Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Sección V23/P053–V23/P054

المسألة الخامسة : قرأ نافع وابن عامر { تدعون } بالتاء ههنا وفي لقمان وفي المؤمنين وفي العنكبوت . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو كلها بالياء على الخبر ، والعرب قد تنصرف من الخطاب إلى الإخبار ومن الإخبار إلى الخطاب . ! 7 < { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فتصبح الا رض مخضرة إن الله لطيف خبير له ما فى السماوات وما فى الا رض وإن الله لهو الغنى الحميد ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الا رض والفلك تجرى فى البحر بأمره ويمسك السمآء أن تقع على الا رض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم وهو الذىأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور } . > 7 ! < < الحج : ( 63 - 66 ) ألم تر أن . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما دل على قدرته من قبل بما ذكره من ولوج الليل في النهار ونبه به على نعمه ، أتبعه بأنواع أخر من الدلائل على قدرته ونعمته وهي ستة . أولها : قوله تعالى : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الارض مخضرة إن الله لطيف خبير } وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في قوله : { ألم تر } وجوها ثلاثة : أحدها : أن المراد هو الرؤية الحقيقية ، قالوا لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين واخضرار النبات على الأرض مرئي ، وإذا أمكن حمل الكلام على حقيقته فهو أولى وثانيها : أن المراد ألم تخبر على سبيل الاستفهام / وثالثها : المراد ألم تعلم والقول الأول ضعيف لأن الماء وإن كان مرئيا إلا أن كون الله منزلا له من السماء غير مرئي إذا ثبت هذا وجب حمله على العلم ، لأن المقصود من تلك الرؤية هو العلم ، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل . المسألة الثانية : قرىء { مخضرة } كمبقلة ومسبعة أي ذات خضرة ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : لم قال : { فتصبح } الأرض ولم يقل فأصبحت ؟ الجواب : لنكتة فيه وهي إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان ، كما تقول أنعم على فلان عام كذا فأروح وأغد شاكرا له ، ولو قلت فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع . السؤال الثاني : لم رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام ؟ والجواب : لو نصب لأعطى عكس ما هو الغرض ، لأن معناه إثبات الإخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الإخضرار مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر . وإن نصبته فأنت ناف لشكره شاك لتفريطه ، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر . السؤال الثالث : لم أورد تعالى ذلك دلالة على قدرته على الإعادة ، كما قال أبو مسلم . الجواب : يحتمل ذلك ويحتمل أنه نبه به على عظيم قدرته وواسع نعمه . السؤال الرابع : ما تعلق قوله : { إن الله لطيف خبير } بما تقدم ؟ الجواب : من وجوه أحدها : أراد أنه رحيم بعباده ولرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به ، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة والسماء إذا أمطرت كان ذلك سببا لعيش الحيوانات على اختلافها أجمع . ومعنى { خبير } أنه عالم بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك من دون زيادة ونقصان وثانيها : قال ابن عباس { لطيف } بأرزاق عباده { خبير } بما في قلوبهم من القنوط وثالثها : قال الكلبي { لطيف } في أفعاله { خبير } بأعمال خلقه ورابعها : قال مقاتل : { لطيف } باستخراج النبت { خبير } بكيفية خلقه .

