Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

حصہ V21/P093–V21/P094

وثالثها : حمله بعضهم على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها ، وهذا القول بما فيه من الوجوه الثلاثة بعيد لأن تعلق هذا الكلام بما قبله يفيد إتمام الكلام في هذه القضية وجعله كلاما مستأنفا يوجب صيرورة الكلاء مبتدأ منقطعا وذلك لا يجوز ثم قال تعالى : { وقل عسى أن يهدين ربى لاقرب من هاذا رشدا } وفيه وجوه : الأول : أن ترك قوله : { أن يشاء الله } ليس بحسن وذكره أحسن من تركه وقوله : { لاقرب من هاذا رشدا } المراد منه ذكر هذه الجملة . الثاني : إذا وعدهم بشيء وقال معه إن شاء الله فيقول عسى أن يهديني ربي لشيء أحسن وأكمل مما وعدتكم به . والثالث : أن قوله : { لاقرب من هاذا رشدا } إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والدلائل على صحة أني نبي من عند الله صادق القول في ادعاء النبوة ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف . وقد فعل الله ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك ، وأما قوله تعالى : { ولبثوا فى كهفهم مئة سنين وازدادوا تسعا قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والارض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولى ولا يشرك فى حكمه أحدا } فاعلم أن هذه الآية آخر الآيات المذكورة في قصة أصحاب الكهف وفي قوله : { ولبثوا فى كهفهم } قولان : الأول : أن هذا حكاية كلام القوم والدليل عليه أنه تعالى قال : { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } وكذا إلى أن قال : { ولبثوا فى كهفهم } أي أن أولئك الأقوام قالوا ذلك ويؤكده أنه تعالى قال بعده : { قل الله أعلم بما لبثوا } وهذا يشبه الرد على الكلام المذكور قبله ويؤكده أيضا ما روي في مصحف عبد الله : وقالوا ولبثوا في كهفهم . والقول الثاني : أن قوله : { ولبثوا فى كهفهم } هو كلام الله تعالى فإنه أخبر عن كمية تلك المدة / وأما قوله : { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } فهو كلام قد تقدم وقد تخلل بينه وبين هذه الآية ما يوجب انقطاع أحدهما عن الآخر وهو قوله : { فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا } وقوله : { قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والارض } لا يوجب أن ما قبله حكاية ، وذلك لأنه تعالى أراد : { قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والارض } فارجعوا إلى خبر الله دون ما يقوله أهل الكتاب .

حصہ V21/P094–V21/P095

/ المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي ثلثمائة سنين بغير تنوين والباقون بالتنوين وذلك لأن قوله : { سنين } عطف بيان لقوله : { ثلثمائة } لأنه لما قال : { ولبثوا فى كهفهم } لم يعرف أنها أيام أم شهور أم سنون فلما قال سنين صار هذا بيانا لقوله : { ثلثمائة } فكان هذا عطف بيان له وقيل هو على التقديم والتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة . وأما وجه قراءة حمزة فهو أن الواجب في الإضافة ثلثمائة سنة إلا أنه يجوز وضع الجمع موضع الواحد في التمييز كقوله : { ننبئكم بالاخسرين أعمالا } ( الكهف : 103 ) . المسألة الثالثة : قوله : { وازدادوا تسعا } ؟ المعنى وازدادوا تسع سنين فإن قالوا : لم لم يقل ثلثمائة وتسع سنين ؟ وما الفائدة في قوله { وازدادوا تسعا } ؟ قلنا : قال بعضهم : كانت المدة ثلثمائة سنة من السنين الشمسية وثلثمائة وتسع سنين من القمرية ، وهذا مشكل لأنه لا يصح بالحساب هذا القول ، ويمكن أن يقال : لعلهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الأنبياء ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين ثم قال : { قل الله أعلم بما لبثوا } معناه أنه تعالى أعلم بمقدار هذه المدة من الناس الذين اختلفوا فيها ، وإنما كان أولى بأن يكون عالما به لأنه موجد للسموات والأرض ومدبر للعالم ، وإذا كان كذلك كان عالما بغيب السموات والأرض فيكون عالما بهذه الواقعة لا محالة ثم قال تعالى : { أبصر به وأسمع } وهذه كلمة تذكر في التعجب ، والمعنى ما أبصره وما أسمعه ، وقد بالغنا في تفسير كلمة التعجب في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { فما أصبرهم على النار } ( البقرة : 175 ) ثم قال تعالى : { ما لهم من دونه من ولى } وفيه وجوه . الأول : ما لأصحاب الكهف من دون الله من ولي فإنه هو الذي يتولى حفظهم في ذلك النوم الطويل . الثاني : ليس لهؤلاء المختلفين في مدة لبث أهل الكهف ولي من دون الله يتولى أمرهم ويقيم لهم تدبير أنفسهم فإذا كانوا محتاجين إلى تدبير الله وحفظه فكيف يعلمون هذه الواقعة من غير أعلامه . الثالث : أن بعض القوم لما ذكروا في هذا الباب أقوالا على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب ، فبين الله أنه ليس لهم من دونه ولي يمنع الله من إنزال العقاب عليهم . ثم قال : { ولا يشرك فى حكمه أحدا } والمعنى أنه تعالى لما حكم أن لبثهم هو هذا المقدار فليس لأحد أن يقول قولا بخلافه . والأصل أن الاثنين إذا كانا لشريكين فإن الاعتراض من كل واحد منهما على صاحبه يكثر ويصير ذلك مانعا لكل واحد منهما من إمضاء الأمر على وفق ما يريده . وحاصله يرجع إلى قوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) فالله تعالى نفى ذلك عن نفسه بقوله تعالى : { ولا يشرك فى حكمه أحدا } وقرأ ابن عامر ولا تشرك بالتاء والجزم على النهي والخطاب عطفا على قوله : { ولا تقولن لشىء } أو على قوله : { واذكر ربك إذا نسيت } والمعنى ولا تسأل أحدا عما أخبرك الله به من عدة أصحاب الكهف واقتصر على حكمه وبيانه ولا تشرك أحدا في طلب معرفة تلك الواقعة وقرأ الباقون بالياء والرفع على الخبر والمعنى أنه تعالى لا يفعل ذلك .

حصہ V21/P095–V21/P096

/ المسألة الرابعة : اختلف الناس في زمان أصحاب الكهف وفي مكانهم ، أما الزمان الذي حصلوا فيه ، فقيل إنهم كانوا قبل موسى عليه السلام وإن موسى ذكرهم في التوراة ، ولهذا السبب فإن اليهود سألوا عنهم ، وقيل : إنهم دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبر المسيح بخبرهم ثم بعثوا في الوقت الذي بين عيسى عليه السلام وبين محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل إنهم دخلوا الكهف بعد المسيح ، وحكى القفال هذا القول عن محمد بن إسحاق . وقال قوم : إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة . وأما مكان هذا الكهف ، فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه ليعرف حال أصحاب الكهف إلى الروم ، قال : فوجه ملك الروم معي أقواما إلى الموضع الذي يقال إنهم فيه ، قال : وإن الرجل الموكل بذلك الموضع فزعني من الدخول عليهم ، قال : فدخلت ورأيت الشعور على صدورهم قال وعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة لأبدان الموتى لتصونها عن البلى مثل التلطيخ بالصبر وغيره ، ثم قال القفال : والذي عندنا لا يعرف أن ذلك الموضع هو موضع أصحاب الكهف أو موضع آخر ، والذي أخبر الله عنه وجب القطع به ولا عبرة بقول أهل الروم إن ذلك الموضع هو موضع أصحاب الكهف ، وذكر في الكشاف عن معاوية أنه غزا الروم فمر بالكهف فقال : لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ليس لك ذلك قد منع الله من هو خير منك ، فقال : لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ، فقال لابن عباس : لا أنتهي حتى أعلم حالهم ، فبعث أناسا فقال لهم : اذهبوا فانظروا فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأحرقتهم ، وأقول العلم بذلك الزمان وبذلك المكان ليس للعقل فيه مجال ، وإنما يستفاد ذلك من نص ، وذلك مفقود فثبت أنه لا سبيل إليه . المسألة الخامسة : اعلم أن مدار القول بإثبات البعث والقيامة على أصول ثلاثة . أحدها : أنه تعالى قادر على كل الممكنات . والثاني : أنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات . وثالثها : أن كل ما كان ممكن الحصول في بعض الأوقات كان ممكن الحصول في سائر الأوقات فإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت القول بإمكان البعث والقيامة ، فكذلك ها هنا ثبت أنه تعالى عالم قادر على الكل ، وثبت أن بقاء الإنسان حيا في النوم مدة يوم ممكن فكذلك بقاؤه مدة ثلثمائة سنة يجب أن يكون ممكنا بمعنى أن إله العالم يحفظه ويصونه عن الآفة . وأما الفلاسفة فإنهم يقولون أيضا : لا يبعد وقوع أشكال فلكية غريبة توجب في هيولي عالم الكون والفساد حصول أحوال غريبة نادرة ، وأقول : هذه السور الثلاثة المتعاقبة اشتمل كل واحد منها على حصول حالة عجيبة نادرة في هذا العالم فسورة بني إسرائيل اشتملت على الإسراء بجسد محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الشام وهو حالة عجيبة ، وهذه السورة اشتملت على بقاء القوم في النوم مدة ثلثمائة سنة وأزيد وهو أيضا حالة عجيبة ، وسورة مريم اشتملت على حدوث الولد لا من الأب وهو أيضا حالة عجيبة . / والمعتمد في بيان إمكان كل هذه العجائب والغرائب المذكورة في هذه السور الثلاثة المتوالية هو الطريقة التي ذكرناها . ومما يدل على أن هذا المعنى من الممكنات أن أبا علي بن سينا ذكر في باب الزمان من كتاب الشفاء أن أرسطاطاليس الحكيم ذكر أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ، ثم قال أبو علي : ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف . ! 7 < { واتل مآ أوحى إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا } > 7 ! < <

