Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الثانية : اعلم أن الحياة الدنيا حكمة وصواب ، ولذلك لما قال تعالى : { إني جاعل فى الارض خليفة قالوا إنى علم مالا تعلمون } ( البقرة : 30 ) ولولا أنها حكمة وصواب لما قال ذلك ، ولأن الحياة خلقه ، كما قال : { الذى خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) وأنه لا يفعل العبث على ما قال : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } ( المؤمنين : 115 ) وقال : { وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا } ولأن الحياة نعمة بل هي أصل لجميع النعم ، وحقائق الأشياء لا تختلف بأن كانت في الدنيا أو في الآخرة ، ولأنه تعالى عظم المنة بخلق الحياة فقال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ( البقرة : 28 ) فأول ما ذكر من أصناف نعمه هو الحياة ، فدل مجموع ما ذكرنا على أن الحياة الدنيا غير مذمومة ، بل المراد أن من صرف هذه الحياة الدنيا لا إلى طاعة الله بل إلى طاعة الله بل إلى طاعة الشيطان ومتابعة الهوى ، فذاك هو المذموم ، ثم إنه تعالى وصفها بأمور : أولها : أنها { لعب } وهو فعل الصبيان الذين يتعبون أنفسهم جدا ، ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة وثانيها : أنها { لهو } وهو فعل الشبان ، والغالب أن بعد انقضائه لا يبقى إلا الحسرة ، وذلك لأن العاقل بعد انقضائه يرى المال ذاهبا والعمر ذاهبا ، واللذة منقضية ، والنفس ازدادت شوقا وتعطشا إليه مع فقدانها ، فتكون المضار مجتمعة متوالية وثالثها : أنها { زينة } وهذا دأب النساء لأن المطلوب من الزينة تحسين القبيح ، وعمارة البناء المشرف على أن يصير خرابا ، والاجتهاد في تكميل الناقص ، ومن المعلوم أن العرضي لا يقاوم الذاتي ، فإذا كانت الدنيا منقضية لذاتها ، فاسدة لذاتها ، فكيف يتمكن العاقل من إزالة هذه المفاسد عنها ، قال ابن عباس : المعنى أن الكافر يشتغل طول حياته بطلب زينة الدنيا دون العمل للآخرة ، وهذا كما قيل : حياتك يا مغرور سهو وغفلة ورابعها : { شهادة بينكم } بالصفات الفانية الزائلة ، وهو إما التفاخر بالنسب ، أو التفاخر بالقدرة والقوة والعساكر وكلها ذاهبة وخامسها : قوله : { وتكاثر فى الاموال والاولاد } قال ابن عباس : يجمع المال في سخط الله ، ويتباهى به على أولياء الله ، ويصرفه في مساخط الله ، فهو ظلمات بعضها فوق بعض ، وأنه لا وجه بتبعية أصحاب الدنيا يخرج عن هذه الأقسام ، وبين أن حال الدنيا إذا لم يخل من هذه الوجوه فيجب أن يعدل عنها إلى ما يؤدي إلى عمارة الآخرة ، ثم ذكر تعالى لهذه الحياة مثلا ، فقال : { كمثل غيث } يعني المطر ، ونظيره قوله تعالى : { واضرب لهم مثل الحيواة الدنيا كماء } ( الكهف : 45 ) والكاف في قوله : { كمثل غيث } موضعة رفع من وجهين أحدهما : أن يكون صفة لقوله : { لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر } ، والآخر : أن يكون خبرا بعد خبر قاله الزجاج ، وقوله : { أعجب الكفار نباته } فيه قولان : الأول : قال ابن مسعود : المراد من الكفار الزراع قال الأزهري : والعرب تقول للزارع : كافر ، لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض ، وإذا / أعجب الزراع نباته مع علمهم به فهو في غاية الحسن الثاني : أن المراد بالكفار في هذه الآية الكفار بالله وهم أشد إعجابا بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين ، لأنهم لا يرون سعادة سوى سعادة الدنيا ، وقوله : { نباته } أي ما نبت من ذلك الغيث ، وباقي الآية مفسر في سورة الزمر .
ثم إنه تعالى ذكر بعده حال الآخرة فقال : { وفى الاخرة عذاب شديد } أي لمن كانت حياته بهذه الصفة ، ومغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته ، وذلك لأنه لما وصف الدنيا بالحقارة وسرعة الانقضاء ، بين أن الآخرة إما عذاب شديد دائم ، وإما رضوان ، وهو أعظم درجات الثواب ، ثم قال : { وما الحيواة الدنيا إلا متاع الغرور } يعني لمن أقبل عليها ، وأعرض بها عن طلب الآخرة ، قال سعيد بن جبير : الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة ، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم الوسيلة . ! 7 < { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السمآء والا رض أعدت للذين ءامنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم } . > 7 ! < < الحديد : ( 21 ) سابقوا إلى مغفرة . . . . . > > ثم قال تعالى : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والارض } والمراد كأنه تعالى قال : لتكن مفاخرتكم ومكاثرتكم في غير ما أنتم عليه ، بل احرصوا على أن تكون مسابقتكم في طلب الآخرة . واعلم أنه تعالى أمر بالمسارعة في قوله : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } ثم شرح ههنا كيفية تلك المسارعة ، فقال : { سارعوا } مسارعة المسابقين لأقرانهم في المضمار ، وقوله : { وسارعوا إلى مغفرة } فيه مسألتان : المسألة الأولى : لا شك أن المراد منه المسارعة إلى ما يوجب المغفرة ، فقال قوم المراد سابقوا إلى التوبة ، وقال آخرون : المراد سابقوا إلى سائر ما كلفتم به فدخل فيه التوبة ، وهذا أصح لأن المغفرة والجنة لا ينالان إلا بالانتهاء عن جميع المعاصي والاشتغال بكل الطاعات . المسألة الثانية : احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية ، فقالوا : هذه الآية دلت على وجوب المسارعة ، فوجب أن يكون التراخي محظورا ، أما قوله تعالى : { وجنة عرضها كعرض السماء والارض } وقال : في آل عمران { وجنة عرضها السماوات والارض } ( آل عمران : 133 ) ، فذكروا فيه وجوها أحدها : أن السموات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها ببعض لكانت الجنة في عرضها ، هذا قول مقاتل وثانيها : قال : عطاء ( عن ) ابن عباس يريد أن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه الصفة ، وثالثها : قال السدي : إن الله تعالى شبه عرض الجنة بعرض السموات السبع والأرضين السبع ، ولا شك أن طولها أزيد من عرضها ، فذكر العرض تنبيها على أن طولها أضعاف ذلك ، ورابعها : أن هذا تمثيل للعبادة بما يعقلونه ويقع في نفوسهم وأفكارهم ، وأكثر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض وهذا قول الزجاج ، وخامسها : / وهو اختيار ابن عباس أن الجنان أربعة ، قال تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) وقال : { ومن دونهما جنتان } ( الرحمن : 62 ) فالمراد ههنا تشبيه واحدة من تلك الجنان في العرض بالسموات السبع والأرضين السبع . ثم قال تعالى : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : احتج جمهور الأصحاب بهذا على أن الجنة مخلوقة ، وقالت المعتزلة هذه الآية : لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجهين : الأول : أن قوله تعالى : { أكلها دائم } ( الرعد : 35 ) يدل على أن من صفتها بعد وجودها أن لا تفنى ، لكنها لو كانت الآن موجودة لفنيت بدليل قوله تعالى : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) الثاني : أن الجنة مخلوقة وهي الآن في السماء السابعة ، ولا يجوز مع أنها في واحدة منها أن يكون عرضها كعرض كل السموات ، قالوا : فثبت بهذين الوجهين أنه لا بد من التأويل ، وذلك من وجهين : الأول : أنه تعالى لما كان قادرا لا يصح المنع عليه ، وكان حكيما لا يصح الخلف في وعده ، ثم إنه تعالى وعد على الطاعة بالجنة ، فكانت الجنة كالمعدة المهيأة لهم تشبيها لما سيقع قطعا بالواقع ، وقد يقول المرء لصاحبه : ( أعدت لك المكافأة ) إذا عزم عليها ، وإن لم يوجدها ، والثاني : أن المراد إذا كانت الآخرة أعدها الله تعالى لهم كقوله تعالى : { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } ( الأعراف : 50 ) أي إذا كان يوم القيامة نادى الجواب : أن قوله : { كل شىء هالك } عام ، وقوله : { أعدت للمتقين } مع قوله : { أكلها دائم } خاص ، والخاص مقدم على العام ، وأما قوله ثانيا : الجنة مخلوقة في السماء السابعة قلنا : إنها مخلوقة فوق السماء السابعة على ما قال عليه السلام في صفة الجنة : ( سقفها عرش الرحمن ) وأي استبعاد في أن يكون المخلوق فوق الشيء أعظم منه ، أليس أن العرش أعظم المخلوقات ، مع أنه مخلوق فوق السماء السابعة . المسألة الثانية : قوله : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } فيه أعظم رجاء وأقوى أمل ، إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسله ؛ ولم يذكر مع الإيمان شيئا آخر ، والمعتزلة وإن زعموا أن لفظ الإيمان يفيد جملة الطاعات بحكم تصرف الشرع ، لكنهم اعترفوا بأن لفظ الإيمان إذا عدي بحرف الباء ، فإنه باق على مفهومه الأصلي وهو التصديق ، فالآية حجة عليهم ، ومما يتأكد به ما ذكرناه قوله بعد هذه الآية : { ذالك فضل الله يؤتيه من يشاء } يعني أن الجنة فضل لا معاملة ، فهو يؤتيها من يشاء من عباده سواء أطاع أو عصى ، فإن قيل : فيلزمكم أن تقطعوا بحصول الجنة لجميع العصاة ، وأن تقطعوا بأنه لا عقاب لهم ؟ قلنا : نقطع بحصول الجنة لهم ، ولا نقطع بنفي العقاب عنهم ، لأنهم إذا عذبوا مدة ثم نقلوا إلى الجنة وبقوا فيها أبد الآباد ، فقد كانت الجنة معدة لهم ، فإن قيل : فالمرتد قد آمن بالله ، فوجب أن يدخل تحت الآية قلت : خص من العموم ، فيبقى العموم حجة فيما عداه .
