Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Sección V20/P113–V20/P115

المسألة الثالثة : قوله : { إن الله مع الذين اتقوا } معيته بالرحمة والفضل والرتبة ، وقوله : { الذين اتقوا } إشارة إلى التعظيم لأمر الله تعالى ، وقوله : { والذين هم محسنون } إشارة إلى الشفقة على خلق الله ، وذلك يدل على أن كمال السعادة للإنسان في هذين الأمرين أعني التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله ، وعبر عنه بعض المشايخ فقال : كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق ، وقال الحكماء : كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وعن هرم بن حيان أنه قيل له عند القرب من الوفاة أوص ، فقال : إنما الوصية من المال ولا مال لي ، ولكني أوصيكم بخواتيم سورة النحل . المسألة الرابعة : قال بعهضم : إن قوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } منسوخ بآية السيف ، وهذا في غاية البعد ، لأن المقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في كيفية الدعوة إلى الله تعالى ، وترك التعدي وطلب الزيادة ، ولا تعلق لهذه الأشياء بآية السيف ، وأكثر المفسرين مشغوفون بتكثير القول بالنسخ ، ولا أرى فيه فائدة والله أعلم بالصواب . < > 1 ( سورة الإسراء ) 1 < > مكية ، إلا الآيات : 26 و 32 و 33 و 57 ومن آية 73 إلى غاية آية 80 فمدنية وآياتها : 111 ، نزلت بعض القصص سورة بني إسرائيل عددها : مائة آية وعشر آيات عن ابن عباس أنها مكية ، غير قوله : { وإن كادوا ليستفزونك من الارض } ( الإسراء : 71 ) إلى قوله : { واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا } ( الإسراء : 80 ) فإنها مدنيات ، نزلت حين جاء وفد ثقيف . ! 7 < سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الا قصى الذى باركنا حوله لنريه من ءاياتنآ إنه هو السميع البصير } > 7 ! < < الإسراء : ( 1 ) سبحان الذي أسرى . . . . . > > { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله لنريه من ءاياتنا إنه هو } . في الآية مسائل :

Sección V20/P115–V20/P116

المسألة الأولى : قال النحويون : { سبحان } اسم علم للتسبيح يقال : سبحت الله تسبيحا وسبحانا ، فالتسبيح هو المصدر ، وسبحان اسم علم للتسبيح كقولك : كفرت اليمين تكفيرا وكفرانا وتفسيره تنزيه الله تعالى من كل سوء . قال صاحب ( النظم ) : السبح في اللغة التباعد ، يدل عليه قوله / تعالى : { إن لك فى النهار سبحا } ( المزمل : 7 ) أي تباعدا فمعنى : سبح الله تعالى ، أي بعده ونزهه عما لا ينبغي وتمام المباحث العقلبية في لفظ التسبيح قد ذكرناها في أول سورة الحديد ، وقد جاء في لفظ التسبيح معان آخرى : أحدها : أن التسبيح يذكر بمعنى الصلاة ، ومنه قوله تعالى : { فلولا أنه كان من المسبحين } ( الصفات : 143 ) أي من المصلين ، والسبحة الصلاة النافلة ، وإنما قيل للمصلي مسبح ، لأنه معظم لله بالصلاة ومنزه له عما لا ينبغي . وثانيها : ورد التسبيح بمعنى الاستثناء في قوله تعالى : { قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون } ( القلم : 28 ) أي تستثنون وتأويله أيضا يعود إلى تعظيم الله تعالى في الاستثناء بمشيئته . وثالثها : جاء في الحديث : ( لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء ) قيل معناه نور وجهه ، وقيل : سبحات وجهه ، نور وجهه الذي إذا رآه الرائي قال : سبحان الله ، وقوله : { أسرى } قال أهل اللغة : أسرى وسرى لغتان : وقوله : { بعبده } أجمع المفسرون على أن المراد محمد عليه الصلاة والسلام ، وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر بن الحسين رحمه الله قال : سمعت الشيخ الإمام أبا القاسم سليمان الأنصاري قال : لما وصل محمد صلوات الله عليه إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في العارج أوحى الله تعالى إليه : يا محمد بم أشرفك ؟ قال : ( رب بأن تنسبني إلى نفسك بالعبودية ) فأنزل الله فيه : { سبحان الذى أسرى بعبده } وقوله : { ليلا } نصب على الظرف . فإن قيل : الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل ؟ قلنا : أراد بقوله : { ليلا } بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية ، واختلفوا في ذلك الليل قال مقاتل : كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة ، ونقل صاحب ( الكشاف ) عن أنس والحسن أنه كان ذلك قبل البعثة . وقوله : { من المسجد الحرام } اختلفوا في المكان الذي أسرى به منه ، فقيل هو المسجد الحرام بعينه وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق ) وقيل أسري به من دار أم هانيء بنت أبي طالب . والمراد على هذا القول بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به ، وعن ابن عباس الحرم كله مسجد ، وهذا قول الأكثرين وقوله : { إلى المسجد الاقصى } اتفقوا على أن المراد منه بيت المقدس وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام وقوله : { الذى باركنا حوله } قيل بالثمار والأزهار ، وقيل بسبب أنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة . واعلم أن كلمة { إلى } لانتهاء الغاية فمدلول قوله : { إلى المسجد الاقصى } أنه وصل إلى حد ذلك / المسجد فأما أنه دخل ذلك المسجد أم لا فليس في اللفظ دلالة عليه ، وقوله : { لنريه من ءاياتنا } يعني ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله تعالى .

Sección V20/P116–V20/P117

فإن قالوا : قوله : { لنريه من ءاياتنا } يدل على أنه تعالى ما أراه إلا بعض الآيات ، لأن كلمة { من } تفيد التبعيض ، وقال في حق إبراهيم : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض } ( الأنعام : 75 ) فيلزم أن يكون معراج إبراهيم عليه السلام أفضل من معراج محمد صلى الله عليه وسلم . قلنا : الذي رآه إبراهيم ملكوت السموات والأرض ، والذي رآه محمد صلى الله عليه وسلم بعض آيات الله تعالى ، ولا شك أن آيات الله أفضل . ثم قال : { إنه هو السميع العليم } أي أن الذي أسرى بعبده هو السميع لأقوال محمد ، البصير بأفعاله ، العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الرياء ، مقرونة بالصدق والصفاء ، فلهذا السبب خصه الله تعالى بهذه الكرامات ، وقيل : المراد سميع لما يقولون للرسول في هذا الأمر ، بصير بما يعملون في هذه الواقعة . المسألة الثانية : اختلف في كيفية ذلك الإسراء فالأكثرون من طوائف المسلمين اتفقوا على أنه أسرى بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأقلون قالوا : إنه ما أسري إلا بروحه حكي عن محمد بن جرير الطبري في ( تفسيره ) عن حذيفة أنه قال ذلك رؤيا . وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما أسري بروحه ، وحكي هذا القول أيضا عن عائشة رضي الله عنها ، وعن معاوية رضي الله عنه . واعلم أن الكلام في هذا الباب يقع في مقامين : أحدهما : في إثبات الجواز العقلي . الثاني : في الوقوع . أما المقام الأول : وهو إثبات الجواز العقللي ، فنقول : الحركة الواقعة في السرعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها والله تعالى قادر على جميع الممكنات ، وذلك يدل على أن حصول الحركة في هذا الحد من السرعة غير ممتنع ، فنفتقر ههنا إلى بيان مقدمتين : المقدمة الأولى : في إثبات أن الحركة الواقعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها ويدل عليه وجوه : الوجه الأول : أن الفلك الأعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدور وقد ثبت في الهندسة أن نسبة القطر الواحد إلى الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع ، فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع وبتقدير أن يقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم فهو لم يتحرك إلا بمقدار نصف القطر فلما حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور فكان حصول الحركة بمقدار نصف القطر / أولى بالإمكان ، فهذا برهان قاطع على أن الارتقاء من مكة إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث من الليل أمر ممكن في نفسه ، وإذا كان كذلك كان حصوله في كل الليل أولى بالإمكان والله أعلم . الوجه الثاني : وهو أنه ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين وكذا مرة ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع ، وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه .

Sección V20/P117–V20/P118

الوجه الثالث : أنه كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش ، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم ، فإن كان القول بمرعاج محمد صلى الله عليه وسلم في الليلة الواحدة ممتنعا في العقول ، كان القول بنزول جبريل عليه الصلاة والسلام من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا ، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والقول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة ، فثبت أن القائلين بامتناع حصول حركة سريعة إلى هذا الحد ، يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل عليه الصلاة والسلام في اللحظة ممن العرش إلى مكة ، ولما كان ذلك باطلا كان ما ذكروه أيضا باطلا . فإن قالوا : نحن لا نقول إن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم ينتقل من مكان إلى مكان ، وإنما نقول المراد من نزول جبريل عليه السلام هو زوال الحجب الجسمانية عن روح محمد صلى الله عليه وسلم حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل عليه الصلاة والسلام . قلنا : تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء ، فأما جمهور المسلمين فهم مقرون بأن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك إلى مكة ، وإذاكان كذلك كان الإلزام المذكور قويا ، روي أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر قصة المعراج كذبه الكل وذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له : إن صاحبك يقول كذا وكذا فقال أبو بكر : إن كان قد قال ذلك فهو صادق ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الرسول له تلك التفاصيل ، فكلما ذكر شيئا قال أبو بكر صدقت فلما تمم الكلام قال أبو بكر : أشهد أنك رسول الله حقا ، فقال له الرسول : وأنا أشهد أنك الصديق حقا ، وحاصل الكلام أن أبا بكر رضي الله عنه كأنه قال لما سلمت رسالته فقد صدقته فيما هو أعظم من هذا فكيف أكذبه في هذا ؟ الوجه الرابع : أن أكثر أرباب الملل والنحل يسلمون وجود إبليس ويسلمون أنه هو الذي / يتولى إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم ، ويسلمون أنه يمكنه الانتقال من المشرق إلى المغرب لأجل إلقاء الوساوس في قلوب بني آدم ، فلما سلموا جواز مثل هذه الحركة السريعة في حق إبليس فلأن يسلموا جواز مثلها في حق أكابر الأنبياء كان أولى ، وهذا الإلزام قوي على من يسلم أن إبليس جسم ينتقل من مكان إلى مكان ، أما الذين يقولون إنه من الأرواح الخبيثة الشريرة وأنه ليس بجسم ولا جسماني ، فهذا الإلزام غير وارد عليهم ، إلا أن أكثر أرباب الملل والنحل يوافقون على أنه جسم لطيف متنقل . فإن قالوا : هب أن الملائكة والشياطين يصح في حقهم حصول مثل هذه الحركة السريعة لأنهم أجسام لطيفة ، ولا يمتنع حصول مثل هذه الحركة السريعة في ذواتها ، أما الإنسان فإنه جسم كثيف فكيف يعقل حصول مثل هذه الحركة السريعة فيه ؟ قلنا : نحن إنما استدللنا بأحوال الملائكة والشياطين على أن حصول حركة منتهية في السرعة إلى هذا الحد ممكن في نفس الأمر ، وأما بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها كانت أيضا ممكنة الحصول في جسم البدن الإنساني ، فذاك مقام آخر سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى /

Sección V20/P118–V20/P119

الوجه الخامس : أنه جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه الصلاة والسلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة قال تعالى في صفلا مسير سليمان عليه الصلاة والسلام : { غدوها شهر ورواحها شهر } ( سبأ : 12 ) بل نقول : الحس يدل على أن الرياح تنتقل عند شدة هبوبها من مكان إلى مكان في غاية البعد في اللحظة الواحدة ، وذلك أيضا يدل على أن مثل هذه الحركة السريعة في نفسها ممكنة . الوجه السادس : أن القرآن يدل على أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بقليس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر بدليل قوله تعالى : { قال الذى عنده علم من الكتاب أنا ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } ( النمل : 40 ) وإذاكان ممكنا في حق بعض الناس ، علمنا أنه في نفسه ممكن الوجود . الوجه السابع : إن من الناس من يقول : الحيوان إنما يبصر المبصرات لأجل أن الشعاع يخرج من عينيه ويتصل بالمبصر ثم إنا إذا فتحنا العين ونظرنا إلى رجل رأيناه فعلى قول هؤلاء انتقل شعاع العين من أبصارنا إلى رجل في تلك اللحظة اللطيفة ، وذلك يدل على أن الحركة الواقعة على هذا الحد من السريعة من الممكنات لا من الممتنعات ، فثبت بهذه الوجوه أن حصول الحركة المنتهية في السرعة إلى هذا الحد أمر ممكن الوجود في نفسه . المقدمة الثانية : في بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها وجب أن لا يكون / حصولها في جسد محمد صلى الله عليه وسلم ممتنعا ، والذي يدل عليه أنا بينا بالدلائل القطعية أن الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها ، فلما صح حصول مثل هذه الحركة في حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام ، وذلك يوجب القطع بأن حصول مثل هذه الحركة في جسد محمد صلى الله عليه وسلم أمر ممكن الوجود في نفسه . وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل الممكنات ، وثبت أن حصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد صلى الله عليه وسلم ممكن ، فوجب كونه تعالى قادرا عليه وحينئذ يلزم من مجموع هذه المقدمات أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه ، أقصى ما في الباب أنه يبقى التعجب ، إلا أن هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام ، بل هو حاصل في جميع المعجزات ، فانقلات العصا ثعبانا تبلغ سبعين ألف حبل من الحبال والعصي ، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب ، وخروج الناقة العظيمة من الجبل الأصم ، وإظلال الجبل العظيم في الهواء عجيب ، وكذا القول في جميع المعجزات فإن كان مجرد التعجب يوجب الإنكار والدفع ، لزم الجزم بفساد القول بإثبات المعجزات وإثبات المعجزات فرع على تسليم أصل النبوة وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإنكار والإبطال فكذا ههنا ، فهذا تمام القول في بيان أن القول بالمعراج ممكن غير ممتنع والله أعلم . المقام الثاني : في البحث عن وقوع المعراج قال أهل التحقيق : الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح محمد صلى الله عليه وسلم وجسده من مكة إلى المسجد الأقصى القرآن والخبر ، أما القرآن فهو هذه الآية ، وتقرير الدليل أن العبد اسم لمجموع الجسد والروح ، فوجب أن يكون الإسراء حاصلا لمجموع الجسد والروح .

Sección V20/P119–V20/P120

واعلم أن هذا الاستدلال موقوف على أن الإنسان هو الروح وحده أو الجسد وحده أو مجموع الجسد والروح ، أما القائلون بأن الإنسان هو الروح وحده ، فقد احتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن الإنسان شيء واحد باق من أول عمره إلى آخر ، والأجزاء البدنية في التبدل والتغير والانتقال والباقي غير متبدل ، فالإنسان مغاير لهذا البدن . وثانيها : إن الإنسان قد يكون عارفا بذاته المخصوصة حال ما يكون غافلا عن جميع أجزائه البدنية ، والمعلوم مغاير للمغفول عنه ، فالإنسان مغاير لهذا البدن . وثالثها : أن الإنسان يقول بمقتضى فطرته السليمة يدي ورجلي ودماغي وقلبي ، وكذا القول في سائر الأعضاء فيضيف كلها إلى ذاته المخصوصة والمضاف غير المضاف إليه فذاته المخصوصة وجب أن تكون مغايرة لكل هذه الأعضاء . / فإن قالوا : أليس أنه يضيف ذاته إلى نفسه ، فيقول ذاتي ونفسي فيلزمكم أن تكون نفسه مغايرة لذاته / وهذا محال . قلنا : نحن لا نتمسك بمجرد اللفظ حتى يلزمنا ما ذكرتموه ، بل إنما نتمسك بمحض العقل ، فإن صريح العقل يدل على أن الإنسان موجود واحد وذلك الشيء الواحد يأخذ بآله اليد ويبصر بآلة العين ، ويسمع بآلة الأذن فالإنسان شيء واحد ، وهذه الأعضاء آلات له في هذه الأفعال ، وذلك يدل على أن الإنسان شيء مغاير لهذه الأعضاء والآلات ، فثبت بهذه الوجوه أن الإنسان شيء مغاير لهذه البنية ولهذا الجسد . إذا ثبت هذا فنقول : { سبحان الذى أسرى بعبده } المراد من العبد جوهر الروح وعلى هذا التقرير فلم يبقى في الآية دلالة على حصول الإسراء بالجسد . فإن قالوا : فالإسرا بالروح ليس بأمر مخالف للعادة ، فلا يليق به أن يقال : { سبحان الذى أسرى بعبده } . قلنا : هذا أيضا بعيد ، لأنه لا يبعد أن يقال : إنه حصل لروحه من أنواع المكاشفات والمشاهدات ما لم يحصل لغيره ألبتة ، فلا جرم كان هذا الكلام لائقا به ، فهذا تقرير وجه السؤال على الاستدلال بهذه الآية في إثبات المعراج بالروح والجسد معا . والجواب : أن لفظ العبد لا يتناول إلا مجموع الروح والجسد ، والدليل عليه قوله تعالى : { أرأيت الذى ينهى عبدا إذا صلى } ( العلق : 9 ، 10 ) ولا شك أن المراد من العبد ههنا مجموع الروح والجسد . وقال أيضا في سورة الجن : { وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا } ( الجن : 19 ) والمراد مجموع الروح والجسد فكذا ههنا ، وأما الخبر فهو الحديث المروي في الصحاح وهو مشهور وهو يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس ، ثم منه إلى السموات ، واحتج المنكرون له بوجوه : أحدها : بالوجوه العقلية وهي ثلاثة : أولها : أن الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة . وثانيها : أن صعود الجرم الثقيل إلى السموات غير معقول . وثالثها : أن صعوده إلى السموات يوجب انحراق الأفلاك ، وذلك محال . والشبهة الثانية : أن هذا المعنى لو صح لكان أعظم من سائر المعجزات وكان يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع الناس حتى يستدلوا به على صدقه في ادعاء النبوة ، فأما أن يحصل ذلك في وقت لا يراه أحد ولا يشاهده أحد ، فإنه يكون ذلك عبثا ، وذلك لا يليق بالحكيم .

