Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
النوع الثاني : من هذا غوامض الموضع ، وهو أن الأزل متقدم على اللا يزال ، وليس الأزل شيئا سوى الحق ، فتقدم الأزل على اللا يزال ، يتسدعي الامتياز بين الأزل وبين اللا يزال ، فهذا يقتضي أن يكون اللا يزال له مبدأ وطرف ، حتى يحصل هذا الامتياز ، لكن فرض هذا الطرف محال ، لأن كل مبدأ فرضته ، فإن اللايزال ، كان حاصلا قبله ، لأن المبدأ الذي يفرض قبل ذلك الطرف المفروض بزيادة مائة سنة ، يكون من جملة اللايزال ، لا من جملة الأزل ، فقد كان معنى اللايزال موجودا قبل أن كان موجودا وذلك محال . النوع الثالث : من غوامض هذا الموضوع ، أن امتياز الأزل عن اللا يزال ، يستدعي انقضاء حقيقة الأزل ، وانقضاء حقيقة الأزل محال ، لأن مالا أول له يمتنع انقضاؤه ، وإذا امتنع انقضاؤه امتنع أن يحصل عقيبه ماهية اللا يزال ، فإذن يمتنع امتياز الأزل عن اللا يزال ، وامتياز اللا يزال عن الأزال ، وإذا امتنع حصول هذا الإمتياز امتنع حصول التقدم والتأخر ، فهذه أبحاث غامضة في حقيقة التقدم والأولية والأزلية ، وما هي إلا بسبب حيرة العقول البشرية في نور جلال ماهية الأزلية والأولية ، فإن العقل إنما يعرف الشيء إذا أحاط به ، وكل ما استحضره العقل ، ووقف عليه فذاك يصير محاطا به ، والمحاط يكون متناهيا ، والأزلية تكون خارجة عنه ، فهو سبحانه ظاهر باطن في كونه أولا ، لأن العقول شاهدة بإسناد المحدثات إلى موجد متقدم عليها فكونه تعالى أولا أظهر من كل ظاهر من هذه الجهة ، ثم إذا أردت أن تعرف حقيقة تلك الأولية عجزت لأن كل ما أحاط به عقلك وعلمك فهو محدود عقلك ومحاط علمك فيكون متناهيا / فتكون الأولية خارجة عنا ، فكونه تعالى أولا إذا اعتبرته من هذه الجهة كان إبطن من كل باطن ، فهذا هو البحث عن كونه تعالى أولا .
أما البحث عن كونه آخرا ، فمن الناس من قال : هذا محال ، لأنه تعالى إنما يكون آخر الكل ما عداه ، لو بقي هو مع عدم كل ما عداه لكن عدم ما عداه إنما يكون بعد وجوده ، وتلك البعدية ، زمانية ، فإذن لا يمكن فرض عدم كل عداه إلا مع وجود الزمان الذي به تتحقق تلك البعدية ، فإذن حال ما فرض عدم كل ما عداه ، أن لا يعدم كل ما عداه ، فهذا خلف ، فإذن فرض بقائه مع عدم كل ما عداه محال ، وهذه الشبهة مبنية أيضا على أن التقدم والتأخر لا يتقرران إلا بالزمان ، وقد دللنا على فساد هذه المقدمة فبطلت هذه الشبهة ، وأما الذين سلموا إمكان عدم كل ما عداه مع بقائه ، فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه تعالى آخرا للكل ، وهذا مذهب جهم ، فإنه زعم أنه / سبحانه يوصل الثواب إلى أهل الثواب ، ويوصل العقاب إلى أهل العقاب ، ثم يفني الجنة وأهلها ، والنار وأهلها ، والعرش والكرسي والملك والفلك ، ولا يبقى مع الله شيء أصلا ، فكما أنه كان موجودا في الأزل ولا شيء يبقى موجودا في اللا يزال أبد الآباد ولا شيء ، واحتج عليه بوجوه أولها : قوله هو الآخر ، يكون آخرا إلا عند فناء الكل وثانيها : أنه تعالى إما أن يكون عالما بعدد حركات أهل الجنة والنار ، أو لا يكون عالما بها ، فإن كان عالما بها كان عالما بكميتها ، وكل ماله عدد معين فهو متناه ، فإذن حركات أهل الجنة متناهية ، فإذن لا بد وأن يحصل بعدها عدم أبدي غير منقض وإذا لم يكن عالما بها كان جاهلا بها والجهل على الله محال وثالثها : أن الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك فهو متناه والجواب : أن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد ، والدليل عليه هو أن هذه الماهيات لو زالت إمكاناتها ، لزم أن ينقلب الممكن لذاته ممتنعا لذاته ، ولو انقلبت قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير ، لانقلبت الماهيات وذلك محال ، فوجب أن يبقى هذا الإمكان أبدا ، فإذن ثبت أنه يجب انتهاء هذه المحدثات إلى العدم الصرف ، أما التمسك بالآية فسنذكر الجواب عنه بعد ذلك إن شاء الله تعالى وأما الشبهة الثانية : فجوابها أنه يعلم أنه ليس لها عدد معين ، وهذا لا يكون جهلا ، إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه ، أما إذا لم يكن له عدد معين وأنت تعلمه على الوجه فهذا لا يكون جهلا بل علما وأما الشبهة الثالثة : فجوابها أن الخارج منه إلى الوجود أبدا لا يكون متناهيا ، ثم إن المتكلمين لما أثبتوا إمكان بقاء العالم أبدا عولوا في بقاء الجنة والنار أبدا ، على إجماع المسلمين وظواهر الآيات ، ولا يخفى تقريرها ، وأما جمهور المسلمين الذين سلموا بقاء الجنة والنار أبدا ، فقد اختلفوا في معنى كونه تعالى آخرا على وجوه أحدها : أنه تعالى يفني جميع العالم والممكنات فيتحقق كونه آخرا ، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبدا وثانيها : أن الموجود الذي يصح في العقل أن يكون آخرا لكل الأشياء ليس إلا هو ، فلما كانت صحة آخرية كل الأشياء مختصة به سبحانه ، لا جرم وصف بكونه آخرا وثالثها : أن الوجود منه تعالى يبتدىء ، ولا يزال ينزل وينزل حتى ينتهي إلى الموجود الأخير ، الذي كون هو مسببا لكل ما عداه ، ولا يكون سببا لشيء آخر ، فبهذا الاعتبار يكون الحق سبحانه أولا ، ثم إذا انتهى أخذ يترقى من هذا الموجود الأخير درجة فدرجة حتى ينتهي إلى آخر الترقي ، فهناك وجود الحق سبحانه ، فهو سبحانه أول في نزول الوجود منه إلى الممكنات ، آخر عند الصعود من الممكنات إليه ورابعها : أنه يميت الخلق ويبقى بعدهم ، فهو سبحانه آخر بهذا الاعتبار وخامسها : أنه أول في الوجود وآخر في الاستدلال ، لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة الصانع ، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد منها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة ، أما كونه تعالى ظاهرا وباطنا ، فاعلم أنه ظاهر بحسب الوجود ، فإنك لا ترى شيئا من الكائنات والممكنات إلا ويكون دليلا / على وجوده وثبوته وحقيقته وبراءته عن جهات التغير على ما قررناه ، وأما كونه تعالى باطنا فمن وجوه الأول : أن كمال كونه ظاهرا سبب لكونه باطنا ، فإن هذه الشمس لو دامت على الفلك لما كنا نعرف أن هذا الضوء إنما حصل بسببها ، بل ربما كنا نظن أن الأشياء مضيئة لذواتها إلا أنها لما كانت بحيث تغرب ثم ترى أنها متى غربت أبطلت الأنوار وزالت الأضواء عن هذا العالم ، علمنا حينئذ أن هذه الأضواء من الشمس ، فههنا لو أمكن انقطاع وجود الله عن هذه الممكنات لظهر حينئذ أن وجود هذه الممكنات من وجود الله تعالى ، لكنه لما دام ذلك الجود ولم ينقطع صار دوامه وكماله سببا لوقوع الشبهة ، حتى إنه ربما يظن أن نور الوجود ليس منه بل وجود كل شيء له من ذاته ، فظهر أن هذا الاستتار إنما وقع من كمال وجوده ، ومن دوام جوده ، فسبحان من اختفى عن العقول لشدة ظهوره ، واحتجب عنها بكمال نوره .