/ ثم قال تعالى : { ذالك فضل الله يؤتيه من يشاء } زعم جمهور أصحابنا أن نعيم الجنة تفضل محض لا أنه مستحق بالعمل ، وهذا أيضا قول الكعبي من المعتزلة ، واحتجوا على صحة هذا المذهب بهذه الآية ، أجاب القاضي عنه فقال : هذا إنما يلزم لو امتنع بين كون الجنة مستحقة وبين كونها فضلا من الله تعالى ، فأما إذا صح اجتماع الصفتين فلا يصح هذا الاستدلال ، وإنما قلنا : إنه لا منافاة بين هذين الوصفين ، لأنه تعالى هو المتفضل بالأمور التي يتمكن المكلف معها من كسب هذا الاستحقاق ، فلما كان تعالى متفضلا بما يكسب أسباب هذا الاستحقاق كان متفضلا بها ، قال : ولما ثبت أن قوله : { يؤتيه من يشاء } لا بد وأن يكون مشروطا بما يستحقه ، ولولا ذلك لم يكن لقوله من قبل : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } معنى . واعلم أن هذا ضعيف لأن كونه تعالى متفضلا بأسباب ذلك الكسب لا يوجب كونه تعالى متفضلا بنفس الجنة ، فإن من وهب من إنسان كاغدا ودواة وقلما ، ثم إن ذلك الإنسان كتب بذلك المداد على ذلك الكاغد مصحفا وباعه من الواهب ، لا يقال : إن أداء ذلك الثمن تفضيل ، بل يقال : إنه مستحق ، فكذا ههنا ، وأما قوله أولا إنه لا بد من الاستحقاق ، وإلا لم يكن لقوله من قبل : { سابقوا إلى مغفرة } معنى ، فجوابه أن هذا الاستدلال عجيب ، لأن للمتفضل أن يشرط في تفضله أي شرط شاء ، ويقول : لا أتفضل إلا مع هذا الشرط . ثم قال تعالى : { والله ذو الفضل العظيم } والمراد منه التنبيه على عظم حال الجنة ، وذلك لأن ذا الفضل العظيم إذا أعطى عطاء مدح به نفسه وأثنى بسببه على نفسه ، فإنه لا بد وأن يكون ذلك العطاء عظيما . ! 7 < { مآ أصاب من مصيبة فى الا رض ولا فىأنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأهآ إن ذلك على الله يسير } . > 7 ! < < الحديد : ( 22 ) ما أصاب من . . . . . > > قال الزجاج : إنه تعالى لما قال : { سابقوا إلى مغفرة } ( الحديد : 21 ) بين أن المؤدي إلى الجنة والنار لا يكون إلا بقضاء وقدر ، فقال : { ما أصاب من مصيبة } والمعنى لا توجد مصيبة من هذه المصائب إلا وهي مكتوبة عند الله ، والمصيبة في الأرض هي قحط المطر ، وقلة النبات ، ونقص الثمار ، وغلاء الأسعار ، وتتابع الجوع ، والمصيبة في الأنفس فيها قولان : الأول : أنها هي : الأمراض ، والفقر ، وذهاب الأولاد ، وإقامة الحدود عليها والثاني : أنها تتناول الخير / والشر أجمع لقوله بعد ذلك : { لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ءاتاكم } ( الحديد : 23 ) ثم قال : { إلا فى كتاب } يعني مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : هذه الآية دالة على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها في الوجود مكتوبة في اللوح المحفوظ . قال المتكلمون : وإنما كتب كل ذلك لوجوه أحدها : تستدل الملائكة بذلك المكتوب على كونه سبحانه وتعالى عالما بجميع الأشياء قبل وقوعها وثانيها : ليعرفوا حكمة الله فإنه تعالى مع علمه بأنهم يقدمون على تلك المعاصي خلقهم ورزقهم وثالثها : ليحذروا من أمثال تلك المعاصي ورابعها : ليشكروا الله تعالى على توفيقه إياهم على الطاعات وعصمته إياهم من المعاصي . وقالت الحكماء : إن الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم هم المدبرات أمرا ، وهم المقسمات أمرا ، إنما هي المبادىء لحدوث الحوادث في هذا العالم السفلي بواسطة الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية ، فتصوراتها لانسياق تلك الأسباب إلى المسببات هو المراد من قوله تعالى : { إلا فى كتاب } . المسألة الثانية : استدل جمهور أهل التوحيد بهذه الآية على أنه تعالى عالم بالأشياء قبل وقوعها خلافا لهشام بن الحكم ، ووجه الاستدلال أنه تعالى لما كتبها في الكتاب قبل وقوعها وجاءت مطابقة لذلك الكتاب علمنا أنه تعالى عالما بها بأسرها . المسألة الثالثة : قوله : { ولا فى أنفسكم } يتناول جميع مصائب الأنفس فيدخل فيها كفرهم ومعاصيهم ، فالآية دالة على أن جميع أعمالهم بتفاصيلها مكتوبة في اللوح المحفوظ ، ومثبتة في علم الله تعالى ، فكان الامتناع من تلك الأعمال محالا ، لأن علم الله بوجودها مناف لعدمها ، والجمع بين المتنافيين محال ، فلما حصل العلم بوجودها ، وهذا العلم ممتنع الزوال كان الجمع بين عدمها وبين علم الله بوجودها محالا . المسألة الرابعة : أنه تعالى لم يقل : إن جميع الحوادث مكتوبة في الكتاب ، لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية ، فإثباتها في الكتاب محال ، وأيضا خصص ذلك بالأرض والأنفس وما أدخل فيها أحوال السموات ، وأيضا خصص ذلك بمصائب الأرض والأنفس لا بسعادات الأرض والأنفس ، وفي كل هذه الرموز إشارات وأسرار ، أما قوله : { من قبل أن نبرأها } فقد اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : من قبل أن نخلق هذه المصائب ، وقال بعضهم : بل المراد الأنفس ، وقال آخرون : بل المراد نفس الأرض ، والكل محتمل لأن ذكر الكل قد تقدم ، وإن كان الأقرب نفس المصيبة لأنها هي المقصود ، وقال آخرون : المراد من قبل أن نبرأ المخلوقات ، والمخلوقات وإن لم يتقدم ذكرها إلا أنها لظهورها يجوز عود الضمير إليها كما في قوله : { إنا أنزلناه } ( يوسف : 2 ) . ثم قال تعالى : { إن ذالك على الله يسير } وفيه قولان : أحدهما : إن حفظ ذلك على الله هين ، والثاني : إن إثبات ذلك على كثرته في الكتاب يسير على الله وإن كان عسيرا على العباد ، ونظير هذه الآية قوله : { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى كتاب إن ذلك على الله يسير } ( فاطر : 11 ) . [ بم / ثم قال تعالى : ! 7 < { لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ ءاتاكم والله لا يحب كل مختال فخور } . > 7 ! < < الحديد : ( 23 ) لكي لا تأسوا . . . . . > > وفيه مسائل :
المسألة الأولى : هذه اللام تفيد جعل أول الكلام سببا لآخره ، كما تقول : قمت لأضربك فإنه يفيد أن القيام سبب للضرب ، وههنا كذلك لأنه تعالى بين أن إخبار الله عن كون هذه الأشياء واقعة بالقضاء والقدر ، ومثبتة في الكتاب الذي لا يتغير يوجب أن لا يشتد فرح الإنسان بما وقع ، وأن لا يشتد حزنه بما لم يقع ، وهذا هو المراد بقوله عليه السلام : ( من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب ) وتحقيق الكلام فيه أن على مذهب أهل السنة أن وقوع كل ما وقع واجب ، وعدم كل ما لم يقع واجب أيضا لأسباب أربعة أحدها : أن الله تعالى علم وقوعه ، فلو لم يقع انقلب العلم جهلا ثانيها : أن الله أراد وقوعه ، فلو لم يقع انقلبت الإرادة تمنيا ثالثها : أنه تعلقت قدرة الله تعالى بإيقاعه ، فلو لم يقع لانقلبت تلك القدرة عجزا ، رابعها : أن الله تعالى حكم بوقوعه بكلامه الذي هو صدق فلو لم يقع لانقلب ذلك الخبر الصدق كذبا ، فإذن هذا الذي وقع لو لم يقع لتغيرت هذه الصفات الأربعة من كمالها إلى النقص ، ومن قدمها إلى الحدوث ، ولما كان ذلك ممتنعا علمنا أنه لا دافع لذلك الوقوع ، وحينئذ يزول الغم والحزن ، عند ظهور هذه الخواطر وهانت عليه المحن والمصائب ، وأما المعتزلة فهب أنهم ينازعون في القدرة والإرادة ، ولكنهم يوافقون في العلم والخير ، وإذا كان الجبر لازما في هاتين الصفتين ، فأي فرق بين أن يلزم الجبر بسبب هاتين الصفتين وبين أن يلزم بسبب الصفات الأربع ، وأما الفلاسفة فالجبر مذهبهم ، وذلك لأنهم ربطوا حدوث الأفعال الإنسانية بالتصورات الذهنية والتخيلات الحيوانية ، ثم ربطوا تلك التصورات والتخيلات بالأدوار الفلكية التي لها مناهج مقدرة ، ويمتنع وقوع ما يخالفها ، وأما الدهرية الذين لا يثبتون شيئا من المؤثرات فهم لا بد وأن يقولوا بأن حدوث الحوادث اتفاقي ، وإذا كان اتفاقيا لم يكن اختياريا ، فيكون الجبر لازما ، فظهر أنه لا مندوحة عن هذا لأحد من فرق العقلاء ، سواء أقروا به أو أنكروه ، فهذا بيان وجه استدلال أهل السنة بهذه الآية ، قالت المعتزلة : الآية دالة على صحة مذهبنا في كون العيد متمكنا مختارا ، وذلك من وجوه الأول : أن قوله : { لكيلا تأسوا على ما فاتكم } يدل على أنه تعالى إنما أخبرهم بكون تلك المصائب مثبتة في الكتاب لأجل أن يحترزوا عن الحزن والفرح ، ولولا أنهم قادرون على تلك الأفعال لما بقي لهذه اللام فائدة والثاني : أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يريد أن يقع منهم الحزن والفرح وذلك خلاف قول المجبرة : إن الله تعالى / أراد كل ذلك منهم والثالث : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { والله لا يحب كل مختال فخور } وهذا يدل على أنه تعالى لا يريد ذلك لأن المحبة والإرادة سواء ، فهو خلاف قول المجبرة : إن كل واقع فهو مراد الله تعالى الرابع : أنه تعالى أدخل لام التعليل على فعله بقوله : { لكيلا } وهذا يدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالغرض ، وأقول : العاقل يتعجب جدا من كيفية تعلق هذه الآيات بالجبر والقدر وتعلق كلتا الطائفتين بأكثرها .
المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي قرأ أبو عمرو وحده : { بما ءاتاكم } قصرا ، وقرأ الباقون : { ءاتاكم } ممدودا ، حجة أبي عمرو أن : { ءاتاكم } معادل لقوله : { فاتكم } فكما أن الفعل للغائب في قوله : { فاتكم } كذلك يكون الفعل للآني في قوله : { بما ءاتاكم } والعائد إلى الموصول في الكلمتين الذكر المرفوع بأنه فاعل ، وحجة الباقين أنه إذا مد كان ذلك منسوبا إلى الله تعالى وهو المعطي لذلك ، ويكون فاعل الفعل في : { ءاتاكم } ضميرا عائدا إلى اسم الله سبحانه وتعالى والهاء محذوفة من الصلة تقديره بما آتاكموه . المسألة الثالثة : قال المبرد : ليس المراد من قوله : { يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما } نفي الأسى والفرح على الإطلاق بل معناه لا تحزنوا حزنا يخرجكم إلى أن تهلكوا أنفسكم ولا تعتدوا بثواب على فوات ما سلب منكم ، ولا تفرحوا فرحا شديد يطغيكم حتى تأشروا فيه وتبطروا ، ودليل ذلك قوله تعالى : { والله لا يحب كل مختال } فدل بهذا على أنه ذم الفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر ، وأما الفرح بنعمة الله والشكر عليها فغير مذموم ، وهذا كله معنى ما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبرا وللخير شكرا . واحتج القاضي بهذه الآية على أنه تعالى لا يريد أفعال العباد والجواب عنه أن كثيرا من أصحابنا من فرق بين المحبة والإرادة فقال : المحبة إرادة مخصوصة ، وهي إرادة الثواب فلا يلزم من نفي هذه الإرادة نفي مطلق الإرادة . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد } . > 7 ! < < الحديد : ( 24 ) الذين يبخلون ويأمرون . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : أن هذا بدل من قوله : { كل مختال فخور } كأنه قال : لا يحب المختال ولا يحب الذين يبخلون يريد الذين يفرحون الفرح المطغى فإذا رزقوا مالا وحظا من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم يبخلون به ولا يكفيهم أنهم بخلوا به بل يأمرون الناس بالبخل به ، وكل ذلك نتيجة فرحهم عند إصابته ، ثم قال بعد ذلك : { ومن يتول } عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي فإن الله غني عنه القول الثاني : أن قوله : / { الذين يبخلون } كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله ، وهو في صفة اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ويخلوا ببيان نعته ، وهو مبتدأ وخبره محذوف دل عليه قوله : { ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد } وحذف الخبر كثير في القرآن كقوله : { ولو أن قرانا سيرت به الجبال } . المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : قرأ نافع وابن عامر { فإن الله الغنى الحميد } ، وحذفوا لفظ { هو } وكذلك { هو } في مصاحف أهل المدينة والشأم ، وقرأ الباقون { هو الغنى الحميد } قال أبو علي : ينبغي أن هو في هذه الآية فصلا لا مبتدأ ، لأن الفصل حذفه أسهل ، ألا ترى أنه لا موضع للفصل من الإعراب ، وقد يحذف فلا يخل بالمعنى كقوله : { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا } ( الكهف : 39 ) .
المسألة الثالثة : قوله : { فإن الله هو الغنى الحميد } معناه أن الله غني فلا يعود ضرر عليه ببخل ذلك البخيل ، وقوله : { الحميد } كأنه جواب عن السؤال يذكر ههنا ، فإنه يقال : لما كان تعالى عالما بأنه يبخل بذلك المال ولا يصرفه إلى وجوه الطاعات ، فلم أعطاه ذلك المال ؟ فأجاب بأنه تعالى حميد في ذلك الإعطاء ، ومستحق حيث فتح عليه أبواب رحمته ونعمته ، فإن قصر العبد في الطاعة فإن وباله عائد إليه . ! 7 < { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز } . > 7 < الحديد : ( 25 ) لقد أرسلنا رسلنا . . . . . > > ثم قال تعالى : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } وفي تفسير البينات قولان : الأول : وهو قول مقاتل بن سليمان إنها هي المعجزات الظاهرة والدلائل القاهرة والثاني : وهو قول مقاتل بن حيان : أي أرسلناهم بالأعمال التي تدعوهم إلى طاعة الله وإلى الإعراض عن غير الله ، والأول هو الوجه الصحيح لأن نبوتهم إنما ثبتت بتلك المعجزات . ثم قال تعالى : { وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس } . واعلم أن نظير هذه الآية قوله : { الله الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان } ( الشورى : 17 ) وقال : { والسماء رفعها ووضع الميزان } ( الرحمن : 7 ) وههنا مسائل : المسألة الأولى : في وجه المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه . أحدها : وهو الذي أقوله أن مدار التكليف على أمرين : أحدهما : فعل ما ينبغي فعله والثاني : ترك ما ينبغي تركه ، والأول هو المقصود بالذات ، لأن المقصود بالذات لو كان هو الترك لوجب أن لا يخلق أحد ، لأن الترك كان حاصلا في الأزل ، وأما فعل ما ينبغي فعله ، فإما أن يكون متعلقا بالنفس ، وهو المعارف ، أو بالبدن وهو أعمال الجوارح ، فالكتاب هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من / الأفعال النفسانية ، لأن يتميز الحق من الباطل ، والحجة من الشبهة ، والميزان هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال البدنية ، فإن معظم التكاليف الشاقة في الأعمال هو ما يرجع إلى معاملة الخلق ، والميزان هو الذي يتميز به العدل عن الظلم والزائد عن الناقص ، وأما الجديد ففيه بأس شديد ، وهو زاجر للخلق عما لا ينبغي ، والحاصل أن الكتاب إشارة إلى القوة النظرية ، والميزان إلى القوة العملية ، والحديد إلى دفع مالا ينبغي ، ولما كان أشرف الأقسام رعاية المصالح الروحانية ، ثم رعاية المصالح الجسمانية ، ثم الزجر عما لا ينبغي ، روعي هذا الترتيب في هذه الآية وثانيها : المعاملة إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم : إما الأحباب والمعاملة معهم بالسوية وهي بالميزان ، أو مع الأعداء والمعاملة معهم بالسيف والحديد وثالثها : الأقوام ثلاثة : أما السابقون وهم يعاملون الخلق بمقتضى الكتاب ، فينصفون ولا ينتصفون ، ويحترزون عن مواقع الشبهات ، وإما مقتصدون وهم الذين ينصفون وينتصفون ، فلا بد لهم من الميزان ، وإما ظالمون وهم الذين ينتصفون ولا ينصفون ولا بد لهم من الحديد والزجر ورابعها : الإنسان ، إما أن يكون في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة ومقام المقربين ، فههنا لا يسكن إلا إلى الله ، ولا يعمل إلا بكتاب الله ، كما قال : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) وإما أن يكون في مقام الطريقة وهو مقام النفس اللوامة ، ومقام أصحاب اليمين ، فلا بد له من الميزان في معرفة الأخلاق حتى يحترز عن طرفي الإفراط والتفريط ، ويبقى على الصراط المستقيم وإما أن يكون في مقام الشريعة وهو مقام النفس الأمارة ، وههنا لا بد له من حديد المجاهدة والرياضات الشاقة وخامسها : الإنسان إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فلا أنس له إلا بالكتاب / أو صاحب الطلب والاستدلال فلا بد له من ميزان الدليل والحجة أو صاحب العناد واللجاج ، فلا بد وأن ينفى من الأرض بالحديد وسادسها : أن الدين هو إماالأصول وإما الفروع ، وبعبارة أخرى : إما المعارف وإما الأعمال ، فالأصول من الكتاب ، وأما الفروع : فالمقصود الأفعال التي فيها عدلهم ومصلحتهم وذلك بالميزان فإنه إشارة إلى رعاية العدل ، والحديد لتأديب من ترك ذينك الطريقين وسابعها : الكتاب إشارة إلى ما ذكر الله في كتابه من الأحكام المقتضية للعدل والإنصاف ، والميزان إشارة إلى حمل الناس على تلك الأحكام المبنية على العدل والإنصاف وهو شأن الملوك ، والحديد إشارة إلى أنهم لو تمردوا لوجب أن يحملوا عليهما بالسيف ، وهذا يدل على أن مرتبة العلماء وهم أرباب الكتاب مقدمة على مرتبة الملوك الذين هم أرباب السيف ، ووجوه المناسبات كثيرة ، وفيما ذكرناه تنبيه على الباقي .
