبي يجب عليه إظهار دعوى النبوة والولي لا يجوز له دعوى الولاية فظهر الفرق ؛ أما الذين قالوا : يجوز للولي دعوى الولاية فقد ذكروا الفرق بين المعجزة والكرامة من وجوه : الأول : أن ظهور الفعل الخارق للعادة يدل على كون ذلك الإنسان مبرءا عن المعصية ، ثم إن اقترن هذا الفعل بادعاء النبوة دل على كونه صادقا في دعوى النبوة ، وإن اقترن بادعاء الولاية دل على كونه صادقا في دعوى الولاية ، وبهذا / الطريق لا يكون ظهور الكرامة على الأولياء طعنا في معجزات الأنبياء عليهم السلام . الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعي المعجزة ويقطع بها ، والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها لأن المعجزة يجب ظهورها ، أما الكرامة ( ف ) لا يجب ظهورها . الثالث : أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة . الرابع : أنا لا نجوز ظهور الكرامة على الولي عند ادعاء الولاية إلا إذا أقر عند تلك الدعوى بكونه على دين ذلك النبي ومتى كان الأمر كذلك صارت تلك الكرامة معجزة لذلك النبي ومؤكدة لرسالته وبهذا التقدير لا يكون ظهور الكرامة طاعنا في نبوة النبي بل يصير مقويا لها . ( والجواب ) عن الشبهة الثانية : أن التقرب بالفرائض وحدها أكمل من التقرب بالنوافل ؛ أما الولي فإنما يكون وليا إذا كان آتيا بالفرائض والنوافل ، ولا شك أنه يكون حاله أتم من حال من اقتصر على الفرائض فظهر الفرق . ( والجواب ) على الشبهة الثالثة : أن قوله تعالى : { وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس } محمول على المعهود المتعارف ، وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة عن ذلك العموم . وهذا هو ( الجواب ) عن الشبهة الرابعة وهي التمسك بقوله عليه السلام البينة على المدعي . ( والجواب ) عن الشبهة الخامسة أن المطيعين فيهم قلة كما قال تعالى : { وقليل من عبادى الشكور } ( سبأ : 13 ) وكما قال إبليس : { ولا تجد أكثرهم شاكرين } ( الأعراف : 17 ) وإذا حصلت القلة فيهم لم يكن ما يظهر عليهم من الكرامات في الأوقات النادرة قادحا في كونها على خلاف العادة .
المسألة السابعة : في الفرق بين الكرامات والاستدراج ، اعلم أن من أراد شيئا فأعطاه الله مراده لم يدل ذلك على كون ذلك العبد وجيها عند الله تعالى سواء كانت العطية على وفق العادة أو لم تكن على وفق العادة بل قد يكون ذلك إكراما للعبد وقد يكون استدراجا له ولهذا الاستدراج أسماء كثيرة من القرآن ، أحدها : الاستدراج قال الله تعالى : { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } ( الأعراف : 182 ) ومعنى الاستدراج أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وجهله وعناده فيزداد كل يوم بعدا من الله وتحقيقه أنه ثبت في العلوم العقلية أن تكرر الأفعال سبب لحصول الملكة الراسخة فإذا مال قلب العبد إلى الدنيا ثم أعطاه الله مراده فحينئذ يصل الطالب إلى المطلوب وذلك يوجب حصول اللذة وحصول اللذة يزيد في الميل وحصول الميل يوجب مزيد السعي ولا يزال يتأدى كل واحد منهما إلى الآخر وتتقوى كل واحدة من هاتين الحالتين درجة فدرجة ومعلوم أن الاشتغال بهذه اللذات العاجلة مانع عن مقامات المكاشفات ودرجات المعارف فلا جرم يزداد بعده عن الله درجة فدرجة إلى أن يتكامل فهذا هو الاستدراج . وثانيها : المكر قال تعالى : { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } ( الأعراف : 99 ) ، { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } ( آل عمران : 54 ) وقال : { ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون } ( النمل : 50 ) . وثالثها : الكيد قال تعالى : { يخادعون الله وهو خادعهم } ( النساء : 142 ) وقال : { يخادعون الله والذين ءامنوا وما يخدعون إلا أنفسهم } ( البقرة : 9 ) . ورابعها : الإملاء قال تعالى : { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خيرا لانفسهم إنما نملى لهم ليزدادوا إثما } ( آل عمران : 178 ) . وخامسها : / الإهلاك قال تعالى : { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم } ( الأنعام : 44 ) وقال في فرعون : { واستكبر هو وجنوده فى الارض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم } ( القصص : 39 ، 40 ) فظهر بهذه الآيات أن الإيصال إلى المرادات لا يدل على كمال الدرجات والفوز بالخيرات بقي علينا أن نذكر الفرق بين الكرامات وبين الاستدراجات . فنقول : إن صاحب الكرامة لا يستأنس بتلك الكرامة بل عند ظهور الكرامة يصير خوفه من الله تعالى أشد وحذره من قهر الله أقوى فإنه يخاف أن يكون ذلك من باب الاستدراج / وأما صاحب الاستدراج فإنه يستأنس بذلك الذي يظهر عليه ويظن أنه إنما وجد تلك الكرامة لأنه كان مستحقا لها وحينئذ يستحقر غيره ويتكبر عليه ويحصل له أمن من مكر الله وعقابه ولا يخاف سوء العاقبة فإذا ظهر شيء من هذه الأحوال على صاحب الكرامة دل ذلك على أنها كانت استدراجا لا كرامة . فلهذا المعنى قال المحققون : أكثر ما اتفق من الانقطاع عن حضرة الله إنما وقع في مقام الكرامات فلا جرم ترى المحققين يخافون من الكرامات كما يخافون من أنواع البلاء . والذي يدل على أن الاستئناس بالكرامة قاطع عن الطريق وجوه :