Sección V20/P120–V20/P121

والشبهة الثالثة : تمسكوا بقوله : { وما جعلنا الرءيا التى أريناك إلا فتنة للناس } ( الإسراء : 60 ) وما تلك الرؤيا إلا حديث المعراج ، وإنما كان فتنة للناس ؟ لأن كثيرا ممن آمن به لما سمع هذا الكلام كذبه وكفر / به فكان حديث المعراج سببا لفتنة الناس ، فثبت أن ذلك رؤيا رآه في المنام . الشبهة الرابعة : أن حديث المعراج اشتمل على أشياء بعيدة ، منها ما روي من شق بطنه وتطهيره بما زمزم وهو بعيد ، لأن الذي يمكن غسله بالماء هو النجاسات العينية ولا تأثير لذلك في تطهير القلب عن العقائد الباطلة والأخلاق المذمومة ، ومنها ما روي من ركوب البراق وهو بعيد ، لأنه تعالى لما سيره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك ، فأي حاجة إلى البراق ، ومنها ما روي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة ثم إن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يزل يتردد بين الله تعالى وبين موسى إلى أن عاد الخمسون إلى خمس بسبب شفقة موسى عليه الصلاة والسلام . قال القاضي : وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضوره ، وأنه يوجب البداء وذلك على الله تعالى محال ، فثبت أن ذلك الحديث مشتمل على ما يجوز قبوله فكان مردودا . والجواب عن الوجوه العقلية قد سبق فلا نعيدها . والجواب عن الشبهة الثانية : ما ذكره الله تعالى وهو قوله : { لنريه من ءاياتنا } وهذا كلام مجمل وفي تفصيله وشرحه وجوه : الأول : أن خيرات الجنة عطيمة ، وأهوال النار شديدة ، فلو أنه عليه الصلاة والسلام ما شاهدهما في الدنيا ، ثم شاهدهما في ابتداء يوم القيامة فربما رغب في خيرات الجنة أو خاف من أهوال النار ، أما لما شاهدهما في الدنيا في ليلة المعراج فحينئذ لا يعظم وقعهما في قلبه يوم القيامة فلا يبقى مشغول القلب بهما ، وحينئذ يتفرغ للشفاعة . الثاني : لا يمتنع أن تكون مشاهدته ليلة المعراج للأنبياء والملائكة ، صارت سببا لتكامل مصلحته أو مصلحتهم . الثالث : أنه لا يبعد أنه إذا صعد الفلك وشاهد أحوال السموات والكرسي والعرش ، صارت مشاهدة أحوال هذا العالم وأهواله حقيرة في عينه ، فتحصل له زيادة قوة في القلب باعتبارها يكون في شروعه في الدعوة إلى الله تعالى أكمل وقلة التفاته إلى أعداء الله تعالى أقوى ، يبين ذلك أن من عاين قدرة الله تعالى في هذا الباب ، لا يكون حاله في قوة النفس وثبات القلب على احتمال المكاره في الجهاد وغيره إلا أضعاف ما يكون عليه حال من لم يعاين . واعلم أن قوله : { لنريه من ءاياتنا } كالدلالة على أن فائدة ذلك الإسراءة مختصة به وعائدة إلى على بسل التعيين . والجواب عن الشبهة الثالثة : أنا عند الانتهاء إلى تفسير تلك الآية في هذه السورة نبين أن تلك الرؤيا رؤيا عيان لا رؤيا منام . والجواب عن الشبهة الرابعة : لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، والله أعلم . / المسألة الرابعة : أما العروج إلى السموات وإلى ما فوق العرش ، فهذه الآية لا تدل عليه ، ومنهم من استدل عليه بأول سورة والنجم ، ومنهم من استدل عليه بقوله تعالى : { لتركبن طبقا عن طبق } ( الإنشقاق : 19 ) وتفسيرهما مذكور في موضعه ، وأما دلالة الحديث فكما سلف والله أعلم . ! 7 < { وءاتينآ موسى الكتاب وجعلناه هدى لبنى إسراءيل ألا تتخذوا من دونى وكيلا ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا } > 7 < الإسراء : ( 2 - 3 ) وآتينا موسى الكتاب . . . . . > > في الآية مسائل :

Sección V20/P121–V20/P122

المسألة الأولى : اعلم أن الكلام في الآية التي قبل هذه الآية ، وفيها انتقل من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ، لأن قوله : { سبحان الذى أسرى } فيه ذكر الله على سبيل الغيبة وقوله : { باركنا حوله لنريه من ءاياتنا } فيه ثلاثة ألفاظ دالة على الحضور وقوله : { إنه هو السميع البصير } يدل على الغيبة وقوله : { وءاتينآ موسى الكتاب } الخ يدل على الحضور وانتقال الكلام من الغيبة إلى الحضور وبالعكس يسمى صنعة الالتفات . المسألة الثانية : ذكر الله تعالى في الآية الأولى إكرامه محمدا صلى الله عليه وسلم بأن أسرى به ، وذكر في هذه الآية أنه أكرم موسى عليه الصلاة والسلام قبله بالكتاب الذي آتاه فقال : { وءاتينآ موسى الكتاب } يعني التوراة : { وجعلناه هدى } أي يخرجهم بواسطة ذلك الكتاب من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين الحق وقوه : { ألا تتخذوا من دونى وكيلا } وفيه أبحاث : البحث الأول : قرأ أبو عمرو : { ألا تتخذوا } بالياء خبرا عن بني إسرائيل والباقون بالتاء على الخطاب ، أي قلنا لهم لا تتخذوا . البحث الثاني : قال أبو علي الفارسي : إن قوله : { ألا تتخذوا } فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون ( أن ) ناصبة للفعل فيكون المعنى : وجعلناه هدى لئلا تتخذوا . وثانيها : أن تكون ( أن ) بمعنى أي التي للتفسير وانصرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قراءة العامة كما انصرف منها إلى الخطاب . والأمر في قوله : { وانطلق الملا منهم أن امشوا } ( ص: 6 ) فكذلك انصرف من الغيبة إلى النهي في قوله : { ألا تتخذوا } . وثالثها : أن تكون ( أن ) زائدة ويجعل تتخذوا على القول المضمر والتقدير : وجعلناه هدى لبني إسرائيل فقلنا لا تتخذوا من دوني وكيلا . / البحث الثالث : قوله : { وكيلا } أي ربا تكلون أموركم إليه . أقول حاصل الكلام في الآية : أنه تعالى ذكر تشريف محمد صلى الله عليه وسلم بالإسراء ، ثم ذكر عقيبه تشريف موسى عليه الصلاة والسلام بإنزال التوراة عليه ، ثم وصف التوراة بكونها هدى ، ثم بين أن التوراة إنما كان هدى لاشتماله على النهي عن اتخاذ غير الله وكيلا ، وذلك هو التوحيد ، فرجع حاصل الكلام بعد رعاية هذه المراتب أنه لا معراج أعلى ولا درجة أشرف ولا منقبة أعظم من أن يصير المرء غرقا في بحر التوحيد وأن لا يعول في أمر من الأمور إلا على الله ، فإن نطق ، نطق بذكر الله ، وإن تفكر ، تفكر في دلائل تنزيه الله تعالى ، وإن طلب طلب من الله ، فيكون كله لله وبالله ، ثم قال : { ذرية من حملنا مع نوح } وفي نصب { ذرية } وجهان : الوجه الأول : أن يكون نصبا على النداء يعني : يا ذرية من حملنا مع نوح وهذا قول مجاهد لأنه قال : هذا نداء قال الواحدي : وإنما يصح هذا على قراءة من قرأ بالتاء كأنه قيل لهم : لا تتخذوا من دوني وكيلا يا ذرية من حملنا مع نوح في السفينة قال قتادة : الناس كلهم ذرية نوح لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين : سام وحام ويافث فالناس كلهم من ذرية أولئك ، فكان قوله : يا ذرية من حملنا مع نوح ، قائما مقام قوله : { يذهبكم أيها الناس } .

