Qur'an&Sunnah

İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)

قسم V07/P172–V07/P175

3648 قوله حدثنا المثنى هو بن سعيد الضبعي له في البخاري حديثان هذا واخر تقدم في ذكر بني إسرائيل وأبو جمرة هو بالجيم نصر بن عمران قوله ان أبا ذر قال لأخيه هو أنيس قوله اركب إلى هذا الوادي أي وادي مكة وفي أول رواية أبي قتيبة الماضية في مناقب قريش قال لنا بن عباس الا أخبركم بإسلام أبي ذر قال قلنا بلى قال قال أبو ذر كنت رجلا من غفار وهذا السياق يقتضي ان بن عباس تلقاه من أبي ذر وقد اخرج مسلم قصة إسلام أبي ذر من طريق عبد الله بن الصامت عنه وفيها مغايرة كثيرة لسياق بن عباس ولكن الجمع بينهما ممكن وأول حديثه خرجنا من قومنا غفار وكانوا يحلون الشهر الحرام فخرجت انا وأخي أنيس وامنا فنزلنا على خال لنا فحسدنا قومه فقالوا له انك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس فذكر لنا ذلك فقلنا له اما ما مضى لنا من معروفك فقد كدرته فتحملنا عليه وجلس يبكي فانطلقنا نحو مكة فنافر أخي أنيس رجلا إلى الكاهن فخير انيسا فأتانا بصرمتنا ومثلها معها قال وقد صليت يا بن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين قلت لمن قال لله قلت فأين توجه قال حيث يوجهني ربي قال فقال لي أنيس ان لي حاجة بمكة فانطلق ثم جاء فقلت ماصنعت قال لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم ان الله أرسله قلت فما يقول الناس قال يقولون شاعر كاهن ساحر وكان أنيس شاعرا فقال لقد سمعت كلام الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على اقراء الشعر فما يلتئم عليها والله انه لصادق قلت وهذا الفصل في الظاهر مغاير لقوله في حديث الباب ان أبا ذر قال لأخيه ما شفيتني ويمكن الجمع بأنه كان أراد منه ان يأتيه بتفاصيل من كلامه واخباره فلم يأته الا بمجمل قوله فانطلق الأخ في رواية الكشميهني فانطلق الاخر أي أنيس قال عياض وقع عند بعضهم فانطلق الأخ الآخر والصواب الاقتصار على أحدهما لأنه لا يعرف لأبي ذر الا أخ واحد وهو أنيس قلت وعند مسلم من طريق عبد الرحمن بن مهدي أي عن المثنى فانطلق الآخر حسب قوله حتى قدمه أي الوادي وادي مكة وفي رواية بن مهدي فانطلق الآخر حتى قدم مكة قوله رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر كذا في هذه الرواية ووافقها عبد الرحمن بن مهدي عند مسلم وقوله وكلاما منصوب بالعطف على الضمير المنصوب وفيه اشكال لأن الكلام لا يرى ويجاب عنه بأنه من قبيل علفتها تبنا وماء باردا وفيه الوجهان الاضمار أي وسقيتها أو ضمن العلف معنى الإعطاء وهنا يمكن ان يقال التقدير رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وسمعته يقول كلاما ما هو بالشعر أو ضمن الرؤية معنى الأخذ عنه ووقع في رواية أبي قتيبة رأيته يأمر بالخير وينهى عن الشر ولا اشكال فيها قوله وكره ان يسأل عنه لأنه عرف ان قومه يؤذون من يقصده أو يؤذونه بسبب قصد من يقصده أو لكراهتهم في ظهور امره لا يدلون من يسأل عنه عليه أو يمنعونه من الاجتماع به أو يخدعونه حتى يرجع عنه قوله فرآه علي بن أبي طالب وهذا يدل على ان قصة أبي ذر وقعت بعد المبعث بأكثر من سنتين بحيث يتهيأ لعلي ان يستقل بمخاطبة الغريب ويضيفه فان الأصح في سن علي حين المبعث كان عشر سنين وقيل أقل من ذلك وهذا الخبر يقوي القول الصحيح في سنه قوله فعرف انه غريب في رواية أبي قتيبة فقال كأن الرجل غريب قلت نعم قوله فلما رآه تبعه في رواية أبي قتيبة قال فانطلق إلى المنزل فانطلقت معه قوله اما نال للرجل أي اما حان يقال نال له بمعنى آن له ويروى اما آن بمد الهمزة وانى بالقصر وبفتح النون وكلها بمعنى وقد تقدم في قصة الهجرة في قول أبي بكر الصديق اما آن للرحيل مثله وقوله ان يعلم منزله أي مقصده ويحتمل ان يكون علي أشار بذلك إلى دعوته إلى بيته لضيافته ثانيا وتكون إضافة المنزل إليه مجازية لكونه قد نزل به مرة ويؤيد الأول قول أبي ذر في جوابه قلت لا كما في رواية أبي قتيبة قوله يوم الثالث كذا فيه وهو كقولهم مسجد الجامع وليس من إضافة الشيء إلى نفسه عند التحقيق قوله فعاد علي على مثل ذلك في رواية الكشميهني فغدا على مثل ذلك وفي رواية أبي قتيبة فقال فانطلق معي قوله لترشدنني كذا للأكثر بنونين وفي رواية الكشميهني بواحدة مدغمة قوله فأخبرته كذا للأكثر وفيه التفات وفي رواية الكشميهني فأخبره على نسق ما تقدم قوله قمت كأني اريق الماء في رواية أبي قتيبة كأني اصلح نعلي ويحمل على انه قالهما جميعا قوله فانطلق يقفوه أي يتبعه قوله ودخل معه قال الداودي فيه الدخول بدخول المتقدم وكأن هذا قبل آية الاستئذان وتعقبه بن التين فقال لاتؤخذ الاحكام من مثل هذا قلت وفي كلام كل منهما من النظر ما لا يخفى قوله فسمع من قوله واسلم مكانه كأنه كان يعرف علامات النبي فلما تحققها لم يتردد في الإسلام هكذا في هذه الرواية ومقتضاها ان التقاء أبي ذر بالنبي صلى الله عليه وسلم كان بدلالة علي وفي رواية عبد الله بن الصامت ان أبا ذر لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر في الطواف بالليل قال فلما قضى صلاته قلت السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته قال فكنت أول من حياه بالسلام قال من أين أنت قلت من بني غفار قال فوضع يده على جبهته فقلت كره ان انتميت إلى غفار فذكر الحديث في شأن زمزم وانه استغنى بها عن الطعام والشراب ثلاثين من بين يوم وليلة وفيه فقال أبو بكر ائذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة وانه اطعمه من زبيب الطائف الحديث واكثره مغاير لما في حديث بن عباس هذا عن أبي ذر ويمكن التوفيق بينهما بأنه لقيه اولا مع علي ثم لقيه في الطواف أو بالعكس وحفظ كل منهما عنه ما لم يحفظ الآخر كما في رواية عبد الله بن الصامت من الزيادة ما ذكرناه ففي رواية بن عباس أيضا من الزيادة قصته مع علي وقصته مع العباس وغير ذلك وقال القرطبي في التوفيق بين الروايتين تكلف شديد ولا سيما ان في حديث عبد الله بن الصامت ان أبا ذر أقام ثلاثين لا زاد له وفي حديث بن عباس انه كان معه زاد وقربة ماء إلى غير ذلك قلت ويحتمل الجمع بأن المراد بالزاد في حديث بن عباس ما تزوده لما خرج من قومه ففرغ لما أقام بمكة والقربة التي كانت معه كان فيها الماء حال السفر فلما أقام بمكة لم يحتج إلى ملئها ولم يطرحها ويؤيده انه وقع في رواية أبي قتيبة المذكورة فجعلت لا اعرفه واكره ان اسأل عنه واشرب من ماء زمزم واكون في المسجد الحديث قوله ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري في رواية أبي قتيبة اكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك فأخبرهم فإذا بلغك ظهورنا فأقبل وفي رواية عبد الله بن الصامت انه قد وجهت لي ارض ذات نخل فهل أنت مبلغ عني قومك عسى الله ان ينفعهم بك فذكر قصة إسلام أخيه أنيس وأمه وانهم توجهوا إلى قومهم غفار فأسلم نصفهم الحديث قوله لأصرخن بها أي بكلمة التوحيد والمراد انه يرفع صوته جهارا بين المشركين وكأنه فهم ان أمر النبي صلى الله عليه وسلم له بالكتمان ليس على الإيجاب بل على سبيل الشفقة عليه فأعلمه ان به قوة على ذلك ولهذا اقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ويؤخذ منه جواز قول الحق عند من يخشى منه الأذية لمن قاله وان كان السكوت جائزا والتحقيق ان ذلك مختلف باختلاف الأحوال والمقاصد وبحسب ذلك يترتب وجود الأجر وعدمه قوله ثم قام القوم في رواية أبي قتيبة فقالوا قوموا إلى هذا الصابىء بالياء اللينة فقاموا وكانوا يسمون من اسلم صابيا لأنه من صبا يصبو إذا انتقل من شيء إلى شيء قوله فضربوه حتى اوجعوه في رواية أبي قتيبة فضربت لأموت أي ضربت ضربا لايبالي من ضربني ان لو اموت منه قوله فأقلعوا عني أي كفوا قوله فأكب العباس عليه في رواية أبي قتيبة فقال مثل مقالته بالأمس وفي الحديث ما يدل على حسن تأتي العباس وجودة فطنته حيث توصل إلى تخليصه منهم بتخويفهم من قومه ان يقاصوهم بأن يقطعوا طرق متجرهم وكان عيشهم من التجارة فلذلك بادروا إلى الكف عنه وفي الحديث دلالة على تقدم إسلام أبي ذر لكن الظاهر ان ذلك كان بعد المبعث بمدة طويلة لما فيه من الحكاية عن علي كما قدمناه ومن قوله أيضا في رواية عبد الله بن الصامت اني وجهت لي ارض ذات نخل فان ذلك يشعر بأن وقوع ذلك كان قرب الهجرة والله اعلم

قسم V07/P175–V07/P176

1 ( قوله باب إسلام سعيد بن زيد ) أي بن عمرو بن نفيل وأبوه تقدم ذكره وانه بن بن عم عمر بن الخطاب قوله حدثنا سفيان هو بن عيينة وإسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم 3649 قوله لقد رأيتني بضم المثناة والمعنى رأيت نفسي وان عمر لموثقي على الإسلام أي ربطه بسبب إسلامه اهانة له والزاما بالرجوع عن الإسلام وقال الكرماني في معناه كان يثبتني على الإسلام ويسددني كذا قال وكأنه ذهل عن قوله هنا قبل ان يسلم فان وقوع التثبيت منه وهو كافر لضمره على الإسلام بعيد جدا مع انه خلاف الواقع وسيأتي في كتاب الإكراه باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر وكأن السبب في ذلك انه كان زوج فاطمة بنت الخطاب أخت عمر ولهذا ذكر في اخر باب إسلام عمر رأيتني موثقي عمر على الإسلام انا وأخته وكان إسلام عمر متأخرا عن إسلام أخته وزوجها لأن أول الباعث له على دخوله في الإسلام ماسمع في بيتها من القرآن في قصة طويلة ذكرها الدارقطني وغيره قوله ولو ان أحدا ارفض أي زال من مكانه في الرواية الآتية انقض بالنون والقاف بدل الراء والفاء أي سقط وزعم بن التين انه أرجح الروايات وفي رواية الكشميهني بالنون والفاء وهو بمعنى الأول قوله لكان في الرواية الآتية لكان محقوقا ان ينقض وفي رواية الإسماعيلي لكان حقيقا أي واجبا تقول حق عليك ان تفعل كذا وأنت حقيق ان تفعله وانما قال ذلك سعيد لعظم قتل عثمان وهو مأخوذ من قوله تعالى تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ان دعوا للرحمن ولدا قال بن التين قال سعيد ذلك على سبيل التمثيل وقال الداودي معناه لو تحركت القبائل وطلبت بثار عثمان لكان أهلا لذلك وهذا بعيد من التأويل 1 ( قوله باب إسلام عمر بن الخطاب ) قد تقدم نسبه في مناقبه 3650 قوله أنبأنا سفيان هو الثوري قوله ما زلنا اعزة منذ اسلم عمر زاد الإسماعيلي من طريق أبي داود الحفري عن سفيان في حديث ذكره أي من كلام بن مسعود وقد تقدم في مناقب عمر الإلمام بشيء من ذلك الحديث الثاني 3651 قوله فأخبرني جدي ظاهر السياق انه معطوف على شيء تقدم وقد رواه الإسماعيلي من طريق بن وهب هذه فقال فيها عن بن وهب أخبرني عمر بن محمد قوله وعليه حلة حبر بكسر المهملة وفتح الموحدة وهو برد مخطط بالوشي وفي رواية حبرة بزيادة هاء قوله ان أسلمت بفتح الالف وتخفيف النون أي لأجل إسلامي قوله لا سبيل عليك بعد ان قالها أي الكلمة المذكورة وهي قوله لا سبيل عليك قوله امنت بفتح الهمزة وكسر الميم وسكون النون وضم المثناة أي حصل الأمان في نفسي بقوله ذلك ووقع في رواية الأصيلي بمد الهمزة وهو خطأ فإنه كان قد اسلم قبل ذلك وذكر عياض ان في رواية الحميدي بالقصر أيضا لكنه بفتح المثناة وهو خطأ أيضا لأنه يصير من كلام العاص بن وائل وليس كذلك بل هو من كلام عمر يريد انه امن لما قال له العاص بن وائل تلك المقالة ويؤيده الحديث الذي بعده الحديث الثالث

قسم V07/P176–V07/P178

3652 قوله اجتمع الناس عند داره في رواية الكشميهني اجتمع الناس إليه قوله وانا غلام في رواية أخرى انه كان بن خمس سنين وإذا كان كذلك خرج منه ان إسلام عمر كان بعد المبعث بست سنين أو بسبع لان بن عمر كما سيأتي في المغازي كان يوم أحد بن أربع عشرة سنة وذلك بعد المبعث بست عشرة سنة فيكون مولده بعد المبعث بسنتين قوله على ظهر بيتي قال الداودي هو غلط والمحفوظ ظهر بيتنا وتعقبه بن التين بأن بن عمر أراد انه الآن بيته أي عند مقالته تلك وكان قبل ذلك لأبيه ولا يخفى عدم الاحتياج إلى هذا التأويل وانما نسب بن عمر البيت إلى نفسه مجازا أو مراده المكان الذي كان يأوي فيه سواء كان ملكه أم لا وأيضا فإنه ان أراد نسبته إليه حال مقالته تلك لم يصح لأن بني عدي بن كعب رهط عمر لما هاجروا استولى غيرهم على بيوتهم كما ذكره بن إسحاق وغيره فلم يرجعوا فيها وأيضا فان بن عمر لم ينفرد بالإرث من عمر فتحتاج دعوى ان يكون اشترى حصص غيره إلى نقل فيتعين الذي قلته قوله فما ذاك أي فلا بأس أو لا قتل أو لا يعترض له وقوله أنا له جار أي أجرته من أن يظلمه ظالم وقوله تصدعوا أي تفرقوا عنه فقوله قالوا العاص بن وائل زاد بن أبي عمر في روايته عن سفيان قال فعجبت من عزته وكذا عند الإسماعيلي من وجهين عن سفيان وفي رواية عبد الله بن داود عن عمر بن محمد عند الإسماعيلي فقلت لعمر من الذي ردهم عنك يوم أسلمت قال يا بني ذاك العاص بن وائل أي بن هاشم بن سعيد بالتصغير بن سهم القرشي السهمي مات على كفره قبل الهجرة بمدة والعاص بمهملتين من العوص لا من العصيان والصاد مرفوعة ويجوز كسرها وقيل إنه من العصيان فهو بالكسر جزما ويجوز إثبات الياء كالقاضي ويؤيده كتاب عمر إلى عمرو وهو عامله على مصر إلى العاصي بن العاصي وأطلق عليه ذلك لكونه خالف شيئا مما كان أمره به في ولايته على مصر لما ظهر له من المصلحة الحديث الرابع