Sección V23/P054–V23/P055

الدلالة الثانية : قوله تعالى : { له ما في السماوات وما في الارض وإن الله لهو الغنى الحميد } والمعنى أن كل ذلك منقاد له غير ممتنع من التصرف فيه وهو غني عن الأشياء كلها وعن حمد الحامدين أيضا لأنه كامل لذاته ، والكامل لذاته غني عن كل ما عداه في كل الأمور ، ولكنه لما خلق الحيوان فلا بد في الحكمة من قطر ونبات فخلق هذه الأشياء رحمة للحيوانات وإنعاما عليهم / لا لحاجة به إلى ذلك . وإذا كان كذلك كان إنعامه خاليا عن غرض عائد إليه فكان مستحقا للحمد . فكأنه قال إنه لكونه غنيا لم يفعل ما فعله إلا للإحسان ، ومن كان كذلك كان مستحقا للحمد فوجب أن يكون حميدا . فلهذا قال : { وإن الله لهو الغنى الحميد } . الدلالة الثالثة : قوله : { ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الارض } أي ذلل لكم ما فيها فلا أصلب من الحجر ولا أحد من الحديد ولا أكثر هيبة من النار ، وقد سخرها لكم وسخر الحيوانات أيضا حتى ينتفع بها من حيث الأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها ، فلولا أن سخر الله / تعالى الإبل والبقر مع قوتهما حتى يذللهما الضعيف من الناس ويتمكن منهما لما كان ذلك نعمة . الدلالة الرابعة : قوله تعالى : { والفلك تجرى فى البحر بأمره } والأقرب أن المراد وسخر لكم الفلك لتجري في البحر ، وكيفية تسخيره الفلك هو من حيث سخر الماء والرياح لجريها ، فلولا صفتهما على ما هما عليه لما جرت بل كانت تغوص أو تقف أو تعطب . فنبه تعالى على نعمه بذلك ، وبأن خلق ما تعمل منه السفن ، وبأن بين كيف تعمل ، وإنما قال بأمره لأنه سبحانه لما كان المجرى لها بالرياح نسب ذلك إلى أمره توسعا ، لأن ذلك يفيد تعظيمه بأكثر مما يفيد لو أضافه إلى فعل بناء على عادة الملوك في مثل هذه اللفظة . الدلالة الخامسة : قوله تعالى : { ويمسك السماء أن تقع على الارض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم } واعلم أن النعم المتقدمة لا تكمل إلا بهذه لأن السماء مسكن الملائكة فوجب أن يكون صلبا . ووجب أن يكون ثقيلا ، وما كان كذلك فلا بد من الهوى لولا مانع يمنع منه ، وهذه الحجة مبنية على ظاهر الأوهام ، وقوله تعالى : { أن تقع } قال الكوفيون : كي لا تقع ، وقال البصريون كراهية أن تقع ، وهذا بناء على مسألة كلامية وهي أن الإرادات والكراهات هل تتعلق بالعدم ؟ فمن منع من ذلك صار إلى التأويل الأول ، والمعنى أنه أمسكها لكي لا تقع فتبطل النعم التي أنعم بها . أما قوله تعالى : { إن الله بالناس لرؤوف رحيم } فالمعنى أن المنعم بهذه النعم الجامعة لمنافع الدنيا والدين قد بلغ الغاية في الإحسان والإنعام ، فهو إذن رؤوف رحيم .

Sección V23/P055–V23/P056

الدلالة السادسة : قوله : { وهو الذى أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور } والمعنى أن من سخر له هذه الأمور ، وأنعم عليه بها فهو الذي أحياه فنبه بالإحياء الأول على إنعام الدنيا علينا بكل ما تقدم . ونبه بالإماتة والإحياء الثاني على نعم الدين علينا ، فإنه سبحانه وتعالى خلق الدنيا بسائر أحوالها للآخرة وإلا لم يكن للنعم على هذا الوجه معنى . يبين ذلك أنه لولا أمر الآخرة لم يكن للزراعات وتكلفها ولا لركوب الحيوانات وذبحها إلى غير ذلك معنى ، بل كان تعالى يخلقه ابتداء من غير تكلف الزرع والسقي ، وإنما أجرى الله العادة بذلك ليعتبر به في باب الدين ولما فصل تعالى هذه النعم قال : { إن الإنسان لكفور } وهذا كما قد يعدد المرء نعمه على ولده ، ثم يقول إن الولد لكفور لنعم الوالد زجرا له عن الكفران وبعثا له على الشكر ، فلذلك أورد تعالى ذلك في الكفار ، فبين أنهم دفعوا هذه النعم وكفروا بها وجهلوا خالقها مع وضوح أمرها ونظيره قوله تعالى : { وقليل من عبادى الشكور } ( سبأ : 13 ) وقال ابن عباس رضي الله عنهما الإنسان ههنا هو الكافر ، وقال أيضا هو الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل والعاص وأبي بن خلف ، والأولى تعميمه في كل المنكرين . ! 7 < { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك فى الا مر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } . > 7 ! / < < الحج : ( 67 - 69 ) لكل أمة جعلنا . . . . . > > إعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه وبين أنه رؤوف رحيم بعباده وإن كان منهم من يكفر ولا يشكر ، أتبعه بذكر نعمه بما كلف فقال : { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه } وفيه مسائل : المسألة الأولى : إنما حذف الواو في قوله : { لكل أمة } لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله فلا جرم حذف العاطف . المسألة الثانية : في المنسك أقوال : أحدها : قال ابن عباس عيد ( ا ) يذبحون فيه وثانيها : قربانا ولفظ المنسك مختص بالذبائح عن مجاهد وثالثها : مألفا يألفونه إما مكانا معينا أو زمانا معينا لأداء الطاعات ورابعها : المنسك هو الشريعة والمنهاج وهو قول ابن عباس في رواية عطاء واختيار القفال وهو الأقرب لقوله تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } ( المائدة : 48 ) ولأن المنسك مأخوذ من النسك وهو العبادة ، وإذا وقع الإسم على كل عبادة فلا وجه للتخصيص . فإن قيل هلا حملتموه على الذبح ، لأن المنسك في العرف لا يفهم منه إلا الذبح ؟ وهلا حملتموه على موضع العبادة أو على وقتها ؟ الجواب : عن الأول لا نسلم أن المنسك في العرف مخصوص بالذبح ، والدليل عليه أن سائر ما يفعل في الحج يوصف بأنه مناسك ولأجله قال عليه السلام : ( خذوا عني مناسككم ) وعن الثاني : أن قوله : { هم ناسكوه } أليق بالعبادة منه بالوقت والمكان . المسألة الثالثة : زعم قوم أن المراد من قوله : { هم ناسكوه } من كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم متمسكا بشرع كاليهود والنصارى ، ولا يمتنع أن يريد كل من تعبد من الأمم سواء بقيت آثارهم أو لم تبق ، لأن قوله : { هم ناسكوه } كالوصف للأمم وإن لم يعبدوا في الحال .

