Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Sección V18/P172–V18/P173

واعلم أن مراتب الموجودات ثلاثة : المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله تعالى وتقدس ، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجسام ، فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة فلا يكون لها تأثير في شيء أصلا ، وهذان القسمان متباعدان جدا ويتوسطهما قسم ثالث ، وهو الذي يؤثر ويتأثر ، وهو عالم الأرواح ، فخاصية جوهر الأرواح أنها تقبل الأثر والتصرف عن عالم نور جلال الله ، ثم إنها إذا أقبلت على عالم الأجسام تصرفت فيه وأثرت فيه ، فتعلق الروح بعالم الأجسام بالتصرف والتدبير فيه ، وتعلقه بعالم الإلهيات بالعلم والمعرفة . وقوله تعالى : { قد اتيتنى من الملك } إشارة إلى تعلق النفس بعالم الأجسام وقوله : { وعلمتنى من تأويل الاحاديث } إشارة إلى تعلقها بحضرة جلال الله ، ولما كان لا نهاية لدرجات هذين النوعين في الكمال والنقصان والقوة والضعف والجلاء والخفاء ، امتنع أن يحصل منهما للإنسان إلا مقدار متناه ، فكان الحاصل في الحقيقة بعضا من أبعاض الملك ، وبعضا من أبعاض العلم ، فلهذا السبب ذكر فيه كلمة ( من ) لأنها دالة على التبعيض ، ثم قال : { فاطر السماوات والارض } وفيه أبحاث : البحث الأول : في تفسير لفظ الفاطر بحسب اللغة . قال ابن عباس رضي الله عنهما : ما كنت أدري معنى الفاطر حتى احتكم إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها وأنا ابتدأت حفرها . قال أهل اللغة : أصل الفطر في اللغة الشق يقال : فطر ناب البعير إذ بدا وفطرت الشيء فانفطر ، أي شققته فانشق ، وتفطر الأرض بالنبات والشجر بالورق إذا تصدعت ، هذا أصله في اللغة ، ثم صار عبارة عن الإيجاد ، لأن ذلك الشيء حال عدمه كأنه في ظلمة وخفاء فلما دخل في الوجود صار كأنه انشق عن العدم وخرج ذلك الشيء منه . البحث الثاني : أن لفظ الفاطر قد يظن أنه عبارة عن تكوين الشيء عن العدم المحض بدليل الاشتقاق الذي ذكرناه ، إلا أن الحق أنه لا يدل عليه ويدل عليه وجوه : أحدها : أنه قال : { الحمد لله فاطر السماوات والارض } ( فاطر : 1 ) ثم بين تعالى أنه إنما خلقها من الدخان حيث قال : { ثم استوى إلى السماء وهى دخان } ( فصلت : 11 ) فدل على أن لفظ الفاطر لا يفيد أنه أحدث ذلك الشيء من العدم المحض . وثانيها : أنه قال تعالى : { فطرة الله التى فطر الناس عليها } ( الروم : 30 ) مع أنه تعالى إنما خلق الناس من التراب . قال تعالى : / { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } ( طه : 55 ) وثالثها : أن الشيء إنما يكون حاصلا عند حصول مادته وصورته مثل الكوز ، فإنه إنما يكون موجودا إذا صارت المادة المخصوصة موصوفة بالصفة المخصوصة ، فعند عدم الصورة ما كان ذلك المجموع موجودا ، وبإيجاد تلك الصورة صار موجدا لذلك الكوز فعلمنا أن كونه موجدا للكون لا يقتضي كونه موجدا لمادة الكوز ، فثبت أن لفظ الفاطر لا يفيد كونه تعالى موجدا للأجزاء التي منها تركبت السموات والأرض ، وإنما صار إلينا كونه موجدا لها بحسب الدلائل العقلية لا بحسب لفظ القرآن .

Sección V18/P173–V18/P174

واعلم أن قوله : { فاطر السماوات والارض } يوهم أن تخليق السموات مقدم على تخليق الأرض عند من يقول : الواو تفيد الترتيب ، ثم العقل يؤكده أيضا ، وذلك لأن تعين المحيط يوجب تعين المركز وتعينه فإنه لا يوجب تعين المحيط ، لأنه يمكن أن يحيط بالمركز الواحد محيطات لا نهاية لها ، أما لا يمكن أن يحصل للمحيط الواحد إلا مركز واحد بعينه . وأيضا اللفظ يفيد أن السماء كثيرة والأرض واحدة ، ووجه الحكمة فيه قد ذكرناه في قوله : { الحمد لله الذى خلق السماوات والارض } ( الأنعام : 1 ) . البحث الثالث : قال الزجاج : نصبه من وجهين : أحدهما : على الصفة لقوله : { رب } وهو نداء مضاف في موضع النصب . والثاني : يجوز أن ينصب على نداء ثان . ثم قال : { أنت ولينا فى الدنيا والاخرة } والمعنى : أنت الذي تتولى إصلاح جميع مهماتي في الدنيا والآخرة فوصل الملك الفاني بالملك الباقي ، وهذا يدل على أن الإيمان والطاعة كلمة من الله تعالى إذ لو كان ذلك من العبد لكان المتولي لمصالحه هو هو ، وحينئذ يبطل عموم قوله : { رب قد اتيتنى من الملك } . ثم قال : { توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين } وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام حكى عن جبريل عليه السلام عن رب العزة أنه قال : ( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ) فلهذا المعنى من أراد الدعاء فلا بد وأن يقدم عليه ذكر الثناء على الله فههنا يوسف عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء قدم عليه الثناء وهو قوله : { رب قد اتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الاحاديث فاطر السماوات والارض } ثم ذكر عقيبه الدعاء وهو قوله : { توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين } ونظيره ما فعله الخليل صلوات الله عليه في قوله : { الذى خلقنى فهو يهدين } ( الشعراء : 78 ) من هنا إلى قوله : { رب هب لى حكما } ( الشعراء : 83 ) ثناء على الله ثم قوله : { رب هب لى } إلى آخر الكلام دعاء فكذا ههنا . / المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله : { توفنى مسلما } هل هو طلب منه للوفاة أو لا ؟ فقال قتادة : سأل ربه اللحوق به ولم يتمن نبي قط الموت قبله / وكثير من المفسرين على هذا القول ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : في رواية عطاء يريد إذا توفيتني فتوفني على دين الإسلام ، فهذا طلب لأن يجعل الله وفاته على الإسلام وليس فيه ما يدل على أنه طلب الوفاة . واعلم أن اللفظ صالح للأمرين ولا يبعد في الرجل العاقل إذا كمل عقله أن يتمنى الموت ويعظم رغبته فيه لوجوه كثيرة منها : أن كمال النفس الإنسانية على ما بيناه في أن يكون عالما بالإلهيات ، وفي أن يكون ملكا ومالكا متصرفا في الجسمانيات ، وذكرنا أن مراتب التفاوت في هذين النوعين غير متناهية والكمال المطلق فيهما ليس إلا لله وكل ما دون ذلك فهو ناقص والناقص إذا حصل له شعور بنقصانه وذاق لذة الكمال المطلق بقي في القلق وألم الطلب ، وإذا كان الكمال المطلق ليس إلا الله ، وما كان حصوله للإنسان ممتنعا لزم أن يبقى الإنسان أبدا في قلق الطلب وألم التعب فإذا عرف الإنسان هذه الحالة عرف أنه لا سبيل له إلى دفع هذا التعب عن النفس إلا بالموت ، فحينئذ يتمنى الموت .