المسألة الثانية : ذكروا في : إنزال الميزان وإنزال الحديد ، قولين : الأول : أن الله تعالى أنزلهما من السماء ، روي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح ، وقال : مر قومك يزنوا به ، وعن ابن عباس نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من الحديد السندان والكلبتان / والمقمعة والمطرقة والإبرة ، والمقعمة ما يحدد به ، ويدل على صحة هذا ما روى ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( إن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض : أنزل الحديد والنار والماء والملح ) . والقول الثاني : أن معنى هذا الإنزال الإنشاء والتهيئة ، كقوله تعالى : { وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج } ( لزمر : 6 ) قال قطرب : { أنزلناها } ( النور : 1 ) أي هيأناها من النزل ، يقال : أنزل الأمير على فلان نزلا حسنا ، ومنهم من قال هذا من جنس قوله : علفتها تبنا وماء باردا ، وأكلت خبزا ولبنا . المسألة الثالثة : ذكر في منافع الميزان أن يقوم الناس بالقسط ، والقسط والإقساط هو الإنصاف وهو أن تعطى قسط غيرك كما تأخذ قسط نفسك ، والعادل مقسط قال الله تعالى : { إن الله يحب المقسطين } ( الحجرات : 9 ) والقاسط الجائر قال تعالى : { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } ( الجن : 15 ) وأما الحديد ففيه البأس الشديد فإن آلات الحروب متخذة منه ، وفيه أيضا منافع كثيرة منها قوله تعالى : { وعلمناه صنعة لبوس لكم } ( الأنبياء : 8 ) ومنها أن مصالح العالم ، إما أصول ، وإما فروع ، أما الأصول فأربعة : الزراعة والحياكة وبناء البيوت والسلطنة ، وذلك لأن الإنسان مضطر إلى طعام يأكله وثوب يلبسه وبناء يجلس فيه ، والإنسان مدني بالطبع فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمع من أبناء جنسه يشتغل كل واحد منهم بمهم خاص ، فحينئذ ينتظم من الكل مصالح الكل ، وذلك الانتظام لا بد وأن يفضي إلى المزاحمة ، ولا بد من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض ، وذلك هو السلطان ، فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الحروف الأربعة ، أما الزراعة فمحتاجة إلى الحديد ، وذلك في كرب الأراضي وحفرها ، ثم عند تكون هذه الحبوب وتولدها لا بد من خبزها وتنقيتها ، وذلك لا يتم إلا بالحديد ، ثم الحبوب لا بد من طحنها وذلك لا يتم إلا بالحديد ، ثم لا بد من خبزها ولا يتم إلا بالنار ، ولا بد من المقدحة الحديدية ، وأما الفواكه فلا بد من تنظيفها عن قشورها ، وقطعها على الوجوه الموافقة للأكل ولا يتم ذلك إلا بالحديد ، وأما الحياكة فمعلوم أنه يحتاج في آلات الحياكة إلى الحديد ثم يحتاج في قطع الثياب وخياطتها إلى الحديد ، وأما البناء فمعلوم أن كمال الحال فيه لا يحصل إلا بالحديد ، وأما أسباب السلطنة فمعلوم أنها لا تتم ولا تكمل إلا بالحديد / وعند هذا يظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد ، ويظهر أيضا أن الذهب لا يقوم مقام الحديد في شيء من هذه المصالح فلو لم يوجد الذهب في الدنيا ما كان يختل شيء من مصالح الدنيا ، ولو لم يوجد الحديد لاختل جميع مصالح الدنيا ، ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة ، جعله سهل الوجدان ، كثير الوجود ، والذهب لما قلت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود ، وعند هذا يظهر أثر وجود الله تعالى ورحمته على عبيده ، فإن كل ما كانت حاجتهم إليه أكثر ، جعل وجدانه أسهل ، ولهذا قال بعض الحكماء إن أعظم الأمور حاجة إليه هو الهواء ، فإنه لو انقطع وصوله إلى القلب لحظة لمات الإنسان في الحال ، فلا جرم جعله الله أسهل الأشياء وجدانا ، وهيأ أسباب التنفس وآلاته ، حتى إن الإنسان يتنفس دائما بمقتضى طبعه من غير / حاجة فيه إلى تكلف عمل ، وبعد الهواء الماء ، إلا أنه لما كانت الحاجة إلى الماء أقل من الحاجة إلى الهواء جعل تحصيل الماء أشق قليلا من تحصيل الهواء ، وبعد الماء الطعام ، ولما كانت الحاجة إلى الطعام أقل من الحاجة إلى الماء ، جعل تحصيل الطعام أشق من تحصيل الماء ، ثم تتفاوت الأطعمة في درجات الحاجة والعزة فكل ما كانت الحاجة إليه أشد ، كان وجدانه أسهل ، وكل ما كان وجدانه أعسر كانت الحاجة إليه أقل ، والجواهر لما كانت الحاجة إليها قليلة جدا ، لا جرم كانت عزيزة جدا ، فعلمنا أن كل شيء كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل ، ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله تعالى أشد من الحاجة إلى كل شيء فنرجو من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا ، قال الشاعر :
سبحان من خص العزيز بعزه والناس مستغنون عن أجناسه وأذل أنفاس الهواء وكل ذي نفس فمحتاج إلى أنفاسه ثم قال تعالى : { وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز } وفيه مسائل : المسألة الأولى : المعنى وليعلم الله من ينصره ، أي ينصر دينه ، وينصر رسله باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين بالغيب أي غائبا عنهم . قال ابن عباس : ينصرونه ولا يبصرونه ، ويقرب منه قوله تعالى : { إن تنصروا الله ينصركم } ( محمد : 7 ) . المسألة الثانية : احتج من قال بحدوث علم الله بقوله : { وليعلم الله } والجواب عنه أنه تعالى أراد بالعلم المعلوم ، فكأنه تعالى قال : ولتقع نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام ممن ينصره . المسألة الثالثة : قال الجبائي : قوله تعالى : { ليقوم الناس بالقسط } فيه دلالة على أنه تعالى أنزل الميزان والحديد ، ومراده من العباد أن يقوموا بالقسط وأن ينصروا الرسول ، وإذا كان هذا مراده من الكل فقد بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك جوابه : أنه كيف يمكن أن يريد من الكل ذلك مع علمه بأن ضده موجود ، وأن الجمع بين الضدين محال ، وأن المحال غير مراد . المسألة الرابعة : لما كانت النصرة قد تكون ظاهرة ، كما يقع من منافق أو ممن مراده المنافع في الدنيا ، بين تعالى أن الذي أراده النصرة بالغيب ، ومعناه أن تقع عن إخلاص بالقلب ، ثم بين تعالى أنه قوي على الأمور عزيز لا يمانع . ! 7 < { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا فى ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون } . > 7 < الحديد : ( 26 ) ولقد أرسلنا نوحا . . . . . > > قوله تعالى : { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا فى ذريتهما النبوة والكتاب } واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أرسل الرسل بالبينات والمعجزات ، وأنه أنزل الميزان والحديد ، وأمر الخلق بأن / يقوموا بنصرتهم أتبع ذلك ببيان سائر الأشياء التي أنعم بها عليهم ، فبين أنه تعالى شرف نوحا وإبراهيم عليهما السلام بالرسالة ، ثم جعل في ذريتهما النبوة والكتاب فما جاء بعدهما أحد بالنبوة إلا وكان من أولادهما ، وإنما قدم النبوة على الكتاب ، لأن كمال حال النبي أن يصير صاحب الكتاب والشرع . ثم قال تعالى : { فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون } وفيه مسائل : المسألة الأولى : { فمنهم مهتد } أي فمن الذرية أو من المرسل إليهم ، وقد دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين ، والمعنى أن منهم مهتد ومنهم فاسق ، والغلبة للفساق ، وفي الفاسق ههنا قولان : الأول : أنه الذي ارتكب الكبيرة سواء كان كافرا أو لم يكن ، لأن هذا الاسم يطلق على الكافر وعلى من لا يكون ، كذلك إذا كان مرتكبا للكبيرة ، والثاني : أن المراد بالفاسق ههنا الكافر ، لأن الآية دلت على أنه تعالى جعل الفساق بالضد من المهتدين ، فكأن المراد أن فيهم من قبل الدين واهتدى ، ومنهم من لم يقبل ولم يهتد ، ومعلوم أن من كان كذلك كان كافرا ، وهذا ضعيف ، لأن المسلم الذي عصى قد يقال فيه : إنه لم يهتد إلى وجه رشده ودينه . ! 7 < { ثم قفينا علىءاثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وءاتيناه الإنجيل وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فأاتينا الذين ءامنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون } . > 7 < الحديد : ( 27 ) ثم قفينا على . . . . . > > قوله تعالى : { ثم قفينا علىءاثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وءاتيناه الإنجيل } .