الحجة الأولى : أن هذا الغرور إنما يحصل إذا اعتقد الرجل أنه مستحق لهذ الكرامة لأن بتقدير أن لا يكون مستحقا لها امتنع حصول الفرح بها بل يجب أن يكون فرحه بكرم المولى وفضله أكبر من فرحه بنفسه فثبت أن الفرح بالكرامة أكثر من فرحه بنفسه وثبت أن الفرح بالكرامة لا يحصل إلا إذا اعتقد أنه أهل ومستحق لها وهذا عين الجهل لأن الملائكة قالوا : { لا علم لنا إلا ما علمتنا } ( البقرة : 32 ) وقال تعالى : { وما قدروا الله حق قدره } ( الأنعام : 91 ) وأيضا قد ثبت بالبرهان اليقيني أنه لا حق لأحد من الخلق على الحق فكيف يحصل ظن الاستحقاق . الحجة الثانية : أن الكرامات أشياء مغايرة للحق سبحانه فالفرح بالكرامة فرح بغير الحق والفرح بغير الحق حجاب عن الحق والمحجوب عن الحق كيف يليق به الفرح والسرور . الحجة الثالثة : أن من اعتقد في نفسه أنه صار مستحقا للكرامة بسبب عمله حصل لعمله وقع عظيم في قلبه ومن كان لعمله وقع عنده كان جاهلا ولو عرف ربه لعلم أن كل طاعات الخلق في جنب جلال الله تقصير وكل شكرهم في جنب آلائه ونعمائه قصور وكل معارفهم وعلومهم فهي في مقابلة عزته حيرة وجهل . رأيت في بعض الكتب أنه قرأ المقرىء في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق قوله تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } ( فاطر : 10 ) فقال علامة أن الحق رفع عملك أن لا يبقى ( ذكره ) عندك فإن بقي عملك في نظرك فهو مدفوع وإن لم يبق معك فهو مرفوع مقبول . الحجة الرابعة : أن صاحب الكرامة إنما وجد الكرامة لإظهار الذل والتواضع في حضرة الله فإذا ترفع وتجبر وتكبر بسبب تلك الكرامات فقد بطل ما به وصل إلى الكرامات فهذا طريق ثبوته يؤديه إلى عدمه فكان مردودا ولهذا المعنى لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مناقب نفسه / وفضائلها كان يقول في آخر كل واحد منها ولا فخر يعني لا أفتخر بهذه الكرامات وإنما أفتخر بالمكرم والمعطي . الحجة الخامسة : أن ظاهر الكرامات في حق إبليس وفي حق بلعام كان عظيما ثم قيل لإبليس وكان من الكافرين وقيل لبلعام فمثله كمثل الكلب وقيل لعلماء بني إسرائيل : { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا } ( الجمعة : 5 ) وقيل أيضا في حقهم : { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } ( آل عمران : 19 ) فبين أن وقوعهم في الظلمات والضلالات كان بسبب فرحهم بما أوتوا من العلم والزهد . الحجة السادسة : أن الكرامة غير المكرم وكل ما هو غير المكرم فهو ذليل وكل من تعزز بالذليل فهو ذليل ، ولهذا المعنى قال الخليل صلوات الله عليه : أما إليك فلا ، فالاستغناء بالفقير فقر والتقوي بالعاجز عجز والاستكمال بالناقص نقصان والفرح بالمحدث بله والإقبال بالكلية على الحق خلاص ، فثبت أن الفقير إذا ابتهج بالكرامة سقط عن درجته . أما إذا كان لا يشاهد في الكرامات إلا المكرم ولا في الإعزاز إلا المعز ولا في الخلق إلا الخالق فهناك يحق الوصول . الحجة السابعة : أن الافتخار بالنفس وبصفاتها من صفات إبليس وفرعون ، قال إبليس : { أنا خير منه } ( الأعراف : 12 ) وقال فرعون : { أليس لى ملك مصر } ( الزخرف : 51 ) وكل من ادعى الإلهية أو النبوة بالكذب فليس له غرض إلا تزيين النفس وتقوية الحرص والعجب ولهذا قال عليه السلام : ( ثلاث مهلكات ، وختمها بقوله : وإعجاب المرء بنفسه ) .
الحجة الثامنة : أنه تعالى قال : { فخذ ما ءاتيتك وكن من الشاكرين } ( الأعراف : 144 ) { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ( الحجر : 99 ) فلما أعطاه الله العطية الكبرى أمره بالاشتغال بخدمة المعطى لا بالفرح بالعطية . الحجة التاسعة : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خيره الله بين أن يكون ملكا نبيا وبين أن يكون عبدا نبيا ترك الملك ، ولا شك أن وجدان الملك الذي يعم المشرق والمغرب من الكرامات بل من المعجزات ثم إنه صلى الله عليه وسلم ترك ذلك الملك واختار العبودية لأنه إذا كان عبدا كان افتخاره بمولاه وإذا كان ملكا كان افتخاره بعبيده ، فلما اختار العبودية لا جرم جعل السنة التي في التحيات التي رواها ابن مسعود ( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) وقيل في المعراج : { سبحان الذى أسرى بعبده } ( الإسراء : 1 ) . الحجة العاشرة : أن محب المولى غير ، ومحب ما للمولى غير ، فمن أحب المولى لم يفرح بغير المولى ولم يستأنس بغير المولى ، فالاستئناس بغير المولى والفرح بغيره يدل على أنه ما كان محبا للمولى بل كان محبا لنصيب نفسه ونصيب النفس إنما يطلب للنفس فهذا الشخص ما أحب إلا نفسه . وما كان المولى محبوبا له بل جعل المولى وسيلة إلى تحصيل ذلك المطلوب . والصنم الأكبر هو النفس كما قال تعالى : { أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه } ( الجاثية : 23 ) فهذا الإنسان عابد للصنم الأكبر / حتى أن المحققين قالوا لا مضرة في عبادة شيء من الأصنام مثل المضرة الحاصلة في عبادة النفس ولا خوف من عبادة الأصنام كالخوف من الفرح بالكرامات . الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه } وهذا يدل على أن من لم يتق الله ولم يتوكل عليه لم يحصل له شيء من هذه الأفعال والأحوال . المسألة الثامنة : في أن الولي هل يعرف كونه وليا ، قال الأستاذ أبو بكر بن فورك لا يجوز وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري يجوز ، وحجة المانعين وجوه : الحجة الأولى : لو عرف الرجل كونه وليا لحصل له الأمن بدليل قوله تعالى : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } لكن حصول الأمن غير جائز ويدل عليه وجوه : أحدها : قوله مالي : { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } واليأس أيضا غير جائز لقوله تعالى : { يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تايئسوا من } ولقوله تعالى : { ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون } والمعنى فيه أن الأمن لا يحصل إلا عند اعتقاد العجز ، واليأس لا يحصل إلا عند اعتقاد البخل واعتقاد العجز والبخل في حق الله كفر ، فلا جرم كان حصول الأمن والقنوط كفرا . الثاني : أن الطاعات وإن كثرت إلا أن قهر الحق أعظم ومع كون القهر غالبا لا يحصل الأمن . الثالث : أن الأمن يقتضي زوال العبودية وترك الخدمة والعبودية يوجب العداوة والأمن يقتضي ترك الخوف . الرابع : أنه تعالى وصف المخلصين بقوله : { ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } قيل رغبا في ثوابنا / ورهبا من عقابنا . وقيل : رغبا في فضلنا ، ورهبا من عدلنا . وقيل رغبا في وصالنا ، ورهبا من فراقنا . والأحسن أن يقال رغبا فينا ، ورهبا منا .