Sección V23/P056–V23/P057

أما قوله تعالى : { فلا ينازعنك فى الامر } فقرىء { فلا ينازعنك } أي أثبت في دينك ثباتا لا يطمعون أن يخدعوك ليزيلوك عنه . وأما قوله : { فلا ينازعنك } ففيه قولان : أحدهما : وهو قول الزجاج : أنه نهى لهم عن منازعتهم ، كما تقول لا يضاربنك فلان أي لا تضاربه والثاني : أن المراد أن عليهم اتباعك وترك مخالفتك ، وقد استقر الأمر الآن على شرعك وعلى أنه ناسخ لكل / ما عداه . فكأنه تعالى نهى كل أمة بقيت منها بقية أن تستمر على تلك العادة ، وألزمها أن تتحول إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فلذلك قال : { وادع إلى ربك } أي لا تخص بالدعاء أمة دون أمة فكلهم أمتك فادعهم إلى شريعتك فإنك على هدى مستقيم ، والهدى يحتمل نفس الدين ويحتمل أدلة الدين وهو أولى . كأنه قال ادعهم إلى هذا الدين فإنك من حيث الدلالة على طريقة واضحة ولهذا قال : { وإن جادلوك } والمعنى فإن عدلوا عن النظر في هذه الأدلة إلى طريقة المراء والتمسك بالعادة فقد بينت وأظهرت ما يلزمك { فقل الله أعلم بما تعملون } لأنه ليس بعد إيضاح الأدلة إلا هذا الجنس الذي يجري مجرى الوعيد والتحذير من حكم يوم القيامة الذي يتردد بين جنة وثواب لمن قبل ، وبين نار وعقاب لمن رد وأنكر . فقال : { الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } فتعرفون حينئذ الحق من الباطل والله أعلم . ! 7 < { ألم تعلم أن الله يعلم ما فى السمآء والا رض إن ذالك فى كتاب إن ذالك على الله يسير ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات تعرف فى وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم ءاياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذالكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير } . > 7 < الحج : ( 70 - 72 ) ألم تعلم أن . . . . . > > إعلم أنه تعالى لما قال من قبل { فالله يحكم بينكم يوم القيامة } ( النساء : 141 ) أتبعه بما به يعلم أنه سبحانه عالم بما يستحقه كل أحد منهم ، فيقع الحكم منه بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله : { ألم تعلم أن الله يعلم ما فى السماء والارض } وههنا مسائل : المسألة الأولى : قوله : { ألم تعلم } هو على لفظ الاستفهام لكن معناه تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم والوعد له وإيعاد الكافرين بأن كل فعلهم محفوظ عند الله لا يضل عنه ولا ينسى . المسألة الثانية : الخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد سائر العباد ولأن الرسالة لا تثبت / إلا بعد العلم بكونه تعالى عالما بكل المعلومات إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق ، فحينئذ لا يكون إظهار المعجز دليلا على الصدق ، وإذا كان كذلك استحال أن لا يكون الرسول عالما بذلك . فثبت أن المراد أن يكون خطابا مع الغير .