حصہ V21/P096–V21/P097

الكهف : ( 27 ) واتل ما أوحي . . . . . > > اعلم أن من هذه الآية إلى قصة موسى والخضر كلام واحد في قصة واحدة ، وذلك أن أكابر كفار قريش احتجوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أردت أن نؤمن بك فاطرد من عندك هؤلاء الفقراء الذين آمنوا بك والله تعالى نهاه عن ذلك ومنعه عنه وأطنب في جملة هذه الآيات في بيان أن الذي اقترحوه والتمسوه مطلوب فاسد واقتراح باطل ، ثم إنه تعالى جعل الأصل في هذا الباب شيئا واحدا وهو أن يواظب على تلاوة الكتاب الذي أوحاه الله إليه وعلى العمل به وأن لا يلتفت إلى اقتراح المقترحين وتعنت المتعنتين فقال : { واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك } وفي الآية مسألة وهي : أن قوله : { اتل } يتناول القراءة ويتناول الإتباع فيكون المعنى الزم قراءة الكتاب الذي أوحى إليك والزم العمل به ثم قال : { لا مبدل لكلماته } أي يمتنع تطرق التغيير والتبديل إليه وهذه الآية يمكن التمسك بها في إثبات أن تخصيص النص بالقياس غير جائز لأن قوله : { اتل ما أوحى إليك من كتاب ربك } معناه ألزم العمل بمقتضى هذا الكتاب وذلك يقتضي وجوب العمل بمقتضى ظاهره ، فإن قيل فيجب ألا يتطرق النسخ إليه قلنا هذا هو مذهب أبي مسلم الأصفهاني فليس يبعد ، وأيضا فالنسخ في الحقيقة ليس بتبديل لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى وقت طريان الناسخ فالناسخ كالغاية فكيف يكون تبديلا . أما قوله : { ولن تجد من دونه ملتحدا } اتفقوا على أن الملتحد هو الملجأ قال أهل اللغة : هو من لحد وألحد إذا مال ومنه قوله تعالى : { لسان الذى يلحدون إليه } ( النحل : 103 ) والملحد المائل عن الدين والمعنى ولن تجد من دونه ملجأ في البيان والرشاد . ! 7 < { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحيواة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } > 7 ! / < < الكهف : ( 28 ) واصبر نفسك مع . . . . . > > اعلم أن أكابر قريش اجتمعوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الفقراء من عندك ، فإذا حضرنا لم يحضروا ، وتعين لهم وقتا يجتمعون فيه عندك فأنزل الله تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } ( الأنعام : 52 ) الآية فبين فيها إنه لا يجوز طردهم بل تجالسهم وتوافقهم وتعظم شأنهم ولا تلتفت إلى أقوال أولئك الكفار ولا تقيم لهم في نظرك وزنا سواء غابوا أو حضروا . وهذه القصة منقطعة عما قبلها وكلام مبتدأ مستقل . ونظير هذه الآية قد سبق في سورة الأنعام وهو قوله : { ولا تطرد الذين يدعون بهم بالغداة والعشى } ( الأنعام : 52 ) ففي تلك الآية نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن طردهم وفي هذه الآية أمره بمجالستهم والمصابرة معهم فقوله : { واصبر نفسك } أصل الصبر الحبس ومنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المصبورة وهي البهيمة تحبس فترمي ، أما قوله : { مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر بالغدوة بضم الغين والباقون بالغداة وكلاهما لغة .

حصہ V21/P097–V21/P098

المسألة الثانية : في قوله : { بالغداة والعشى } وجوه : الأول : المراد كونهم مواظبين على هذا العمل في كل الأوقات كقول القائل : ليس لفلان عمل بالغداة والعشي إلا شتم الناس . الثاني : أن المراد صلاة الفجر والعصر . الثالث : المراد أن الغداة هي الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من النوم إلى اليقظة وهذا الانتقال شبيه بالانتقال من الموت إلى الحياة والعشي هو الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من اليقظة إلى النوم ومن الحياة إلى الموت والإنسان العاقل يكون في هذين الوقتين كثير الذكر لله عظيم الشكر لآلاء الله ونعمائه ، ثم قال : { ولا تعد عيناك عنهم } يقال عداه إذا جاوزه ومنه قولهم عدا طوره وجاء القوم عدا زيدا وإنما عدي بلفظة عن لأنها تفيد المباعدة فكأنه تعالى نهى عن تلك المباعدة وقرى : { ولا تعد عينيك } ولا تعد عينيك من أعداه وعداه نقلا بالهمزة وتثقيل الحشو ومنه قوله شعر : فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له والمقصود من الآية أنه تعالى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يزدرى فقراء المؤمنين وأن تنبو عيناه عنهم لأجل رغبته في مجالسة الأغنياء وحسن صورتهم وقوله : { تريد زينة الحيواة الدنيا } نصب في موضع الحال . يعني أنك ( إن ) فعلت ذلك لم يكن إقدامك عليه إلا لرغبتك في زينة الحياة الدنيا ، ولما بالغ في أمره بمجالسة الفقراء من المسلمين بالغ في النهي عن الالتفات إلى أقوال الأغنياء والمتكبرين فقال : { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } وفيه مسائل :