الحجة الثانية : على أن الولي لا يعرف كونه وليا ، أن الولي إنما يصير وليا لأجل أن الحق يحبه لا لأجل أنه يحب الحق ، وكذلك القول في العدو ، ثم إن محبة الحق وعداوته سران لا يطلع عليهما أحد فطاعات العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأن الطاعات والمعاصي محدثة ، وصفات الحق قديمة غير متناهية ، والمحدث المتناهي لا يصير غالبا للقديم غير المتناهي . وعلى هذا التقدير فربما كان العبد في الحال في عين المعصية إلا أن نصيبه من الأزل عين المحبة . وربما كان العبد في الحال في عين الطاعة ولكن نصيبه من الأزل عين العداوة وتمام التحقيق أن محبته وعداوته صفة ، وصفة الحق غير معللة ، ومن كانت محبته لا لعلة ، فإنه يمتنع أن يصير عدوا بعلة المعصية ، ومن كانت عدواته لا لعلة يمتنع أن يصير محبا لعلة الطاعة ، ولما كانت محبة الحق وعداوته سرين لا يطلع عليهما لا جرم قال عيسى عليه السلام : { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك إنك أنت علام الغيوب } . الحجة الثالثة : على أن الولي لا يعرف كونه وليا ؛ أن الحكم بكونه وليا وبكونه من أهل / الثواب والجنة يتوقف على الخاتمة ، والدليل عليه قوله تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ولم يقل من عمل حسنة فله عشر أمثالها ، وهذا يدل على أن استحقاق الثواب مستفاد من الخاتمة لا من أول العمل ، والذي يؤكد ذلك أنه لو مضى عمره في الكفر ثم أسلم في آخر الأمر كان من أهل الثواب وبالضد ، وهذا دليل على أن العبرة بالخاتمة لا بأول العمل ، ولهذا قال تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } فثبت أن العبرة في الولاية والعداوة وكونه من أهل الثواب أو من أهل العقاب بالخاتمة ، فظهر أن الخاتمة غير معلومة لأحد ، فوجب القطع بأن الولي لا يعلم كونه وليا ، أما الذين قالوا إن الولي قد يعرف كونه وليا فقد احتجوا على صحة قولهم بأن الولاية لها ركنان . أحدهما : كونه في الظاهر منقادا للشريعة . الثاني : كونه في الباطن مستغرقا في نور الحقيقة ، فإذا حصل الأمران وعرف الإنسان حصولهما عرف لا محالة كونه وليا ، أما الانقياد في الظاهر للشريعة فظاهر ، وأما استغراق الباطن في نور الحقيقة فهو أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله ، وأن لا يكون له استقرار مع شيء سوى الله . والجواب : أن تداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة غامضة والقضاء عسر ، والتجربة خطر ، والجزم غرور . ودون الوصول إلى عالم الربوبية أستار ، تارة من النيران ، وأخرى من الأنوار ، والله العالم بحقائق الأسرار ، ولنرجع إلى التفسير . ! 7 < { نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية ءامنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والا رض لن ندعوا من دونه إلاها لقد قلنا إذا شططا هاؤلاء قومنا اتخذوا من دونه ءالهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } > 7 < الكهف : ( 13 - 15 ) نحن نقص عليك . . . . . > >
اعلم أنه تعالى ذكر من قبل جملة من واقعتهم ثم قال : { نحن نقص عليك نبأهم بالحق } أي على وجه الصدق : { نحن نقص عليك نبأهم } كانوا جماعة من الشبان آمنوا بالله ، ثم قال تعالى في صفاتهم : { وربطنا على قلوبهم } أي ألهمناها الصبر وثبتناها : { إذ قاموا } وفي هذا القيام أقوال : الأول : قال مجاهد كانوا عظماء مدينتهم فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد ، فقال رجل منهم أكبر القوم إني لأجد / في نفسي شيئا ما أظن أن أحدا يجده ، قالوا ما تجد ؟ قال أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض . القول الثاني : أنهم قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس الجبار ، وقالوا : ربنا رب السموات والأرض ، وذلك لأنه كان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت ، فثبت الله هؤلاء الفتية ، وعصمهم حتى عصوا ذلك الجبار ، وأقروا بربوبية الله ، وصرحوا بالبراءة عن الشركاء والأنداد . والقول الثالث : وهو قول عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم وهذا بعيد لأن الله استأنف قصتهم بقوله : { نحن نقص عليك } وقوله : { لقد قلنا إذا شططا } معنى الشطط في اللغة مجاوزة الحد ، قال الفراء يقال قد أشط في السوم إذ جاوز الحد ولم يسمع إلا أشط يشط أشطاطا وشططا ، وحكى الزجاج وغيره شط الرجل وأشط إذا جاوز الحد ، ومنه قوله : { ولا تشطط } ( ص : 22 ) وأصل هذا من قولهم شطت الدار إذا بعدت ، فالشطط البعد عن الحق ، وهو ههنا منصوب على المصدر ، والمعنى لقد قلنا إذا قولا شططا ، أما قوله : { هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه ءالهة } هذا من قول أصحاب الكهف ويعنون الذين كانوا في زمان دقيانوس عبدوا الأصنام { لولا يأتون لولا يأتون عليهم بسلطان بين } بحجة بينة ، ومعنى عليهم أي على عبادة الآلهة ، ومعنى الكلام أن عدم البينة بعدم الدلائل على ذلك لا يدل على عدم المدلول ، ومن الناس من يحتج بعدم الدليل على عدم المدلول ويستدل على صحة هذه الطريقة بهذه الآية . فقال إنه تعالى استدل على عدم الشركاء والأضداد بعدم الدليل عليها فثبت أن الاستدلال بعدم الدليل على عدم المدلول طريقة قوية ، ثم قال : { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } يعني أن الحكم بثبوت الشيء مع عدم الدليل عليه ظلم وافتراء على الله وكذب عليه ، وهذا من أعظم الدلائل على فساد القول بالتقليد . ! 7 < { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيىء لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم فى فجوة منه ذالك من ءايات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا } > 7 < الكهف : ( 16 - 17 ) وإذ اعتزلتموهم وما . . . . . > >
اعلم أن المراد أنه قال بعضهم لبعض : { وإذا اعتزلتموهم } واعتزلتم الشيء الذي يعبدونه إلا الله فإنكم لم تعتزلوا عبادة الله : { فأووا إلى الكهف } قال الفراء هو جواب إذ كما تقول إذ فعلت كذا فافعل كذا ، ومعناه : إذهبوا إليه واجعلوه مأواكم : { ينشر لكم ربكم من رحمته } أي يبسطها عليكم : { ويهيىء لكم من أمركم مرفقا } قرأن افع وابن عامر وعاصم في رواية مرفقا بفتح الميم وكسر الفاء والباقون مرفقا بكسر الميم وفتح الفاء ، قال الفراء : وهما لغتان واشتقاقهما من الإرتفاق ، وكان الكسائي ينكر في مرفق الإنسان الذي في اليد إلا كسر الميم وفتح الفاء ، والفراء يجيزه في الأمر وفي اليد وقيل هما لغتان إلا أن الفتح أقيس والكسر أكثر وقيل المرفق ما ارتفقت به ، والمرفق بالفتح المرافق ثم قال تعالى : { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال } وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ ابن عامر تزور ساكنة الزاي المعجمة مشددة الراء مثل تحمر ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي تزاور بالألف والتخفيف والباقون تزاور بالتشديد والألف والكل بمعنى واحد ، والتزاور هو الميل والانحراف ، ومنه زاره إذا مال إليه والزور الميل عن الصدق ، وأما التشديد فأصله تتزاور سكنت التاء الثانية وأدغمت في الزاي ، وأما التخفيف فهو تفاعل من الزور وأما تزور فهو من الإزورار . البحث الثاني : قوله : { وترى الشمس } أي أنت أيها المخاطب ترى الشمس عند طلوعها تميل عن كهفهم وليس المراد أن من خوطب بهذا يرى هذا المعنى ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو ، ومعناه أنك لو رأيته على هذه الصورة . البحث الثالث : قوله : { ذات اليمين } أي جهة اليمين وأصله أن ذات صفة أقيمت مقام الموصوف لأنها تأنيث ذو في قولهم رجل ذو مال ، وامرأة ذات مال ، والتقدير كأنه قيل تزاور عن كهفهم جهة ذات اليمين ، وأما قوله : { وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال } ففيه بحثان : البحث الأول : قال الكسائي قرضت المكان أي عدلت عنه وقال أبو عبيدة القرض في أشياء فمنها القطع ، وكذلك السير في البلاد أي إذا قطعها . تقول لصاحبك هل وردت مكان كذا فيقول المجيب إنما قرضته فقوله : { تقرضهم ذات الشمال } أي تعدل عن سمت رؤوسهم إلى جهة الشمال .