Sección V20/P122–V20/P123

الوجه الثاني : في نصب قوله : { ذرية } أن الاتخاذ فعل يتعدى إلى مفعولين كقوله : { واتخذ الله إبراهيم خليلا } ( النساء : 125 ) والتقدير : لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلا ، ثم إنه تعالى أثنى على نوح فقال : { إنه كان عبدا شكورا } ( الإسراء : 3 ) أي كان كثير الشكر ، روي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أكل قال : ( الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني ) وإذا شرب قال : ( الحمد لله الذي أسقاني ولو شاء أظمأني ) وإذا اكتسى قال : ( الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني ) وإذا احتذى قال : ( الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني ) وإذا قضى حاجته قال : ( الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه ) وروي أنه كان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجا آثره به . فإن قيل : قوله : { إنه كان عبدا شكورا } ما وجه ملايمته لما قبله ؟ قلنا : التقدير كأنه قال : لا تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي ، لأن نوحا عليه الصلاة والسلام كان عبدا شكورا ، وإنما يكون العبد شكورا لو كان موحدا لا يرى حصول شيء من النعم إلا من فضل الله وأنتم ذرية قومه فاقتدوا بنوح عليه السلام ، كما أن آباءكم اقتدوا به والله أعلم . ! 7 < { وقضينآ إلى بنى إسراءيل فى الكتاب لتفسدن فى الا رض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } > 7 < الإسراء : ( 4 - 6 ) وقضينا إلى بني . . . . . > > /اعلم أنه تعالى لما ذكر إنعامه على بني إسرائيل بإنزال التوراة عليهم ، وبأنه جعل التوراة هدى لهم ، بين أنهم ما اهتدوا بهداه ، بل وقعوا في الفساد فقال : { وقضينا إلى بنى إسراءيل فى الكتاب لتفسدن فى الارض مرتين } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : القضاء في اللغة عبارة عن قطع الأشياء عن إحكام ، ومنه قوله : { فقضاهن سبع سماوات } ( فصلت : 12 ) وقول الشاعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود

Sección V20/P123–V20/P124

فقوله : { وقضينا } أي أعلمناهم وأخبرناهم بذلك وأوحينا إليهم . ولفظ { إلى } صلة للإيحاء ، لأن معنى قضينا أوحينا إليهم كذا . وقوله : { لتفسدن } يريد المعاصي وخلاف أحكام التوراة وقوله : { فى الارض } يعني أرض مصر وقوله : { ولتعلن علوا كبيرا } يعني أنه يكون استعلاؤكم على الناس بغير الحق استعلاء عظيما ، لأنه يقال لكل متجبر : قد علا وتعظم ، ثم قال : { فإذا جآء وعد أولاهما } يعني أولى المرتين : { بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد } والمعنى : أنه إذا جاء وعد الفساق في المرة الأولى أرسلنا عليكم قوما أولى بأس شديد ، ونجدة وشدة ، والبأس القتال ، ومنه قوله تعالى : { وحين البأس } ( البقرة : 177 ) ومعنى بعثنا عليكم أرسلنا عليكم ، وخلينا بينكم وبينهم خاذلين إياكم ، واختلفوا في أن هؤلاء العباد من هم ؟ قيل : إن بني إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء ، وذلك أول الفسادين فسلط الله عليهم بختنصر فقتل منهم أربعين ألفا ممن يقرأ التوراة وذهب بالبقية إلى أرض نفسه فبقوا هناك في الذل إلى أن قيض الله ملكا آخر غزا أهل بابل واتفق أن / تزوج بامرأة من بني إسرائيل فطلبت تلك المرأة من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل ، وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا ، فهو قوله : { ثم رددنا لكم الكرة عليهم } . والقول الثاني : إن المراد من قوله : { بعثنا عليكم عبادا لنا } أن الله تعالى سلط عليهم جالوت حتى أهلكهم وأبادهم وقوله : { ثم رددنا لكم الكرة } هو أنه تعالى قوى طالوت حتى حارب جالوت ونصر داود حتى قتل جالوت فذاك هو عود الكرة . والقول الثالث : إن قوله : { بعثنا عليكم عبادا لنا } هو أنه تعالى ألقى الرعب من بني إسرائيل في قلوب المجوس ، فلما كثرت المعاصي فيهم أزال ذلك الرعب عن قلوب المجوس فقصدوهم وبالغوا في قتلهم وإفنائهم وإهلاكهم . واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض في معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم ، بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصي سلط عليهم أقواما قتلوهم وأفنوهم . ثم قال تعالى : { فجاسوا خلال الديار } قال الليث : الجوس والجوسان التردد خلال الديار ، والبيوت في الفساد ، والخلال هو الانفراج بين الشيئين ، والديار ديار بيت المقدس ، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير جاسوا فعن ابن عباس فتشوا وقال أبو عبيدة : طلبوا من فيها . وقال ابن قتيبة : عاثوا وأفسدوا . وقال الزجاج : طافوا خلال الديار هل بقي أحد لم يقتلوه . قال الواحدي : الجوس هو التردد والطلب وذلك محتمل لكل ما قالوه . ثم قال تعالى : { وكان وعدا مفعولا } أي كان قضاء الله بذلك قضاء جزما حتما لا يقبل النقض والنسخ ، ثم قال تعالى : { ثم رددنا لكم الكرة } أي أهلكنا أعداءكم ورددنا الدولة والقوة عليكم : { وجعلناكم أكثر نفيرا } النفير العدد من الرجال وأصله من نفر مع الرجل من عشيرته وقومه ، والنفير والنافر واحد ، كالقدير والقادر ، وذكرنا معنى نفر عند قوله : { فلولا نفر من كل فرقة } ( التوبة : 122 ) وقوله : { انفروا خفافا } ( التوبة : 41 ) .

Sección V20/P124–V20/P125

المسألة الثانية ؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في مسألة القضاء والقدر من وجوه : الأول : أنه تعالى قال : { وقضينا إلى بنى إسراءيل فى الكتاب لتفسدن فى الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا } وهذا القضاء أقل احتمالاته الحكم الجزم ، والخبر الحتم ، فثبت أنه تعالى أخبر عنهم أنهم سيقدمون على الفساد والمعاصي خبرا جزما لا يقبل النسخ ، لأن القضاء معناه الحكم الجزم على ما شرحناه . ثم إنه تعالى أكد ذلك القضاء مزيد تأكيد فقال : { وكان وعدا مفعولا } . / إذا ثبت هذا فنقول : عدم وقوع ذلك الفساد عنهم يستلزم انقلاب خبر الله تعالى الصدق كذبا وانقلاب حكمه الجازم باطلا ، وانقلاب علمه الحق جهلا ، وكل ذلك محال ، فكان عدم إقدامهم على ذلك الفساد محالا ، فكان إقدامهم عليه واجبا ضروريا لا يقبل النسخ والرفع ، مع أنهم كلفوا بتركه ولعنوا على فعله ، وذلك يدل على قولنا : إن الله قد يأمر بشيء ويصد عنه وقد ينهى عن شيء ويقضي بتحصيله ، فهذا أحد وجوه الاستدلال بهذه الآية . الوجه الثاني : في الاستدلال بهذه الآية قوله تعالى : { بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد } والمراد أولئك الذين تسلطوا على بني إسرائيل بالقتل والنهب والأسر ، فبين تعالى أنه هو الذي بعثهم على بني إسرائيل ، ولا شك أن قتل بني إسرائيل ونهب أموالهم وأسر أولادهم كان مشتملا على الظلم الكثير والمعاصي العظيمة . ثم إنه تعالى أضاف كل ذلك إلى نفسه بقوله : { ثم بعثنا عليكم } وذلك يدل على أن الخير والشر والطاعة والمعصية من الله تعالى . أجاب الجبائي عنه من وجهين : الأول : المراد من { بعثنا عليكم } هو أنه تعالى أمر أولئك الأقوام بغزو بني إسرائيل لما ظهر فيهم من الفساد ، فأضيف ذلك الفعل إلى الله تعالى من حيث الأمر . والثاني : أن يكون المراد خلينا بينهم وبين بني إسرائيل ، وما ألقينا الخوف من بني إسرائيل في قلوبهم . وحاصل الكلام أن المراد من هذا البعث التخلية وعدم المنع . واعلم أن الجواب الأول ضعيف ؛ لأن الذين قصدوا تخريب بيت المقدس وإحراق التوراة وقتل حفاظ التوراة لا يجوز أن يقال إنهم فعلوا ذلك بأمر الله تعالى . والجواب الثاني أيضا ضعيف ، لأن البعث على الفعل عبارة عن التقوية عليه وإلقاء الدواعي القوية في القلب ، وأما التخلية فعبارة عن عدم المنع ، والأول فعل ، والثاني ترك ، فتفسير البعث بالتخلية تفسير لأحد الضدين بالآخر وأنه لا يجوز ، فثبت صحة ما ذكرناه والله أعلم . ! 7 < { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جآء وعد الا خرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } > 7 < الإسراء : ( 7 - 8 ) إن أحسنتم أحسنتم . . . . . > > /وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما عصوا سلط عليهم أقواما قصدوهم بالقتل والنهب والسبي ، ولما تابوا أزال عنهم تلك المحنة وأعاد عليهم الدولة ، فعند ذلك ظهر أنهم إن أطاعوا فقد أحسنوا إلى أنفسهم ، وإن أصروا على المعصية فقد أساؤا إلى أنفسهم ، وقد تقرر في العقول أن الإحسان إلى النفس حسن مطلوب ، وأن الإساءة إليها قبيحة ، فلهذا المعنى قال تعالى : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } .

Sección V20/P125–V20/P126

المسألة الثانية ؛ قال الواحدي : لا بد ههنا من إضمار ، والتقدير : وقلنا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ، والمعنى : إن أحسنتم بفعل الطاعات فقد أحسنتم إلى أنفسكم من حيث إن ببركة تلك الطاعات يفتح الله عليكم أبواب الخيرات والبركات ، وإن أسأتم بفعل المحرمات أسأتم إلى أنفسكم من حيث إن بشؤم تلك المعاصي يفتح الله عليكم أبواب العقوبات . المسألة الثالثة : قال النحويون : إنما قال : { وإن أسأتم فلها } للتقابل والمعنى : فإليها أو فعليها مع أن حروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعض ، كقوله تعالى : { يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها } ( الزلزلة : 4 ، 5 ) أي إليها . المسألة الرابعة ؛ قال أهل الإشارات هذه الآية تدل على أن رحمة الله تعالى غالبة على غضبه بدليل أنه لما حكى عنهم الإحسان أعاده مرتين فقال : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم } ولما حكى عنهم الإساءة اقتصر على ذكرها مرة واحدة فقال : { وإن أسأتم فلها } ولولا أن جانب الرحمة غالب وإلا لما كان كذلك . ثم قال تعالى : { فإذا جاء وعد الاخرة } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال المفسرون : معناه وعد المرة الأخيرة ، وهذه المرة الأخيرة هي إقدامهم على قتل زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام . قال الواحدي : فبعث الله تعالى عليهم بختنصر البابلي المجوسي أبغض خلقه إليه فسبى بني إسرائيل وقتل وخرب بيت المقدس أقول : التواريخ تشهد بأن بختنصر كان قبل وقت عيسى عليه الصلاة والسلام ويحيى وزكريا عليهما الصلاة والسلام بسنين متطاولة ، ومعلوم أن الملك الذي انتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له : / قسطنطين الملك ، والله أعلم بأحوالهم ، ولا يتعلق غرض من أغراض تفسير القرآن بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام . المسألة الثانية : جواب قوله : { فإذا جاء } محذوف تقديره : فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوؤا وجوهكم وإنما حسن هذا الحذف لدلالة ما تقدم عليه من قوله : { بعثنا عليكم عبادا لنا } ( الإسراء : 5 ) ثم قال : { فولوا وجوهكم } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : يقال : ساءه يسوءه أي أحزنه ، وإنما عزا الإساءة إلى الوجوه ، لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه ، فإن حصل الفرح في القلب ظهرت النضرة والإشراق والإسفار في الوجه . وإن حصل الحزن والخوف في القلب ظهر الكلوح والغبرة والسواد في الوجه ، فلهذا السبب عزيت الإساءة إلى الوجوه في هذه الآية ، ونظير هذا المعنى كثير في القرآن . المسألة الثانية : قرأ العامة : ليسوؤا على صيغة المغايبة ، قال الواحدي : وهي موافقة للمعنى وللفظ . أما المعنى فهو أن المبعوثين هم الذين يسوؤنهم في الحقيقة ، لأنهم هم الذين يقتلون ويأسرون وأما اللفظ فلأنه يوافق قوله : { وليدخلوا المسجد } وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة : { ليسوء } على إسناد الفعل إلى الواحد ، وذلك الواحد يحتمل أن يكون أحد أشياء ثلاثة : إما اسم الله سبحانه لأن الذي تقدم هو قوله : ثم ردنا وأمددنا ، وكل ذلك ضمير عائد إلى الله تعالى ، وإما أن يكون ذلك الواحد هو البعث ودل عليه قوله : { أولاهما بعثنا } والفعل المتقدم يدل على المصدر كقوله تعالى : { ولا يحسبن الذين يبخلون بما ءاتاهم الله من فضله هو خيرا لهم } ( آل عمران : 18 ) وقال الزجاج : ليسوء الوعد وجوهكم ، وقرأ الكسائي بالنون وهذا على إسناد الفعل إلى الله تعالى كقوله : بعثنا عليكم وأمددنا .

Sección V20/P126–V20/P128

ثم قال تعالى : { وليتبروا ما علوا تتبيرا } يقال : تبر الشيء تبرا إذا هلك وتبره أهلكه . قال الزجاج : كل شيء جعلته مكسرا ومفتتا فقد تبرته ، ومنه قيل : تبر الزجاج وتبر الذهب لمكسره ، ومنه قوله تعالى : { إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون } ( الأعراف : 139 ) وقوله : { ولا تزد الظالمين } ( نوح : 28 ) وقوله : { وليتبروا ما علوا } يحتمل ما غلبوا عليه وظفروا به ، ويحتمل ويتبروا ما داموا غالبين ، أي ما دام سلطانهم جاريا على بني إسرائيل ، وقوله : { تتبيرا } ذكر للمصدر على معنى تحقيق الخبر وإزالة الشك في صدقه كقوله : { وكلم الله موسى تكليما } ( النساء : 164 ) أي حقا ، والمعنى : وليدمروا ويخربوا ما غلبوا عليه . ثم قال تعالى : { عسى ربكم أن يرحمكم } والمعنى : لعل ربكم أن يرحمكم ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل . / ثم قال : { وإن عدتم عدنا } يعني : أن بعثنا عليكم من بعثنا ، ففعلوا بكم ما فعلوا عقوبة لكم وعظة لتنتفعوا به وتنزجروا به عن ارتكاب المعاصي ، ثم رحمكم فأزال هذا العذاب عنكم ، فإن عدتم مرة أخرى إلى المعصية عدنا إلى صب البلاء عليكم في الدنيا مرة أخرى . قال القفال : إنما حملنا هذه الآية على عذاب الدنيا لقوله تعالى في سورة الأعراف خبرا عن بني إسرائيل : { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب } ( الأعراف : 167 ) ثم قال : { وإن عدتم عدنا } أي وإنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي وهو التكذيب لمحمد صلى الله عليه وسلم وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل ، فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب . فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والجلاء ، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية لا ملك لهم ولا سلطان . ثم قال تعالى : { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } والحصير فعيل فيحتمل أن يكون بمعنى الفاعل ، أي وجعلنا جهنم حاصرة لهم ، ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول ، أي جعلناها موضعا محصورا لهم ، والمعنى أن عذاب الدنيا وإن كان شديدا قويا إلا أنه قد يتفلت بعض الناس عنه ، والذي يقع في ذلك العذاب يتخلص عنه ، إما بالموت وإما بطريق آخر ، وأما عذاب الآخرة فإنه يكون حاصرا للإنسان محيطا به لا رجاء في الخلاص عنه ، فهؤلاء الأقوام لهم من عذاب الدنيا ما وصفناه ويكون لهم بعد ذلك من عذاب الآخرة ما يكون محيطا بهم من جميع الجهات ولا يتخلصون منه أبدا . ! 7 < { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا وأن الذين لا يؤمنون بالا خرة أعتدنا لهم عذابا أليما } > 7 < الإسراء : ( 9 - 10 ) إن هذا القرآن . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما شرح ما فعله في حق عباده المخلصين وهو الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإيتاء الكتاب لموسى عليه الصلاة والسلام ، وما فعله في حق العصاة والمتمردين وهو تسليط أنواع البلاء عليهم ، كان ذلك تنبيها على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته توجب كل بلية وغرامة ، لا جرم أثنى على القرآن فقال : { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } .

Sección V20/P128–V20/P129

/ واعلم أن قوله تعالى : { دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا } ( إبراهيم : 161 ) يدل على كون هذا الدين مستقيما ، وقوله في هذه الآية : { للتى هى أقوم } يدل على أن هذا الدين أقوم من سائر الأديان . وأقول : قولنا هذا الشيء أقوم من ذاك ، إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة ، ثم كان حصول معنى الاستقامة في إحدى الصورتين أكثر وأكمل من حصوله في الصورة الثانية ، وهذا محال لأن المراد من كونه مستقيما كونه حقا وصدقا ، ودخول التفاوت في كون الشيء حقا وصدقا محال ، فكان وصفه بأنه أقوم مجازا ، إلا أن لفظ الأفعل قد جاء بمعنى الفاعل كقولنا : الله أكبر أي الله كبير ، وقولنا : الأشج والناقص أعدلا بني مروان ، أي : عادلا بني مروان ، أو يحمل هذا اللفظ على الظاهر المتعارف . والله أعلم . البحث الثاني : قوله : { للتى هى أقوم } نعت لموصوف محذوف ، والتقدير : يهدي للملة أو الشريعة أو الطريقة التي هي أقوم الملل والشرائع والطرق ، ومثل هذه الكناية كثيرة الاستعمال في القرآن كقوله : { ادفع بالتى هى أحسن } ( فصلت : 34 ) أي بالخصلة التي هي أحسن . أما قوله : { ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا } فاعلم أنه تعالى وصف القرآن بثلاثة أنواع من الصفات : الصفة الأولى : أنه يهدي للتي هي أقوم ، وقد مر تفسيره . والصفة الثانية : أنه يبشر الذين يعملون الصالحات بالأجر الكبير ، وذلك لأن الصفة الأولى لما دلت على كون القرآن هاديا إلى الإعتقاد الأصوب والعمل الأصلح ، وجب أن يظهر لهذا الصواب والصلاح أثر ، وذلك هو الأجر الكبير لأن الطريق الأقوم لا بد وأن يفيد الربح الأكبر والنفع الأعظم . والصفة الثالثة : قوله : { وأن الذين لا يؤمنون بالاخرة أعتدنا لهم عذابا أليما } وذلك لأن الإعتقاد الأصوب والعمل الأصلح ، كما يوجب لفاعله النفع الأكمل الأعظم ، فكذلك تركه يوجب لتاركه الضرر الأعظم الأكمل . واعلم أن قوله : { وأن الذين لا يؤمنون بالاخرة } عطف على قوله : { أن لهم أجرا كبيرا } والمعنى أنه تعالى بشر المؤمنين بنوعين من البشارة بثوابهم وبعقاب أعدائهم ، ونظيره قوله : بشرت زيدا أنه سيعطى وبأن عدوه سيمنع . فإن قيل : كيف يليق لفظ البشارة بالعذاب ؟ قلنا : مذكور على سبيل التهكم ، أو يقال : إنه من باب إطلاق اسم الضدين على الآخر ، كقوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) . / فإن قيل : هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة ، فكيف يليق بهذا الموضع قوله : { وأن الذين لا يؤمنون بالاخرة أعتدنا لهم عذابا أليما } . قلنا عنه جوابان : أحدهما : أن أكثر اليهود ينكرون الثواب والعقاب الجسمانيين ، والثاني : أن بعضهم قال : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات } ( آل عمران : 24 ) فهم في هذا القول صاروا كالمنكرين للآخرة ، والله أعلم . ! 7 < { ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان الإنسان عجولا } > 7 ! < < الإسراء : ( 11 ) ويدع الإنسان بالشر . . . . . > > وفي الآية مباحث : البحث الأول : اعلم أن وجه النظم هو أن الإنسان بعد أن أنزل الله عليه القرآن وخصه بهذه النعمة العظيمة والكرامة الكاملة ، قد يعدل عن التمسك بشرائعه والرجوع إلى بياناته ، ويقدم على ما لا فائدة فيه فقال : { ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير } . البحث الثاني : اختلفوا في المراد من دعاء الإنسان بالشر على أقوال :

Sección V20/P129–V20/P130

القول الأول : المراد منه : النضر بن الحرث حيث قال : { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك } ( الأنفال : 32 ) فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته ، فكان بعضهم يقول : ائتنا بعذاب الله . وآخرون يقولون : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين . وإنما فعلوا ذلك للجهل واعتقاد أن محمدا كاذب فيما يقول . والقول الثاني : المراد أنه في وقت الضجر يلعن نفسه وأهله وولده وماله ، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرا فأقبل يئن بالليل فقالت له : ما لك تئن ؟ فشكى ألم القيد فأرخت له من كتافه ، فلما نامت أخرج يده وهرب ، فلما أصبح النبي عليه الصلاة والسلام دعا به فأعلم بشأنه ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( اللهم اقطع يدها ) فرفعت سودة يدها تتوقع أن يقطع الله يدها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني سألت الله أن يجعل دعائي على من لا يستحق عذابا من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما تغضبون ، فلترد سودة يدها ) . والقول الثالث : أقول : يحتمل أن يكون المراد : أن الإنسان قد يبالغ في الدعاء طلبا لشيء يعتقد أن خيره فيه ، مع أن ذلك الشيء يكون منبع شره وضرره ، وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء ، وإنما يقدم على مثل هذا العمل لكونه عجولا مغترا بظواهر الأمور غير متفحص عن حقائقها وأسرارها . / البحث الرابع : القياس : إثبات الواو في قوله : { ويدع } إلا أنه حذف في المصحف من الكتابة ، لأنه لا يظهر في اللفظ ، أما لم تحذف في المعنى لأنها في موضع الرفع ، ونظيره : { سندع الزبانية } ( العلق : 18 ) { وسوف يؤت الله المؤمنين } ( المؤمنين : 146 ) { ويوم يناديهم المناد } ( ق : 41 ) { فما تغنى النذر } ( القمر : 5 ) ولو كان بالواو والياء لكان صوابا هذا كلام الفراء . وأقول : إن هذا يدل على أنه سبحانه قد عصم هذا القرآن المجيد عن التحريف والتغيير فإن إثبات الياء والواو في أكثر ألفاظ القرآن وعدم إثباتهما في هذه المواضع المعدودة يدل على أن هذا القرآن نقل كما سمع ، وأن أحدا لم يتصرف فيه بمقدار فهمه وقوة عقله . ثم قال تعالى : { وكان الإنسان عجولا } وفي هذا الإنسان قولان : القول الأول : آدم عليه السلام ، وذلك لأنه لما انتهت الروح إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه فذهب لينهض فلم يقدر ، فهو قوله : { وكان الإنسان عجولا } . والقول الثاني : أنه محمول على الجنس ، لأن أحدا من الناس لا يعرى عن عجلة ، ولو تركها لكان تركها أصلح له في الدين والدنيا ، وأقول : بتقدير أن يكون المراد هو القول الأول ، كان المقصود عائدا إلى القول الثاني ، لأنا إذا حملنا الإنسان على آدم عليه الصلاة والسلام كان المعنى أن آدم الذي كان أصل البشر لما كان موصوفا بهذه العجلة وجب أن تكون هذه صفة لازمة للكل ، فكان المقصود عائدا إلى القول الثاني ، والله أعلم . ! 7 < { وجعلنا اليل والنهار ءايتين فمحونآ ءاية اليل وجعلنآ ءاية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شىء فصلناه تفصيلا } > 7 ! < < الإسراء : ( 12 ) وجعلنا الليل والنهار . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : في تقرير النظم وجوه :

Sección V20/P130–V20/P131

الوجه الأول : أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من نعم الدين وهو القرآن أتبعه ببيان ما أوصل إليهم من نعم الدنيا فقال : { وجعلنا اليل والنهار ءايتين } وكما أن القرآن ممتزج من المحكم والمتشابه ، فكذلك الدهر مركب من النهار والليل . فالمحكم كالنهار ، والمتشابه كالليل ، وكما / أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه ، فكذلك الوقت والزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بالنهار والليل . والوجه الثاني : في تقرير النظم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، وذلك الأقوم ليس إلا ذكر الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة ، لا جرم أردفه بذكر دلائل التوحيد ، وهو عجائب العالم العلوي والسفلي . الوجه الثالث : أنه لما وصف الإنسان بكونه عجولا أي منتقلا من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة ، بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك ، وهو الانتقال من النور إلى الظلمة وبالضد ، وانتقال نور القمر من الزيادة إلى النقصان وبالضد . والله أعلم . المسألة الثانية ؛ في قوله : { وجعلنا اليل والنهار ءايتين } قولان : القول الأول : أن يكون المراد من الآيتين نفس الليل والنهار . والمعنى : أنه تعالى جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا . أما في الدين : فلأن كل واحد منهما مضاد للآخر مغاير له ، مع كونهما متعاقبين على الدوام ، من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين لذاتهما ، بل لا بد لهما من فاعل يدبرهما ويقدرهما بالمقادير المخصوصة ، وأما في الدنيا : فلأن مصالح الدنيا لا تتم إلا بالليل والنهار ، فلولا الليل لما حصل السكون والراحة ، ولولا النهار لما حصل الكسب والتصرف في وجوه المعاش . ثم قال تعالى : { فمحونا ءاية اليل } وعلى هذا القول : تكون الإضافة في آية الليل والنهار للتبيين ، والتقدير : فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي نفس النهار مبصرة ، ونظيره قولنا : نفس الشيء وذاته ، فكذلك آية الليل هي نفس الليل . ويقال أيضا : دخلت بلاد خراسان أي دخلت البلاد التي هي خراسان ، فكذلك ههنا . القول الثاني : أن يكون المراد وجعلنا نيري الليل والنهر آيتين يريد الشمس والقمر ، فمحونا آية الليل وهي القمر ، وفي تفسير محو القمر قولان : القول الأول : المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور ، فيبدو في أول الأمر في صورة الهلال ، ثم لا يزال يتزايد نوره حتى يصير بدرا كاملا ، ثم يأخذ في الانتقاص قليلا قليلا ، وذلك هو المحو ، إلى أن يعود إلى المحاق .

Sección V20/P131–V20/P132

والقول الثاني : المراد من محو القمر الكلف الذي يظهر في وجهه يروى أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء ، فأرسل الله جبريل عليه الصلاة والسلام فأمر جناحه على وجه القمر / فطمس عنه الضوء . ومعنى المحو في اللغة : إذهاب الأثر ، تقول : محوته أمحوه وانمحى وامتحى إذا ذهب أثره ، وأقول : حمل المحو في هذه الآية على الوجه الأول أولى ، وذلك لأن اللام في قوله : { لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب } متعلق بما هو مذكور قبل ، وهو محو آية الليل . وجعل آية النهار مبصرة ومحو آية الليل إنما يؤثر في ابتغاء فضل الله . إذا حملنا المحو على زيادة نور القمر ونقصانه ، لأن سبب حصول هذه الحالة يختلف بأحوال نور القمر ، وأهل التجارب يبنوا أن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه ، مثل أحوال البحار في المد والجزر ، ومثل أحوال التجربات على ما تذكره الأطباء في كتبهم ، وأيضا بسبب زيادة نور القمر ونقصانه يحصل الشهور ، وبسبب معاودة الشهور يحصل السنون العربية المبنية على رؤية الأهلة كما قال : { ولتعلموا عدد السنين والحساب } فثبت أن حمل المحو على ما ذكرناه أولى . وأقول أيضا : لو حملنا المحو على الكلف الحاصل في وجه القمر ، فهو أيضا برهان عظيم قاهر على صحة قول المسلمين في المبدأ والمعاد ، أما دلالته على صحة قولهم في المبدأ ، فلأن جرم القمر جرم بسيط عند الفلاسفة ، فوجب أن يكون متشابه الصفات ، فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدل على أنه ليس بسبب الطبيعة ، بل لأجل أن الفاعل المختار خصص بعض أجزائه بالنور القوي ، وبعض أجزائه بالنور الضعيف ، وذلك يدل على أن مدبر العالم فاعل مختار لا موجب بالذت . وأحسن ما ذكره الفلاسفة في الاعتذار عنه ، أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء ، مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك ، فلما كانت تلك الأجرام أقل ضوأ من جرم القمر ، لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان ، وهذا لا يفيد مقصود الخصم ، لأن جرم القمر لما كان متشابه الأجزاء فلم ارتكزت تلك الأجرام الظلمانية في بعض أجزاء القمر دون سائر الأجزاء ؟ وبمثل هذا الطريق يتمسك في أحوال الكواكب ، وذلك لأن الفلك جرم بسيط متشابه الأجزاء فلم لم يكن حصول جرم الكواكب في بعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب ؟ وذلك يدل على أن اختصاص ذلك الكوكب بذلك الموضع المعين من الفلك لأجل تخصيص الفاعل المختار ، وكل هذه الدلائل إنما يراد من تقريرها وإيرادها التنبيه على أن المؤثر في العالم فاعل بالاختيار لا موجب بالذات ، والله أعلم . أما قوله : { وجعلنا اليل والنهار ءايتين } ففيه وجهان : الأول : أن معنى كونها مبصرة أي مضيئة وذلك لأن الإضاءة سبب لحصول الإبصار ، فأطلق اسم الأبصار على الإضاءة إطلاقا لاسم المسبب على السبب . والثاني : قال أبو عبيدة يقال : قد أبصر النهار إذا صار الناس يبصرون فيه ، كقوله : / رجل مخبث إذا كان أصحابه خبثاء ، ورجل مضعف إذا كانت ذراريه ضعافا ، فكذا قوله : والنهار مبصرا ، أي أهله بصراء . واعلم أنه تعالى ذكر في آيات كثيرة منافع الليل والنهار ، قال : { وجعلنا اليل لباسا وجعلنا النهار معاشا } ( النبأ : 10 و 11 ) وقال أيضا : { جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } ( القصص : 73 ) . ثم قال تعالى : { ولتبتغوا فضلا من ربكم } أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم { ولتعلموا عدد السنين والحساب } .

Sección V20/P132–V20/P133

واعلم أن الحساب مبني على أربع مراتب : الساعات والأيام والشهور والسنون ، فالعدد للسنين ، والحساب لما دون السنين ، وهي الشهور والأيام والساعات ، وبعد هذه المراتب الأربع لا يحصل إلا التكرار كما أنهم رتبوا العدد على أربع مراتب : الآحاد والعشرات والمئات والألوف ، وليس بعدها إلا التكرار والله أعلم . ثم قال : { وكل شىء فصلناه تفصيلا } والمعنى : أنه تعالى لما ذكر أحوال آيتي الليل والنهار وهما من وجه دليلان قاطعان على التوحيد ، ومن وجه آخر نعمتان عظيمتان من الله تعالى على أهل الدنيا / فلما شرح الله تعالى حالهما وفصل ما فيهما من وجوه الدلالة على الخالق ومن وجوه النعم العظيمة على الخلق ، كان ذلك تفصيلا نافعا وبيانا كاملا ، فلا جرم قال : { وكل شىء فصلناه تفصيلا } أي كل شيء بكم إليه حاجة في مصالح دينكم ودنياكم ، فقد فصلناه وشرحناه ، وهو كقوله تعالى : { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } ( الأنعام : 38 ) وقوله : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء } ( النحل : 89 ) وقوله : { تدمر كل شىء بأمر ربها } ( الأحقاف : 25 ) وإنما ذكر المصدر وهو قوله : { تفصيلا } لأجل تأكيد الكلام وتقريره ، كأنه قال : وفصلناه حقا وفصلناه على الوجه الذي لا مزيد عليه والله أعلم . ! 7 < { وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } > 7 < الإسراء : ( 13 - 14 ) وكل إنسان ألزمناه . . . . . > > اعلم أن في الآية مسائل : المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه : / الوجه الأول : أنه تعالى لما قال : { وكل شىء فصلناه تفصيلا } كان معناه أن كل ما يحتاج إليه من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد فقد صار مذكورا . وكل ما يحتاج إليه من شرح أحوال الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، فقد صار مذكورا . وإذا كان الأمر كذلك فقد أزيحت الأعذار ، وأزيلت العلل فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فقد ألزمناه طائره في عنقه ونقول له : { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } . الوجه الثاني : أنه تعالى لما بين أنه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء النافعة لهم في الدين والدنيا ، مثل آيتي الليل والنهار وغيرهما كان منعما عليهم بأعظم وجوه النعم . وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته وطاعته فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فإنه يكون مسؤولا عن أعماله وأقواله . الوجه الثالث : في تقرير النظم أنه تعالى لما بين أنه ما خلق الخلق إلا ليشتغلوا بعبادته كما قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) فلما شرح أحوال الشمس والقمر والليل والنهار ، كان المعنى : إني إنما خلقت هذه الأشياء لتنتفعوا بها فتصيروا متمكنين من الاشتغال بطاعتي وخدمتي ، وإذا كان كذلك فكل من ورد عرصة القيامة سألته أنه هل أتى بتلك الخدمة والطاعة ، أو تمرد وعصى وبغى ، فهذا هو الوجه في تقرير النظم . المسألة الثانية : في تفسير لفظ ، الطائر ، قولان :

Sección V20/P133–V20/P134

القول الأول : أن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال وأرادوا أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خير أو إلى شر اعتبروا أحوال الطير وهو أنه يطير بنفسه ، أو يحتاج إلى ازعاجه ، وإذا طار فهل يطير متيامنا أو متياسرا أو صاعدا إلى الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على أحوال الخير والشر والسعادة والنحوسة ، فلما كثر ذلك منهم سمي الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه ونظيره قوله تعالى في سورة يس : { قالوا إنا تطيرنا بكم } ( يس : 18 ) إلى قوله : { قالوا طائركم معكم } ( يس : 19 ) فقوله : { وكل إنسان ألزمناه طئره فى عنقه } أي كل إنسان ألزمناه عمله في عنقه . وتدل على صحة هذا الوجه قراءة الحسن ومجاهد : { ألزمناه طئره فى عنقه } . القول الثاني : قال أبو عبيدة : الطائر عند العرب الحظ وهو الذي تسميه الفرس البخت ، وعلى هذا يجوز أن يكون معنى الطائر ما طار له من خير وشر ، والتحقيق في هذا الباب أنه تعالى خلق الخلق وخص كل واحد منهم بمقدار مخصوص من العقل والعلم ، والعمر والرزق ، والسعادة والشقاوة . والإنسان لا يمكنه أن يتجاوز ذلك القدر وأن ينحرف عنه ، بل لا بد وأن يصل إلى ذلك القدر بحسب الكمية والكيفية ، فتلك الأشياء المقدورة كأنها تطير إليه وتصير إليه ، فبهذا المعنى لا يبعد / أن يعبر عن تلك الأحوال المقدرة بلفظ الطائر ، فقوله : { وكل إنسان ألزمناه طئره فى عنقه } كناية عن أن كل ما قدره الله تعالى ومضى في علمه حصوله ، فهو لازم له واصل إليه غير منحرف عنه . واعلم أن هذا من أدل الدلائل على أن كل ما قدره الله تعالى للإنسان وحكم عليه به في سابق علمه فهو واجب الوقوع ممتنع العدم / وتقريره من وجهين : الوجه الأول : أن تقدير الآية : وكل إنسان ألزمناه عمله في عنقه ، فبين تعالى أن ذلك العمل لازم له ، وما كان لازما للشيء كان ممتنع الزوال عنه واجب الحصول له وهو المقصود . والوجه الثاني : أنه تعالى أضاف ذلك الإلزام إلى نفسه ، لأن قوله : { ألزمناه } تصريح بأن ذلك الإلزام إنما صدر منه ، ونظيره قوله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } ( الفتح : 26 ) وهذه الآية دالة على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ) والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله : { فى عنقه } كناية عن اللزوم كما يقال : جعلت هذا في عنقك أي قلدتك هذا العمل وألزمتك الاحتفاظ به ، ويقال : قلدتك كذا وطوقتك كذا ، أي صرفته إليك وألزمته إياك ، ومنه قلده السلطان كذا . أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة ومكان الطوق ، ومنه يقال : فلان يقلد فلانا أي جعل ذلك الإعتقاد كالقلادة المربوطة على عنقه . قال أهل المعاني : وإنما خص العنق من بين سائر الأعضاء بهذا المعنى لأن الذي يكون عليه إما أن يكون خيرا يزينه أو شرا يشينه ، وما يزين يكون كالطوق والحلي ، والذي يشين فهو كالغل ، فههنا عمله إن كان من الخيرات كان زينة له ، وإن كان من المعاصي كان كالغل على رقبته .

Sección V20/P134–V20/P135

ثم قال تعالى : { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا } قال الحسن : يا ابن آدم بسطنا لك صحيفة ووكل بك ملكان فهما عن يمينك وشمالك . فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك ، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك ، حتى اذا مت طويت صحيفتك وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة . قوله : { ونخرج له } أي من قبره يجوز أن يكون معناه : نخرج له ذلك لأنه لم ير كتابه في الدنيا فإذا بعث أظهر له ذلك وأخرج من الستر ، وقرأ يعقوب : ( ويخرج له يوم القيامة كتابا ) أي يخرج له الطائر أي عمله كتابا منشورا ، كقوله تعالى : { وإذا الصحف نشرت } ( التكوير : 10 ) وقرأ ابن عمر : ( يلقاه ) من قولهم : لقيت فلانا الشيء أي استقبلته به . قال تعالى : { ولقاهم نضرة وسرورا } ( الإنسان : 11 ) وهو منقول بالتشديد من لقيت الشيء ولقانيه زيد . ثم قال تعالى : { اقرأ كتابك } والتقدير يقال له : وهذا القائل هو الله تعالى على ألسنة الملائكة / { اقرأ كتابك } قال الحسن : يقرؤه أميا كان أو غير أمي ، وقال بكر بن عبد الله : يؤتى بالمؤمن يوم القيامة بصحيفته وهو يقرؤها وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها ، وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها ، حتى إذا ظن أنها أوبقته قال الله تعالى : ( اذهب فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك ) فيعظم سروره ، ويصير من الذين قال في حقهم : { وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة } ( عبس : 38 ، 39 ) ثم يقول : { هاؤم اقرؤا كتابيه } ( الحاقة : 19 ) . وأما قوله : { كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } أي محاسبا . قال الحسن : عدل والله في حقك من جعلك حسيب نفسك . قال السدي : يقول الكافر يومئذ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد ، فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له : { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } والله أعلم . المسألة الرابعة : قال حكماء الإسلام : هذه الآية في غاية الشرف ، وفيها أسرار عجيبة في أبحاث : البحث الأول : أنه تعالى جعل فعل العبد كالطير الذي يطير إليه ، وذلك لأنه تعالى قدر لكل أحد في الأزل مقدارا من الخير والشر ، فذلك الحكم الذي سبق في علمه الأزلي وحكمه الأزلي لا بد وأن يصل إليه / فذلك الحكم كأنه طائر يطير إليه من الأزل إلى ذلك الوقت ، فإذا حضر ذلك الوقت وصل إليه ذلك الطائر وصولا لا خلاص له ألبتة ولا انحراف عنه ألبتة . وإذا علم الإنسان في كل قول وفعل ولمحة وفكرة أنه كان ذلك بمنزلة طئر طيره الله إليه على منهج معين وطريق معين ، وأنه لا بد وأن يصل إليه ذلك الطائر ، فعند ذلك عرف أن الكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية . والبحث الثاني : أن هذه التقديرات إنما تقدرت بإلزام الله تعالى . وذلك باعتبار أنه تعالى جعل لكل حادث حادثا متقدما عليه لحصول الحادث المتأخر ، فلما كان وضع هذه السلسلة من الله لا جرم كان الكل من الله ، وعند هذا يتخيل الإنسان طيورا لا نهاية لها ولا غاية لأعدادها ، فإنه تعالى طيرها من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب ، وأنها صارت وطارت طيرانا لا بداية له ولا غاية له ، وكان كل واحد منها متوجها إلى ذلك الإنسان المعين في الوقت المعين بالصفة المعينة ، وهذا هو المراد من قوله : { ألزمناه طئره فى عنقه } .

Preguntas