حصہ V21/P098

المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى هو الذي يخلق الجهل والغفلة في قلوب الجهال لأن قوله : { أغفلنا } يدل على هذا المعنى ، قالت المعتزلة : المراد بقوله تعالى : { أغفلنا قلبه عن ذكرنا } أنا وجدنا قلبه غافلا وليس المراد خلق الغفلة فيه ، والدليل عليه ما روي عن عمرو بن معديكرب الزبيدي أنه قال لبني سليم : قاتلناكم فما أجبناكم ، وسألناكم فما ابخلناكم ، وهجوناكم فما أفحمناكم ، أي ما وجدناكم جبناء ولا بخلاء ولا مفحمين . ثم نقول : حمل اللفظ على هذا المعنى أولى ويدل عليه وجوه : الأول : أنه لو كان كذلك لما استحقوا الذم . الثاني : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ولو كان تعالى خلق الغفلة في قلبه لما صح ذلك . الثالث : لو كان المراد هو أنه تعالى جعل قلبه غافلا لوجب أن يقال : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه . لأن على هذا التقدير يكون ذلك من أفعال المطاوعة ، وهي إنما تعطف بالفاء لا بالواو ، ويقال : كسرته فانكسر ودفعته فاندفع ولا يقال : وانكسر واندفع . الرابع : قوله تعالى : { واتبع هواه } ولو كان تعالى أغفل في الحقيقة قلبه لم يجز أن يضاف ذلك إلى اتباعه هواه . والجواب : قوله المراد من قوله : { أغفلنا } أي وجدناه غافلا ، وليس المارد تحصيل الغفلة فيه . قلنا : الجواب عنه من وجهين . الأول : أن الاشتراك خلاف الأصل فوجب أن يعتقد أن وزن الأفعال حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر وجعله حقيقة في التكوين مجازا في الوجدان أولى من العكس وبيانه من وجوه : أحدها : أن مجيء بناء الأفعال بمعنى التكوين أكثر من مجيئه بمعنى الوجدان والكثرة دليل الرجحان . وثانيها : أن مبادرة الفهم من هذا البناء إلى التكوين أكثر من مبادرته إلى الوجدان ومبادرة الفهم دليل الرجحان . وثالثها : أنا إن جعلناه حقيقة في التكوين أمكن جعله مجازا في الوجدان لأن العلم بالشيء تابع لحصول المعلوم ، فجعل اللفظ حقيقة في المتبوع ومجازا في التبع موافق للمعقول ، أما لو جعلناه حقيقة في الوجدان مجازا في الإيجاد لزم جعله حقيقة في التبع مجازا في الأصل وأنه عكس المعقول فثبت أن الأصل جعل هذا البناء حقيقة في الإيجاد لا في الوجدان . الوجه الثاني : في الجواب عن السؤال أنا نسلم كون اللفظ مشتركا بالنسبة إلى الإيجاد وإلى الوجدان إلا أنا نقول يجب حمل قوله : { أغفلنا } على إيجاد الغفلة وذلك لأن الدليل العقلي دل على أنه يمتنع كون العبد موجدا للغفلة في نفسه والدليل عليه أنه إذا حاول إيجاد الغفلة ، فأما أن يحاول إيجاد مطلق الغفلة أو يحاول إيجاد الغفلة عن شيء معين والأول باطل ، وإلا لم يكن بأن تحصل له الغفلة عن هذا الشيء أولى بأن تحصل له الغفلة عن شيء آخر ، لأن الطبيعة المشترك فيها بين الأنواع الكثيرة تكون نسبتها إلى كل تلك الأنواع على السوية ، أما الثاني فهو أيضا باطل لأن الغفلة عن كذا عبارة عن غفلة لا تمتاز عن سائر أقسام الغفلات إلا بكونها منتسبة إلى ذلك الشيء المعين بعينه ، فعلى هذا لا يمكنه أن يقصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا إلا إذا تصور أن تلك الغفلة غفلة عن كذا ، ولا يمكنه أن يتصور كون تلك الغفلة غفلة عن كذا إلا إذا تصور كذا لأن العلم بنسبة أمر إلى أمر آخر مشروط بتصور كل واحد من المنتسبين .

حصہ V21/P098–V21/P099

فثبت أنه لا يمكنه القصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا إلا مع الشعور بكذا لكن الغفلة عن كذا ضد الشعور بكذا ؛ فثبت / أن العبد لا يمكنه إيجاد هذه اغفلة إلا عند اجتماع الضدين وذلك محال ، والموقوف على المحال محال ، فثبت أن العبد غير قادر على إيجاد الغفلة ، فوجب أن يكون خالق الغفلات وموجدها في العباد هو الله ، وهذه نكتة قاطعة في إثبات هذا المطلوب ، وعند هذا يظهر أن المراد بقوله تعالى : { ولا تطع من أغفلنا قلبه } هو إيجاد الغفلة لا وجدانها ، أما حديث المدح والذ فقد عارضناه مرارا وأطوارا بالعلم والداعي ، أما قوله تعالى بعد هذه الآية : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } فالبحث عنه سيأتي إن شاء الله تعالى ، أما قوله : { ولا تطع من أغفلنا قلبه } لو كان المراد إيجاد الغفلة لوجب ذكر الفاء ، لا ذكر الواو ، فنقول : هذا إنما يلزم لو كان خلق الغفلة في القلب من لوازمه حصول اتباع الهوى كما أن الكسر من لوازمه حصول الإنكسار ، وليس الأمر كذلك لأنه لا يلزم من حصول الغفلة عن الله حصول متابعة الهوى لاحتمال أن يصير غافلا عن ذكر الله ، ومع ذلك فلا يتبع الهوى بل يبقى متوقفا لا ينافي مقام الحيرة والدهشة والخوف من الكل فسقط هذا السؤال ، وذكر القفال في تأويل الآية على مذهب المعتزلة وجوها أخرى . فأحدها : أنه تعالى لما صب عليهم الدنيا صبا وأدى ذلك إلى رسوخ الغفلة في قلوبهم صح على هذا التأويل أنه تعالى حصل الغفلة في قلوبهم كما في قوله تعالى : { فلم يزدهم دعائى إلا فرارا } ( نوح : 6 ) . والوجه الثاني : أن معنى قوله : { أغفلنا } أي تركناه غافلا فلم نسمه بسمة أهل الطهارة والتقوى وهو من قولهم بعير غفل أي لا سمة عليه . وثالثها : أن المراد من قوله أغفلنا قلبه أي خلاه مع الشيطان ولم يمنع الشيطان منه فيقال في : الوجه الأول : إن فتح باب لذات الدنيا عليه هل يؤثر في حصول الغفلة في قلبه أو لا يؤثر ، فإن أثر كان أثر إيصال اللذات إليه سببا لحصول الغفلة في قلبه . وذلك عين القول بأنه تعالى فعل ما يوجب حصول الغفلة في قلبه ، وإن كان لا تأثير له في حصول هذه الغفلة بطل إسناده إليه ، وقد يقال في : الوجه الثاني : إن قوله أغفلنا قلبه بمنزلة قوله سودنا قلبه وبيضنا وجهه ولا يفيد إلا ما ذكرناه ، ويقال في الوجه الثالث إن كان لتلك التخلية أثر في حصول تلك الغفلة فقد صح قولنا ، وإلا بطل استناد تلك الغفلة إلى الله تعالى .

حصہ V21/P099–V21/P100

المسألة الثانية : قوله : { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه } يدل على أن شر أحوال الإنسان أن يكون قلبه خاليا عن ذكر الحق ويكون مملوءا من الهوى الداعي إلى الاشتغال بالخلق وتحقيق القول أن ذكر الله نور وذكر غيره ظلمة لأن الوجود طبيعة النور والعدم منبع الظلمة ، والحق تعالى واجب الوجود لذاته فكان النور الحق هو الله ، وما سوى الله فهو ممكن الوجود لذاته . والإمكان طبيعة عدمية فكان منبع الظلمة فالقلب إذا أشرق فيه ذكر الله فقد حصل فيه النور والضوء والإشراق ، وإذا توجه القلب إلى الخلق فقد حصل فيه الظلم والظلمة بل الظلمات ، فلهذا السبب إذا أعرض القلب عن الحق وأقبل على الخلق فهو الظلمة الخالصة التامة ، فالإعراض عن الحق هو المراد بقوله : { أغفلنا قلبه عن ذكرنا } والإقبال على الخلق هو المراد بقوله : { واتبع هواه } . / المسألة الثالثة : قيل : { فرطا } أي مجاوزا للحد من قولهم : فرس فرط ، إذا كان متقدما الخيل ، قال الليث : الفرط الأمر الذي يفرط فيه يقال كل أمر فلان فرط ، وأنشد شعرا : لقد كلفني شططا وأمرا خائبا فرطا أي مضيعا ، فقوله وكان أمره فرطا معناه أن الأمر الذي يلزمه الحفظ له والاهتمام به وهو أمر دينه يكون مخصوصا بإيقاع التفريط والتقصير فيه ، وهذه الحالة صفة من لا ينظر لدينه وإنما عمله لدنياه . فبين تعالى من حال الغافلين عن ذكر الله التابعين لهواهم أنهم مقصرون في مهماتهم معرضون عما وجب عليهم من التدبر في الآيات والتحفظ بمهمات الدنيا والآخرة ، والحاصل أنه تعالى وصف أولئك الفقراء بالمواظبة على ذكر الله والإعراض عن غير ذكر الله فقال : { مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه } ووصف هؤلاء الأغنياء بالإعراض عن ذكر الله تعالى والإقبال على غير الله وهو قوله : { أغفلنا قلبه واتبع هواه } ثم أمر رسوله بمجالسة أولئك والمباعدة عن هؤلاء ، روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كنت جالسا في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستر بعضا من العرى وقارىء يقرأ القرآن فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ماذا كنتم تصنعون ؟ قلنا : يا رسول الله كان واحد يقرأ من كتاب الله ونحن نستمع ، فقال عليه السلام : ( الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت إلى أن أصبر نفسي معهم ) ثم جلس وسطنا وقال : ( أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة ، تدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار خمسين ألف سنة ) . ! 7 < { وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وسآءت مرتفقا } > 7 ! < < الكهف : ( 29 ) وقل الحق من . . . . . > > في الآية مسائل :