البحث الثاني : للمفسرين ههنا قولان : القول الأول : أن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف وإذا غربت كانت على شماله فضوء / الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف ، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل ، والمقصود أن الله تعالى صان أصحاب الكهف من أن يقع عليهم ضوء الشمس وإلا لفسدت أجسامهم فهي مصونة عن العفونة والفساد . والقول الثاني : أنه ليس المراد ذلك ، وإنما المراد أن الشمس إذا طلعت منع الله ضوء الشمس من الوقوع . وكذا القول حال غروبها / وكان ذلك فعلا خارقا للعادة وكرامة عظيمة خص الله بها أصحاب الكهف ، وهذا قول الزجاج واحتج على صحته بقوله : { ذالك من آيات الله } قال ولو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول الأول لكان ذلك أمرا معتادا مألوفا فلم يكن ذلك من آيات الله ، وأما إذا حملنا الآية على هذا الوجه الثاني كان ذلك كرامة عجيبة فكانت من آيات الله ، واعلم أنه تعالى أخبر بعد ذلك أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم فيه برد الريح ونسيم الهواء ، قال : { وهم فى فجوة منه } أي من الكهف ، والفجوة متسع في مكان ، قال أبو عبيدة وجمعها فجوات ، ومنه الحديث : ( فإذا وجد فجوة نص ) ثم قال تعالى : { ذالك من آيات الله } وفيه قولان الذين قالوا إنه يمنع وصول ضوء الشمس بقدرته قالوا المراد من قوله ذلك أي ذلك التزاور والميل ، والذين لم يقولوا به قالوا المراد بقوله ذلك أي ذلك الحفظ الذي حفظهم الله في الغار تلك المدة الطويلة ، من آيات الله الدالة على عجائب قدرته وبدائع حكمته ، ثم بين تعالى أنه كما أن بقاءهم هذه المدة الطويلة مصونا عن الموت والهلاك من تدبيراته ولطفه وكرمه ، فكذلك رجوعهم أولا عن الكفر ورغبتهم في الإيمان كان بإعانة الله ولطفه فقال : { من يهد الله فهو المهتد } مثل أصحاب الكهف : { ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا } كدقيانوس الكافر وأصحابه ، ومناظرات أهل الجبر والقدر في هذه الآية معلومة . ! 7 < { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا } > 7 ! < < الكهف : ( 18 ) وتحسبهم أيقاظا وهم . . . . . > > اعلم أن معنى قوله : { وتحسبهم } على ما ذكرناه في قوله : { وترى الشمس } أي لو رأيتهم لحسبتهم { أيقاظا } وهو جمع يقظ ويقظان قاله الأخفش وأبو عبيدة والزجاج وأنشدوا لرؤبة : ووجدوا إخوانهم أيقاظا
/ ومثله قوله نجد ونجدان وأنجاد ، وهم رقود أي نائمون وهو مصدر سمي المفعول به كما يقال قوم ركوع وقعود وسجود يوصف الجمع بالمصدر ، ومن قال إنه جمع راقد فقد أبعد لأنه لم يجمع فاعل على فعول ، قال الواحدي : وإنما يحسبون { أيقاظا } لأن أعينهم مفتحة وهم نيام وقال الزجاج لكثرة تقلبهم يظن أنهم أيقاظ ، والدليل عليه قوله تعالى : { ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } واختلفوا في مقدار مدة التقليب فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن لهم في كل عام تقليبتين وعن مجاهد يمكثون على أيمانهم تسع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقودا تسع سنين وقيل لهم تقليبة واحدة في يوم عاشوراء . وأقول هذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها ، ولفظ القرآن لا يدل عليه ، وما جاء فيه خبر صحيح فكيف يعرف ؟ وقال ابن عباس رضي الله عنهما فائدة تقليبهم لئلا تأكل الأرض لحومهم ولا تبليهم . وأقول هذا عجيب لأنه تعالى لما قدر على أن يمسك حياتهم مدة ثلثمائة سنة وأكثر فلم لا يقدر على حفظ أجسادهم أيضا من غير تقليب ؟ وقوله : { ذات } منصوبة على الظرف لأن المعنى { نقلبهم } في ناحية { عن اليمين } أو على ناحية { اليمين } كما قلنا في قوله : { تزاور عن كهفهم ذات اليمين } وقوله : { وكلبهم باسط ذراعيه } قال ابن عباس وأكثر المفسرين قالوا إنهم هربوا ليلا من ملكهم ، فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه ، وقال كعب مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا مرارا ، فقال لهم الكلب ما تريدون مني لا تخشوا جانبي أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم ، وقال عبيد بن عمير كان ذلك كلب صيدهم ومعنى : { باسط ذراعيه } أي يلقيهما على الأرض مبسوطتين غير مقبوضتين ، ومنه الحديث في الصلاة : ( أنه نهى عن افتراش السبع ) وقال : ( لا تفترش ذراعيك افتراش السبع ) قوله : { بالوصيد } يعني فناء الكهف قال الزجاج الوصيد فناء البيت وفناء الدار وجمعه وصائد ووصد ، وقال يونس والأخفش والفراء الوصيد والأصيد لغتان مثل الوكاف والإكاف ، وقال السدي : { الوصيد } الباب والكهف لا يكون له باب ولا عتبة وإنما أراد أن الكلب منه بموضع العتبة من البيت ، ثم قال : { بالوصيد لو اطلعت عليهم } أي أشرفت عليهم يقال اطلعت عليهم أي أشرفت عليهم ، ويقال أطلعت فلانا على الشيء فاطلع وقوله : { لوليت منهم فرارا } قال الزجاج قوله : { فرارا } منصوب على المصدر لأن معنى وليت منهم فررت : { ولملئت منهم رعبا } أي فزعا وخوفا قيل في التفسير طالت شعورهم وأظفارهم وبقيت أعينهم مفتوحة وهم نيام ، فلهذا السبب لو رآهم الرائي لهرب منهم مرعوبا ، وقيل : إنه تعالى جعلهم بحيث كل من رآهم فزع فزعا شديدا ، فأما تفصيل سبب الرعب فالله أعلم به . وهذا هو الأصح وقوله : { ولملئت منهم رعبا } قرأ نافع وابن كثير لملئت بتشديد اللام والهمزة والباقون بتخفيف اللام ، وروى عن ابن كثير بالتخفيف والمعنى واحد إلا أن في التشديد مبالغة / قال الأخفش الخفيفة أجود في كلام العرب ، يقال : ملأتني رعبا ، ولا يكادون يعرفون ملأتني ، ويدل على هذا أكثر استعمالهم كقوله : / فيملأ بيتنا أقطا وسمنا وقول الآخر : ومن مالىء عينيه من شيء غيره إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى وقال الآخر : لا تملأ الدلو وعرق فيها وقال الآخر : امتلأ الحوض وقال قطني وقد جاء التثقيل أيضا ، وأنشدوا للمخبل السعدي : وإذا قتل النعمان بالناس محرما فملأ من عوف بن كعب سلاسله وقرأ ابن عامر والكسائي رعبا بضم العين في جميع القرآن والباقون بالإسكان .