وفيه مسألتان : المسألة الأولى : معنى قفاه أتبعه بعد أن مضى ، والمراد أنه تعالى أرسل بعضهم بعد بعض إلى أن انتهى إلى أيام عيسى عليه السلام فأرسله الله تعالى بعدهم وآتاه الإنجيل . المسألة الثانية : قال ابن جني قرأ الحسن : { وقفينا على } بفتح الهمزة ، ثم قال : هذا مثال لا نظير له ، لأن أفعيل وهو عندهم من نجلت الشيء إذا استخرجته ، لأنه يستخرج به الأحكام ، والتوراة فوعلة من ورى الزند يرى إذا أخرج النار ، ومثله الفرقان وهو فعلان من فرقت بين الشيئين ، فعلى هذا لا يجوز فتح الهمزة لأنه لا نظير له ، وغالب الظن أنه ما قرأه إلا عن سماع وله وجهان أحدهما : أنه شاذ كما حكى بعضهم في البرطيل وثانيهما : أنه ظن الإنجيل أعجميا فحرف مثاله تنبيها على كونه أعجميا . قوله تعالى : { وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها } وفيه مسائل : / المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق لله تعالى وكسب للعبد ، قالوا : لأنه تعالى حكم بأن هذه الأشياء مجعولة لله تعالى ، وحكم بأنهم ابتدعوا تلك الرهبانية ، قال القاضي : المراد بذلك أنه تعالى لطف بهم حتى قويت دواعيهم إلى الرهبانية ، التي هي تحمل الكلفة الزائدة على ما يجب من الخلوة واللباس الخشن والجواب : أن هذا ترك للظاهر من غير دليل ، على أنا وإن سلمنا ذلك فهو يحصل مقصودنا أيضا ، وذلك لأن حال الاستواء يمتنع حصول الرجحان وإلا فقد حصل الرجحان عند الاستواء والجمع بينهما متناقض ، وإذا كان الحصول عند الاستواء ممتنعا ، كان عند المرجوحية أولى أن يصير ممتنعا ، وإذا امتنع المرجوح وجب الراجح ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض . المسألة الثانية : قال مقاتل : المراد من الرأفة والرحمة هو أنهم كانوا متوادين بعضهم مع بعض ، كما وصف الله أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام بذلك في قوله : { رحماء بينهم } ( الفتح : 29 ) . المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : قرىء ( رآفة ) على فعالة . المسألة الرابعة : الرهبانية معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف فعلان من رهب ، كخشيان من خشي ، وقرىء : ( ورهبانية ) بالضم كأنها نسبة إلى الرهبان ، وهو جمع راهب كراكب وركبان ، والمراد من الرهبانية ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين ، مخلصين أنفسهم للعبادة ومتحملين كلفا زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلوة واللباس الخشن ، والاعتزال عن النساء والتعبد في الغيران والكهوف ، عن ابن عباس أن في أيام الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام غير الملوك التوراة والإنجيل ، فساح قوم في الأرض ولبسوا الصوف ، وروى ابن مسعود أنه عليه السلام ، قال : ( يا ابن مسعود : أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة ، كلها في النار إلا ثلاث فرق ، فرقة آمنت بعيسى عليه السلام / وقاتلوا أعداء الله في نصرته حتى قتلوا ، وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال ، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين ، فلبس العباء ، وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله : { وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة } إلى آخر الآية ) . المسألة الخامسة : لم يعن الله تعالى بابتدعوها طريقة الذم ، بل المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذروها ، ولذلك قال تعالى بعده : { ما كتبناها عليهم } .
المسألة السادسة : { رهبانية } منصوبة بفعل مضمر ، يفسره الظاهر ، تقديره : ابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، وقال أبو علي الفارسي : الرهبانية لا يستقيم حملها على { وما جعلنا } ، لأن ما يبتدعونه هم لا يجوز أن يكون مجعولا لله تعالى ، وأقول : هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين ، ومن أين يليق بأبي على أن يخوض في أمثال هذه الأشياء . / ثم قال تعالى : { ما كتبناها عليهم } أي لم نفرضها نحن عليهم . أما قوله : { إلا ابتغاء رضوان الله } ففيه قولان : أحدهما : أنه استثناء منقطع . أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله الثاني : أنه استثناء متصل ، والمعنى أنا ما تعبدناهم بها إلا على وجه ابتغاء مرضاة الله تعالى ، والمراد أنها ليست واجبة ، فإن المقصود من فعل الواجب ، دفع العقاب وتحصيل رضا الله ، أما المندوب فليس المقصود من فعله دفع العقاب ، بل المقصود منه ليس إلا تحصيل مرضاة الله تعالى . أما قوله تعالى : { فما رعوها حق رعايتها فئاتينا الذين ءامنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون } ففيه أقوال : أحدها : أن هؤلاء الذين ابتدعوا هذه الرهبانية ما رعوها حق رعايتها ، بل ضموا إليها التثليث والاتحاد ، وأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمدا عليه الصلاة والسلام فآمنوا به فهو قوله : { ثم قفينا علىءاثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن } ، وثانيها : أنا ما كتبنا عليهم تلك الرهبانية إلا ليتوسلوا بها إلى مرضاة الله تعالى ، ثم إنهم أتوا بتلك الأفعال ، لكن لا لهذا الوجه ، بل لوجه آخر ، وهو طلب الدنيا والرياء والسمعة وثالثها : أنا لما كتباها عليهم تركوها ، فيكون ذلك ذما لهم من حيث إنهم تركوا الواجب ورابعها : أن الذين لم يرعوها حق رعايتها هم الذين أدركوا محمدا عليه الصلاة والسلام ، ولم يؤمنوا به ، وقوله : { ثم قفينا علىءاثارهم برسلنا } أي الذين آمنوا بمحمد وكثير منهم فاسقون يعني الذين لم يؤمنوا به ، ويدل على هذا ما روي أنه عليه السلام قال : ( من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون ) وخامسها : أن الصالحين من قوم عيسى عليه السلام ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ، ثم جاء بعدهم قوم اقتدوا بهم في اللسان ، وما كانوا مقتدين بهم في العمل ، فهم الذين ما رعوها حق رعايتها ، قال عطاء : لم يرعوها كما رعاها الحواريون ، ثم قال : { وكثير منهم فاسقون } والمعنى أن بعضهم قام برعايتها وكثير منهم أظهر الفسق وترك تلك الطريقة ظاهرا وباطنا . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم } . > 7 < الحديد : ( 28 ) يا أيها الذين . . . . . > > / اعلم أنه لما قال في الآية الأولى : { ثم قفينا علىءاثارهم } أي من قوم عيسى : { أجرهم } ( الحديد : 27 ) قال في هذه الآية : { ذلك بأن الذين كفروا } والمراد به أولئك فأمرهم أن يتقوا الله ويؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ثم قال : { يؤتكم كفلين } أي نصيبين من رحمته لإيمانكم أولا بعيسى ، وثانيا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، ونظيره قوله تعالى : { أولئك يؤتون أجرهم مرتين } ( القصص : 54 ) عن ابن عباس أنه نزل في قوم جاءوا من اليمن من أهل الكتاب إلى الرسول وأسلموا فجعل الله لهم أجرين ، وههنا سؤالان :
السؤال الأول : ما الكفل في اللغة ؟ الجواب : قال المؤرج : الكفل النصيب بلغة هذيل وقال غيره بل هذه لغة الحبشة ، وقال المفضل بن مسلمة : الكفل كساء يديره الراكب حول السنام حتى يتمكن من القعود على البعير . السؤال الثاني : أنه تعالى لما آتاهم كفلين وأعطى المؤمنين كفلا واحدا كان حالهم أعظم والجواب : روى أن أهل الكتاب افتخروا بهذا السبب على المسلمين ، وهو ضعيف لأنه لا يبعد أن يكون النصيب الواحد أزيد قدرا من النصيبين ، فإن المال إذا قسم بنصفين كان الكفل الواحد نصفا ، وإذا قسم بمائة قسم كان الكفل الواحد جزء من مائة جزء ، فالنصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من عشرين نصيبا من القسمة الثانية ، فكذا ههنا ، ثم قال تعالى : { ويجعل لكم } أي يوم القيامة { نورا تمشون به } وهو النور المذكور في قوله { يسعى نورهم } ( الحديد : 12 ) { ويغفر لكم } ما أسلفتم من المعاصي { والله غفور رحيم } . ! 7 < { لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شىء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم } . > 7 ! < < الحديد : ( 29 ) لئلا يعلم أهل . . . . . > > فيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الواحدي هذه آية مشكلة وليس للمفسرين فيها كلام واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها . واعلم أن أكثر المفسرين على أن ( لا ) ههنا صلة زائدة ، والتقدير : ليعلم أهل الكتاب ، وقال أبو مسلم الأصفهاني وجمع آخرون : هذه الكلمة ليست بزائدة ، ونحن نفسر الآية على القولين بعون الله تعالى وتوفيقه . أما القول المشهور : وهو أن هذه اللفظة زائدة ، فاعلم أنه لا بد ههنا من تقديم مقدمة وهي : أن أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل كانوا يقولون : الوحي والرسالة فينا ، والكتاب والشرع ليس إلا لنا ، والله تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين ، إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وعدهم / بالأجر العظيم على ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآية ، والغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم وغير حاصلة إلا في قومهم ، فقال : إنما بالغنا في هذا البيان ، وأطنبنا في الوعد والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين ، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين ، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا اعتراض عليه في ذلك أصلا أما القول الثاني : وهو أن لفظة ( لا ) غير زائدة ، فاعلم أن الضمير في قوله : { ألا يقدرون } عائد إلى الرسول وأصحابه ، والتقدير : لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله ، وأنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه فقد علموا أنهم يقدرون عليه ، ثم قال : { وأن الفضل بيد الله } أي وليعلموا أن الفضل بيد الله ، فيصير التقدير : إنا فعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل الله وإحسانه في أقوام معينين ، وليعتقدوا أن الفضل بيد الله ، واعلم أن هذا القول ليس فيه إلا أنا أضمرنا فيه زيادة ، فقلنا في قوله : { وأن الفضل بيد الله } تقدير وليعتقدوا أن الفضل بيد الله وأما القول الأول : فقد افتقرنا فيه إلى حذف شيء موجد ، ومن المعلوم أن الإضمار أولى من الحذف ، لأن الكلام إذا افتقر إلى الإضمار لم يوهم ظاهره باطلا أصلا ، أماإذا افتقر إلى الحذف كان ظاهره موهما للباطل ، فعلمنا أن هذا القول أولى والله أعلم .
المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف قرىء : ( لكي يعلم ) ، و ( لكيلا يعلم ) ، و ( ليعلم ) ، و ( لأن يعلم ) ، بأدغام النون في الياء ، وحكى ابن جني في ( المحتسب ) عن قطرب : أنه روي عن الحسن : ( ليلا ) ، بكسر اللام وسكون الياء ، وحكى ابن مجاهد عنه ليلا بفتح اللام وجزم الياء من غير همز ، قال ابن جني : وما ذكر قطرب أقرب ، وذلك لأن الهمزة إذا حذفت بقي لنلا فيجب إدغام النون في اللام فيصير للا فتجتمع اللامات فتجعل الوسطى لسكونها وانكسار ما قبلها ياء فيصير ليلا ، وأما رواية ابن مجاهد عنه ، فالوجه فيه أن لام الجر إذا أضفته إلى المضمر فتحته تقول له : فمنهم من قاس المظهر عليه ، حكى أبو عبيدة أن بعضهم قرأ : { وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } ( إبراهيم : 46 ) . وأما قوله تعالى : { وأن الفضل بيد الله } أي في ملكه وتصرفه واليد مثل { يؤتيه من يشاء } لأنه قارد مختار يفعل بحسب الاختيار { والله ذو الفضل العظيم } والعظيم لا بد وأن يكون إحسانه عظيما / والمراد تعظيم حال محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته وشرعه وكتابه ، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة المجادلة ) 1 < > وهي عشرون وآيتان مدنية ! 7 < { قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكىإلى الله والله يسمع تحاوركمآ إن الله سميع بصير } . > 7 ! < < المجادلة : ( 1 ) قد سمع الله . . . . . > > روي أن خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة بن الصامت رآها زوجها وهي تصلي ، وكانت حسنة الجسم ، وكان بالرجل لمم ، فلما سلمت راودها ، فأبت ، فغضب ، وكان به خفة فظاهر منها ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في ، فلما خلا سني وكثر ولدي جعلني كأمه ، وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلي جاعوا ، ثم ههنا روايتان : يروي أنه عليه السلام قال لها : ( ما عندي في أمرك شيء ) وروي أنه عليه السلام قال لها : ( حرمت عليه ) فقالت : يا رسول الله ما ذكر طلاقا ، وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إلي ، فقال : ( حرمت عليه ) فقالت : أشكو إلى الله فاقتي ووجدي ، وكلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حرمت عليه ) هتفت وشكت إلى الله ، فبينما هي كذلك إذ تربد وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام أرسل إلى زوجها ، وقال : ( ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : الشيطان فهل من رخصة ؟ فقال : نعم ، وقرأ عليه الأربع آيات ، وقال له : هل تستطيع العتق ؟ فقال : لا والله ، فقال : هل تستطيع الصوم ؟ فقال : لا والله لولا أني آكل في اليوم مرة أو مرتين لكل بصري ولظننت أني أموت ، فقال له : هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا ؟ فقال : لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة ، فأعانه بخمسة عشر صاعا ، وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين مسكينا ) واعلم أن في هذا الخبر مباحث :
الأول : قال أبو سليمان الخطابي : ليس المراد من قوله في هذا الخبر : ( وكان به لمم ) ، الخبل والجنون إذ لو كان به ذلك ثم ظاهر في تلك الحالة لم يكن يلزمه شيء ، بل معنى اللمم هنا : الإلمام بالنساء ، وشدة الحرص ، والتوقان إليهن . / البحث الثاني : أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية ، لأنه في التحريم أوكد ما يمكن ، وإن كان ذلك الحكم صار مقررا بالشرع كانت الآية ناسخة له ، وإلا لم يعد نسخا ، لأن النسخ إنما يدخل في الشرائع لا في عادة الجاهلية ، لكن الذي روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لها : ( حرمت ) أو قال : ( ما أراك إلا قد حرمت ) كالدلالة على أنه كان شرعا . وأما ما روي أنه توقف في الحكم فلا يدل على ذلك . البحث الثالث : أن هذه الواقعة تدل على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق ، ولم يبق له في مهمه أحد سوى الخالق كفاه الله ذلك المهم ، ولنرجع إلى التفسير ، أماقوله : { قد سمع الله } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : { قد } معناه التوقع ، لأن رسول الله والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها ، وينزل في ذلك ما يفرج عنها . المسألة الثانية : كان حمزة يدغم الدال في السين من : { قد سمع } وكذلك في نظائره ، واعلم أن الله تعالى حكى عن هذه المرأة أمرين أولهما : المجادلة وهي قوله : { تجادلك فى زوجها } أي تجادلك في شأن زوجها ، وتلك المجادلة أنه عليه الصلاة والسلام كلما قال لها : ( حرمت عليه ) قالت : والله ما ذكر طلاقا وثانيهما : شكواها إلى الله ، وهو قولها : أشكو إلى الله فاقتي ووجدي ، وقولها : إن لي صبية صغارا ، ثم قال سبحانه : { والله يسمع تحاوركما } والمحاورة المراجعة في الكلام ، من حار الشيء يحور حورا ، أي رجع يرجع رجوعا ، ومنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور ، ومنه فما أحار بكلمة / أي فما أجاب ، ثم قال : { إن الله سميع بصير } أي يسمع كلام من يناديه ، ويبصر من يتضرع إليه . ! 7 < { الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور } . > 7 < المجادلة : ( 2 ) الذين يظاهرون منكم . . . . . > > قوله تعالى : { الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم } اعلم أن قوله : { الذين يظاهرون } فيه مسألتان : المسألة الأولى : ما يتعلق بالمباحث اللغوية والفقهية ، فنقول في هذه الآية بحثان . أحدهما : أن الظهار ما هو ؟ . الثاني : أن المظاهر من هو ؟ وقوله : { من نسائهم } فيه بحث : وهو أن المظاهر منها من هي ؟ . أما البحث الأول : وهو أن الظهار ما هو ؟ ففيه مقامان : المقام الأول : في البحث عن هذه اللفظة بحسب اللغة وفيه قولان : أحدهما : أنه عبارة عن قول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي ، فهو مشتق من الظهر .