حصہ V21/P100–V21/P101

المسألة الأولى : في تقرير النظم وجوه . الأول : أنه تعالى لما أمر رسوله بأن لا يلتفت إلى أولئك الأغنياء الذين قالوا إن طردت الفقراء آمنا بك ، قال بعده : { وقل الحق من ربكم } أي قل لهؤلاء إن هذا الدين الحق إنما أتى من عند الله فإن قبلتموه عاد النفع إليكم وإن لم تقبلوه عاد الضرر إليكم ولا تعلق لذلك بالفقر والغنى والقبح والحسن والخمول والشهرة . الوجه الثاني : في تقرير النظم يمكن أن يكون المراد أن الحق ما جاء من عند الله ، والحق الذي / جاءني من عنده أن أصبر نفسي مع هؤلاء الفقراء ولا أطردهم ولا ألتفت إلى الرؤساء وأهل الدنيا . والوجه الثالث : في تقرير النظم أن يكون المراد هو أن الحق الذي جاء من عند الله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وأن الله تعالى لم يأذن في طرد من آمن وعمل صالحا لأجل أن يدخل في الإيمان جمع من الكفار ، فإن قيل : أليس أن العقل يقتضي ترجيح الأهم على المهم فطرد أولئك الفقراء لا يوجب إلا سقوط حرمتهم وهذا ضرر قليل . أما عدم طردهم فإنه يوجب بقاء الكفار على الكفر ، وهذا ضرر عظيم ، قلنا : أما عدم طردهم فإنه يوجب بقاء الكفار على الكفر فمسلم إلا أن من ترك الإيمان لأجل الحذر من مجالسة الفقراء فإيمانه ليس بإيمان بل هو نفاق قبيح ، فوجب على العاقل أن لا يلتفت إلى إيمان من هذا حاله وصفته . المسألة الثانية : قالت المعتزلة قوله تعالى : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } صريح في أن الأمر في الإيمان والكفر والطاعة والمعصية مفوض إلى العبد واختياره . فمن أنكر ذلك فقد خالف صريح القرآن ، ولقد سألني بعضهم عن هذه الآية فقلت : هذه الآية من أقوى الدلائل على صحة قولنا وذلك لأن الآية صريحة في أن حصول الإيمان وحصول الكفر موقوف على حصول مشيئة الإيمان وحصول مشيئة الكفر وصريح العقل أيضا يدل له ، فإن العقل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه وبدون الاختيار له . إذا عرفت هذا فنقول حصول ذلك القصد والاختيار إن كان بقصد آخر يتقدمه واختيار آخر يتقدمه لزمه أن يكون كل قصد واختيار مسبوقا بقصد آخر إلى غير النهاية وهو محال . فوجب انتهاء تلك القصود وتلك الاختيارت إلى قصد واختيار يخلقه الله تعالى في العبد على سبيل الضرورة عند حصول ذلك القصد الضروري والاختيار الضروري يوجب الفعل ، فالإنسان شاء أو لم يشأ إن لم تحصل في قلبه تلك المشيئة الجازمة الخالية عن المعارض لم يترتب الفعل ، وإذا حصلت تلك المشيئة الجازمة شاء أو لم يشأ يجب ترتب الفعل عليه ، فلا حصول المشيئة مترتب على حصول الفعل ، ولا حصول الفعل مترتب على المشيئة . فالإنسان مضطر في صورة مختار ، ولقد قرر الشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله هذا المعنى في باب التوكل من كتاب إحياء علوم الدين فقال : فإن قلت إني أجد في نفسي وجدانا ضروريا أني إن شئت الفعل قدرت على الفعل وإن شئت الترك قدرت على الترك فالفعل والترك بي لا بغيري . وأجاب عنه ، وقال : هب أنك تجد من نفسك هذا المعنى ولكن هل تجد من نفسك أنك إن شئت مشيئة الفعل حصلت تلك المشيئة ، وإن لم تشأ تلك المشيئة لم تحصل . بل العقل يشهد بأنه يشاء الفعل لا بسبق مشيئة أخرى على تلك المشيئة ، وإذا شاء الفعل وجب حصول الفعل من غير مكنة واختيار في هذا المقام فحصول المشيئة في القلب أمر لازم وترتب الفعل على حصول المشيئة أيضا أمر لازم وهذا يدل على أن الكل من الله تعالى . المسألة الثالثة : قوله : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } فيه فوائد : / الفائدة الأولى : الآية تدل على أن صدور الفعل عن الفاعل بدون القصد والداعي محال .

حصہ V21/P101–V21/P102

الفائدة الثانية : أن صيغة الأمر لا لمعنى الطلب في كتاب الله كثيرة ثم نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال هذه الصيغة تهديد ووعيد وليست بتخيير . الفائدة الثالثة : أنها تدل على أنه تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين ، بل نفع الإيمان يعود عليهم ، وضرر الكفر يعود عليهم ، كما قال تعالى : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) ، واعلم أنه تعالى لما وصف الكفر والإيمان والباطل والحق أتبعه بذكر الوعيد على الكفر والأعمال الباطلة ، وبذكر الوعد على الإيمان والعمل الصالح . أما الوعيد فقوله تعالى : { إنا أعتدنا للظالمين نارا } يقول اعتدنا لمن ظلم نفسه ووضع العبادة في غير موضعها والأنفة في غير محلها فعندما استحسن بهواه وأنف عن قبول الحق لأجل أن الذين قبلوه فقراء ومساكين ، فهذا كله ظلم ووضع للشيء في غير موضعه . فأخبر تعالى أنه أعد لهؤلاء الأقوام نارا وهي الجحيم ، ثم وصف تعالى تلك النار بصفتين : الصفة الأولى : قوله : { وأحاط بهم سرادقها } والسرادق هو الحجزة التي تكون حول الفسطاط فأثبت للنار شيئا شبيها بذلك يحيط بهم من جميع الجهات ، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرجة يتفرجون بالنظر إلى ما وراءها من غير النار بل هي محيطة بهم من كل الجوانب . وقال بعضهم : المراد من هذا السرادق الدخان الذي وصفه الله في قوله : { انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب } ( المرسلات : 30 ) وقالوا : هذه الإحاطة بهم إنما تكون قبل دخولهم النار فيغشاهم هذا الدخان ويحيط بهم كالسرادق حول الفسطاط . والصفة الثانية : لهذه النار قوله : { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل } قيل في حديث مرفوع إنه دردي الزيت وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه دخل بيت المال وأخرج نفاثة كانت فيه وأوقد عليها النار حتى تلألأت ثم قال : هذا هو المهل ، قال أبو عبيدة والأخفش كل شيء أذبته من ذهب أو نحاس أو فضة فهو المهل ، وقيل : إنه الصديد والقيح ، وقيل إنه ضرب من القطران . ثم يحتمل أن تكون هذه الاستغاثة لأنهم إذا طلبوا ماء للشرب فيعطون هذا المهل قال تعالى : { تصلى نارا حامية تسقى من عين ءانية } ( الغاشية : 4 ، 5 ) ويحتمل أن يستغيثوا من حر جهنم فيطلبوا ماء يصبونه على أنفسهم للتبريد فيعطون هذا الماء . قال تعالى حكاية عنهم : { أن أفيضوا علينا من الماء } ( الأعراف : 50 ) وقال في آية أخرى : { سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار } ( إبراهيم : 50 ) فإذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص وقوله تعالى : { يغاثوا بماء كالمهل } وارد على سبيل الاستهزاء كقوله : تحية بينهم ضرب وجيع ثم قال تعالى : { بئس الشراب } أي أن الماء الذي هو كالمهل بئس الشراب لأن المقصود بشرب الشراب تسكين الحرارة وهذا يبلغ في احتراق الأجسام مبلغا عظيما ثم قال تعالى : { وساءت مرتفقا } قال قائلون : ساءت النار منزلا ومجتمعا للرفقة لأن أهل النار يجتمعون رفقاء كأهل الجنة . قال تعالى في صفة أهل الجنة : { وحسن أولئك رفيقا } ( النساء : 69 ) وأما رفقاء النار فهم الكفار والشياطين / والمعنى بئس الرفقاء هؤلاء وبئس موضع الترافق النار كما أنه نعم الرفقاء أهل الجنة ونعم موضع الرفقاء الجنة . وقال آخرون مرتفقا أي متكأ ، وسمي المرفق مرفقا لأنه يتكأ عليه ، فالإتكاء إنما يكون للاستراحة ، والمرتفق موضع الاستراحة والله أعلم .