! 7 < { وكذالك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هاذه إلى المدينة فلينظر أيهآ أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم فى ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا } > 7 < الكهف : ( 19 - 20 ) وكذلك بعثناهم ليتساءلوا . . . . . > >
اعلم أن التقدير وكما : { زدناهم هدى وربطنا على قلوبهم فضربنا علىءاذانهم } وأنمناهم وأبقيناهم أحياء لا يأكلون ولا يشربون ونقلبهم فكذلك بعثناهم أي أحييناهم من تلك النومة التي تشبه الموت ليتساءلوا بينهم تساءل تنازع واختلاف في مدة لبثهم ، فإن قيل : هل يجوز أن يكون الغرض من بعثهم أن يتساءلوا ويتنازعوا ؟ قلنا : لا يبعد ذلك لأنهم إذا تساءلوا انكشف لهم من قدرة الله تعالى أمور عجيبة وأحوال غريبة ، وذلك الانكشاف أمر مطلوب لذاته . ثم قال تعالى : / { قال قائل منهم كم } أي كم مقدار لبثنا في هذا الكهف : { لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } قال المفسرون إنهم دخلوا الكهف غدوة وبعثهم الله في آخر النهار ، فلذلك قالوا لبثنا يوما فلما رأوا الشمس باقية قالوا أو بعض يوم ، ثم قال تعالى : { قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } ، قال ابن عباس هو رئيسهم يمليخا رد علم ذلك إلى الله تعالى لأنه لما نظر إلى أشعارهم وأظفارهم وبشرة وجوههم رأى فيها آثار التغير الشديد فعلم أن مثل ذلك التغير لا يحصل إلا في الأيام الطويلة . ثم قال : { فابعثوا أحدكم بورقكم هاذه إلى المدينة } قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم بورقكم ساكنة الراء مفتوحة الواو ومنهم من قرأ ( ها ) مكسورة الواو ساكنة الراء وقرأ ابن كثير بورقكم بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف وعن ابن محيصن أنه كسر الواو وأسكن الراء وأدغم القاف في الكاف ، وهذا غير جائز لالتقاء الساكنين على هذه ، والورق اسم للفضة سواء كانت مضروبة أم لا ، ويدل عليه ما روى أن عرفجة اتخذ أنفا من ورق ، وفيه لغات ورق وورق وورق مثل كبد وكبد وكبد ، ذكره الفراء والزجاج قال الفراء وكسر الواو أردؤها . ويقال أيضا للورق الرقة ، قال الأزهري أصله ورق مثل صلة وعدة ، قال المفسرون كانت معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم يعني بالمدينة التي يقال لها اليوم طرسوس ، وهذه الآية تدل على أن السعي في إمساك الزاد أمر مهم مشروع وأنه لا يبطل التوكل وقوله : { فلينظر أيها أزكى طعاما } . قال ابن عباس : يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوسا وفيهم قوم يخفون إيمانهم .
وقال مجاهد : كان ملكهم ظالما فقولهم : { أزكى طعاما } يريدون أيها أبعد عن الغضب ، وقيل أيها أطيب وألذ ، وقيل أيها أرخص ، قال الزجاج : قوله : { أيها } رفع بالابتداء ، و { أزكى } خبره و { طعاما } نصب على التمييز ، وقوله : { وليتلطف } أي يكون ذلك في سر وكتمان يعني دخول المدينة وشراء الطعام { ولا يشعرن بكم أحدا } أي لا يخبرن بمكانكم أحدا من أهل المدينة : { إنهم إن يظهروا عليكم } أي يطلعوا ويشرفوا على مكانكم أو على أنفسكم من قولهم : ظهرت على فلان إذا علوته وظهرت على السطح إذا صرت فوقه ، ومنه قوله تعالى : { فأصبحوا ظاهرين } ( الصف : 14 ) أي عالين ، وكذلك قوله : { ليظهره على الدين كله } ( التوبة : 33 ) أي ليعليه وقوله : { يرجموكم } يقتلوكم ، والرجم بمعنى القتل كثير في التنزيل كقوله : { ولولا رهطك لرجمناك } ( هود : 91 ) وقوله : { أن ترجمون } ( الدخان : 20 ) وأصله الرمي ، قال الزجاج : أي يقتلوكم بالرجم ، والرجم أخبث أنواع القتل : { أو يعيدوكم فى ملتهم } أي يردوكم إلى دينهم { ولن تفلحوا إذا أبدا } أي إذا رجعتم إلى دينهم لن تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة قال الزجاج قوله : { إذا أبدا } يدل على الشرط أي ولن تفلحوا إن رجعتم إلى ملتهم أبدا ، قال القاضي : ما على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين فأحدهما فيه هلاك النفس وهو الرجم الذي هو أخبث أنواع القتل ، والآخر هلاك الدين بأن يردوا إلى الكفر ، فإن قيل : أليس أنهم لو أكرهوا على الكفر حتى إنهم أظهروا الكفر لم يكن عليهم مضرة فكيف قالوا : { ولن تفلحوا إذا أبدا } / قلنا يحتمل أن يكون المراد أنهم لو ردوا هؤلاء المسلمين إلى الكفر على سبيل الإكراه بقوا مظهرين لذلك الكفر مدة فإنه يميل قلبهم إلى ذلك الكفر ويصيرون كافرين في الحقيقة ، فهذا الاحتمال قائم فكان خوفهم منه ، والله أعلم .