الوجه الثاني : أن ماهيته غير معقولة للبشر ألبتة ، ويدل عليه أن الإنسان لا يتصور ماهية الشيء إلا إذا أدركه من نفسه على سبيل الوجدان كالألم واللذة وغيرهما أو أدركه بحسه كالألوان والطعوم وسائر المحسوسات ، فأما مالا يكون كذلك فيتعذر على الإنسان أن يتصور ماهيته ألبتة ، وهويته المخصوصة جل جلاله ليست كذلك فلا تكون معقولة للبشر ، ويدل عليه أيضا أن المعلوم منه عند الخلق ، إما الوجود وإما السلوب ، وهو أنه ليس بجسم ولا جوهر ، وإما الإضافة ، وهو أنه الأمر الذي من شأنه كذا وكذا ، والحقيقة المخصوصة مغايرة لهذه الأمور فهي غير معقولة ويدل عليه أن أظهر الأشياء منه عند العقل كونه خالقا لهذه المخلوقات ، ومتقدما عليها ، وقد عرفت حيرة العقل ودهشته في معرفة هذه الأولية ، فقد ظهر بما قدمناه أنه سبحانه هو الأول وهو الآخر ، وهو الظاهر وهو الباطن ، وسمعت والدي رحمه الله يقول : إنه كان يروى أنه لما نزلت هذه الآية أقبل المشركون نحو البيت وسجدوا . المسألة الثانية : احتج كثير من العلماء في إثبات أن الإله واحد بقوله : { هو الاول } قالوا الأول هو الفرد السابق ، ولهذا المعنى لو قال : أول مملوك اشتريته فهو حر ، ثم اشترى عبدين لم يعتقا ، لأن شرط كونه أولا حصول الفردية ، وههنا لم تحصل ، فلو اشترى بعد ذلك عبدا واحدا لم يعتق ، لأن شرط الأولية كونه سابقا وههنا لم يحصل ، فثبت أن الشرط في كونه أولا أن يكون فردا ، فكانت الآية دالة على أن صانع العالم فرد . المسألة الثالثة : أكثر المفسرين قالوا : إنه أول لأنه قبل كل شيء ، وإنه آخر لأنه بعد كل شيء ، وإنه ظاهر بحسب الدلائل ، وإنه باطن عن الحواس محتجب عن الأبصار ، وأن جماعة لما عجزوا عن جواب جهم قالوا : معنى هذه الألفاظ مثل قول القائل : فلان هو أول هذا الأمر وآخره وظاهره وباطنه ، أي عليه يدور ، وبه يتم . واعلم أنه لما أمكن حمل الآية على الوجوه التي ذكرناها مع أنه يسقط بها استدلال جهم / لم يكن بنا إلى حمل الآية على هذا المجاز حاجة ، وذكروا في الظاهر والباطن أن الظاهر هو الغالب العالي على كل شيء ، ومنه قوله تعالى : { فأصبحوا ظاهرين } ( الصف : 14 ) أي غالبين عالين ، من قولك : ظهرت على فلان أي علوته ، ومنه قوله تعالى : { عليها يظهرون } ( الزخرف : 33 ) وهذا معنى ما روى في الحديث : ( وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ) وأما الباطن فقال الزجاج : إنه العالم بما بطن ، كما يقول القائل : فلان يظن أمر فلان ، أي يعلم أحواله الباطنة قال الليث : يقال : أنت أبطن بهذا الأمر من فلان ، أي أخبر بباطنه ، فمعنى كونه باطنا ، كونه عالما ببواطن الأمور ، وهذا التفسير عندي فيه نظر ، لأن قوله بعد ذلك : { وهو بكل شىء عليم } يكون تكرارا . أما على التفسير الأول فإنه يحسن موقعه لأنه يصير التقدير كأنه قيل : إن أحدا لا يحيط به ولا يصل إلى أسراره ، وإنه لا يخفى عليه شيء من أحوال غيره ونظيره { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك } ( المائدة : 116 ) . ! 7 < { هو الذى خلق السماوات والا رض فى ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج فى الا رض وما يخرج منها وما ينزل من السمآء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير } . > 7 < الحديد : ( 4 ) هو الذي خلق . . . . . > >
قوله تعالى : { هو الذى خلق السماوات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش } وهو مفسر في الأعراف والمقصود منه دلائل القدرة . ثم قال تعالى : { يعلم ما يلج فى الارض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها } وهو مفسر في سبأ ، والمقصود منه كمال العلم ، وإنما قدم وصف القدرة على وصف العلم ، لأن العلم بكونه تعالى قادرا قبل العلم بكونه تعالى عالما ، ولذلك ذهب جمع من المحققين إلى أن أول العلم بالله ، هو العلم بكونه قادرا ، وذهب آخرون إلى أن أول العلم بالله هو العلم بكونه مؤثرا ، وعلى التقديرين فالعلم بكونه قادرا متقدم على العلم بكونه عالما . ثم قال تعالى : { وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير } وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه قد ثبت أن كل ما عدا الواجب الحق فهو ممكن ، وكل ممكن فوجوده من الواجب ، فإذن وصول الماهية الممكنة إلى وجودها بواسطة إفادة الواجب الحق ذلك الوجود لتلك الماهية فالحق سبحانه هو المتوسط بين كل ماهية وبين وجودها ، فهو إلى كل ماهية أقرب من وجود تلك الماهية ، ومن هذا السر قال المحققون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله ، وقال المتوسطون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله معه ، وقال الظاهريون : ما رأيت الله بعده . واعلم أن هذه الدقائق التي أظهرناها في هذه المواضع لها درجتان إحداهما : أن يصل الإنسان إليها بمقتضى الفكرة والروية والتأمل والتدبر والدرجة الثانية : أن تتفق لنفس الإنسان / قوة ذوقية وحالة وجدانية لا يمكن التعبير عنها ، وتكون نسبة الإدراك مع الذوق إلى الإدراك لا مع الذوق ، كنسبة من يأكل السكر إلى من يصف حلاوته بلسانه . المسألة الثانية : قال المتكلمون : هذه المعية إما بالعلم وإما بالحفظ والحراسة ، وعلى التقديرين فقد انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز ، فإذن قوله : { وهو معكم } لا بد فيه من التأويل وإذا جوزنا التأويل في موضع وجب تجويزه في سائر المواضع . المسألة الثالثة : اعلم أن في هذه الآيات ترتيبا عجيبا ، وذلك لأنه بين قوله : { هو الاول والاخر والظاهر والباطن } كونه إلها لجميع الممكنات والكائنات ، ثم بين كونه إلها للعرش والسموات والأرضين . ثم بين بقوله : { وهو معكم أينما كنتم } معينه لنا بسبب القدرة والإيجاد والتكوين وبسبب العلم وهو كونه عالما بظواهرنا وبواطننا ، فتأمل في كيفية هذا الترتيب ، ثم تأمل في ألفاظ هذه الآيات فإن فيها أسرارا عجيبة وتنبيهات على أمور عالية . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { له ملك السماوات والا رض وإلى الله ترجع الا مور } . > 7 ! < < الحديد : ( 5 ) له ملك السماوات . . . . . > > أي إلى حيث لا مالك سواه ، ودل بهذا القول على إثبات المعاد . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل وهو عليم بذات الصدور } . > 7 ! < < الحديد : ( 6 ) يولج الليل في . . . . . > > وهذه الآيات قد تقدم تفسيرها في سائر السور ، وهي جامعة بين الدلالة على قدرته ، وبين إظهار نعمه ، والمقصود من إعادتها البعث على النظر والتأمل ، ثم الاشتغال بالشكر . ! 7 < { ءامنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين ءامنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } . > 7 < الحديد : ( 7 ) آمنوا بالله ورسوله . . . . . > >