حصہ V21/P102–V21/P103

! 7 < { أولائك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الا رآئك نعم الثواب وحسنت مرتفقا } > 7 < الكهف : ( 30 - 31 ) إن الذين آمنوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد المبطلين أردفه بوعد المحقين وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان لأن العطف يوجب المغايرة . المسألة الثانية : قوله : { إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } ظاهره يقتضي أنه يستوجب المؤمن بحسن عمله على الله أجرا ، وعند أصحابنا ذلك الاستيجاب حصل بحكم الوعد وعند المعتزلة لذات الفعل وهو باطل لأن نعم الله كثيرة وهي موجبة للشكر والعبودية فلا يصير الشكر والعبودية موجبين لثواب آخر لأن أداء الواجب لا يوجب شيئا آخر . المسألة الثالثة : نظير قوله : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } الخ قول الشاعر : إن الخليفة إن الله سربله سربال ملك به ترجى الخواتيم كرر أن تأكيدا للأعمال والجزاء عليها . المسألة الرابعة : أولئك خبر إن وإنا لا نضيع اعتراض ولك أن تجعل إنا لا نضيع وأولئك خبرين معا ولك أن تجعل أولئك كلاما مستأنفا بيانا للأجر المبهم واعلم أنه تعالى لما أثبت الأجر المبهم أردفه بالتفصيل من وجوه : أولها : صفة مكانهم وهو قوله : { أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الانهار } والعدن في اللغة عبارة عن الإقامة فيجوز أن يكون المعنى أولئك لهم جنات إقامة كما يقال هذه دار إقامة ، ويجوز أن يكون العدن إسما لموضع معين من الجنة / وهو وسطها وأشرف أماكنها وقد استقصينا فيه فيما تقدم وقوله : { جنات } لفظ جمع فيمكن أن يكون المراد ما قاله تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) ويمكن أن يكون المراد أن نصيب كل واحد من المكلفين جنة على حدة وذكر أن من صفات تلك الجنات أن الأنهار تجري من تحتها وذلك لأن أفضل المساكن في الدنيا البساتين التي يجري فيها الأنهار . وثانيها : إن لباس أهل الدنيا إما لباس التحلي ، وإما لباس التستر ، أما لباس التحلي فقال تعالى في صفته : { يحلون فيها من أساور من ذهب } والمعنى أنه يحليهم الله تعالى ذلك أو تحليهم الملائكة وقال بعضهم على كل واحد منهم ثلاثة أسورة سوار من ذهب لأجل هذه الآية وسوار من فضة لقوله تعالى : { وحلوا أساور من فضة } ( الإنسان : 21 ) وسوار من لؤلؤ لقوله تعالى : { ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير } ( الحج : 23 ) ، وأما لباس التستر فقوله : { ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق } والمراد من سندس الآخرة واستبرق الآخرة والأول هو الديباج الرقيق وهو الخز والثاني هو الديباج الصفيق وقيل أصله فارسي معرب وهو استبره ، أي غليظ ، فإن قيل : ما السبب في أنه تعالى قال في الحلي : { يحلون } على فعل ما لم يسم فاعله وقال في السندس والاستبرق ويلبسون فأضاف اللبس إليهم ، قلنا : يحتمل أن يكون اللبس إشارة إلى ما استوجبوه بعملهم وأن يكون الحلي إشارة إلى ما تفضل الله عليهم ابتداء من زوائد الكرم . وثالثها : كيفية جلوسهم فقال في صفتها متكئين فيها على الأرائك . قالوا : الأرائك جمع أريكة وهي سرير في حجلة ، أما للسرير وحده فلا يسمى أريكة . ولما وصف الله تعالى هذه الأقسام قال : { نعم الثواب وحسنت مرتفقا } والمراد أن يكون هذا في مقابلة ما تقدم ذكره من قوله : { وساءت مرتفقا } .

حصہ V21/P103–V21/P105

! 7 < { واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هاذه أبدا ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا لكن هو الله ربى ولا أشرك بربى أحدا ولولاإذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السمآء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح مآؤها غورا فلن تستطيع له طلبا وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها وهى خاوية على عروشها ويقول ياليتنى لم أشرك بربى أحدا ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا } > 7 < الكهف : ( 32 - 44 ) واضرب لهم مثلا . . . . . > > / اعلم أن المقصود من هذا أن الكفار افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين فبين الله تعالى أن ذلك مما لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الفقير غنيا والغني فقيرا ، أما الذي يجب / حصول المفاخرة به فطاعة الله وعبادته وهي حاصلة لفقراء المؤمنين وبين ذلك بضرب هذا المثل المذكور في الآية فقال : { واضرب لهم مثلا رجلين } أي مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين كانا أخوين في بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه براطوس والآخر مؤمن اسمه يهوذا وقيل هما المذكوران في سورة الصافات في قوله تعالى : { قال قائل منهم إنى كان لى قرين } ( الصافات : 51 ) ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فأخذ كل واحد منهما النصف فاشترى الكافر أرضا فقال المؤمن اللهم إني أشتري منك أرضا في الجنة بألف فتصدق به ثم بنى أخوه دارا بألف فقال المؤمن : اللهم إني اشتري منك دارا في الجنة بألف فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال المؤمن اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور العين ثم اشترى أخوه خدما وضياعا بألف فقال المؤمن : اللهم إني اشتريت منك الولدان بألف فتصدق به ثم أصابه حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله وقوله تعالى : { جعلنا لاحدهما جنتين } ، فاعلم أن الله تعالى وصف تلك الجنة بصفات : الصفة الأولى : كونها جنة وسمى البستان جنة لاستتار ما يستتر فيها بظل الأشجار وأصل الكلمة من الستر والتغطية ، والصفة الثانية : قوله : { وحففناهما بنخل } أي وجعلنا النخل محيطا بالجنتين نظيره قوله تعالى : { وترى الملائكة حافين من حول العرش } ( الزمر : 75 ) أي واقفين حول العرش محيطين به ، والحفاف جانب الشيء والأحفة جمع فمعنى قول القائل حف به القوم أي صاروا في أحفته وهي جوانبه قال الشاعر : له لحظات في حفافي سريره إذا كرها فيها عقاب ونائل