! 7 < { وكذالك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربىأعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا } > 7 < الكهف : ( 21 - 22 ) وكذلك أعثرنا عليهم . . . . . > >
اعلم أن المعنى كما زدناهم هدى وربطنا على قلوبهم وأنمناهم وقلبناهم وبعثناهم لما فيها من الحكم الظاهرة ، فكذلك أعثرنا عليهم أي أطلعنا غيرهم على أحوالهم يقال عثرت على كذا أي علمته وقالو : إن أصل هذا أن من كان غافلا عن شيء فعثر به نظر إليه فعرفه ، فكان العثار سببا لحصول العلم والتبين فأطلق اسم السبب على المسبب واختلفوا في السبب الذي لأجله عرف الناس واقعة أصحاب الكهف على وجهين : الأول : أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولا مخالفا للعادة وظهرت في بشرة وجوههم آثار عجيبة تدل على أن مدتهم قد طالت طولا خارجا عن العادة . والثاني : أن ذلك الرجل لما دخل إلى لسوق ليشتري الطعام وأخرج الدراهم لثمن الطعام قال صاحب الطعام : هذه النقود غير موجودة في هذا اليوم . وإنها كانت موجودة قبل هذا الوقت بمدة طويلة ودهر داهر فلعلك وجدت كنزا ، واختلف الناس فيه وحملوا ذلك الرجل إلى ملك البلد فقال الملك من أين وجدت هذه الدراهم ؟ فقال : بعت بها أمس شيئا من التمر ، وخرجنا فرارا من / الملك دقيانوس فعرف ذلك الملك أنه ما وجد كنزا وأن الله بعثه بعد موته ثم قال تعالى : { ليعلموا أن وعد الله حق } يعني أنا إنما أطلعنا القوم على أحوالهم ليعلم القوم أن وعد الله حق بالبعث والحشر والنشر روى أن ملك ذلك الوقت كان ممن ينكر البعث إلا أنه كان مع كفرة منصفا فجعل الله أمر الفتية دليلا للملك ، وقيل بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم : الجسد والروح يبعثان جميعا ، وقال آخرون : الروح تبعث ، وأما الجسد فتأكله الأرض . ثم إن ذلك الملك كان يتضرع إلى الله أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في هذه المسألة فأطلعه الله تعالى على أمر أصحاب أهل الكهف . فاستدل ذلك الملك بواقعتهم على صحة البعث للأجساد ، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث فقوله : { إذ يتنازعون بينهم } متعلق باعثرنا أي أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم . واختلفوا في المراد بهذا التنازع فقيل كانوا يتنازعون في صحة البعث ، فالقائلون به استدلوا بهذه الواقعة على صحته ، وقالوا كما قدر الله على حفظ أجسادهم مدة ثلثمائة سنة وتسع سنين فكذلك يقدر على حشر الأجساد بعد موتها ، وقيل : إن الملك وقومه لما رأوا أصحاب الكهف ووقفوا على أحوالهم عاد القوم إلى كهفهم فأماتهم الله فعند هذا اختلف الناس ، فقال قوم إنهم نيام كالكرة الأولى وقال آخرون بل الآن ماتوا . والقول الثالث : أن بعضهم قال : الأولى أن يسد باب الكهف لئلا يدخل عليهم أحد ولا يقف على أحوالهم إنسان . وقال آخرون : بل الأولى أن يبني على باب الكهف مسجد وهذا القول يدل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة . والقول الرابع : أن الكفار قالوا : إنهم كانوا على ديننا فنتخذ عليهم بنيانا / والمسلمون قالوا كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجدا . والقول الخامس : أنهم تنازعوا في قدر مكثهم . والسادس : أنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم ، ثم قال تعالى : { ربهم أعلم بهم } وهذا فيه وجهان . أحدهما : أنه من كلام المتنازعين كأنهم لما تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أسمائهم وأحوالهم ومدة لبثهم ، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا ربهم أعلم بهم .
الثاني : أن هذا من كلام الله تعالى ذكره ردا للخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين ثم قال تعالى : { قال الذين غلبوا على أمرهم } قيل المراد به الملك المسلم ، وقيل : أولياء أصحاب الكهف ، وقيل : رؤساء البلد : { لنتخذن عليهم مسجدا } نعبد الله فيه ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد ، ثم قال تعالى : { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } الضمير في قوله : { سيقولون } عائد إلى المتنازعين . روى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبيا كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم ، وقال العاقب وكان نسطوريا كانوا خمسة سادسهم كلبهم ، وقال المسلمون كانوا سبعة وثامنهم كلبهم ، قال أكثر المفسرين هذا الأخير هو الحق ويدل عليه وجوه . الأول : أن الواو في قوله : { وثامنهم } هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة في نحو قولك / جاءني رجل ومعه آخر ، ومررت بزيد وفي يده سيف ، ومنه قوله تعالى : { ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } ( الحجر : 4 ) وفائدتها توكيد ثبوت الصفة للموصوف والدلالة على أن اتصافه بها ) أمر ثابت مستقر ، فكانت هذه الواو دالة على صدق الذين قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم ، وأنهم قالوا قولا متقررا متحققا عن ثبات وعلم وطمأنينة نفس . الوجه الثاني : قالوا : إنه تعالى خص هذا الموضع بهذا الحرف الزائد وهو الواو فوجب أن تحصل به فائدة زائدة صونا للفظ عن التعطيل ، وكل من أثبت هذه الفائدة الزائدة قال المراد منها تخصيص هذا القول بالإثبات والتصحيح . الوجه الثالث : أنه تعالى أتبع القولين الأولين بقوله : { رجما بالغيب } وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه ، فوجب أن يكون المخصوص بالظن الباطل هو القولان الأولان ، وأن يكون القول الثالث مخالفا لهما في كونهما رجما بالظن . والوجه الرابع : أنه تعالى لما حكى قولهم : { ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم } قال بعده : { قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل } فاتباع القولين الأولين بكونهما رجما بالغيب وإتباع هذا القول الثالث بقوله : { قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل } يدل على أن هذا القول ممتاز عن القولين الأولين بمزيد القوة والصحة . والوجه الخامس : أنه تعالى قال : { ما يعلمهم إلا قليل } وهذا يقتضي أنه حصل العلم بعدتهم لذلك القليل وكل من قال من المسلمين قولا في هذا الباب قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم فوجب أن يكون المراد من ذلك القليل هؤلاء الذين قالوا هذا القول . كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : كانوا سبعة وأسماؤهم هذا : يمليخا ، مكسلمينا ، مسلثينا وهؤلاء الثلاثة كانوا أصحاب يمين الملك ، وكان عن يساره : مرنوس ، ودبرنوس ، وسادنوس ، وكان الملك يستشير هؤلاء الستة في مهماته ، والسابع هو الراعي الذي وافقهم لما هربوا من ملكهم واسم كلبهم قطمير ، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول : أنا من ذلك العدد القليل ، وكان يقول : إنهم سبعة وثامنهم كلبهم .