قوله تعالى : { بالله ورسوله ثم } اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواعا من الدلائل على التوحيد والعلم والقدرة ، أتبعها بالتكاليف ، وبدأ بالأمر بالإيمان ورسوله ، فإن قيل قوله : { ءامنوا } خطاب مع من عرف الله ، أو مع من لم يعرف الله ، فإن كان الأول كان ذلك أمرا بأن يعرفه من عرف ، فيكون ذلك أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال ، وإن كان الثاني ، كان الخطاب متوجها على من لم يكن عارفا به ، ومن لم يكن عارفا به استحال أن يكون عارفا بأمره ، فيكون الأمر متوجها على من يستحيل أن يعرف كونه مأمورا بذلك الأمر ، وهذا تكليف مالا يطاق والجواب : من الناس من قال : معرفة وجود الصانع حاصلة للكل ، وإنما المقصود من هذا الأمر معرفة الصفات . ثم قال تعالى : { ءامنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين ءامنوا منكم وأنفقوا } في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه أمر الناس أولا بأن يشتغلوا بطاعة الله ، ثم أمرهم ثانيا بترك الدنيا والإعراض عنها وإنفاقها في سبيل الله ، كما قال : { قل الله ثم ذرهم } ( الأنعام : 91 ) ، فقوله : { قل الله } هو المراد ههنا من قوله : { بالله ورسوله ثم } وقوله : { ثم ذرهم } هو المراد ههنا من قوله : { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } . المسألة الثانية : في الآية وجهان الأول : أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها ، ثم إنه تعالى جعلها تحت يد المكلف ، وتحت تصرفه لينتفع بها على وفق إذن الشرع ، فالمكلف في تصرفه في هذه الأموال بمنزلة الوكيل والنائب والخليفة ، فوجب أن يسهل عليكم الإنفاق من تلك الأموال ، كما يسهل على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه الثاني : أنه جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم ، لأجل أنه نقل أموالهم إليكم على سبيل الإرث ، فاعتبروا بحالهم ، فإنها كما انتقلت منهم إليكم فستنقل منكم إلى غيركم فلا تبخلوا بها . المسألة الثالثة : اختلفوا في هذا الإنفاق ، فقال بعضهم : هو الزكاة الواجبة ، وقال آخرون : بل يدخل فيه التطوع ، ولا يمتنع أن يكون عاما في جميع وجوه البر ، ثم إنه تعالى ضمن لمن فعل ذلك أجرا كبيرا فقال : { فالذين ءامنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } قال القاضي : هذه الآية تدل على أن هذا الأجر لا يحصل بالإيمان المنفرد حتى ينضاف هذا الإنفاق إليه ، فمن هذا الوجه يدل على أن من أخل بالواجب من زكاة وغيرها فلا أجر له . واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف ، وذلك لأن الآية تدل على أن من أخل بالزكاة الواجبة لم يحصل له ذلك الأجر الكبير ، فلم قلتم : إنها تدل على أنه لا أجر له أصلا . [ بم وقوله تعالى : ! 7 < { وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين } . > 7 ! < < الحديد : ( 8 ) وما لكم لا . . . . . > > وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى وبخ على ترك الإيمان بشرطين أحدهما : أن يدعو الرسول ، والمراد أنه يتلو عليهم القرآن المشتمل على الدلائل الواضحة الثاني : أنه أخذ الميثاق عليهم ، وذكروا في أخذ الميثاق وجهين الأول : ما نصب في العقول من الدلائل الموجبة لقبول دعوة الرسل ، واعلم أن تلك الدلائل كما اقتضت وجوب القبول فهي أوكد من الحلف واليمين ، / فلذلك سماه ميثاقا ، وحاصل الأمر أنه تطابقت دلائل النقل والعقل ، أما النقل فبقوله : { والرسول يدعوكم } ، وأما العقل فبقوله : { وقد أخذ ميثاقكم } ومتى اجتمع هذان النوعان ، فقد بلغ الأمر إلى حيث تمتنع الزيادة عليه ، واحتج بهذه الآية من زعم أن معرفة الله تعالى لا تجب إلا بالسمع ، قال : لأنه تعالى إنما ذمهم بناء على أن الرسول يدعوهم ، فعلمنا أن استحقاق الذم لا يحصل إلا عند دعوة الرسول الوجه الثاني في تفسير أخذ الميثاق : قال عطاء ومجاهد والكلبي والمقاتلان : يريد حين أخرجهم من ظهر آدم ، وقال : { ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) وهذا ضعيف ، وذلك لأنه تعالى إنما ذكر أخذ الميثاق ليكون ذلك سببا في أنه لم يبق لهم عذر في ترك الإيمان بعد ذلك ، وأخذ الميثاق وقت إخراجهم من ظهر آدم غير معلوم للقوم إلا بقول الرسول ، فقبل معرفة صدق الرسول لا يكون ذلك سببا في وجوب تصديق الرسول ، أما نصب الدلائل والبينات فمعلوم لكل أحد ، فذلك يكون سببا لوجوب الإيمان بالرسول ، فعلمنا أن تفسير الآية بهذا المعنى غير جائز . المسألة الثانية : قال القاضي قوله : { وما لكم } يدل على قدرتهم على الإيمان إذ لا يجوز أن يقال ذلك إلا لمن لا يتمكن من الفعل ، كما لا يقال : مالك لا تطول ولا تبيض ، فيدل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل ، وعلى أن القدرة صالحة للضدين ، وعلى أن الإيمان حصل بالعبد لا بخلق الله . المسألة الثالثة : قرىء : { وقد أخذ ميثاقكم } على البناء للفاعل ، أما قوله : { إن كنتم مؤمنين } فالمعنى إن كنتم تؤمنون بشيء لأجل دليل ، فما لكم لا تؤمنون الآن ، فإنه قد تطابقت الدلائل النقلية والعقلية ، وبلغت مبلغا لا يمكن الزيادة عليها . ! 7 < { هو الذى ينزل على عبده ءايات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم } . > 7 ! < < الحديد : ( 9 ) هو الذي ينزل . . . . . > > قال القاضي : بين بذلك أن مراده بإنزال الآيات البينات التي هي القرآن ، وغيره من المعجزات أن يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وأكد ذلك بقوله : { وإن الله بكم لرءوف رحيم } ولو كان تعالى يريد من بعضهم الثبات على ظلمات الكفر ، ويخلق ذلك فيهم ، ويقدره لهم تقديرا لا يقبل الزوال لم يصح هذا القول ، فإن قيل : أليس أن ظاهره يدل على أنه تعالى يخرج من الظلمات إلى النور ، فيجب أن يكون الإيمان من فعله ؟ قلنا : لو أراد بهذا الإخراج خلق الإيمان فيه لم يكن لقوله تعالى : { هو الذى ينزل على عبده ءايات بينات ليخرجكم } معنى ، لأنه سواء تقدم ذلك أو لم يتقدم ، فخلقه لما خلقه لا يتغير ، فالمراد إذن بذلك أنه يلطف بهم في إخراجهم من الظلمات إلى / النور ولولا ذلك لم يكن بأن يصف نفسه بأنه يخرجهم من الظلمات إلى النور أولى من أن يصف نفسه بأنه يخرجهم من النور إلى الظلمات .
واعلم أن هذا الكلام على خسته وروغته معارض بالعلم ، وذلك لأنه تعالى كان عالما بأن علمه سبحانه بعدم إيمانهم قائم ، وعالما بأن هذا العلم ينافي وجود الإيمان ، فإذا كلفهم بتكوين أحد الضدين مع علمه بقيام الضد الآخر في الوجود بحيث لا يمكن إزالته وإبطاله ، فهل يعقل مع ذلك أن يريد بهم ذلك الخير والإحسان ، لا شك أن مما لا يقوله عاقل ، وإذا توجهت المعارضة زالت تلك القوة ، أما قوله : { وإن الله بكم لرءوف رحيم } فقد حمله بعضهم على بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فقط ، وهذا التخصيص لا وجه له ، بل يدخل فيه ذلك مع سائر ما يتمكن به المرء من أداء التكاليف . ! 7 < { وما لكم ألا تنفقوا فى سبيل الله ولله ميراث السماوات والا رض لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولائك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير } . > 7 ! < < الحديد : ( 10 ) وما لكم ألا . . . . . > > ثم قال تعالى : { وما لكم ألا تنفقوا فى سبيل الله ولله ميراث السماوات والارض } . لما أمر أولا بالإيمان وبالإنفاق ، ثم أكد في الآية المتقدمة إيجاب الإيمان أتبعه في هذه الآية بتأكيد إيجاب الإنفاق ، والمعنى أنكم ستموتون فتورثون ، فهلا قدمتموه في الإنفاق في طاعة الله ، وتحقيقه أن المال لا بد وأن يخرج عن اليد ، إما بالموت وإما بالإنفاق في سبيل الله ، فإن وقع على الوجه الأول ، كان أثره اللعن والمقت والعقاب ، وإن وقع على الوجه الثاني ، كان أثره المدح والثواب ، وإذا كان لا بد من خروجه عن اليد ، فكل عاقل يعلم أن خروجه عن اليد بحيث يستعقب المدح والثواب أولى منه بحيث يستعقب اللعن والعقاب . ثم لما بين تعالى أن الإنفاق فضيلة بين أن المسابقة في الإنفاق تمام الفضيلة فقال : { لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : تقدير الآية : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ، ومن أنفق من بعد الفتح ، كما قال : { لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة } ( الحشر : 20 ) إلا أنه حذف لوضوح الحال . المسألة الثانية : المراد بهذا الفتح فتح مكة ، لأن إطلاق لفظ الفتح في المتعارف ينصرف إليه ، قال عليه الصلاة والسلام : ( لا هجرة بعد الفتح ) وقال أبو مسلم : ويدل القرآن على فتح آخر بقوله : { فجعل من دون ذلك فتحا قريبا } ( الفتح : 27 ) وأيهما كان ، فقد بين الله عظم موقع الإنفاق قبل الفتح . / المسألة الثالثة : قال الكلبي : نزلت هذه الآية في فضل أبي بكر الصديق ، لأنه كان أول من أنفق المال على رسول الله في سبيل الله ، قال عمر : ( كنت قاعدا عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال ، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام ، فقال : مالي أرى أبا بكر عليه عباءة خللها في صدره ؟ فقال : أنفق ماله علي قبل الفتح ) .
