Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Sección V17/P065–V17/P066

وقال القاضي : إن قوله : { والذين كسبوا السيئات } عام يتناول الكافر والفاسق . إلا أنا نقول : الصيغة وإن كانت عامة إلا أن الدلائل التي ذكرناها تخصصه : المسألة الرابعة : قال الفراء : في قوله : { جزاء سيئة بمثلها } وجهان : الأول : أن يكون التقدير : فلهم جزاء السيئة بمثلها ، كما قال : { ففدية من صيام } ( البقرة : 196 ) أي فعليه . والثاني : أن يعلق الجزاء بالباء في قوله : { بمثلها } قال ابن الأنباري : وعلى هذا التقدير الثاني فلا بد من عائد الموصول . والتقدير : فجزاء سيئة منهم بمثلها . أما قوله : { وترهقهم ذلة } فهو معطوف على يجازي ، لأن قوله : { جزاء سيئة بمثلها } تقديره : يجازي سيئة بمثلها ، وقرىء { ولا ذلة } بالياء . أما قوله تعالى : { والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : { أغشيت } أي ألبست { وجوههم قطعا } قرأ ابن كثير والكسائي { قطعا } بسكون الطاء ، وقرأ الباقون بفتح الطاء ، والقطع بسكون القطعة . وهي البعض ، ومنه قوله تعالى { قالوا يالوط إنا رسل ربك } ( هود : 81 ) أي قطعة . وأما قطع بفتح الطاء ، فهو جمع قطعة ، ومعنى الآية : وصف وجوههم بالسواد ، حتى كأنها ألبست سوادا من الليل ، كقوله تعالى : { ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } ( الزمر : 60 ) وكقوله : { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم } ( آل عمران : 106 ) وكقوله : { يعرف المجرمون بسيماهم } ( الرحمن : 41 ) وتلك العلامة هي سواد الوجه وزرقة العين . المسألة الثانية : قوله : { مظلما } قال الفراء والزجاج : هو نعت لقوله : { قطعا } وقال أبو علي الفارسي : ويجوز أن يجعل حالا كأنه قيل : أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حال ظلمته . ! 7 < { ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركآؤكم فزيلنا بينهم وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين } . > 7 < يونس : ( 28 - 29 ) ويوم نحشرهم جميعا . . . . . > > / وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذا نوع آخر من شرح فضائح أولئك الكفار ، فالضمير في قوله { ويوم نحشرهم } عائد إلى المذكور السابق ، وذلك هو قوله : { والذين كسبوا السيئات } ( يونس : 27 ) فلما وصف الله هؤلاء الذين يحشرهم بالشرك والكفر ، دل على أن المراد من قوله : { والذين كسبوا السيئات } الكفار ، وحاصل الكلام : أنه تعالى يحشر العابد والمعبود ، ثم إن المعبود يتبرأ من العابد ، ويتبين له أنه ما فعل ذلك بعلمه وإرادته ، والمقصود منه أن القوم كانوا يقولون : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 180 ) فبين الله تعالى أنهم لا يشفعون لهؤلاء الكفار ، بل يتبرؤن منهم ، وذلك يدل على نهاية الخزي والنكال في حق هؤلاء الكفار ، ونظيره آيات منها قوله تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } ( البقرة : 166 ) ومنها قوله تعالى : { ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن } ( سبأ : 40 / 41 ) .

Sección V17/P066–V17/P067

واعلم أن هذا الكلام يشير على سبيل الرمز إلى دقيقة عقلية ، وهي أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته ، والممكن لذاته محتاج بحسب ماهيته ، والشيء الواحد يمتنع أن يكون قابلا وفاعلا معا ، فما سوى الواحد لأحد الحق لا تأثير له في الإيجاد والتكوين ، فالممكن المحدث لا يليق به أن يكون معبودا لغيره ، بل المعبود الحق ليس إلا الموجد الحق ، وذلك ليس إلا الموجود الحق الذي هو واجب الوجود لذاته ، فبراءة المعبود من العابدين ، يحتمل أن يكون المراد منه ما ذكرناه . والله أعلم بمراده . المسألة الثانية : { الحشر } الجمع من كل جانب إلى موقف واحد و { جميعا } نصب على الحال أي نحشر الكل حال اجتماعهم . و { مكانكم } منصوب بإضمار الزموا . والتقدير : الزموا مكانكم و { أنتم } تأكيد للضمير { وشركاؤكم } عطف عليه . واعلم أن قوله : { مكانكم } كلمة مختصة بالتهديد والوعيد والمراد أنه تعالى يقول للعابدين والمعبودين مكانكم أي الزموا مكانكم حتى تسألوا ، ونظيره قوله تعالى : { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم } ( الصافات : 22 24 ) . أما قوله : { وشركاؤكم فزيلنا بينهم } ففيه بحثان : / البحث الأول : أن هذه الكلمة جاءت على لفظ المضي بعد قوله : { ثم نقول } وهو منتظر ، والسبب فيه أن الذي حكم الله فيه ، بأن سيكون صار كالكائن الراهن الآن ، ونظيره قوله تعالى : { ونادى أصحاب الجنة } ( الأعراف : 44 ) . البحث الثاني : زيلنا فرقنا وميزنا . قال الفراء : قوله : { فزيلنا } ليس من أزلت ، إنما هو من زلت إذا فرقت . تقول العرب : زلت الضأن من المعز فلم تزل . أي ميزتها فلم تتميز ، ثم قال الواحدي : فالزيل والتزييل والمزايلة ، والتمييز والتفريق . قال الواحدي : وقرىء { ليحكم بينهم } وهو مثل { فزيلنا } وحكى الواحدي عن ابن قتيبة أنه قال في هذه الآية : هو من زال يزول وأزلته أنا ، ثم حكى عن الأزهري أنه قال : هذا غلط ، لأنه لم يميز بين زال يزول ، وبين زال يزيل ، وبينهما بون بعيد ، والقول ما قاله الفراء ، ثم قال المفسرون : { فزيلنا } أي فرقنا بين المشركين وبين شركائهم من الآلهة والأصنام ، وانقطع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا . وأما قوله : { وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون } ففيه مباحث : البحث الأول : إنما أضاف الشركاء إليهم لوجوه : الأول : أنهم جعلوا نصيبا من أموالهم لتلك الأصنام ، فصيروها شركاء لأنفسهم في تلك الأموال ، فلهذا قال تعالى : { وقال شركاؤهم } الثاني : أنه يكفي في الإضافة أدنى تعلق ، فلما كان الكفار هم الذين أثبتوا هذه الشركة ، لا جرم حسنت إضافة الشركاء إليهم . الثالث : أنه تعالى لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله : { مكانكم } صاروا شركاء في هذا الخطاب .

Sección V17/P067–V17/P068

البحث الثاني : اختلفوا في المراد بهؤلاء الشركاء . فقال بعضهم : هم الملائكة ، واستشهدوا بقوله تعالى : { يوم نحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } ( سبأ : 40 ) ومنهم من قال : بل هي الأصنام ، والدليل عليه : أن هذا الخطاب مشتمل على التهديد والوعيد ، وذلك لا يليق بالملائكة المقربين ، ثم اختلفوا في أن هذه الأصنام كيف ذكرت هذا الكلام . فقال بعضهم : إن الله تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق فيها ، فلا جرم قدرت على ذكر هذا الكلام . وقال آخرون إنه تعالى يخلق فيها الكلام من غير أن يخلق فيها الحياة حتى يسمع منها ذلك الكلام ، وهو ضعيف ، لأن ظاهر قوله : { وقال شركاؤهم } يقتضي أن يكون فاعل ذلك القول هم الشركاء . فإن قيل : إذا أحياهم الله تعالى فهل يبقيهم أو يفنيهم ؟ قلنا : الكل محتمل ولا اعتراض على الله في شيء من أفعاله ، وأحوال القيامة غير معلومة ، إلا القليل الذي أخبر الله تعالى عنه في القرآن . / والقول الثالث : إن المراد بهؤلاء الشركاء ، كل من عبد من دون الله تعالى ، من صنم وشمس وقمر وأنسي وجني وملك . البحث الثالث : هذا الخطاب لا شك أنه تهديد في حق العابدين ، فهل يكون تهديدا في حق المعبودين . أما المعتزلة : فإنهم قطعوا بأن ذلك لا يجوز . قالوا : لأنه لا ذنب للمعبود ، ومن لا ذنب له ، فإنه يقبح من الله تعالى أن يوجه التخويف والتهديد والوعيد إليه . وأما أصحابنا ، فإنهم قالوا إنه تعالى لا يسئل عما يفعل . البحث الرابع : أن الشركاء قالوا : { ما كنتم إيانا تعبدون } وهم كانوا قد عبدوهم ، فكان هذا كذبا ، وقد ذكرنا في سورة الأنعام اختلاف الناس في أن أهل القيامة هل يكذبون أم لا ، وقد تقدمت هذه المسألة على الاستقصاء ، والذي نذكره ههنا ، أن منهم من قال : إن المراد من قولهم { ما كنتم إيانا تعبدون } هو أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا ؟ قالوا : والدليل على أن المراد ما ذكرناه وجهان : الأول : أنهم استشهدوا بالله في ذلك حيث قالوا : { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم } والثاني : أنهم قالوا : { إن كنا عن عبادتكم لغافلين } فأثبتوا لهم عبادة ، إلا أنهم زعموا أنهم كانوا غافلين عن تلك العبادة ، وقد صدقوا في ذلك ، لأن من أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها بشيء ولا شعور ألبتة . ومن الناس من أجرى الآية على ظاهرها . وقالوا : إن الشركاء أخبروا أن الكفار ما عبدوها ، ثم ذكروا فيه وجوها : الأول : أن ذلك الموقف موقف الدهشة والحيرة ، فذلك الكذب يكون جاريا مجرى كذب الصبيان ، ومجرى كذب المجانين والمدهوشين . والثاني : أنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزنا وجعلوها لبطلانها كالعدم / ولهذا المعنى قالوا : إنهم ما عبدونا . والثالث : أنهم تخيلوا في الأصنام التي عبدوها صفات كثيرة ، فهم في الحقيقة إنما عبدوا ذوات موصوفة بتلك الصفات ، ولما كانت ذواتها خالية عن تلك الصفات ، فهم ما عبدوها وإنما عبدوا أمورا تخيلوها ولا وجود لها في الأعيان ، وتلك الصفات التي تخيلوها في أصنامهم أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله بغير إذنه . ! 7 < { هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون } . > 7 ! / < < يونس : ( 30 ) هنالك تبلو كل . . . . .