Sección V18/P174–V18/P175

والسبب الثاني : لتمنى الموت أن الخطباء والبلغاء وإن أطنبوا في مذمة الدنيا إلا أن حاصل كلامهم يرجع إلى أمور ثلاثة : أحدها : أن هذه السعادات سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها . وثانيها : أنها غير خالصة بل هي ممزوجة بالمنغصات والمكدرات . وثالثها : أن الأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها بل ربما كان حصة الأراذل أعظم بكثير من حصة الأفاضل ، فهذه الجهات الثلاثة منفرة عن هذه اللذات ، ولما عرف العاقل أنه لا سبيل إلى تحصيل هذه اللذات إلا مع هذه الجهات الثلاثة المنفرة لا جرم يتمنى الموت ليتخلص عن هذه الآفات . والسبب الثالث : وهو الأقوى عند المحققين رحمهم الله أجمعين أن هذه اللذات الجسمانية لا حقيقة لها ، وإنما حاصلها دفع الآلام ، فلذة الأكل عبارة عن دفع ألم الجوع ، ولذة الوقاع عبارة عن دفع الألم الحاصل بسبب الدغدغة المتولدة من حصول المني في أوعية المني . ولذة الإمارة والرياسة عبارة عن دفع الألم الحاصل بسبب شهوة الانتقام وطلب الرياسة وإذا كان حاصل هذه اللذات ليس إلا دفع الألم لا جرم صارت عند العقلاء حقيرة خسيسة نازلة ناقصة وحينئذ يتمنى الإنسان الموت ليتخلص عن الاحتياج إلى هذه الأحوال الخسيسة . والسبب الرابع : أن مداخل اللذات الدنيوية قليلة وهي ثلاثة أنواع : لذة الأكل ولذة الوقاع / ولذة الرياسة ولكل واحدة منها عيوب كثيرة . أما لذة الأكل ففيها عيوب : أحدها : أن هذه اللذات ليست قوية فإن الشعور بألم القولنج الشديد والعياذ بالله منه أشد من الشعور باللذة الحاصلة عند أكل الطعام . وثانيها : أن هذه اللذة لا يمكن بقاؤها فإن الإنسان إذا أكل شبع وإذا شبع لم يبق شوقه للالتذاذ بالأكل فهذه اللذة ضعيفة ، ومع ضعفها غير باقية . وثالثها : أنها في نفسها خسيسة فإن الأكل عبارة عن ترطيب ذلك الطعام بالبزاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر مستقذر ثم لما يصل إلى المعدة تظهر فيه الاستحالة إلى الفساد والنتن والعفونة ، وذلك أيضا منفر . ورابعها : أن جميع الحيوانات الخسيسة مشاركة فيها فإن الروث في مذاق الجعل كاللوزنيج في مذاق الإنسان وكما أن الإنسان يكره تناول غذاء الجعل ، فكذلك الجعل يكره تناول غذاء الإنسان ، وأما اللذة فمشتركة فيما بين الناس . وخامسها : أن الأكل إنما يطيب عند اشتداد الجوع وتلك حاجة شديدة والحاجة نقص وافر . وسادسها : أن الأكل يستحقر عند العقلاء . قيل : من كان همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه ، فهذا هو الإشارة المختصرة في معايب الأكل ، وأما لذة النكاح ، فكل ما ذكرناه في الأكل حاصل ههنا مع أشياء أخرى / وهي أن النكاح سبب لحصول الولد ، وحينئذ تكثر الأشخاص فتكثر الحاجة إلى المال فيحتاج الإنسان بسببها إلى الاحتيال في طلب المال بطرق لا نهاية لها ، وربما صار هالكا سبب طلب المال ، وأما لذة الرياسة فعيوبها كثيرة والذي نذكره ههنا بسبب واحد وهو أن كل أحد يكره بالطبع أن يكون خادما مأمورا ويحب أن يكون مخدوما آمرا ، فإذا سعى الإنسان في أن يصير رئيسا آمرا كان ذلك دالا على مخالفة كل ما سواه ، فكأنه ينازع كل الخلق في ذلك ، وهو يحاول تحصيل تلك الرياسة ، وجميع أهل الشرق والغرب يحاولون إبطاله ودفعه ، ولا شك أن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر وإذا كان كذلك كان حصول هذه الرياسة كالمعتذر ولو حصل فإنه يكون على شرف الزوال في كل حين وأوان بكل سبب من الأسباب وكان صاحبها عند حصولها في الخوف الشديد من الزوال وعند زوالها في الأسف العظيم والحزن الشديد بسبب ذلك الزوال .

Sección V18/P175–V18/P176

واعلم أن العاقل إذا تأمل هذه المعاني علم قطعا أنه لا صلاح له في طلب هذه اللذات والسعي في هذه الخيرات ألبتة . ثم إن النفس خلقت مجبولة على طلبها ، والعشق الشديد عليها ، والرغبة التامة في الوصول إليها وحينئذ ينعقد ههنا قياف ، وهو أن الإنسان ما دام يكون في هذه الحياة الجسمانية فإنه يكون طالبا لهذه اللذات وما دام يطلبها كان في عين الآفات وفي لجة الحسرات ، وهذا اللازم مكروه فالملزوم أيضا مكروه فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة الجسمانية والسبب في الأمور / المرغبة في الموت أن موجبات هذه اللذة الجسمانية متكررة ولا يمكن الزيادة عليها والتكرير يوجب الملالة أما سعادات الآخرة فهي أنواع كثيرة غير متناهية . قال الإمام فخر الدين الرازي رحمة الله عليه وهو مصنف هذا الكتاب أنار الله برهانه . أنا صاحب هذه الحالة والمتوغل فيها ، ولو فتحت الباب وبالغت في عيوب هذه اللذات الجسمانية فربما كتبت المجلدات وما وصلت إلى القليل منها فلهذا السبب صرت مواظبا في أكثر الأوقات على ذكر هذا الذي ذكره يوسف عليه السلام وهو قوله : { رب قد اتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الاحاديث فاطر السماوات والارض رب قد اتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الاحاديث } . المسألة الثالثة : تمسك أصحابنا في بيان أن الإيمان من الله تعالى بقوله { توفنى مسلما } وتقريره أن تحصيل الإسلام وإبقاءه إذا كان من العبد كان طلبه من الله فاسدا وتقريره كأنه يقول افعل يا من لا يفعل والمعتزلة أبدا يشنعون علينا ويقولون إذا كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقال للعبد افعل مع أنك لست فاعلا ، فنحن نقول ههنا أيضا إذا كان تحصيل الإيمان وإبقاؤه من العبد لا من الله تعالى ، فكيف يطلب ذلك من الله قال الجبائي والكعبي معناه : اطلب اللطف لي في الإقامة على الإسلام إلى أن أموت عليه . فهذا الجواب ضعيف لأن السؤال وقع على السلام فحمله على اللطف عدول عن الظاهر وأيضا كل ما في المقدور من الألطاف فقد فعله فكان طلبه من الله محالا . المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : الأنبياء عليهم السلام يعلمون أنهم يموتون لا محالة على الإسلام ، فكان هذا الدعاء حاصله طلب تحصيل الحاصل وأنه لا يجوز . والجواب : أحسن ما قيل فيه أن كمال حال المسلم أن يستسلم لحكم الله تعالى على وجه يستقر قلبه على ذلك الإسلام ويرضى بقضاء الله وقدره ، ويكون مطمئن النفس منشرح الصدر منفسح القلب في هذا الباب ، وهذه الحالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر ، فالمطلوب ههنا هو الإسلام بهذا المعنى . المسألة الخامسة : أن يوسف عليه السلام كان من أكابر الأنبياء عليهم السلام / والصلاح أول درجات المؤمنين ، فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن يطلب البداية . قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من المفسرين : يعني بآبائه إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب ، والمعنى : ألحقني بهم في ثوابهم ومراتبهم ودرجاتهم ، وههنا مقام آخر من تفسير هذه الآية على لسان أصحاب المكاشفات ، وهو أن النفوس المفارقة أذا أشرقت بالأنوار الإلهية واللوامع القدسية ، فإذا كانت متناسبة متشاكلة / انعكس النور الذي في كل واحدة منها إلى الأخرى بسبب تلك الملازمة والمجانسة ، فتعظم تلك الأنوار وتقوى تلك الأضواء ، ومثال تلك الأحوال المرآة الصقيلة الصافية إذا وضعت وضعا متى أشرقت الشمس عليها انعكس الضوء من كل واحدة منها إلى الأخرى ، فهناك يقوى الضوء ويكمل النور ، وينتهي في الإشراق والبريق اللمعان إلى حد لا تطيقه العيون والأبصار الضعيفة ، فكذا ههنا . ! 7 < { ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون } . > 7 < يوسف : ( 102 ) ذلك من أنباء . . . . . > >

Sección V18/P176–V18/P177

اعلم أن قوله : { ذالك } رفع بالابتداء وخبره { من أنباء الغيب نوحيه إليك } خبر ثان { وما كنت لديهم } أي ما كنت عند إخوة يوسف { إذ أجمعوا أمرهم } أي عزموا على أمرهم وذكرنا الكلام في هذا اللفظ عند قوله : { فأجمعوا أمركم } وقوله : { وهم يمكرون } أي بيوسف ، واعلم أن المقصد من هذا إخبار عن الغيب فيكون معجزا . بيان إن إخبار عن الغيب أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما طالع الكتب ولم يتلمذ لأحد وما كانت البلدة بلدة العلماء فإتيانه بهذه القصة الطويلة على وجه لم يقع فيه تحريف ولا غلط من غير مطالعة ولا تعلم ، ومن غير أن يقال : إنه كان حاضرا معهم لا بد وأن يكون معجزا وكيف يكون معجزا وقد سبق تقرير هذه المقدمة في هذا الكتاب مرارا ، وقوله : { وما كنت لديهم } أي وما كنت هناك ذكر على سبيل التهكم بهم ، لأن كل أحد يعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما كان معهم . ! 7 < { ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين وكأين من ءاية فى السماوات والا رض يمرون عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون } . > 7 < يوسف : ( 103 - 107 ) وما أكثر الناس . . . . . > > / اعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن كفار قريش وجماعة من اليهود طلبوا هذه القصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التعنت ، واعتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا ذكرها فربما آمنوا ، فلما ذكرها أصروا على كفرهم فنزلت هذه الآية ، وكأنه إشارة إلى ما ذكره الله تعالى في قوله : { إنك لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من يشاء } ( القصص : 56 ) قال أبو بكر بن الأنباري : جواب { لو } محذوف ، لأن جواب { لو } لا يكون مقدما عليها فلا يجوز أن يقال . وقال الفراء في ( المصادر ) يقال : حرص يحرص حرصا ، ولغة أخرى شاذة : حرص يحرص حريصا . ومعنى الحرص : طلب الشيء بأقصى ما يمكن من الاجتهاد . وقوله : { وما تسألهم عليه من أجر } معناه ظاهر وقوله : { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي هو تذكرة لهم في دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد والقصص والتكاليف والعبادات ، ومعناه : أن هذا القرآن يشتمل على هذه المنافع العظيمة ، ثم لا تطلب منهم مالا ولا جعلا ، فلو كانوا عقلاء لقبلوا ولم يتمردوا . وقوله تعالى : { وكأين من ءاية فى السماوات والارض يمرون عليها وهم عنها معرضون } يعني : أنه لا عجب إذا لم يتأملوا في الدلائل الدالة على نبوتك ، فإن العالم مملوء من دلائل التوحيد والقدرة والحكمة ثم إنهم يمرون عليها ولا يلتفتون إليها .