واعلم أن الآية دلت على أن من صدر عنه الإنفاق في سبيل الله ، والقتال مع أعداء الله قبل الفتح يكون أعظم حالا ممن صدر عنه هذان الأمران بعد الفتح ، ومعلوم أن صاحب الإنفاق هو أبو بكر ، وصاحب القتال هو علي ، ثم إنه تعالى قدم صاحب الإنفاق في الذكر على صاحب القتال ، وفيه إيماء إلى تقديم أبي بكر ، ولأن الإنفاق من باب الرحمة ، والقتال من باب الغضب ، وقال تعالى : ( سبقت رحمتي غضبي ) فكان السبق لصاحب الإنفاق ، فإن قيل : بل صاحب الإنفاق هو علي ، لقوله تعالى : { ويطعمون الطعام } ( الإنسان : 8 ) قلنا : إطلاق القول بأنه أنفق لا يتحقق إلا إذا أنفق في الوقائع العظيمة أموالا عظيمة ، وذكر الواحدي في البسيط أن أبا بكر كان أول من قاتل على الإسلام ، ولأن عليا في أول ظهور الإسلام كان صبيا صغيرا ، ولم يكن صاحب القتال وأما أبا بكر فإنه كان شيخا مقدما ، وكان يذب عن الإسلام حتى ضرب بسببه ضربا أشرف به على الموت . المسألة الرابعة : جعل علماء التوحيد هذه الآية دالة على فضل من سبق إلى الإسلام ، وأنفق وجاهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الفتح ، وبينوا الوجه في ذلك وهو عظم موقع نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام بالنفس ، وإنفاق المال في تلك الحال ، وفي عدد المسلمين قلة ، وفي الكافرين شوكة وكثرة عدد ، فكانت الحاجة إلى النصرة والمعاونة أشد بخلاف ما بعد الفتح ، فإن الإسلام صار في ذلك الوقت قويا ، والكفر ضعيفا ، ويدل عليه قوله تعالى : { والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار } ( التوبة : 100 ) وقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا تسبوا أصحابي ، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) . ثم قال تعالى : { وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير } وفيه مسائل : المسألة الأولى : أي وكل واحد من الفريقين { وعد الله بالحسنى } أي المثوبة الحسنى ، وهي الجنة مع تفاوت الدرجات . المسألة الثانية : القراءة المشهورة { وكلا } بالنصب ، لأنه بمنزلة : زيدا وعدت خيرا ، فهو مفعول وعد ، وقرأ ابن عامر : ( وكل ) بالرفع ، وحجته أن الفعل إذا تأخر عن مفعوله لم يقع عمله فيه ، والدليل عليه أنهم قالوا : زيد ضربت ، وكقوله في الشعر : / قد أصبحت أم الخيار تدعى علي ذنبا كله لم أصنع
روي ( كله ) بالرفع لتأخر الفعل عنه لموجب آخر ، واعلم أن للشيخ عبد القاهر في هذا الباب كلاما حسنا ، قال : إن المعنى في هذا البيت يتفاوت بسبب النصب والرفع ، وذلك لأن النصب يفيد أنه ما فعل كل الذنوب ، وهذا لا ينافي كونه فاعلا لبعض الذنوب ، فإنه إذا قال : ما فعلت كل الذنوب ، أفاد أنه ما فعل الكل ، ويبقى احتمال أنه فعل البعض ، بل عند من يقول : بأن دليل الخطاب حجة يكون ذلك اعترافا بأنه فعل بعض الذنوب . أما رواية الرفع ، وهي قوله : كله لم أصنع ، فمعناه أن كل واحد واحد من الذنوب محكوم عليه بأنه غير مصنوع ، فيكون معناه أنه ماأتى بشيء من الذنوب ألبتة ، وغرض الشاعر أن يدعي البراءة عن جميع الذنوب ، فعلمنا أن المعنى يتفاوت بالرفع والنصب ، ومما يتفاوت فيه المعنى بسبب تفاوت الإعراب في هذا الباب قوله تعالى : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) فمن قرأ ( كل ) شيء بالنصب ، أفاد أنه تعالى خلق الكل بقدر ، ومن قرأ ( كل ) بالرفع لم يفد أنه تعالى خلق الكل ، بل يفيد أن كل ما كان مخلوقا له فهو إنما خلقه بقدر ، وقد يكون تفاوت الإعراب في هذا الباب بحيث لا يوجب تفاوت المعنى كقوله : { والقمر قدرناه } ( يس : 39 ) فإنك سواء قرأت { والقمر } بالرفع أو بالنصب فإن المعنى واحد فكذا في هذه الآية سواء قرأت { وكلا وعد الله الحسنى } أو قرأت { وكل وعد الله الحسنى } فإن المعنى واحد غير متفاوت . المسألة الثالثة : تقدير الآية : وكلا وعده الله الحسنى إلا أنه حذف الضمير لظهوره كما في قوله : { أهاذا الذى بعث الله رسولا } ( الفرقان : 41 ) وكذا قوله : { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا } ( البقرة : 48 ) ثم قال : { والله بما تعملون خبير } والمعنى أنه تعالى لما وعد السابقين والمحسنين بالثواب فلا بد وأن يكون عالما بالجزئيات ، وبجميع المعلومات ، حتى يمكنه إيصال الثواب إلى المستحقين ، إذ لو لم يكن عالما بهم وبأفعالهم على سبيل التفصيل ، لما أمكن الخروج عن عهدة الوعد بالتمام ، فلهذا السبب أتبع ذلك الوعد بقوله : { والله بما تعملون خبير } . [ بم < < الحديد : ( 11 ) من ذا الذي . . . . . > > ثم قال تعالى : ! 7 < { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم } . > 7 ! وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا أن رجلا من اليهود قال عند نزول هذه الآية ما استقرض إله محمد حتى افتقر ، فلطمه أبو بكر ، فشكا اليهودي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : ما أردت بذلك ؟ فقال : ما ملكت نفسي أن لطمته فنزل قوله تعالى : { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } ( آل عمران : 186 ) قال المحققون : اليهودي إنما قال ذلك على سبيل الاستهزاء ، لا لأن العاقل يعتقد أن الإله يفتقر ، وكذا القول في قولهم : { إن الله فقير ونحن أغنياء } ( آل عمران : 181 ) . المسألة الثانية : أنه تعالى أكد بهذه الآية ترغيب الناس في أن ينفقوا أموالهم في نصرة / المسلمين وقتال الكافرين ومواساة فقراء المسلمين ، وسمى ذلك الإنفاق قرضا من حيث وعد به الجنة تشبيها بالقرض .