حصہ V21/P105–V21/P106

قال صاحب ( الكشاف ) : حفوه إذا طافوا به ، وحففته بهم أي جعلتهم حافين حوله وهو متعد إلى مفعول واحد فتزيده الباء مفعولا ثانيا كقوله : غشيته وغشيته به ، قال : وهذه الصفة مما يؤثرها الدهاقين في كرومهم وهي أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة ، وهو أيضا حسن في المنظر . الصفة الثالثة : { وجعلنا بينهما زرعا } والمقصود منه أمور . أحدها : أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه . وثانيها : أن تكون تلك الأرض متسعة الأطراف متباعدة الأكناف ومع ذلك فإنها لم يتوسطها ما يقطع بعضها عن بعض . وثالثها : أن مثل هذه الأرض تأتي في كل وقت بمنفعة أخرى وهي ثمرة أخرى فكانت منافعها دارة متواصلة . الصفة الرابعة : قوله تعالى : { كلتا الجنتين اتت أكلها ولم تظلم منه شيئا } كلا إسم مفرد معرفة يؤكد به مذكران معرفتان ، وكلتا اسم مفرد يؤكد به مؤنثان معرفتان . وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة كقولك جاءني كلا أخويك ، ورأيت كلا أخويك ، ومررت بكلا أخويك . وجاءني كلتا أختيك ، ورأيت كلتا أختيك ، ومررت بكلتا أختيك ، وإذا أضيفا إلى المضمر كانا في الرفع بالألف ، وفي الجر والنصب بالياء وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضا . وقوله : { اتت أكلها } حمل على اللفظ لأن كلتا لفظه لفظ مفرد ولو قيل أتتا على المعنى لجاز ، وقوله : { ولم تظلم منه شيئا } أي لم تنقص والظلم النقصان ، يقول الرجل : ظلمني حقي أي نقصني . الصفة الخامسة : قوله تعالى : { وفجرنا خلالهما نهرا } أي كان النهر يجري في داخل تلك الجنتين . وفي قراءة يعقوب وفجرنا مخففة وفي قراءة الباقين وفجرنا مشددة والتخفيف هو الأصل لأنه نهر واحد والتشديد على المبالغة لأن النهر يمتد فيكون كأنهار و { خلالهما } أي وسطهما وبينهما . ومنه قوله تعالى : { ولاوضعوا خلالكم } ( التوبة : 47 ) . ومنه يقال خللت القوم أي دخلت بين القوم . الصفة السادسة : قوله تعالى : { وكان له ثمر } قرأ عاصم بفتح الثاء والميم في الموضعين وهو جمع ثمار أو ثمرة ، وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وسكون الميم في الحرفين والباقون بضم الثاء والميم في الحرفين ذكر أهل اللغة : أنه بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما ، وبالفتح حمل الشجر قال قطرب : كان أبو عمرو بن العلاء يقول : الثمر المال والولد ، وأنشد للحارث بن كلدة : ولقد رأيت معاشرا قد أثمروا مالا وولدا مهلا فداء لك الأقوام كلهم ما أثمروه أمن مال ومن ولد

حصہ V21/P106

وقوله : { وكان له ثمر } أي أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثر . وعن مجاهد الذهب والفضة : أي كان مع الجنتين أشياء من النقود ، ولما ذكر الله تعالى هذه الصفات قال بعده : { فقال له صاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } والمعنى أن المسلم كان يحاوره بالوعظ والدعاء إلى الإيمان بالله وبالبعث والمحاورة مراجعة الكلام من قولهم : حار إذا رجع ، قال تعالى : { إنه ظن أن لن يحور بلى } ( الانشقاق : 14 ، 15 ) ، فذكر تعالى أن عند هذه المحاورة قال الكافر : { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } والنفر عشيرة الرجل وأصحابه الذين يقومون بالذب عنه وينفرون معه / وحاصل الكلام أن الكافر ترفع على المؤمن بجاهه وماله ، ثم إنه أراد أن يظهر لذلك المسلم كثرة ماله فأخبر الله تعالى عن هذه الحالة فقال : { ودخل جنته } وأراه إياها على الحالة الموجبة للبهجة والسرور وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ، فإن قيل : لم أفرد الجنة بعد التثنية ؟ قلنا : المراد أنه ليس له جنة ولا نصيب في الجنة التي وعد المتقون المؤمنون وهذا الذي ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدا منهما ، ثم قال تعالى : { وهو ظالم لنفسه } وهو اعتراض وقع في أثناء الكلام ، والمراد التنبيه على أنه لما اعتز بتلك النعم وتوسل بها إلى الكفران والجحود لقدرته على البعث كان واضعا تلك النعم في غير موضعها ، ثم حكى تعالى عن الكافر أنه قال : { وما أظن أن تبيد هاذه أبدا وما أظن الساعة قائمة } فجمع بين هذين ، فالأول قطعه بأن تلك الأشياء لا تهلك ولا تبيد أبدا مع أنها متغيرة متبدلة . فإن قيل : هب أنه شك في القيامة فكيف قال : ما أظن أن تبيد هذه أبدا مع أن الحدس يدل على أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبة باطلة غير باقية ؟ قلنا : المراد أنها لا تبيد مدة حياته ووجوده ، ثم قال : { ولئن رددت إلى ربى لاجدن خيرا منها منقلبا } أي مرجعا وعاقبة وانتصابه على التمييز ونظيره قوله تعالى : { ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى } وقوله : { لاوتين مالا وولدا } والسبب في وقوع هذه الشبهة أنه تعالى لما أعطاه المال في الدنيا ظن أنه إنما أعطاه ذلك لكونه مستحقا له ، والاستحقاق باق بعد الموت فوجب حصول العطاء . والمقدمة الأولى كاذبة فإن فتح باب الدنيا على الإنسان يكون في أكثر الأمر للاستدراج والتملية ، قرأ نافع وابن كثير خيرا منهما ، والمقصود عود الكناية إلى الجنتين ، والباقون منها ، والمقصود عود الكناية إلى الجنة التي دخلها ، ثم ذكر تعالى جواب المؤمن فقال جل جلاله : { قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا } وفيه بحثان : البحث الأول : أن الإنسان الأول قال : { وما أظن الساعة قائمة } وهذا الثاني كفره حيث قال : { أكفرت بالذى خلقك من تراب } وهذا يدل على أن الشاك في حصول البعث كافر .

حصہ V21/P106–V21/P107

البحث الثاني : هذا الاستدلال يحتمل وجهين : الأول : يرجع إلى الطريقة المذكورة في القرآن وهو أنه تعالى لما قدر على الابتداء وجب أن يقدر على الإعادة فقوله : { خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا } إشارة إلى خلق الإنسان في الابتداء . الوجه الثاني : أنه لما خلقك هكذا فلم يخلقك عبثا ، وإنما خلقك للعبودية وإذا خلقك لهذا المعنى وجب أن يحصل للمطيع ثواب وللمذنب عقاب وتقريره ما ذكرناه في سورة يس ، ويدل على هذا الوجه قوله : { ثم سواك رجلا } أي هيأك هيئة تعقل وتصلح للتكليف فهل يجوز في العقل مع هذه الحالة إهماله أمرك ثم قال المؤمن : { لكنا هو الله ربى } وفيه بحثان : البحث الأول : قال أهل اللغة لكنا أصله لكن أنا فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن فاجتمعت النونان فادغمت نون لكن في النون التي بعدها ومثله : وتقلينني لكن إياك لا أقلى أي لكن أنا لا أقليك وهو في قوله : { هو الله ربى } ضمير الشأن وقوله : { الله ربى } جملة من المبتدأ والخبر واقعة في معرض الخبر لقوله : هو فإن قيل قوله : { لكنا } استدراك لماذا ؟ قلنا لقوله : { أكفرت } كأنه قال لأخيه : أكفرت بالله لكني مؤمن موحد كما تقول زيد غائب لكن عمرو حاضر .