Sección V23/P057–V23/P058

أما قوله : { إن ذالك فى كتاب } ففيه قولان : أحدهما : وهو قول أبي مسلم أن معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد يقال كتبت المزادة أكتبها إذا خرزتها فحفظت بذلك ما فيها ، ومعناه ومعنى الكتاب بين الناس حفظ ما يتعاملون به ، فالمراد من قوله : { إن ذالك فى كتاب } أنه محفوظ عنده { والتالي } وهو قول الجمهور أن كل ما يحدثه الله في السموات والأرض فقد كتبه في اللوح المحفوظ قالوا وهذا أولى ، لأن القول الأول وإن كان صحيحا نظرا إلى الاشتقاق لكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف ، ومعلوم أن الكتاب هو ما تكتب فيه الأمور فكان حمله عليه أولى . فإن قيل فقد يوهم ذلك أن علمه مستفاد من الكتاب وأيضا فأي فائدة في ذلك الكتاب والجواب عن الأول : أن كتبه تلك الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه سبحانه غني في علمه عن ذلك الكتاب وعن الثاني : أن الملائكة ينظرون فيه ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فصار ذلك دليلا لهم زائدا على كونه سبحانه عالما بكل المعلومات . أما قوله : { كتاب إن ذالك على الله يسير } فمعناه أن كتبه جملة الحوادث مع أنها من الغيب مما يتعذر على الخلق لكنها بحيث متى أرادها الله تعالى كانت فعبر عن ذلك بأنه يسير ، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب علينا الأمور ، وتعالى الله عن ذلك ثم بين سبحانه ما يقدم الكفار عليه مع عظيم نعمه ، ووضوح دلائله . فقال : { ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم } فبين أن عبادتهم لغير الله تعالى ليست مأخوذة عن دليل سمعي وهو المراد من قوله : { ما لم ينزل به سلطانا } ولا عن دليل عقلي وهو المراد من قوله : { وما ليس لهم به علم } وإذا لم يكن كذلك فهو عن تقليد أو جهل أو شبهة / فوجب في كل قول هذا شأنه أن يكون باطلا ، فمن هذا الوجه يدل على أن الكافر قد يكون كافرا ، وإن لم يعلم كونه كافرا ، ويدل أيضا على فساد التقليد . أما قوله : { وما للظالمين من نصير } ففيه وجهان : أحدهما : أنهم ليس لهم أحد ينتصر لهم من الله كما قد تتفق النصرة في الدنيا والثاني : ما لهم في كفرهم ناصر بالحجة فإن الحجة ليست إلا للحق ، واحتجت المعتزلة بهذه الآية في نفي الشفاعة والكلام عليه معلوم . أما قوله تعالى : { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات } يعني من تقدم ذكره وهذه الآيات هي القرآن ، ووصفها بأنها بينات لكونها متضمنة للدلائل العقلية وبيان الأحكام ، فبين أنهم مع جهلهم إذا نبهوا على الأدلة وعرضت عليهم المعجزة ظهر في وجوههم المنكر والمراد دلالة الغيظ والغضب ، قال صاحب ( الكشاف ) المنكر الفظيع من التهجم والفجور والنشوز والإنكار ، كالمكرم بمعنى الإكرام / وقرىء تعرف على ما لم يسم فاعله ، وللمفسرين في المنكر عبارات : أحدها : قال الكلبي تعرف في وجوههم الكراهية للقرآن ثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : التجبر والترفع وثالثها : قال مقاتل أنكروا أن يكون من الله تعالى .