/ والثاني : وهو صاحب النظم ، أنه ليس مأخوذا من الظهر الذي هو عضو من الجسد ، لأنه ليس الظهر أولى بالذكر في هذا الموضع من سائر الأعضاء التي هي مواضع المباضعة والتلذذ ، بل الظهر ههنا مأخوذ من العلو ، ومنه قوله تعالى : { فما اسطاعوا أن يظهروه } ( الكهف : 97 ) أي يعلوه ، وكل من علا شيئا فقد ظهره ، ومنه سمي المركوب ظهرا ، لأن راكبه يعلوه ، وكذلك امرأة الرجل ظهره ، لأنه يعلوها بملك البضع ، وإن لم يكن من ناحية الظهر ، فكأن امرأة الرجل مركب للرجل وظهر له ، ويدل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق : نزلت عن امرأتي أي طلقتها ، وفي قولهم : أنت علي كظهر أمي ، حذف وإضمار ، لأن تأويله : ظهرك علي ، أي ملكي إياك ، وعلوي عليك حرام ، كما أن علوي على أمي وملكها حرام علي . المقام الثاني : في الألفاظ المستعملة بهذا المعنى في عرف الشريعة . الأصل في هذا الباب أن يقال : أنت علي كظهر أمي ، فإما أن يكون لفظ الظهر ، ولفظ الأم مذكورين وإما أن يكون لفظ الأم مذكورا دون لفظ الظهر ، وإما أن يكون لفظ الظهر مذكورا دون لفظ الأم ، وإما أن لا يكون واحد منهما مذكورا ، فهذه أقسام أربعة . القسم الأول : إذا كانا مذكورين وهو معتبر بالاتفاق ، ثم لا مناقشة في الصلات إذا انتظم الكلام ، فلو قال : أنت علي كظهر أمي ، أو أنت مني كظهر أمي ، فهذه الصلات كلها جائزة ولو لم يستعمل صلة ، وقال : أنت كظهر أمي ، فقيل : إنه صريح ، وقيل : يحتمل أن يريد إنها كظهر أمه في حق غيره ، ولكن هذا الاحتمال كما لو قال لامرأته : أنت طالق ، ثم قال : أردت بذلك الإخبار عن كونها طالقا من جهة فلان . القسم الثاني : أن تكون الأم مذكورة ، ولا يكون الظهر مذكورا ، وتفصيل مذهب الشافعي فيه أن الأعضاء قسمان ، منها ما يكون التشبيه بها غير مشعر بالإكرام ، ومنها ما يكون التشبيه بها مشعر بالإكرام ، أما الأول : فهو كقوله : أنت علي كرجل أمي ، أو كيد أمي ، أو كبطن أمي ، وللشافعي فيه قولان : الجديد أن الظهار يثبت ، والقديم أنه لا يثبت ، أما الأعضاء التي يكون التشبيه بها سببا للإكرام ، فهو كقوله : أنت علي كعين أمي ، أو روح أمي ، فإن أراد الظهار كان ظهارا ، وإن أراد الكرامة فليس بظهار ، فإن لفظه محتمل لذلك ، وإن أطلق ففيه تردد ، هذا تفصيل مذهب الشافعي ، وأما مذهب أبي حنيفة ، فقال أبو بكر الرازي في ( أحكام القرآن ) : إذا شبه زوجته بعضو من الأم يحل له النظر إليه لم يكن ظهارا ، وهو قوله : أنت علي كيد أمي أو كرأسها ، أما إذا شبهها بعضو من الأم يحرم عليه النظر إليه كان ظهارا / كما إذا قال : أنت علي كبطن أمي أو فخذها ، والأقرب عندي هو القول القديم للشافعي ، وهو أنه لا يصح الظهار بشيء من هذه الألفاظ ، والدليل عليه أن حل الزوجة كان ثابتا ، وبراءة الذمة عن وجوب الكفارة كانت ثابتة ، والأصل في الثابت البقاء على ما كان ترك العمل به فيما إذا قال : أنت علي / كظهر أمي لمعنى مفقود في سائر الصور ، وذلك لأن اللفظ المعهود في الجاهلية هو قوله : أنت علي كظهر أمي ، ولذلك سمي ظهارا ، فكان هذا اللفظ بسبب العرف مشعرا بالتحريم ، ولم يوجد هذا المعنى في سائر الألفاظ ، فوجب البقاء على حكم الأصل .
القسم الثالث : ما إذا كان الظهر مذكورا ولم تكن الأم مذكورة ، فهذا يدل على ثلاثة مراتب : المرتبة الأولى : أن يجري التشبيه بالمحرمات من النسب والرضاع ، وفيه قولان : القديم أنه لا يكون ظهارا ، والقول الجديد أنه يكون ظهارا ، وهو قول أبي حنيفة . المرتبة الثانية : تشبيهها بالمرأة المحرمة تحريما مؤقتا مثل أن يقول لامرأته : أنت علي كظهر فلانة ، وكان طلقها والمختار عندي أن شيئا من هذا لا يكون ظهارا ، ودليله ما ذكرناه في المسألة السالفة ، وحجة أبي حنيفة أنه تعالى قال : { والذين يظاهرون } وظاهر هذه الآية يقتضي حصول الظهار بكل محرم فمن قصره على الأم فقد خص والجواب : أنه تعالى لما قال بعده : { ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم } دل على أن المراد هو الظهار بذكر الأم ، ولأن حرمة الأم أشد من حرمة سائر المحارم ، فنقول : المقتضي لبقاء الحل قائم على ما بيناه ، وهذا الفارق موجود ، فوجب أن لا يجوز القياس . القسم الرابع : ما إذا لم يذكر لا الظهر ولا الأم ، كما لو قال : أنت علي كبطن أختي ، وعلى قياس ما تقدم يجب أن لا يكون ذلك ظهارا . البحث الثاني : في المظاهر ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله : الضابط أن كل من صح طلاقه صح ظهاره ، فعلى هذا ظهار الذمي عنده صحيح ، وقال أبو حنيفة لا يصح ، واحتج الشافعي بعموم قوله تعالى : { والذين يظاهرون من نسائهم } وأما القياس فمن وجهين الأول : أن تأثير الظهار في التحريم والذمي أهل لذلك ، بدليل صحة طلاقه ، وإذا ثبت هذا وجب أن يصح هذا التصرف منه قياسا على سائر التصرفات الثاني : أن الكفارة إنما وجبت على المسلم زجرا له عن هذا الفعل الذي هو منكر من القور وزور ، وهذا المعنى قائم في حق الذمي فوجب أن يصح ، واحتجوا لقول أبي حنيفة بهذه الآية من وجهين الأول : احتج أبو بكر الرازي بقوله تعالى : { والذين يظاهرون منكم من نسائهم } وذلك خطاب للمؤمنين فيدل على أن الظهار مخصوص بالمؤمنين الثاني : من لوازم الظهار الصحيح ، وجوب الصوم على العائد العاجز عن الإعتاق بدليل قوله تعالى : { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا إلى قوله فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } ( المجادلة : 3 4 ) وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع ، لأنه لو وجب لوجب ، إما مع الكفر وهو باطل بالإجماع ، أو بعد الإيمان وهو باطل ، لقوله عليه السلام : ( الإسلام يجب ما قبله ) والجواب : عن الأول / من وجوه أحدها : أن قوله : { منكم } خطاب مشافهة فيتناول جميع الحاضرين ، فلم قلتم : إنه مختص بالمؤمنين ؟ سلمنا أنه مختص بالمؤمنين ، فلم قلتم : إن تخصيصه بالمؤمنين في الذكر يدل على أن حال غيرهم بخلاف ذلك ، لا سيما ومن مذهب هذا القائل : أن التخصيص بالذكر لا يدل على أن حال ما عداه بخلافه ، سلمنا بأنه يدل عليه ، لكن دلالة المفهوم أضعف من دلالة المنطوق ، فكان التمسك بعموم قوله : { والذين يظاهرون } أولى ، سلمنا الاستواء في القوة ، لكن مذهب أبي حنيفة أن العام إذا ورد بعد الخاص كان ناسخا للخاص ، والذي تمسكنا به وهو قوله : { والذين يظاهرون من نسائهم } ( المجادلة : 3 ) متأخر في الذكر عن قوله : { الذين يظاهرون منكم } والظاهر أنه كان متأخرا في النزول أيضا لأن قوله : { الذين يظاهرون منكم } ليس فيه بيان حكم الظهار ، وقوله : { والذين يظاهرون من نسائهم } فيه بيان حكم الظهار ، وكون المبين متأخرا في النزول عن المجمل أولى والجواب عن الثاني من وجوه الأول : أن لوازمه أيضا أنه متى عجز عن الصوم اكتفى منه بالإطعام فههنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفى منه بالإطعام ، وإن لم يتحقق العجز فقد زال السؤال ، والثاني : أن الصوم يدل عن الإعتاق ، والبدل أضعف من المبدل ، ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ظهاره ، فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب المنع ، مع صحة الظهار ، ففوات أضعف اللازمين كيف يمنع من القول بصحة الظهار الثالث : قال القاضي حسين من أصحابنا إنه يقال : إن أردت الخلاص من التحريم ، فأسلم وصم ، أما قوله عليه والسلام : ( الإسلام يجب ما قبله ) قلنا : إنه عام ، والتكليف بالتكفير خاص ، والخاص مقدم على العام ، وأيضا فنحن لا نكلفه بالصوم بل نقول : إذا أردت إزالة التحريم فصم ، وإلا فلا تصم .