Sección V18/P177–V18/P178

واعلم أن دلائل التوحيد والعلم والقدرة والحكمة والرحمة لابد وأن تكون من أمور محسوسة ، وهي إما الأجرام الفلكية وأما الأجرام العنصرية ، أما الأجرام الفلكية : فهي قسمان : إما الأفلاك وإما الكواكب . أما الأفلاك : فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصانع وقد يستدل بكون بعضها فوق البعض أو تحته ، وقد يستدل بأحوال حركاتها إما بسبب أن حركاتها مسبوقة بالعدم فلا بد من محرك قادر ، وإما بسبب كيفية حركاتها في سرعتها وبطئها ، وإما بسبب اختلاف جهات تلك الحركات . وأما الأجرام الكوكبية فتارة يستدل على وجود الصانع بمقاديرها أحيازها وحركاتها ، وتارة بألوانها وأضوائها ، وتار بتأثيراتها في حصول الأضواء والأظلال والظلمات والنور ، وأما الدلائل المأخوذة من الأجرام العنصرية : فإما أن تكون مأخوذة من بسائط ، وهي عجائب البر والبحر ، وإما من المواليد وهي أقسام : أحدها : الآثار العلوية كالرعد والبرق والسحاب والمطر والثلج والهواء وقوس قزح . وثانيها : المعادن على اختلاف طبائعها وصفاتها وكيفياتها . وثالثها : النبات وخاصية الخشب والورق والثمر واختصاص كل واحد منها بطبع خاص وطعم خاص وخاصية مخصوصة . ورابعها : اختلاف أحوال الحيوانات في أشكالها وطبائعها وأصواتها وخلقتها . وخامسها : تشريح أبدان الناس وتشريح القوى الإنسانية وبيان المنفعة / الحاصلة فيها فهذه مجامع الدلائل . ومن هذا الباب أيضا قصص الأولين وحكايات الأقدمين وأن الملوك الذين استولوا على الأرض وخربوا البلاد وقهروا العباد ماتوا ولم يبق منهم في الدنيا خبر ولا أثر / ثم بقي الوزر والعقاب عليهم هذا ضبط أنواع هذه الدلائل والكتاب المحتوي على شرح هذه الدلائل هو شرح جملة العالم الأعلى والعالم الأسفل والعقل البشري لا يفي بالإحاطة به فلهذا السبب ذكره الله تعالى على سبيل الإبهام قال صاحب ( الكشاف ) قرىء { والارض } بالرفع على أنه مبتدأ و { يمرون } عليها خبره وقرأ السدي { والارض } بالنصب على تقدير أن يفسر قوله : { يمرون عليها } بقولنا يطوفونها ، وفي مصحف عبدالله { والارض يمشون عليها } برفع الأرض . أما قوله : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } فالمعنى : أنهم كانوا مقرين بوجود الإله بدليل قوله : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) إلا أنهم كانوا يثبتون له شريكا في المعبودية ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم الذين يشبهون الله بخلقه وعنه أيضا أنه قال : نزلت هذه الآية في تلبية مشركي العرب لأنهم كانوا يقولون : لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ، وعنه أيضا أن أهل مكة قالوا : الله ربنا وحده لا شريك له الملائكة بناته فلم يوحدوا ، بل أشركوا ، وقال عبدة الأصنام : ربنا الله وحده والأصنام شفعاؤنا عنده ، وقالت اليهود : ربنا الله وحده وعزيز ابن الله ، وقالت النصارى : ربنا الله وحده لا شريك له والمسيح ابن الله ، وقال عبدة الشمس والقمر : ربنا الله وحده وهؤلاء أربابنا ، وقال المهاجرون والأنصار ربنا الله وحده ولا شريك معه ، واحتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن الإقرار باللسان فقط ، لأنه تعالى حكم بكونهم مؤمنين مع أنهم مشركون ، وذلك يدل على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار باللسان ، وجوابه معلوم ، أما قوله : { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } أي عقوبة تغشاهم وتنبسط عليهم وتغمرهم { أو تأتيهم الساعة بغتة } أي فجأة . وبغتة نصب على الحال يقال : بغتهم الأمر بغتا وبغتة إذا فاجأهم من حيث لم يتوقعوا وقوله : { وهم لا يشعرون } كالتأكيد لقوله : { بغتة } . ! 7 < { قل هاذه سبيلىأدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله ومآ أنا من المشركين } . > 7 ! / < <

Sección V18/P178–V18/P179

يوسف : ( 108 ) قل هذه سبيلي . . . . . > > قال المفسرون : قل يا محمد لهم هذه الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها سبيلي وسنتي ومنهاجي ، وسمي الدين سبيلا لأنه الطريق الذي يؤدي إلى الثواب ، ومثله قوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك } ( النحل : 125 ) . واعلم أن السبيل في أصل اللغة الطريق ، وشبهوا المعتقدات بها لما أن الإنسان يمر عليها إلى الجنة ادعو الله على بصيرة وحجة وبرهان أنا ومن اتبعني إلى سيرتي وطريقتي وسيرة أتباعي الدعوة إلى الله ، لأن كل من ذكر الحجة وأجاب عن الشبهة فقد دعا بمقدار وسعه إلى الله وهذا يدل على أن الدعاء إلى الله تعالى إنما يحسن ويجوز مع هذا الشرط وهو أن يكون على بصيرة مما يقول وعلى هدى ويقين ، فإن لم يكن كذلك فهو محض الغرور وقال عليه الصلاة والسلام : ( العلماء أمناء الرسل على عباد الله من حيث يحفظون لما تدعونهم إليه ) وقيل أيضا يجوز أن ينقطع الكلام عند قوله { ادعوا إلى الله } ثم ابتدأ وقال : { على بصيرة أنا ومن اتبعنى } وقوله : { وسبحان الله } عطف على قوله : { هاذه سبيلى } أي قل هذه سبيلي وقل سبحان الله تنزيها لله عما يشركون وما أنا من المشركين الذين اتخذوا مع الله ضدا وندا وكفؤا وولدا ، وهذه الآية تدل على أن حرفة الكلام وعلم الأصول حرفة الأنبياء عليهم السلام وأن الله ما بعثهم إلى الخلق إلا لأجلها . ! 7 < { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحىإليهم من أهل القرى أفلم يسيروا فى الا رض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الا خرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون } . > 7 < يوسف : ( 109 ) وما أرسلنا من . . . . . > > اعلم أنه قرأ حفص عن عاصم { نوحى } بالنون ، والباقون بالياء { أفلا يعقلون } قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ، ورواية حفص عن عاصم : { تعقلون } بالتاء على الخطاب ، والباقون : بالياء على الغائب . واعلم أن من جملة شبه منكري نبوته عليه الصلاة والسلام أن الله لو أراد إرسال رسول لبعث ملكا ، فقال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم من أهل القرى } فلما كان الكل / هكذا فكيف تعجبوا في حقك يا محمد والآية تدل على أن الله ما بعث رسولا إلى الحق من النسوان وأيضا لم يبعث رسولا من أهل البادية . قال عليه الصلاة والسلام : ( من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل ) . ثم قال : { أفلم يسيروا فى الارض فينظروا } إلى مصارع الأمم المكذبة وقوله : { ولدار الاخرة خير } والمعنى دار الحالة الآخرة ، لأن للناس حالتين حال الدنيا وحال الآخرة ، ومثله قوله صلاة الأولى أي صلاة الفريضة الأولى ، وأما بيان أن الآخرة خير من الأولى فقد ذكرنا دلائله مرارا . ! 7 < { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جآءهم نصرنا فنجى من نشآء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } . > 7 ! < < يوسف : ( 110 ) حتى إذا استيأس . . . . . > > اعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي { كذبوا } بالتخفيف ، وكسر الذال والباقون بالتشديد ، ومعنى التخفيف من وجهين : أحدهما : أن الظن واقع بالقوم ، أي حتى إذا استيأس الرسل من إيمان القوم فظن القوم أن الرسل كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر . فإن قيل : لم يجر فيما سبق ذكر المرسل إليهم فكيف يحسن عود هذا الضمير إليهم .

Sección V18/P179–V18/P180

قلنا : ذكر الرسل يدل على المرسل إليهم وإن شئت قلت أن ذكرهم جرى في قوله : { أفلم يسيروا فى الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } ( يوسف : 109 ) فيكون الضمير عائدا إلى الذين من قبلهم من مكذبي الرسل والظن ههنا بمعنى التوهم والحسبان . والوجه الثاني : أن يكون المعنى أن الرسل ظنوا أنهم قد كذبوا فيما وعدوا وهذا التأويل منقول عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما قالوا : وإنما كان الأمر كذلك لأجل ضعف البشرية إلا أنه بعيد ، لأن المؤمن لا يجوز أن يطن بالله الكذب ، بل يخرج بذلك عن الإيمان فكيف يجوز مثله على الرسل ، وأما قراءة التشديد ففيها وجهان : الأول : أن الظن بمعنى اليقين ، أي وأيقنوا أن الأمم كذبوهم تكذيبا لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك ، فحينئذ دعوا عليهم فهنالك أنزل الله سبحانه عليهم عذاب الاستئصال ، وورود الظن بمعنى العلم كثير في القرآن قال تعالى : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) أي يتيقنون ذلك . والثاني : أن يكون الظن بمعنى الحسبان والتقدير / حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم فظن الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم وهذا التأويل منقول عن عائشة رضي الله عنها وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية ، روي أن ابن أبي مليكة نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : وظن الرسل أنهم كذبوا ، لأنهم كانوا بشرا ألا ترى إلى قوله : { حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله } ( البقرة : 214 ) قال فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فأنكرته وقالت : ما وعد الله محمدا صلى الله عليه وسلم شيئا إلا وقد علم أنه سيوفيه ولكن البلاء لم يزل بالأنبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين كانوا قد آمنوا بهم وهذا الرد والتأويل في غاية الحسن من عائشة . وأما قوله : { جاءهم نصرنا } أي لما بلغ الحال إلى الحد المذكور { جاءهم نصرنا فنجى من نشاء } قرأ عاصم وابن عامر { فنجى من نشاء } بنون واحدة وتشديد الجيم وفتح الياء على ما لم يسم فاعله ، واختاره أبو عبيدة لأنه في المصحف بنون واحدة . وروي عن الكسائي : إدغام إحدى النونين في الأخرى وقرأ بنون واحدة وتشديد الجيم وسكون الياء ، قال بعضهم : هذا خطأ لأن النون متحركة فلا تدغم في الساكن ، ولا يجوز إدغام النون في الجيم ، والباقون بنونين ، وتخفيف الجيم وسكون الياء على معنى : ونحن نفعل بهم ذلك . واعلم أن هذا حكاية حال ، ألا ترى أن القصة فيما مضى ، وإنما حكى فعل الحال كما أن قوله : { من شيعته وهاذا من عدوه } ( القصص : 15 ) إشارة إلى الحاضر والقصة ماضية . ! 7 < { لقد كان فى قصصهم عبرة لاولى الألباب ما كان حديثا يفترى ولاكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شىء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } . > 7 ! < < يوسف : ( 111 ) لقد كان في . . . . .

Sección V18/P180–V18/P181

> > اعلم أن الاعتبار عبارة عن العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول ، والمراد منه التأمل والتفكر ، ووجه الاعتبار بقصصهم أمور : الأول : أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب ، وإعلائه بعد حبسه في السجن وتمليكه مصر بعد أن كانوا يظنون به أنه عبد لهم ، وجمعه مع والديه وإخوته على ما أحب بعد المدة الطويلة ، لقادر على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم وإعلاء كلمته . الثاني : أن الإخبار عنه جار مجرى الإخبار عن الغيب ، فيكون معجزة دالة على صدق محمد / صلى الله عليه وسلم ، الثالث : أنه ذكر في أول السورة { نحن نقص عليك أحسن القصص } ( يوسف : 3 ) ثم ذكر في آخرها : { لقد كان فى قصصهم عبرة لاولى الالباب } تنبيها على أن حسن هذه القصة إنما كان بسبب أنه يحصل منها العبرة ومعرفة الحكمة والقدرة . والمراد من قصصهم قصة يوسف عليه السلام وإخوته وأبيه ، ومن الناس من قال : المراد قصص الرسل لأنه تقدم في القرآن ذكر قصص سائر الرسل إلا أن الأولى أن يكون المراد قصة يوسف عليه السلام . فإن قيل : لم قال : { عبرة لاولى الالباب } مع أن قوم محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ذوي عقول وأحلام ، وقد كان الكثير منهم لم يعتبر بذلك . قلنا : إن جميعهم كانوا متمكنين من الاعتبار ، والمراد من وصف هذه القصة بكونها عبرة كونها بحيث يمكن أن يعتبر بها العاقل ، أو نقول : المراد من أولي الألباب الذين اعتبروا وتفكروا وتأملوا فيها وانتفعوا بمعرفتها ، لأن { أولى الالباب } لفظ يدل على المدح والثناء فلا يليق إلا بما ذكرناه ، واعلم أنه تعالى وصف هذه القصة بصفات . الصفة الأولى : كونها { عبرة لاولى الالباب } وقد سبق تقريره . الصفة الثانية : قوله : { ما كان حديثا يفترى } وفيه قولان : الأول : أن المراد الذي جاء به وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يصح منه أن يفتري لأنه لم يقرأ الكتب ولم يتلمذ لأحد ولم يخالط العلماء فمن المحال أن يفتري هذه القصة بحيث تكون مطابقة لما ورد في التوراة من غير تفاوت ، والثاني : أن المراد أنه ليس يكذب في نفسه ، لأنه لا يصح الكذب منه ، ثم إنه تعالى أكد كونه غير مفترى فقال : { ولاكن تصديق الذى بين يديه } وهو إشارة إلى أن هذه القصة وردت على الوجه الموافق لما في التوراة وسائر الكتب الإلهية ، ونصب تصديقا على تقدير ولكن كان تصديق الذي بين يديه كقوله تعالى : { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولاكن رسول الله } ( الأحزاب : 40 ) قاله الفراء والزجاج ، ثم قال : ويجوز رفعه في قياس النحو على معنى : ولكن هو تصديق الذي بين يديه . والصفة الثالثة : قوله : { وتفصيل كل شىء } وفيه قولان : الأول : المراد وتفصيل كل شيء من واقعة يوسف عليه السلام مع أبيه وإخوته ، والثاني : أنه عائد إلى القرآن ، كقوله : { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } ( الأنعام : 38 ) فإن جعل هذا الوصف وصفا لكل القرآن أليق من جعله وصفا لقصة يوسف وحدها ، ويكون المراد : ما يتضمن من الحلال والحرام وسائر ما يتصل بالدين . قال الواحدي على التفسيرين جميعا : فهو من العام الذي أريد به الخاص كقوله : { ورحمتى وسعت كل شىء } ( الأعراف : 156 ) يريد : كل شيء يجوز أن يدخل فيها وقوله : { وأوتيت من كل شىء } ( النمل : 23 ) .

Sección V18/P181–V18/P183

/ الصفة الرابعة والخامسة : كونها هدى في الدنيا وسببا لحصول الرحمة في القيامة لقوم يؤمنون خصهم بالذكر لأنهم هم الذين انتفعوا به كما قررناه في قوله : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب قال المصنف رحمه الله تعالى تم تفسير هذه السورة بحمد الله تعالى يوم الأربعاء السابع من شعبان ، ختم بالخير والرضوان ، سنة إحدى وستمائة ، وقد كنت ضيق الصدر جدا بسبب وفاة الولد الصالح محمد تغمده الله بالرحمة والغفران وخصه بدرجات الفضل والإحسان وذكرت هذه الأبيات في مرثيته على سبيل الإيجاز : فلو كانت الأقدار منقادة لنا فديناك من حماك بالروح والجسم ولو كانت الأملاك تأخذ رشوة خضعنا لها بالرق في الحكم والاسم ولكنه حكم إذا حان حينه سرى من مقر العرش في لجة اليم سأبكي عليك العمر بالدم دائما ولم أنحرف عن ذاك في الكيف والكم سلام على قبر دفنت بتربه وأتحفك الرحمن بالكرم الجم وما صدني عن جعل جفني مدفنا لجسمك إلا أنه أبدا يهمي وأقسم إن مسوا رفاتي ورمتي أحسوا بنار الحزن في مكمن العظم حياتي وموتي واحد بعد بعدكم بل الموت أولى من مداومة الغم رضيت بما أمضى الإله بحكمه لعلمي بأني لا يجاوزني حكمي وأنا أوصي من طالع كتابي واستفاد ما فيه من الفوائد النفيسة العالية أن يخص ولدي ويخصني بقراءة الفاتحة ، ويدعو لمن قد مات في غربة بعيدا عن الإخوان والأب والأم بالرحمة والمغفرة فإني كنت أيضا كثير الدعاء لمن فعل ذلك في حقي وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا آمين والحمد لله رب العالمين . < > 1 ( سورة الرعد ) 1 < > مدنية ، وآياتها : 43 ، نزلت بعد سورة محمد سورة الرعد أربعون وثلاث آيات مكية سوى قوله تعالى : { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة } ( الرعد : 31 ) وقوله : { ومن عنده علم الكتاب } ( الرعد : 43 ) قال الأصم هي مدنية بالإجماع سوى قوله تعالى : { ولو أن قرانا سيرت به الجبال } ( الرعد : 31 ) . ! 7 < { المر تلك آيات الكتاب والذىأنزل إليك من ربك الحق ولاكن أكثر الناس لا يؤمنون } . > 7 ! < < الرعد : ( 1 ) المر تلك آيات . . . . .

Sección V18/P183–V18/P184

> > اعلم أنا قد تكلمنا في هذه الألفاظ قال ابن عباس رضي الله عنهما معناه : أنا الله أعلم ، وقال في رواية عطاء أنا الله الملك الرحمن ، وقد أمالها أبو عمرو والكسائي وغيرهما وفخمها جماعة منهم عاصم وقوله : { تلك } إشارة إلى آيات السورة المسماة بالمر . ثم قال : إنها آيات الكتاب . وهذا الكتاب الذي أعطاه محمدا بأن ينزله عليه ويجعله باقيا على وجه الدهر وقوله : { والذى أنزل إليك من ربك } مبتدأ وقوله : { الحق } خبره ومن الناس من تمسك بهذه الآية في نفي القياس فقال : الحكم المستنبط بالقياس غير نازل من عند الله وإلا لكان من لم يحكم به كافرا لقوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ( المائدة : 44 ) وبالإجماع لا يكفر فثبت أن الحكم المثبت بالقياس غير نازل من عند الله . وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون حقا لأجل أن قوله : { والذى أنزل إليك من ربك الحق } يقتضي أنه لا حق إلا ما أنزله الله فكل ما لم ينزله الله وجب أن لا يكون حقا ، وإذا لم يكن حقا وجب أن يكون باطلا لقوله تعالى : { فماذا بعد الحق إلا الضلال } ( يونس : 32 ) ومثبتو القياس يجيبون عنه بأن الحكم المثبت بالقياس نازل أيضا من عند الله ، لأنه لما أمر بالعمل بالقياس كان الحكم الذي دل عليه القياس نازلا من عند الله . ولما ذكر تعالى أن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق بين أن أكثر الناس لا يؤمنون به على سبيل الزجر والتهديد . ! 7 < { الله الذى رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى يدبر الا مر يفصل الآيات لعلكم بلقآء ربكم توقنون } . > 7 ! < < الرعد : ( 2 ) الله الذي رفع . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر أن أكثر الناس لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يدل على صحة التوحيد والمعاد وهو هذه الآية وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : الله مبتدأ والذي رفع السموات خبره بدليل قوله : { وهو الذى مد الارض } ( الرعد : 3 ) ويجوز أن يكون الذي رفع السموات صفة وقوله : { يدبر الامر يفصل الآيات } خبرا بعد خبر ، وقال الواحدي : العمد الأساطين وهو جمع عماد يقال عماد وعمد مثل إهاب وأهب ، وقال الفراء : العمد والعمد جمع العمود مثل أديم وادم وادم ، وقضيم وقضم وقضم ، والعماد والعمود ما يعمد به الشيء ، ومنه يقال : فلان عمد قومه إذا كانوا يعتمدونه فيما بينهم .

Sección V18/P184–V18/P185

المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى استدل بأحوال السموات وبأحوال الشمس والقمر وبأحوال الأرض وبأحوال النبات ، أما الاستدلال بأحوال السموات بغير عمد ترونها فالمعنى : أن هذه الأجسام العظيمة بقيت واقفة في الجو العالي ويستحيل أن يكون بقاؤها هناك لأعيانها ولذواتها لوجهين : الأول : أن الأجسام متساوية في تمام الماهية ولو وجب حصول جسم في حيز معين لوجب حصول كل جسم في ذلك الحين . والثاني : أن الخلاء لا نهاية له والأحياز المعترضة في ذلك / الخلاء الصرف غير متناهية وهي بأسرها متساوية ولو وجب حصول جسم في حيز معين لوجب حصوله في جميع الأحياز ضرورة أن الأحياز بأسرها متشابهة فثبت أن حصول الأجرام الفلكية في أحيازها وجهاتها ليس أمرا واجبا لذاته بل لا بد من مخصص ومرجح ، ولا يجوز أن يقال إنها بقيت بسلسلة فوقها ولا عمد تحتها ، وإلا لعاد الكلام في ذلك الحافظ ولزم المرور إلى ما لا نهاية له وهو محال فثبت أن يقال الأجرام الفلكية في أحيازها العالية لأجل أن مدبر العالم تعالى وتقدس أوقفها هناك . فهذا برهان قاهر على وجود الإله القاهر القادر . ويدل أيضا على أن الإله ليس بجسم ولا مختص بحيز ، لأنه لو كان حاصلا في حيز معين لامتنع أن يكون حصوله في ذلك الحيز لذاته ولعينه لما بينا أن الأحياز بأسرها متساوية فيمتنع أن يكون حصوله في حيز معين لذاته فلا بد وأن يكون بتخصيص مخصص وكل ما حصل بالفاعل المختار فهو محدث فاختصاصه بالحيز المعين محدث وذاته لا تنفك عن ذلك الاختصاص وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث ، فثبت أنه لو كان حاصلا في الحيز المعين لكان حادثا وذلك محال ، فثبت أنه تعالى متعال عن الحيز والجهة ، وأيضا كل ما سماك فهو سماء ، فلو كان تعالى موجودا في جهة فوق جهة لكان من جملة السموات فدخل تحت قوله : { الله الذى رفع السماوات بغير عمد ترونها } فكل ما كان مختصا بجهة فوق جهة فهو محتاج إلى حفظ الإله بحكم هذه الآية فوجب أن يكون الإله منزها عن جهة فوق . أما قوله : { ترونها } ففيه أقوال : الأول : أنه كلام مستأنف والمعنى : رفع السموات بغير عمد . ثم قال : { ترونها } أي وأنتم ترونها أي مرفوعة بلا عماد . الثاني : قال الحسن في تقرير الآية تقديم وتأخير تقديره : رفع السموات ترونها بغير عمد . واعلم أنه إذا أمكن حمل الكلام على ظاهره كان المصير إلى التقديم والتأخير غير جائز . والثالث : أن قوله : { ترونها } صفة للعمد ، والمعنى : بغير عمد مرئية ، أي للسموات عمد . ولكنا لا نراها قالوا : ولها عمد على جبل قاف وهو جبل من زبرجد محيط بالدنيا ولكنكم لا ترونها . وهذا التأويل في غاية السقوط ، لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة على وجود الإله القادر ولو كان المراد ما ذكروه لما ثبتت الحجة لأنه يقال إن السموات لما كانت مستقرة على جبل قاف فأي دلالة لثبوتها على وجود الإله ، وعندي فيه وجه آخر أحسن من الكل وهو أن العماد ما يعتمد عليه وقد دللنا على أن هذه الأجسام إنما بقيت واقفة في الجو العالي بقدرة الله تعالى وحينئذ يكون عمدها هو قدرة الله تعالى فنتج أن يقال إنه رفع السماء بغير عمد ترونها أي لها عمد في الحقيقة إلا أن تلك العمد هي قدرة الله تعالى وحفظه وتدبيره وإبقاؤه إياها في الجو العالي وأنهم لا يرون ذلك التدبير / ولا يعرفون كيفية ذلك الإمساك .

Sección V18/P185–V18/P186

وأما قوله : { ثم استوى على العرش } فاعلم أنه ليس المراد منه كونه مستقرا على العرش ، لأن المقصود من هذه الآية ذكر ما يدل على وجود الصانع ويجب أن يكون ذلك الشيء مشاهدا معلوما وأن أحدا ما رأى أنه تعالى استقر على العرش فكيف يمكن الاستدلال به عليه وأيضا بتقدير أن يشاهد كونه مستقرا على العرش إلا أن ذلك لا يشعر بكمال حاله وغاية جلاله ، بل يدل على احتياجه إلى المكان والحيز . وأيضا فهذا يدل على أنه ما كان بهذه الحالة ثم صار بهذه الحالة ، وذلك يوجب التغير وأيضا الاستواء ضد الاعوجاج فظاهر الآية يدل على أنه كان معوجا مضطربا ثم صار مستويا وكل ذلك على الله محال ، فثبت أن المراد استواؤه على عالم الأجسام بالقهر والقدرة والتدبير والحفظ يعني أن من فوق العرش إلى ما تحت الثرى في حفظه وفي تدبيره وفي الاحتياج إليه . وأما الاستدلال بأحوال الشمس والقمر : فهو قوله سبحانه وتعالى : { وسخر الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى } . واعلم أن هذا الكلام اشتمل على نوعين من الدلالة : النوع الأول : قوله : { وسخر الشمس والقمر } وحاصله يرجع إلى الاستدلال على وجود الصانع القادر القاهر بحركات هذه الأجرام ، وذلك لأن الأجسام متماثلة فهذه الأجرام قابلة للحركة والسكون فاختصاصها بالحركة الدائمة دون السكون لا بد له من مخصص . وأيضا أن كل واحدة من تلك الحركات مختصة بكيفية معينة من البطإ والسرعة فلا بد أيضا من مخصص لا سيما عند من يقول الحركة البطيئة معناها حركات مخلوطة بسكنات وهذا يوجب الاعتراف بأنها تتحرك في بعض الأحياز وتسكن في البعض فحصول الحركة في ذلك الحيز المعين والسكون في الحيز الآخر لا بد فيه أيضا من مرجح . الوجه الثالث : وهو أن تقدير تلك الحركات والسكنات بمقادير مخصوصة على وجه تحصل عوداتها وأدوارها متساوية بحسب المدة حالة عجيبة فلا بد من مقدر . والوجه الرابع : أن بعض تلك الحركات مشرقية وبعضها مغربية وبعضها مائلة إلى الشمال وبعضها مائلة إلى الجنوب وهذا أيضا لا يتم إلا بتدبير كامل وحكمة بالغة . النوع الثاني : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله : { كل يجرى لاجل مسمى } وفيه قولان : الأول : قال ابن عباس : للشمس مائة وثمانون منزلا كل يوم لها منزل وذلك يتم في ستة أشهر ، ثم إنها تعود مرة أخرى إلى واحد منها في ستة أشهر أخرى وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلا ، فالمراد بقوله : { كل يجرى لاجل مسمى } هذا . وتحقيقه أنه تعالى قدر لكل واحد من هذه / الكواكب سيرا خاصا إلى جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة والبطء ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون لها بحسب كل لحظة ولمحة حالة أخرى ما كانت حاصلة قبل ذلك .