حصہ V21/P107

والبحث الثاني : قرأ ابن عامر ويعقوب الحضرمي ونافع في رواية : { لكنا هو الله ربى } في الوصل بالألف . وفي قراءة الباقين : { لكن هو الله ربى } بغير ألف والمعنى واحد ثم قال المؤمن : { ولا أشرك بربى أحدا } ذكر القفال فيه وجوها : أحدها : إني لا أرى الفقر والغنى إلا منه فأحمده إذا أعطى وأصبر إذا ابتلي ولا أتكبر عندما ينعم علي ولا أرى كثرة المال والأعوان من نفسي وذلك لأن الكافر لما اعتز بكثرة المال والجاه فكأنه قد أثبت لله شريكا في إعطاء العز والغنى . وثانيها : لعل ذلك الكافر مع كونه منكرا للبعث كان عابد صنم فبين هذا المؤمن فساد قوله بإثبات الشركاء . وثالثها : أن هذا الكافر لما عجز الله عن البعث والحشر فقد جعله مساويا للخلق في هذا العجز وإذا أثبت المساواة فقد أثبت الشريك ثم قال المؤمن للكافر : { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } فأمره أن يقول هذين الكلامين الأول قوله : { ما شاء الله } وفيه وجهان : الأول : أن تكون ( ما ) شرطية ويكون الجزاء محذوفا والتقدير أي شيء شاء الله كان . والثاني : أن تكون ما موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف وتقديره الأمر ما شاء الله ، واحتج أصحابنا بهذا على أن كل ما أراده الله وقع وكل ما لم يرده لم يقع وهذا يدل على أنه ما أراد الله الإيمان من الكافر وهو صريح في إبطال قول المعتزلة أجاب الكعبي عنه بأن تأويل قولهم : ما شاء مما تولى فعله لا مما هو فعل العباد كما قالوا : لا مرد لأمر الله لم يرد ما أمر به العباد ثم قال : لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريده كما يحصل فيه ما نهى عنه ، واعلم أن الذي ذكر الكعبي ليس جوابا عن الاستدلال بل هو التزام المخالفة لظاهر النص وقياس الإرادة على الأمر ، باطل لأن هذا النص دال على أنه لا يوجد إلا ما أراده الله وليس في النصوص ما يدل على أنه لا يدخل في الوجود إلا ما أمر به فظهر الفرق وأجاب القفال عنه بأن قال : هلا إذا دخلت بستانك قلت ما شاء الله كقول الإنسان هذه الأشياء الموجودة في هذا البستان ما شاء الله ، ومثله قوله : { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } وهم ثلاثة وقوله : { وقولوا حطة } ( البقرة : 58 ) أي قولوا هذه حطة وإذا كان كذلك كان المراد من هذا الشيء الموجود في البستان شيء شاء الله تكوينه وعلى هذا التقدير لم يلزم أن يقال كل ما شاء الله وقع لأن هذا الحكم غير عام في الكل بل مختص بالأشياء المشاهدة في البستان وهذا التأويل الذي ذكره القفال أحسن بكثير مما ذكره الجبائي والكعبي ، وأقول : إنه على جوابه لا يدفع الإشكال على المعتزلة لأن عمارة ذلك البستان ربما حصلت بالغصوب والظلم الشديد فلا يصح أيضا على قول المعتزلة أن يقال : هذا واقع بمشيئة الله . اللهم إلا أن نقول المراد أن هذه الثمار حصلت بمشيئة الله تعالى إلا أن هذا تخصيص لظاهر النص من غير دليل . والكلام الثاني : الذي أمر المؤمن الكافر بأن يقوله هو قوله : { لا قوة إلا بالله } أي لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره .

حصہ V21/P107–V21/P108

والمقصود إنه قال المؤمن للكافر : هلا قلت عند دخول جنتك الأمر ما شاء الله والكائن ما قدره الله اعترافا بأنها وكل خير فيها بمشيئة الله وفضله فإن أمرها بيده إن شاء تركها وإن شاء خربها ، وهلا قلت لا قوة إلا بالله إقرارا بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها فهو بمعونة الله وتأييده لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله ثم إن المؤمن لما علم الكافر الإيمان أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال : { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } من قرأ أقل بالنصب فقد جعل أنا فصلا وأقل مفعولا ثانيا ومن قرأ بالرفع جعل قوله : { أنا } مبتدأ وقوله { أقل } خبر والجملة مفعولا ثانيا لترن واعلم أن ذكر الولد ههنا يدل على أن المراد بالنفر المذكور في قوله : { وأعز نفرا } الأعوان والأولاد كأنه يقول له : إن كنت تراني : { أقل مالا وولدا } وأنصارا في الدنيا الفانية : { فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك } إما في الدنيا ، وإما في الآخرة . ويرسل على جنتك : { حسبانا من السماء } أي عذابا وتخريبا والحسبان مصدر كالغفران والبطلان بمعنى الحساب / أي مقدارا قدره الله وحسبه وهو الحكم بتخريبها . قال الزجاج : عذاب حسبان وذلك الحسبان حسبان ما كسبت يداك وقيل حسبانا أي مرامي الواحد منها حسبانة وهي الصواعق : { فتصبح صعيدا زلقا } أي فتصبح جنتك أرضا ملساء لا نبات فيها والصعيد وجه الأرض ، زلقا أي تصير بحيث تزلق الرجل عليها زلقا ثم قال : { أو يصبح ماؤها غورا } أي يغوص ويسفل في الأرض : { فلن تستطيع له طلبا } أي فيصير بحيث لا تقدر على رده إلى موضعه . قال أهل اللغة في قوله : { ماؤها غورا } أي غائرا وهو نعت على لفظ المصدر كما يقال : فلان زور وصوم للواحد والجمع والمذكر والمؤنث ويقال نساء نوح أي نوائح ثم أخبر الله تعالى أنه حقق ما قدره هذا المؤمن فقال : { وأحيط بثمره } وهو عبارة عن إهلاكه بالكلية وأصله من إحاطة العدو لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه ثم استعمل في كل إهلاك ومنه قوله : { إلا أن يحاط بكم } ( يوسف : 66 ) ومثله قولهم : أتى عليه إذا أهلكه من أتى عليهم العدو إذا جاءهم مستعليا عليهم . ثم قال تعالى : { فأصبح يقلب كفيه } وهو كناية عن الندم والحسرة فإن من عظمت حسرته يصفق إحدى يديه على الأخرى ، وقد يمسح إحداهما على الأخرى ، وإنما يفعل هذا ندامة على ما أنفق في الجنة التي وعظه أخوه فيها وعذله : { وهى خاوية على عروشها } أي ساقطة على عروشها فيمكن أن يكون المراد بالعروش عروش الكرم فهذه العروش سقطت ثم سقطت الجدران عليها ويمكن أن يراد من العروش السقوف وهي سقطت على الجدران .

حصہ V21/P108–V21/P109

وحاصل الكلام أن هذه اللفظة كناية عن بطلانها وهلاكها ، ثم قال تعالى : { ويقول ياليتنى ليتنى لم أشرك بربى أحدا } والمعنى أن المؤمن لما قال : { لكنا هو الله ربى ولا أشرك بربى أحدا } فهذا الكافر تذكر كلامه وقال : { ويقول ياليتنى لم أشرك بربى أحدا } فإن قيل هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنته بشؤم شركه وليس الأمر كذلك لأن أنواع البلاء أكثرها إنما يقع للمؤمنين قال تعالى : { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون } ( الزخرف : 33 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل ) وأيضا فلما قال : { ويقول ياليتنى لم أشرك بربى أحدا } فقد ندم على الشرك ورغب في التوحيد فوجب أن يصير مؤمنا فلم قال بعده : { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا } والجواب عن السؤال الأول : أنه لما عظمت حسرته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا وكان معرضا في كل عمره عن طلب الدين فلما ضاعت الدنيا بالكلية بقي الحرمان عن الدنيا والدين عليه . فلهذا السبب عظمت حسرته والجواب عن السؤال الثاني : أنه إنما ندم على الشرك لاعتقاده أنه لو كان موحدا غير مشرك لبقيت عليه جنته فهو إنما رغب في التوحيد والرد عن الشرك لأجل طلب الدنيا فلهذا السبب ما صار توحيده مقبولا عند الله ثم قال تعالى : { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله } وفيه بحثان :