المسألة الثالثة : اختلفوا في المراد من هذا الإنفاق ، فمنهم من قال : المراد الإنفاقات الواجبة ، ومنهم من قال : بل هو في التطوعات ، والأقرب دخول الكل فيه . المسألة الرابعة : ذكروا في كون القرض حسنا وجوها أحدها : قال مقاتل : يعني طيبة بها نفسه وثانيها : قال الكلبي : يعني يتصدق بها لوجه الله وثالثها : قال بعض العلماء : القرض لا يكون حسنا حتى يجمع أوصافا عشرة الأول : أن يكون من الحلال قال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول ) والثاني : أن يكون من أكرم ما يملكه دون أن ينفق الرديء ، قال الله تعالى : { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } ( البقرة : 267 ) ، الثالث : أن تتصدق به وأنت تحبه وتحتاج إليه بأن ترجو الحياة وهو المراد بقوله تعالى : { ليس البر أن تولوا } ( البقرة : 177 ) وبقول : { ويطعمون الطعام على حبه } ( الإنسان : 8 ) على أحد التأويلات وقال عليه الصلاة والسلام : ( الصدقة أن تعطي وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ، ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا ولفلان كذا ) والرابع : أن تصرف صدقتك إلى الأحوج الأولى بأخذها ، ولذلك خص الله تعالى أقواما بأخذها وهم أهل السهمان الخامس : أن تكتم الصدقة ما أمكنك لأنه تعالى قال : { وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } ( البقرة : 271 ) ، السادس : أن لا تتبعها منا ولا أذى ، قال تعالى : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى } ( البقرة : 264 ) ، السابع : أن تقصد بها وجه الله ولا ترائي ، كما قال : { إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى ولسوف يرضى } ( الليل : 20 ، 21 ) ولأن المرائي مذموم بالاتفاق الثامن : أن تستحقر ما تعطي وإن كثر ، لأن ذلك قليل من الدنيا ، والدنيا كلها قليلة ، وهذا هو المراد من قوله تعالى : { ولا تمنن تستكثر } ( المدثر : 6 ) في أحد التأويلات التاسع : أن يكون من أحب أموالك إليك ، قال تعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ( آل عمران : 92 ) ، العاشر : أن لا ترى عز نفسك وذل الفقير ، بل يكون الأمر بالعكس في نظرك ، فترى الفقير كأن الله تعالى أحال عليك رزقه الذي قبله بقوله : { وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها } ( هود : 6 ) وترى نفسك تحت دين الفقير ، فهذه أوصاف عشرة إذا اجتمعت كانت الصدقة قرضا حسنا / وهذه الآية مفسرة في سورة البقرة . ثم إنه تعالى قال : { فيضاعفه له وله أجر كريم } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : أنه تعالى ضمن على هذا القرض الحسن أمرين أحدهما : المضاعفة على ما ذكر في سورة البقرة ، وبين أن مع المضاعفة له أجر كريم ، وفيه قولان : الأول : وهو قول أصحابنا أن المضاعفة إشارة إلى أنه تعالى يضم إلى قدر الثواب مثله من التفضيل والأجر الكريم / عبارة عن الثواب ، فإن قيل : مذهبكم أن الثواب أيضا تفضل فإذا لم يحصل الامتياز لم يتم هذا التفسير الجواب : أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ ، أن كل من صدر منه الفعل الفلاني ، فله قدر كذا من الثواب ، فذاك القدر هو الثواب ، فإذا ضم إليه مثله فذلك المثل هو الضعف والقول الثاني : هو قول الجبائي من المعتزلة أن الأعواض تضم إلى الثواب فذلك هو المضاعفة ، وإنما وصف الأجر بكونه كريما لأنه هو الذي جلب ذلك الضعف ، وبسببه حصلت تلك الزيادة ، فكان كريما من هذا الوجه . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وابن عامر : ( فيضعفه ) مشددة بغير ألف ، ثم إن ابن كثير قرأ بضم الفاء وابن عامر بفتح الفاء ، وقرأ عاصم ( فيضاعفه ) بالألف وفتح الفاء ، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي : فيضاعفه بالألف وضم الفاء ، قال أبو علي الفارسي : يضاعف ويضعف بمعنى إنما الشأن في تعليل قراءة الرفع والنصب ، أما الرفع فوجهه ظاهر لأنه معطوف على { يقرض } ، أو على الإنقطاع من الأول ، كأنه قيل : فهو يضاعف ، وأما قراء النصب فوجهها أنه لما قال : { من ذا الذى يقرض } فكأنه قال : أيقرض الله أحد قرضا حسنا ، ويكون قوله : { فيضاعفه } جوابا عن الاستفهام فحينئذ ينصب . ! 7 < { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم } . > 7 < الحديد : ( 12 ) يوم ترى المؤمنين . . . . . > > ثم قال تعالى : { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : { يوم ترى } ظرف لقوله : { وله أجر كريم } ( الحديد : 11 ) أو منصوب بأذكر تعظيما لذلك اليوم .
المسألة الثانية : المراد من هذا اليوم هو يوم المحاسبة ، واختلفوا في هذا النور على وجوه : أحدها : قال قوم : المراد نفس النور على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن كل مثاب فإنه يحصل له النور على قدر عمله وثوابه في العظم والصغر ) فعلى هذا مراتب الأنوار مختلفة فمنهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء ، ومنهم من نوره مثل الجبل ، ومنهم من لا يضيء له نور إلا موضع قدميه ، وأدناهم نورا من يكون نوره على إبهامه ينطفىء مرة ويتقد أخرى ، وهذا القول منقول عن ابن مسعود ، وقتادة وغيرهما ، وقال مجاهد : ما من عبد إلا وينادي يوم القيامة يا فلان ها نورك ، ويا فلان لا نور لك ، نعوذ بالله منه ، واعلم أنا بينا في سورة النور ، أن النور الحقيقي هو الله تعالى ، وأن نور العلم الذي هو نور البصيرة أولى بكونه نورا من نور البصر ، وإذا كان كذلك ظهر أن معرفة الله هي النور في القيامة فمقادير الأنوار يوم القيامة على حسب مقادير المعارف في الدنيا القول الثاني : أن المراد من النور ما يكون سببا للنجاة ، وإنما قال : { بين أيديهم وبأيمانهم } لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين ، كماأن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ، ووراء ظهورهم القول الثالث : المراد بهذا النور الهداية إلى الجنة ، كما يقال / ليس لهذا الأمر نور ، إذا لم يكن المقصود حاصلا ، ويقال : هذا الأمر له نور ورونق ، إذا كان المقصود حاصلا . المسألة الثالثة : قرأ سهل بن شعيب { وبأيمانهم } بكسر الهمزة ، والمعنى يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم حصل ذلك السعي ، ونظيره قوله تعالى : { ذالك بما قدمت يداك } ( الحج : 10 ) أي ذلك كائن بذلك . ثم قال تعالى : { بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : حقيقة البشارة ذكرناها في تفسير قوله : { وبشر الذين ءامنوا } ( البقرة : 25 ، يونس : 2 ) ثم قالوا : تقدير الآية ، وتقول لهم الملائكة بشراكم اليوم ، كما قال : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم } ( الرعد : 23 / 24 ) . المسألة الثانية : دلت هذه الآية على أن المؤمنين لا ينالهم أهوال يوم القيامة لأنه تعالى بين أن هذه صفتهم يوم القيامة من غير تخصيص . المسألة الثالثة : احتج الكعبي على أن الفاسق ليس بمؤمن فقال : لو كان مؤمنا لدخل تحت هذه البشارة ، ولو كان كذلك لقطع بأنه من أهل الجنة ، ولما لم يكن كذلك ثبت أنه ليس بمؤمن والجواب : أن الفاسق قاطع بأنه من أهل الجنة لأنه إما أن لا يدخل النار أو إن دخلها لكنه سيخرج منها وسيدخل الجنة ويبقى فيها أبد الآباد ، فهو إذن قاطع بأنه من أهل الجنة ، فسقط هذا الاستدلال . المسألة الرابعة : قوله : { ذالك } عائد إلى جميع ما تقدم وهو النور والبشرى بالجنات المخلدة . المسألة الخامسة : قرىء : ( ذلك الفوز ) ، بإسقاط كلمة : هو . واعلم أنه تعالى لما شرح حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال المنافقين . فقال : ! 7 < { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين ءامنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب } . > 7 < الحديد : ( 13 ) يوم يقول المنافقون . . . . . > >
قوله : { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين ءامنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم لكم نورا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : { يوم يقول } ، بدل من { يوم ترى } ( الحديد : 12 ) ، أو هو أيضا منصوب باذكر تقديرا . المسألة الثانية : قرأ حمزة وحده ( أنظرونا ) مكسورة الظاء ، والباقون ( أنظروا ) ، قال أبو علي / الفارسي لفظ النظر يستعمل على ضروب أحدها : أن تريد به نظرت إلى الشيء ، فيحذف الجار ويوصل الفعل ، كما أنشد أبو الحسن : ظاهرات الجمال والحسن ينظرن كما ينظر الأراك الظباء والمعنى ينظرن إلى الأراك وثانيها : أن تريد به تأملت وتدبرت ، ومنه قولك : إذهب فانظر زيدا أيؤمن ، فهذا يراد به التأمل ، ومنه قوله تعالى : { انظر كيف ضربوا لك الامثال } ( الأسراء : 48 ) ، { انظر كيف يفترون على الله الكذب } ( النساء : 50 ) ، { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } ( الإسراء : 21 ) قال : وقد يتعدى هذا بإلى كقوله : { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } ( الغاشية : 17 ) وهذا نص على التأمل ، وبين وجه الحكمة فيه ، وقد يتعدى بفي ، كقوله : { أولم ينظروا فى ملكوت السماوات والارض } ( الأعراف : 185 ) ، { ولم يتفكروا فى أنفسهم } ( الروم : 8 ) وثالثها : أن يراد بالنظر الرؤية كما في قوله : ولما بدا حوران والآل دونه نظرت فلم تنظر بعينك منظرا والمعنى نظرت ، فلم تر بعينك منظرا تعرفه في الآل قال : إلا أن هذا على سبيل المجاز ، لأنه دلت الدلائل على أن النظر عبارة عن تقلب الحدقة نحو المرئي التماسا لرؤيته ، فلما كانت الرؤية من توابع النظر ولوازمه غالبا أجرى على الرؤية لفظ النظر على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب قال : ويجوز أن يكون قوله : نظرت فلم تنظر ، كما يقال : تكلمت وما تكلمت ، أي ما تكلمت بكلام مفيد ، فكذا هنا نظرت وما نظرت نظرا مفيدا ورابعها : أن يكون النظر بمعنى الانتظار ، ومنه قوله تعالى : { إلى طعام غير ناظرين إناه } ( الأحزاب : 53 ) أي غير منتظرين إدراكه وبلوغه ، وعلى هذا الوجه يكون نظرت معناه انتظرت ، ومجيء فعلت وافتعلت بمعنى واحد كثير ، كقولهم : شويت واشتويت ، وحقرت واحتقرت ، إذا عرفت هذا فقوله : { انظرونا } يحتمل وجهين الأول : أنظرونا ، أي انتظرونا ، لأنه يسرع بالمؤمنين إلى الجنة كالبروق الخاطفة ، والمنافقون مشاة والثاني : أنظرونا أي أنظروا إلينا ، لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم ، والنور بين أيديهم فيستضيئون به ، وأما قراءة ( أنظرونا ) مكسورة الظاء فهي من النظرة والإمهال ، ومنه قوله تعالى : { أنظرنى إلى يوم يبعثون } ( الحجر : 36 ) وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنظار المعسر ، والمعنى أنه جعل اتئادهم في المشي إلى أن يلحقوا بهم إنظارا لهم . واعلم أن أبا عبيدة والأخفش كانا يطعنان في حصة هذه القراءة / وقد ظهر الآن وجه صحتها .