المسألة الثانية : قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك رحمهم الله : لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو أن تقول المرأة لزوجها : أنت علي كظهر أمي ، وقال الأزواعي : هو يمين تكفرها ، وهذا خطأ لأن الرجل لا يلزمه بذلك كفارة يمين ، وهو الأصل فكيف يلزم المرأة ذلك ؟ ولأن الظهار يوجب تحريما بالقول ، والمرأة لا تملك ذلك بدليل أنها لا تملك الطلاق . المسألة الثالثة : قال الشافعي وأبو حنيفة إذا قال أنت علي كظهر أمي اليوم ، بطل الظهار بمضي اليوم ، وقال مالك وابن أبي ليلى ، هو مظاهر أبدا لنا أن التحريم الحاصل بالظهار قابل للتوقيت وإلا لما انحل بالتفكير ، وإذا كان قابلا للتوقيت ، فإذا وقته وجب أن يتقدر بحسب ذلك التوقيت قياسا على اليمين ، فهذا ما يتعلق من المسائل بقوله تعالى : { الذين يظاهرون } ، أما قوله تعالى : { من نسائهم } فيتعلق به أحكام المظاهر منه ، واختلفوا في أنه هل يصح الظهار عن الأمة ؟ فقال أبو حنيفة والشافعي : لا يصح ، وقال مالك والأوزاعي : يصح ، حجة الشافعي أن الحل كان ثابتا ، والتكفير لم يكن واجبا ، والأصل في الثابت البقاء ، والآية لا تتناول هذه الصورة لأن قوله : { والذين يظاهرون من نسائهم } ( المجادلة : 3 ) يتناول الحرائر دون الإماء ، والدليل عليه قوله : { أو نسائهن } ( النور : 31 ) والمفهوم منه الحرائر / ولولا ذلك لما صح عطف قوله : { أو ما ملكت أيمانهن } لأن الشيء لا يعطف على نفسه ، وقال تعالى : { وأمهات نسائكم } ( النساء : 23 ) فكان ذلك على الزوجات دون ملك اليمين . المسألة الرابعة : فيما يتعلق بهذه الآية من القراءات ، قال أبو علي : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر : { والذين يظاهرون } بغير الألف ، وقرأ عاصم : { يظاهرون } بضم الياء وتخفيف الظاء والألف ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي يظاهرون بفتح الياء وبالألف مشددة الظاء ، قال أبو علي : ظاهر من امرأته ، ظهر مثل ضاعف وضعف ، وتدخل التاء على كل واحد منهما فيصير تظاهر وتظهر ، ويدخل حرف المضارعة فيصير يتظاهر ويتظهر ، ثم تدغم التاء في الظاء لمقاربتها لها ، فيصير يظاهر ويظهر ، وتفتح الياء التي هي حرف المضارعة ، لأنها للمطاوعة كما يفتحها في يتدحرج الذي هو مطاوع / دحرجته فتدحرج ، وإنما فتح الياء في يظاهر ويظهر ، لأنه المطاوع كما أن يتدحرج كذلك ، ولأنه على وزنهما ، وإن لم يكونا للإلحاق ، وأما قراءة عاصم يظاهرون فهو مشتق من ظاهر يظاهر إذا أتى بمثل هذا التصرف . المسألة الخامسة : لفظة : { منكم } في قوله : { الذين يظاهرون منكم } توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم في الظهار لأنه كان من أيمان أهل الجاهلية خاصة دون سائر الأمم ، وقوله تعالى : { ما هن أمهاتهم } فيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية المفضل : { أمهاتهم } بالرفع والباقون بالنصب على لفظ الخفض ، وجه الرفع أنه لغة تميم ، قال سيبويه : وهو أقيس الوجهين ، وذلك أن النفي كالاستفهام فكما لا يغير الاستفهام الكلام عما كان عليه ، فكذا ينبغي أن لا يغير النفي الكلام عما كان عليه ، ووجه النصب أنه لغة أهل الحجاز والأخذ في التنزيل بلغتهم أولى ، وعليها جاء قوله : { ما هاذا بشرا } ( يوسف : 31 ) ووجهه من القياس أن ما تشبه ليس في أمرين أحدهما : أن : ( ما ) تدخل على المبتدأ والخبر ، كما أن ( ليس ) تدخل عليهما والثاني : أن ( ما ) تنفي ما في الحال ، كما أن ( ليس ) تنفي ما في الحال ، وإذا حصلت المشابهة من وجهين وجب حصول المساواة في سائر الأحكام ، إلا ما خص بالدليل قياسا على باب مالا ينصرف . المسألة الثانية : في الآية إشكال : وهو أن من قال لامرأته : أنت علي كظهر أمي ، فهو شبه الزوجة بالأم ، ولم يقل : إنها أم ، فكيف يليق أن يقال على سبيل الإبطال لقوله : { ما هن أمهاتهم } وكيف يليق أن يقال : { وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } والجواب : أما الكذب إنما لزم لأن قوله : أنت علي كظهر أمي ، إما أن يجعله إخبارا أو إنشاء وعلى التقدير الأول أنه كذب ، لأن الزوجة محللة والأم محرمة ، وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب ، وإن جعلناه إنشاء كان ذلك أيضا كذبا ، لأن كونه إنشاء معناه أن الشرع جعله سببا في حصول الحرمة ، فلما لم يرد الشرع بهذا التشبيه ، كان جعله إنشاء في وقوع هذا الحكم يكون كذبا وزورا ، وقال / بعضهم : إنه تعالى إنما وصفه بكونه : { منكرا من القول وزورا } لأن الأم محرمة تحريما مؤبدا ، والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريما مؤبدا ، فلا جرم كان ذلك منكرا من القول وزورا ، وهذا الوجه ضعيف لأن تشبيه الشيء بالشيء لا يقتضي وقوع المشابهة بينهما من كل الوجوه ، فلا يلزم من تشبيه الزوجة بالأم في الحرمة تشبيهها بها في كون الحرمة مؤبدة ، لأن مسمى الحرمة أعم من الحرمة المؤبدة والمؤقتة . قوله تعالى : { إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } أما الكلام في تفسير لفظة اللائي ، فقد تقدم في سورة الأحزاب عند قوله : { وما جعل أزواجكم اللائى تظاهرون } ( الأحزاب : 4 ) ثم في الآية سؤالان : وهو أن ظاهرها يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة ، وهذا مشكل ، لأنه قال في آية آخرى : { وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم } ( النساء : 23 ) وفي آية أخرى : { وأزواجه أمهاتهم } ( الأحزاب : 6 ) ولا يمكن أن يدفع هذا السؤال بأن المعنى من كون المرضعة أما ، وزوجة الرسول أما ، حرمة النكاح ، وذلك لأنا نقول : إن بهذا الطريق ظهر أنه لا يلزم من عدم الأمومة الحقيقية عدم الحرمة ، فإذا لا يلزم من عدم كون الزوجة أما عدم الحرمة ، وظاهر الآية يوهم أنه تعالى استدل بعدم الأمومة على عدم الحرمة ، وحينئذ يتوجه السؤال والجواب : أنه ليس المراد من ظاهر الآية ما ذكره السائل بل تقدير الآية كأنه قيل : الزوجة ليست بأم ، حتى تحصل الحرمة بسبب الأمومة ، ولم يرد الشرع بجعل هذا اللفظ سببا لوقوع الحرمة حتى تحصل الحرمة ، فإذا لا تحصل الحرمة هناك ألبتة فكان وصفهم لها بالحرمة كذبا وزورا .
ثم قال تعالى : { وإن الله لعفو غفور } إما من غير التوبة لمن شاء كما قال : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } أو بعد التوبة . ! 7 < { والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير } . > 7 < المجادلة : ( 3 ) والذين يظاهرون من . . . . . > > قوله تعالى : { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } قال الزجاج : { الذين } رفع بالابتداء وخبره فعليهم تحرير رقبة ، ولم يذكر عليهم لأن في الكلام دليلا عليه ، وإن شئت أضمرت فكفارتهم تحرير رقبة . أما قوله تعالى : { ثم يعودون لما قالوا } فاعلم أنه كثر اختلاف الناس في تفسير هذه الكلمة ، ولا بد أولا من بيان أقوال أهل العربية في هذه الكلمة ، وثانيا من بيان أقوال أهل الشريعة ، وفيها مسائل : / المسألة الأولى : قال الفراء : لا فرق في اللغة بين أن يقال : يعودون لما قالوا ، وإلى ما قالوا وفيما قالوا ، أبو علي الفارسي : كلمة إلى واللام يتعاقبان ، كقوله : { الحمد لله الذى هدانا لهاذا } ( الأعراف : 43 ) وقال : { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } ( الصافات : 23 ) وقال تعالى : { وأوحى إلى نوح } ( هود : 36 ) وقال : { بأن ربك أوحى لها } ( الزلزلة : 5 ) . المسألة الثانية : لفظ { ما قالوا } في قوله : { ثم يعودون لما قالوا } فيه وجهان أحدهما : أنه لفظ الظهار ، والمعنى أنهم يعودون إلى ذلك اللفظ والثاني : أن يكون المراد بقوله : { لما قالوا } المقول فيه ، وهو الذي حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار ، تنزيلا للقول منزلة المقول فيه ، ونظيره قوله تعالى : { ونرثه ما يقول } ( مريم : 80 ) أي ونرثه المقول ، وقال عليه السلام : ( العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ) وإنما هو عائد في الموهوب ، ويقول الرجل : اللهم أنت رجاؤنا ، أي مرجونا ، وقال تعالى : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ( الحجر : 99 ) أي الموقن به ، وعلى هذا معنى قوله : { ثم يعودون لما قالوا } أي يعودون إلى الشيء الذي قالوا فيه ذلك القول ، ثم إذا فسرنا هذا اللفظ بالوجه الأول فنقول : قال أهل اللغة ، يجوز أن يقال : عاد لما فعل ، أي فعله مرة أخرى ، ويجوز أن يقال : عاد لما فعل ، أي نقض ما فعل ، وهذا كلام معقول ، لأن من فعل شيئا ثم أراد أن يقال مثله ، فقد عاد إلى تلك الماهية لا محالة أيضا ، وأيضا من فعل شيئا ثم أراد إبطاله فقد عاد إليه ، لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعود إليه .