حصہ V21/P109–V21/P110

البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي : ( ولم يكن له فئة ) بالياء لأن قوله : { فئة } جمع فإذا / تقدم على الكناية جاز التذكير ، ولأنه رعاية للمعنى . والباقون بالتاء المنقوطة باثنتين من فوق لأن الكناية عائدة إلى اللفظة وهي الفئة . البحث الثاني : المراد من قوله : { ينصرونه من دون الله } هو أنه ما حصلت له فئة يقدرون على نصرته من دون الله أي هو الله تعالى وحده القادر على نصرته ولا يقدر أحد غيره أن ينصره ثم قال تعالى : { هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبى } . المسألة الأولى : اختلف القراء في ثلاثة مواضع من هذه الآية . أولها : في لفظ الولاية ففي قراءة حمزة والكسائي بكسر الواو وفي قراءة الباقين بالفتح وحكى عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال : كسر الواو لحن قال صاحب الكشاف : الولاية بالفتح النصرة والتولي وبالكسر السلطان والملك . وثانيها : قرأ أبو عمرو والكسائي قوله : الحق بالرفع والتقدير هنالك الولاية الحق لله وقرأ الباقون بالجر صفة لله . وثالثها : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي وابن عامر عقبا بضم القاف وقرأ عاصم وحمزة عقبى بتسكين القاف . المسألة الثانية : { هنالك الولاية لله } فيه وجوه . الأول : أنه تعالى لما ذكر من قصة الرجلين ما ذكر علمنا أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقال : { هنالك الولاية لله الحق } أي في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام تكون الولاية لله يوالي أولياءه فيغلبهم على أعدائه ويفوض أمر الكفار إليهم فقوله هنالك إشارة إلى الموضع والوقت الذي يريد الله إظهار كرامة أوليائه وإذلال أعدائه ( فيهما ) . والوجه الثاني : في التأويل أن يكون المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولى الله ويلتجيء إليه كل محتاج مضطر يعني أن قوله : { ويقول ياليتنى لم أشرك بربى أحدا } كلمة ألجيء إليها ذلك الكافر فقالها جزعا مما ساقه إليه شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها . والوجه الثالث : المعنى هنالك الولاية لله ينصر بها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم ويشفي صدورهم من أعدائهم يعني أنه تعالى نصر بما فعل بالكافر أخاه المؤمن وصدق قوله في قوله : { فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء } ويعضده قوله : { هو خير ثوابا وخير عقبى } أي لأوليائه . والوجه الرابع : أن قوله هنالك إشارة إلى الدار الآخرة أي في تلك الدار الآخرة الولاية لله كقوله لمن الملك اليوم لله ثم قال تعالى : { هو خير ثوابا } أي في الآخرة لمن آمن به والتجأ إليه : { وخير عقبى } أي هو خير عاقبة لمن رجاه وعمل لوجهه وقد ذكرنا أنه قرىء عقبى بضم القاف وسكونها وعقبى على فعلى وكلها بمعنى العاقبة . ! 7 < { واضرب لهم مثل الحيواة الدنيا كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الا رض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شىء مقتدرا } > 7 < الكهف : ( 45 ) واضرب لهم مثل . . . . . > >

حصہ V21/P110–V21/P111

اعلم أن المقصود : اضرب مثلا آخر يدل على حقارة الدنيا وقلة بقائها والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين على فقراء المؤمنين فقال : { واضرب لهم } أي لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين : { مثل الحيواة الدنيا } ثم ذكر المثل فقال : { كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض } وحينئذ يربو ذلك النبات ويهتز ويحسن منظره كما قال تعالى : { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } ( الحج : 5 ) ثم إذا انقطع ذلك مدة جف ذلك النبات وصار هشيما ، وهو النبت المتكسر المتفتت . ومنه قوله : هشمت أنفه وهشمت الثريد . وأنشد : عمرو الذي هشم الثريد لأهله ورجال مكة مسنتون عجاف وإذا صار النبات كذلك طيرته الرياح وذهبت بتلك الأجزاء إلى سائر الجوانب : { وكان الله على كل شىء مقتدرا } بتكوينه أولا وتنميته وسطا وإبطاله آخرا وأحوال الدنيا أيضا كذلك تظهر أولا في غاية الحسن والنضارة ثم تتزايد قليلا قليلا ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الهلاك والفناء ؛ ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به . والباء في قوله : { فاختلط به نبات الارض } فيه وجوه . الأول : التقدير فاختلط بعض أنواع النبات بسائر الأنواع بسبب هذا الماء وذلك لأن عند نزول المطر يقوي النبات ويختلط بعضه بالبعض ويشتبك بعضه بالبعض ويصير في المنظر في غاية الحسن والزينة . والثاني : فاختلط ذلك الماء بالنبات واختلط ذلك النبات بالماء حتى روى ورف رفيفا . وكان حق اللفظ على هذا التفسير فاختلط بنبات الأرض ووجه صحته أن كل مختلطين موصوف كل واحد منها بصفة صاحبه . ! 7 < { المال والبنون زينة الحيواة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } > 7 ! < < الكهف : ( 46 ) المال والبنون زينة . . . . . > > لما بين تعالى أن الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزوال والبوار والفناء بين تعالى أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا والمقصود إدخال هذا الجزء تحت ذلك الكل وسنعقد منه قياس الإنتاج وهو أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا وكل ما كان من زينة الدنيا فهو سريع الانقضاء والانقراض ينتج إنتاجا بديهيا أن المال والبنين سريعة الانقضاء والانقراض . ومن المقتضى البديهي أن ما كان كذلك فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به أو يفرح بسببه أو يقيم له / في نظره وزنا فهذا برهان باهر على فساد قول أولئك المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بكثرة الأموال والأولاد ثم ذكر ما يدل على رجحان أولئك الفقراء على أولئك الكفار من الأغنياء فقال : { والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } وتقرير هذا الدليل أن خيرات الدنيا منقرضة منقضية وخيرات الآخرة دائمة باقية والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي وهذا معلوم بالضرورة ، لا سيما إذا ثبت أن خيرات الدنيا خسيسة حقيرة وأن خيرات الآخرة عالية رفيعة ، لأن خيرات الدنيا حسية وخيرات الآخرة عقلية والعقلية أشرف من الحسية بكثير بالدلائل المذكورة في تفسير قوله تعالى : { الله نور السماوات والارض } في بيان أن الإدراكات العقلية أفضل من الحسية وإذا كان كذلك كان مجموع السعادات العقلية والحسية هي السعادات الأخروية فوجب أن تكون أفضل من السعادات الحسية الدنيوية والله أعلم . والمفسرون ذكروا في الباقيات الصالحات أقوالا قيل إنها قولنا : ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ) وللشيخ الغزالي رحمه الله في تفسير هذه الكلمات وجه لطيف ، فقال : روي أن من قال سبحان الله حصل له من الثواب عشر مرات ، فإذا قال والحمد لله صارت عشرين ، فإذا قال : ولا إله إلا الله صارت ثلاثين ، فإذا قال والله أكبر صارت أربعين . قال وتحقيق القول فيه أن أعظم مراتب الثواب هو الاستغراق في معرفة الله وفي محبته فإذا قال سبحان الله فقد عرف كونه سبحانه منزها عن كل ما لا ينبغي فحصول هذا العرفان سعادة عظيمة وبهجة كاملة فإذا قال مع ذلك والحمد لله فقد أقر بأن الحق سبحانه مع كونه منزها عن كل ما لا ينبغي فهو المبدأ لإفادة كل ما ينبغي ولإفاضة كل خير وكمال فقد تضاعفت درجات المعرفة فلا جرم قلنا تضاعف الثواب فإذا قال مع ذلك ولا إله إلا الله فقد أقر بأن الذي تنزه عن كل ما لا ينبغي فهو المبدأ لكل ما ينبغي وليس في الوجود موجود هكذا إلا الواحد فقد صارت مراتب المعرفة ثلاثة فلا جرم صارت درجات الثواب ثلاثة فإذا قال والله أكبر معناه أنه أكبر وأعظم من أن يصل العقل إلى كنه كبريائه وجلاله فقد صارت مراتب المعرفة أربعة لا جرم صارت درجات الثواب أربعة . والقول الثاني : أن الباقيات الصالحات هي الصلوات الخمس . والقول الثالث : أنها الطيب من القول كما قال تعالى : { وهدوا إلى الطيب من القول } ( الحج : 24 ) . والقول الرابع : أن كل عمل وقول دعاك إلى الاشتغال بمعرفة الله وبمحبته وخدمته فهو الباقيات الصالحات وكل عمل وقول دعاك إلى الاشتغال بأحوال الخلق فهو خارج عن ذلك وذلك أن كل ما سوى الحق سبحانه فهو فان لذاته هالك لذاته فكان الاشتغال به والالتفات إليه عملا باطلا وسعيا ضائعا . أما الحق لذاته فهو الباقي لا يقبل الزوال لا جرم كان الاشتغال بمعرفة الله ومحبته وطاعته هو الذي يبقى بقاء لا يزول ولا يفنى ثم قال تعالى : { خير عند ربك ثوابا وخير أملا } أي كل عمل أريد به وجه الله فلا شك أن ما يتعلق به من الثواب وما يتعلق به من الأمل يكون خيرا وأفضل ، لأن صاحب تلك الأعمال يؤمل في الدنيا ثواب الله ونصيبه في الآخرة .

سوالات