المسألة الثالثة : اعلم أن الاحتمالات في هذا الباب ثلاثة أحدها : أن يكون الناس كلهم في الظلمات ، ثم إنه تعالى يعطي المؤمنين هذه الأنوار ، والمنافقون يطلبونها منهم وثانيها : أن تكون الناس كلهم في الأنوار ، ثم إن المؤمنين يكونون في الجنات فيمرون سريعا ، والمنافقون يبقون وراءهم فيطلبون منهم الانتظار وثالثها : أن يكون المؤمنون في النور والمنافقون في الظلمات ، ثم المنافقون يطلبون النور مع المؤمنين ، وقد ذهب إلى كل واحد من هذه الاحتمالات قوم ، فإن كانت هذه الحالة إنما تقع / عند الموقف ، فالمراد من قوله : { انظرونا } انظروا إلينا ، لأنهم إذا نظروا إليهم ، فقد أقبلوا عليهم ، ومتى أقبلوا عليهم وكانت أنوارهم من قدامهم استضاءوا بتلك الأنوار ، وإن كانت هذه الحالة إنما تقع عند مسير المؤمنين إلى الجنة ، كان المراد من قوله : { انظرونا } يحتمل أن يكون هو الانتظار وأن يكون النظر إليهم . المسألة الرابعة : القبس : الشعلة من النار أو السراج ، والمنافقون طمعوا في شيء من أنوار المؤمنين أن يقتبسوه كاقتباس نيران الدنيا وهو منهم جهل ، لأن تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا ، فلما لم توجد تلك الأعمال في الدنيا امتنع حصول تلك الأنوار في الآخرة ، قال الحسن : يعطى يوم القيامة كل أحد نورا على قدر عمله ، ثم إنه يؤخذ من حر جهنم ومما فيه من الكلاليب والحسك ويلقى على الطريق ، فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر ، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء ، ثم على ذلك تغشاهم ظلمة فتطفىء نور المنافقين ، فهنالك يقول المنافقون للمؤمنين : { انظرونا نقتبس من نوركم } كقبس النار . المسألة الخامسة : ذكروا في المراد من قوله تعالى : { قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا } وجوها أحدها : أن المراد منه : ارجعوا إلى دار الدنيا فالتمسوا هذه الأنوار هنالك ، فإن هذه الأنوار إنما تتولد من اكتساب المعارف الإلهية ، والأخلاق الفاضلة والتنزه عن الجهل والأخلاق الذميمة ، والمراد من ضرب السور ، هو امتناع العود إلى الدنيا وثانيها : قال أبو أمامة : الناس يكونون في ظلمة شديدة ، ثم المؤمنون يعطون الأنوار ، فإذا أسرع المؤمن في الذهاب قال المنافق : { انظرونا نقتبس من نوركم } فيقال لهم : { ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا } قال : وهي خدعة خدع بها المنافقون ، كما قال : { يخادعون الله وهو خادعهم } ( النساء : 142 ) فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا ، فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروبا بينهم وبين المؤمنين وثالثها : قال أبو مسلم : المراد من قول المؤمنين : { ارجعوا } منع المنافقين عن الاستضاءة ، كقول الرجل لمن يريد القرب منه : وراءك أوسع لك ، فعلى هذا القول المقصود من قوله : { ارجعوا } أن يقطعوا بأنه لا سبيل لهم إلى وجدان هذا المطلوب ألبتة ، لا أنه أمر لهم بالرجوع . قوله تعالى : { فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : اختلفوا في السور ، فمنهم من قال : المراد منه الحجاب والحيلولة أي / المنافقون منعوا عن طلب المؤمنين ، وقال آخرون : بل المراد حائط بين الجنة والنار ، وهو قول قتادة ، وقال مجاهد : هو حجاب الأعراف .
المسألة الثانية : الباء في قوله : { بسور } صلة وهو للتأكيد والتقدير : ضرب بينهم سور كذا ، قاله الأخفش ، ثم قال : { له باب } أي لذلك السور باب { باطنه فيه الرحمة } أي في باطن ذلك السور الرحمة / والمراد من الرحمة الجنة التي فيها المؤمنين { وظاهره } يعني وخارج السور { من قبله العذاب } أي من قبله يأتيهم العذاب ، والمعنى أن ما يلي المؤمنين ففيه الرحمة ، وما يلي الكافرين يأتيهم من قبله العذاب ، والحاصل أن بين الجنة والنار حائط وهو السور ، ولذلك السور باب ، فالمؤمنون يدخلون الجنة من باب ذلك السور ، والكافرون يبقون في العذاب والنار . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولاكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الا مانى حتى جآء أمر الله وغركم بالله الغرور } . > 7 ! < < الحديد : ( 14 ) ينادونهم ألم نكن . . . . . > > وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : { ألم نكن معكم } في الدنيا والثاني : { ألم نكن معكم } في العبادات والمساجد والصلوات والغزوات ، وهذا القول هو المتعين . المسألة الثانية : البعد بين الجنة والنار كثير ، لأن الجنة في أعلى السموات ، والنار في الدرك الأسفل ، فهذا يدل على أن البعد الشديد لا يمنع من الإدراك ، ولا يمكن أن يقال : إن الله عظم صوت الكفار بحيث يبلغ من أسفل السافلين إلى أعلى عليين ، لأن مثل هذا الصوت إنما يليق بالأشداء الأقوياء جدا ، والكفار موصوفون بالضعف وخفاء الصوت ، فعلمنا أن البعد لا يمنع من الإدراك على ما هو مذهبنا ، ثم حكى تعالى : أن المؤمنين قالوا بلى كنتم معنا إلا أنكم فعلتم أشياء بسببها وقعتم في هذا العذاب أولها : { ولاكنكم فتنتم أنفسكم } أي بالكفر والمعاصي وكلها فتنة وثانيها : قوله : { وتربصتم } وفيه وجوه أحدها : قال ابن عباس : تربصتم بالتوبة وثانيها : قال مقاتل : وتربصتم بمحمد الموت ، قلتم يوشك أن يموت فنستريح منه وثالثها : كنتم تتربصون دائرة السوء لتلتحقوا بالكفار ، وتتخلصوا من النفاق وثالثها : قوله : { وارتبتم } وفيه وجوه الأول : شككتم في وعيد الله وثانيها : شككتم في نبوة محمد وثالثها : شككتم في البعث والقيامة ورابعها : قوله : { وغرتكم الامانى } قال ابن عباس : يريد الباطل وهو ما كانوا يتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين { حتى جاء أمر الله } يعني الموت ، والمعنى / ما زالوا في خدع الشيطان وغروره حتى أماتهم الله وألقاهم في النار . قوله تعالى : { وغركم بالله الغرور } فيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ سماك بن حرب : { الغرور } بضم الغين ، والمعنى وغركم بالله الاغترار وتقديره على حذف المضاف أي غركم بالله سلامتكم منه مع الاغترار . المسألة الثانية : { الغرور } بفتح الغين هو الشيطان لإلقائه إليكم أن لا خوف عليكم من محاسبة ومجازاة . ! 7 < { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هى مولاكم وبئس المصير } . > 7 < الحديد : ( 15 ) فاليوم لا يؤخذ . . . . . > > الفدية ما يفتدى به وهو قولان : الأول : لا يؤخذ منكم إيمان ولا توبة فقد زال التكليف وحصل الإلجاء .