الوجه السادس : أنه تعالى لما قال : { ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل } والظاهر أنه تعالى لما حكى الأقوال فقد حكى كل ما قيل من الحق والباطل لأنه يبعد أنه تعالى ذكر الأقوال الباطلة ولم يذكر ما هو الحق . فثبت أن جملة الأقوال الحقة والباطلة ليست إلا هذه الثلاثة ، ثم خص الأولين بأنهما رجم بالغيب فوجب أن يكون الحق هو هذا الثالث . الوجه السابع : أنه تعالى قال لرسوله ؛ { فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا } فمنعه الله تعالى عن المناظرة معهم وعن استفتائهم في هذا الباب ، وهذا إنما يكون لو علمه حكم هذه الواقعة ، وأيضا أنه تعالى قال : { ما يعلمهم إلا قليل } ويبعد أن يحصل العلم بذلك لغير النبي ولا يحصل للنبي ، فعلمنا أن العلم بهذه الواقعة حصل للنبي عليه السلام ، والظاهر أنه لم يحصل ذلك العلم إلا بهذا الوحي ، لأن الأصل فيما سواه العدم ، وأن يكون الأمر كذلك فكان الحق هو قوله : { ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم } واعلم أن هذه الوجوه وإن كان بعضها أضعف / من بعض إلا أنه لما تقوى بعضها ببعض حصل فيه كمال وتمام والله أعلم . بقي في الآية مباحث . البحث الأول : في الآية حذف والتقدير سيقولون هم ثلاثة فحذف المبتدأ لدلالة الكلام عليه . البحث الثاني : خص القول الأول بسين الاستقبال ، وهو قوله سيقولون ، والسبب فيه أن حرف العطف يوجب دخول القولين الآخرين فيه . البحث الثالث : الرجم هو الرمي ، والغيب ما غاب عن الإنسان فقوله : { رجما بالغيب } معناه أن يرى ما غاب عنه ولا يعرفه بالحقيقة ، يقال فلان يرمي بالكلام رميا ، أي يتكلم من غير تدبر . البحث الرابع : ذكروا في فائدة الواو في قوله : { وثامنهم كلبهم } وجوها الوجه الأول : ما ذكرنا أنه يدل على أن هذا القول أولى من سائر الأقوال . وثانيها : أن السبعة عند العرب أصل في المبالغة في العدد قال تعالى : { إن تستغفر لهم سبعين مرة } وإذا كان كذلك فإذا وصلوا إلى الثمانية ذكروا لفظا يدل على الاستئناف ، فقالوا وثمانية ، فجاء هذا الكلام على هذا القانون ، قالوا : ويدل عليه نظيره في ثلاث آيات ، وهي قوله : { والناهون عن المنكر } ( التوبة : 112 ) لأن هذا هو العدد الثامن من الأعداد المتقدمة وقوله : { حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها } ( الزمر : 73 ) لأن أبواب الجنة ثمانية ، وأبواب النار سبعة ، وقوله : { ثيبات وأبكارا } ( التحريم : 5 ) هو العدد الثامن مما تقدم ، والناس يسمون هذه الواو واو الثمانية ، ومعناه ما ذكرناه ، قال القفال : وهذا ليس بشيء ، والدليل عليه قوله تعالى : { هو الله الذى لا إلاه إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر } ( الحشر : 23 ) ولم يذكر الواو في النعت الثامن ، ثم قال تعالى : { قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل } وهذا هو الحق ، لأن العلم بتفاصيل كائنات العالم والحوادث التي حدثت في الماضي والمستقبل لا تحصل إلا عند الله تعالى ، وإلا عند من أخبره الله عنها ، وقال ابن عباس أنا من أولئك القليل ، قال القاضي : إن كان قد عرفه ببيان الرسول صح ، وإن كان قد تعلق فيه بحرف الواو فضعيف ، ويمكن أن يقال : الوجوه السبعة المذكورة وإن كانت لا تفيد الجزم إلا أنها تفيد الظن ، واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه القصة أتبعه بأن نهي رسوله عن شيئين / عن المراء والاستفتاء ، أما النهي عن المراء ، فقوله : { فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا } والمراد من المراء الظاهر أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد ، بل يقول : هذا التعيين لا دليل عليه ، فوجب التوقف وترك القطع . ونظيره قوله تعالى : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن } ( العنكبوت : 46 ) وأما النهي عن الاستفتاء فقوله : { ولا تستفت فيهم منهم أحدا } ، وذلك لأنه لما ثبت أنه ليس عندهم علم في هذا الباب وجب المنع من استفتائهم ، واعلم أن نفاة القياس تمسكوا بهذه الآية قالوا لأن قوله : { رجما بالغيب } وضع الرجم فيه موضع الظن فكأنه قيل : ظنا بالغيب لأنهم أكثروا أن يقولوا : رجم بالظن مكان قولهم ظن ، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين ، ألا ترى إلى قوله :
وما هو عنها بالحديث المرجم / أي المظنون هكذا قاله صاحب الكشاف ، وذلك يدل على أن القول بالظن مذموم عند الله ثم إنه تعالى لما ذم هذه الطريقة رتب عليه من استفتاء هؤلاء الظانين ، فدل ذلك على أن الفتوى بالمظنون غير جائز عند الله ، وجواب مثبتي القياس عنه قد ذكرناه مرارا . ! 7 < { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا إلا أن يشآء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربى لاقرب من هاذا رشدا ولبثوا فى كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والا رض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولى ولا يشرك فى حكمه أحدا } > 7 < الكهف : ( 23 - 26 ) ولا تقولن لشيء . . . . . > > اعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : قال المفسرون إن القوم لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاثة ، قال عليه السلام أجيبكم عنها غدا ولم يقل إن شاء الله ، فاحتبس الوحي خمسة عشر يوما وفي رواية أخرى أربعين يوما ، ثم نزلت هذه الآية ، اعترض القاضي على هذا الكلام من وجهين . الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عالما بأنه إذا أخبر عن أنه سيفعل الفعل الفلاني غدا فربما جاءته الوفاة قبل الغد ، وربما عاقه عائق آخر عن الإقدام على ذلك الفعل غدا ، وإذا كان كل هذه الأمور محتملا ، فلو لم يقل إن شاء الله ربما خرج الكلام مخالفا لما عليه الوجود وذلك يوجب التنفير عنه ، وعن كلامه عليه السلام ، أما إذا قال إن شاء الله كان محترزا عن هذا المحذور ، وإذا كان كذلك كان من البعيد أن يعد بشيء ولم يقل فيه إن شاء الله . الثاني : أن هذه الآية مشتملة على فوائد كثيرة وأحكام جمة فيبعد قصرها على هذا السبب ويمكن أن يجاب عن الأول : أنه لا نزاع أن الأولى أن يقول إن شاء الله إلا أنه ربما اتفق له أنه نسي هذا الكلام لسبب من الأسباب فكان ذلك من باب ترك الأولى والأفضل ، وأن يجاب عن الثاني أن اشتماله على الفوائد الكثيرة لا يمنع من أن يكون سبب نزوله واحدا منها . / المسألة الثانية : قوله : { إلا أن يشاء الله } ليس فيه بيان أنه شاء الله ماذا ، وفيه قولان : الأول : التقدير : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا إلا أن يشاء الله } أن يأذن لك في ذلك القول ، والمعنى أنه ليس لك أن تخبر عن نفسك أنك تفعل الفعل الفلاني إلا إذا أذن الله لك في ذلك الإخبار . القول الثاني : أن يكون التقدير : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا } إلا أن تقول : { إن شاء الله } والسبب في أنه لا بد من ذكر هذا القول هو أن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غدا لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد ، ولم يبعد أيضا لو بقي حيا أن يعوقه عن ذلك الفعل شيء من العوائق ، فإذا كان لم يقل إن شاء الله صار كاذبا في ذلك الوعد ، والكذب منفرد وذلك لا يليق بالأنبياء عليهم السلام ، فلهذا السبب أوجب عليه أن يقول : { إن شاء الله } حتى أن بتقدير أن يتعذر عليه الوفاء بذلك الموعود لم يصر كاذبا فلم يحصل التنفير .