Sección V23/P058–V23/P059

أما قوله تعالى : { يكادون يسطون } فقال الخليل والفراء والزجاج : السطو شدة البطش والوثوب ، والمعنى يهمون بالبطش والوثوب تعظيما لإنكار ما خوطبوا ، به فحكى تعالى عظيم تمردهم على الأنبياء والمؤمنين ثم أمر رسوله بأن يقابلهم بالوعيد فقال : { قل أفأنبئكم بشر من ذالكم النار } قال صاحب ( الكشاف ) قوله : { من ذالكم } أي من غيظكم على الناس وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلى عليكم ، فقوله : { من ذالكم } فيه وجهان : أحدهما : المراد أن الذي ينالكم من النار التي تكادون تقتحمونها بسوء فعالكم أعظم مما ينالكم عند تلاوة هذه الآيات من الغضب ومن هذا الغم والثاني : أن يكون المراد { بشر من ذالكم } ما تهمون به فيمن يحاجكم فإن أكبر ما يمكنكم فيه الإهلاك ثم بعده مصيرهم إلى الجنة وأنتم تصيرون إلى النار الدائمة التي لا فرج لكم عنها ، وأما { النار } فقال صاحب ( الكشاف ) قرىء { النار } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كأن قائلا يقول ما شر من ذلك ؟ فقيل النار أي هو النار . وبالنصب على الاختصاص وبالجر على البدل من شر . ثم بين سبحانه أنه وعدها الذين كفروا إذا ماتوا على كفرهم وهو بئس المصير ، قال صاحب ( الكشاف ) { وعدها الله } استئناف كلام ويحتمل أن تكون النار مبتدأ و { وعدها } خبرا . ! 7 < { ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى عزيز } . > 7 ! < < الحج : ( 73 - 74 ) يا أيها الناس . . . . . > > إعلم أنه سبحانه لما بين من قبل أنهم يعبدون من دون الله مالا حجة لهم فيه ولا علم ، ذكر في هذه الآية ما يدل على إبطال قولهم . / أما قوله تعالى : { ضرب مثل } ففيه سؤالات : السؤال الأول : الذي جاء به ليس بمثل فكيف سماه مثلا ؟ والجواب : لما كان المثل في الأكثر نكتة عجيبة غريبة جاز أن يسمى كل ما كان كذلك مثلا . السؤال الثاني : قوله : { ضرب } يفيد فيما مضى والله تعالى هو المتكلم بهذا الكلام ابتداء ؟ الجواب : إذا كان ما يورد من الوصف معلوما من قبل جاز ذلك فيه ، ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر قد تقدم .

Sección V23/P059–V23/P060

أما قوله : { فاستمعوا له } أي تدبروه حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع ، وإنما ينفع التدبر . واعلم أن الذباب لما كان في غاية الضعف احتج الله تعالى به على إبطال قولهم من وجهين : الأول : قوله : { إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له } قرىء يدعون بالياء والتاء ويدعون مبنيا للمفعول { ولن } أصل في نفي المستقبل إلا أنه ينفيه نفيا مؤكدا فكأنه سبحانه قال : إن هذه الأصنام وإن اجتمعت لن تقدر على خلق ذبابة على ضعفها ، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودا ، فقوله : { ولو اجتمعوا له } نصب على الحال كأنه قال يستحيل أن يخلقوا الذباب حال اجتماعهم فكيف حال انفرداهم والثاني : أن قوله : { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه } كأنه سبحانه قال : أترك أمر الخلق والإيجاد وأتكلم فيما هو أسهل منه ، فإن الذباب إن سلب منها شيئا ، فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب ، واعلم أن الدلالة الأولى صالحة لأن يتمسك بها في نفي كون المسيح والملائكة آلهة ، أما الثانية فلا ، فإن قيل هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون الأوثان خالقة عالمة حية مدبرة ، أو لنفي كونها مستحقة للتعظيم والأول : فاسد لأن نفي كونها كذلك معلوم بالضرورة ، فأي فائدة في إقامة الدلالة عليه وأما الثاني : فهذه الدلالة لا تفيده لأنه لا يلزم من نفي كونها حية أن لا تكون معظمة ، فإن جهات التعظيم مختلفة ، فالقوم كانوا يعتقدون فيها أنها طلسمات موضوعة على صورة الكواكب ، أو أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين ، وكانوا يعظمونها على أن تعظيمها يوجب تعظيم الملائكة ، وأولئك الأنبياء المتقدمين والجواب : أما كونها طلسمات موضوعة على الكواكب بحيث يحصل منها الإضرار والانتفاع ، فهو يبطل بهذه الدلالة فإنها لما لم تنفع نفسها في هذا القدر وهو تخليص النفس عن الذبابة فلأن لا تنفع غيرها أولى ، وأما أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين ، فقد تقرر في العقل أن تعظيم غير الله تعالى ينبغي أن يكون أقل من تعظيم الله تعالى ، والقوم كانوا يعظمونها غاية التعظيم ، وحينئذ كان يلزم التسوية بينها وبين الخالق سبحانه في التعظيم ، فمن ههنا صاروا مستوجبين للذم والملام . أما قوله تعالى : { ضعف الطالب والمطلوب } ففيه قولان : أحدهما : المراد منه الصنم والذباب فالصنم كالطالب من حيث إنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ما استلبه لعجز عنه والذباب بمنزلة / المطلوب الثاني : أن الطالب من عبد الصنم / والمطلوب نفس الصنم أو عبادتها ، وهذا أقرب لأن كون الصنم طالبا ليس حقيقة بل هو على سبيل التقدير ، أما ههنا فعلى سبيل التحقيق لكن المجاز فيه حاصل لأن الوثن لا يصح أن يكون ضعيفا ، لأن الضعف لا يجوز إلا على من يصح أن يقوى ، وههنا وجه ثالث وهو أن يكون معنى قوله : { ضعف } لا من حيث القوة ولكن لظهور قبح هذا المذهب ، كما يقال للمرء عند المناظرة : ما أضعف هذا المذهب وما أضعف هذا الوجه .