الثاني : بل المراد لا يقبل منكم فدية تدفعون بها العذاب عن أنفسكم ، كقوله تعالى : { ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة } ( البقرة : 123 ) ، واعلم أن الفدية ما يفتدى به فهو يتناول الإيمان والتوبة والمال ، وهذا يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلا على ما تقوله المعتزلة لأنه تعالى بين أنه لا يقبل الفدية أصلا والتوبة فدية ، فتكون الآية دالة على أن التوبة غير مقبولة أصلا ، وإذا كان كذلك لم تكن التوبة واجبة القبول عقلا أما قوله : { ولا من الذين كفروا } ففيه بحث : وهو عطف الكافر على المنافق يقتضي أن لا يكون المنافق كافرا لوجوب حصول المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه والجواب : المراد الذين أظهروا الكفر وإلا فالمنافق كافر . ثم قال تعالى : { مأواكم النار هى مولاكم وبئس المصير } . وفي لفظ المولى ههنا أقوال : أحدها قال ابن عباس : { مولاكم } أي مصيركم ، وتحقيقه أن المولى موضع الولي ، وهو القرب ، فالمعنى أن النار هي موضعكم الذي تقربون منه وتصلون إليه ، والثاني : قال الكلبي : يعني أولى بكم ، وهو قول الزجاج والفراء وأبي عبيدة ، واعلم أن هذا الذي قالوه معنى وليس بتفسير للفظ ، لأن لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة ، لصح استعمال كل واحد منهما في مكان الآخر ، فكان يجب أن يصح أن يقال : هذا مولى من فلان كما يقال : هذا أولى من فلان ، ويصح أن يقال : هذا أولى فلان كما يقال : هذا مولى فلان ، ولما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنى وليس بتفسير ، وإنما نبهنا على هذه الدقيقة لأن الشريف المرتضى لما تسمك بإمامة علي ، بقوله / عليه السلام : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) قال : أحد معاني مولى معناه أولى ، واحتج في ذلك بأقوال أئمة اللغة في تفسير هذه الآية ، بأن مولى معناه أولى ، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له وجب حمله عليه ، لأن ما عداه إما بين الثبوت ، ككونه ابن العم والناصر ، أو بين الإنتفاء ، كالمعتق والمعتق ، فيكون على التقدير الأول عبثا ، وعلى التقدير الثاني كذبا ، وأما نحن فقد بينا بالدليل أن قول هؤلاء في هذا الموضع معنى لا تفسير ، وحينئذ يسقط الاستدلال به ، وفي الآية وجه آخر : وهو أن معنى قوله : { هى مولاكم } أي لا مولى لكم ، وذلك لأن من كانت النار مولاه فلا مولى له ، كما يقال : ناصره الخذلان ومعينه البكاء ، أي لا ناصر له ولا معين ، وهذا الوجه متأكد بقوله تعالى : { وأن الكافرين لا مولى لهم } ( محمد : 11 ) ومنه قوله تعالى : { يغاثوا بماء كالمهل } ( الكهف : 29 ) . ( 16 ) ! 7 < { ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الا مد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون } . > 7 ! < < الحديد : ( 16 ) ألم يأن للذين . . . . . > > وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ الحسن : ( ألما يأن ) ، قال ابن جني : أصل لما لم ، ثم زيد عليها ما فلم نفي لقوله أفعل ، ولما نفي لقوله قد يفعل ، وذلك لأنه لما زيد في الإثبات قد لا جرم زيد في نفيه ما ، إلا أنهم لما ركبوا لم مع ما حدث لها معنى ولفظ ، أما المعنى فإنها صارت في بعض المواضع ظرفا ، فقالوا : لما قمت قام زيد ، أي وقت قيامك قام زيد ، وأما اللفظ فإنه يجوز أن تقف عليها دون مجزومها ، فيجوز أن تقول : جئت ولما ، أي ولما يجيء ، ولا يجوز أن يقول : جئت ولم . وأما الذين قرأوا : { ألم يأن } فالمشهور ألم يأن من أنى الأمر يأني إذا جاء إناء أتاه أي وقته . وقرىء : ( ألم يئن ) ، من أن يئين بمعنى أنى يأني . المسألة الثانية : اختلفوا في قوله : { ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } فقال بعضهم : نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع ، والقائلون بهذا القول لعلهم ذهبوا إلى أن المؤمن لا يكون مؤمنا في الحقيقة إلا مع خشوع القلب ، فلا يجوز أن يقول تعالى ذلك إلا لمن ليس بمؤمن ، وقال آخرون : بل المراد من هو مؤمن على الحقيقة ، / لكن المؤمن قد يكون له خشوع وخشية ، وقد لا يكون كذلك ، ثم على هذا القول تحتمل الآية وجوها أحدها : لعل طائفة من المؤمنين ما كان فيهم مزيد خشوع ولا رقة ، فحثوا عليه بهذه الآية وثانيها : لعل قوما كان فيهم خشوع كثير ، ثم زال منهم شدة ذلك الخشوع فحثوا على المعاودة إليها ، عن الأعمش قال : إن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا لينا في العيش ورفاهية ، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية وعن أبي بكر : أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديدا ، فنظر إليهم فقال : هكذا كنا حتى قست القلوب ، وأما قوله : { لذكر الله } ففيه قولان : الأول : أن تقدير الآية ، أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم لذكر الله ، أي مواعظ الله التي ذكرها في القرآن ، وعلى هذا الذكر مصدر أضيف إلى الفاعل والقول الثاني : أن الذكر مضاف إلى المفعول ، والمعنى لذكرهم الله ، أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعا ، ولا يكونوا كمن ذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر ، وقوله تعالى : { وما نزل من الحق } فيه مسائل : المسألة الأولى : ( ما ) في موضع جر بالعطف على الذكر وهو موصول ، والعائد إليه محذوف على تقدير { وما نزل من الحق } ، ثم قال ابن عباس في قوله : { وما نزل من الحق } يعني القرآن . المسألة الثانية : قال أبو علي : قرأ نافع وحفص والمفضل عن عاصم ، { وما نزل من الحق } خفيفة ، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم ، { وما نزل } ، مشددة ، وعن أبي عمرو { وما نزل من الحق } مرتفعة النون مكسورة الزاي ، والتقدير في القراءة الأولى : أن تخشع قلوبهم لذكر الله ولما نزل من الحق ، وفي القراءة الثانية ولما نزله الله من الحق ، وفي القراءة الثالثة ولما نزل من الحق .