Sección V17/P068–V17/P069

> > واعلم أن هذه الآية كالتتمة لما قبلها . وقوله : { هنالك } معناه : في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو يكون المراد في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان ، وفي قوله : { تبلوا } مباحث : البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي { تتلوا } بتاءين ، وقرأ عاصم { تكسب كل نفس } بالنون ونصب كل والباقون { تبلوا } بالتاء والباء . أما قراءة حمزة والكسائي فلها وجهان : الأول : أن يكون معنى قوله : { تتلوا } أي تتبع ما أسلفت ، لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة وإلى طريق النار . الثاني : أن يكون المعنى : أن كل نفس تقرأ ما في صحيفتها من خير أو شر ومنه قوله تعالى : { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } ( الإسراء : 14 ) وقال : { فأولئك يقرءون كتابهم } ( الإسراء : 71 ) وأما قراءة عاصم فمعناها : أن الله تعالى يقول في ذلك الوقت نختبر كل نفس بسبب اختبار ما أسلفت من العمل ، والمعنى : أنا نعرف حالها بمعرفة حال عملها ، إن كان حسنا فهي سعيدة ، وإن كان قبيحا فهي شقية ، والمعنى نفعل بها فعل المختبر ، كقوله تعالى : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ( الملك : 2 ) وأما القراءة المشهورة فمعناها : أن كل نفس نختبر أعمالها في ذلك الوقت . البحث الثاني : الابتلاء عبارة عن الاختبار قال تعالى : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } ( الأعراف : 168 ) ويقال : البلاء ثم الابتلاء أي الاختبار ينبغي أن يكون قبل الابتلاء . ولقائل أن يقول : إن في ذلك الوقت تنكشف نتائج الأعمال وتظهر آثار الأفعال ، فكيف يجوز تسمية حدوث العلم بالابتلاء ؟ وجوابه : أن الابتلاء سبب لحدوث العلم ، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور . وأما قوله : { وردوا إلى الله مولاهم الحق } فاعلم أن الرد عبارة عن صرف الشيء إلى الموضع الذي جاء منه ، وههنا فيه احتمالات : الأول : أن يكون المراد من قوله : { وردوا إلى الله } أي وردوا إلى حيث لا حكم إلا لله على ما تقدم من نظائره . والثاني : أن يكون المراد { وردوا } إلى ما يظهر لهم من الله من ثواب وعقاب ، منبها بذلك على أن حكم الله بالثواب والعقاب لا يتغير . الثالث : أن يكون المراد من قوله : { وردوا إلى الله } أي جعلوا ملجئين إلى الإقرار بإلهيته ، بعد أن كانوا في الدنيا يعبدون غير الله تعالى ، ولذلك قال : { مولاهم الحق } أعني أعرضوا عن المولى الباطل ورجعوا إلى المولى الحق . وأما قوله : { مولاهم الحق } فقد مر تفسيره في سورة الأنعام . وأما قوله : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } فالمراد أنهم كانوا يدعون فيما يعبدونه أنهم شفعاء وأن عبادتهم مقربة إلى الله تعالى ، فنبه تعالى على أن ذلك يزول في الآخرة ، ويعلمون أن ذلك باطل وافتراء واختلاق . ! 7 < { قل من يرزقكم من السمآء والا رض أمن يملك السمع والا بصار ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ومن يدبر الا مر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون } . > 7 ! / < < يونس : ( 31 - 33 ) قل من يرزقكم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين فضائح عبدة الأوثان أتبعها بذكر الدلائل الدالة على فساد هذا المذهب .

Sección V17/P069–V17/P070

فالحجة الأولى : ما ذكره في هذه الآية وهو أحوال الرزق وأحوال الحواس وأحوال الموت والحياة . أما الرزق فإنه إنما يحصل من السماء والأرض ، أما من السماء فبنزول الأمطار الموافقة وأما من الأرض ، فلأن الغذاء إما أن يكون نباتا أو حيوانا ، أما النبات فلا ينبت إلا من الأرض وأما الحيوان فهو محتاج أيضا إلى الغذاء . ولا يمكن أن يكون غذاء كل حيوان حيوانا آخر وإلا لزم الذهاب إلى ما لا نهاية له وذلك محال ، فثبت أن أغذية الحيوانات يجب انتهاؤها إلى النبات وثبت أن تولد النبات من الأرض ، فلزم القطع بأن الأرزاق لا تحصل إلا من السماء والأرض ، ومعلوم أن مدبر السموات والأرضين ليس إلا الله سبحانه وتعالى ، فثبت أن الرزق ليس إلا من الله تعالى ، وأما أحوال الحواس فكذلك ، لأن أشرفها السمع والبصر وكان علي رضي الله عنه يقول : سبحان من بصر بشحم ، وأسمع بعظم ، وأنطق بلحم ، وأما أحوال الموت والحياة فهو قوله : { ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى } وفيه وجهان : الأول : أنه يخرج الإنسان والطائر من النطفة والبيضة { ويخرج الميت من الحى } أي يخرج النطفة والبيضة من الإنسان والطائر . والثاني : أن المراد منه أنه يخرج المؤمن من الكافر ، والكافر / من المؤمن ، والأكثرون على القول الأول ، وهو إلى الحقيقة أقرب ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا التفصيل ذكر بعده كلاما كليا ، وهو قوله : { ومن يدبر الامر } وذلك لأن أقسام تدبير الله تعالى في العالم العلوي وفي العالم السفلي وفي عالمي الأرواح والأجساد أمور لا نهاية لها ، وذكر كلها كالمتعذر ، فلما ذكر بعض تلك التفاصيل لا جرم عقبها بالكلام الكلي ليدل على الباقي ثم بين تعالى أن الرسول عليه السلام ، إذا سألهم عن مدبر هذه الأحوال فسيقولون إنه الله سبحانه وتعالى ، وهذا يدل على أن المخاطبين بهذا الكلام كانوا يعرفون الله ويقرون به ، وهم الذين قالوا في عبادتهم للأصنام إنها تقربنا إلى الله زلفى وإنهم شفعاؤنا عند الله وكانوا يعلمون أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر ، فعند ذلك قال لرسوله عليه السلام : { فقل أفلا تتقون } يعني أفلا تتقون أن تجعلوا هذه الأوثان شركاء لله في المعبودية ، مع اعترافكم بأن كل الخيرات في الدنيا والآخرة إنما تحصل من رحمة الله وإحسانه ، واعترافكم بأن هذه الأوثان لا تنفع ولا تضر ألبتة . ثم قال تعالى : { فذلكم الله ربكم } ومعناه أن من هذه قدرته ورحمته هو { ربكم الحق } الثابت ربوبيته ثباتا لا ريب فيه ، وإذا ثبت أن هذا هو الحق ، وجب أن يكون ما سواه ضلالا ، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا باطلين ، فإذا كان أحدهما حقا وجب أن يكون ما سواه باطلا . ثم قال : { فأنى تصرفون } والمعنى أنكم لما عرفتم هذا الأمر الواضح الظاهر { فأنى تصرفون } وكيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر / واعلم أن الجبائي قد استدل بهذه الآية وقال : هذا يدل على بطلان قول المجبرة أنه تعالى يصرف الكفار عن الإيمان ، لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يقول : { فأنى تصرفون } كما لا يقول إذا أعمى بصر أحدهم إني عميت ، واعلم أن الجواب عنه سيأتي عن قريب . أما قوله : { كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون } ففيه مسائل :

Sección V17/P070–V17/P071

المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله تعالى وإرادته ، وتقريره أنه تعالى أخبر عنهم خبرا جزما قطعا أنهم لا يؤمنون ، فلو آمنوا لكان إما أن يبقى ذلك الخبر صدقا أو لا يبقى ، والأول باطل ، لأن الخبر بأنه لا يؤمن يمتنع أن يبقى صدقا حال ما يوجد الإيمان منه والثاني أيضا باطل ، لأن انقلاب خبر الله تعالى كذبا محال فثبت أن صدور الإيمان منهم محال . والمحال لا يكون مرادا ، فثبت أنه تعالى ما أراد الإيمان من هذا الكافر وأنه أراد الكفر منه ، ثم نقول : إن كان قوله : { فأنى تصرفون } يدل على صحة مذهب القدرية ، فهذه الآية الموضوعة بجنبه / تدل على فساده ، وقد كان من الواجب على الجبائي مع قوة خاطره حين استدل بتلك الآية على صحة قوله أن يذكر هذه الحجة ويجيب عنها حتى يحصل مقصوده . المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر { كلمات ربك } على الجمع وبعده { إن الذين حقت عليهم كلمات ربك } ( يونس : 96 ) وفي حم المؤمن { كذلك حقت كلمات } ( غافر : 6 ) كله بالألف على الجمع والباقون { كلمت ربك } في جميع ذلك على لفظ الوحدان . المسألة الثالثة : الكاف في قوله : { كذالك } للتشبيه ، وفيه قولان : الأول : أنه كما ثبت وحق أنه ليس بعد الحق إلا الضلال كذلك حقت كلمة ربك بأنهم لا يؤمنون . الثاني : كما حق صدور العصيان منهم ، كذلك حقت كلمة العذاب عليهم . المسألة الرابعة : { أنهم لا يؤمنون } بدل من { كلمات } أي حق عليهم انتفاء الإيمان . المسألة الخامسة : المراد من كلمة الله إما إخباره عن ذلك وخبره صدق لا يقبل التغير والزوال ، أو علمه بذلك ، وعلمه لا يقبل التغير والجهل . وقال بعض المحققين : علم الله تعلق بأنه لا يؤمن وخبره تعالى تعلق بأنه لا يؤمن ، وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه ، بل بخلق الكفر فيه وإرادته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه ، بل بخلق الكفر فيه ، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ ، وأشهد عليه ملائكته ، وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه ، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء ، فينقلب علمه جهلا ، وخبره الصدق كذبا ، وقدرته عجزا ، وإرادته كرها ، وإشهاده باطلا ، وإخبار الملائكة والأنبياء كذبا ، وكل ذلك محال . ! 7 < { قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون } . > 7 ! < < يونس : ( 34 ) قل هل من . . . . . > > اعلم أن هذا هو الحجة الثانية ، وتقريرها ما شرح الله تعالى في سائر الآيات من كيفية ابتداء تخليق الإنسان من النطفة والعلقة والمضغة وكيفية إعادته ، ومن كيفية ابتداء تخليق السموات والأرض ، فلما فصل هذه المقامات ، لا جرم اكتفى تعالى بذكرها ههنا على سبيل الإجمال ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما الفائدة في ذكر هذه الحجة على سبيل السؤال والاستفهام . / والجواب : أن الكلام إذا كان ظاهرا جليا ثم ذكر على سبيل الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤول ، كان ذلك أبلغ وأوقع في القلب . السؤال الثاني : القوم كانوا منكرين الإعادة والحشر والنشر فكيف احتج عليهم بذلك ؟ والجواب : أنه تعالى قدم في هذه السورة ذكر ما يدل عليه ، وهو وجوب التمييز بين المحسن وبين المسيء وهذه الدلالة ظاهرة قوية لا يتمكن العاقل من دفعها ، فلأجل كمال قوتها وظهورها تمسك به سواء ساعد الخصم عليه أو لم يساعد . السؤال الثالث : لم أمر رسوله بأن يعترف بذلك ، والإلزام إنما يحصل لو اعترف الخصم به ؟

Sección V17/P071–V17/P072

والجواب : أن الدليل لما كان ظاهرا جليا ، فإذا أورد على الخصم في معرض الاستفهام ، ثم إنه بنفسه يقول الأمر كذلك ، كان هذا تنبيها على أن هذا الكلام بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه إلى إقرار الخصم به ، وأنه سواء أقر أو أنكر ، فالأمر متقرر ظاهر . أما قوله : { فأنى تؤفكون } فالمراد التعجب منهم في الذهاب عن هذا الأمر الواضح الذي دعاهم الهوى والتقليد أو الشبهة الضعيفة إلى مخالفته ، لأن الإخبار عن كون الأوثان آلهة كذب وإفك ، والاشتغال بعبادتها مع أنها لا تستحق هذه العبادة يشبه الإفك . ! 7 < { قل هل من شركآئكم من يهدىإلى الحق قل الله يهدى للحق أفمن يهدىإلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدىإلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغنى من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون } . > 7 < يونس : ( 35 - 36 ) قل هل من . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الحجة الثالثة ، واعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا ، ثم بالهداية ثانيا ، عادة مطردة في القرآن ، فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك / فقال : { الذى خلقنى فهو يهدين } ( الشعراء : 78 ) وعن موسى عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وأمر محمدا صلى الله عليه وسلم فقال : { سبح اسم ربك الاعلى الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى } ( الأعلى : 1 3 ) وهو في الحقيقة دليل شريف ، لأن الإنسان له جسد وله روح ، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق ، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فههنا أيضا لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى ، وهو قوله : { أم من يبدأ الخلق ثم يعيده } ( النمل : 64 ) أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية . واعلم أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح ، كما قال تعالى : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون } ( الحل : 78 ) وهذا كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد ، وإنما أعطى الحواس لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم ، وأيضا فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة ، أما الأحوال الروحانية والمعارف الإلهية ، فإنها كمالات باقية أبد الآباد مصونة عن الكون والفساد ، فعلمنا أن الخلق تبع للهداية ، والمقصود الأشرف الأعلى حصول الهداية . إذا ثبت هذا فنقول : العقول مضطربة والحق صعب ، والأفكار مختلطة ، ولم يسلم من الغلط إلا الأقلون ، فوجب أن الهداية وإدراك الحق لا يكون إلا بإعانة الله سبحانه وتعالى وهدايته وإرشاده ، ولصعوبة هذا الأمر قال الكليم عليه السلام بعد استماع الكلام القديم { رب اشرح لى صدرى } ( طه : 25 ) وكل الخلق يطلبون الهداية ويحترزون عن الضلالة ، مع أن الأكثرين وقعوا في الضلالة ، وكل ذلك يدل على أن حصول الهداية والعلم والمعرفة ليس إلا من الله تعالى .

Sección V17/P072–V17/P073

إذا عرفت هذا فنقول : الهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق ، وإما أن تكون عبارة عن تحصيل تلك المعرفة وعلى التقديرين فقد دللنا على أنها أشرف المراتب البشرية وأعلى السعادات الحقيقية ، ودللنا على أنها ليست إلا من الله تعالى . وأما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى الحق ولا في الإرشاد إلى الصدق ، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة ، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد ، وأن الأصنام لا تأثير لها في شيء من ذلك ، وإذا كان كذلك كان الاشتغال بعبادتها جهلا محضا وسفها صرفا ، فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال . المسألة الثانية : قال الزجاج : يقال هديت إلى الحق ، وهديت للحق بمعنى واحد ، والله تعالى ذكر هاتين اللغتين في قوله : { قل الله يهدى للحق أفمن يهدى إلى الحق } . / المسألة الثالثة : في قوله : { أم من لا يهدى } ست قراءات : الأول : قرأ ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع { يهدى } بفتح الياء والهاء وتشديد الدال ، وهو اختيار أبي عبيدة وأبي حاتم ، لأن أصله يهتدي أدغمت التاء في الدال ونقلت فتحة التاء المدغمة إلى الهاء . الثانية : قرأ نافع ساكنة الهاء مشددة الدال أدغمت التاء في الدال وتركت الهاء على حالها ، فجمع في قراءته بين ساكنين كما جمعوا في { يخصمون } ( يس : 49 ) قال علي بن عيسى وهو غلط على نافع . الثالثة : قرأ أبو عمرو بالإشارة إلى فتحة الهاء من غير إشباع فهو بين الفتح والجزم مختلسة على أصل مذهبه اختيارا للتخفيف ، وذكر علي بن عيسى أنه الصحيح من قراءة نافع . الرابعة : قرأ عاصم بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال فرارا من التقاء الساكنين ، والجزم يحرك بالكسر . الخامسة : قرأ حماد ويحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم بكسر الياء والهاء أتبع الكسرة للكسرة . وقيل : هو لغة من قرأ { نستعين } السادسة : قرأ حمزة والكسائي { من يهدى } ساكنة الهاء وبتخفيف الدال على معنى يهتدي والعرب تقول : يهدي ، بمعنى يهتدي يقال : هديته فهدى أي اهتدى . المسألة الرابعة : في لفظ الآية إشكال ، وهو أن المراد من الشركاء في هذه الآية الأصنام وأنها جمادات لا تقبل الهداية ، فقوله : { أم من لا يهدى إلا أن يهدى } لا يليق بها . والجواب من وجوه : الأول : لا يبعد أن يكون المراد من قوله : { قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده } هو الأصنام . والمراد من قوله : { قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق } رؤساء الكفر والضلالة والدعاة إليها . والدليل عليه قوله سبحانه : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } إلى قوله : { لا إلاه إلا هو سبحانه عما يشركون } ( التوبة : 31 ) والمراد أن الله سبحانه وتعالى هدى الخلق إلى الدين الحق بواسطة ما أظهر من الدلائل العقلية والنقلية . وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله تعالى ، فكان التمسك بدين الله تعالى أولى من قبول قول هؤلاء الجهال .

Sección V17/P073–V17/P074

الوجه الثاني : في الجواب أن يقال : إن القوم لما اتخذوها آلهة ، لا جرم عبر عنها كما يعبر عمن يعلم ويعقل ، ألا ترى أنه تعالى قال : { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم } ( الأعراف : 194 ) مع أنها جمادات وقال : { إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم } ( فاطر : 14 ) فأجرى اللفظ على الأوثان على حسب ما يجري على من يعقل ويعلم فكذا ههنا وصفهم الله تعالى بصفة من يعقل ، وإن لم يكن الأمر كذلك ، الثالث : أنا نحمل ذلك على التقدير ، يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهدي ، فإنها لا تهدي غيرها إلا بعد أن يهديها غيرها ، وإذا حملنا الكلام على هذا التقدير فقد زال السؤال . الرابع : أن البنية عندنا ليست شرطا / لصحة الحياة والعقل ، فتلك الأصنام حال كونها خشبا وحجرا قابلة للحياة والعقل ، وعلى هذا التقدير فيصح من الله تعالى أن يجعلها حية عاقلة ثم إنها تشتغل بهداية الغير . الخامس : أن الهدى عبارة عن النقل والحركة يقال : هديت المرأة إلى زوجها هدى ، إذا نقلت إليه والهدي ما يهدى إلى الحرم من النعم ، وسميت الهدية هدية لانتقالها من رجل إلى غيره ، وجاء فلان يهادى بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه وتمايله . إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { أم من لا يهدى إلا أن يهدى } يحتمل أن يكون معناه أنه لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه / وعلى هذا التقدير فالمراد الإشارة إلى كون هذه الأصنام جمادات خالية عن الحياة والقدرة . واعلم أنه تعالى لما قرر على الكفار هذه الحجة الظاهرة قال : { فما لكم كيف تحكمون } يعجب من مذهبهم الفاسد ومقالتهم الباطلة أرباب العقول . ثم قال تعالى : { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا } وفيه وجهان : الأول : وما يتبع أكثرهم في إقرارهم بالله تعالى إلا ظنا ، لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم ، بل سمعوه من أسلافهم . الثاني : وما يتبع أكثرهم في قولهم الأصنام آلهة وأنها شفعاء عند الله إلا الظن والقول الأول أقوى ، لأنا في القول الثاني نحتاج إلى أن نفسر الأكثر بالكل . ثم قال تعالى : { إن الظن لا يغنى من الحق شيئا } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : تمسك نفاة القياس بهذه الآية ، فقالوا : العمل بالقياس عمل بالظن ، فوجب أن لا يجوز ، لقوله تعالى : { إن الظن لا يغنى من الحق شيئا } . أجاب مثبتو القياس ، فقالوا : الدليل الذي دل على وجوب العمل بالقياس دليل قاطع ، فكان وجوب العمل بالقياس معلوما ، فلم يكن العمل بالقياس مظنونا بل كان معلوما .

Sección V17/P074–V17/P075

أجاب المستدل عن هذا السؤال ، فقال : لو كان الحكم المستفاد من القياس يعلم كونه حكما لله تعالى لكان ترك العمل به كفرا لقوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ( المائدة : 44 ) ولما لم يكن كذلك ، بطل العمل به وقد يعدون عن هذه الحجة بأنهم قالوا : الحكم المستفاد من القياس إما أن يعلم كونه حكما لله تعالى أو يظن أو لا يعلم ولا يظن والأول باطل وإلا لكان من لم يحكم به كافرا لقوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ( المائدة : 44 ) وبالاتفاق ليس كذلك . والثاني : باطل ، لأن العمل بالظن لا يجوز لقوله تعالى : { إن الظن لا يغنى من الحق شيئا } والثالث : باطل ، لأنه إذا لم يكن ذلك الحكم معلوما ولا مظنونا ، كان مجرد التشهي ، فكان باطلا لقوله تعالى : { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلواة واتبعوا الشهوات } ( مريم : 59 ) . وأجاب مثبتو القياس : بأن حاصل هذا الدليل يرجع إلى التمسك بالعمومات ، والتمسك بالعمومات / لا يفيد إلا الظن . فلما كانت هذه العمومات دالة على المنع من التمسك بالظن ، لزم كونها دالة على المنع من التمسك بها ، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكا . المسألة الثانية : دلت هذه الآية على أن كل من كان ظانا في مسائل الأصول ، وما كان قاطعا ، فإنه لا يكون مؤمنا . فإن قيل : فقول أهل السنة أنا مؤمن إن شاء الله يمنع من القطع فوجب أن يلزمهم الكفر . قلنا : هذا ضعيف من وجوه : الأول : مذهب الشافعي رحمه الله : أن الإيمان عبارة عن مجموع الإعتقاد والإقرار والعمل ، والشك أصل في أن هذه الأعمال هل هي موافقة لأمر الله تعالى ؟ والشك في أحد أجزاء الماهية لا يوجب الشك في تمام الماهية . الثاني : أن الغرض من قوله إن شاء الله بقاء الإيمان عند الخاتمة . الثالث : الغرض منه هضم النفس وكسرها . والله أعلم . ! 7 < { وما كان هاذا القرءان أن يفترى من دون الله ولاكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } . > 7 < يونس : ( 37 - 39 ) وما كان هذا . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنا حين شرعنا في تفسير قوله تعالى : { ويقولون لولا أنزل عليه ءاية من ربه } ( بونس : 20 ) ذكرنا أن القوم إنما ذكروا ذلك لاعتقادهم أن القرآن ليس بمعجز ، وأن محمدا إنما يأتي به من / عند نفسه على سبيل الافتعال والاختلاق ، ثم إنه تعالى ذكر الجوابات الكثيرة عن هذا الكلام ، وامتدت تلك البيانات على الترتيب الذي شرحناه وفصلناه إلى هذا الموضع ، ثم إنه تعالى بين في هذا المقام أن إتيان محمد عليه السلام بهذا القرآن ليس على سبيل الافتراء على الله تعالى ، ولكنه وحي نازل عليه من عند الله ، ثم إنه تعالى احتج على صحة هذا الكلام بقوله : { أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله } وذلك يدل على أنه معجز نازل عليه من عند الله تعالى ، وأنه مبرأ عن الافتراء والافتعال فهذا هو الترتيب الصحيح في نظم هذه الآيات .

Sección V17/P075–V17/P076

المسألة الثانية : قوله تعالى : { وما كان هاذا القرءان أن يفترى } فيه وجهان : الأول : أن قوله : { أن يفترى } في تقدير المصدر ، والمعنى : وما كان هذا القرآن افتراء من دون الله ، كما تقول : ما كان هذا الكلام إلا كذبا . والثاني : أن يقال إن كلمة { ءان } جاءت ههنا بمعنى اللام ، والتقدير : ما كان هذا القرآن ليفترى من دون الله ، كقوله : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } ( التوبة : 122 ) { ما كان الله ليذر المؤمنين وما كان الله ليطلعكم على الغيب } ( آل عمران : 179 ) أي لم يكن ينبغي لهم أن يفعلوا ذلك ، فكذلك ما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى ، أي ليس وصفه وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله ، لأن المفترى هو الذي يأتي به البشر ، والقرآن معجز لا يقدر عليه البشر ، والافتراء افتعال من فريت الأديم إذا قدرته للقطع ، ثم استعمل في الكذب كما استعمل قولهم : اختلف فلان هذا الحديث في الكذب ، فصار حاصل هذا الكلام أن هذا القرآن لا يقدر عليه أحد إلا الله عز وجل ، ثم إنه تعالى احتج على هذه الدعوى بأمور : الحجة الأولى : قوله : { ولاكن تصديق الذى بين يديه } وتقرير هذه الحجة من وجوه : أحدها : أن محمدا عليه السلام كان رجلا أميا ما سافر إلى بلدة لأجل التعلم ، وما كانت مكة بلدة العلماء ، وما كان فيها شيء من كتب العلم ، ثم إنه عليه السلام أتى بها القرآن ، فكان هذا القرآن مشتملا على أقاصيص الأولين ، والقوم كانوا في غاية العداوة له ، فلو لم تكن هذه الأقاصيص موافقة لما في التوراة والإنجيل لقدحوا فيه ولبالغوا في الطعن فيه ، ولقالوا له إنك جئت بهذه الأقاصيص لا كما ينبغي ، فلما لم يقل أحد ذلك مع شدة حرصهم على الطعن فيه ، وعلى تقبيح صورته ، علمنا أنه أتى بتلك الأقاصيص مطابقة لما في التوراة والإنجيل ، مع أنه ما طالعهما ولا تلمذ لأحد فيهما ، وذلك يدل على أنه عليه السلام إنما أخبر عن هذه الأشياء بوحي من قبل الله تعالى . الحجة الثانية : أن كتب الله المنزلة دلت على مقدم محمد عليه السلام ، على ما استقصينا في تقريره في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ) وإذا كان الأمر كذلك / كان مجيء محمد عليه السلام تصديقا لما في تلك الكتب ، من البشارة بمجيئه صلى الله عليه وسلم ، فكان هذا عبارة عن تصديق الذي بين يديه . الحجة الثالثة : أنه عليه السلام أخبر في القرآن عن الغيوب الكثيرة في المستقبل ، ووقعت مطابقة لذلك الخبر ، كقوله تعالى : { الم غلبت الروم } ( الروم : 1 ، 2 ) الآية ، وكقوله تعالى : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } ( الفتح : 27 ) وكقوله : { وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الارض } ( النور : 55 ) وذلك يدل على أن الإخبار عن هذه الغيوب المستقبلة ، إنما حصل بالوحي من الله تعالى ، فكان ذلك عبارة عن تصديق الذي بين يديه ، فالوجهان الأولان : إخبار عن الغيوب الماضية والوجه الثالث : إخبار عن الغيوب المستقبلة ، ومجموعها عبارة عن تصديق الذي بين يديه . النوع الثاني : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { وتفصيل كل شىء } .

Sección V17/P076–V17/P077

واعلم أن الناس اختلفوا في أن القرآن معجز من أي الوجوه ؟ فقال بعضهم : إنه معجز لاشتماله على الإخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة ، وهذا هو المراد من قوله : { تصديق الذى بين يديه } ومنهم من قال : إنه معجز لاشتماله على العلوم الكثيرة ، وإليه الإشارة بقوله : { وتفصيل كل شىء } وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلوم إما أن تكون دينية أو ليست دينية ، ولا شك أن القسم الأول أرفع حالا وأعظم شأنا وأكمل درجة من القسم الثاني . وأما العلوم الدينية ، فإما أن تكون علم العقائد والأديان ، وإما أن تكون علم الأعمال . أما علم العقائد والأديان فهو عبارة عن معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . أما معرفة الله تعالى ، فهي عبارة عن معرفة ذاته ومعرفة صفات جلاله ، ومعرفة صفات إكرامه ، ومعرفة أفعاله ، ومعرفة أحكامه ، ومعرفة أسمائه والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل وتفاريعها وتفاصيلها على وجه لا يساويه شيء من الكتب ، بل لا يقرب منه شيء من المصنفات . وأما علم الأعمال فهو إما أن يكون عبارة عن علم التكاليف المتعلقة بالظواهر وهو علم الفقه . ومعلوم أن جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم من القرآن ، وإما أن يكون علما بتصفية الباطن أو رياضة القلوب . وقد حصل في القرآن من مباحث هذا العلم ما لا يكاد يوجد في غيره ، كقوله : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) وقوله : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى } ( النمل : 90 ) فثبت أن القرآن مشتمل على تفاصيل جميع العلوم الشريفة ، عقليها ونقليها ، اشتمالا يمتنع حصوله في سائر الكتب فكان ذلك معجزا ، وإليه الإشارة بقوله : { وتفصيل الكتاب } . أما قوله : { لا ريب فيه من رب العالمين } فتقريره : أن الكتاب الطويل المشتمل على هذه / العلوم الكثيرة لا بد وأن يشتمل على نوع من أنواع التناقض ، وحيث خلي هذا الكتاب عنه ، علمنا أنه من عند الله وبوحيه وتنزيله ، ونظيره قوله تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) . واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول هذه الآية أن هذا القرآن لا يليق بحاله وصفته أن يكون كلاما مفترى على الله تعالى / وأقام عليه هذين النوعين من الدلائل المذكورة ، عاد مرة أخرى بلفظ الاستفهام على سبيل الإنكار ، فقال : { أم يقولون افتراه } ثم إنه تعالى ذكر حجة أخرى على إبطال هذا القول ، فقال : { قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } وهذه الحجة بالغنا في تقريرها في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة : { وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم } ( البقرة : 23 ) وههنا سؤالات : السؤال الأول : لم قال في سورة البقرة : { من مثله } وقال ههنا : { فأتوا بسورة مثله } .

Sección V17/P077–V17/P078

والجواب : أن محمدا عليه السلام كان رجلا أميا ، لم يتلمذ لأحد ولم يطالع كتابا فقال في سورة البقرة : { فأتوا بسورة من مثله } يعني فليأت إنسان يساوي محمدا عليه السلام في عدم التلمذ وعدم مطالعة الكتب وعدم الاشتغال بالعلوم بسورة تساوي هذه السورة ، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز . فهذا لا يدل على أن السورة في نفسها معجزة ، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد عليه السلام في عدم التلمذ والتعلم معجز ، ثم إنه تعالى بين في هذه السورة أن تلك السورة في نفسها معجز ، فإن الخلق وإن تلمذوا وتعلموا وطالعوا وتفكروا ، فإنه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور ، فلا جرم قال تعالى في هذه الآية : { فأتوا بسورة مثله } ولا شك أن هذا ترتيب عجيب في باب التحدي وإظهار المعجز . السؤال الثاني : قوله : { فأتوا بسورة مثله } هل يتناول جميع السور الصغار والكبار ، أو يختص بالسور الكبار . الجواب : هذه الآية في سورة يونس وهي مكية ، فالمراد مثل هذه السورة ، لأنها أقرب ما يمكن أن يشار إليه . السؤال الثالث : أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن القرآن مخلوق ، قالوا : إنه عليه السلام تحدى العرب بالقرآن ، والمراد من التحدي : أنه طلب منهم الإتيان بمثله ، فإذا عجزوا عنه ظهر كونه حجة من عند الله على صدقه ، وهذا إنما يمكن لو كان الإتيان بمثله صحيح الوجود في الجملة ولو كان قديما لكان الإتيان بمثل القديم محالا في نفس الأمر ، فوجب أن لا يصح التحدي . / والجواب : أن القرآن اسم يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة بذات الله تعالى ، وعلى هذه الحروف والأصوات ، ولا نزاع في أن الكلمات المركبة من هذه الحروف والأصوات محدثة مخلوقة ، والتحدي إنما وقع بها لا بالصفة القديمة . أما قوله : { وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } فالمراد منه : تعليم أنه كيف يمكن الإتيان بهذه المعارضة لو كانوا قادرين عليها ، وتقريره أن الجماعة إذا تعاونت وتعاضدت صارت تلك العقول الكثيرة كالعقل الواحد ، فإذا توجهوا نحو شيء واحد ، قدر مجموعهم على ما يعجز كل واحد منهم ، فكأنه تعالى يقول : هب أن عقل الواحد والاثنين منكم لا يفي باستخراج معارضة القرآن فاجتمعوا وليعن بعضكم بعضا في هذه المعارضة ، فإذا عرفتم عجزكم حالة الاجتماع وحالة الانفراد عن هذه المعارضة ، فحينئذ يظهر أن تعذر هذه المعارضة إنما كان لأن قدرة البشر غير وافية بها ، فحينئذ يظهر أن ذلك فعل الله لا فعل البشر .

Sección V17/P078–V17/P079

واعلم أنه قد ظهر بهذا الذي قررناه أن مراتب تحدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ستة ، فأولها : أنه تحداهم بكل القرآن كما قال : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هاذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } ( الإسراء : 88 ) وثانيها : أنه عليه السلام تحداهم بعشر سور قال تعالى : { فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } وثالثها : أنه تحداهم بسورة واحدة كما قال : { فأتوا بسورة من مثله } ( الطور : 34 ) ورابعها : أنه تحداهم بحديث مثله فقال : { فليأتوا بحديث مثله } وخامسها : أن في تلك المراتب الأربعة ، كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل يساوي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم التلمذ والتعلم ، ثم في سورة يونس طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان سواء تعلم العلوم أو لم يتعلمها . وسادسها : أن في المراتب المتقدمة تحدى كل واحد من الخلق ، وفي هذه المرتبة تحدى جميعهم ، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الإتيان بهذه المعارضة ، كما قال : { وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } وههنا آخر المراتب ، فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات أن القرآن معجز ، ثم إنه تعالى ذكر السبب الذي لأجله كذبوا القرآن فقال : { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتيهم تأويله } واعلم أن هذا الكلام يحتمل وجوها : الوجه الأول : أنهم كلما سمعوا شيئا من القصص قالوا : ليس في هذا الكتاب إلا أساطير الأولين ولم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو نفس الحكاية بل أمور أخرى مغايرة لها : فأولها : بيان قدرة الله تعالى على التصرف في هذا العالم ، ونقل أهله من العز إلى الذل ومن الذل إلى العز / وذلك يدل على قدرة كاملة . وثانيها : أنها تدل على العبرة من حيث إن الإنسان يعرف بها أن الدنيا لا تبقى ، فنهاية كل متحرك سكون ، وغاية كل متكون أن لا يكون ، فيرفع قلبه عن حب الدنيا وتقوى رغبته في طلب الآخرة ، كما قال : { لقد كان فى قصصهم عبرة لاولى الالباب } ( يوسف : 111 ) وثالثها : أنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر قصص الأولين من غير تحريف ولا تغيير مع أنه لم يتعلم ولم يتلمذ ، دل ذلك على أنه بوحي من الله تعالى ، كما قال في سورة الشعراء بعد أن ذكر القصص { وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين } ( الشعراء : 192 194 ) . والوجه الثاني : أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا منها شيئا ساء ظنهم بالقرآن . وقد أجاب الله تعالى عنه بقوله : { هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات } ( آل عمران : 7 ) . والوجه الثالث : أنهم رأوا أن القرآن يظهر شيئا فشيئا ، فصار ذلك سببا للطعن الرديء فقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { كذلك لنثبت به فؤادك } ( الفرقان : 32 ) وقد شرحنا هذا الجواب في سورة الفرقان . والوجه الرابع : أن القرآن مملوء من إثبات الحشر والنشر ، والقوم كانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا حصول الحياة بعد الموت ، ولم يتقرر ذلك في قلوبهم ، فظنوا أن محمدا عليه السلام إنما يذكر ذلك على سبيل الكذب ، والله تعالى بين صحة القول بالمعاد بالدلائل القاهرة الكثيرة .

Sección V17/P079–V17/P080

الوجه الخامس : أن القرآن مملوء من الأمر بالصلاة والزكاة وسائر العبادات ، والقوم كانوا يقولون إله العالمين غني عنا وعن طاعتنا ، وإنه تعالى أجل من أن يأمر بشيء لا فائدة فيه ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } ( المؤمنون : 115 ) وبقوله : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) وبالجملة فشبهات الكفار كثيرة ، فهم لما رأوا القرآن مشتملا على أمور ما عرفوا حقيقتها ولم يطلعوا على وجه الحكمة فيها لا جرم كذبوا بالقرآن / والحاصل أن القوم ما كانوا يعرفون أسرار الإلهيات ، وكانوا يجرون الأمور على الأحوال المألوفة من عالم المحسوسات وما كانوا يطلبون حكمها ولا وجوه تأويلاتها ، فلا جرم وقعوا في التكذيب والجهل ، فقوله : { بل كذبوا لما لم يحيطوا بعلمه } إشارة إلى عدم علمهم بهذه الأشياء ، وقوله : { ولما يأتهم تأويله } إشارة إلى عدم جدهم واجتهادهم في طلب تلك الأسرار . ثم قال : { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } والمراد أنهم طلبوا الدنيا وتركوا الآخرة ، فلما ماتوا فاتتهم الدنيا والآخرة فبقوا في الخسار العظيم ، ومن الناس من قال المراد منه عذاب الاستئصال وهو الذي نزل بالأمم الذين كذبوا الرسل من ضروب العذاب في الدنيا ، قال أهل التحقيق قوله : / { ولما يأتهم تأويله } يدل على أن من كان غير عارف بالتأويلات وقع في الكفر والبدعة ، لأن ظواهر النصوص قد يوجد فيها ما تكون متعارضة ، فإذا لم يعرف الإنسان وجه التأويل فيها وقع في قلبه أن هذا الكتاب ليس بحق ، أما إذا عرف وجه التأويل طبق التنزيل على التأويل فيصير ذلك نورا على نور يهدي الله لنوره من يشاء . ! 7 < { ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين وإن كذبوك فقل لى عملى ولكم عملكم أنتم بريئون ممآ أعمل وأنا برىء مما تعملون } . > 7 < يونس : ( 40 - 41 ) ومنهم من يؤمن . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله : { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } وكان المراد منه تسليط العذاب عليهم في الدنيا ، أتبعه بقوله : { ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به } منبها على أن الصلاح عنده تعالى كان في هذه الطائفة التبقية دون الاستئصال ، من حيث كان المعلوم أن منهم من يؤمن به ، والأقرب أن يكون الضمير في قوله : { به } رجعا إلى القرآن ، لأنه هو المذكور من قبل ، ثم يعلم أنه متى حصل الإيمان بالقرآن ، فقد حصل معه الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام أيضا . واختلفوا في قوله : { ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به } لأن كلمة يؤمن فعل مستقبل وهو يصلح للحال والاستقبال ، فمنهم من حمله على الحال ، وقال : المراد أن منهم من يؤمن بالقرآن باطنا ، لكنه يتعمد الجحد وإظهار التكذيب ، ومنهم من باطنه كظاهره في التكذيب ، ويدخل فيه أصحاب الشبهات ، وأصحاب التقليد ، ومنهم من قال : المراد هو المستقبل ، يعني أن منهم من يؤمن به في المستقبل بأن يتوب عن الفكر ويبدله بالإيمان ومنهم من بصر ويستمر على الكفر . ثم قال : { وربك أعلم بالمفسدين } أي هو العالم بأحوالهم في أنه هل يبقى مصرا على الكفر أو يرجع عنه . ثم قال : { وإن كذبوك فقل لى عملى ولكم عملكم } قيل فقل لي عملي الطاعة والإيمان ، ولكم عملكم الشرك ، وقيل : لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم .

Sección V17/P080–V17/P081

/ ثم قال : { أنتم بريئون مما أعمل وأنا برىء مما تعملون } قيل معنى الآية الزجر والردع ، وقيل بل معناه استمالة قلوبهم . قال مقاتل والكلبي : هذه الآية منسوخة بآية السيف وهذا بعيد ، لأن شرط الناسخ أن يكون رافعا لحكم المنسوخ ، ومدلول هذه الآية اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب ، وذلك لا يقتضي حرمة القتال ، فآية القتال ما رفعت شيئا من مدلولات هذه الآية فكان القول بالنسخ باطلا . ! 7 < { ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى العمى ولو كانوا لا يبصرون إن الله لا يظلم الناس شيئا ولاكن الناس أنفسهم يظلمون } . > 7 < يونس : ( 42 - 44 ) ومنهم من يستمعون . . . . . > > ي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى في الآية الأولى ، قسم الكفار إلى قسمين منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ، وفي هذه الآية قسم من لا يؤمن به قسمين : منهم من يكون في غاية البغض له والعداوة له ونهاية النفرة عن قبول دينه ، ومنهم من لا يكون كذلك ، فوصف القسم الأول في هذه الآية فقال : ومنهم من يستمع كلامك مع أنه يكون كالأصم من حيث إنه لا ينتفع ألبتة بذلك الكلام فإن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر ، وعظمت نفرته عنه ، صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابح كلامه معرضة عن جميع جهات محاسن كلامه ، فالصمم في الأذن ، معنى ينافي حصول إدراك الصوت فكذلك حصول هذا البغض الشديد كالمنافي للوقوف على محاسن ذلك الكلام والعمى في العين معنى ينافي حصول إدراك الصورة ، فكذلك البغض ينافي وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه والوقوف على ما آتاه الله تعالى من الفضائل ، فبين تعالى أن في أولئك الكفار من بلغت حالته في البغض والعداوة إلى هذا الحد ، ثم كما أنه لا يمكن جعل الأصم سميعا ولا جعل الأعمى بصيرا ، / فكذلك لا يمكن جعل العدو البالغ في العداوة إلى هذا الحد صديقا تابعا للرسول صلى الله عليه وسلم والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام بأن هذه الطائفة ، قد بلغوا في مرض العقل إلى حيث لا يقبلون العلاج والطبيب إدا رأى مريضا لا يقبل العلاج أعرض عنه ، ولم يستوحش من عدم قبوله للعلاج ، فكذلك وجب عليك أن لا تستوحش من حال هؤلاء الكفار . المسألة الثانية : احتج ابن قتيبة بهذه الآية ، على أن السمع أفضل من البصر فقال : إن الله تعالى قرن بذهاب السمع ذهاب العقل ، ولم يقرن بذهاب النظر إلا ذهاب البصر ، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر . وزيف ابن الأنباري هذا الدليل فقال : إن الذي نفاه الله مع السمع بمنزلة الذي نفاه الله مع البصر لأنه تعالى أراد إبصار القلوب ، ولم يرد إبصار العيون والذي يبصره القلب هو الذي يعقله . واحتج ابن قتيبة على هذا المطلوب بحجة أخرى من القرآن ، فقال : كلما ذكر الله السمع والبصر ، فإنه في الأغلب يقدم السمع على البصر ، وذلك يدل على أن السمع أفضل من البصر ومن الناس من ذكر في هذا الباب دلائل أخرى : فأحدها : أن العمى قد وقع في حق الأنبياء عليهم السلام أما الصمم فغير جائز عليهم لأنه يخل بأداء الرسالة ، من حيث إنه إذا لم يسمع كلام السائلين تعذر عليه الجواب فيعجز عن تبليغ شرائع الله تعالى . الحجة الثانية : أن القوة السامعة تدرك المسموع من جميع الجوانب ، والقوة الباصرة لا تدرك المرئي إلا من جهة واحدة وهي المقابل .

Sección V17/P081–V17/P082

الحجة الثالثة : أن الإنسان إنما يستفيد العلم بالتعلم من الأستاذ ، وذلك لا يمكن إلا بقوة السمع ، فاستكمال النفس بالكمالات العلمية لا يحصل إلا بقوة السمع ، ولا يتوقف على قوة البصر ، فكان السمع أفضل من البصر . الحجة الرابعة : أنه تعالى قال : { إن فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } والمراد من القلب ههنا العقل ، فجعل السمع قرينا للعقل ويتأكد هذا بقوله تعالى : { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير } ( الملك : 10 ) فجلوا السمع سببا للخلاص من عذاب السعير . الحجة الخامسة : أن المعنى الذي يمتاز به الإنسان من سائر الحيوانات هو النطق والكلام وإنما ينتفع بذلك القوة السامعة ، فمتعلق السمع النطق الذي به حصل شرف الإنسان ، ومتعلق البصر إدراك الألوان والأشكال ، وذلك أمر مشترك فيه بين الناس وبين سائر الحيوانات ، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر . / الحجة السادسة : أن الأنبياء عليهم السلام يراهم الناس ويسمعون كلامهم ، فنبوتهم ما حصلت بسبب ما معهم من الصفات المرئية ، وإنما حصلت بسبب ما معهم من الأصوات المسموعة وهو الكلام وتبليغ الشرائع وبيان الأحكام ، فوجب أن يكون المسموع أفضل من المرئي ، فلزم أن يكون السمع أفضل من البصر ، فهذا جملة ما تمسك به القائلون بأن السمع أفضل من البصر ، ومن الناس من قال : البصر أفضل من السمع ، ويدل عليه وجوه : الحجة الأولى : أنهم قالوا في المثل المشهور ليس وراء العيان بيان ، وذلك يدل على أن أكمل وجوه الإدراكات هو الأبصار . الحجة الثانية : أن آلة القوة الباصرة هو النور وآلة القوة السامعة هي الهواء والنور أشرف من الهواء فالقوة الباصرة أشرف من القوة السامعة . الحجة الثالثة : أن عجائب حكمة الله تعالى في تخليق العين التي هي محل الأبصار أكثر من عجائب خلقته في الأذن التي هي محل السماع ، فإنه تعالى جعل تمام روح واحد من الأرواح السبعة الدماغية من العصب آلة للأبصار ، وركب العين من سبع طبقات وثلاث رطوبات وخلق لتحريكات العين عضلات كثيرة على صورة مختلفة والأذن ليس كذلك وكثرة العناية في تخليق الشيء تدل على كونه أفضل من غيره . الحجة الرابعة : أن البصر يرى ماحصل فوق سبع سموات والسمع لا يدرك ما بعد منه على فرسخ ، فكان البصر أقوى وأفضل وبهذا البيان يدفع قولهم إن السمع يدرك من كل الجوانب والبصر لا يدرك إلا من الجانب الواحد . الحجة الخامسة : أن كثيرا من الأنبياء سمع كلام الله في الدنيا ، واختلفوا في أنه هل رآه أحد في الدنيا أم لا ؟ وأيضا فإن موسى عليه السلام سمع كلامه من غير سبق سؤال والتماس ولما سأل الرؤية قال : { لن ترانى } ( الأعراف : 143 ) وذلك يدل على أن حال الرؤية أعلى من حال السماع . الحجة السادسة : قال ابن الأنباري : كيف يكون السمع أفضل من البصر وبالبصر يحصل جمال الوجه ، وبذهابه عيبه ، وذهاب السمع لا يورث الإنسان عيبا ، العرب تسمي العينين الكريمتين ولا تصف السمع بمثل هذا ؟ ومنه الحديث يقول الله تعالى : ( من أذهبت كريمته فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة ) .

Sección V17/P082–V17/P083

المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية ، على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، قالوا : الآية دالة على أن قلوب أولئك الكفار بالنسبة إلى الإيمان كالأصم بالنسبة إلى استماع الكلام ، وكالأعمى / بالنسبة إلى إبصار الأشياء ، وكما أن هذا ممتنع فكذلك ما نحن فيه . قالوا : والذي يقوي ذلك أن حصول العداوة القوية الشديدة ، وكذلك حصول المحبة الشديدة في القلب ليس باختيار الإنسان ، لأن عند حصول هذه العداوة الشديدة يجد وجدانا ضروريا أن القلب يصير كالأصم والأعمى في استماع كلام العدو وفي مطالعة أفعاله الحسنة ، وإذا كان الأمر كذلك فقد حصل المطلوب ، وأيضا لما حكم الله تعالى عليها حكما جازما بعدم الإيمان ، فحينئذ يلزم من حصول الإيمان انقلاب علمه جهلا وخبره الصدق كذبا وذلك محال . وأما المعتزلة : فقد احتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى : { إن الله لا يظلم الناس شيئا ولاكن الناس أنفسهم يظلمون } وجه الاستدلال به ، أنه يدل على أنه تعالى ما ألجأ أحدا إلى هذه القبائح والمنكرات ، ولكنهم باختيار أنفسهم يقدمون عليها ويباشرونها . أجاب الواحدي عنه فقال : إنه تعالى إنما نفى الظلم عن نفسه ، لأنه يتصرف في ملك نفسه ، ومن كان كذلك لم يكن ظالما ، وإنما قال : { ولاكن الناس أنفسهم يظلمون } لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب . ! 7 < { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله وما كانوا مهتدين وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون } . > 7 < يونس : ( 45 - 46 ) ويوم يحشرهم كأن . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما وصف هؤلاء الكفار بقلة الإصغاء وترك التدبر أتبعه بالوعيد فقال : { ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حفص عن عاصم { يحشرهم } بالياء والباقون بالنون . المسألة الثانية : قوله : { كأن لم يلبثوا } في موضع الحال ، أي مشابهين من لم يلبث إلا ساعة من النهار . وقوله : { يتعارفون } يجوز أن يكون متعلقا بيوم نحشرهم ، ويجوز أن يكون حالا بعد حال . المسألة الثالثة : { كان } هذه هي المحففة من الثقيلة . التقدير : كأنهم لم يلبثوا ، فخففت كقوله : وكأن قد . / المسألة الرابعة : قيل : كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار وقيل في قبورهم ، والقرآن وارد بهذين الوجهين قال تعالى : { كم لبثتم فى الارض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } ( المؤمنون : 112 ، 113 ) قال القاضي : والوجه الأول أولى لوجهين : أحدهما : أن حال المؤمنين كحال الكافرين في أنهم لا يعرفون مقدار لبثهم بعد الموت إلى وقت الحشر ، فيجب أن يحمل ذلك على أمر يختص بالكفار ، وهو أنهم لما لم ينتفعوا بعمرهم استقلوه ، والمؤمن لما انتفع بعمره فإنه لا يستقله . الثاني : أنه قال : { يتعارفون بينهم } لأن التعارف إنما يضاف إلى حال الحياة لا إلى حال الممات .

Sección V17/P083–V17/P084

المسألة الخامسة : ذكروا في سبب هذا الاستقلال وجوها : الأول : قال أبو مسلم : لما ضيعوا أعمارهم في طلب الدنيا والحرص على لذاتها لم ينتفعوا بعمرهم ألبتة ، فكان وجود ذلك العمر كالعدم ، فلهذا السبب استقلوه ونظيره قوله تعالى : { وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر } ( البقرة : 96 ) الثاني : قال الأصم : قل ذلك عندهم لما شاهدوا من أهوال الآخرة ، والأنسان إذا عظم خوفه نسي الأمور الظاهرة . الثالث : أنه قل عندهم مقامهم في الدنيا في جنب مقامهم في الآخرة وفي العذاب المؤبد . الرابع : أنه قل عندهم مقامهم في الدنيا لطول وقوفهم في الحشر . الخامس : المراد أنهم عند خروجهم من القبور يتعارفون كما كانوا يتعارفون في الدنيا ، وكأنهم لم يتعارفوا بسبب الموت إلا مدة قليلة لا تؤثر في ذلك التعارف . وأقول : تحقيق الكلام في هذا الباب ، أن عذاب الكافر مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإهانة والإذلال ، والإحساس بالمضرة أقوى من الإحساس باللذة بدليل أن أقوى اللذات هي لذات الوقاع ، والشعور بأم القولنج وغيره والعياذ بالله تعالى أقوى من الشعور بلذة الوقاع . وأيضا لذات الدنيا مع خساستها ما كانت خالصة ، بل كانت مخلوطة بالهمومات الكثيرة ، وكانت تلك اللذات مغلوبة بالمؤلمات والآفات ، وأيضا إن لذات الدنيا ما حصلت إلا بعض أوقات الحياة الدنيوية ، وآلام الآخرة أبدية سرمدية لا تنقطع ألبتة ونسبة عمر جميع الدنيا إلى الآخرة الأبدية أقل من الجزء الذي لا يتجزأ بالنسبة إلى ألف ألف عالم مثل العالم الموجود . إذا عرفت هذا فنقول : أنه متى قوبلت الخيرات الحاصلة بسبب الحياة العاجلة بالآفات الحاصلة للكافر وجدت أقل من اللذة بالنسبة إلى جميع العالم فقوله : { كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } إشارة إلى ما ذكرناه من قلتها وحقارتها في جنب ما حصل من العذاب الشديد . أما قوله : { يتعارفون بينهم } ففيه وجوه : الأول : يعرف بعضهم بعضا كما كانوا يعرفون في الدنيا . الثاني : يعرف بعضهم بعضا بما كانوا عليه من الخطأ والكفر ، ثم تنقطع المعرفة إذا / عاينوا العذاب وتبرأ بعضهم من بعض . فإن قيل : كيف توافق هذه الآية قوله : { ولا يسئل حميم حميما } ( المعارج : 10 ) والجواب عنه من وجهين : الوجه الأول : أن المراد من هذه الآية أنهم يتعارفون بينهم يوبخ بعضهم بعضا ، فيقول : كل فريق للآخر أنت أضللتني يوم كذا وزينت لي الفعل الفلاني من القبائح ، فهذا تعارف تقبيح وتعنيف وتباعد وتقاطع لا تعارف عطف وشفقة . وأما قوله تعالى : { ولا يسئل حميم حميما } فالمراد سؤال الرحمة والعطف . والوجه الثاني : في الجواب حمل هاتين الآيتين على حالتين ، وهو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة فلذلك لا يسأل حميم حميما . أما قوله تعالى : { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } ففيه وجهان : الأول : أن يكون التقدير : ويوم يحشرهم حال كونهم متعارفين ، وحال كونهم قائلين { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } الثاني : أن يكون { قد خسر الذين كذبوا } كلام الله ، فيكون هذا شهادة من الله عليهم بالخسران ، والمعنى : أن من باع آخرته بالدنيا فقد خسر ، لأنه أعطى الكثير الشريف الباقي وأخذ القليل الخسيس الفاني .

Sección V17/P084–V17/P085

وأما قوله : { وما كانوا مهتدين } فالمراد أنهم ما اهتدوا إلى رعاية مصالح هذه التجارة ، وذلك لأنهم اغتروا بالظاهر وغفلوا عن الحقيقة ، فصاروا كمن رأى زجاجة حسنة فظنها جوهرة شريفة فاشتراها بكل ما ملكه ، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله ووقع في حرقة الروع وعذاب القلب . وأما قوله : { وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم } فاعلم أن قوله { فإلينا مرجعهم } جواب { نتوفينك } وجواب { نرينك } محذوف ، والتقدير : وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك أو نتوفينك قبل أن نرينك ذلك الموعد فإنك ستراه في الآخرة . واعلم أن هذا يدل على أنه تعالى يري رسوله أنواعا من ذل الكافرين وخزيهم في الدنيا ، وسيزيد عليه بعد وفاته ، ولا شك أنه حصل الكثير منه في زمان حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحصل الكثير أيضا بعد وفاته ، والذي سيحصل يوم القيامة أكثر ، وهو تنبيه على أن عاقبة المحقين محمودة وعاقبة المذنبين مذمومة . ! 7 < { ولكل أمة رسول فإذا جآء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } . > 7 ! / < < يونس : ( 47 ) ولكل أمة رسول . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين حال محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه ، بين أن حال كل الأنبياء مع أقوامهم كذلك ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أن كل جماعة ممن تقدم قد بعث الله إليهم رسولا والله تعالى ما أهمل أمة من الأمم قط ، ويتأكد هذا بقوله تعالى : { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } ( فاطر : 24 ) . فإن قيل : كيف يصح هذا مع ما يعلمه من أحوال الفترة ومع قوله سبحانه : { لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم } ( يس : 6 ) . قلنا : الدليل الذي ذكرناه لا يوجب أن يكون الرسول حاضرا مع القوم ، لأن تقدم الرسول لا يمنع من كونه رسولا إليهم ، كما لا يمنع تقدم رسولنا من كونه مبعوثا إلينا إلى آخر الأبد . وتحمل الفترة على ضعف دعوة الأنبياء ووقوع موجبات التخليط فيها . المسألة الثانية : في الكلام إضمار والتقدير : فإذا جاء رسولهم وبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون قضى بينهم أي حكم وفصل . المسألة الثالثة : المراد من الآية أحد أمرين : إما بيان أن الرسول إذا بعث إلى كل أمة فإنه بالتبليغ وإقامة الحجة يزيح كل علة فلا يبقى لهم عذر في مخالفته أو تكذيبه ، فيدل ذلك على أن ما يجري عليهم من العذاب في الآخرة يكون عدلا ولا يكون ظلما ، لأنهم من قبل أنفسهم وقعوا في ذلك العقاب ، أو يكون المراد أن القوم إذا اجتمعوا في الآخرة جمع الله بينهم وبين رسولهم في وقت المحاسبة ، وبأن الفصل بين المطيع والعاصي ليشهد عليهم بما شاهد منهم ، وليقع منهم الاعتراف بأنه بلغ رسالات ربه فيكون ذلك من جملة ما يؤكد الله به الزجر في الدنيا كالمساءلة ، وإنطاق الجوارح ، والشهادة عليهم بأعمالهم والموازين وغيرها ، وتمام التقرير على هذا الوجه الثاني أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الله شهيد عليهم ، فكأنه تعالى يقول : أنا شهيد عليهم وعلى أعمالهم يوم القيامة ، ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة مع كل قوم رسولهم ، حتى يشهد عليهم بتلك الأعمال . والمراد منه المبالغة في إظهار العدل .

Preguntas

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 164 · Qur'an & Sunnah