قسم V07/P178–V07/P181

3653 قوله حدثني عمر هو بن محمد بن زيد وهو شيخ بن وهب في الحديث الثاني ووهم من زعم انه عمر بن الحارث كالكلاباذي فقد وقع في رواية الإسماعيلي عن عمر بن محمد قوله ما سمعت عمر يقول لشيء اني لاظنه كذا الا كان أي عن شيء واللام قد تأتي بمعنى عن كقوله وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه قوله الا كان كما يظن هو موافق لما تقدم في مناقبه انه كان محدثا بفتح الدال وتقدم شرحه قوله إذ مر به رجل جميل هو سواد بفتح المهملة وتخفيف الواو وآخره مهملة بن قارب بالقاف والموحدة وهو سدوسي أو دوسي وقد اخرج بن أبي خيثمة وغيره من طريق أبي جعفر الباقر قال دخل رجل يقال له سواد بن قارب السدوسي على عمر فقال يا سواد أنشدك الله هل تحسن من كهانتك شيئا فذكر القصة واخرج الطبراني والحاكم وغيرهما من طريق محمد بن كعب القرظي قال بينما عمر قاعد في المسجد فذكر مثل سياق أبي جعفر واتم منه وهما طريقان مرسلان يعضد أحدهما الاخر واخرج البخاري في تاريخه والطبراني من طريق عباد بن عبد الصمد عن سعيد بن جبير قال أخبرني سواد بن قارب قال كنت نائما فذكر قصته الأولى دون قصته مع عمر وهذا ان ثبت دل على تاخر وفاته لكن عبادا ضعيف ولابن شاهين من طريق أخرى ضعيفة عن أنس قال دخل رجل من دوس يقال له سواد بن قارب على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر قصته أيضا وهذه الطرق يقوى بعضها ببعض وله طرق أخرى سأذكر ما فيها من فائدة قوله لقد أخطأ ظني في رواية بن عمر عند البيهقي لقد كنت ذا فراسة وليس لي الآن رأي ان لم يكن هذا الرجل ينظر في الكهانة قوله أو بسكون الواو على دين قومه في الجاهلية أي مستمر على عبادة ما كانوا يعبدون قوله أو بسكون الواو أيضا لقد كان كاهنهم أي كان كاهن قومه وحاصله ان عمر ظن شيئا مترددا بين شيئين أحدهما يتردد بين شيئين كأنه قال هذا الظن اما خطأ أو صواب فان كان صوابا فهذا الآن اما باق على كفره واما كان كاهنا وقد أظهر الحال القسم الأخير وكأنه ظهرت له من صفة مشيه أو غير ذلك قرينة اثرت له ذلك الظن فالله اعلم قوله علي بالتشديد الرجل بالنصب أي احضروه الي وقربوه مني قوله فقال له ذلك أي ما قاله في غيبته من التردد وفي رواية محمد بن كعب فقال له فأنت على ما كنت عليه من كهانتك فغضب وهذا من تلطف عمر لأنه اقتصر على أحسن الأمرين قوله ما رأيت كاليوم أي ما رأيت شيئا مثل ما رأيت اليوم قوله استقبل بضم التاء على البناء للمجهول قوله رجل مسلم في رواية النسفي وأبي ذر رجلا مسلما ورأيته مجودا بفتح تاء استقبل على البناء للفاعل وهو محذوف تقديره أحد وضبطه الكرماني استقبل بضم التاء واعرب رجلا مسلما على انه مفعول رأيت وعلى هذا فالضمير في قوله به يعود على الكلام ويدل عليه السياق وبينه البيهقي في رواية مرسلة قد جاء الله بالإسلام فما لنا ولذكر الجاهلية قوله فاني اعزم عليك أي الزمك وفي رواية محمد بن كعب ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك قوله الا أخبرتني أي ما اطلب منك الا الاخبار قوله كنت كاهنهم في الجاهلية الكاهن الذي يتعاطى الخبر من الأمور المغيبة وكانوا في الجاهلية كثيرا فمعظمهم كان يعتمد على تابعه من الجن وبعضهم كان يدعي معرفة ذلك بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله وهذا الأخير يسمى العراف بالمهملتين وسيأتي حكم ذلك واضحا في كتاب الطب وتقدم طرف منه في اخر البيوع ولقد تلطف سواد في الجواب إذ كان سؤال عمر عن حاله في كهانته إذ كان من أمر الشرك فلما الزمه أخبره بآخر شيء وقع له لما تضمن من الاعلام بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكان سببا لاسلامه قوله ما أعجب بالضم وما استفهامية قوله جنيتك بكسر الجيم والنون الثقيلة أي الواحدة من الجن كأنه انث تحقيرا ويحتمل ان يكون عرف ان تابع سواد منهم كان أنثى أو هو كما يقال تابع الذكر يكون أنثى وبالعكس قوله اعرف فيها الفزع بفتح الفاء والزاي أي الخوف وفي رواية محمد بن كعب ان ذلك كان وهو بين النائم واليقظان قوله الم تر الجن وإبلاسها بالموحدة والمهملة والمراد به اليأس ضد الرجاء وفي رواية أبي جعفر عجبت للجن وإبلاسها وهو اشبه باعراب بقية الشعر ومثله لمحمد بن كعب لكن قال وتحساسها بفتح المثناة وبمهملات أي انها فقدت أمرا فشرعت تفتش عليه قوله ويأسها من بعد انكاسها اليأس بالتحتانية ضد الرجاء والانكاس الانقلاب قال بن فارس معناه انها يئست من استراق السمع بعد ان كانت قد الفته فانقلبت عن الاستراق قد يئست من السمع ووقع في شرح الداودي بتقديم السين على الكاف وفسره بأنه المكان الذي الفته قال ووقع في رواية من بعد ايناسها أي انها كانت انست بالاستراق ولم ار ما قاله في شيء من الروايات وقد شرح الكرماني على اللفظ الأول الذي ذكره الداودي وقال الانساك جمع نسك والمراد به العبادة ولم ار هذا القسيم في غير الطريق التي أخرجها البخاري وزاد في رواية الباقر ومحمد بن كعب وكذا عند البيهقي موصولا من حديث البراء بن عازب بعد قوله واحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى مامؤمنوها مثل ارجاسها فاسم إلى الصفوة من هاشم واسم بعينيك إلى رأسها وفي روايتهم ان الجني عاوده ثلاث ليال ينشده هذه الأبيات مع تغيير قوافيها فجعل بدل قوله ابلاسها تطلابها أوله مثناة وتارة تجأرها بجيم وهمزة وبدل قوله احلاسها اقتابها بقاف ومثناة جمع قتب وتارة اكوارها وبدل قوله مامؤمنوها مثل ارجاسها ليس قداماها كأذنابها وتارة ليس ذوو الشر كأخيارها وبدل قوله راسها نابها وتارة قال ما مؤمنو الجن ككفارها وعندهم من الزيادة أيضا انه في كل مرة يقول له قد بعث محمد فانهض إليه ترشد وفي الرواية المرسلة قال فارتعدت فرائصي حتى وقعت وعندهم جميعا انه لما أصبح توجه إلى مكة فوجد النبي صلى الله عليه وسلم قد هاجر فأتاه فأنشده أبياتا يقول فيها أتاني رئي بعد ليل وهجعة ولم يك فيما قد بلوت بكاذب ثلاث ليال قوله كل ليلة اتاك نبي من لؤي بن غالب يقول في اخرها فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قارب وفي اخر الرواية المرسلة فالتزمه عمر وقال لقد كنت احب ان اسمع هذا منك قوله ولحوقها بالقلاص واحلاسها القلاص بكسر القاف وبالمهملة جمع قلص بضمتين وهو جمع قلوص وهي الفتية من النياق والاحلاس جمع حلس بكسر أوله وسكون ثانيه وبالمهملتين وهو ما يوضع على ظهور الإبل تحت الرحل ووقع هذا القسيم غير موزون وفي رواية الباقر ورحلها العيس بأحلاسها وهذا موزون والعيس بكسر أوله وسكون التحتانية وبالمهملتين الإبل قوله قال عمر صدق بينما انا عند الهتهم ظاهر هذا ان الذي قص القصة الثانية هو عمر وفي رواية بن عمر وغيره ان الذي قصها هو سواد بن قارب ولفظ بن عمر عند البيهقي قال لقد رأى عمر رجلا فذكر القصة قال فأخبرني عن بعض ما رأيت قال اني ذات ليلة بواد إذ سمعت صائحا يقول يا جليح خبر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا الله عجبت للجن وإبلاسها فذكر القصة ثم ساق من طريق أخرى مرسلة قال مر عمر برجل فقال لقد كان هذا كاهنا الحديث وفيه فقال عمر أخبرني فقال نعم بينا انا جالس إذ قالت لي الم تر إلى الشياطين وإبلاسها الحديث قال عمر الله أكبر فقال أتيت مكة فإذا برجل عند تلك الانصاب فذكر قصة العجل وهذا يحتمل فيه ما احتمل في حديث الصحيح ان يكون القائل أتيت مكة هو عمر أو صاحب القصة قوله عند الهتهم أي اصنامهم قوله إذ جاء رجل لم اقف على اسمه لكن عند أحمد من وجه اخر انه بن عبس فأخرج من طريق مجاهد عن شيخ أدرك الجاهلية يقال له بن عبس قال كنت اسوق بقرة لنا فسمعت من جوفها فذكر الرجز قال فقدمنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث ورجاله ثقات وهو شاهد قوي لما في رواية بن عمر وان الذي حدث بذلك هو سواد بن قارب وساذكر بعد هذا ما يقوي ان الذي سمع ذلك هو عمر فيمكن ان يجمع بينهما بتعدد ذلك لهما قوله يا جليح بالجيم والمهملة بوزن عظيم ومعناه الوقح المكافح بالعداوة قال بن التين يحتمل ان يكون نادى رجلا بعينه ويحتمل ان يكون أراد من كان بتلك الصفة قلت ووقع في معظم الروايات التي أشرت إليها يا آل ذريح بالذال المعجمة والراء واخره مهملة وهم بطن مشهور في العرب قوله رجل فصيح من الفصاحة وفي رواية الكشميهني بتحتانية أوله بدل الفاء من الصياح ووقع في حديث بن عبس قول فصيح رجل يصيح قوله يقول لا اله الا أنت وفي رواية الكشميهني لا إله إلا الله وهو الذي في بقية الروايات قوله فما نشبنا بكسر المعجمة وسكون الموحدة أي لم نتعلق بشيء من الأشياء حتى سمعنا ان النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج يريد ان ذلك كان بقرب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم تنبيهان أحدهما ذكر بن التين ان الذي سمعه سواد بن قارب من الجني كان من اثر استراق السمع وفي جزمه بذلك نظر والذي يظهر ان ذلك كان من اثر منع الجن من استراق السمع ويبين ذلك ما أخرجه المصنف في الصلاة ويأتي في تفسير سورة الجن عن بن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث منع الجن من استراق السمع فضربوا المشارق والمغارب يبحثون عن سبب ذلك حتى رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه صلاة الفجر الحديث التنبيه الثاني لمح المصنف بإيراد هذه القصة في باب إسلام عمر بما جاء عن عائشة وطلحة عن عمر من ان هذه القصة كانت سبب إسلامه فروى أبو نعيم في الدلائل ان أبا جهل جعل لمن يقتل محمدا مائة ناقة قال عمر فقلت له يا أبا الحكم الضمان صحيح قال نعم قال فتقلدت سيفي اريده فمررت على عجل وهم يريدون ان يذبحوه فقمت انظر إليهم فإذا صائح يصيح من جوف العجل يا آل ذريح أمر نجيح رجل يصيح بلسان فصيح قال عمر فقلت في نفسي ان هذا الأمر ما يراد به الا انا قال فدخلت على أختي فإذا عندها سعيد بن زيد فذكر القصة في سبب إسلامه بطولها وتامل ما في إيراده حديث سعيد بن زيد الذي بعد هذا وهو الحديث الخامس من المناسبة لهذه القصة قوله انقض بنون وقاف وللكشميهني بفاء بدل القاف في الموضعين ولأبي نعيم في المستخرج بالفاء والراء ومعانيها متقاربة والله اعلم تنبيه جعل بن إسحاق إسلام عمر بعد هجرة الحبشة ولم يذكر انشقاق القمر فاقتضى صنيع المصنف انه وقع في تلك الأيام وقد ذكر بن إسحاق من وجه آخر ان إسلام عمر كان عقب هجرة الحبشة الأولى

قسم V07/P181–V07/P182

1 ( قوله باب انشقاق القمر ) أي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل المعجزة له وقد ترجم بمعنى ذلك في علامات النبوة قوله عن أنس زاد في الرواية التي في علامات النبوة انه حدثهم 3655 قوله ان أهل مكة هذا من مراسيل الصحابة لان أنسا لم يدرك هذه القصة وقد جاءت هذه القصة من حديث بن عباس وهو أيضا ممن لم يشاهدها ومن حديث بن مسعود وجبير بن مطعم وحذيفة وهؤلاء شاهدوها ولم ار في شيء من طرقه ان ذلك كان عقب سؤال المشركين الا في حديث أنس فلعله سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ثم وجدت في بعض طرق حديث بن عباس بيان صورة السؤال وهو وان كان لم يدرك القصة لكن في بعض طرقه ما يشعر بأنه حمل الحديث عن بن مسعود كما ساذكره فاخرج أبو نعيم في الدلائل من وجه ضعيف عن بن عباس قال اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والأسود بن المطلب والنضر بن الحارث ونظرائهم فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ان كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين فسال ربه فانشق قوله شقتين بكسر المعجمة أي نصفين وتقدم في العلامات من طريق سعيد وشيبان عن قتادة بدون هذه اللفظة وأخرجه مسلم من الوجه الذي أخرجه منه البخاري من حديث سعيد عن قتادة بلفظ فاراهم انشقاق القمر مرتين وأخرجه من طريق معمر عن قتادة قال بمعنى حديث شيبان قلت وهو في مصنف عبد الرزاق عن معمر بلفظ مرتين أيضا وكذلك أخرجه الامامان أحمد وإسحاق في مسنديهما عن عبد الرزاق وقد اتفق الشيخان عليه من رواية شعبة عن قتادة بلفظ فرقتين قال البيهقي قد حفظ ثلاثة من أصحاب قتادة عنه مرتين قلت لكن اختلف عن كل منهم في هذه اللفظة ولم يختلف على شعبة وهو احفظهم ولم يقع في شيء من طرق حديث بن مسعود بلفظ مرتين انما فيه فرقتين أو فلقتين بالراء أو اللام وكذا في حديث بن عمر فلقتين وفي حديث جبير بن مطعم فرقتين وفي لفظ عنه فانشق باثنتين وفي رواية عن بن عباس عند أبي نعيم في الدلائل فصار قمرين وفي لفظ شقتين وعند الطبراني من حديثه حتى رأوا شقيه ووقع في نظم السيرة لشيخنا الحافظ أبي الفضل وانشق مرتين بالإجماع ولااعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه صلى الله عليه وسلم ولم يتعرض لذلك أحد من شراح الصحيحين وتكلم بن القيم على هذه الرواية فقال المرات يراد بها الأفعال تارة والأعيان أخرى والأول أكثر ومن الثاني انشق القمر مرتين وقد خفي على بعض الناس فادعي ان انشقاق القمر وقع مرتين وهذا مما يعلم أهل الحديث والسير انه غلط فإنه لم يقع الا مرة واحدة وقد قال العماد بن كثير في الرواية التي فيها مرتين نظر ولعل قائلها أراد فرقتين قلت وهذا الذي لايتجه غيره جمعا بين الروايات ثم راجعت نظم شيخنا فوجدته يحتمل التأويل المذكور ولفظه فصار فرقتين فرقة علت وفرقة للطود منه نزلت وذاك مرتين بالإجماع والنص والتواتر السماع فجمع بين قوله فرقتين وبين قوله مرتين فيمكن ان يتعلق قوله بالإجماع بأصل الانشقاق لا بالتعدد مع ان في نقل الإجماع في نفس الانشقاق نظرا سيأتي بيانه قوله حتى رأوا حراء بينهما أي بين الفرقتين وحراء تقدم ضبطه في بدء الوحي وهو على يسار السائر من مكة إلى منى

قسم V07/P182–V07/P183

3656 قوله عن أبي حمزة بالمهملة والزاي هو محمد بن ميمون السكري المروزي قوله عن الأعمش عن إبراهيم وقع في رواية السرخسي والكشميهني في اخر الباب من وجه اخر عن الأعمش حدثنا إبراهيم قوله عن أبي معمر هذا هو المحفوظ ووقع في رواية سعدان بن يحيى ويحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة أخرجه بن مردويه ولأبي نعيم نحوه من طريق غريبة عن شعبة عن الأعمش والمحفوظ عن شعبة كما سيأتي في التفسير عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر وهو المشهور وقد أخرجه مسلم من طريق أخرى عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن بن عمر وسيأتي للمصنف معلقا ان مجاهدا رواه عن أبي معمر عن بن مسعود فالله اعلم هل عند مجاهد فيه اسنادان أو قول من قال بن عمر وهم من أبي معمر قوله عن عبد الله هو بن مسعود قوله انشق القمر ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى في رواية مسلم من طريق علي بن مسهر عن الأعمش بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى إذ انفلق القمر وهذا لا يعارض قول أنس ان ذلك كان بمكة لأنه لم يصرح بان النبي صلى الله عليه وسلم كان ليلتئذ بمكة وعلى تقدير تصريحه فهي من جملة مكة فلا تعارض وقد وقع عند الطبراني من طريق زر بن حبيش عن بن مسعود قال انشق القمر بمكة فرأيته فرقتين وهو محمول على ما ذكرته وكذا وقع في غير هذه الرواية وقد وقع عند بن مردويه بيان المراد فاخرج من وجه اخر عن بن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمكة قبل ان نصير إلى المدينة فوضح ان مراده بذكر مكة الإشارة إلى ان ذلك وقع قبل الهجرة ويجوز ان ذلك وقع وهم ليلتئذ بمنى قوله فقال اشهدوا أي اضبطوا هذا القدر بالمشاهدة قوله وقال أبو الضحى الخ يحتمل ان يكون معطوفا على قوله عن إبراهيم فان أبا الضحى من شيوخ الأعمش فيكون للاعمش فيه اسنادان ويحتمل ان يكون معلقا وهو المعتمد فقد وصله أبو داود الطيالسي عن أبي عوانة ورويناه في فوائد أبي طاهرالذهلي من وجه اخر عن أبي عوانة وأخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق هشيم كلاهما عن مغيرة عن أبي الضحى بهذا الإسناد بلفظ انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كفار قريش هذا سحر سحركم بن أبي كبشة فانظروا إلى السفار فان اخبروكم انهم رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق قال فما قدم عليهم أحد الا أخبرهم بذلك لفظ هشيم وعند أبي عوانة انشق القمر بمكة نحوه وفيه فان محمدا لايستطيع ان يسحر الناس كلهم قوله وتابعه محمد بن مسلم هو الطائفي وبن أبي نجيح اسمه عبد الله واسم أبيه يسار بتحتانية ثم مهملة خفيفة ومراده انه تابع إبراهيم في روايته عن أبي معمر في قوله ان ذلك كان بمكة لا في جميع سياق الحديث والجمع بين قول بن مسعود تارة بمنى وتارة بمكة اما باعتبار التعدد ان ثبت واما بالحمل على انه كان بمنى ومن قال انه كان بمكة لا ينافيه لان من كان بمنى كان بمكة من غير عكس ويؤيده ان الرواية التي فيها بمنى قال فيها ونحن بمنى والرواية التي فيها بمكة لم يقل فيها ونحن وانما قال انشق القمر بمكة يعني ان الانشقاق كان وهم بمكة قبل ان يهاجروا إلى المدينة وبهذا يندفع دعوى الداودي ان بين الخبرين تضادا والله اعلم وبن أبي نجيح رواه عن مجاهد عن أبي معمر وهذه الطريق وصلها عبد الرزاق في مصنفه ومن طريقه البيهقي في الدلائل عن بن عيينة ومحمد بن مسلم جميعا عن بن أبي نجيح بهذا الإسناد بلفظ رأيت القمر منشقا شقتين شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء والسويداء بالمهملة والتصغير ناحية خارج مكة عندها جبل وقول بن مسعود على أبي قبيس يحتمل ان يكون رآه كذلك وهو بمنى كان يكون على مكان مرتفع بحيث رأى طرف جبل أبي قبيس ويحتمل ان يكون القمر استمر منشقا حتى رجع بن مسعود من منى إلى مكة فرآه كذلك وفيه بعد والذي يقتضيه غالب الروايات ان الانشقاق كان قرب غروبه ويؤيد ذلك اسنادهم الرؤية إلى جهة الجبل ويحتمل ان يكون الانشقاق وقع أول طلوعه فان في بعض الروايات ان ذلك كان ليلة البدر أو التعبير بابي قبيس من تغيير بعض الرواة لان الغرض ثبوت رؤيته منشقا إحدى الشقتين على جبل والأخرى على جبل آخر ولا يغاير ذلك قول الراوي الآخر رأيت الجبل بينهما أي بين الفرقتين لأنه إذا ذهبت فرقة عن يمين الجبل وفرقة عن يساره مثلا صدق انه بينهما وأي جبل آخر كان من جهة يمينه أو يساره صدق أنها عليه أيضا وسيأتي في تفسير سورة القمر من وجه آخر عن مجاهد بلفظ آخر وهو قوله انشق القمر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اشهدوا اشهدوا وليس فيه تعيين مكان وأخرجه بن مردويه من رواية بن جريج عن مجاهد بلفظ آخر وهو قوله انشق القمر قال الله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر يقول كما شققت القمر كذلك اقيم الساعة قوله في حديث بن عباس

قسم V07/P183–V07/P186

3657 ان القمر انشق على زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا أورده مختصرا وعند أبي نعيم من وجه آخر انشق القمر فلقتين قال بن مسعود لقد رأيت جبل حراء من بين فلقتي القمر وهذا يوافق الرواية الأولى في ذكر حراء وقد انكر جمهور الفلاسفة انشقاق القمر متمسكين بان الآيات العلوية لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء إلى غير ذلك من إنكارهم ما يكون يوم القيامة من تكوير الشمس وغير ذلك وجواب هؤلاء إن كانوا كفارا أن يناظروا أولا على ثبوت دين الإسلام ثم يشركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المسلمين ومتى سلم المسلم بعض ذلك دون بعض ألزم التناقض ولا سبيل إلى إنكار ما ثبت في القرآن من الإنخراق والإلتئام في القيامة فيستلزم جواز وقوع ذلك معجزة لنبي الله صلى الله عليه وسلم وقد أجاب القدماء عن ذلك فقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القران انكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر ولا إنكار للعقل فيه لان القمر مخلوق لله يفعل فيه ما يشاء كما يكوره يوم البعث ويفنيه واما قول بعضهم لو وقع لجاء متواترا واشترك أهل الأرض في معرفته ولما اختص بها أهل مكة فجوابه ان ذلك وقع ليلا وأكثر الناس نيام والأبواب مغلقة وقل من يراصد السماء الا النادر وقد يقع بالمشاهدة في العادة ان ينكسف القمر وتبدو الكواكب العظام وغير ذلك في الليل ولا يشاهدها الا الآحاد فكذلك الانشقاق كان آية وقعت في الليل لقوم سألوا واقترحوا فلم يتأهب غيرهم لها ويحتمل ان يكون القمر ليلتئذ كان في بعض المنازل التي تظهر لبعض أهل الآفاق دون بعض كما يظهر الكسوف لقوم دون قوم وقال الخطابي انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء وذلك انه ظهر في ملكوت السماء خارجا من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة فلذلك صار البرهان به أظهر وقد انكر ذلك بعضهم فقال لو وقع ذلك لم يجز ان يخفى امره على عوام الناس لأنه أمر صدر عن حس ومشاهدة فالناس فيه شركاء والدواعي متوفرة على رؤية كل غريب ونقل ما لم يعهد فلو كان لذلك أصل لخلد في كتب أهل التسيير والتنجيم إذ لا يجوز اطباقهم على تركه واغفاله مع جلالة شأنه ووضوح امره والجواب عن ذلك ان هذه القصة خرجت عن بقية الأمور التي ذكروها لأنه شيء طلبه خاص من الناس فوقع ليلا لأن القمر لا سلطان له بالنهار ومن شأن الليل ان يكون أكثر الناس فيه نياما ومستكنين بالأبنية والبارز بالصحراء منهم إذا كان يقظان يحتمل انه كان في ذلك الوقت مشغولا بما يلهيه من سمر وغيره ومن المستبعد ان يقصدوا إلى مراصد مركز القمر ناظرين إليه لا يغفلون عنه فقد يجوز انه وقع ولم يشعر به أكثر الناس وانما رآه من تصدى لرؤيته ممن اقترح وقوعه ولعل ذلك انما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر ثم ابدى حكمة بالغة في كون المعجزات المحمدية لم يبلغ شيء منها مبلغ التواتر الذي لا نزاع فيه الا القرآن بما حاصله ان معجزة كل نبي كانت إذا وقعت عامة اعقبت هلاك من كذب به من قومه للاشتراك في ادراكها بالحس والنبي صلى الله عليه وسلم بعث رحمة فكانت معجزته التي تحدى بها عقلية فاختص بها القوم الذين بعث منهم لما أوتوه من فضل العقول وزيادة الإفهام ولو كان ادراكها عاما لعوجل من كذب به كما عوجل من قبلهم وذكر أبو نعيم في الدلائل نحو ما ذكره الخطابي وزاد ولا سيما إذا وقعت الآية في بلدة كان عامة أهلها يومئذ الكفار الذين يعتقدون انها سحر ويجتهدون في اطفاء نور الله قلت وهو جيد بالنسبة إلى من سأل عن الحكمة في قلة من نقل ذلك من الصحابة واما من سأل عن السبب في كون أهل التنجيم لم يذكروه فجوابه انه لم ينقل عن أحد منهم انه نفاه وهذا كاف فان الحجة فيمن اثبت لا فيمن يوجد عنه صريح النفي حتى ان من وجد عنه صريح النفي يقدم عليه من وجد منه صريح الاثبات وقال بن عبد البر قد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى ان انتهى إلينا ويؤيد ذلك بالآية الكريمة فلم يبق لاستبعاد من استبعد وقوعه عذر ثم أجاب بنحو جواب الخطابي وقال وقد يطلع على قوم قبل طلوعه على اخرين وأيضا فان زمن الانشقاق لم يطل ولم تتوفر الدواعي على الاعتناء بالنظر إليه ومع ذلك فقد بعث أهل مكة إلى افاق مكة يسألون عن ذلك فجاءت السفار واخبروا بأنهم عاينوا ذلك وذلك لان المسافرين في الليل غالبا يكونون سائرين في ضوء القمر ولا يخفى عليهم ذلك وقال القرطبي الموانع من مشاهدة ذلك إذا لم يحصل القصد إليه غير منحصرة ويحتمل ان يكون الله صرف جميع أهل الأرض غير أهل مكة وما حولها عن الالتفات إلى القمر في تلك الساعة ليختص بمشاهدته أهل مكة كما اختصوا بمشاهدة أكثر الآيات ونقلوها إلى غيرهم اه وفي كلامه نظر لأن أحدا لم ينقل ان أحدا من أهل الافاق غير أهل مكة ذكروا انهم رصدوا القمر في تلك الليلة المعينة فلم يشاهدوا انشقاقه فلو نقل ذلك لكان الجواب الذي ابداه القرطبي جيدا ولكن لم ينقل عن أحد من أهل الأرض شيء من ذلك فالاقتصار حينئذ على الجواب الذي ذكره الخطابي ومن تبعه أوضح والله اعلم واما الآية فالمراد بها قوله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر لكن ذهب بعض أهل العلم من القدماء ان المراد بقوله وانشق القمر أي سينشق كما قال تعالى اتى أمر الله أي سيأتي والنكتة في ذلك إرادة المبالغة في تحقق وقوع ذلك فنزل منزلة الواقع والذي ذهب إليه الجمهور أصح كما جزم به بن مسعود وحذيفة وغيرهما ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر فإن ذلك ظاهر في ان المراد بقوله وانشق القمر وقوع انشقاقه لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة وإذا تبين أن قولهم ذلك إنما هو في الدنيا تبين وقوع الإنشقاق وأنه المراد بالآية التي زعموا أنها سحر ووقع ذلك صريحا في حديث بن مسعود كما بيناه قبل ونقل البيهقي في أوائل البعث والنشور عن الحليمي أن من الناس من يقول إن المراد بقوله تعالى وانشق القمر أي سينشق قال الحليمي فإن كان كذلك فقد وقع في عصرنا فشاهدت الهلال ببخارى في الليلة الثالثة منشقا نصفين عرض كل واحد منهما كعرض القمر ليلة أربع أو خمس ثم اتصلا فصار في شكل اترجة إلى ان غاب قال وأخبرني بعض من اثق به انه شاهد ذلك في ليلة أخرى اه ولقد عجبت من البيهقي كيف أقر هذا مع إيراده حديث بن مسعود المصرح بان المراد بقوله تعالى وانشق القمر ان ذلك وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ساقه هكذا من طريق بن مسعود في هذه الآية اقتربت الساعة وانشق القمر قال لقد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ساق حديث بن مسعود لقد مضت آية الدخان والروم والبطشة وانشقاق القمر وسيأتي الكلام على هذا الحديث الأخير في تفسير سورة الدخان ان شاء الله تعالى

قسم V07/P186

1 ( قوله باب هجرة الحبشة )

قسم V07/P186–V07/P188

أي هجرة المسلمين من مكة إلى ارض الحبشة وكان وقوع ذلك مرتين وذكر أهل السير ان الأولى كانت في شهر رجب من سنة خمس من المبعث وان أول من هاجر منهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة وقيل وامراتان وقيل كانوا اثني عشر رجلا وقيل عشرة وانهم خرجوا مشاة إلى البحر فاستاجروا سفينة بنصف دينار وذكر بن إسحاق ان السبب في ذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه لما رأى المشركين يؤذونهم ولا يستطيع ان يكفهم عنهم ان بالحبشة ملكا لا يظلم عنده أحد فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجا فكان أول من خرج منهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم واخرج يعقوب بن سفيان بسند موصول إلى أنس قال أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما فقدمت امرأة فقالت له لقد رايتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار فقال صحبهما الله ان عثمان لأول من هاجر باهله بعد لوط قلت وبهذا تظهر النكتة في تصدير البخاري الباب بحديث عثمان وقد سرد بن إسحاق اسماءهم فاما الرجال فهم عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وأبو حذيفة بن عتبة ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن عبد الأسد وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وسهيل بن بيضاء وأبو سبرة بن أبي رهم العامري قال ويقال بدله حاطب بن عمرو العامري قال فهؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى الحبشة قال بن هشام وبلغني انه كان عليهم عثمان بن مظعون واما النسوة فهن رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم وسهلة بنت سهل امرأة أبي حذيفة وأم سلمة بنت أبي أمية امرأة أبي سلمة وليلى بنت أبي حثمة امرأة عامر بن ربيعة ووافقه الواقدي في سردهن وزاد اثنين عبد الله بن مسعود وحاطب بن عمرو مع انه ذكر في أول كلامه انهم كانوا أحد عشر رجلا فالصواب ما قال بن إسحاق انه اختلف في الحادي عشر هل هو أبو سبرة أو حاطب واما بن مسعود فجزم بن إسحاق بأنه إنما كان في الهجرة الثانية ويؤيده ما روى أحمد بإسناد حسن عن بن مسعود قال بعثنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلا فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مظعون وأبو موسى الأشعري فذكر الحديث وقد استشكل ذكر أبي موسى فيهم لان المذكور في الصحيح ان أبا موسى خرج من بلاده هو وجماعة قاصدا النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فالقتهم السفينة بأرض الحبشة فحضروا مع جعفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر ويمكن الجمع بان يكون أبو موسى هاجر اولا إلى مكة فاسلم فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم مع من بعث إلى الحبشة فتوجه إلى بلاد قومه وهم مقابل الحبشة من الجانب الشرقي فلما تحقق استقرار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة هاجر هو ومن اسلم من قومه إلى المدينة فالقتهم السفينة لاجل هيجان الريح إلى الحبشة فهذا محتمل وفيه جمع بين الاخبار فليعتمد والله اعلم وعلى هذا فقول أبي موسى بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم أي إلى المدينة وليس المراد بلغنا مبعثه ويؤيده انه يبعد كل البعد ان يتاخر علم مبعثه إلى مضي نحو عشرين سنة ومع الحمل على مخرجه إلى المدينة فلا بد فيه من زيادة استقراره بها وانتصافه ممن عاداه ونحو ذلك والا فبعيد أيضا ان يخفى عنهم خبر خروجه إلى المدينة ست سنين ويحتمل ان إقامة أبي موسى بأرض الحبشة طالت لاجل تاخر جعفر عن الحضور إلى المدينة حتى يأتيه الإذن من النبي صلى الله عليه وسلم بالقدوم واما عثمان بن مظعون فذكر فيهم وان كان مذكورا في الأولى لان بن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أهل السير ذكروا ان المسلمين بلغهم وهم بأرض الحبشة ان أهل مكة أسلموا فرجع ناس منهم عثمان بن مظعون إلى مكة فلم يجدوا ما اخبروا به من ذلك صحيحا فرجعوا وسار معهم جماعة إلى الحبشة وهي الهجرة الثانية وسرد بن إسحاق أسماء أهل الهجرة الثانية وهم زيادة على ثمانين رجلا وقال بن جرير الطبري كانوا اثنين وثمانين رجلا سوى نسائهم وأبنائهم وشك في عمار بن ياسر هل كان فيهم وبه تتكمل العدة ثلاثة وثمانين وقيل ان عدة نسائهم كانت ثماني عشرة امرأة قوله وقالت عائشة اريت دار هجرتكم الخ هذا وقع بعد الهجرة الثانية إلى الحبشة كما سيأتي بيانه موصولا مطولا في باب الهجرة إلى المدينة قوله فيه عن أبي موسى وأسماء اما حديث أبي موسى فسياتي في آخر الباب واما حديث أسماء وهي بنت عميس فسياتي في غزوة خيبر من طريق أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن فذكر الحديث وفيه ودخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا على حفصة وقد كانت أسماء هاجرت فيمن هاجر إلى النجاشي الحديث ثم ذكر قصة الوليد بن عقبة التي مضت في مناقب عثمان وتقدم شرحها مستوفي بتمامه وفيه قوله هنا ان تكلم خالك والغرض منها قول عثمان وهاجرت الهجرتين الأوليين كما قلت والاوليين بضم الهمزة وتحتانيتين تثنية أولى وهو على طريق التغليب بالنسبة إلى هجرة الحبشة فانها كانت أولى وثانية واما إلى المدينة فلم تكن الا واحدة ويحتمل ان تكون الاولية بالنسبة إلى أعيان من هاجر فانهم هاجروا متفرقين فتعدد بالنسبة إليهم فمن أول من هاجر عثمان

قسم V07/P188–V07/P189

3659 قوله وقال يونس هو بن يزيد وبن أخي الزهري هو محمد بن عبد الله بن مسلم عن الزهري بالإسناد المذكور وطريق يونس وصلها المؤلف في مناقب عثمان واما طريق بن أخي الزهري فوصلها قاسم بن اصبغ في مصنفه ومن طريقه بن عبد البر في تمهيده وهو باللفظ الذي علقه المصنف وهذا التعليق عن هذين وكذا الذي بعده من التفسير في رواية المستملي وحده قوله قال أبو عبد الله بلاء من ربكم الخ وقع في رواية المستملي وحده أيضا وأورده هنا لقوله قد ابتلاك الله والمراد به الاختبار ولهذا قال هو من بلوته إذا استخرجت ما عنده واستشهد بقوله نبلو أي نختبر ومبتليكم أي مختبركم ثم استطرد فقال واما قوله بلاء من ربكم عظيم أي نعم وهو من ابتليته إذا انعمت عليه والأول من ابتليته إذا امتحنته وهذا كله كلام أبي عبيدة في المجاز فرقه في مواضعه وتحرير ذلك ان لفظ البلاء من الأضداد يطلق ويراد به النعمة ويطلق ويراد به النقمة ويطلق أيضا على الاختبار ووقع ذلك كله في القرآن كقوله تعالى بلاء حسنا فهذا من النعمة والعطية وقوله بلاء عظيم فهذا من النقمة ويحتمل ان يكون من الاختبار وكذلك قوله ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والابتلاء بلفظ الافتعال يراد به النقمة والاختيار أيضا الحديث الثاني حديث عائشة ان أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة الحديث كانت أم سلمة قد هاجرت في الهجرة الأولى إلى الحبشة مع زوجها أبي سلمة بن عبد الأسد كما تقدم بيانه وهاجرت أم حبيبة وهي بنت أبي سفيان في الهجرة الثانية مع زوجها عبيد الله بن جحش فمات هناك ويقال انه قد تنصر وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعده وقد تقدم شرح الحديث في كتاب الجنائز الحديث الثالث حديث أم خالد بنت خالد وهو بن سعيد بن العاص بن أمية وكان أبوها ممن هاجر في الهجرة الثانية إلى الحبشة وولدت له هناك فسماها امة وكناها أم خالد وأمها امينة بالتصغير ويقال همينة بالهاء بدل الهمزة بنت خلف الخزاعية 3661 قوله حدثنا إسحاق بن سعيد السعيدي هو بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص وجد أبيه سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص الأصغر هو بن عم أم خالد المذكورة وسيأتي شرح الحديث في كتاب اللباس ان شاء الله تعالى الحديث الرابع حديث عبد الله وهو بن مسعود وسليمان في الإسناد هو الأعمش 3662 قوله فلما رجعنا من عند النجاشي قد قدمت من عند أحمد حديث بن مسعود انه كان ممن هاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية وتقدم شرح حديث الباب مستوفي في آخر الصلاة وبينت هناك ان رجوع بن مسعود من الحبشة وقع لما بلغ المسلمين الذين بالحبشة ان النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة فوصل منهم إلى مكة أكثر من ثلاثين رجلا وكان وصول بن مسعود إلى المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى بدر وظهر بما تقدم من أسماء أهل الهجرة الأولى إلى الحبشة وهم من زعم ان بن مسعود كان منهم وانما كان من أهل الهجرة الثانية الحديث الخامس حديث أبي موسى وهو الأشعري قال بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم أي مبعثه

قسم V07/P189–V07/P191

3663 قوله ونحن باليمن أي من بلاد قومهم قوله فركبنا سفينة أي لنصل فيها إلى مكة قوله فالقتنا سفينتنا إلى النجاشي كان الريح هاجت عليهم فما ملكوا أمرهم حتى اوصلتهم بلاد الحبشة قوله في آخر الحديث فقال النبي صلى الله عليه وسلم لكم أنتم أهل السفينة هجرتان سيأتي هذا الحديث في غزوة خيبر مطولا وفيه البيان بان هذه الجملة الأخيرة انما هي من حديث أسماء بنت عميس كما أشرت إليه في أول الباب والله اعلم تكملة ارض الحبشة بالجانب الغربي من بلاد اليمن ومسافتها طويلة جدا وهم اجناس وجميع فرق السودان يعطون الطاعة لملك الحبشة وكان في القديم يلقب بالنجاشي واما اليوم فيقال له الحطي بفتح المهملة وكسر الطاء المهملة الخفيفة بعدها تحتانية خفيفة ويقال انهم من ولد حبش بن كوش بن حام قال بن دريد جمع الحبش احبوش بضم أوله واما قولهم الحبشة فعلى غير القياس وقد قالوا أيضا حبشان وقالوا احبش واصل التحبيش التجميع والله اعلم 1 ( باب موت النجاشي ) تقدم ذكر اسمه واسم أبيه في الجنائز وان النجاشي لقب من ملك الحبشة وأفاد بن التين انه بسكون الياء يعني انها اصلية لا ياء النسب وحكى غيره تشديدها أيضا وحكى بن دحية كسر نونه وذكر موته هنا استطرادا لكون المسلمين هاجروا إليه وانما وقعت وفاته بعد الهجرة سنة تسع عند الأكثر وقيل سنة ثمان قبل فتح مكة كما ذكره البيهقي في دلائل النبوة وقد استشكل كونه لم يترجم بإسلامه وهذا موضعه وترجم بموته وانما مات بعد ذلك بزمن طويل والجواب انه لما لم يثبت عنده القصة الواردة في صفة إسلامه وثبت عنده الحديث الدال على إسلامه وهو صريح في موته ترجم به ليستفاد من الصلاة عليه انه كان قد اسلم 3664 قوله فصلوا على اخيكم اصحمة بمهملتين وزن أربعة تقدم ضبطه في كتاب الجنائز وبيان الاختلاف فيه وانه قيل فيه بالخاء المعجمة 3665 قوله في الرواية الثانية حدثنا سعيد هو بن أبي عروبة 3666 قوله في الرواية الثالثة عن سليم هو بفتح أوله قوله تابعه عبد الصمد هو بن عبد الوارث أي ان عبد الصمد تابع يزيد بن هارون في روايته إياه عن سليم بن حبان وقد تقدم بيان من وصله في كتاب الجنائز 3667 قوله في حديث أبي هريرة عن صالح هو بن كيسان 3668 قوله وعن صالح عن بن شهاب هو معطوف على الإسناد الموصول قوله حدثني سعيد هو بن المسيب ووقع في رواية الكشميهني وحده وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهو زيادة لم يتابع عليها ولم يذكرها مسلم في إسناد هذا الحديث وقد تقدم الكلام على مباحث حديثي الباب في كتاب الجنائز 1 ( قوله باب تقاسم المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم )

قسم V07/P191–V07/P192

كان ذلك أول يوم من المحرم سنة سبع من البعثة وكان النجاشي قد جهز جعفرا ومن معه فقدموا والنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر وذلك في صفر منها فلعله مات بعد ان جهزهم وفي الدلائل للبيهقي انه مات قبل الفتح وهو اشبه قال بن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أصحاب المغازي لما رات قريش ان الصحابة قد نزلوا ارضا اصابوا بها امانا وان عمر اسلم وان الإسلام فشا في القبائل اجمعوا على ان يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك أبا طالب فجمع بني هاشم وبني المطلب فادخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله فأجابوه إلى ذلك حتى كفارهم فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية فلما رات قريش ذلك اجمعوا ان يكتبوا بينهم وبين بني هاشم والمطلب كتابا ان لا يعاملوهم ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا ذلك وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة وكان كاتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي فشلت اصابعه ويقال ان الذي كتبها النضر بن الحارث وقيل طلحة بن أبي طلحة العبدري قال بن إسحاق فانحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فكانوا معه كلهم الا أبا لهب فكان مع قريش وقيل كان ابتداء حصرهم في المحرم سنة سبع من المبعث قال بن إسحاق فاقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا وجزم موسى بن عقبة بأنها كانت ثلاث سنين حتى جهدوا ولم يكن يأتيهم شيء من الاقوات الا خفية حتى كانوا يؤذون من اطلعوا على انه أرسل إلى بعض اقاربه شيئا من الصلات إلى ان قام في نقض الصحيفة نفر من اشدهم في ذلك صنيعا هشام بن عمرو بن الحارث العامري وكانت أم أبيه تحت هاشم بن عبد مناف قبل ان يتزوجها جده فكان يصلهم وهم في الشعب ثم مشي إلى زهير بن أبي أمية وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فكلمه في ذلك فوافقه ومشيا جميعا إلى المطعم بن عدي والى زمعة بن الأسود فاجتمعوا على ذلك فلما جلسوا بالحجر تكلموا في ذلك وانكروه وتواطئوا عليه فقال أبو جهل هذا أمر قضى بليل وفي آخر الأمر اخرجوا الصحيفة فمزقوها وأبطلوا حكمها وذكر بن هشام انهم وجدوا الارضة قد اكلت جميع ما فيها الا اسم الله تعالى واما بن إسحاق وموسى بن عقبة وعروة فذكروا عكس ذلك ان الارضة لم تدع اسما لله تعالى الا اكلته وبقي ما فيها من الظلم والقطيعة فالله اعلم وذكر الواقدي ان خروجهم من الشعب كان في سنة عشر من المبعث وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين ومات أبو طالب بعد ان خرجوا بقليل قال بن إسحاق ومات هو وخديجة في عام واحد فنالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تكن تنله في حياة أبي طالب ولما لم يثبت عند البخاري شيء من هذه القصة اكتفى بإيراد حديث أبي هريرة لان فيه دلالة على أصل القصة لان الذي أورده أهل المغازي من ذلك كالشرح لقوله في الحديث تقاسموا على الكفر

قسم V07/P192–V07/P194

3669 قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد حنينا منزلنا غدا ان شاء الله تعالى بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر هكذا أورده مختصرا وقد تقدم في الحج من طريق شعيب عن بن شهاب الزهري بهذا الإسناد بلفظ قال حين أراد قدوم مكة وهذا لا يعارض ما في الباب لأنه يحمل على انه قال ذلك حين أراد دخول مكة في غزوة الفتح وفي ذلك القدوم غزا حنينا ولكن تقدم أيضا من طريق شعيب عن الزهري بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد يوم النحر وهو بمنى نحن نازلون غدا الحديث وهذا ظاهر في انه قاله في حجة الوداع فيحمل قوله في رواية الأوزاعي حين أراد قدوم مكة أي صادرا من منى إليها لطواف الوداع ويحتمل التعدد وسيأتي بيان ذلك مع بقية شرح الحديث في غزوة الفتح من كتاب المغازي ان شاء الله تعالى 1 ( قوله باب قصة أبي طالب ) واسمه عند الجميع عبد مناف وشذ من قال عمران بل هو قول باطل نقله بن تيمية في كتاب الرد على الرافضي ان بعض الروافض زعم ان قوله تعالى ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران ان آل عمران هم آل أبي طالب وان اسم أبي طالب عمران واشتهر بكنيته وكان شقيق عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك اوصى به عبد المطلب عند موته إليه فكفله إلى ان كبر واستمر على نصره بعد ان بعث إلى ان مات أبو طالب وقد ذكرنا انه مات بعد خروجهم من الشعب وذلك في آخر السنة العاشرة من المبعث وكان يذب عن النبي صلى الله عليه وسلم ويرد عنه كل من يؤذيه وهو مقيم مع ذلك على دين قومه وقد تقدم قريبا حديث بن مسعود واما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه واخباره في حياطته والذب عنه معروفة مشهورة ومما اشتهر من شعره في ذلك قوله والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى اوسد في التراب دفينا وقوله كذبتم وبيت الله نبزي محمدا ولما نقاتل حوله ونناضل وقد تقدم شيء من هذه القصيدة في كتاب الاستسقاء وحديث بن عباس في هذا الباب يشهد لذلك ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث الأول 3670 قوله عن يحيى هو بن سعيد القطان وسفيان هو الثوري وعبد الملك هو بن عمير وعبد الله بن الحارث هو بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب والعباس عم جده قوله ما اغنيت عن عمك يعني أبا طالب قوله كان يحوطك بضم الحاء المهملة من الحياطة وهي المراعاة وفيه تلميح إلى ما ذكره بن إسحاق قال ثم ان خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد قبل الهجرة بثلاث سنين وكانت خديجة له وزيرة صدق على الإسلام يسكن إليها وكان أبو طالب له عضدا وناصرا على قومه فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تطمع به في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا فحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته يقول ما نالتنى قريش شيئا اكرهه حتى مات أبو طالب قوله ويغضب لك يشير إلى ما كان يرد به عنه من قول وفعل قوله هو في ضحضاح بمعجمتين ومهملتين هو استعارة فان الضحضاح من الماء ما يبلغ الكعب ويقال أيضا لما قرب من الماء وهو ضد الغمرة والمعنى انه خفف عنه العذاب وقد ذكر في حديث أبي سعيد ثالث أحاديث الباب انه يجعل في ضحضاح يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه ووقع في حديث بن عباس عند مسلم ان اهون أهل النار عذابا أبو طالب له نعلان يغلي منهما دماغه ولأحمد من حديث أبي هريرة مثله لكن لم يسم أبا طالب وللبزار من حديث جابر قيل للنبي صلى الله عليه وسلم هل نفعت أبا طالب قال اخرجته من النار إلى ضحضاح منها وسيأتي في اواخر الرقاق من حديث النعمان بن بشير نحوه وفي اخره كما يغلي المرجل بالقمقم والمرجل بكسر الميم وفتح الجيم الإناء الذي يغلى فيه الماء وغيره والقمقم بضم القافين وسكون الميم الأولى معروف وهو الذي يسخن فيه الماء قال بن الأثير كذا وقع كما يغلي المرجل بالقمقم وفيه نظر ووقع في نسخة كما يغلي المرجل والقمقم وهذا أوضح ان ساعدته الرواية انتهى ويحتمل ان تكون الباء بمعنى مع وقيل القمقم هو البسر كانوا يغلونه على النار استعجالا لنضجه فان ثبت هذا زال الاشكال تنبيه في سؤال العباس عن حال أبي طالب ما يدل على ضعف ما أخرجه بن إسحاق من حديث بن عباس بسند فيه من لم يسم ان أبا طالب لما تقارب منه الموت بعد ان عرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم ان يقول لا إله إلا الله فأبى قال فنظر العباس إليه وهو يحرك شفتيه فأصغى إليه فقال يا بن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي امرته ان يقولها وهذا الحديث لو كان طريقه صحيحا لعارضه هذا الحديث الذي هو أصح منه فضلا عن انه لا يصح وروى أبو داود والنسائي وبن خزيمة وبن الجارود من حديث علي قال لما مات أبو طالب قلت يا رسول الله ان عمك الشيخ الضال قد مات قال اذهب فواره قلت انه مات مشركا فقال اذهب فواره الحديث ووقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب ولا يثبت من ذلك شيء وبالله التوفيق وقد لخصت ذلك في ترجمة أبي طالب من كتاب الإصابة الحديث الثاني

قسم V07/P194–V07/P195

3671 قوله حدثنا محمود هو بن غيلان قوله عن أبيه هو حزن بفتح المهملة وسكون الزاي أي بن أبي وهب المخزومي قوله ان أبا طالب لما حضرته الوفاة أي قبل ان يدخل في الغرغرة قوله احاج بتشديد الجيم واصله احاجج وقد تقدم في اواخر الجنائز بلفظ اشهد لك بها عند الله وكأنه عليه الصلاة والسلام فهم من امتناع أبي طالب من الشهادة في تلك الحالة انه ظن ان ذلك لاينفعه لوقوعه عند الموت أو لكونه لم يتمكن من سائر الأعمال كالصلاة وغيرها فلذلك ذكر له المحاججة واما لفظ الشهادة فيحتمل ان يكون ظن ان ذلك لاينفعه إذ لم يحضره حينئذ أحد من المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم فطيب قلبه بأن يشهد له بها فينفعه وفي رواية أبي حازم عن أبي هريرة عند أحمد فقال أبو طالب لولا ان تعيرني قريش يقولون ما حمله عليه الا جزع الموت لأقررت بها عينك واخرج بن إسحاق من حديث بن عباس نحوه قوله وعبد الله بن أبي أمية أي بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وهو أخو أم سلمة التي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وقد اسلم عبد الله هذا يوم الفتح واستشهد في تلك السنة في غزاة حنين قوله على ملة عبد المطلب خبر مبتدأ محذوف أي هو وثبت كذلك في طريق أخرى قوله فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ونزلت انك لا تهدي من أحببت اما نزول هذه الآية الثانية فواضح في قصة أبي طالب واما نزول التي قبلها ففيه نظر ويظهر ان المراد ان الآية المتعلقة بالاستغفار نزلت بعد أبي طالب بمدة وهي عامة في حقه وفي حق غيره ويوضح ذلك ما سيأتي في التفسير بلفظ فانزل الله بعد ذلك ما كان للنبي والذين آمنوا الآية وانزل في أبي طالب انك لا تهدي من أحببت ولأحمد من طريق أبي حازم عن أبي هريرة في قصة أبي طالب قال فأنزل الله انك لا تهدي من أحببت وهذا كله ظاهر في انه مات على غير الإسلام ويضعف ما ذكره السهيلي انه رأى في بعض كتب المسعودي انه اسلم لأن مثل ذلك لا يعارض ما في الصحيح الحديث الثالث 3672 قوله حدثني بن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد وهو المراد بقوله في الرواية الثانية عن يزيد بهذا أي الإسناد والمتن الا مانبه عليه قوله عن عبد الله بن خباب أي المدني الأنصاري مولاهم وكان من ثقات المدنيين ولم ار له رواية عن غير أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وروى عنه جماعة من التابعين من أقرانه ومن بعده قوله وذكر عنده عمه زاد في رواية أخرى عن بن الهاد الآتية في الرقاق أبو طالب ويؤخذ من الحديث الأول ان الذاكر هو العباس بن عبد المطلب لأنه الذي سأل عن ذلك قوله يبلغ كعبيه قال السهيلي الحكمة فيه ان أبا طالب كان تابعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بجملته الا انه استمر ثابت القدم على دين قومه فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته اياهما على دين قومه كذا قال ولا يخلو عن نظر قوله يغلي منه دماغه وفي الرواية التي تليها يغلي منه أم دماغه قال الداودي المراد أم رأسه وأطلق على الراس الدماغ من تسمية الشيء بما يقاربه ويجاوره ووقع في رواية بن إسحاق يغلي منه دماغه حتى يسيل على قدمه وفي الحديث جواز زيارة القريب المشرك وعيادته وان التوبة مقبولة ولو في شدة مرض الموت حتى يصل إلى المعاينة فلا يقبل لقوله تعالى فلم يك ينفعهم ايمانهم لما رأوا باسنا وان الكافر إذا شهد شهادة الحق نجا من العذاب لان الإسلام يجب ما قبله وان عذاب الكفار متفاوت والنفع الذي حصل لأبي طالب من خصائصه ببركة النبي صلى الله عليه وسلم وانما عرض النبي صلى الله عليه وسلم عليه ان يقول لا إله إلا الله ولم يقل فيها محمد رسول الله لان الكلمتين صارتا كالكلمة الواحدة ويحتمل ان يكون أبو طالب كان يتحقق انه رسول الله ولكن لا يقر بتوحيد الله ولهذا قال في الأبيات النونية ودعوتني وعلمت انك صادق ولقد صدقت وكنت قبل أمينا فاقتصر على امره له بقول لا إله إلا الله فإذا أقر بالتوحيد لم يتوقف على الشهادة بالرسالة تكملة من عجائب الاتفاق ان الذين ادركهم الإسلام من اعمام النبي صلى الله عليه وسلم أربعة لم يسلم منهم اثنان واسلم اثنان وكان اسم من لم يسلم ينافي أسامي المسلمين وهما أبو طالب واسمه عبد مناف وأبو لهب واسمه عبد العزى بخلاف من اسلم وهما حمزة والعباس

قسم V07/P195

1 ( قوله حديث الإسراء وقول الله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا )

قسم V07/P195–V07/P198

سيأتي البحث في لفظ أسرى في تفسير سورة سبحان ان شاء الله تعالى قال بن دحية جنح البخاري إلى ان ليلة الإسراء كانت غير ليلة المعراج لأنه افرد لكل منهما ترجمة قلت ولا دلالة في ذلك على التغاير عنده بل كلامه في أول الصلاة ظاهر في اتحادهما وذلك انه ترجم باب كيف فرضت الصلاة ليلة الإسراء والصلاة انما فرضت في المعراج فدل على اتحادهما عنده وانما افرد كلا منهما بترجمة لأن كلا منهما يشتمل على قصة مفردة وان كانا وقعا معا وقد روى كعب الأحبار ان باب السماء الذي يقال له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس فأخذ منه بعض العلماء ان الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج ليحصل العروج مستويا من غير تعويج وفيه نظر لورود ان في كل سماء بيتا معمورا وان الذي في السماء الدنيا حيال الكعبة وكان المناسب ان يصعد من مكة ليصل إلى البيت المعمور بغير تعويج لأنه صعد من سماء إلى سماء إلى البيت المعمور وقد ذكر غيره مناسبات أخرى ضعيفة فقيل الحكمة في ذلك ان يجمع صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة بين رؤية القبلتين أو لان بيت المقدس كان هجرة غالب الأنبياء قبله فحصل له الرحيل إليه في الجملة ليجمع بين اشتات الفضائل أو لأنه محل الحشر وغالب ما اتفق له في تلك الليلة يناسب الأحوال الاخروية فكان المعراج منه أليق بذلك أو للتفاؤل بحصول أنواع التقديس له حسا ومعنى أو ليجتمع بالأنبياء جملة كما سيأتي بيانه وسيأتي مناسبة أخرى للشيخ بن أبي جمرة قريبا والعلم عند الله وقد اختلف السلف بحسب اختلاف الاخبار الواردة فمنهم من ذهب إلى ان الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي صلى الله عليه وسلم وروحه بعد المبعث والى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين وتواردت عليه ظواهر الاخبار الصحيحة ولا ينبغي العدول عن ذلك إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل نعم جاء في بعض الاخبار ما يخالف بعض ذلك فجنح لاجل ذلك بعض أهل العلم منهم إلى ان ذلك كله وقع مرتين مرة في المنام توطئة وتمهيدا ومرة ثانية في اليقظة كما وقع نظير ذلك في ابتداء مجيء الملك بالوحي فقد قدمت في أول الكتاب ما ذكره بن ميسرة التابعي الكبير وغيره ان ذلك وقع في المنام وانهم جمعوا بينه وبين حديث عائشة بان ذلك وقع مرتين والى هذا ذهب المهلب شارح البخاري وحكاه عن طائفة وأبو نصر بن القشيري ومن قبلهم أبو سعيد في شرف المصطفى قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم معاريج منها ما كان في اليقظة ومنها ما كان في المنام وحكاه السهيلي عن بن العربي واختاره وجوز بعض قائلي ذلك ان تكون قصة المنام وقعت قبل المبعث لاجل قول شريك في روايته عن أنس وذلك قبل ان يوحى إليه وقد قدمت في آخر صفة النبي صلى الله عليه وسلم بيان ما يرتفع به الاشكال ولا يحتاج معه إلى هذا التاويل ويأتي بقية شرحه في الكلام على حديث شريك وبيان ما خالفه فيه غيره من الرواة والجواب عن ذلك وشرحه مستوفى في كتاب التوحيد ان شاء الله تعالى وقال بعض المتأخرين كانت قصة الإسراء في ليلة المعراج في ليلة متمسكا بما ورد في حديث أنس من رواية شريك من ترك ذكر الإسراء وكذا في ظاهر حديث مالك بن صعصعة هذا ولكن ذلك لا يستلزم التعدد بل هو محمول على ان بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الاخر كما سنبينه وذهب بعضهم إلى ان الإسراء كان في اليقظة والمعراج كان في المنام أو ان الاختلاف في كونه يقظة أو مناما خاص بالمعراج لا بالاسراء ولذلك لما أخبر به قريشا كذبوه في الإسراء واستبعدوا وقوعه ولم يتعرضوا للمعراج وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى قال سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فلو وقع المعراج في اليقظة لكان ذلك ابلغ في الذكر فلما لم يقع ذكره في هذا الموضع مع كون شانه اعجب وأمره أغرب من الإسراء بكثير دل على انه كان مناما واما الإسراء فلو كان مناما لما كذبوه ولا استنكروه لجواز وقوع مثل ذلك وأبعد منه لآحاد الناس وقيل كان الإسراء مرتين في اليقظة فالأولى رجع من بيت المقدس وفي صبيحته أخبر قريشا بما وقع والثانية أسري به إلى بيت المقدس ثم عرج به من ليلته إلى السماء إلى اخر ما وقع ولم يقع لقريش في ذلك اعتراض لأن ذلك عندهم من جنس قوله ان الملك يأتيه من السماء في أسرع من طرفة عين وكانوا يعتقدون استحالة ذلك مع قيام الحجة على صدقه بالمعجزات الباهرة لكنهم عاندوا في ذلك واستمروا على تكذيبه فيه بخلاف اخباره انه جاء بيت المقدس في ليلة واحدة ورجع فإنهم صرحوا بتكذيبه فيه فطلبوا منه نعت بيت المقدس لمعرفتهم به وعلمهم بأنه ما كان رآه قبل ذلك فأمكنهم استعلام صدقه في ذلك بخلاف المعراج ويؤيد وقوع المعراج عقب الإسراء في ليلة واحدة رواية ثابت عن أنس عند مسلم ففي أوله أتيت بالبراق فركبت حتى أتيت بيت المقدس فذكر القصة إلى ان قال ثم عرج بنا إلى السماء الدنيا وفي حديث أبي سعيد الخدري عند بن إسحاق فلما فرغت مما كان في بيت المقدس أتي بالمعراج فذكر الحديث ووقع في أول حديث مالك بن صعصعة ان النبي صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به فذكر الحديث فهو وان لم يذكر فيه الإسراء إلى بيت المقدس فقد أشار إليه وصرح به في روايته فهو المعتمد واحتج من زعم ان الإسراء وقع مفردا بما أخرجه البزار والطبراني وصححه البيهقي في الدلائل من حديث شداد بن أوس قال قلنا يا رسول الله كيف أسري بك قال صليت صلاة العتمة بمكة فأتاني جبريل بدابة فذكر الحديث في مجيئه بيت المقدس وما وقع له فيه قال ثم انصرف بي فمررنا بعير لقريش بمكان كذا فذكره قال ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة وفي حديث أم هانئ عند بن إسحاق وأبي يعلى نحو ما في حديث أبي سعيد هذا فإن ثبت ان المعراج كان مناما على ظاهر رواية شريك عن أنس فينتظم من ذلك ان الإسراء وقع مرتين مرة على انفراده ومرة مضموما إليه المعراج وكلاهما في اليقظة والمعراج وقع مرتين مرة في المنام على انفراده توطئة وتمهيدا ومرة في اليقظة مضموما إلى الإسراء واما كونه قبل البعث فلا يثبت ويأتي تأويل ما وقع في رواية شريك ان شاء الله تعالى وجنح الامام أبو شامة إلى وقوع المعراج مرارا واستند إلى ما أخرجه البزار وسعيد بن منصور من طريق أبي عمران الجوني عن أنس رفعه قال بينا انا جالس إذ جاء جبريل فوكز بين كتفي فقمنا إلى شجرة فيها مثل وكري الطائر فقعدت في أحدهما وقعد جبريل في الاخر فارتفعت حتى سدت الخافقين الحديث وفيه ففتح لي باب من السماء ورأيت النور الأعظم وإذا دونه حجاب رفرف الدر والياقوت ورجاله لا بأس بهم الا ان الدارقطني ذكر له علة تقتضي إرساله وعلى كل حال فهي قصة أخرى الظاهر انها وقعت بالمدينة ولا بعد في وقوع امثالها وانما المستبعد وقوع التعدد في قصة المعراج التي وقع فيها سؤاله عن كل نبي وسؤال أهل كل باب هل بعث إليه وفرض الصلوات الخمس وغير ذلك فان تعدد ذلك في اليقظة لايتجه فيتعين رد بعض الروايات المختلفة إلى بعض أو الترجيح الا انه لا بعد في جميع وقوع ذلك في المنام توطئة ثم وقوعه في اليقظة على وفقه كما قدمته ومن المستغرب قول بن عبد السلام في تفسيره كان الإسراء في النوم واليقظة ووقع بمكة والمدينة فان كان يريد تخصيص المدينة بالنوم ويكون كلامه على طريق اللف والنشر غير المرتب فيحتمل ويكون الإسراء الذي اتصل به المعراج وفرضت فيه الصلوات في اليقظة بمكة والاخر في المنام بالمدينة وينبغي ان يزاد فيه ان الإسراء في المنام تكرر بالمدينة النبوية وفي الصحيح حديث سمرة الطويل الماضي في الجنائز وفي غيره حديث عبد الرحمن بن سمرة الطويل وفي الصحيح حديث بن عباس في رؤياه الأنبياء وحديث بن عمر في ذلك وغير ذلك والله اعلم قوله سبحان أصلها للتنزيه وتطلق في موضع التعجب فعلى الأول المعنى تنزه الله عن ان يكون رسوله كذابا وعلى الثاني عجب الله عباده بما انعم به على رسوله ويحتمل ان تكون بمعنى الأمر أي سبحوا الذي أسرى قوله أسرى مأخوذ من السرى وهو سير الليل تقول أسرى وسرى إذا سار ليلا بمعنى هذا قول الأكثر وقال الحوفي أسرى سار ليلا وسرى سار نهارا وقيل أسرى سار من أول الليل وسرى سار من اخره وهذا أقرب والمراد بقوله أسرى بعبده أي جعل البراق يسري به كما يقال امضيت كذا أي جعلته يمضي وحذف المفعول لدلالة السياق عليه ولأن المراد ذكر المسري به لا ذكر الدابة والمراد بقوله بعبده محمد عليه الصلاة والسلام اتفاقا والضمير لله تعالى والإضافة للتشريف وقوله ليلا ظرف للاسراء وهو للتأكيد وفائدته رفع توهم المجاز لأنه قد يطلق على سير النهار أيضا ويقال بل هو إشارة إلى ان ذلك وقع في بعض الليل لا في جميعه والعرب تقول سرى فلان ليلا إذا سار بعضه وسرى ليلة إذا سار جميعها ولا يقال أسرى ليلا الا إذا وقع سيره في اثناء الليل وإذا وقع في أوله يقال ادلج ومن هذا قوله تعالى في قصة موسى وبني إسرائيل فأسر بعبادي ليلا أي من وسط الليل

قسم V07/P198–V07/P201

3673 قوله سمعت جابر بن عبد الله كذا في رواية الزهري عن أبي سلمة وخالفه عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة فقال عن أبي هريرة أخرجه مسلم وهو محمول على ان لأبي سلمة فيه شيخين لأن في رواية عبد الله بن الفضل زيادة ليست في رواية الزهري قوله لما كذبني في رواية الكشميهني كذبتني بزيادة مثناة وكلاهما جائز وقد وقع بيان ذلك في طرق أخرى فروى البيهقي في الدلائل من طريق صالح بن كيسان عن الزهري عن أبي سلمة قال افتتن ناس كثير يعني عقب الإسراء فجاء ناس إلى أبي بكر فذكروا له فقال اشهد انه صادق فقالوا وتصدقه بأنه اتى الشام في ليلة واحدة ثم رجع إلى مكة قال نعم اني اصدقه بأبعد من ذلك اصدقه بخبر السماء قال فسمي بذلك الصديق قال سمعت جابرا يقول فذكر الحديث وفي حديث بن عباس عند أحمد والبزار بإسناد حسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان ليلة أسري بي واصبحت بمكة مر بي عدو الله أبو جهل فقال هل كان من شيء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس قال ثم أصبحت بين اظهرنا قال نعم قال فان دعوت قومك اتحدثهم بذلك قال نعم قال يا معشر بني كعب بن لؤي قال فانفضت إليه المجالس حتى جاؤوا إليهما فقال حدث قومك بما حدثتني فحدثهم قال فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا قالوا وتستطيع ان تنعت لنا المسجد الحديث ووقع في غير هذه الرواية بيان ما رآه ليلة الإسراء فمن ذلك ما وقع عند النسائي من رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل الحديث وفيه فركبت ومعي جبريل فسرت فقال انزل فصل ففعلت فقال أتدري أين صليت صليت بطيبة واليها المهاجرة يعني بفتح الجيم ووقع في حديث شداد بن أوس عند البزار والطبراني انه أول ما أسري به مر بأرض ذات نخل فقال له جبريل انزل فصل فنزل فصلى فقال صليت بيثرب ثم قال في روايته ثم قال انزل فصل مثل الأول قال صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى ثم قال انزل فذكر مثله قال صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى وقال في رواية شداد بعد قوله يثرب ثم مر بأرض بيضاء فقال انزل فصل فقال صليت بمدين وفيه انه دخل المدينة من بابها اليماني فصلى في المسجد وفيه انه مر في رجوعه بعير لقريش فسلم عليهم فقال بعضهم هذا صوت محمد وفيه انه أعلمهم بذلك وان عيرهم تقدم في يوم كذا فقدمت الظهر يقدمهم الجمل الذي وصفه وزاد في رواية يزيد بن أبي مالك ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء فقدمني جبريل حتى أممتهم وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة عن أنس عند البيهقي في الدلائل انه مر بشيء يدعوه متنحيا عن الطريق فقال له جبريل سر وانه مر على عجوز فقال ما هذه فقال سر وانه مر بجماعة فسلموا فقال له جبريل اردد عليهم وفي اخره فقال له الذي دعاك إبليس والعجوز الدنيا والذين سلموا إبراهيم وموسى وعيسى وفي حديث أبي هريرة عند الطبراني والبزار انه مر بقوم يزرعون ويحصدون كلما حصدوا عاد كما كان قال جبريل هؤلاء المجاهدون ومر بقوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت قال هؤلاء الذين تثاقل رؤوسهم عن الصلاة ومر بقوم على عوراتهم رقاع يسرحون كالانعام قال هؤلاء الذين لا يؤدون الزكاة ومر بقوم يأكلون لحما نيئا خبيثا ويدعون لحما نضيجا طيبا قال هؤلاء الزناة ومر برجل جمع حزمة حطب لايستطيع حملها ثم هو يضم إليها غيرها قال هذا الذي عنده الأمانة لا يؤديها وهو يطلب أخرى ومر بقوم تقرض السنتهم وشفاههم كلما قرضت عادت قال هؤلاء خطباء الفتنة ومر بثور عظيم يخرج من ثقب صغير يريد ان يرجع فلا يستطيع قال هذا الرجل يتكلم بالكلمة فيندم فيريد ان يردها فلا يستطيع وفي حديث أبي هريرة عند البزار والحاكم انه صلى ببيت المقدس مع الملائكة وانه اتي هناك بأرواح الأنبياء فأثنوا على الله وفيه قول إبراهيم لقد فضلكم محمد وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم عن أنس ثم بعث له آدم فمن دونه فأمهم تلك الليلة أخرجه الطبراني وعند مسلم من رواية عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه ثم حانت الصلاة فأممتهم وفي حديث أبي امامة عند الطبراني في الأوسط ثم اقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدموا محمدا وفيه ثم مر بقوم بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر وان جبريل قال له هم آكلو الربا وانه مر بقوم مشافرهم كالابل يلتقمون حجرا فيخرج من اسافلهم وان جبريل قال له هؤلاء اكلة أموال اليتامى قوله فجلى الله لي بيت المقدس قيل معناه كشف الحجب بيني وبينه حتى رأيته ووقع في رواية عبد الله بن الفضل عن أم سلمة عند مسلم المشار إليها قال فسألوني عن أشياء لم اثبتها فكربت كربا لم أكرب مثله قط فرفع الله لي بيت المقدس انظر إليه ما يسألوني عن شيء الا نبأتهم به ويحتمل ان يريد انه حمل إلى ان وضع بحيث يراه ثم اعيد وفي حديث بن عباس المذكور فجيء بالمسجد وانا انظر إليه حتى وضع عند دار عقيل فنعته وانا انظر إليه وهذا ابلغ في المعجزة ولا استحالة فيه فقد احضر عرش بلقيس في طرفة عين لسليمان وهو يقتضي انه ازيل من مكانه حتى احضر إليه وما ذاك في قدرة الله بعزيز ووقع في حديث أم هانئ عند بن سعد فخيل لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن اياته فان لم يكن مغيرا من قوله فجلى وكان ثابتا احتمل ان يكون المراد انه مثل قريبا منه كما تقدم نظيره في حديث اريت الجنة والنار وتأول قوله جيء بالمسجد أي جيء بمثاله والله اعلم ووقع في حديث شداد بن أوس عند البزار والطبراني ما يؤيد الاحتمال الأول ففيه ثم مررت بعير لقريش فذكر القصة ثم أتيت أصحابي بمكة قبل الصبح فأتاني أبو بكر فقال أين كنت الليلة فقال اني أتيت بيت المقدس فقال انه مسيرة شهر فصفه لي قال ففتح لي شراك كأني انظر إليه لا يسألني عن شيء الا أنبأته عنه وفي حديث أم هانئ أيضا انهم قالوا له كم للمسجد باب قال ولم أكن عددتها فجعلت انظر إليه واعدها بابا بابا وفيه عند أبي يعلى ان الذي سأله عن صفة بيت المقدس هو المطعم بن عدي والد جبير بن مطعم وفيه من الزيادة فقال رجل من القوم هل مررت بابل لنا في مكان كذا وكذا قال نعم والله قد وجدتهم قد اضلوا بعيرا لهم فهم في طلبه ومررت بابل بني فلان انكسرت لهم ناقة حمراء قالوا فأخبرنا عن عدتها وما فيها من الرعاة قال كنت عن عدتها مشغولا فقام فاتى الإبل فعدها وعلم ما فيها من الرعاء ثم اتى قريشا فقال هي كذا وكذا وفيها من الرعاء فلان وفلان فكان كما قال قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء إرادة إظهار الحق لمعاندة من يريد إخماده لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلا إلى البيان والايضاح فلما ذكر انه أسري به إلى بيت المقدس سألوه عن تعريفات جزئيات من بيت المقدس كانوا رأوها وعلموا انه لم يكن رآها قبل ذلك فلما أخبرهم بها حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الإسراء إلى بيت المقدس في ليلة وإذا صح خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ما ذكره فكان ذلك زيادة في ايمان المؤمن وزيادة في شقاء الجاحد والمعاند انتهى ملخصا

قسم V07/P201

1 ( قوله باب المعراج ) كذا للأكثر وللنسفي قصة المعراج وهو بكسر الميم وحكى ضمها من عرج بفتح الراء يعرج بضمها إذا صعد وقد اختلف في وقت المعراج فقيل كان قبل المبعث وهو شاذ الا ان حمل على انه وقع حينئذ في المنام كما تقدم وذهب الأكثر إلى انه كان بعد المبعث ثم اختلفوا فقيل قبل الهجرة بسنة قاله بن سعد وغيره وبه جزم النووي وبالغ بن حزم فنقل الإجماع فيه وهو مردود فان في ذلك اختلافا كثيرا يزيد على عشرة أقوال منها ما حكاه بن الجوزي انه كان قبلها بثمانية اشهر وقيل بستة اشهر وحكى هذا الثاني أبو الربيع بن سالم وحكى بن حزم مقتضى الذي قبله لأنه قال كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوة وقيل بأحد عشر شهرا جزم به إبراهيم الحربي حيث قال كان في ربيع الاخر قبل الهجرة بسنة ورجحه بن المنير في شرح السيرة لابن عبد البر وقيل قبل الهجرة بسنة وشهرين حكاه بن عبد البر وقيل قبلها بسنة وثلاثة اشهر حكاه بن فارس وقيل بسنة وخمسة اشهر قاله السدي وأخرجه من طريقه الطبري والبيهقي فعلى هذا كان في شوال أو في رمضان على الغاء الكسرين منه ومن ربيع الأول وبه جزم الواقدي وعلى ظاهره ينطبق ما ذكره بن قتيبة وحكاه بن عبد البر انه كان قبلها بثمانية عشر شهرا وعند بن سعد عن بن أبي سبرة انه كان في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا وقيل كان في رجب حكاه بن عبد البر وجزم به النووي في الروضة وقيل قبل الهجرة بثلاث سنين حكاه بن الأثير وحكى عياض وتبعه القرطبي والنووي عن الزهري انه كان قبل الهجرة بخمس سنين ورجحه عياض ومن تبعه واحتج بأنه لا خلاف ان خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة ولا خلاف انها توفيت قبل الهجرة اما بثلاث أو نحوها واما بخمس ولا خلاف ان فرض الصلاة كان ليلة الإسراء قلت في جميع ما نفاه من الخلاف نظر اما اولا فان العسكري حكى انها ماتت قبل الهجرة بسبع سنين وقيل بأربع وعن بن الأعرابي انها ماتت عام الهجرة واما ثانيا فان فرض الصلاة اختلف فيه فقيل كان من أول البعثة وكان ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي وانما الذي فرض ليلة الإسراء الصلوات الخمس واما ثالثا فقد تقدم في ترجمة خديجة في الكلام على حديث عائشة في بدء الخلق ان عائشة جزمت بأن خديجة ماتت قبل ان تفرض الصلاة فالمعتمد ان مراد من قال بعد ان فرضت الصلاة ما فرض قبل الصلوات الخمس ان ثبت ذلك ومراد عائشة بقولها ماتت قبل ان تفرض الصلاة أي الخمس فيجمع بين القولين بذلك ويلزم منه انها ماتت قبل الإسراء واما رابعا ففي سنة موت خديجة اختلاف اخر فحكى العسكري عن الزهري انها ماتت لسبع مضين من البعثة وظاهره ان ذلك قبل الهجرة بست سنين فرعه العسكري على قول من قال ان المدة بين البعثة والهجرة كانت عشرا

قسم V07/P201–V07/P217

3674 قوله عن أنس تقدم في أول بدء الخلق من وجه اخر عن قتادة حدثنا أنس قوله عن مالك بن صعصعة أي بن وهب بن عدي بن مالك الأنصاري من بني النجار ماله في البخاري ولا في غيره سوى هذا الحديث ولا يعرف روي عنه الا أنس بن مالك قوله حدثه عن ليلة أسري كذا للأكثر وللكشميهني أسري به وكذا للنسفي وقوله أسري به صفة ليلة أي أسري به فيها قوله في الحطيم وربما قال في الحجر هو شك من قتادة كما بينه أحمد عن عفان عن همام ولفظه بينا انا نائم في الحطيم وربما قال قتادة في الحجر والمراد بالحطيم هنا الحجر وأبعد من قال المراد به ما بين الركن والمقام أو بين زمزم والحجر وهو وان كان مختلفا في الحطيم هل هو الحجر أم لا كما تقدم قريبا في باب بنيان الكعبة لكن المراد هنا بيان البقعة التي وقع ذلك فيها ومعلوم انها لم تتعدد لان القصة متحدة لاتحاد مخرجها وقد تقدم في أول بدء الخلق بلفظ بينا انا عند البيت وهو أعم ووقع في رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر فرج سقف بيتي وانا بمكة وفي رواية الواقدي بأسانيده انه أسري به من شعب أبي طالب وفي حديث أم هانئ عند الطبراني انه بات في بيتها قال ففقدته من الليل فقال ان جبريل أتاني والجمع بين هذه الأقوال انه نام في بيت أم هانئ وبيتها عند شعب أبي طالب ففرج سقف بيته وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنه فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد فكان به مضطجعا وبه اثر النعاس ثم أخرجه الملك إلى باب المسجد فأركبه البراق وقد وقع في مرسل الحسن عند بن إسحاق ان جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد فأركبه البراق وهو يؤيد هذا الجمع وقيل الحكمة في نزوله عليه من السقف الإشارة إلى المبالغة في مفاجأته بذلك والتنبيه على ان المراد منه ان يعرج به إلى جهة العلو قوله مضطجعا زاد في بدء الخلق بين النائم واليقظان وهو محمول على ابتداء الحال ثم لما خرج به إلى باب المسجد فأركبه البراق استمر في يقظته واما ما وقع في رواية شريك الآتية في التوحيد في اخر الحديث فلما استيقظت فان قلنا بالتعدد فلا اشكال والا حمل على ان المراد باستيقظت افقت أي انه افاق مما كان فيه من شغل البال بمشاهدة الملكوت ورجع إلى العالم الدنيوي وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة لو قال صلى الله عليه وسلم انه كان يقظان لأخبر بالحق لأن قلبه في النوم واليقظة سواء وعينه أيضا لم يكن النوم تمكن منها لكنه تحرى صلى الله عليه وسلم الصدق في الاخبار بالواقع فيؤخذ منه انه لا يعدل عن حقيقة اللفظ للمجاز الا لضرورة قوله إذ أتاني آت هو جبريل كما تقدم ووقع في بدء الخلق بلفظ وذكر بين الرجلين وهو مختصر وقد اوضحته رواية مسلم من طريق سعيد عن قتادة بلفظ إذ سمعت قائلا يقول أحد الثلاثة بين الرجلين فأتيت فانطلق بي وتقدم في أول الصلاة ان المراد بالرجلين حمزة وجعفر وان النبي صلى الله عليه وسلم كان نائما بينهما ويستفاد منه ما كان فيه صلى الله عليه وسلم من التواضع وحسن الخلق وفيه جواز نوم جماعة في موضع واحد وثبت من طرق أخرى انه يشترط ان لا يجتمعوا في لحاف واحد قوله فقد بالقاف والدال الثقيلة قال وسمعته يقول فشق القائل قتادة والمقول عنه أنس ولأحمد قال قتادة وربما سمعت أنسا يقول فشق قوله فقلت للجارود لم ار من نسبه من الرواة ولعله بن أبي سيرة البصري صاحب أنس فقد اخرج له أبو داود من روايته عن أنس حديثا غير هذا قوله من ثغرة بضم المثلثة وسكون المعجمة وهي الموضع المنخفض الذي بين الترقوتين قوله إلى شعرته بكسر المعجمة أي شعر العانة وفي رواية مسلم إلى أسفل بطنه وفي بدء الخلق من النحر إلى مراق بطنه وتقدم ضبطه في أوائل الصلاة قوله من قصه بفتح القاف وتشديد المهملة أي رأس صدره قوله إلى شعرته ذكر الكرماني انه وقع إلى ثنته بضم المثلثة وتشديد النون ما بين السرة والعانة وقد استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء وقال انما كان ذلك وهو صغير في بني سعد ولا إنكار في ذلك فقد تواردت الروايات به وثبت شق الصدر أيضا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل ولكل منهما حكمة فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس فأخرج علقمة فقال هذا حظ الشيطان منك وكان هذا في زمن الطفولية فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في اكرامه ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة ويحتمل ان تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الاسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه صلى الله عليه وسلم ويحتمل ان تكون الحكمة في انفراج سقف بيته الإشارة إلى ما سيقع من شق صدره وانه سيلتئم بغير معالجة يتضرر بها وجميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك قال القرطبي في المفهم لا يلتفت لانكار الشق ليلة الإسراء لأن رواته ثقات مشاهير ثم ذكر نحو ما تقدم قوله بطست بفتح أوله وبكسره وبمثناة وقد تحذف وهو الأكثر واثباتها لغة طئ وأخطأ من انكرها قوله من ذهب خص الطست لكونه اشهر آلات الغسل عرفا والذهب لكونه أعلى أنواع الاواني الحسية وأصفاها ولأن فيه خواص ليست لغيره ويظهر لها هنا مناسبات منها انه من أواني الجنة ومنها انه لا تأكله النار ولا التراب ولا يلحقه الصدأ ومنها انه اثقل الجواهر فناسب ثقل الوحي وقال السهيلي وغيره ان نظر إلى لفظ الذهب ناسب من جهة اذهاب الرجس عنه ولكونه وقع عند الذهاب إلى ربه وان نظر إلى معناه فلوضاءته ونقائه وصفائه ولثقله ورسوبته والوحي ثقيل قال الله تعالى انا سنلقي عليك قولا ثقيلا ومن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون ولأنه أعز الأشياء في الدنيا والقول هو الكتاب العزيز ولعل ذلك كان قبل ان يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة ولا يكفي ان يقال ان المستعمل له كان ممن لم يحرم عليه ذلك من الملائكة لأنه لو كان قد حرم عليه استعماله لنزه ان يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم ويمكن ان يقال ان تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا وما وقع في تلك الليلة كان الغالب انه من أحوال الغيب فيلحق بأحكام الآخرة قوله مملوءة كذا بالتأنيث وتقدم في أول الصلاة البحث فيه قوله ايمانا زاد في بدء الخلق وحكمة وهما بالنصب على التمييز قال النووي معناه ان الطست كان فيها شيء يحصل به زيادة في كمال الإيمان وكمال الحكمة وهذا الملء يحتمل ان يكون على حقيقته وتجسيد المعاني جائز كما جاء ان سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنها ظلة والموت في صورة كبش وكذلك وزن الأعمال وغير ذلك من أحوال الغيب وقال البيضاوي لعل ذلك من باب التمثيل إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرا كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط وفائدته كشف المعنوي بالمحسوس وقال بن أبي جمرة فيه ان الحكمة ليس بعد الإيمان اجل منها ولذلك قرنت معه ويؤيده قوله تعالى ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وأصح ما قيل في الحكمة انها وضع الشيء في محله أو الفهم في كتاب الله فعلى التفسير الثاني قد توجد الحكمة دون الإيمان وقد لا توجد وعلى الأول فقد يتلازمان لأن الإيمان يدل على الحكمة قوله فغسل قلبي في رواية مسلم فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم وفيه فضيلة ماء زمزم على جميع المياه قال بن أبي جمرة وانما لم يغسل بماء الجنة لما اجتمع في ماء زمزم من كون أصل مائها من الجنة ثم استقر في الأرض فاريد بذلك بقاء بركة النبي صلى الله عليه وسلم في الأرض وقال السهيلي لما كانت زمزم هزمة جبريل روح القدس لأم إسماعيل جد النبي صلى الله عليه وسلم ناسب ان يغسل بمائها عند دخول حضرة القدس ومناجاته ومن المناسبات المستبعدة قول بعضهم ان الطست يناسب طس تلك آيات القرآن قوله ثم حشي ثم اعيد زاد في رواية مسلم مكانه ثم حشي ايمانا وحكمة وفي رواية شريك فحشي به صدره ولغاديده بلام وغين معجمة أي عروق حلقه وقد اشتملت هذه القصة من خوارق العادة على ما يدهش سامعه فضلا عمن شاهده فقد جرت العادة بأن من شق بطنه واخرج قلبه يموت لا محالة ومع ذلك فلم يؤثر فيه ذلك ضررا ولا وجعا فضلا عن غير ذلك قال بن أبي جمرة الحكمة في شق قلبه مع القدرة على ان يمتلىء قلبه ايمانا وحكمة بغير شق الزيادة في قوة اليقين لأنه أعطي برؤية شق بطنه وعدم تأثره بذلك ما أمن معه من جميع المخاوف العادية فلذلك كان أشجع الناس وأعلاهم حالا ومقالا ولذلك وصف بقوله تعالى ما زاغ البصر وما طغى واختلف هل كان شق صدره وغسله مختصا به أو وقع لغيره من الأنبياء وقد وقع عند الطبراني في قصة تابوت بني إسرائيل انه كان فيه الطست التي يغسل فيها قلوب الأنبياء وهذا مشعر بالمشاركة وسيأتي نظير هذا البحث في ركوب البراق قوله ثم أتيت بدابة قيل الحكمة في الإسراء به راكبا مع القدرة على طي الأرض له إشارة إلى ان ذلك وقع تأنيسا له بالعادة في مقام خرق العادة لأن العادة جرت بأن الملك إذا استدعي من يختص به يبعث إليه بما يركبه قوله دون البغل وفوق الحمار أبيض كذا ذكر باعتبار كونه مركوبا أو بالنظر للفظ البراق والحكمة لكونه بهذه الصفة الإشارة إلى ان الركوب كان في سلم وامن لا في حرب وخوف أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراع الشديد بدابة لا توصف بذلك في العادة قوله فقال له الجارود هو البراق يا أبا حمزة قال أنس نعم هذا يوضح ان الذي وقع في رواية بدء الخلق بلفظ دون البغل وفوق الحمار البراق أي هو البراق وقع بالمعنى لأن أنسا لم يتلفظ بلفظ البراق في رواية قتادة قوله يضع خطوه بفتح المعجمة أوله المرة الواحدة وبضمها الفعلة قوله عند أقصى طرفه بسكون الراء وبالفاء أي نظره أي يضع رجله عند منتهى مايرى بصره وفي حديث بن مسعود عند أبي يعلى والبزار إذا اتى على جبل ارتفعت رجلاه وإذا هبط ارتفعت يداه وفي رواية لابن سعد عن الواقدي بأسانيده له جناحان ولم ارها لغيره وعند الثعلبي بسند ضعيف عن بن عباس في صفة البراق لها خد كخد الإنسان وعرف كالفرس وقوائم كالابل واظلاف وذنب كالبقر وكان صدره ياقوتة حمراء قيل ويؤخذ من ترك تسمية سير البراق طيرانا ان الله إذا اكرم عبدا بتسهيل الطريق له حتى قطع المسافة الطويلة في الزمن اليسير ان لا يخرج بذلك عن اسم السفر وتجري عليه احكامه والبراق بضم الموحدة وتخفيف الراء مشتق من البريق فقد جاء في لونه انه أبيض أو من البرق لأنه وصفه بسرعة السير أو من قولهم شاة برقاء إذا كان خلال صوفها الأبيض طاقات سود ولا ينافيه وصفه في الحديث بأن البراق أبيض لأن البرقاء من الغنم معدودة في البياض انتهى ويحتمل ان لا يكون مشتقا قال بن أبي جمرة خص البراق بذلك إشارة إلى الاختصاص به لأنه لم ينقل ان أحدا ملكه بخلاف غير جنسه من الدواب قال والقدرة كانت صالحة لأن يصعد بنفسه من غير براق ولكن ركوب البراق كان زيادة له في تشريفه لأنه لو صعد بنفسه لكان في صورة ماش والراكب أعز من الماشي قوله فحملت عليه في رواية لأبي سعيد في شرف المصطفى فكان الذي امسك بركابه جبريل وبزمام البراق ميكائيل وفي رواية معمر عن قتادة عن أنس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به اتي بالبراق مسرجا ملجما فاستصعب عليه فقال له جبريل ما حملك على هذا فوالله ماركبك خلق قط اكرم على الله منه قال فارفض عرقا أخرجه الترمذي وقال حسن غريب وصححه بن حبان وذكر بن إسحاق عن قتادة انه لما شمس وضع جبريل يده على معرفته فقال اما تستحي فذكر نحوه مرسلا لم يذكر أنسا وفي رواية وثيمة عن بن إسحاق فارتعشت حتى لصقت بالأرض فاستويت عليها وللنسائي وبن مردويه من طريق يزيد بن أبي مالك عن أنس نحوه موصولا وزاد وكانت تسخر للأنبياء قبله ونحوه في حديث أبي سعيد عند بن إسحاق وفيه دلالة على ان البراق كان معدا لركوب الأنبياء خلافا لمن نفى ذلك كابن دحية وأول قول جبريل فما ركبك اكرم على الله منه أي ماركبك أحد قط فكيف يركبك اكرم منه وقد جزم السهيلي ان البراق إنما استصعب عليه لبعد عهده بركوب الأنبياء قبله قال النووي قال الزبيدي في مختصر العيني وتبعه صاحب التحرير كان الأنبياء يركبون البراق قال وهذا يحتاج إلى نقل صحيح قلت قد ذكرت النقل بذلك ويؤيده ظاهر قوله فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء ووقع في المبتدا لابن إسحاق من رواية وثيمة في ذكر الإسراء فاستصعبت البراق وكانت الأنبياء تركبها قبلي وكانت بعيدة العهد بركوبهم لم تكن ركبت في الفترة وفي مغازي بن عائذ من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب قال البراق هي الدابة التي كان يزور إبراهيم عليها إسماعيل وفي الطبراني من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه ان جبريل اتى النبي صلى الله عليه وسلم بالبراق فحمله بين يديه وعند أبي يعلى والحاكم من حديث بن مسعود رفعه أتيت بالبراق فركبت خلف جبريل وفي حديث حذيفة عند الترمذي والنسائي فما زايلا ظهر البراق وفي كتاب مكة للفاكهي والازرقي ان إبراهيم كان يحج على البراق وفي أوائل الروض للسهيلي ان إبراهيم حمل هاجر على البراق لما سار إلى مكة بها وبولدها فهذه اثار يشد بعضها بعضا وجاءت اثار أخرى تشهد لذلك لم ار الاطالة بايرادها ومن الأخبار الواهية في صفة البراق ما ذكره الماوردي عن مقاتل وأورده القرطبي في التذكرة ومن قبله الثعلبي من طريق بن الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس قال الموت والحياة جسمان فالموت كبش لايجد ريحه شيء الا مات والحياة فرس بلقاء أنثى وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها لاتمر بشيء ولا يجد ريحها شيء الا حيي ومنها ان البراق لما عاتبه جبريل قال له معتذرا انه مس الصفراء اليوم وان الصفراء صنم من ذهب كان عند الكعبة وان النبي صلى الله عليه وسلم مر به فقال تبا لمن يعبدك من دون الله وانه صلى الله عليه وسلم نهى زيد بن حارثة ان يمسه بعد ذلك وكسره يوم فتح مكة قال بن المنير انما استصعب البراق تيها وزهوا بركوب النبي صلى الله عليه وسلم عليه وأراد جبريل استنطاقه فلذلك خجل وارفض عرقا من ذلك وقريب من ذلك رجفة الجبل به حتى قال له اثبت فانما عليك نبي وصديق وشهيد فانها هزة الطرب لا هزة الغضب ووقع في حديث حذيفة عند أحمد قال اتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق فلم يزايل ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس فهذا لم يسنده حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل انه قال عن اجتهاد ويحتمل ان يكون قوله هو وجبريل يتعلق بمرافقته في السير لا في الركوب قال بن دحية وغيره معناه وجبريل قائد أو سائق أو دليل قال وانما جزمنا بذلك لأن قصة المعراج كانت كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم فلا مدخل لغيره فيها قلت ويرد التأويل المذكور ان في صحيح بن حبان من حديث بن مسعود ان جبريل حمله على البراق رديفا له وفي رواية الحارث في مسنده اتي بالبراق فركب خلف جبريل فسار بهما فهذا صريح في ركوبه معه فالله اعلم وأيضا فان ظاهره ان المعراج وقع للنبي صلى الله عليه وسلم على ظهر البراق إلى ان صعد السماوات كلها ووصل إلى ماوصل ورجع وهو على حاله وفيه نظر لما سأذكره ولعل حذيفة انما أشار إلى ما وقع في ليلة الإسراء المجردة التي لم يقع فيها معراج على ما تقدم من تقرير وقوع الإسراء مرتين قوله فانطلق بي جبريل في رواية بدء الخلق فانطلقت مع جبريل ولا مغايرة بينهما بخلاف ما نحا إليه بعضهم من أن رواية بدء الخلق تشعر بأنه ما احتاج إلى جبريل في العروج بل كانا معا بمنزلة واحدة لكن معظم الروايات جاء باللفظ الأول وفي حديث أبي ذر في أول الصلاة ثم اخذ بيدي فعرج بي والذي يظهر ان جبريل في تلك الحالة كان دليلا له فيما قصد له فلذلك جاء سياق الكلام يشعر بذلك قوله حتى اتى السماء الدنيا ظاهره انه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء وهو مقتضى كلام بن أبي جمرة المذكور قريبا وتمسك به أيضا من زعم ان المعراج كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس فاما العروج ففي غير هذه الرواية من الأخبار انه لم يكن على البراق بل رقي المعراج وهو السلم كما وقع مصرحا به في حديث أبي سعيد عند بن إسحاق والبيهقي في الدلائل ولفظه فإذا انا بدابة كالبغل مضطرب الأذنين يقال له البراق وكانت الأنبياء تركبه قبلي فركبته فذكر الحديث قال ثم دخلت انا وجبريل بيت المقدس فصليت ثم أتيت بالمعراج وفي رواية بن إسحاق سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لما فرغت مما كان في بيت المقدس اتي بالمعراج فلم ار قط شيئا كان أحسن منه وهو الذي يمد إليه الميت عينيه إذا حضر فأصعدني صاحبي فيه حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء الحديث وفي رواية كعب فوضعت له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب حتى عرج هو وجبريل وفي رواية لأبي سعيد في شرف المصطفى انه اتي بالمعراج من جنة الفردوس وانه منضد باللؤلؤ وعن يمينه ملائكة وعن يساره ملائكة واما المحتج بالتعدد فلا حجة له لاحتمال ان يكون التقصير في ذلك الإسراء من الراوي وقد حفظه ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتيت بالبراق فوصفه قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل باناءين فذكر القصة قال ثم عرج بي إلى السماء وحديث أبي سعيد دال على الاتحاد وقد تقدم شيء من هذا البحث في أول الصلاة وقوله في رواية ثابت فربطته بالحلقة أنكره حذيفة فروى أحمد والترمذي من حديث حذيفة قال تحدثون انه ربطه أخاف ان يفر منه وقد سخره له عالم الغيب والشهادة قال البيهقي المثبت مقدم على النافي يعني من اثبت ربط البراق والصلاة في بيت المقدس معه زيادة علم على من نفى ذلك فهو أولى بالقبول ووقع في رواية بريدة عند البزار لما كان ليلة أسري به فأتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس فوضع أصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق ونحوه للترمذي وأنكر حذيفة أيضا في هذا الحديث انه صلى الله عليه وسلم صلى في بيت المقدس واحتج بأنه لو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه كما كتب عليكم الصلاة في البيت العتيق والجواب عنه منع التلازم في الصلاة ان كان أراد بقوله كتب عليكم الفرض وان أراد التشريع فنلتزمه وقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في بيت المقدس فقرنه بالمسجد الحرام ومسجده في شد الرحال وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديث وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي حتى أتيت بيت المقدس فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربط بها وفيه فدخلت انا وجبريل بيت المقدس فصلى كل واحد منا ركعتين وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه نحوه وزاد ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد ثم اقيمت الصلاة فأممتهم وفي رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس عند بن أبي حاتم فلم البث الا يسيرا حتى اجتمع ناس كثير ثم اذن مؤذن فأقيمت الصلاة فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا فأخذ بيدي جبريل فقدمني فصليت بهم وفي حديث بن مسعود عند مسلم وحانت الصلاة فأممتهم وفي حديث بن عباس عند أحمد فلما اتى النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى قام يصلي فإذا النبيون أجمعون يصلون معه وفي حديث عمر عند أحمد أيضا انه لما دخل بيت المقدس قال أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم إلى القبلة فصلى وقد تقدم شيء من ذلك في الباب الذي قبله قال عياض يحتمل ان يكون صلى بالأنبياء جميعا في بيت المقدس ثم صعد منهم إلى السماوات من ذكر انه صلى الله عليه وسلم رآه ويحتمل ان تكون صلاته بهم بعد ان هبط من السماء فهبطوا أيضا وقال غيره رؤيته إياهم في السماء محمولة على رؤية ارواحهم الا عيسى لما ثبت انه رفع بجسده وقد قيل في إدريس أيضا ذلك واما الذين صلوا معه في بيت المقدس فيحتمل الأرواح خاصة ويحتمل الأجساد بأرواحها والأظهر ان صلاته بهم ببيت المقدس كان قبل العروج والله اعلم قوله السماء الدنيا في حديث أبي سعيد في ذكر الأنبياء عند البيهقي إلى باب من أبواب السماء يقال له باب الحفظة وعليه ملك يقال له إسماعيل وتحت يده اثنا عشر الف ملك قوله فاستفتح تقدم القول فيه في أول الصلاة وان قولهم أرسل إليه أي للعروج وليس المراد أصل البعث لأ ن ذلك كان قد اشتهر في الملكوت الأعلى وقيل سألوا تعجبا من نعمة الله عليه بذلك أو استبشارا به وقد علموا ان بشرا لا يترقى هذا الترقي الا بإذن الله تعالى وان جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه وقوله من معك يشعر بأنهم احسوا معه برفيق والا لكان السؤال بلفظ أمعك أحد وذلك الاحساس اما بمشاهدة لكون السماء شفافة واما بأمر معنوي كزيادة أنوار أو نحوها يشعر بتجدد أمر يحسن معه السؤال بهذه الصيغة وفي قول محمد دليل على ان الاسم أولى في التعريف من الكنية وقيل الحكمة في سؤال الملائكة وقد بعث إليه ان الله أراد اطلاع نبيه على انه معروف عند الملأ الأعلى لأنهم قالوا أو بعث إليه فدل على انهم كانوا يعرفون ان ذلك سيقع له والا لكانوا يقولون ومن محمد مثلا قوله مرحبا به أي أصاب رحبا وسعة وكني بذلك عن الانشراح واستنبط منه بن المنير جواز رد السلام بغير لفظ السلام وتعقب بأن قول الملك مرحبا به ليس ردا للسلام فإنه كان قبل ان يفتح الباب والسياق يرشد إليه وقد نبه على ذلك بن أبي جمرة ووقع هنا ان جبريل قال له عند كل واحد منهم سلم عليه قال فسلمت عليه فرد علي السلام وفيه إشارة إلى انه رآهم قبل ذلك قوله فنعم المجيء جاء قيل المخصوص بالمدح محذوف وفيه تقديم وتأخير والتقدير جاء فنعم المجيء مجيؤه وقال بن مالك في هذا الكلام شاهد على الاستغناء بالصلة عن الموصول أو الصفة عن الموصوف في باب نعم لأنها تحتاج إلى فاعل هو المجيء والى مخصوص بمعناها وهو مبتدأ مخبر عنه بنعم وفاعلها فهو في هذا الكلام وشبهه موصول أو موصوف بجاء والتقدير نعم المجيء الذي جاء أو نعم المجيء مجيء جاءه وكونه موصولا أجود لأنه مخبر عنه والمخبر عنه إذا كان معرفة أولى من كونه نكرة قوله فإذا فيها آدم فقال هذا أبوك آدم زاد في رواية أنس عن أبي ذر أول الصلاة ذكر النسم التي عن يمينه وعن شماله وتقدم القول فيه وذكرت هناك احتمالا ان يكون المراد بالنسم المرئية لآدم هي التي لم تدخل الأجساد بعد ثم ظهر لي الآن احتمال اخر وهو ان يكون المراد بها من خرجت من الأجساد حين خروجها لأنها مستقرة ولا يلزم من رؤية آدم لها وهو في السماء الدنيا ان يفتح لها أبواب السماء ولا تلجها وقد وقع في حديث أبي سعيد عند البيهقي مايؤيده ولفظه فإذا انا بآدم تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار فيقول روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين وفي حديث أبي هريرة عند البزار فإذا عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة الحديث فظهر من الحديثين عدم اللزوم المذكور وهذا أولى مما جمع به القرطبي في المفهم ان ذلك في حالة مخصوصة قوله بالابن الصالح والنبي الصالح قيل اقتصر الأنبياء على وصفه بهذه الصفة وتواردوا عليها لأن الصلاح صفة تشمل خلال الخير ولذلك كررها كل منهم عند كل صفة والصالح هو الذي يقوم بما يلزمه من حقوق الله وحقوق العباد فمن ثم كانت كلمة جامعة لمعاني الخير وفي قول آدم بالابن الصالح إشارة إلى افتخاره بأبوة النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي في التوحيد بيان الحكمة في خصوص منازل الأنبياء من السماء قوله ثم صعد بي حتى اتى السماء الثانية وفيه فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة قال النووي قال بن السكيت يقال ابنا خالة ولا يقال ابنا عمة ويقال ابنا عم ولا يقال ابنا خال اه ولم يبين سبب ذلك والسبب فيه ان ابني الخالة أم كل منهما خالة الآخر لزوما بخلاف ابني العمة وقد توافقت هذه الرواية مع رواية ثابت عن أنس عند مسلم ان في الأولى آدم وفي الثانية يحيى وعيسى وفي الثالثة يوسف وفي الرابعة إدريس وفي الخامسة هارون وفي السادسة موسى وفي السابعة إبراهيم وخالف ذلك الزهري في روايته عن أنس عن أبي ذر انه لم يثبت أسماءهم وقال فيه وإبراهيم في السماء السادسة ووقع في رواية شريك عن أنس ان إدريس في الثالثة وهارون في الرابعة واخر في الخامسة وسياقه يدل على انه لم يضبط منازلهم أيضا كما صرح به الزهري ورواية من ضبط أولى ولا سيما مع اتفاق قتادة وثابت وقد وافقهما يزيد بن أبي مالك عن أنس الا انه خالف في إدريس وهارون فقال هارون في الرابعة وإدريس في الخامسة ووافقهم أبو سعيد الا ان في رواية يوسف في الثانية وعيسى ويحيى في الثالثة والأول اثبت وقد استشكل رؤية الأنبياء في السماوات مع ان اجسادهم مستقرة في قبورهم بالأرض وأجيب بأن ارواحهم تشكلت بصور أجسادهم أو احضرت اجسادهم لملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة تشريفا له وتكريما ويؤيده حديث عبد الرحمن بن هاشم عن أنس ففيه وبعث له آدم فمن دونه من الأنبياء فافهم وقد تقدمت الإشارة إليه في الباب الذي قبله قوله فلما خلصت إذا يوسف زاد مسلم في رواية ثابت عن أنس فإذا هو قد أعطي شطر الحسن وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي وأبي هريرة عند بن عائذ والطبراني فإذا انا برجل أحسن ما خلق الله قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب وهذا ظاهره ان يوسف عليه السلام كان أحسن من جميع الناس لكن روى الترمذي من حديث أنس ما بعث الله نبيا الا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم احسنهم وجها واحسنهم صوتا فعلى هذا فيحمل حديث المعراج على ان المراد غير النبي صلى الله عليه وسلم ويؤيده قول من قال ان المتكلم لايدخل في عموم خطابه واما حديث الباب فقد حمله بن المنير على ان المراد ان يوسف أعطي شطر الحسن الذي اوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم والله اعلم وقد اختلف في الحكمة في اختصاص كل منهم بالسماء التي التقاه بها فقيل ليظهر تفاضلهم في الدرجات وقيل لمناسبة تتعلق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء فقيل امروا بملاقاته فمنهم من أدركه في أول وهلة ومنهم من تأخر فلحق ومنهم من فاته وهذا زيفه السهيلي فأصاب وقيل الحكمة في الاقتصار على هؤلاء المذكورين للإشارة إلى ماسيقع له صلى الله عليه وسلم مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم فاما آدم فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض بما سيقع للنبي صلى الله عليه وسلم من الهجرة إلى المدينة والجامع بينهما ماحصل لكل منهما من المشقة وكراهة فراق ما ألفه من الوطن ثم كان مآل كل منهما ان يرجع إلى موطنه الذي اخرج منه وبعيسى ويحيى على ما وقع له من أول الهجرة من عداوة اليهود وتماديهم على البغي عليه وارادتهم وصول السوء إليه وبيوسف على ما وقع له من إخوته من قريش في نصبهم الحرب له