Sección V23/P060

أما قوله : { ما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق تعظيمه ، حيث جعلوا هذه الأصنام على نهاية خساستها شريكة له في المعبودية ، وهذه الكلمة مفسرة في سورة الأنعام ، وهو { قوى } لا يتعذر عليه فعل شيء و { عزيز } لا يقدر أحد على مغالبته ، فأي حاجة إلى القول بالشريك . قال الكلبي في هذه الآية ونظيرها في سورة الأنعام : إنها نزلت في جماعة من اليهود وهم مالك ابن الصيف وكعب بن الأشرف وكعب بن أسد وغيرهم لعنهم الله ، حيث قالوا إنه سبحانه لما فرغ من خلق السموات والأرض أعيا من خلقها فاستلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى ، فنزلت هذه الآية تكذيبا لهم ونزل قوله تعالى : { وما مسنا من لغوب } . واعلم أن منشأ هذه الشبهات هو القول بالتشبيه فيجب تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة ، وتنزيه صفاته عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية ، وتنزيه أفعاله عن مشابهة سائر الأفعال ، أعني الغرض والداعي واستحقاق المدح والذم خلاف ما تقوله المعتزلة ، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري رحمه الله ، فهو سبحانه جبار النعت عزيز الوصف فالأوهام لا تصوره والأفكار لا تقدره والعقول لا تمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحده ، صمدي الذت سرمدي الصفات . ! 7 < { الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الا مور } . > 7 ! < < الحج : ( 75 - 76 ) الله يصطفي من . . . . . > > اعلم أنه سبحانه لما قدم ما يتعلق بالإلهيات ذكر ههنا ما يتعلق بالنبوات ، قال مقاتل : قال الوليد ابن المغيرة : أأنزل عليه الذكر من بيننا ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : كلمة { من } للتبعيض فقوله : { الله يصطفى من الملائكة رسلا } ( فاطر : 1 ) يقتضي أن تكون الرسل بعضهم لا كلهم ، وقوله : { جاعل الملائكة رسلا } يقتضي كون كلهم رسلا فوقع التناقض والجواب : جاز أن يكون المذكور ههنا من كان رسلا إلى بني آدم ، وهم أكابر الملائكة / كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والحفظة صلوات الله عليهم ، وأما كل الملائكة فبعضهم رسل إلى البعض فزال التناقض .

Sección V23/P060–V23/P062

السؤال الثاني : قال في سورة الزمر : { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء } ( الزمر : 4 ) فدل على أن ولده يجب أن يكون مصطفى ، وهذه الآية دلت على أن بعض الملائكة وبعض الناس من المصطفين ، فيلزم بمجموع الآيتين إثبات الولد والجواب : أن قوله : { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى } يدل على أن كل ولد مصطفى ، ولا يدل على أن كل مصطفى ولد ، فلا يلزم من دلالة هذه الآية على وجود مصطفى كونه ولدا ، وفي هذه الآية وجه آخر ، وهو أن المراد تبكيت من عبد غير الله تعالى من الملائكة ، كأنه سبحانه أبطل في الآية الأولى قول عبدة الأوثان . وفي هذه الآية أبطل قول عبدة الملائكة ، فبين أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة ، بل لأن الله تعالى اصطفاهم لمكان عبادتهم ، فكأنه تعالى بين أنهم ما قدروا الله حق قدره أن جعلوا الملائكة معبودين مع الله ، ثم بين سبحانه بقوله : { إن الله سميع بصير } أنه يسمع ما يقولون ويرى ما يفعلون ، ولذلك أتبعه بقوله : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } فقال بعضهم ما تقدم في الدنيا وما تأخر ، وقال بعضهم : { ما بين أيديهم } أمر الآخرة ، { وما خلفهم } أمر الدنيا ، ثم أتبعه بقوله : { وإلى الله ترجع الامور } فقوله : { يعلم ما بين أيديهم } إشارة إلى العلم التام وقوله : { وإلى الله ترجع الامور } إشارة إلى القدرة التامة والتفرد بالإلهية والحكم ، ومجموعهما يتضمن نهاية الزجر عن الإقدام على المعصية . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفى هاذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على الناس فأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير } . > 7 ! < < الحج : ( 77 - 78 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أنه سبحانه لما تكلم في الإلهيات ثم في النبوات أتبعه بالكلام في الشرائع وهو من أربع أوجه أولها : تعيين المأمور وثانيها : أقسام المأمور به وثالثها : ذكر ما يوجب قبول تلك الأوامر ورابعها : تأكيد ذلك التكليف . أما النوع الأول : وهو تعيين المأمور فهو قوله تعالى : { ذلك بأن الذين كفروا } وفيه قولان : أحدهما : المراد منه كل المكلفين سواء كان مؤمنا أو كافرا ، لأن التكليف بهذه الأشياء عام في كل المكلفين فلا معنى لتخصيص المؤمنين بذلك والثاني : أن المراد بذلك المؤمنون فقط أما أولا : فلأن اللفظ صريح فيه ، وأما ثانيا : فلأن قوله بعد ذلك { هو اجتباكم } وقوله : { هو سماكم المسلمين } وقوله : { وتكونوا شهداء على الناس } كل ذلك لا يليق إلا بالمؤمنين . أقصى ما في الباب أن يقال لما كان ذلك واجبا على الكل فأي فائدة في تخصيص المؤمنين ؟ لكنا نقول تخصيصهم بالذكر لا يدل على نفي ذلك عما عداهم بل قد دلت هذه الآية على كونهم على التخصيص مأمورين بهذه الأشياء ودلت سائر الآيات على كون الكل مأمورين بها . ويمكن أن يقال فائدة التخصيص أنه لما جاء الخطاب العام مرة بعد أخرى ثم إنه ما قبله إلا المؤمنون خصهم الله تعالى بهذا الخطاب ليكون ذلك كالتحريض لهم على المواظبة على قبوله وكالتشريق لهم في ذلك الإقرار والتخصيص .