المسألة الثالثة : اعلم أن مذهب المعتزلة أن الله تعالى يريد الإيمان والطاعة من العبد والعبد يريد الكفر والمعصية لنفسه فيقع مراد العبد ولا يقع مراد الله فتكون إرادة العبد غالبة وإرادة الله تعالى مغلوبة ، وأما عندنا فكل ما أراد الله تعالى فهو واقع فهو تعالى يريد الكفر من الكافر ويريد الإيمان من المؤمن وعلى هذا التقرير فإرادة الله تعالى غالبة وإرادة العبد مغلوبة إذا عرفت هذا فنقول إذا قال العبد لأفعلن كذا غدا إلا أن يشاء الله والله إنما يدفع عنه الكذب إذا كانت إرادة الله غالبة على إرادة العبد فإن على هذا القول يكون التقدير أن العبد قال أنا أفعل الفعل الفلاني إلا إذا كانت إرادة الله بخلافه فأنا على هذا التقدير لا أفعل لأن إرادة الله غالبة على إرادتي فعند قيام المانع الغالب لا أقوى على الفعل / أما بتقدير أن تكون إرادة الله تعالى مغلوبة فإنها تلا تصلح عذرا في هذا الباب ، لأن المغلوب لا يمنع الغالب . إذا ثبت هذا فنقول : أجمعت الأمة على أنه إذا قال والله لأفعلن كذا ثم قال : إن شاء الله دافعا للحنث فلا يكون دافعا للحنث إلا إذا كانت إرادة الله غالبة ، فلما حصل دفع الحنث بالإجماع وجب القطع بكون إرادة الله تعالى غالبة وأنه لا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله وأصحابنا أكدوا هذا الكلام في صورة معينة وهو أن الرجل إذا كان له على إنسان دين وكان ذلك المديون قادرا على أداء الدين فقال والله لأقضين هذا الدين غدا ، ثم قال إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض هذا الدين لم يحنث وعلى قول المعتزلة أنه تعالى يريد منه قضاء الدين وعلى هذا التقدير فقوله : { إن شاء الله } تعليق لذلك الحكم على شرط واقع فوجب أن يحنث ، ولما أجمعوا على أن لا يحنث علمنا أن ذلك إنما كان لأن الله تعالى ما شاء ذلك الفعل مع أن ذلك الفعل قد أمر الله به ورغب فيه وزجر عن الإخلال به وثبت أنه تعالى قد ينهى عن الشيء ويريده وقد يأمر بالشيء ولا يريده وهو المطلوب ، فإن قيل هب أن الأمر كما ذكرتم إلا أن كثيرا من الفقهاء قالوا : إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله لم يقع الطلاق فما السبب فيه ؟ قلنا السبب هو أنه لما علق وقوع الطلاق على مشيئة الله لم يقع إلا إذا عرفنا وقوع / الطلاق ولا نعرف وقوع الطلاق إلا إذا عرفنا أولا حصول هذه المشيئة لكن مشيئة الله تعالى غيب فلا سبيل إلى العلم بحصولها إلا إذا علمنا أن متعلق المشيئة قد وقع وحصل وهو الطلاق فعلى هذا الطريق لا نعرف حصول المشيئة إلا إذا عرفنا وقوع الطلاق ولا نعرف وقوع الطلاق إلا إذا عرفنا وقوع المشيئة فيتوقف العلم بكل واحد منها على العلم بالآخرة ، وهو دور والدور باطل فلهذا السبب قالوا الطلاق غير واقع .
المسألة الرابعة : احتج القائلون بأن المعدوم شيء بقوله : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا أن يشاء الله } قالوا : الشيء الذي سيفعله الفاعل غدا سماه الله تعالى في الحال بأنه شيء لقوله : { ولا تقولن لشىء } ومعلوم أن الشيء الذي سيفعله الفاعل غدا فهو معدوم في الحال ، فوجب تسمية المعدوم بأنه شيء . والجواب أن هذا الاستدلال لا يفيد إلا أن المعدوم مسمى بكونه شيئا وعندنا أن السبب فيه أن الذي سيصير شيئا يجوز تسميته بكونه شيئا في الحال كما أنه قال : { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) والمراد سيأتي أمر الله ، أما قوله : { واذكر ربك إذا نسيت } ففيه وجهان : الأول : أنه كلام متعلق بما قبله والتقدير أنه إذا نسي أن يقول إن شاء الله فليذكره إذا تذكره وعند هذا اختلفوا فقال ابن عباس رضي الله عنهما لو لم يحصل التذكر إلا بعد مدة طويلة ثم ذكر إن شاء الله كفى في دفع الحنث وعن سعيد بن جبير بعد سنة أو شهر أو أسبوع أو يوم ، وعن طاوس أنه يقدر على الاستثناء في مجلسه ، وعن عطاء يستثني على مقدار حلب الناقة الغزيرة ، وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولا ، واحتج ابن عباس بقوله : { واذكر ربك إذا نسيت } لأن الظاهر أن المراد من قوله : { واذكر ربك إذا نسيت } هو الذي تقدم ذكره في قوله : { إلا أن يشاء الله } وقوله : { واذكر ربك } غير مختص بوقت معين بل هو يتناول كل الأوقات فوجب أن يجب عليه هذا الذكر في أي وقت حصل هذا التذكر وكل من قال وجب هذا الذكر قال : إنه إنما وجب لدفع الحنث وذلك يفيد المطلوب ، واعلم أن استدلال ابن عباس رضي الله عنهما ظاهر في أن الاستثناء لا يجب أن يكون متصلا ، أما الفقهاء فقالوا إنا لو جوزنا ذلك لزم أن لا يستقر شيء من العقود / والإيمان ، يحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة رحمه الله خالف ابن عباس في الأستثناء المنفصل فاستحضره لينكر عليه فقال أبو حنيفة رحمه الله : هذا يرجع عليك ، فإنك تأخذ البيعة بالإيمان أتفرض أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك ؟ فاستحسن المنصور كلامه ورضي به . واعلم أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى تخصيص النص بالقياس وفيه ما فيه . وأيضا فلو قال إن شاء الله على سبيل الخفية بلسانه بحيث لا يسمعه أحد فهو معتبر ودافع للحنث بالإجماع مع أن المحذور الذي ذكرتم حاصل فيه . فثبت أن الذي عولوا عليه ليس بقوي ، والأولى أن يحتجوا في وجوب كون الاستثناء متصلا بأن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعقد والعهد . قال تعالى : { أوفوا بالعقود } ( المائدة : 1 ) وقال : { وأوفوا بالعهد } ( الإسراء : 34 ) فالآتي بالعهد يجب عليه الوفاء بمقتضاه لأجل هذه الآيات / خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان متصلا لأن الاستثناء مع المستثنى منه كالكلام الواحد بدليل أن لفظ الاستثناء وحده لا يفيد شيئا ، فهو جار مجرى نصف اللفظ الواحدة ، فجملة الكلام كالكلمة الواحدة المفيدة ، وعلى هذا التقدير فعند ذكر الاستثناء عرفنا أنه لم يلزم شيء بخلاف ما إذا كان الاستثناء متصلا فإنه حصل الالتزام التام بالكلام فوجب عليه الوفاء بذلك الملتزم والقول الثاني أن قوله : { واذكر ربك إذا نسيت } لا تعلق له بما قبله بل هو كلام مستأنف وعلى هذا القول ففيه وجوه . أحدها : واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء ، والمراد منه الترغيب في الاهتمام بذكر هذه الكلمة . وثانيها : واذكر ربك إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي .