Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
/ الحجة الخامسة : ولد الحيوان إنما يكون ولدا له بشرطين : إذا كان مساويا له في الطبيعة والحقيقة ، ويكون ابتداء وجوده وتكونه منه ، وهذا في حق الله تعالى محال ، لأنه تعالى غني مطلقا ، وكل من كان غنيا مطلقا كان واجب الوجود لذاته ، فلو كان لواجب الوجود ولد ، لكان ولده مساويا له . فيلزم أن يكون ولد واجب الوجود أيضا واجب الوجود ، لكن كونه واجب الوجود يمنع من تولده من غيره ، وإذا لم يكن متولدا من غيره لم يكن ولدا ، فثبت أن كونه تعالى غنيا من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا ولد له ، وهذه الثلاثة مع الثلاثة الأول في غاية القوة . الحجة السادسة : أنه تعالى غني ، وكل من كان غنيا امتنع أن يكون له أب وأم ، وكل من تقدس عن الوالدين وجب أن يكون مقدسا عن الأولاد . فإن قيل : يشكل هذا بالوالد الأول ؟ قلنا : الوالد الأول لا يمتنع كونه ولدا لغيره ، لأنه سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق الوالد الأول من أبوين يقدمانه أما الحق سبحانه فإنه يمتنع افتقاره إلى الأبوين ، وإلا لما كان غنيا مطلقا . الحجة السابعة : إنه تعالى غني مطلقا ، وكل من كان غنيا مطلقا امتنع أن يفتقر في إحداث الأشياء إلى غيره . إذا ثبت هذا فنقول : هذا الولد ، إما أن يكون قديما أو حادثا ، فإن كان قديما فهو واجب الوجود لذاته ، آذ لو كان ممكن الوجود لافتقر إلى المؤثر ، وافتقار القديم إلى المؤثر يقتضي إيجاد الموجود وهو محال ، وإذا كان واجب الوجود لذاته لم يكن ولدا لغيره / بل كان موجودا مستقلا بنفسه ، وأما إن كان هذا الولد حادثا والحق سبحانه غني مطلقا فكان قادرا على إحداثه ابتداء من غير تشريك شيء آخر ، فكان هذا عبدا مطلقا ، ولم يكن ولدا ، فهذه جملة الوجوه المستنبطة من قوله : { هو الغنى } الدالة على أنه يمتنع أن يكون له ولد . أما قوله : { له ما في السماوات وما في الارض } فاعلم أنه نظير قوله : { إن كل من فى السماوات والارض إلا اتى الرحمان عبدا } ( مريم : 93 ) وحاصله يرجع إلى أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن ، وكل ممكن محتاج ، وكل محتاج محدث ، فكل ما سوى الواحد الأحد الحق محدث ، والله تعالى محدثه وخالقه وموجده وذلك يدل على فساد القول بإثبات الصاحبة والولد ، ولما بين تعالى بالدليل الواضح امتناع ما أضافوا إليه ، عطف عليهم بالإنكار والتوبيخ فقال : { إن عندكم من سلطان بهاذا } منبها بهذا على أنه لا حجة عندهم في ذلك ألبتة . ثم بالغ في ذلك الإنكار فقال : { أتقولون على الله ما لا تعلمون } وقد / ذكرنا أن هذه الآية يحتج بها في إبطال التقليد في أصول الديانات ونفاة القياس وأخبار الآحاد قد يحتجون بها في إبطال هذين الأصلين وقد سبق الكلام فيه . ! 7 < { قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع فى الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون } . > 7 < يونس : ( 69 - 70 ) قل إن الذين . . . . . > >
اعلم أنه تعالى لما بين بالدليل القاهر أن إثبات الولد لله تعالى قول باطل ثم بين أنه ليس لهذا القائل دليل على صحة قوله ، فقد ظهر أن ذلك المذهب افتراء على الله ونسبه لما لا يليق به إليه ، فبين أن من هذا حاله فإنه لا يفلح ألبتة ألا ترى أنه تعالى قال في أول سورة المؤمنون : { قد أفلح المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) وقال في آخر هذه السورة : { إنه لا يفلح الكافرون } ( المؤمنون : 117 ) . واعلم أن قوله : { إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } يدخل فيه هذه الصورة ولكنه لا يختص بهذه الصورة بل كل من قال في ذات الله تعالى وفي صفاته قولا بغير علم وبغير حجة بينة كان داخلا في هذا الوعيد ، ومعنى قوله : { لا يفلح } قد ذكرناه في أول سورة البقرة في قوله تعالى : { وأولائك هم المفلحون } ( آل عمران : 104 ) وبالجملة فالفلاح عبارة عن الوصول إلى المقصود والمطلوب ، فمعنى أنه لا يفلح هو أنه لا ينجح في سعيه ولا يفوز بمطلوبه بل خاب وخسر ، ومن الناس من إذا فاز بشيء من المطالب العاجلة والمقاصد الخسيسة ، ظن أنه قد فاز بالمقصد الأقصى ، والله سبحانه أزال هذا الخيال بأن قال : إن ذلك المقصود الخسيس متاع قليل في الدنيا ، ثم لا بد من الموت ، وعند الموت لا بد من الرجوع إلى الله وعند هذا الرجوع لا بد من أن يذيقه العذاب الشديد بسبب ذلك الكفر المتقدم ، وهذا كلام في غاية الانتظام ونهاية الحسن والجزالة . والله أعلم . ! 7 < { واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه ياقوم إن كان كبر عليكم مقامى وتذكيرى بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركآءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلى ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجرى إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين } . > 7 < يونس : ( 71 - 72 ) واتل عليهم نبأ . . . . . > > / اعلم أنه سبحانه لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات ، وفي الجواب عن الشبه والسؤالات ، شرع بعد ذلك في بيان قصص الأنبياء عليهم السلام لوجوه : أحدها : أن الكلام إذا أطال في تقرير نوع من أنواع العلوم ، فربما حصل نوع من أنواع الملالة فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر ، انشرح صدره وطاب قلبه ووجد في نفسه رغبة جديدة وقوة حادثة وميلا قويا . وثانيها : ليكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولأصحابه أسوة بمن سلف من الأنبياء ، فإن الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع الكل الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه ، كما يقال : المصيبة إذا عمت خفت . وثالثها : أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص ، وعلموا أن الجهال ، وإن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدمين إلا أن الله تعالى أعانهم بالآخرة ونصرهم وأيدهم وقهر أعداءهم ، كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سببا لانكسار قلوبهم ، ووقوع الخوف والوجل في صدورهم ، وحينئذ يقللون من أنواع الإيذاء والسفاهة . ورابعها : أنا قد دللنا على أن محمدا عليه الصلاة والسلام لما لم يتعلم علما ، ولم يطالع كتابا ثم ذكر هذه الأقاصيص من غير تفاوت ، ومن غير زيادة ومن غير نقصان ، دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم إنما عرفها بالوحي والتنزيل . واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة من قصص الأنبياء عليهم السلام ثلاثة .
فالقصة الأولى : قصة نوح عليه السلام ، وهي المذكورة في هذه الآية ، وفيها وجهان من الفائدة : الأول : أن قوم نوح عليهم السلام لما أصروا على الكفر والجحد عجل الله هلاكهم بالغرق فذكر الله تعالى قصتهم لتصير تلك القصة عبرة لهؤلاء الكفار ، وداعية إلى مفارقة الجحد بالتوحيد والنبوة . والثاني : أن كفار مكة كانوا يستعجلون العذاب الذي يذكره الرسول عليه / السلام لهم وكانوا يقولون له كذبت ، فإنه ما جاءنا هذا العذاب ، فالله تعالى ذكر لهم قصة نوح عليه السلام لأنه عليه السلام كان يخوفهم بهذا العذاب وكانوا يكذبونه فيه ، ثم بالآخرة وقع كما أخبر فكذا ههنا . المسألة الثانية : أن نوحا عليه السلام قال لقومه : { إن كان كبر عليكم مقامى وتذكيرى بآيات الله فعلى الله توكلت } وهذا جملة من الشرط والجزاء ، أما الشرط فهو مركب من قيدين : القيد الأول : قوله : { إن كان كبر عليكم مقامى } قال الواحدي في ( البسيط ) : يقال كبر يكبر كبرا في السن ، وكبر الأمر والشيء إذا عظم يكبر كبرا وكبارة . قال ابن عباس : ثقل عليكم وشق عليكم وعظم أمره عندكم والمقام بفتح الميم مصدر كالإقامة . يقال : أقام بين أظهرهم مقاما وإقامة ، والمقام بضم الميم الموضع الذي يقام فيه ، وأراد بالمقام ههنا مكثه ولبثه فيهم وبالجملة فقوله : { كبر عليكم مقامى } جار مجرى قولهم : فلان ثقيل الظل . واعلم أن سبب هذا الثقل أمران : أحدهما : أنه عليه السلام مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما . والثاني : أن أولئك الكفار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة والطرائق الباطلة والغالب أن من ألف طريقة في الدين فإنه يثقل عليه أن يدعى إلى خلافها / ويذكر له ركاكتها ، فإن اقترن بذلك طول مدة الدعاء كان أثقل وأشد كراهية ، فإن اقترن به إيراد الدلائل القاهرة على فساد تلك المذهب كانت النفرة أشد فهذا هو السبب في حصول ذلك الثقل . والقيد الثاني : هو قوله : { وتذكيرى بآيات الله } . واعلم أن الطباع المشغوفة بالدنيا الحريصة على طلب اللذات الهاجلة تكون شديدة النفرة عن الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي والمنكرات ، قوية الكراهة لسماع ذكر الموت وتقبيح صورة الدنيا ومن كان كذلك فإنه يستثقل الإنسان الذي يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون قوله : { إن كان كبر عليكم مقامى وتذكيرى بآيات الله } معناه أنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم ظاهرا وكلامهم مسموعا ، كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائما وهم قعود . واعلم أن هذا هو الشرط المذكور في هذه الآية ، أما الجزاء ففيه قولان : القول الأول : أن الجزاء هو قوله : { فعلى الله توكلت } يعني أن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر إلا بالتوكل على الله . / واعلم أنه عليه السلام كان أبدا متوكلا على الله تعالى ، وهذا اللفظ يوهم أنه توكل على الله في هذه الساعة ، لكن المعنى أنه إنما توكل على الله في دفع هذا الشر في هذه الساعة . والقول الثاني : وهو قول الأكثرين إن جواب الشرط هو قوله : { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } وقوله : { فعلى الله توكلت } كلام اعترض به بين الشرط وجوابه كما تقول في الكلام إن كنت أنكرت علي شيئا فالله حسبي فاعمل ما تريد واعلم أن جواب هذا الشرط مشتمل على قيود خمسة على الترتيب . القيد الأول : قوله : { فأجمعوا أمركم } وفيه بحثان : البحث الأول : قال الفراء : الإجماع الإعداد والعزيمة على الأمر وأنشد : ف يا ليت شعري والمنى لا ينفع هل اغدون يوما وأمري مجمع
فإذا أردت جمع التفرق قلت : جمعت القوم فهم مجموعون ، وقال أبو الهيثم : أجمع أمره ، أي جعله جميعا بعد ما كان متفرقا ، قال : وتفرقه ، أي جعل يتدبره فيقول : مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه ، أي جعله جميعا فهذا هو الأصل في الإجماع ، ومنه قوله تعالى : { وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم } ( يوسف : 102 ) ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى فقيل : أجمعت على الأمر ، أي عزمت عليه ، والأصل أجمعت الأمر . البحث الثاني : روى الأصمعي عن نافع { فأجمعوا أمركم } بوصل الألف من الجمع وفيه وجهان : الأول : قال أبو علي الفارسي : فاجمعوا ذوي الأمر منكم فحذف المضاف ، وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت . الثاني : قال ابن الأنباري : المراد من الأمر ههنا وجوه كيدهم ومكرهم ، فالتقدير : ولا تدعوا من أمركم شيئا إلا أحضرتموه . والقيد الثاني : قوله : { وشركاءكم } وفيه أبحاث : البحث الأول : الواو ههنا بمعنى مع ، والمعنى : فأجمعوا أمركم مع شركائكم ، ونظيره قولهم لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها ، ولو خليت نفسك والأسد لأكلك . البحث الثاني : يحتمل أن يكون المراد من الشركاء الأوثان التي سموها بالآلهة ، ويحتمل أن يكون المراد منها من كان على مثل قولهم ودينهم ، فإن كان المراد هو الأول فإنما حث الكفار على الاستعانة بالأوثان بناء على مذهبهم من أنها تضر وتنفع ، وإن كان المراد هو الثاني فوجه الاستعانة بها ظاهر . البحث الثالث : قرأ الحسن وجماعة من القراء { وشركاؤكم } بالرفع عطفا على الضمير / المرفوع ، والتقدير : فأجمعوا أنتم وشركاؤكم . قال الواحدي : وجاز ذلك من غير تأكيد الضمير كقوله : { اسكن أنت وزوجك الجنة } ( البقرة : 35 ) لأن قوله : { أمركم } فصل بين الضمير وبين المنسوق ، فكان كالعوض من التوكيد وكان الفراء يستقبح هذه القراءة ، لأنها توجب أن يكتب وشركاؤكم بالواو وهذا الحرف غير موجود في المصاحف . القيد الثالث : قوله : { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } قال أبو الهيثم : أي مبهما من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم إذا التبس قال طرفة : ف لعمري ما أمري علي بغمة نهاري ولا ليلي علي بسرمد وقال الليث : إنه لفي غمة من أمره إذا لم يهتد له . قال الزجاج : أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا . القيد الرابع : قوله : { ثم اقضوا إلى } وفيه بحثان : البحث الأول : قال ابن الأنباري معناه ثم امضوا إلي بمكروهكم وما توعدونني به ، تقول العرب : قضى فلان ، يريدون مات ومضى ، وقال بعضهم : قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه وبه يسمى القاضي ، لأنه إذا حكم فقد فرغ فقوله : { ثم اقضوا إلى } أي افرغوا من أمركم وامضوا ما في أنفسكم واقطعوا ما بيني وبينكم ، ومنه قوله تعالى : { وقضينا إلى بنى إسراءيل فى الكتاب } ( الإسراء : 4 ) أي أعلمناهم إعلاما قاطعا ، قال تعالى : { وقضينآ إليه ذلك الامر } ( الحجر : 66 ) قال القفال رحمه الله تعالى ومجاز دخول كلمة { إلى } في هذا الموضع من قولهم برئت إليك وخرجت إليك من العهد ، وفيه معنى الإخبار فكأنه تعالى قال : ثم اقضوا ما يستقر رأيكم عليه محكما مفروغا منه . البحث الثاني : قرىء ثم أفضوا إلي بالفاء بمعنى ثم انتهوا إلى بشركم ، وقيل : هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء ، أي أصحروا به إلي وأبرزوه إلي .
القيد الخامس : قوله : { ولا تنظرون } معناه لا تمهلون بعد إعلامكم إياي ما اتفقتم عليه فهذا هو تفسير هذه الألفاظ ، وقد نظم القاضي هذا الكلام على أحسن الوجوه فقال إنه عليه السلام قال : ( في أول الأمر فعلى الله توكلت فإني واثق بوعد الله جازم بأنه لا يخلف الميعاد ولا تظنوا أن تهديدكم إياي بالقتل والإيذاء يمنعني من الدعاء إلى الله تعالى ) ثم إنه عليه السلام أورد ما يدل على صحة دعوته فقال : ( فأجمعوا أمركم ) فكأنه يقول لهم أجمعوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب التي توجب حصول مطلوبكم ثم لم يقتصر على ذلك بل أمرهم أن يضموا إلى أنفسهم شركائهم الذين كانوا يزعمون أن حالهم يقوى بمكانتهم وبالتقرب إليهم ، ثم لم يقتصر على هذين بل ضم إليهما ثالثا وهو قوله : { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } وأراد أن يبلغوا فيه كل غاية في المكاشفة والمجاهرة ، ثم لم يقتصر على ذلك حتى / ضم إليها : رابعا فقال : { ثم اقضوا إلى } والمراد أن وجهوا كل تلك الشرور إلي ، ثم ضم إلى ذلك خامسا . وهو قوله : { ولا تنظرون } أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من عير أنظار فهذا آخر هذا الكلام ومعلوم أن مثل هذا الكلام يدل على أنه عليه السلام كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله تعالى وأنه كان قاطعا بأن كيدهم لا يصل إليه ومكرهم لا ينفذ فيه . وأما قوله تعالى : { فإن توليتم فما سألتكم من أجر } فقال المفسرون : هذا إشارة إلى أنه ما أخذ منهم مالا على دعوتهم إلى دين الله تعالى ومتى كان الإنسان فارغا من الطمع كان قوله أقوى تأثيرا في القلب . وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال : إنه عليه السلام بين أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه وذلك لأن الخوف إنما يحصل بأحد شيئين إما بإيصال الشر أو بقطع المنافع ، فبين فيما تقدم أنه لا يخاف شرهم وبين بهذه الآية أنه لا يخاف منهم بسبب أن يقطعوا عنه خيرا ، لأنه ما أخذ منهم شيئا فكان يخاف أن يقطعوا منه خيرا . ثم قال : { إن أجرى إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين } وفيه قولان : الأول : أنكم سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوا ، فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام . والثاني : أني مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إلي لأجل هذه الدعوة . وهذا الوجه أليق بهذا الموضع ، لأنه لما قال : { ثم اقضوا إلى } بين لهم أنه مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إليه في هذا الباب ، والله أعلم . ! 7 < { فكذبوه فنجيناه ومن معه فى الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } . > 7 ! < < يونس : ( 73 ) فكذبوه فنجيناه ومن . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى الكلمات التي جرت بين نوح وبين أولئك الكفار ، ذكر ما إليه رجعت عاقبة تلك الواقعة ، أما في حق نوح وأصحابه فأمران : أحدهما : أنه تعالى نجاهم من الكفار . الثاني : أنه جعلهم خلائف بمعنى أنهم يخلفون من هلك بالغرق ، وأما في حق الكفار فهو أنه تعالى أغرقهم وأهلكهم . وهذه القصة إذا سمعها من صدق الرسول ومن كذب به كانت زجرا للمكلفين من حيث يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح وتكون داعية للمؤمنين على الثبات على الإيمان ، ليصلوا إلى مثل ما وصل إليه قوم نوح ، وهذه الطريقة في الترغيب والتحذير إذا جرت على / سبيل الحكاية عمن تقدم كانت أبلغ من الوعيد المبتدأ وعلى هذا الوجه ذكر تعالى أقاصيص الأنبياء عليهم السلام .
وأما تفاصيل هذه القصة فهي مذكورة في سائر السور . ! 7 < { ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين } . > 7 < يونس : ( 74 ) ثم بعثنا من . . . . . > > اعلم أن المراد : ثم بعثنا من بعد نوح رسلا ولم يسمهم ، وكان منهم هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب صلوات الله عليهم أجمعين بالبينات ، وهي المعجزات القاهرة ، فأخبر تعالى عنهم أنهم جروا على منهاج قوم نوح في التكذيب ، ولم يزجرهم ما بلغهم من إهلاك الله تعالى المكذبين من قوم نوح عن ذلك ، فلهذا قال : { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل } وليس المراد عين ما كذبوا به ، لأن ذلك لم يحصل في زمانه بل المراد بمثل ما كذبوا به من البينات ، لأن البينات الظاهرة على الأنبياء عليهم السلام أجمع كأنها واحدة . ثم قال تعالى : { كذلك نطبع على قلوب المعتدين } واحتج أصحابنا على أن الله تعالى قد يمنع المكلف عن الإيمان بهذه الآية وتقريره ظاهر . قال القاضي : الطبع غير مانع من الإيمان بدليل قوله تعالى : { بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } ( النساء : 155 ) ولو كان هذا الطبع مانعا لما صح هذا الاستثناء ؟ والجواب : أن الكلام في هذه المسألة قد سبق على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى : { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم } ( البقرة : 7 ) فلا فائدة في الإعادة . / القصة الثانية قصة موسى عليه السلام ! 7 < { ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا إن هاذا لسحر مبين قال موسى أتقولون للحق لما جآءكم أسحر هاذا ولا يفلح الساحرون } . > 7 < يونس : ( 75 - 77 ) ثم بعثنا من . . . . . > > اعلم أن هذا الكلام غني عن التفسير وفيه سؤال واحد ، وهو أن القوم لما قالوا : { إن هاذا لسحر مبين } فكيف حكى موسى عليه السلام أنهم قالوا : { أسحر هاذا } على سبيل الاستفهام ؟ وجوابه : أن موسى عليه السلام ما حكى عنهم أنهم قالوا : { أسحر هاذا } بل قال : { أتقولون للحق لما جاءكم } ما تقولون ، ثم حذف عنه مفعول { أتقولون } لدلالة الحال عليه ، ثم قال مرة أخرى { أسحر هاذا } وهذا استفهام على سبيل الإنكار ، ثم احتج على أنه ليس بسحر ، وهو قوله : { ولا يفلح الساحرون } يعني أن حاصل صنعهم تخييل وتمويه { ولا يفلح الساحرون } وأما قلب العصا حية وفلق البحر ، فمعلوم بالضرورة أنه ليس من باب التخييل والتمويه فثبت أنه ليس بسحر . ! 7 < { قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ءاباءنا وتكون لكما الكبريآء فى الا رض وما نحن لكما بمؤمنين وقال فرعون ائتونى بكل ساحر عليم فلما جآء السحرة قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون فلمآ ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون } . > 7 < يونس : ( 78 - 82 ) قالوا أجئتنا لتلفتنا . . . . . > > /وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى حكى عن فرعون وقومه أنهم لم يقبلوا دعوة موسى عليه السلام ، وعللوا عدم القبول بأمرين : الأول : قوله : { أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ءابائنا } قال الواحدي : اللفت في أصل اللغة الصرف عن أمر ، وأصله اللي يقال : لفت عنقه إذا لواها ، ومن هذا يقال : التفت إليه ، أي أمال وجهه إليه . قال الأزهري : لفت الشيء وفتله إذا لواه ، وهذا من المقلوب . واعلم أن حاصل هذا الكلام أنهم قالوا : لا نترك الدين الذي نحن عليه ، لأنا وجدنا آبائنا عليه ، فقد تمسكوا بالتقليد ودفعوا الحجة الظاهرة بمجرد الإصرار . والسبب الثاني : في عدم القبول قوله : { وتكون لكما الكبرياء فى الارض } قال المفسرون : المعنى ويكون لكما الملك والعز في أرض مصر ، والخطاب لموسى وهرون . قال الزجاج : سمى الملك كبرياء ، لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا ، وأيضا فالنبي إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه ، فصار أكبر القوم . واعلم أن السبب الأول : إشارة إلى التمسكل بالتقليد ، والسبب الثاني : إشارة إلى الحرص على طلب / الدنيا ، والجد في بقاء الرياسة ، ولما ذكر القوم هذين السببين صرحوا بالحكم وقالوا : { وما نحن لكما بمؤمنين } . واعلم أن القوم لما ذكروا هذه المعاني حاولوا بعد ذلك ، وأرادوا أن يعارضوا معجزة موسى عليه السلام بأنواع من السحر ، ليظهروا عند الناس أن ما أتى به موسى من باب السحر ، فجمع فرعون السحرة وأحضرهم ، { فقال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون } . فإن قيل : كيف أمرهم بالكفر والسحر والأمر بالكفر كفر ؟ قلنا : إنه عليه السلام أمرهم بإلقاء الحبال والعصي ، ليظهر للخلق أن ما أتوا به عمل فاسد وسعي باطل ، لا على طريق أنه عليه السلام أمرهم بالسحر ، فلما ألقوا حبالهم وعصيهم قال لهم موسى ما جئتم به هو السحر الباطل ، والغرض منه أن القوم قالوا لموسى : إن ما جئت به سحر ، فذكر موسى عليه السلام أن ما ذكرتموه باطل ، بل الحق أن الذي جئتم به هو السحر والتمويه الذي يظهر بطلانه ، ثم أخبرهم بأن الله تعالى يحق الحق ويبطل الباطل ، وقد أخبر الله تعالى في سائر السور أنه كيف أبطل ذلك السحر ، وذلك بسبب أن ذلك الثعبان قد تلقف كل تلك الجبال والعصي . المسألة الثانية : قوله : { ما جئتم به السحر } ما ههنا موصولة بمعنى الذي وهي مرتفعة بالابتداء ، وخبرها السحر ، قال الفراء : وإنما قال : { السحر } بالألف واللام ، لأنه جواب كلام سبق ألا ترى أنهم قالوا : لما جاءهم موسى هذا سحر ، فقال لهم موسى : بل ما جئتم به السحر ، فوجب دخول الألف واللام ، لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة ، يقول الرجل لغيره : لقيت رجلا فيقول له من الرجل فيعيده بالألف واللام ، ولو قال له من رجل لم يقع في فهمه أنه سأله عن الرجل الذي ذكره له . وقرأ أبو عمرو : { السحر } بالاستفهام / وعلى هذه القراءة ما استفهامية مرتفع بالابتداء ، وجئتم به في موضع الخبر كأنه قيل : أي شيء جئتم به . ثم قال على وجه التوبيخ والتقريع : { السحر } كقوله تعالى : { قلت للناس اتخذونى } ( المائدة : 116 ) والسحر بدل من المبتدأ ، ولزم أن يلحقه الاستفهام ليساوي المبدل منه في أنه استفهام ، كما تقول كم مالك أعشرون أم ثلاثون ؟ فجعلت أعشرون بدلا من كم ، ولا يلزم أن يضمر للسحر خبر ، لأنك إذا أبدلته من المبتدأ صار في موضعه وصار ما كان خبرا عن المبدل منه خبرا عنه .
ثم قال تعالى : { إن الله سيبطله } أي سيهلكه ويظهر فضيحة صاحبه { إن الله لا يصلح عمل المفسدين } أي لا يقويه ولا يكمله . ثم قال : { ويحق الله الحق } ومعنى إحقاق الحق إظهاره وتقويته . وقوله : { بكلماته } أي بوعده / موسى . وقيل بما سبق من قضائه وقدره ، وفي كلمات الله أبحاث غامضة عميقة عالية ، وقد ذكرناها في بعض مواضع من هذا الكتاب . ! 7 < { فمآ ءامن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الا رض وإنه لمن المسرفين } . > 7 ! < < يونس : ( 83 ) فما آمن لموسى . . . . . > > واعلم أنه تعالى بين فيما تقدم ما كان من موسى عليه السلام من المعجزات العظيمة وما ظهر من تلقف العصا لكل ما أحضروه من آلات السحر ، ثم إنه تعالى بين أنهم مع مشاهدة المعجزات العظيمة ما آمن به منهم إلا ذرية من قومه ، وإنما ذكر تعالى ذلك تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان يغتم بسبب إعراض القوم عنه واستمرارهم على الكفر ، فبين أن له في هذا الباب بسائر الأنبياء أسوة ، لأن الذي ظهر من موسى عليه السلام كان في الإعجاز في مرأى العين أعظم ، ومع ذلك فما آمن به منهم إلا ذرية . واختلفوا في المراد بالذرية على وجوه : الأول : أن الذرية ههنا معناها تقليل العدد . قال ابن عباس : لفظ الذرية يعبر به عن القوم على وجه التحقير والتصغير ، ولا سبيل إلى حمله على التقدير على وجه الإهانة في هذا الموضع فوجب حمله على التصغير بمعنى قلة العدد . الثاني : قال بعضهم : المراد أولاد من دعاهم ، لأن الآباء استمروا على الكفر ، إما لأن قلوب الأولاد ألين أو دواعيهم على الثبات على الكفر أخف . الثالث : أن الذرية قوم كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل . الرابع : الذرية من آل فرعون آسية امرأة فرعون وخازنه وامرأة خازنه وماشطتها . وأما الضمير في قوله : { من قومه } فقد اختلفوا أن المراد من قوم موسى أو من قوم فرعون ، لأن ذكرهما جميعا قد تقدم والأظهر أنه عائد إلى موسى ، لأنه أقرب المذكورين ولأنه نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل . أما قوله : { على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم } ففيه أبحاث : البحث الأول : أن أولئك الذين آمنوا بموسى كانوا خائفين من فرعون جدا ، لأنه كان شديد البطش وكان قد أظهر العداوة مع موسى ، فإذا علم ميل القوم إلى موسى كان يبالغ في إيذائهم ، فلهذا السبب كانوا خائفين منه . / البحث الثاني : إنما قال : { وملئهم } مع أن فرعون واحد لوجوه : الأول : أنه قد يعبر عن الواحد بلفظ الجمع ، والمراد التعظيم قال الله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) الثاني : أن المراد بفرعون آل فرعون . الثالث : أن هذا من باب حذف المضاف كأنه أريد بفرعون آل فرعون . ثم قال : { أن يفتنهم } أي يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم . ثم قال : { وإن فرعون لعال في الارض } أي لغالب فيها قاهر { وإنه لمن المسرفين } قيل : المراد أنه كثير القتل كثير التعذيب لمن يخالفه في أمر من الأمور ، والغرض منه بيان السبب في كون أولئك المؤمنين خائفين ، وقيل : إنما كان مسرفا لأنه كان من أخس العبيد فادعى الإلهية .
! 7 < { وقال موسى ياقوم إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين } . > 7 < يونس : ( 84 - 86 ) وقال موسى يا . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : أن قوله : { وقال موسى ياقوم إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا } جزاء معلق على شرطين : أحدهما متقدم والآخر متأخر ، والفقهاء قالوا : المتأخر يجب أن يكون متقدما والمتقدم يجب أن يكون متأخرا ومثاله أن يقول الرجل لامرأته : إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيدا وإنما كان الأمر كذلك ، لأن مجموع قوله : إن دخلت الدار فأنت طالق ، صار مشروطا بقوله إن كلمت زيدا ، والمشروط متأخر عن الشرط ، وذلك يقتضي أن يكون المتأخر في اللفظ متقدما في المعنى ، وأن يكون المتقدم في اللفظ متأخرا في المعنى والتقدير : كأنه يقول لامرأته حال ما كلمت زيدا إن دخلت الدار فأنت طالق ، فلو حصل هذا التعليق قبل إن كلمت زيدا لم يقع الطلاق . إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وقال موسى ياقوم إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا } يقتضي أن يكون كونهم مسلمين شرطا لأن يصيروا مخاطبين بقوله : { وقال موسى ياقوم إن كنتم ءامنتم } فكأنه / تعالى يقول للمسلم حال إسلامه إن كنت من المؤمنين بالله فعلى الله توكل ، والأمر كذلك ، لأن الإسلام عبارة عن الاستسلام ، وهو إشارة إلى الانقياد للتكاليف الصادرة عن الله تعالى وإظهار الخضوع وترك التمرد ، وأما الإيمان فهو عبارة عن صيرورة القلب عارفا بأن واجب الوجود لذاته واحد وأن ما سواه محدث مخلوق تحت تدبيره وقهره وتصرفه ، وإذا حصلت هاتان الحالتان فعند ذلك يفوض العبد جميع أموره إلى الله تعالى ويحصل في القلب نور التوكل على الله فهذه الآية من لطائف الأسرار ، والتوكل على الله عبارة عن تفويض الأمور بالكلية إلى الله تعالى والاعتماد في كل الأحوال على الله تعالى . واعلم أن من توكل على الله في كل المهمات كفاه الله تعالى كل الملمات لقوله : { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } ( الطلاق : 3 ) . المسألة الثانية : أن هذا الذي أمر موسى قومه به وهو التوكل على الله هو الذي حكاه الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال : { فعلى الله توكلت } ( يونس : 71 ) وعند هذا يظهر التفاوت بين الدرجتين لأن نوحا عليه السلام وصف نفسه بالتوكل على الله تعالى ، وموسى عليه السلام أمر قومه بذلك فكان نوحا عليه السلام تاما ، وكان موسى عليه السلام فوق التمام .
المسألة الثالثة : إنما قال : { فعليه توكلوا } ولم يقل توكلوا عليه ، لأن الأول يفيد الحصر كأنه عليه السلام أمرهم بالتوكل عليه ونهاهم عن التوكل على الغير ، والأمر كذلك ، لأنه لما ثبت أن كل ما سواه فهو ملكه وملكه وتحت تصرفه وتسخيره وتحت حكمه وتدبيره ، امتنع في العقل أن يتوكل الإنسان على غيره ، فلهذا السبب جاءت هذ الكلمة بهذه العبارة ، ثم بين تعالى أن موسى عليه السلام لما أمرهم بذلك قبلوا قوله : { وقالوا على الله توكلنا } أي توكلنا عليه ، ولا نلتفت إلى أحد سواه ، ثم لما فعلوا ذلك اشتغلوا بالدعاء ، فطلبوا من الله تعالى شيئين : أحدهما : أن قالوا : { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } وفيه وجوه : الأول : أن المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا لوقع في قلوبهم أنا لو كنا على الحق لما سلطتهم علينا / فيصير ذلك شبهة قوية في إصرارهم على الكفر فيصير تسليطهم علينا فتنة لهم . الثاني : أنك لو سلطتهم علينا لاستوجبوا العقاب الشديد في الآخرة وذلك يكون فتنة لهم . الثالث : { لا تجعلنا فتنة لهم } أي موضع فتنة لهم ، أي موضع عذاب لهم . الرابع : أن يكون المراد من الفتنة المفتون ، لأن إطلاق لفظ المصدر على المفعول جائز ، كالخلق بمعنى المخلوق ، والتكوين بمعنى المكون ، والمعنى : لا تجعلنا مفتونين ، أي لا تمكنهم من أن يحملونا بالظلم والقهر على أن ننصرف عن هذا الدين الحق الذي قبلناه ، وهذا التأويل متأكد بما ذكره الله / تعالى قبل هذه الآية وهو قوله : { فما ءامن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم } وأما المطلوب الثاني في هذا الدعاء فهو قوله تعالى : { ونجنا برحمتك من القوم الكافرين } . واعلم أن هذا الترتيب يدل على أنه كان اهتمام هؤلاء بأمر دينهم فوق اهتمامهم بأمر دنياهم ، وذلك لأنا إن حملنا قولهم : { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } على أنهم إن سلطوا على المسلمين صار ذلك شبهة لهم في أن هذا الدين باطل فتضرعوا إلي تعالى في أن يصون أولئك الكفار عن هذه الشبهة وقدموا هذا الدعاء على طلب النجاة لأنفسهم ، وذلك يدل على أن عنايتهم بمصالح دين أعدائهم فوق عنايتهم بمصالح أنفسهم وإن حملناه على أن لا يمكن الله تعالى أولئك الكفار من أن يحملوهم على ترك هذا الدين كان ذلك أيضا دليلا على أن اهتمامهم بمصالح أديانهم فوق اهتمامهم بمصالح أبدانهم وعلى جميع التقديرات فهذه لطيفة شريفة . ! 7 < { وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلواة وبشر المؤمنين } . > 7 ! < < يونس : ( 87 ) وأوحينا إلى موسى . . . . . > > اعلم أنه لما شرح خوف المؤمنين من الكافرين وما ظهر منهم من التوكل على الله تعالى أتبعه بأن أمر موسى وهرون باتخاذ المساجد والإقبال على الصلوات يقال : تبوأ المكان ، أي اتخذه مبوأ كقوله توطنه إذا اتخذه موطنا ، والمعنى : اجعلا بمصر بيوتا لقومكما ومرجعا ترجعون إليه للعبادة والصلاة . ثم قال : { واجعلوا بيوتكم قبلة } وفيه أبحاث :
البحث الأول : من الناس من قال : المراد من البيوت المساجد كما في قوله تعالى : { فى بيوت أذن الله أن ترفع بعدى اسمه } ( النور : 36 ) ومنهم من قال : المراد مطلق البيوت ، أما الأولون فقد فسروا القبلة بالجانب الذي يستقبل في الصلاة ، ثم قالوا : والمراد من قوله : { واجعلوا بيوتكم قبلة } أي اجعلوا بيوتكم مساجد تستقبلونها لأجل الصلاة ، وقال الفراء : واجعلوا بيوتكم قبلة ، أي إلى القبلة ، وقال ابن الأنباري : واجعلوا بيوتكم قبلة أي قبلا يعني مساجد فأطلق لفظ الوحدان ، والمراد الجمع ، واختلفوا في أن هذه القبلة أين كانت ؟ فظاهر أن لفظ القرآن لا يدل على تعيينه ، إلا أنه نقل عن / ابن عباس أنه قال : كانت الكعبة قبلة موسى عليه السلام . وكان الحسن يقول : الكعبة قبلة كل الأنبياء ، وإنما وقع العدول عنها بأمر الله تعالى في أيام الرسول عليه السلام بعد الهجرة . وقال آخرون : كانت تلك القبلة جهة بيت المقدس . وأما القائلون بأن المراد من لفظ البيوت المذكورة في هذه الآية مطلق البيت ، فهؤلاء لهم في تفسير قوله : { قبلة } وجهان : الأول : المراد بجعل تلك البيوت قبلة أي متقابلة ، والمقصود منه حصول الجمعية واعتضاد البعض بالبضع . وقال آخرون : المراد واجعلوا دوركم قبلة ، أي صلوا في بيوتكم . البحث الثاني : أنه تعالى خص موسى وهرون في أول هذه الآية بالخطاب فقال : { ءان تبوءا لقومكما بمصر بيوتا } ثم عمم هذا الخطاب فقال : { واجعلوا بيوتكم قبلة } والسبب فيه أنه تعالى أمر موسى وهرون أن يتبوآ لقومهما بيوتا للعبادة ، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء ، ثم جاء الخطاب بعد ذلك عاما لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها ، لأن ذلك واجب على الكل ، ثم خص موسى عليه السلام في آخر الكلام بالخطاب فقال : { وبشر المؤمنين } وذلك لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات حصول هذه البشارة ، فخص الله تعالى موسى بها ، ليدل بذلك على أن الأصل في الرسالة هو موسى عليه السلام وأن هرون تبع له . البحث الثالث : ذكر المفسرون في كيفية هذه الواقعة وجوها ثلاثة : الأول : أن موسى عليه السلام ومن معه كانوا في أول أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم خفية من الكفرة ، لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم ، كما كان المؤمنون على هذه الحالة في أول الإسلام في مكة . الثاني : قيل : إنه تعالى لما أرسل موسى إليهم أمر فرعون بتخريب مساجد بني إسرائيل ومنعهم من الصلاة ، فأمرهم الله تعالى أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفا من فرعون . الثالث : أنه تعالى لما أرسل موسى إليهم وأظهر فرعون تلك العداوة الشديدة أمر الله تعالى موسى وهرون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل تعالى أنه يصونهم عن شر الأعداء . ! 7 < { وقال موسى ربنآ إنك ءاتيت فرعون وملاه زينة وأموالا فى الحيواة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الا ليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعآن سبيل الذين لا يعلمون } . > 7 < يونس : ( 88 - 89 ) وقال موسى ربنا . . . . . > >
/اعلم أن موسى لما بالغ في إظهار المعجزات الظاهرة القاهرة ورأى القوم مصرين على الجحود والعناد والإنكار ، أخذ يدعو عليهم ، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أولا سبب إقدامه على تلك الجرائم ، وكان جرمهم هو أنهم لأجل حبهم الدنيا تركوا الدين ، فلهذا السبب قال موسى عليه السلام : { ربنا إنك ءاتيت فرعون وملاه زينة وأموالا } والزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب ، وأثاث البيت والمال ما يزيد على هذه الأشياء من الصامت والناطق . ثم قال : { ليضلوا عن سبيلك } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وعاصم { ليضلوا } بضم الياء وقرأ الباقون بفتح الياء . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يضل الناس ويريد إضلالهم وتقريره من وجهين : الأول : أن اللام في قوله : { ليضلوا } لام التعليل ، والمعنى : أن موسى قال يا رب العزة إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا ، فدل هذا على أنه تعالى قد يريد إضلال المكلفين . الثاني : أنه قال : { واشدد على قلوبهم } فقال الله تعالى : { قد أجيبت دعوتكما } وذلك أيضا يدل على المقصود . قال القاضي : لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ويدل عليه وجوه : الأول : أنه ثبت أنه تعالى منزه عن فعل القبيح وإرادة الكفر قبيحة . والثاني : أنه لو أراد ذلك لكان الكفار مطيعين لله تعالى بسبب كفرهم ، لأنه لا معنى للطاعة إلا الإتيان بما يوافق الإرادة ولو كانوا كذلك لما استحقوا الدعاء عليهم بطمس الأموال وشد القلوب ، والثالث : أنا لو جوزنا أن يريد إضلال العباد ، لجوزنا أن يبعث الأنبياء عليهم السلام للدعاء إلى الضلال ، ولجاز أن يقوي الكذابين الضالين المضلين بإظهار المعجزات عليهم ، وفيه هدم الدين وإبطال الثقة بالقرآن والرابع : أنه لا يجوز أن يقول لموسى وهرون عليهما السلام : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) وأن يقول : { ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون } ( الأعراف : 130 ) ثم إنه تعالى أراد الضلالة منهم وأعطاهم النعم لكي يضلوا ، لأن ذلك كالمناقضة ، فلا بد من حمل أحدهما / على موافقة الآخر . الخامس : أنه لا يجوز أن يقال : إن موسى عليه السلام دعا ربه بأن يطمس على أموالهم لأجل أن لا يؤمنوا مع تشدده في إرادة الإيمان . واعلم أنا بالغنا في تكثير هذه الوجوه في مواضع كثيرة من هذا الكتاب . وإذا ثبت هذا فنقول : وجب تأويل هذه الكلمة وذلك من وجوه : الأول : أن اللام في قوله { ليضلوا } لام العاقبة كقوله تعالى : { فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) ولما كانت عاقبة قوم فرعون هو الضلال ، وقد أعلمه الله تعالى ، لا جرم عبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ . الثاني : أن قوله : { ربنا ليضلوا عن سبيلك } أي لئلا يضلوا عن سبيلك ، فحذف لا لدلالة المعقول عليه كقوله : { يبين الله لكم أن تضلوا } ( النساء : 176 ) والمراد أن لا تضلوا ، وكقوله تعالى : { قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة } ( الأعراف : 172 ) والمراد لئلا تقولوا ، ومثل هذا الحذف كثير في الكلام . الثالث : أن يكون موسى عليه السلام ذكر ذلك على سبيل التعجب المقرون بالإنكار والتقدير كأنك آتيتهم ذلك الغرض فإنهم لا ينفقون هذه الأموال إلا فيه وكأنه قال : آتيتهم زينة وأموالا لأجل أن يضلوا عن سبيل الله ثم حذف حرف الاستفهام كما في قول الشاعر : كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا
أراد أكذبتك فكذا ههنا . الرابع : قال بعضهم : هذه اللام لام الدعاء وهي لام مكسورة تجزم المستقل ويفتتح بها الكلام ، فيقال ليغفر الله للمؤمنين وليعذب الله الكافرين ، والمعنى ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك . الخامس : أن هذه اللام لام التعليل لكن بحسب ظاهر الأمر لا في نفس الحقيقة وتقريره أنه تعالى لما أعطاهم هذه الأموال وصارت تلك الأموال سببا لمزيد البغي والكفر ، أشبهت هذه الحالة حالة من أعطى المال لأجل الإضلال فورد هذا الكلام بلفظ التعليل لأجل هذا المعنى . السادس : بينا في تفسير قوله تعالى : { يضل به كثيرا } في أول سورة البقرة إن الضلال قد جاء في القرآن بمعنى الهلاك يقال : الماء في اللبن أي هلك فيه . إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { ربنا ليضلوا عن سبيلك } معناه : ليهلكون ويموتوا ، ونظيره قوله تعالى : { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيواة الدنيا } ( التوبة : 55 ) فهذا جملة ما قيل في هذا الباب . واعلم أنا قد أجبنا عن هذه الوجوه مرارا كثيرة في هذا الكتاب ، ولا بأس بأن نعيد بعضها في هذا المقام فنقول : الذي يدل على أن حصول الإضلال من الله تعالى وجوه : الأول : أن العبد لا يقصد إلا حصول الهداية ، فلما لم تحصل الهداية بل حصل الضلال الذي لا يريده ، علمنا أن حصوله ليس من العبد بل من الله تعالى . فإن قالوا : إنه ظن بهذا الضلال أنه هدى فلا جرم قد أوقعه وأدخله في الوجود . فنقول : فعلى هذا يكون إقدامه على تحصيل هذا الجهل بسبب الجهل السابق ، فلو كان حصول ذلك الجهل السابق بسبب جهل آخر لزم التسلسل وهو محال ، فثبت أن هذه الجهالات والضلالات لا بد من انتهائها إلى جهل أول وضلال أول ، وذلك لا يمكن أن يكون بإحداث العبد وتكوينه لأنه كرهه وإنما اراد ضده ، فوجب أن يكون من الله تعالى . الثاني : إنه تعالى لما خلق الخلق بحيث يحبون المال والجاه حبا شديدا لا يمكنه إزالة هذا الحب عن نفسه البتة ، وكان حصول هذا الحب يوجب الإعراض عمن يستخدمه ويوجب التكبر عليه وترك الالتفات إلى قوله وذلك يوجب الكفر ، فهذه الأشياء بعضها يتأدى إلى البعض تأديا على سبيل اللزوم وجب أن يكون فاعل هذا الكفر هو الذي خلق الإنسان مجبولا على حب المال والجاه . الثالث : وهو الحجة الكبرى أن القدرة بالنسبة إلى الضدين على السوية ، فلا يترجح أحد الطرفين على الثاني إلا لمرجح ، وذلك المرجح ليس من العبد وإلا لعاد الكلام فيه ، فلا بد وأن يكون من الله تعالى ، وإذا كان كذلك كانت الهداية والإضلال من الله تعالى . الرابع : أنه تعالى أعطى فرعون وقومه زينة وأموالا وقوى حب ذلك المال والجاه في قلوبهم ، وأودع في طباعهم نفرة شديدة عن خدمة موسى عليه السلام والانقياد له ، لا سيما وكان فرعون كالمنعم في حقه والمربي له والنفرة عن خدمة من هذا شأنه راسخة في القلوب ، وكل ذلك يوجب إعراضهم عن قبول دعوة موسى عليه السلام وإصرارهم على إنكار صدقه ، فثبت بالدليل العقلي أن إعطاء الله تعالى فرعون وقومه زينة الدنيا وأموال الدنيا لا بد وأن يكون موجبا لضلالهم فثبت أن ما أشعر به ظاهر اللفظ فقد ثبت صحته بالعقل الصريح فكيف يمكن ترك ظاهر اللفظ في مثل هذا المقام وكيف يحسن حمل الكلام على الوجوه المتكلفة الضعيفة جدا . إذا عرفت هذا فنقول : أما الوجه الأول : وهو حمل اللام على لام العاقبة فضعيف ، لأن موسى عليه السلام ما كان عالما بالعواقب . فإن قالوا : إن الله تعالى أخبره ب 1 لك .
قلنا : فلما أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون كان صدور الإيمان منهم محالا ، لأن ذلك يستلزم انقلاب خبر الله كذبا وهو محال والمفضي إلى المحال محال . وأما الوجه الثاني : وهو قولهم يحمل قوله { ليضلوا عن سبيلك } على أن المراد لئلا يضلوا عن سبيلك فنقول : إن هذا التأويل ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره . وأقول : إنه لما شرع في تفسير / قوله تعالى : { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } ثم نقل عن بعض أصحابنا أنه قرأ { فمن نفسك } على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار ، ثم إنه استبعد هذه القراءة وقال إنها تقتضي تحريف القرآن وتغييره وتفتح باب تأويلات الباطنية وبالغ في إنكار تلك القراءة وهذا الوجه الذي ذكره ههنا شر من ذلك ، لأنه قلب النفي إثباتا والإثبات نفيا وتجويزه يفتح باب أن لا يبقى الاعتماد على القرآن لا في نفيه ولا في إثباته وحينئذ يبطل القرآن بالكلية هذا بعينه هو الجواب عن قوله المراد منه الاستفهام بمعنى الإنكار ، فإن تجويزه يوجب تجويز مثله في سائر المواطن ، فلعله تعالى إنما قال : { وأن أقيموا وإذ أخذنا } على سبيل الإنكار والتعجب وأما بقية الجوابات فلا يخفى ضعفها . ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه قال : { ربنا اطمس على أموالهم } وذكرنا معنى الطمس عند قوله تعالى : { من قبل أن نطمس وجوها } ( النساء : 47 ) والطمس هو المسخ . قال ابن عباس رضي الله عنهما : بلغنا أن الدراهم والدنانير ، صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا ، وجعل سكرهم حجارة . ثم قال : { واشدد على قلوبهم } ومعنى الشد على القلوب الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الإيمان . قال الواحدي : وهذا دليل على أن الله تعالى يفعل ذلك بمن يشاء ، ولولا ذلك لما حسن من موسى عليه السلام هذا السؤال . ثم قال : { فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم } وفيه وجهان : أحدهما : أنه يجوز أن يكون معطوفا على قوله : { ليضلوا } والتقدير : ربنا ليضلوا عن سبيلك فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم وقوله : { ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم } يكون اعتراضا . والثاني : يجوز أن يكون جوابا لقوله : { واشدد } والتقدير : اطبع على قلوبهم وقسها حتى لا يؤمنوا ، فإنها تستحق ذلك . ثم قال تعالى : { قد أجيبت دعوتكما } وفيه وجهان : الأول : قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن موسى كان يدعو وهرون كان يؤمن ، فلذلك قال : { قد أجيبت دعوتكما } وذلك لأن من يقول عند دعاء الداعي آمين فهو أيضا داع ، لأن قوله آمين تأويله استجب فهو سائل كما أن الداعي سائل أيضا . الثاني : لا يبعد أن يكون كل واحد منهما ، ذكر هذا الدعاء غاية ما في الباب أن يقال : إنه تعالى حكى هذا الدعاء عن موسى بقوله : { وقال موسى ربنا إنك ءاتيت فرعون وملاه زينة وأموالا } إلا أن هذا لا ينافي أن يكون هرون قد ذكر ذلك الدعاء أيضا . وأما قوله : { فاستقيما } يعني فاستقيما على الدعوة والرسالة ، والزيادة في إلزام الحجة فقد لبث / نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا فلا تستعجلا ، قال ابن جريج : إن فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة . وأما قوله : { ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } ففيه بحثان :
البحث الأول : المعنى : لا تتبعان سبيل الجاهلين الذين يظنون أنه متى كان الدعاء مجابا كان المقصود حاصلا في الحال ، فربما أجاب الله تعالى دعاء إنسان في مطلوبه ، إلا أنه إنما يوصله إليه في وقته المقدر ، والاستعجال لا يصدر إلا من الجهال ، وهذا كما قال لنوح عليه السلام : { إنى أعظك أن تكون من الجاهلين } ( هود : 46 ) . واعلم أن هذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى عليه السلام كما أن قوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) لا يدل على صدور الشرك منه . البحث الثاني : قال الزجاج : قوله : { ولا تتبعان } موضعه جزم ، والتقدير : ولا تتبعا ، إلا أن النون الشديدة دخلت على النهي مؤكدة وكسرت لسكونها ، وسكون النون التي قبلها فاختير لها الكسرة ، لأنها بعد الألف تشبه نون التثنية ، وقرأ ابن عامر { ولا تتبعان } بتخفيف النون . ! 7 < { وجاوزنا ببنىإسراءيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذآ أدركه الغرق قال ءامنت أنه لاإلاه إلا الذىءامنت به بنوا إسراءيل وأنا من المسلمين ءاأن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك ءاية وإن كثيرا من الناس عن ءاياتنا لغافلون } . > 7 < يونس : ( 90 - 92 ) وجاوزنا ببني إسرائيل . . . . . > > / اعلم أن تفسير اللفظ في قوله : { وجاوزنا ببنى إسراءيل البحر } مذكور في سورة الأعراف ، والمعنى : أنه تعالى لما أجاب دعاءهما أمر بني إسرائيل بالخروج من مصر في الوقت المعلوم ويسر لهم أسبابه ، وفرعون كان غافلا عن ذلك ، فلما سمع أنهم خرجوا وعزموا على مفارقة مملكته خرج على عقبهم وقوله : { فأتبعهم } أي لحقهم يقال : أتبعه حتى لحقه ، وقوله : { بغيا وعدوا } البغي طلب الاستعلاء بغير حق ، والعدو الظلم ، روي أن موسى عليه السلام لما خرج مع قومه وصلوا إلى طرف البحر وقرب فرعون مع عسكره منهم ، فوقعوا في خوف شديد ، لأنهم صاروا بين بحر مغرق وجند مهلك ، فأنعم الله عليهم بأن أظهر لهم طريقا في البحر على ما ذكر الله تعالى هذه القصة بتمامها في سائر السور ، ثم إن موسى عليه السلام مع أصحابه دخلوا وخرجوا وأبقى الله تعالى ذلك الطريق يبسا ، ليطمع فرعون وجوده في التمكن من العبور ، فلما دخل مع جمعه أغرقه الله تعالى بأن أوصل أجزاء الماء ببعضها وأزال الفلق ، فهو معنى قوله : { فأتبعهم فرعون وجنوده } وبين ما كان في قلوبهم من البغي وهي محبة الإفراط في قتلهم وظلمهم ، والعدو وهوتجاوز الحد ، ثم ذكر تعالى أنه لما أدركه الغرق أظهر كلمة الإخلاص ظنا منه أنه ينجيه من تلك الآفات وههنا سؤالان : السؤال الأول : أن الإنسان إذا وقع في الغرق لا يمكنه أن يتلفظ بهذا اللفظ فكيف حكى الله تعالى عنه أنه ذكر ذلك ؟ والجواب : من وجهين : الأول : أن مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو كلام النفس لا كلام اللسان فهو إنما ذكر هذا الكلام بالنفس ، لا بكلام اللسان ، ويمكن أن يستدل بهذه الآية على إثبات كلام النفس لأنه تعالى حكى عنه أنه قال هذا الكلام ، وثبت بالدليل أنه ما قاله باللسان ، فوجب الاعتراف بثبوت كلام غير كلام اللسان وهو المطلوب . الثاني : أن يكون المراد من الغرق مقدماته .
السؤال الثاني : أنه آمن ثلاث مرات أولها قوله : { ءامنت } وثانيها قوله : { لا إلاه إلا الذىءامنت به بنوا إسراءيل } وثالثها قوله : { وأنا من المسلمين } فما السبب في عدم القبول والله تعالى متعال عن أن يلحقه غيظ وحقد حتى يقال : إنه لأجل ذلك الحقد لم يقبل منه هذا الإقرار ؟ والجواب : العلماء ذكروا فيه وجوها : الوجه الأول : أنه إنما آمن عند نزول العذاب ، والإيمان في هذا الوقت غير مقبول ، لأن عند نزول العذاب يصير الحال وقت الإلجاء ، وفي هذا الحال لا تكون التوبة مقبولة ، ولهذا السبب قال تعالى : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } ( غافر : 85 ) . الوجه الثاني : هو أنه إنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل بها إلى دفع تلك البلية الحاضرة والمحنة الناجزة ، فما كان مقصوده من هذه الكلمة الإقرار بوحدانية الله تعالى ، والاعتراف بعزة الربوبية / وذلة العبودية ، وعلى هذا التقدير فما كان ذكر هذه الكلمة مقرونا بالإخلاص ، فلهذا السبب ما كان مقبولا . الوجه الثالث : هو أن ذلك الإقرار كان مبنيا على محض التقليد ، ألا ترى أنه قال : { لا إلاه إلا الذىءامنت به بنوا إسراءيل } فكأنه اعترف بأنه لا يعرف الله ، إلا أنه سمع من بني إسرائيل أن للعالم إلها ، فهو أقر بذلك الإله الذي سمع من بني إسرائيل أنهم أقروا بوجوده ، فكان هذا محض التقليد ، فلهذا السبب لم تصر الكلمة مقبولة منه ، ومزيد التحقيق فيه أن فرعون على ما بيناه في سورة { طه } كان من الدهرية ، وكان من المنكرين لوجود الصانع تعالى ، ومثل هذا الإعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته ، إلا بنو الحجج القطعية ، والدلائل اليقينية ، وأما بالتقليد المحض فهو لا يفيد ، لأنه يكون ضما لظلمة التقليد إلى ظلمة الجهل السابق . الوجه الرابع : رأيت في بعض الكتب أن بعض أقوام من بني إسرائيل لما جاوزوا البحر اشتغلوا بعبادة العجل ، فلما قال فرعون { أنه لا إلاه إلا الذى الذين به بنوا إسراءيل إسراءيل } انصرف ذلك إلى العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت ، فكانت هذه الكلمة في حقه سببا لزيادة الكفر . الوجه الخامس : أن اليهود كانت قلوبهم مائلة إلى التشبيه والتجسيم ولهذا السبب اشتغلوا بعبادة العجل لظنهم أنه تعالى حل في جسد ذلك العجل ونزل فيه ، فلما كان الأمر كذلك وقال فرعون { وجاوزنا ببنى إسراءيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا إسراءيل } فكإنه آمن بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول ، وكل من اعتقد ذلك كان كافرا فلهذا السبب ما صح إيمان فرعون . الوجه السادس : لعل الإيمان إنما كان يتم بالإقرار بوحدانية الله تعالى ، والإقرار بنبوة موسى عليه السلام . فههنا لما أقر فرعون بالوحدانية ولم يقر بالنبوة لا جرم لم يصح إيمانه . ونظيره أن الواحد من الكفار لو قال ألف مرة أشهد أن لا إله إلا الله فإنه لا يصح إيمان إلا إذا قال معه وأشهد أن محمدا رسول الله ، فكذا ههنا . الوجه السابع : روى صاحب ( الكشاف ) أن جبريل عليه السلام أتى فرعون بفتيا فيها ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته ، فكفر نعمته وجحد حقه ، وادعى السيادة دونه ، فكتب فرعون فيها يقول أبو العباس الوليد بن مصعب جزاء العبد الخارج على سيده الكافر بنعمته أن يغرق في البحر ، ثم إن فرعون لما غرق رفع جبريل عليه السلام فتياه إليه . أما قوله تعالى : { ءالئن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين } ففيه سؤالات : السؤال الأول : من القائل له { ءالئن وقد عصيت قبل } .
/ الجواب : الأخبار دالة على أن قائل هذا القول هو جبريل ، وإنما ذكر قوله : { وكنت من المفسدين } في مقابلة قوله : { وأنا من المسلمين } ومن الناس من قال : إن قائل هذا القول هو الله تعالى ، لأنه ذكر بعده { فاليوم ننجيك ببدنك } إلى قوله : { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك ءاية } وهذا الكلام ليس إلا كلام الله تعالى . السؤال الثاني : ظاهر اللفظ يدل على أنه إنما لم تقبل توبته للمعصية المتقدمة والفساد السابق ، وصحة هذا التعليل لا تمنع من قبول التوبة . والجواب : مذهب أصحابنا أن قبول التوبة غير واجب عقلا ، وأحد دلائلهم على صحة ذلك هذه الآية . وأيضا فالتعليل ما وقع بمجرد المعصية السابقة ، بل بتلك المعصية مع كونه من المفسدين . السؤال الثالث : هل يصح أن جبريل عليه السلام أخذ يملأ فمه من الطين لئلا يتوب غضبا عليه . والجواب : الأقرب أنه لا يصح ، لأن في تلك الحالة إما أن يقال التكليف كان ثابتا أو ما كان ثابتا ، فإن كان ثابتا لم يجز على جبريل عليه السلام أن يمنعه من التوبة / بل يجب عليه أن يعينه على التوبة وعلى كل طاعة ، لقوله تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } ( المائدة : 2 ) وأيضا فلو منعه بما ذكروه لكانت التوبة ممكنة ، لأن الأخرس قد يتوب بأن يندم بقلبه ويعزم على ترك معاودة القبيح ، وحينئذ لا يبقى لما فعله جبريل عليه السلام فائدة ، وأيضا لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر ، والرضا بالكفر كفر ، وأيضا فكيف يليق بالله تعالى أن يقول لموسى وهرون عليهما السلام : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) ثم يأمر جبريل عليه السلام بأن يمنعه من الإيمان ، ولو قيل : إن جبريل عليه السلام إنما فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله تعالى ، فهذا يبطله قول جبريل { وما نتنزل إلا بأمر ربك } ( مريم : 64 ) وقوله تعالى في صفتهم : { وهم من خشيته مشفقون } ( الأنبياء : 28 ) وقوله : { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } ( الأنبياء : 27 ) وأما إن قيل : إن التكليف كان زائلا عن فرعون في ذلك الوقت ، فحينئذ لا يبقى لهذا الفعل الذي نسب جبريل إليه فائدة أصلا . ثم قال تعالى : { فاليوم ننجيك ببدنك } وفيه وجوه : الأول : { ننجيك ببدنك } أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع . الثاني : نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ، ولكن بعد أن تغرق . وقوله : { ببدنك } في موضع الحال ، أي في الحال التي أنت فيه حينئذ لا روح فيك . الثالث : أن هذا وعد له بالنجاة على سبيل التهكم ، كما في قوله : { فبشرهم بعذاب أليم } ( آل عمران : 21 ) كأنه قيل له ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك ، ومثل هذا الكلام قد / يذكر على سبيل الاستهزاء كما يقال : نعتقك ولكن بعد الموت ، ونخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت . الرابع : قرأ بعضهم { ننجيك } بالحاء المهملة ، أي نلقيك بناحية مما يلي البحر ، وذلك أنه طرح بعد الغرق بجانب من جوانب البحر . قال كعب : رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور .
وأما قوله : { ببدنك } ففيه وجوه : الأول : ما ذكرنا أنه في موضع الحال ، أي في الحال التي كنت بدنا محضا من غير روح . الثاني : المراد ننجيك ببدنك كاملا سويا لم تتغير . الثالث : { ننجيك ببدنك } أي نخرجك من البحر عريانا من غير لباس . الرابع : { ننجيك ببدنك } أي بدرعك ، قال الليث : البدن هو الدرع الذي يكون قصير الكمين ، فقوله : { ببدنك } أي بدرعك ، وهذا منقول عن ابن عباس قال : كان عليه درع من ذهب يعرف بها ، فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف . أقول : إن صح هذا فقد كان ذلك معجزة لموسى عليه السلام . وأما قوله : { لتكون لمن خلفك ءاية } ففيه وجوه : الأول : أن قوما ممن اعتقدوا فيه الإلهية لما لم يشاهدوا غرقه كذبوا بذلك وزعموا أن مثله لا يموت ، فأظهر الله تعالى أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى شاهدوه وزالت الشبهة عن قلوبهم . وقيل كان مطرحه على ممر بني إسرائيل . الثاني : لا يبعد أنه تعالى أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والمهانة بعد ما سمعوا منه قوله { أنا ربكم الاعلى } ( النازعات : 24 ) ليكون ذلك زجرا للخلق عن مثل طريقته ، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة والعظمة ثم آل أمره إلى ما يرون . الثالث : قرأ بعضهم { لمن خلقك } بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته . الرابع : أنه تعالى لما أغرقه مع جميع قومه ثم إنه تعالى ما أخرج أحدا منهم من قعر البحر ، بل خصه بالإخراج كان تخصيصه بهذه الحالة العجيبة دالا على كمال قدرة الله تعالى وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى النبوة . وأما قوله : { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك ءاية } فالأظهر أنه تعالى لما ذكر قصة موسى وفرعون وذكر حال عاقبة فرعون وختم ذلك بهذا الكلام وخاطب به محمدا عليه الصلاة والسلام فيكون ذلك زاجرا لأمته عن الإعراض عن الدلائل ، وباعثا لهم على التأمل فيها والاعتبار بها ، فإن المقصود من ذكر هذه القصص حصول الاعتبار ، كما قال تعالى : { لقد كان فى قصصهم عبرة لاولى الالباب } ( يوسف : 111 ) . ! 7 < { ولقد بوأنا بنىإسراءيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جآءهم العلم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } . > 7 < يونس : ( 93 ) ولقد بوأنا بني . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده ، ذكر أيضا في هذه الآية ما وقع عليه الختم في أمر بني إسرائيل ، وههنا بحثان : البحث الأول : أن قوله : { بوأنا بنى إسراءيل مبوأ صدق } أي أسكناهم مكان صدق أي مكانا محمودا ، وقوله : { مبوأ صدق } فيه وجهان : الأول : يجوز أن يكون مبوأ صدق مصدرا ، أي بوأناهم تبوأ صدق . الثاني : أن يكون المعنى منزلا صالحا مرضيا ، وإنما وصف المبوأ بكونه صدقا ، لأن عادة العرب أنها إذا مدحت شيئا أضافته إلى الصدق تقول : رجل صدق ، وقدم صدق . قال تعالى : { وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق } ( الإسراء : 80 ) والسبب فيه أن ذلك الشيء إذا كان كاملا في وقت صالحا للغرض المطلوب منه ، فكل ما يظن فيه من الخبر ، فإنه لا بد وأن يصدق ذلك الظن . البحث الثاني : اختلفوا في أن المراد ببني إسرائيل في هذه الآية أهم اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام أم الذين كانوا في زمن محمد عليه السلام .
أما القول الأول : فقد قال به قوم ودليلهم أنه تعالى لما ذكر هذه الآية عقيب قصة موسى عليه السلام كان حمل هذه الآية على أحوالهم أولى ، وعلى هذا التقدير : كان المراد بقوله : { ولقد بوأنا بنى إسراءيل مبوأ صدق } الشام ومصر ، وتلك البلاد فإنها بلاد كثيرة الخصب . قال تعالى : { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله } ( الإسراء : 1 ) والمراد من قوله : { ورزقناهم من الطيبات } تلك المنافع ، وأيضا المراد منها أنه تعالى أورث بني إسرائيل جميع ما كان تحت أيدي قوم فرعون من الناطق والصامت والحرث والنسل ، كما قال : { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها } ( الأعراف : 137 ) . ثم قال تعالى : { فما اختلفوا حتى جاءهم العلم } والمراد أن قوم موسى عليه السلام بقوا على ملة واحدة ومقالة واحدة من غير اختلاف حتى قرؤا التوراة ، فحينئذ تنبهوا للمسائل والمطالب ووقع / الاختلاف بينهم . ثم بين تعالى أن هذا النوع من الاختلاف لا بد وأن يبقى في دار الدنيا ، وأنه تعالى يقضي بينهم يوم القيامة . وأما القول الثاني : وهو أن المراد ببني إسرائيل في هذه الآية اليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام فهذا قال به قوم عظيم من المفسرين . قال ابن عباس : وهم قريظة والنضير وبنو قينقاع أنزلناهم منزل صدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من الطيبات ، والمراد ما في تلك البلاد من الرطب والتمر التي ليس مثلها طيبا في البلاد ، ثم إنهم بقوا على دينهم ، ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم العلم ، والمراد من العلم القرآن النازل على محمد عليه الصلاة والسلام ، وإنما سماه علما ، لأنه سبب العلم وتسمية السبب باسم المسبب مجاز مشهور . وفي كون القرآن سببا لحدوث الاختلاف وجهان : الأول : أن اليهود كانوا يخبرون بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام ويفتخرون به على سائر الناس ، فلما بعثه الله تعالى كذبوه حسدا وبغيا وإيثارا لبقاء الرياسة وآمن به طائفة منهم ، فبهذا الطريق صار نزول القرآن سببا لحدوث الاختلاف فيهم . الثاني : أن يقال : إن هذه الطائفة من بني إسرائيل كانوا قبل نزول القرآن كفارا محضا بالكلية وبقوا على هذه الحالة حتى جاءهم العلم ، فعند ذلك اختلفوا فآمن قوم وبقي أقوام آخرون على كفرهم . وأما قوله تعالى : { إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } فالمراد منه أن هذا النوع من الاختلاف لا حيلة في إزالته في دار الدنيا ، وأنه تعالى في الآخرة يقضي بينهم ، فيتميز المحق من المبطل والصديق من الزنديق . ! 7 < { فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جآءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جآءتهم كل ءاية حتى يروا العذاب الا ليم } . > 7 < يونس : ( 94 - 97 ) فإن كنت في . . . . . > > /اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل اختلافهم عند ما جاءهم العلم أورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ما يقوي قلبه في صحة القرآن والنبوة ، فقال تعالى : { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي الشك في وضع اللغة ، ضم بعض الشيء إلى بعض ، يقال : شك الجواهر في العقد إذا ضم بعضها إلى بعض . ويقال شككت الصيد إذا رميته فضممت يده أو رجله إلى رجله والشكائك من الهوادج ما شك بعضها ببعض والشكاك البيوت المصطفة والشكائك الأدعياء ، لأنهم يشكون أنفسهم إلى قوم ليسوا منهم ، أي يضمون ، وشك الرجل في السلاح ، إذا دخل فيه وضمه إلى نفسه وألزمه إياها ، فإذا قالوا : شك فلان في الأمور أرادوا أنه وقف نفسه بين شيئين ، فيجوز هذا ، ويجوز هذا فهو يضم إلى ما يتوهمه شيئا آخر خلافه . المسألة الثانية : اختلف المفسرون : في أن المخاطب بهذا الخطاب من هو ؟ فقيل النبي عليه الصلاة والسلام . وقيل غيره ، أما من قال بالأول : فاختلفوا على وجوه . الوجه الأول : أن الخطاب مع النبي عليه الصلاة والسلام في الظاهر ، والمراد غيره كقوله تعالى : { منتظرون ياأيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين } ( الأحزاب : 1 ) وكقوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) وكقوله : { الله ياعيسى ابن مريم أءنت قلت للناس } ( المائدة : 116 ) ومن الأمثلة المشهورة : إياك أعني واسمعي يا جاره . والذي يدل على صحة ما ذكرناه وجوه : الأول : قوله تعالى في آخر السورة { قل ياأيها الناس إن كنتم فى شك من دينى } ( يونس : 104 ) فبين أن المذكور في أول الآية على سبيل الرمز ، هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح . الثاني : أن الرسول لو كان شاكا في نبوة نفسه لكان شك غيره في نبوته أولى وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية . والثالث : أن بتقدير أن يكون شاكا في نبوة نفسه ، فكيف يزول ذلك الشك بأخبار أهل الكتاب عن نبوته مع أنهم في الأكثر كفار ، وإن حصل فيهم من كان مؤمنا إلا أن قوله ليس بحجة لا سيما وقد تقرر أن ما في أيديهم من التوراة والإنجيل ، فالكل مصحف محرف ، فثبت أن الحق هو أن الخطاب ، وإن كان في الظاهر مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد هو الأمة ، ومثل هذا معتاد ، فإن السلطان الكبير إذا كان له أمير ، / وكان تحت راية ذلك الأمير جمع ، فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص ، فإنه لا يوجه خطابه عليهم ، بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الذي جعله أميرا عليهم ، ليكون ذلك أقوى تأثيرا في قلوبهم . الوجه الثاني : أنه تعالى علم أن الرسول لم يشك في ذلك ، إلا أن المقصود أنه متى سمع هذا الكلام ، فإنه يصرح ويقول : ( يا رب لا أشك ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب بل يكفيني ما أنزلته علي من الدلائل الظاهرة ) ونظيره قوله تعالى للملائكة : { أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } ( سبأ : 40 ) أن يصرحوا بالجواب الحق ويقولوا : { سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن } ( سبأ : 41 ) وكما قال لعيسى عليه السلام : { قلت للناس اتخذونى وأمى إلاهين من دون الله قال } ( المائدة : 116 ) والمقصود منه أن يصرح عيسى عليه السلام بالبراءة عن ذلك فكذا ههنا .
Preguntas
- ¿Qué es el tawhid, la creencia islámica en la unicidad de Dios?
- ¿Cuáles son los seis pilares de la fe (iman) en el islam?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?