وارادتهم هلاكه وكانت العاقبة له وقد أشار إلى ذلك بقوله لقريش يوم الفتح أقول كما قال يوسف لاتثريب عليكم وبإدريس على رفيع منزلته عند الله وبهارون على ان قومه رجعوا إلى محبته بعد ان آذوه وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه وقد أشار إلى ذلك بقوله لقد اوذي موسى بأكثر من هذا فصبر وبابراهيم في استناده إلى البيت المعمور بما ختم له صلى الله عليه وسلم في اخر عمره من إقامة منسك الحج وتعظيم البيت وهذه مناسبات لطيفة ابداها السهيلي فأوردتها منقحة ملخصة وقد زاد بن المنير في ذلك أشياء اضربت عنها إذ أكثرها في المفاضلة بين الأنبياء والإشارة في هذا المقام عندي أولى من تطويل العبارة وذكر في مناسبة لقاء إبراهيم في السماء السابعة معنى لطيفا زائدا وهو ما اتفق له صلى الله عليه وسلم من دخول مكة في السنة السابعة وطوافه بالبيت ولم يتفق له الوصول إليها بعد الهجرة قبل هذه بل قصدها في السنة السادسة فصدوه عن ذلك كما تقدم بسطه في كتاب الشروط قال بن أبي جمرة الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا لأنه أول الأنبياء وأول الآباء وهو أصل فكان اولا في الأولى ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة وعيسى في الثانية لأنه أقرب الأنبياء عهدا من محمد ويليه يوسف لأن امة محمد تدخل الجنة على صورته وإدريس في الرابعة لقوله ورفعناه مكانا عليا والرابعة من السبع وسط معتدل وهارون لقربه من أخيه موسى وموسى ارفع منه لفضل كلام الله وإبراهيم لأنه الأب الأخير فناسب ان يتجدد للنبي صلى الله عليه وسلم بلقيه أنس لتوجهه بعده إلى عالم اخر وأيضا فمنزلة الخليل تقتضي ان تكون ارفع المنازل ومنزلة الحبيب ارفع من منزلته فلذلك ارتفع النبي صلى الله عليه وسلم عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين أو أدنى قوله في قصة موسى فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال ابكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي وفي رواية شريك عن أنس لم اظن أحدا يرفع علي وفي حديث أبي سعيد قال موسى يزعم بنو إسرائيل اني اكرم على الله وهذا اكرم على الله مني زاد الأموي في روايته ولو كان هذا وحده هان علي ولكن معه أمته وهم أفضل الأمم عند الله وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه انه مر بموسى عليه السلام وهو يرفع صوته فيقول اكرمته وفضلته فقال جبريل هذا موسى قلت ومن يعاتب قال يعاتب ربه فيك قلت ويرفع صوته على ربه قال ان الله قد عرف له حدته وفي حديث بن مسعود عند الحارث وأبي يعلى والبزار وسمعت صوتا وتذمرا فسألت جبريل فقال هذا موسى قلت على من تذمره قال على ربه قلت على ربه قال انه يعرف ذلك منه قال العلماء لم يكن بكاء موسى حسدا معاذ الله فان الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين فكيف بمن اصطفاه الله تعالى بل كان اسفا على مافاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص اجورهم المستلزم لتنقيص أجره لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه ولهذا كان من اتبعه من أمته في العدد دون من اتبع نبينا صلى الله عليه وسلم مع طول مدتهم بالنسبة لهذه الأمة واما قوله غلام فليس على سبيل النقص بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه إذ أعطى لمن كان في ذلك السن ما لم يعطه أحدا قبله ممن هو اسن منه وقد وقع من موسى من العناية بهذه الأمة من أمر الصلاة ما لم يقع لغيره ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة عند الطبري والبزار قال عليه الصلاة والسلام كان موسى اشدهم علي حين مررت به وخيرهم لي حين رجعت إليه وفي حديث أبي سعيد فأقبلت راجعا فمررت بموسى ونعم الصاحب كان لكم فسألني كم فرض عليك ربك الحديث قال بن أبي جمرة ان الله جعل الرحمة في قلوب الأنبياء أكثر مما جعل في قلوب غيرهم لذلك بكى رحمة لأمته واما قوله هذا الغلام فأشار إلى صغر سنه بالنسبة إليه قال الخطابي العرب تسمي الرجل المستجمع السن غلاما مادامت فيه بقية من القوة اه ويظهر لي ان موسى عليه السلام أشار إلى ما انعم الله به على نبينا عليهما الصلاة والسلام من استمرار القوة في الكهولية والى ان دخل في سن الشيخوخة ولم يدخل على بدنه هرم ولا اعترى قوته نقص حتى ان الناس في قدومه المدينة كما سيأتي من حديث أنس لما رأوه مردفا أبا بكر اطلقوا عليه اسم الشاب وعلى أبي بكر اسم الشيخ مع كونه في العمر اسن من أبي بكر والله اعلم وقال القرطبي الحكمة في تخصيص موسى بمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصلاة لعلها لكون امة موسى كلفت من الصلوات بما لم تكلف به غيرها من الأمم فثقلت عليهم فأشفق موسى على امة محمد من مثل ذلك ويشير إلى ذلك قوله اني قد جربت الناس قبلك انتهى وقال غيره لعلها من جهة انه ليس في الأنبياء من له اتباع أكثر من موسى ولا من له كتاب أكبر ولا اجمع للاحكام من هذه الجهة مضاهيا للنبي صلى الله عليه وسلم فناسب ان يتمنى ان يكون له مثل ما انعم به عليه من غير ان يريد زواله عنه وناسب ان يطلعه على ما وقع له وينصحه فيما يتعلق به ويحتمل ان يكون موسى لما غلب عليه في الابتداء الأسف على نقص حظ أمته بالنسبة لأمة محمد حتى تمنى ما تمنى ان يكون استدرك ذلك ببذل النصيحة لهم والشفقة عليهم ليزيل ما عساه ان يتوهم عليه فيما وقع منه في الابتداء وذكر السهيلي ان الحكمة في ذلك انه كان رأى في مناجاته صفة امة محمد صلى الله عليه وسلم فدعا الله ان يجعله منهم فكان اشفاقه عليهم كعناية من هو منهم وتقدم في أول الصلاة شيء من هذا ومما يتعلق بأمر موسى بالترديد مرارا والعلم عند الله تعالى وقد وقع من موسى عليه السلام في هذه القصة من مراعاة جانب النبي صلى الله عليه وسلم انه امسك عن جميع ما وقع له حتى فارقه النبي صلى الله عليه وسلم أدبا معه وحسن عشرة فلما فارقه بكى وقال ما قال قوله فإذا إبراهيم في حديث أبي سعيد فإذا انا بإبراهيم خليل الرحمن مسندا ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال وفي حديث أبي هريرة عند الطبري فإذا هو برجل اشمط جالس عند باب الجنة على كرسي تكملة اختلف في حال الأنبياء عند لقي النبي صلى الله عليه وسلم إياهم ليلة الإسراء هل أسري بأجسادهم لملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة أو ان ارواحهم مستقرة في الأماكن التي لقيهم النبي صلى الله عليه وسلم وارواحهم مشكلة بشكل اجسادهم كما جزم به أبو الوفاء بن عقيل واختار الأول بعض شيوخنا واحتج بما ثبت في مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت موسى ليلة أسري بي قائما يصلي في قبره فدل على انه أسري به لما مر به قلت وليس ذلك بلازم بل يجوز ان يكون لروحه اتصال بجسده في الأرض فلذلك يتمكن من الصلاة وروحه مستقرة في السماء قوله ثم رفعت إلى سدرة المنتهى كذا للأكثر بضم الراء وسكون العين وضم التاء من رفعت بضمير المتكلم وبعده حرف جر وللكشميهني رفعت بفتح العين وسكون التاء أي السدرة لي باللام أي من اجلي وكذا تقدم في بدء الخلق ويجمع بين الروايتين بأن المراد انه رفع إليها أي ارتقي به وظهرت له والرفع إلى الشيء يطلق على التقريب منه وقد قيل في قوله تعالى وفرش مرفوعة أي تقرب لهم ووقع بيان سبب تسميتها سدرة المنتهى في حديث بن مسعود عند مسلم ولفظه لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قال انتهى بي إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة واليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها واليها ينتهي ما يهبط فيقبض منها وقال النووي سميت سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد الا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت وهذا لا يعارض حديث بن مسعود المتقدم لكن حديث بن مسعود ثابت في الصحيح فهو أولى بالاعتماد قلت وأورد النووي هذا بصيغة التمريض فقال وحكي عن بن مسعود انها سميت بذلك الخ هكذا أورده فأشعر بضعفه عنده ولا سيما ولم يصرح برفعه وهو صحيح مرفوع وقال القرطبي في المفهم ظاهر حديث أنس انها في السابعة لقوله بعد ذكر السماء السابعة ثم ذهب بي إلى السدرة وفي حديث بن مسعود انها في السادسة وهذا تعارض لا شك فيه وحديث أنس هو قول الأكثر وهو الذي يقتضيه وصفها بأنها التي ينتهي إليها علم كل نبي مرسل وكل ملك مقرب على ما قال كعب قال وما خلفها غيب لايعلمه الا الله أو من أعلمه وبهذا جزم إسماعيل بن أحمد وقال غيره إليها منتهى أرواح الشهداء قال ويترجح حديث أنس بأنه مرفوع وحديث بن مسعود موقوف كذا قال ولم يعرج على الجمع بل جزم بالتعارض قلت ولا يعارض قوله انها في السادسة مادلت عليه بقية الأخبار انه وصل إليها بعد ان دخل السماء السابعة لأنه يحمل على ان أصلها في السماء السادسة واغصانها وفروعها في السابعة وليس في السادسة منها الا أصل ساقها وتقدم في حديث أبي ذر أول الصلاة فغشيها الوان لا أدري ما هي وبقية حديث بن مسعود المذكور قال الله تعالى إذ يغشى السدرة مايغشى قال فراش من ذهب كذا فسر المهم في قوله مايغشى بالفراش ووقع في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس جراد من ذهب قال البيضاوي وذكر الفراش وقع على سبيل التمثيل لأن من شأن الشجر ان يسقط عليها الجراد وشبهه وجعلها من الذهب لصفاء لونها واضاءتها في نفسها انتهى ويجوز ان يكون من الذهب حقيقة ويخلق فيه الطيران والقدرة صالحة لذلك وفي حديث أبي سعيد وبن عباس يغشاها الملائكة وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي على كل ورقة منها ملك ووقع في رواية ثابت عن أنس عند مسلم فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع ان ينعتها من حسنها وفي رواية حميد عن أنس عند بن مردويه نحوه لكن قال تحولت قوتا ونحو ذلك قوله فإذا نبقها بفتح النون وكسر الموحدة وسكونها أيضا قال بن دحية والأول هو الذي ثبت في الرواية أي التحريك والنبق معروف وهو ثمر السدر قوله مثل قلال هجر قال الخطابي القلال بالكسر جمع قلة بالضم هي الجرار يريد ان ثمرها في الكبر مثل القلال وكانت معروفة عند المخاطبين فلذلك وقع التمثيل بها قال وهي التي وقع تحديد الماء الكثير بها في قوله إذا بلغ الماء قلتين وقوله هجر بفتح الهاء والجيم بلدة لا تنصرف للتأنيث والعلمية ويجوز الصرف قوله وإذا ورقها مثل آذان الفيلة بكسر الفاء وفتح التحتانية بعدها لام جمع فيل ووقع في بدء الخلق مثل آذان الفيول وهو جمع فيل أيضا قال بن دحية اختيرت السدرة دون غيرها لأن فيها ثلاثة أوصاف ظل ممدود وطعام لذيذ ورائحة زكية فكانت بمنزلة الإيمان الذي يجمع القول والعمل والنية والظل بمنزلة العمل والطعم بمنزلة النية والرائحة بمنزلة القول قوله وإذا أربعة انهار في بدء الخلق فإذا في أصلها أي في أصل سدرة المنتهى أربعة انهار ولمسلم يخرج من أصلها ووقع في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أربعة انهار من الجنة النيل والفرات وسيحان وجيحان فيحتمل ان تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة والانهار تخرج من تحتها فيصح انها من الجنة قوله اما الباطنان ففي الجنة قال بن أبي جمرة فيه ان الباطن اجل من الظاهر لان الباطن جعل في دار البقاء والظاهر جعل في دار الفناء ومن ثم كان الاعتماد على ما في الباطن كما قال صلى الله عليه وسلم ان الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم قوله واما الظاهران فالنيل والفرات وقع في رواية شريك كما سيأتي في التوحيد انه رأى في السماء الدنيا نهرين يطردان فقال له جبريل هما النيل والفرات عنصرهما والجمع بينهما انه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة ورآهما في السماء الدنيا دون نهري الجنة وأراد بالعنصر عنصر امتيازهما بسماء الدنيا كذا قال بن دحية ووقع في حديث شريك أيضا ومضى به يرقى السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك اذفر فقال ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك ووقع في رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس عند بن أبي حاتم انه بعد ان رأى إبراهيم قال ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعليه طير خضر انعم طير رأيت قال جبريل هذا الكوثر الذي اعطاك الله فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رضراض من الياقوت والزمرد ماؤه أشد بياضا من اللبن قال فأخذت من آنيتة فاغترفت من ذلك الماء فشربت فإذا هو احلى من العسل وأشد رائحة من المسك وفي حديث أبي سعيد فإذا فيها عين تجري يقال لها السلسبيل فينشق منها نهران أحدهما الكوثر والآخر يقال له نهر الرحمة قلت فيمكن ان يفسر بهما النهران الباطنان المذكوران في حديث الباب وكذا روي عن مقاتل قال الباطنان السلسبيل والكوثر واما الحديث الذي أخرجه مسلم بلفظ سيحان وجيحان والنيل والفرات من انهار الجنة فلا يغاير هذا لان المراد به ان في الأرض أربعة انهار أصلها من الجنة وحينئذ لم يثبت لسيحون وجيحون انهما ينبعان من أصل سدرة المنتهى فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك واما الباطنان المذكوران في حديث الباب فهما غير سيحون وجيحون والله اعلم قال النووي في هذا الحديث ان أصل النيل والفرات من الجنة وانهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى ثم يسيران حيث شاء الله ثم ينزلان إلى الأرض ثم يسيران فيها ثم يخرجان منها وهذا لا يمنعه العقل وقد شهد به ظاهر الخبر فليعتمد واما قول عياض ان الحديث يدل على ان أصل سدرة المنتهى في الأرض لكونه قال ان النيل والفرات يخرجان من أصلها وهما بالمشاهدة يخرجان من الأرض فيلزم منه ان يكون أصل السدرة في الأرض وهو متعقب فان المراد بكونهما يخرجان من أصلها غير خروجهما بالنبع من الأرض والحاصل ان أصلها في الجنة وهما يخرجان اولا من أصلها ثم يسيران إلى ان يستقرا في الأرض ثم ينبعان واستدل به على فضيلة ماء النيل والفرات لكون منبعهما من الجنة وكذا سيحان وجيحان قال القرطبي لعل ترك ذكرهما في حديث الإسراء لكونهما ليسا أصلا برأسهما وانما يحتمل ان يتفرعا عن النيل والفرات قال وقيل انما اطلق على هذه الانهار انها من الجنة تشبيها لها بأنهار الجنة لما فيها من شدة العذوبة والحسن والبركة والأول أولى والله اعلم تنبيه الفرات بالمثناة في الخط في حالتي الوصل والوقف في القراءات المشهورة وجاء في قراءة شاذة انها هاء تأنيث وشبهها أبو المظفر بن الليث بالتابوت والتابوه قوله ثم رفع لي البيت المعمور زاد الكشميهني يدخله كل يوم سبعون الف ملك وتقدمت هذه الزيادة في بدء الخلق بزيادة إذا خرجوا لم يعودوا اخر ما عليهم وكذا وقع مضموما إلى رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة وقد بينت في بدء الخلق انه مدرج وذكرت من فصله من رواية قتادة عن الحسن عن أبي هريرة وقد قدمت ما يتعلق بالبيت المعمور هناك ووقعت هذه الزيادة أيضا عند مسلم من طريق ثابت عن أنس وفيه أيضا ثم لا يعودون إليه ابدا وزاد بن إسحاق في حديث أبي سعيد إلى يوم القيامة وفي حديث أبي هريرة عند البزار انه رأى هناك أقواما بيض الوجوه وأقواما في الوانهم شيء فدخلوا نهرا فاغتسلوا فخرجوا وقد خلصت الوانهم فقال له جبريل هؤلاء من أمتك خلطوا عملا صالحا واخر سيئا وفي رواية أبي سعيد عند الأموي والبيهقي انهم دخلوا معه البيت المعمور وصلوا فيه جميعا واستدل به على ان الملائكة أكثر المخلوقات لأنه لا يعرف من جميع العوالم من يتجدد من جنسه في كل يوم سبعون الفا غير ما ثبت عن الملائكة في هذا الخبر قوله ثم أتيت بإناء من خمر واناء من لبن واناء من عسل فاخذت اللبن فقال هي الفطرة التي أنت عليها أي دين الإسلام قال القرطبي يحتمل ان يكون سبب تسمية اللبن فطرة لأنه أول شيء يدخل بطن المولود ويشق امعاءه والسر في ميل النبي صلى الله عليه وسلم إليه دون غيره لكونه كان مالوفا له ولأنه لا ينشأ عن جنسه مفسدة وقد وقع في هذه الرواية ان اتيانه الانية كان بعد وصوله إلى سدرة المنتهى وسيأتي في الأشربة من طريق شعبة عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا أربعة انهار فذكره قال وأتيت بثلاثة اقداح الحديث وهذا موافق لحديث الباب الا ان شعبة لم يذكر في الإسناد مالك بن صعصعة وفي حديث أبي هريرة عند بن عائذ في حديث المعراج بعد ذكر إبراهيم قال ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة آنية مغطاة فقال جبريل يا محمد الا تشرب مما سقاك ربك فتناولت احداها فإذا هو عسل فشربت منه قليلا ثم تناولت الآخر فإذا هو لبن فشربت منه حتى رويت فقال الا تشرب من الثالث قلت قد رويت قال وفقك الله وفي رواية البزار من هذا الوجه ان الثالث كان خمرا لكن وقع عنده ان ذلك كان ببيت المقدس وان الأول كان ماء ولم يذكر العسل وفي حديث بن عباس عند أحمد فلما اتى المسجد الأقصى قام يصلي فلما انصرف جيء بقدحين في أحدهما لبن وفي الاخر عسل فأخذ اللبن الحديث وقد وقع عند مسلم من طريق ثابت عن أنس أيضا ان اتيانه بالآنية كان ببيت المقدس قبل المعراج ولفظه ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاء جبريل بإناء من خمر واناء من لبن فأخذت اللبن فقال جبريل أخذت الفطرة ثم عرج إلى السماء وفي حديث شداد بن أوس فصليت من المسجد حيث شاء الله واخذني من العطش أشد ما اخذني فأتيت باناءين أحدهما لبن والآخر عسل فعدلت بينهما ثم هداني الله فأخذت اللبن فقال شيخ بين يدي يعني لجبريل اخذ صاحبك الفطرة وفي حديث أبي سعيد عند بن إسحاق في قصة الإسراء فصلى بهم يعني الأنبياء ثم اتي بثلاثة آنية اناء فيه لبن واناء فيه خمر واناء فيه ماء فأخذت اللبن الحديث وفي مرسل الحسن عنده نحوه لكن لم يذكر اناء الماء ووقع بيان مكان عرض الآنية في رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عند المصنف كما سيأتي في أول الأشربة ولفظه اتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به بايلياء بإناء فيه خمر واناء فيه لبن فنظر إليهما فأخذ اللبن فقال له جبريل الحمد لله الذي هداك للفطرة لو أخذت الخمر غوت أمتك وهو عند مسلم وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة عن أنس عند البيهقي فعرض عليه الماء والخمر واللبن فأخذ اللبن فقال له جبريل أصبت الفطرة ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك ولو شربت الخمر لغويت وغوت أمتك ويجمع بين هذا الاختلاف اما بحمل ثم على غير بابها من الترتيب وانما هي بمعنى الواو هنا واما بوقوع عرض الآنية مرتين مرة عند فراغه من الصلاة ببيت المقدس وسببه ما وقع له من العطش ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى ورؤية الانهار الأربعة اما الاختلاف في عدد الآنية وما فيها فيحمل على ان بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الاخر ومجموعها أربعة آنية فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي رآها تخرج من أصل سدرة المنتهى ووقع في حديث أبي هريرة عند الطبري لما ذكر سدرة المنتهى يخرج أصلها من انهار من ماء غير آسن ومن لبن لم يتغير طعمه ومن خمر لذة للشاربين ومن عسل مصفى فلعله عرض عليه من كل نهر اناء وجاء عن كعب ان نهر العسل نهر النيل ونهر اللبن نهر جيحان ونهر الخمر نهر الفرات ونهر الماء سيحان والله اعلم قوله ثم فرضت علي الصلاة تقدم ما يتعلق بها في الكلام على حديث أبي ذر في أول الصلاة والحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء انه صلى الله عليه وسلم لما عرج به رأى في تلك الليلة تعبد الملائكة وان منهم القائم فلا يقعد والراكع فلا يسجد والساجد فلا يقعد فجمع الله له ولأمته تلك العبادات كلها في كل ركعة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص أشار إلى ذلك بن أبي جمرة وقال وفي اختصاص فرضيتها بليلة الإسراء إشارة إلى عظيم بيانها ولذلك اختص فرضها بكونه بغير واسطة بل بمراجعات تعددت على ما سبق بيانه قوله ولكن ارضى واسلم في رواية الكشميهني ولكني ارضى واسلم وفيه حذف تقدير الكلام سألت ربي حتى استحييت فلا ارجع فاني ان رجعت صرت غير راض ولا مسلم ولكني ارضى واسلم قوله امضيت فريضتي وخففت عن عبادي تقدم أول الصلاة من رواية أنس عن أبي ذر هن خمس وهن خمسون وتقدم شرحه وفي رواية ثابت عن أنس عند مسلم حتى قال يا محمد هي خمس صلوات في كل يوم وليلة كل صلاة عشرة فتلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة الحديث وسيأتي الكلام على هذه الزيادة في الرقاق وفي رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس عند النسائي وأتيت سدرة المنتهى فغشيتني ضبابة فخررت ساجدا فقيل لي إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فقم بها أنت وامتك فذكر مراجعته مع موسى وفيه فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما وقال في اخره فخمس بخمسين فقم بها أنت وامتك قال فعرفت انها عزمه من الله فرجعت إلى موسى فقال لي ارجع فلم ارجع قوله فلما جاوزت ناداني مناد امضيت فريضتي وخففت عن عبادي هذا من أقوى ما استدل به على ان الله سبحانه وتعالى كلم نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بغير واسطة تكملة وقع في غير هذه الرواية زيادات راها صلى الله عليه وسلم بعد سدرة المنتهى لم تذكر في هذه الرواية منها ما تقدم في أول الصلاة حتى ظهرت لمستوى اسمع فيه صريف الأقلام وفي رواية شريك عن أنس كما سيأتي في التوحيد حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة تبارك وتعالى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه خمسين صلاة الحديث وقد استشكلت هذه الزيادة ويأتي الكلام على ذلك مستوفى ان شاء الله تعالى في كتاب التوحيد وفي رواية أبي ذر من الزيادة أيضا ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك وعند مسلم من طريق همام عن قتادة عن أنس رفعه بينا انا اسير في الجنة إذا انا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف وإذا طينه مسك اذفر فقال جبريل هذا الكوثر وله من طريق شيبان عن قتادة عن أنس لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه وعند بن أبي حاتم وبن عائذ من طريق يزيد بن أبي مالك عن أنس ثم انطلق حتى انتهى بي إلى الشجرة فغشيني من كل سحابة فيها من كل لون فتأخر جبريل وخررت ساجدا وفي حديث بن مسعود عند مسلم واعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس وخواتم سورة البقرة وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته المقحمات يعني الكبائر وفي هذه الرواية من الزيادة ثم انجلت عني السحابة وأخذ بيدي جبريل فانصرفت سريعا فأتيت على إبراهيم فلم يقل شيئا ثم أتيت على موسى فقال ماصنعت الحديث وفيه أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل ما لي لم آت أهل سماء الا رحبوا وضحكوا الي غير رجل واحد فسلمت عليه فرد علي السلام ورحب بي ولم يضحك الي قال يا محمد ذاك مالك خازن جهنم لم يضحك منذ خلق ولو ضحك إلى أحد لضحك إليك وفي حديث حذيفة عند أحمد والترمذي حتى فتحت لهما أبواب السماء فرأيا الجنة والنار ووعد الآخرة اجمع وفي حديث أبي سعيد انه عرض عليه الجنة وان رمانها كأنه الدلاء وإذا طيرها كأنها البخت وانه عرضت عليه النار فإذا هي لو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها وفي حديث شداد بن أوس فإذا جهنم تكشف عن مثل الزرابي ووجدتها مثل الحمة السخنة وزاد فيه انه رآها في وادي بيت المقدس وفي رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس عند بن أبي حاتم ان جبريل قال يا محمد هل سألت ربك ان يريك الحور العين قال نعم قال فانطلق إلى أولئك النسوة فسلم عليهن قال فأتيت اليهن فسلمت فرددن فقلت من أنتن فقلن خيرات حسان الحديث وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ان إبراهيم الخليل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا بني انك لاق ربك الليلة وان أمتك آخر الأمم واضعفها فان استطعت ان تكون حاجتك أو جلها في أمتك فافعل وفي رواية الواقدي بأسانيده في أول حديث الإسراء كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه ان يريه الجنة والنار فلما كانت ليلة السبت لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا وهو نائم في بيته ظهرا أتاه جبريل وميكائيل فقالا انطلق إلى ما سألت فانطلقا به إلى ما بين المقام وزمزم فأتي بالمعراج فإذا هو أحسن شيء منظرا فعرجا به إلى السماوات فلقي الأنبياء وانتهى إلى سدرة المنتهى ورأى الجنة والنار وفرض عليه الخمس فلو ثبت هذا لكان ظاهرا في انه معراج اخر لقوله انه كان ظهرا وان المعراج كان من مكة وهو مخالف لما في الروايات الصحيحة في الأمرين معا ويعكر على التعدد قوله ان الصلوات فرضت حينئذ الا ان حمل على انه اعيد ذكره تأكيدا أو فرع على ان الأول كان مناما وهذا يقظة أو بالعكس والله اعلم وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم ان للسماء أبوابا حقيقة وحفظة موكلين بها وفيه اثبات الاستئذان وانه ينبغي لمن يستأذن ان يقول انا فلان ولا يقتصر على انا لأنه ينافي مطلوب الاستفهام وان المار يسلم على القاعد وان كان المار أفضل من القاعد وفيه استحباب تلقي أهل الفضل بالبشر والترحيب والثناء والدعاء وجواز مدح الإنسان المأمون عليه الافتتان في وجهه وفيه جواز الاستناد إلى القبلة بالظهر وغيره مأخوذ من استناد إبراهيم إلى البيت المعمور وهو كالكعبة في انه قبلة من كل جهة وفيه جواز نسخ الحكم قبل وقوع الفعل وقد سبق البحث فيه في أول الصلاة وفيه فضل السير بالليل على السير بالنهار لما وقع من الإسراء بالليل ولذلك كانت أكثر عبادته صلى الله عليه وسلم بالليل وكان أكثر سفره صلى الله عليه وسلم بالليل وقال صلى الله عليه وسلم عليكم بالدلجة فان الأرض تطوى بالليل وفيه ان التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة يستفاد ذلك من قول موسى عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم انه عالج الناس قبله وجربهم ويستفاد منه تحكيم العادة والتنبيه بالأعلى على الأدنى لان من سلف من الأمم كانوا أقوى أبدانا من هذه الأمة وقد قال موسى في كلامه انه عالجهم على أقل من ذلك فما وافقوه أشار إلى ذلك بن أبي جمرة قال ويستفاد منه ان مقام الخلة مقام الرضا والتسليم ومقام التكليم مقام الادلال والانبساط ومن ثم استبد موسى بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بطلب التخفيف دون إبراهيم عليه السلام مع ان للنبي صلى الله عليه وسلم من الاختصاص بإبراهيم ازيد مما له من موسى لمقام الابوة ورفعة المنزلة والاتباع في الملة وقال غيره الحكمة في ذلك ما أشار إليه موسى عليه السلام في نفس الحديث من سبقه إلى معالجة قومه في هذه العبادة بعينها وانهم خالفوه وعصوه وفيه ان الجنة والنار قد خلقتا لقوله في بعض طرقه التي بينتها عرضت علي الجنة والنار وقد تقدم البحث فيه في بدء الخلق وفيه استحباب الإكثار من سؤال الله تعالى وتكثير الشفاعة عنده لما وقع منه صلى الله عليه وسلم في اجابته مشورة موسى في سؤال التخفيف وفيه فضيلة الاستحياء وبذل النصيحة لمن يحتاج إليها وان لم يستشر الناصح في ذلك الحديث الثاني