Sección V18/P186–V18/P188

والقول الثاني : أن المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة ، وعند مجيء ذلك اليوم تنقطع هذه الحركات وتبطل تلك السيرات كما وصف الله تعالى ذلك في قوله : { إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت } ( التكوير : 1 ، 2 ) { إذا السماء انشقت } ( الإنشقاق : 1 ) { إذا السماء انفطرت } ( الأنفطار : 1 ) { جمع الشمس والقمر } ( القيامة : 9 ) وهو كقوله سبحانه وتعالى : { ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده } ( الأنعام : 2 ) ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل قال : { يدبر الامر } وكل واحد من المفسرين حمل هذا على تدبير نوع آخر من أحوال العالم والأولى حمله على الكل فهو يدبرهم بالإيجاد والإعدام وبالإحياء والإماتة والإغناء والإفقار ، ويدخل فيه إنزال الوحي وبعثة الرسل وتكليف العباد ، وفيه دليل عجيب على كمال القدرة والرحمة وذلك لأن هذا العالم المعلوم من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى أنواع وأجناس لا يحيط بها إلا الله تعالى ، والدليل المذكور دل على أن اختصاص كل واحد منها بوضعه وموضعه وصفته وطبيعته وحليته ، ليس إلا من الله تعالى ومن المعلوم أن كل من اشتغل بتدبير شيء فإنه لا يمكنه شيء آخر إلا الباري سبحانه وتعالى فإنه لا يشغله شأن عن شأن أما العاقل فإنه إذا تأمل في هذه الآية علم أنه تعالى يدبر عالم الأجسام وعالم الأرواح ويدبر الكبير كما يدبر الصغير فلا يشغله شأن عن شأن ولا يمنعه تدبير عن تدبير وذلك يدل على أنه تعالى في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته غير مشابه للمحدثات والممكنات . ثم قال : { يفصل الآيات } وفيه قولان : الأول : أنه تعالى بين الآيات الدالة على إلهيته وعلمه وحكمته . والثاني : أن الدلائل الدالة على وجود الصانع قسمان : أحدهما : الموجودات الباقية الدائمة كالأفلاك والشمس والقمر والكواكب ، وهذا النوع من الدلائل هو الذي تقدم ذكره . والثاني : الموجودات الحادثة المتغيرة ، وهي الموت بعد الحياة ، والفقر بعد الغنى ، والهرم بعد الصحة ، وكون الأحمق في أهنأ العيش ، والعاقل الذكي في أشد الأحوال ، فهذا النوع من الموجودات والأحوال دلالتها على وجود الصانع الحكيم ظاهرة باهرة . وقوله : { يفصل الآيات } إشارة إلى أنه يحدث بعضها عقيب بعض على سبيل التمييز والتفصيل . ثم قال : { لعلكم بلقاء ربكم توقنون } واعلم أن الدلائل المذكورة كما تدل على وجود الصانع الحكيم فهي أيضا تدل على صحة القول بالحشر والنشر لأن من قدر على خلق هذه الاشياء وتدبيرها على عظمتها وكثرتها فلأن يقدر على الحشر والنشر كان أولى يروى أن رجلا قال لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه تعالى كيف / يحاسب الخلق دفعة واحدة فقال كما يرزقهم الآن دفعة واحدة وكما يسمع نداءهم ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة . وحاصل الكلام أنه تعالى كما قدر على إبقاء الأجرام الفلكية والنيرات الكوكبية في الجو العالي وإن كان الخلق عاجزين عنه ، وكما يمكنه أن يدبر من فوق العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن فكذلك يحاسب الخلق بحيث لا يشغله شأن عن شأن ومن الأصحاب من تمسك بلفظ اللقاء على رؤية الله تعالى وقد مر تقريره في هذا الكتاب مرارا وأطوارا . ! 7 < { وهو الذى مد الا رض وجعل فيها رواسى وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى اليل النهار إن فى ذالك لآيات لقوم يتفكرون } > 7 ! / < < الرعد : ( 3 ) وهو الذي مد . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال : { وهو الذى مد الارض } .

Sección V18/P188–V19/P003

واعلم أن الاستدلال بخلقه الأرض وأحوالها من وجوه : الأول : أن الشيء إذا تزايد حجمه ومقداره صار كأن ذلك الحجم وذلك المقدار يمتد فقوله : { وهو الذى مد الارض } إشارة إلى أن الله سبحانه هو الذي جعل الأرض مختصة بذلك المقدار المعين الحاصل له لا أزيد ولا أنقص والدليل عليه أن كون الأرض أزيد مقدارا مما هو الآن وأنقص منه أمر جائز ممكن في نفسه فاختصاصه بذلك المقدار المعين لا بد أن يكون بتخصيص وتقدير . الثاني : قال أبو بكر الأصم المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه فقوله : { وهو الذى مد الارض } يشعر بأنه تعالى جعل حجم الأرض حجما عظيما لا يقع البصر على منتهاه ، لأن الأرض لو كانت أصغر حجما مما هي الآن عليه لما كمل الانتفاع به . والثالث : قال قوم كانت الأرض مدورة فمدها ودحا من مكة من تحت البيت فذهبت كذا وكذا . وقال آخرون : كانت مجتمعة عند البيت المقدس فقال لها : اذهبي كذا وكذا . اعلم أن هذا القول إنما يتم إذا قلنا الأرض مسطحة لا كرة وأصحاب هذا القول احتجوا عليه بقوله : { والارض بعد ذلك دحاها } ( النازعات : 30 ) وهذا القول مشكل من وجهين . الأول : أنه ثبت بالدلائل / أن الأرض كرة فكيف يمكن المكابرة فيه ؟ فإن قالوا : وقوله : { مد الارض } ينافي كونها كرة فكيف يمكن مدها ؟ قلنا : لا نسلم أن الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح ، والتفاوت الحاصل بينه وبين السطح لا يحصل إلا في علم الله ألا ترى أنه قال : { والجبال أوتادا } ( النبأ : 7 ) فجعلها أوتادا مع أن العالم من الناس يستقرون عليها فكذلك ههنا . والثاني : أن هذه الآية إنما ذكرت ليستدل بها على وجود الصانع ، والشرط فيه أن يكون ذلك أمرا مشاهدا معلوما حتى يصح الاستدلال به على وجود الصانع وكونها مجتمعة تحت البيت أمر غير مشاهد ولا محسوس فلا يمكن الاستدلال به على وجود الصانع ، فثبت أن التأويل الحق هو ما ذكرناه . والنوع الثاني : من الدلائل الاستدلال بأحوال الجبال وإليه الإشارة بقوله : { وجعل فيها رواسى } من فوقها ثابتة باقية في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها يقال : رسا هذا الوتد وأرسيته والمراد ما ذكرنا .

Sección V19/P003–V19/P004

واعلم أن الاستدلال بوجود الجبال على وجود الصانع القادر الحكيم من وجوه ، الأول : أن طبيعة الأرض واحدة فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعض لا بد وأن يكون بتخليق القادر الحكيم . قالت الفلاسفة : هذه الجبال إنما تولدت لأن البحار كانت في هذا الجانب من العالم فكانت تتولد في البحر طينا لزجا . ثم يقوي تأثير الشمس فيها فينقلب حجرا كما يشاهد في كوز الفقاع ثم إن الماء كان يغور ويقل فيتحجر البقية ، فلهذا السبب تولدت هذه الجبال قالوا : وإنما كانت البحار حاصلة في هذا الجانب من العالم لأن أوج الشمس وحضيضها متحركان ، ففي الدهر الأقدم كان حضيض الشمس في جانب الشمال والشمس متى كانت في حضيضها كانت أقرب إلى الأرض فكان التسخين أقوى وشدة السخونة توجب انجذاب الرطوبات ، فحين كان الحضيض في جانب الشمال كانت البحار في جانب الشمال ، والآن لما انتقل الأوج إلى جانب الشمال والحضيض إلى جانب الجنوب انتقلت البحار إلى جانب الجنوب فبقيت هذه الجبال في جانب الشمال / هذا حاصل كلام القوم في هذا الباب وهو ضعيف من وجوه الأول : أن حصول الطين في البحر أمر عام ووقوع الشمس عليها أمر عام فلم وصل هذا الجبل في بعض الجوانب دون البعض . والثاني : وهو أنا نشاهد في بعض الجبال كأن تلك الأحجار موضوعة سافا فسافا فكأن البناء لبنات كثيرة موضوع بعضها على بعض ويبعد حصول مثل هذا التركيب من السبب الذي ذكروه . والثالث : أن أوج الشمس الآن قريب من أول السرطان فعلى هذا من الوقت الذي انتقل أوج الشمس إلى الجانب الشمالي مضى / قريب من تسعة آلاف سنة ، وبهذا التقدير أن الجبال في هذه المدة الطويلة كانت في التفتت فوجب أن لا يبقى من الأحجار شيء ، لكن ليس الأمر كذلك ، فعلمنا أن السبب الذي ذكروه ضعيف . والوجه الثاني : من الاستدلال بأحوال الجبال على وجود الصانع ذي الجلال ما يحصل فيها من معادن الفلزات السبعة ومواضع الجواهر النفيسة وقد يحصل فيها معادن الزاجات والأملاح وقد يحصل فيها معادن النفط والقير والكبريت ، فكون الأرض واحدة في الطبيعة ، وكون الجبل واحدا في الطبع ، وكون تأثير الشمس واحدا في الكل يدل دليلا ظاهرا على أن الكل بتقدير قادر قاهر متعال عن مشابهة المحدثات والممكنات . والوجه الثالث : من الاستدلال بأحوال الجبال أن بسببها تتولد الأنهار على وجه الأرض ، وذلك أن الحجر جسم صلب فإذا تصاعدت الأبخرة من قعر الأرض ووصلت إلى الجبل احتبست هناك فلا تزال تتكامل ، فيحصل تحت الجبل مياه عظيمة ، ثم إنها لكثرتها وقوتها تثقب وتخرج وتسيل على وجه الأرض ، فمنفعة الجبال في تولد الأنهار هو من هذا الوجه ، ولهذا السبب ففي أكثر الأمر أينما ذكر الله الجبال قرن بها ذكر الأنهار مثل ما في هذه الآية ، ومثل قوله : { وجعلنا فيها رواسى شامخات وأسقيناكم ماء فراتا } ( المرسلات : 27 ) . والنوع الثالث : من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بعجائب خلقة النبات ، وإليه الإشارة بقوله : { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } وفيه مسائل :

Sección V19/P004–V19/P005

المسألة الأولى : أن الحبة إذا وضعت في الأرض وأثرت فيها نداوة الأرض ربت وكبرت وبسبب ذلك ينشق أعلاها وأسفلها فيخرج من الشق الأعلى الشجرة الصاعدة في الهواء ، ويخرج من الشق الأسفل العروق الغائصة في أسفل الأرض وهذا من العجائب ، لأن طبيعة تلك الحبة واحدة وتأثير الطبائع والأفلاك والكواكب فيها واحد ثم إنه خرج من الجانب الأعلى من تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء من الجانب الأسفل منه جرم غائص في الأرض ، ومن المحال أن يتولد من الطبيعة الواحدة طبيعتان متضادتان ، فعلمنا أن ذلك إنما كان بسبب تدبير المدبر الحكيم ، والمقدر القديم لا بسبب الطبع والخاصية ، ثم إن الشجرة الثابتة من تلك الحبة بعضها يكون خشبا وبعضها يكون نورا وبعضها يكون ثمرة ، ثم إن تلك الثمرة أيضا يحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع ، فالجوز له أربعة أنواع من القشور ، فالقشر الأعلى وتحته القشرة الخشبة وتحته القشرة المحيطة باللبنة ، وتحت تلك القشرة قشرة أخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز رطبا وأيضا فقد يحصل / في الثمرة الواحدة الطباع المختلفة ، فالأترج قشره حار يابس ولحمه حار رطب وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس ونوره حار يابس ، وكذلك العنب قشره وعجمه باردان يابسان ولحمه وماؤه حاران رطبان فتولد هذه للطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوي تأثيرات الطبائع وتأثيرات الأنجم والأفلاك لا بد وأن يكون لأجل تدبير الحكيم القادر القديم . المسألة الثانية : المراد بزوجين اثنين صنفين اثنين والاختلاف إما من حيث الطعم كالحلو والحامض أو الطبيعة كالحار والبارد أو اللون كالأبيض والأسود . فإن قيل : الزوجان لا بد وأن يكون اثنين ، فما الفائدة في قوله : { زوجين اثنين } . قلنا : قيل إنه تعالى أول ما خلق العالم وخلق فيه الأشجار خلق من كل نوع من الأنواع اثنين فقط ، فلو قال : خلق زوجين لم يعلم أن المراد النوع أو الشخص . أما لما قال اثنين علمنا أن الله تعالى أول ما خلق من كل زوجين اثنين لا أقل ولا أزيد . والحاصل أن الناس فيهم الآن كثرة إلا أنهم لما ابتدؤا من زوجين اثنين بالشخص هما آدم وحواء ، فكذلك القول في جميع الأشجار والزرع والله أعلم . النوع الرابع : من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بأحوال الليل والنهار وإليه الإشارة بقوله : { وهو الذى مد } والمقصود أنم الإنعام لا يكمل إلا بالليل والنهار وتعاقبهما كما قال : { فمحونا ءاية اليل وجعلنا ءاية النهار مبصرة } ( الإسراء : 12 ) ومنه قوله : { إن ربكم الله الذى خلق } ( الأعراف : 54 ) وقد سبق الاستقصاء في تقريره فيما سلف من هذا الكتاب ، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم : { يغشى } بالتشديد وفتح الغين والباقون بالتخفيف ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل النيرة والقواطع القاهرة قال : { إن فى ذالك لآيات لقوم يتفكرون } . واعلم أنه تعالى في أكثر الأمر حيث يذكر الدلائل الموجودة في العالم السفلي يذكر عقبها : { إن فى ذالك لآيات لقوم يتفكرون } أو ما يقرب منه بحسب المعنى ، والسبب فيه أن الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية ، فما لم تقم الدلالة على دفع هذا السؤال لا يتم المقصود ، فلهذا المعنى قال : { إن فى ذالك لآيات لقوم يتفكرون } كأنه تعالى يقول مجال الفكر باق بعد ولا بد بعد هذا المقام من التفكر والتأمل ليتم الاستدلال .

Sección V19/P005–V19/P006

واعلم أن الجواب عن هذا السؤال من وجهين : الأول : أن نقول هب أنكم أسندتم حوادث العالم السفلي إلى الأحوال الفلكية والاتصالات الكوكبية إلا أنا أقمنا الدليل القاطع على أن اختصاص كل واحد من الأجرام الفلكية وطبعه ووضعه وخاصيته لا بد أن يكون بتخصيص المقدر القديم / والمدبر الحكيم ، فقد سقط هذا السؤال وهذا الجواب قد قرره الله تعالى في هذا المقام ، لأنه تعالى ابتدأ بذكر الدلائل السماوية وقد بينا أنها كيف تدل على وجود الصانع . ثم إنه تعالى أتبعها بالدلائل الأرضية . فإن قال قائل : لم لا يجوز أن تكون هذه الحوادث الأرضية لأجل الأحوال الفلكية ، كان جوابنا أن نقول فهب أن الأمر كذلك إلا أنا دللنا فيما تقدم على افتقار الأجرام الفلكية إلى الصانع الحكيم فحينئذ لا يكون هذا السؤال قادحا في غرضنا . والوجه الثاني : من الجواب أن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث السفلية لأجل الاتصالات الفلكية ، وذلك هو المذكور في الآية التي تأتي بعد هذه الآية ، ومن تأمل في هذه اللطائف ووقف عليها علم أن هذا الكتاب اشتمل على علوم الأولين والآخرين . ! 7 < { وفى الا رض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الا كل إن فى ذالك لآيات لقوم يعقلون } > 7 < الرعد : ( 4 ) وفي الأرض قطع . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث في هذا العالم لأجل الاتصالات الفلكية ، والحركات الكوكبية ، وتقريره من وجهين ، الأول : أنه حصل في الأرض قطع مختلفة بالطبيعة والماهية وهي مع ذلك متجاورة ، فبعضها تكون سبخية ، وبعضها تكون رخوة ، وبعضها تكون صلبة ، وبعضها تكون منبتة ، وبعضها تكون حجرية أو رملية وبعضها يكون طينا لزجا ، ثم إنها متجاورة وتأثير الشمس وسائر الكواكب في تلك القطع على السوية فدل هذا على أن اختلافها في صفاتها بتقدير العليم القدير . والثاني : أن القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماء واحد فيكون تأثير الشمس فيها متساويا ، ثم إن تلك الثمار تجيء مختلفة في الطعم واللون والطبيعة والخاصية حتى أنك قد تأخذ عنقودا من العنب فيكون جميع حباته حلوة نضيجة إلا حبة واحدة فإنها بقيت حامضة يابسة ، ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة / الطباع والأفلاك للكل على السوية ، بل نقول : ههنا ما هو أعجب منه ، وهو أنه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون أحد وجهيه في غاية الحمرة ، والوجه الثاني في غاية السواد مع أن ذلك الورد يكون في غاية الرقة والنعومة فيستحيل أن يقال : وصل تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني ، وهذا يدل دلالة قطعية على أن الكل بتدبير الفاعل المختار ، لا بسبب الاتصالات الفلكية وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى : { يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الاكل } فهذا تمام الكلام في تقرير هذه الحجة وتفسيرها وبيانها .

Sección V19/P006–V19/P007

واعلم أن بذكر هذا الجواب قد تمت الحجة فإن هذه الحوادث السفلية لا بد لها من مؤثر وبينا أن ذلك المؤثر ليس هو الكواكب والأفلاك والطبائع فعند هذا يجب القطع بأنه لا بد من فاعل آخر سوى هذه الأشياء ، وعندها يتم الدليل ، ولا يبقى بعده للفكر مقام ألبتة ، فلهذا السبب قال ههنا : { إن فى ذالك لآيات لقوم يعقلون } لأنه لا دافع لهذه الحجة إلا أن يقال : إن هذه الحوادث السفلية حدثت لا لمؤثر ألبتة وذلك يقدح في كمال العقل ، لأن العلم بافتقار الحادث إلى المحدث لما كان علما ضروريا كان عدم حصول هذا العلم قادحا في كمال العقل فلهذا قال : { إن فى ذالك لآيات لقوم يعقلون } وقال في الآية المتقدمة : { إن فى ذالك لآيات لقوم يتفكرون } ( الزمر : 42 ) ( الجاثية : 13 ) فهذه اللطائف نفيسة من أسرار علم القرآن ونسأل الله العظيم أن يجعل الوقوف عليها سببا للفوز بالرحمة والغفران . المسألة الثانية : قوله : { وفى الارض قطع متجاورات } قال أبو بكر الأصم : أرض قريبة من أرض أخرى واحدة طيبة ، وأخرى سبخة ، وأخرى حرة ، وأخرى رملة ، وأخرى تكون حصباء ، وأخرى تكون حمراء ، وأخرى تكون سوداء . وبالجملة فاختلاف بقاع الأرض في الارتفاع والانخفاض والطباع والخاصية أمر معلوم ، وفي بعض المصاحف ( قطعا متجاورات ) والتقدير : وجعل فيها رواسي وجعل في الأرض قطعا متجاورات . وأما قوله : { وجنات من أعناب وزرع ونخيل } فنقول : الجنة البستان الذي يحصل فيه النخل والكرم والزرع وتحفه تلك الأشجار والدليل عليه قوله تعالى : { جعلنا لاحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا } ( الكهف : 32 ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم : { وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان } كلها بالرفع عطفا على قوله ( وجنات ) والباقون بالجر عطفا على الأعناب . وقرأ حفص عن عاصم في رواية القواس : ( صنوان ) بضم الصاد والباقون بكسر الصاد وهما لغتان ، والصنوان جمع صنو مثل قنوان وقنو ويجمع على أصناء مثل اسم وأسماء . فإذا كثرت فهو الصني ، والصني بكسر الصاد وفتحها ، والصنو أن يكون الأصل واحدا وتنبت فيه النخلتان والثلاثة فأكثر فكل واحدة صنو . وذكر ثعلب عن ابن الأعرابي : / الصنو المثل ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا إن عم الرجل صنو أبيه ) أي مثله . إذا عرفت هذا فنقول : إذا فسرنا الصنو بالتفسير الأول كان المعنى : أن النخيل منها ما ينبت من أصل واحد شجرتان وأكثر ومنها ما لا يكون كذلك ، وإذا فسرناه بالتفسير الثاني كان المعنى : أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة متشابهة ، وقد لا تكون كذلك . ثم قال تعالى : { تسقى بماء واحد } قرأ عاصم وابن عامر ( يسقى ) بالياء على تقدير يسقى كله أو لتغليب المذكر على المؤنث ، والباقون بالتاء لقوله : ( جنات ) قال أبو عمرو : ومما يشهد للتأنيث قوله تعالى : { ونفضل بعضها على بعض فى الاكل } قرأ حمزة والكسائي ( يفضل ) بالياء عطفا على قوله : { يدبر } والباقون بالنون على تقدير : ونحن نفضل ، و ( في الأكل ) قولان : حكاهما الواحدي حكي عن الزجاج أن الأكل الثمر الذي يؤكل ، وحكى عن غيره أن الأكل المهيأ للأكل ، وأقول هذا أولى لقوله تعالى في صفة الجنة : { تحتها الانهار أكلها دائم } ( الرعد : 35 ) وهو عام في جميع المطعومات وابن كثير ونافع يقرآن الأكل ساكنة الكاف في جميع القرآن ، والباقون بضم الكاف وهما لغتان .

Sección V19/P007–V19/P008

! 7 < { وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا ترابا أءنا لفى خلق جديد أولائك الذين كفروا بربهم وأولئك الا غلال فىأعناقهم وأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } > 7 ! < < الرعد : ( 5 ) وإن تعجب فعجب . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل القاهرة على ما يحتاج إليه في معرفة المبدأ ذكر بعده مسألة المعاد فقال : { وإن تعجب فعجب قولهم } وفيه أقوال : القول الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن تعجب من تكذيبهم إياك بعد ما كانوا قد حكموا عليك أنك من الصادقين فهذا عجب . والثاني : إن تعجب يا محمد من عبادتهم ما لا يملك لهم نفعا ولا ضرا بعد ما عرفوا الدلائل الدالة على التوحيد فهذا عجب . والثالث : تقدير الكلام إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم لما اعترفوا بأنه تعالى مدبر السموات والأرض / وخالق الخلائق أجمعين ، وأنه هو الذي رفع السموات بغير عمد ، وهو الذي سخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد ، وهو الذي أظهر في العالم أنواع العجائب والغرائب ، فمن كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة كيف لا تكون وافية بإعادة الإنسان بعد موته ، لأن القادر على الأقوى الأكمل فإن يكون قادرا على الأقل الأضعف أولى ، فهذا تقرير موضع التعجب . ثم إنه تعالى لما حكى هذا الكلام حكم عليهم بثلاثة أشياء : أولها : قوله : { أولئك الذين كفروا بربهم } وهذا يدل على أن كل من أنكر البعث والقيامة فهو كافر ، وإنما لزم من إنكار البعث الكفر بربهم من حيث إن إنكار البعث لا يتم إلا بإنكار القدرة والعلم والصدق أما إنكار القدرة فكما إذا قيل : إن إله العالم موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يقدر على الإعادة . أو قيل : إنه وإن كان قادرا لكنه ليس تام القدرة ، فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثيرات الطبائع والأفلاك ، وأما إنكار العلم فكما إذا قيل : إنه تعالى غير عالم بالجزئيات ، فلا يمكنه تمييز هذا المطيع عن العاصي وأما إنكار الصدق فكما إذا قيل : إنه وإن أخبر عنه لكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه ولما كان كل هذه الأشياء كفرا ثبت أن إنكار البعث كفر بالله . الصفة الثانية : قوله : { وأولئك الاغلال فى أعناقهم } وفيه قولان : الأول : قال أبو بكر الأصم : المراد بالأغلال : كفرهم وذلتهم وانقيادهم للأصنام ، ونظيره قوله تعالى : { إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا } ( يس : 8 ) قال الشاعر : لهم عن الرشد أغلال وأقياد ويقال للرجل : هذا غل في عنقك للعمل الرديء معناه : أنه لازم لك وأنك مجازى عليه بالعذاب . قال القاضي : هذا وإن كان محتملا إلا أن حمل الكلام على الحقيقة أولى ، وأقول : يمكن نصرة قول الأصم بأن ظاهر الآية يقتضي حصول الأغلال في أعناقهم في الحال وذلك غير حاصل وأنتم تحملون اللفظ على أنه سيحصل هذا المعنى ونحن نحمله على أنه حاصل في الحال إلا أن المراد بالأغلال ما ذكرناه ، فكل واحد منا تارك للحقيقة من بعض الوجوه فلم كان قولكم أولى من قولنا . والقول الثاني : المراد أنه تعالى يجعل الأغلال في أعناقهم يوم القيامة ، والدليل عليه قوله تعالى : { إذ الاغلال فى أعناقهم والسلاسل يسحبون فى الحميم ثم فى النار يسجرون } ( غافر : 71 / 72 ) .

Preguntas