المسألة الثالثة : يحتمل أن يكون المراد من الحق هو القرآن لأنه جامع للوصفين الذكر والموعظة وإنه حق نازل من السماء ، ويحتمل أن يكون المراد من الذكر هو ذكر الله مطلقا ، والمراد بما نزل من الحق هو القرآن / وإنما قدم الخشوع بالذكر على الخشوع بما نزل من القرآن ، لأن الخشوع والخوف والخشية لا تحصل إلا عند ذكر الله ، فأما حصولها عند سماع القرآن فذاك لأجل اشتمال القرآن على ذكر الله ، ثم قال تعالى : { ولا يكونوا } قال الفراء : هو في موضع نصب معناه : ألم يأن أن تخشع قلوبهم ، وأن لا يكونوا ، قال : ولو كان جزما على النهي كان صوابا ، ويدل على هذا الوجه قراءة من قرأ بالتاء على سبيل الالتفات ، ثم قال : { كالذين أوتوا الكتاب من قبل } يريد اليهود والنصارى : { فطال عليهم الامد } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكروا في تفسير طول الأمد وجوها أحدها : طالت المدة بينهم وبين أنبيائهم فقست قلوبهم وثانيها : قال ابن عباس : مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله وثالثها : طالت أعمارهم في الغفلة فحصلت القسوة في قلوبهم بذلك السبب ورابعها : قال : / ابن جبان : الأمد ههنا الأمل البعيد ، والمعنى على هذا طال عليهم الأمد بطول الأمل ، أي لما طالت آمالهم لا جرم قست قلوبهم وخامسها : قال مقاتل بن سليمان : طال عليهم أمد خروج النبي عليه السلام وسادسها : طال عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما عن قلوبهم فلا جرم قست قلوبهم ، فكأنه تعالى نهى المؤمنين عن أن يكونوا كذلك ، قاله القرظي . المسألة الثانية : قرىء ( الأمد ) بالتشديد ، أي الوقت الأطول ، ثم قال : { وكثير منهم فاسقون } أي خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين ، وكأنه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسق في آخر الأمر . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { اعلموا أن الله يحى الا رض بعد موتها قد بينا لكم الا يات لعلكم تعقلون } . > 7 ! < < الحديد : ( 17 ) اعلموا أن الله . . . . . > > وفيه وجهان الأول : أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة ، فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث والثاني : أن المراد من قوله : { فانظر إلىءاثار رحمة } بعث الأموات فذكر ذلك ترغيبا في الخشوع والخضوع وزجرا عن القساوة . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم } . > 7 ! < < الحديد : ( 18 ) إن المصدقين والمصدقات . . . . . > > وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أبو علي الفارسي : قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر : { إن المصدقين والمصدقات } بالتخفيف ، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم : { إن المصدقين والمصدقات } بتشديد الصاد فيهما ، فعلى القراءة الأولى يكون معنى المصدق المؤمن ، فيكون المعنى : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } لأن إقراض الله من الأعمال الصالحة ، ثم قالوا : وهذه القراءة أولى لوجهين الأول : أن من تصدق لله وأقرض إذا لم يكن مؤمنا لم يدخل تحت الوعد ، فيصير ظاهر الآية متروكا على قراءة التشديد ، ولا يصير متروكا على قراءة التخفيف والثاني : أن المتصدق هو الذي يقرض الله ، فيصير قوله : { إن المصدقين والمصدقات } وقوله : { وأقرضوا الله } شيئا واحدا وهو تكرار ، أما على قراءة التخفيف فإنه لا يلزم التكرار ، وحجة من نقل وجهان أحدهما : أن في قراءة أبي : { ءان المتصدقين والمتصدقات } بالتاء والثاني : أن قوله : { وأقرضوا الله قرضا حسنا } اعتراض بين الخبر والمخبر عنه ، والاعتراض بمنزلة الصفة ، فهو للصدقة أشد ملازمة / منه للتصديق ، وأجاب الأولون : بأنا لا نحمل قوله : { وأقرضوا } على الاعتراض ، ولكنا نعطفه على المعنى ، ألا ترى أن المصدقين والمصدقات معناه : إن الذين صدقوا ، فصار تقدير الآية : إن الذين صدقوا وأقرضوا الله . المسألة الثانية : في الآية إشكال وهو أن عطف الفعل على الاسم قبيح فما الفائدة في التزامه ههنا ؟ قال صاحب الكشاف قوله : { وأقرضوا } معطوف على معنى الفعل في المصدقين ، لأن اللام بمعنى الذين ، واسم الفاعل بمعنى صدقوا ، كأنه قيل : إن الذين صدقوا وأقرضوا ، واعلم أن هذا لا يزيل الإشكال فإنه ليس فيه بيان أنه لم عدل عن ذلك اللفظ إلى هذا اللفظ ، والذي عندي فيه أن الألف واللام في المصدقين والمصدقات للمعهود ، فكأنه ذكر جماعة معينين بهذا الوصف ثم قبل ذكر الخبر أخبر عنهم بأنهم أتوا بأحسن أنواع الصدقة وهو الإتيان بالقرض الحسن ، ثم ذكر الخبر بعد ذلك وهو قوله : { يضاعف لهم } فقوله : { وأقرضوا الله } هو المسمى بحشو اللوزنج كما في قوله : إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان المسألة الثالثة : من قرأ : { المصدقين } بالتشديد اختلفوا في أن المراد هو الواجب أو التطوع أو هما جميعا ، أو المراد بالتصدق الواجب وبالإقراض التطوع لأن تسميته بالقرض كالدلالة على ذلك فكل هذه الاحتمالات مذكورة ، أما قوله : { يضاعف لهم ولهم أجر كريم } فقد تقدم القول فيه . ! 7 < { والذين ءامنوا بالله ورسله أولائك هم الصديقون والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بأاياتنآ أولائك أصحاب الجحيم } . > 7 ! < < الحديد : ( 19 ) والذين آمنوا بالله . . . . . > > اعلم أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية حال المؤمنين والمنافقين ، وذكر الآن حال المؤمنين وحال الكافرين ، ثم في الآية مسألتان :
المسألة الأولى : الصديق نعت لمن كثر منه الصدق ، وجمع صدقا إلى صدق في الإيمان بالله تعالى ورسله وفي هذه الآية قولان : أحدهما : أن الآية عامة في كل من آمن بالله ورسله وهو مذهب مجاهد قال : كل من آمن بالله ورسله فهو صديق ثم قرأ هذه الآية ، ويدل على هذا ما روي عن ابن عباس في قوله : { هم الصديقون } أي الموحدون الثاني : أن الآية خاصة ، وهو قول المقاتلين : أن الصديقين هم الذين آمنوا بالرسل حين أتوهم ولم يكذبوا ساعة قط مثل آل ياسين ، ومثل مؤمن آل فرعون ، وأما في ديننا فهم ثمانية سبقوا أهل الأرض إلى الإسلام أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته . / المسألة الثانية : قوله : { والشهداء } فيه قولان : الأول : أنه عطف على الآية الأولى والتقدير : إن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم الشهداء ، قال مجاهد : كل مؤمن فهو صديق وشهيد وتلا هذه الآية ، جذا القول اختلفوا في أنه لم سمي كل مؤمن شهيد ؟ فقال بعضهم لأن المؤمنين هم الشهداء عند ربهم على العباد في أعمالهم ، والمراد أنهم عدول الآخرة الذي تقبل شهادتهم ، وقال الحسن : السبب في هذا الاسم أن كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه ، وقال الأصم : كل مؤمن شهيد لأنه قائم لله تعالى بالشهادة فيما تعبدهم به من وجوب الإيمان ووجوب الطاعات وحرمة الكفر والمعاصي ، وقال أبو مسلم : قد ذكرنا أن الصديق نعت لمن كثر منه الصدق وجمع صدقا إلى صدق في الإيمان بالله تعالى ورسله فصاروا بذلك شهداء على غيرهم القول الثاني : أن قوله : { والشهداء } ليس عطفا على ما تقدم بل هو مبتدأ ، وخبره قوله : { عند ربهم } أو يكون ذلك صفة وخبره هو قوله : { لهم أجرهم } وعلى هذا القول اختلفوا في المراد من الشهداء ، فقال الفراء والزجاج : هم الأنبياء لقوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) وقال مقاتل ومحمد بن جرير : الشهداء هم الذين استشهدوا في سبيل الله ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما تعدون الشهداء فيكم ؟ قالوا : المقتول ، فقال : إن شهداء أمتي إذا لقليل ، ثم ذكر أن المقتول شهيد ، والمبطون شهيد ، والمطعون شهيد ) الحديث . واعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين ، أتبعه بذكر حال الكافرين فقال : { والذين كفروا وكذبوا بئاياتنا أولائك أصحاب الجحيم } . ولما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين ذكر بعده ما يدل على حقارة الدنيا وكمال حال الآخرة فقال : ! 7 < { اعلموا أنما الحيواة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر فى الا موال والا ولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفى الا خرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحيواة الدنيآ إلا متاع الغرور } . > 7 ! < < الحديد : ( 20 ) اعلموا أنما الحياة . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المقصود الأصلي من الآية تحقير حال الدنيا وتعظيم حال الآخرة فقال : / الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر ، ولا شك أن هذه الأشياء أمور محقرة ، وأما الآخرة فهي عذاب شديد دائم أو رضوان الله على سبيل الدوام ، ولا شك أن ذلك عظيم .