قسم V07/P217–V07/P219

3675 قوله حدثنا عمرو هو بن دينار قوله في قوله أي في تفسير قوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي اريناك الا فتنة للناس قال هي رؤيا اعين اريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به إلى بيت المقدس قلت وايراد هذا الحديث في باب المعراج مما يؤيد ان المصنف يرى اتحاد ليلة الإسراء والمعراج بخلاف ما فهم عنه من افراد الترجمتين وقد قدمت ان ترجمته في أول الصلاة تدل على ذلك حيث قال فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وقد تمسك بكلام بن عباس هذا من قال الإسراء كان في المنام ومن قال انه كان في اليقظة فالأول اخذ من لفظ الرؤيا قال لان هذا اللفظ مختص برؤيا المنام ومن قال بالثاني فمن قوله اريها ليلة الإسراء والاسراء انما كان في اليقظة لأنه لو كان مناما ما كذبه الكفار فيه ولا فيما هو ابعد منه كما تقدم تقريره وإذا كان ذلك في اليقظة وكان المعراج في تلك الليلة تعين ان يكون في اليقظة أيضا إذ لم يقل أحد انه نام لما وصل إلى بيت المقدس ثم عرج به وهو نائم وإذا كان في اليقظة فاضافة الرؤيا إلى العين للاحتراز عن رؤيا القلب وقد اثبت الله تعالى رؤيا القلب في القرآن فقال ما كذب الفؤاد ما رأى ورؤيا العين فقال ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى وروى الطبراني في الأوسط بإسناد قوي عن بن عباس قال رأى محمد ربه مرتين ومن وجه اخر قال نظر محمد إلى ربه جعل الكلام لموسى والخلة لإبراهيم والنظر لمحمد فإذا تقرر ذلك ظهر ان مراد بن عباس هنا برؤية العين المذكورة جميع ما ذكره صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة من الأشياء التي تقدم ذكرها وفي ذلك رد لمن قال المراد بالرؤيا في هذه الآية رؤياه صلى الله عليه وسلم انه دخل المسجد الحرام المشار إليها بقوله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام قال هذا القائل والمراد بقوله فتنة للناس ما وقع من صد المشركين له في الحديبية عن دخول المسجد الحرام انتهى وهذا وان كان يمكن ان يكون مراد الآية لكن الاعتماد في تفسيرها على ترجمان القرآن أولى والله اعلم واختلف السلف هل رأى ربه في تلك الليلة أم لا على قولين مشهورين وانكرت ذلك عائشة رضي الله عنها وطائفة واثبتها بن عباس وطائفة وسيأتي بسط ذلك في الكلام على حديث عائشة حيث ذكره المصنف بتمامه في تفسير سورة النجم من كتاب التفسير ان شاء الله تعالى قوله والشجرة الملعونة في القرآن قال هي شجرة الزقوم يريد تفسير الشجرة المذكورة في بقية الآية وقد قيل فيها غير ذلك كما سيأتي في موضعه في التفسير ان شاء الله تعالى إن فعلنا فإن غشينا من ذلك شيئا كان قضاء ذلك إلى الله 1 ( قوله باب وفود الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وبيعة العقبة )

الأسئلة