Sección V23/P062

أما النوع الثاني : وهو المأمور به فقد ذكر الله أمورا أربعة : الأول : الصلاة وهو المراد من قوله : { اركعوا واسجدوا } وذلك لأن أشرف أركان الصلاة هو الركوع والسجود والصلاة هي المختصة بهذين الركنين فكان ذكرهما جاريا مجرى ذكر الصلاة وذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس في أول إسلامهم كانوا يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية الثاني : قوله : { واعبدوا ربكم } وذكروا فيه وجوها : أحدها : اعبدوه ولا تعبدوا غيره وثانيها : واعبدوا ربكم في سائر المأمورات والمنهيات وثالثها : افعلوا الركوع والسجود وسائر الطاعات على وجه العبادة لأنه لا يكفي أن يفعل فإنه ما لم يقصد به عبادة الله تعالى لا ينفع في باب الثواب فلذلك عطف هذه الجملة على الركوع والسجود الثالث : قوله تعالى : { وافعلوا الخير } قال ابن عباس رضي الله عنهما يزيد به صلة الرحم ومكارم الأخلاق والوجه عندي في هذا الترتيب أن الصلاة نوع من أنواع العبادة والعبادة نوع من أنواع فعل الخير ، لأن فعل الخير ينقسم إلى خدمة المعبود الذي هو عبارة عن التعظيم لأمر الله وإلى الإحسان الذي هو عبارة عن الشفقة على خلق الله ويدخل فيه البر والمعروف والصدقة على الفقراء وحسن القول للناس فكأنه سبحانه قال كلفتكم بالصلاة بل كلفتكم بما هو أعم منها وهو العبادة بل كلفتكم بما هو أعم من العبادة وهو فعل الخيرات . أما قوله تعالى : { لعلكم تفلحون } فقيل معناه لتفلحوا ، والفلاح الظفر بنعيم الآخرة / وقال الإمام أبو القاسم الأنصاري لعل كلمة للترجية فإن الإنسان قلما يخلو في أداء الفريضة من تقصير / وليس هو على يقين من أن الذي أتي به هل هو مقبول عند الله تعالى والعواقب أيضا مستورة ( وكل ميسر لما خلق له ) الرابع : قوله تعالى : { وجاهدوا فى الله حق جهاده } قال صاحب ( الكشاف ) { فى الله } أي في ذات الله ، ومن أجله . يقال هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقا وجدا ومنه { حق جهاده } وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال : { وجاهدوا فى الله حق جهاده } ؟ والجواب : الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص ، فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت الإضافة إليه .

Sección V23/P062–V23/P063

السؤال الثاني : ما هذا الجهاد ؟ الجواب : فيه وجوه : أحدها : أن المراد قتال الكفار خاصة ، ومعنى { حق جهاده } أن لا يفعل إلا عبادة لا رغبة في الدنيا من حيث الإسم أو الغنيمة والثاني : أن يجاهدوا آخرا كما جاهدوا أولا فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر ، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لعبد الرحمن بن عوف : أما علمت أنا كنا نقرأ { وجاهدوا فى الله حق جهاده } في آخر الزمان كما جاهدتموه في أوله ، فقال عبد الرحمن ومتى ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء ، واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن وإلا لنقل كنقل نظائره ، ولعله إن صح ذلك عن الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ : وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة . فقال عمر من الذي أمرنا بجهاده ؟ فقال قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس ، فقال صدقت والثالث : قال ابن عباس : حق جهاده ، لا تخافوا في الله لومة لائم والرابع : قال الضحاك : واعملوا لله حق عمله والخامس : استفرغوا وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حقوقه بالحرب باليد واللسان وجميع ما يمكن وردوا أنفسكم عن الهوى والميل والوجه السادس : قال عبدالله بن المبارك : حق جهاده ، مجاهدة النفس والهوى . ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك قال : ( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) والأولى أن يحمل ذلك على كل التكاليف ، فكل ما أمر به ونهى عنه فالمحافظة عليه جهاد . السؤال الثالث : هل يصح ما نقل عن مقاتل والكلبي أن هذه الآية منسوخة بقوله : { فاتقوا الله ما استطعتم } ( التغابن : 16 ) كما أن قوله : { اتقوا الله حق تقاته } ( آل عمران : 102 ) منسوخ بذلك ؟ الجواب : هذا بعيد لأن التكليف مشروط بالقدرة لقوله تعالى : { لا يكلف لله نفسا إلا وسعها } فكيف يقول الله وجاهدوا في الله على وجه لا تقدرون عليه ، وكيف وقد كان الجهاد في الأول مضيقا حتى لا يصح أن يفر الواحد من عشرة ، ثم خففه الله بقوله : { الئان خفف الله عنكم } أفيجوز مع ذلك أن يوجبه على وجه لا يطاق حتى يقال إنه منسوخ . / النوع الثالث : بيان ما يوجب قبول هذه الأوامر وهو ثلاثة : الأول : قوله : { هو اجتباكم } ومعناه أن التكليف تشريف من الله تعالى للعبد ، فلما خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال بطاعته ، فأي رتبة أعلى من هذا ، وأي سعادة فوق هذا ، ويحتمل في اجتباكم خصكم بالهداية والمعونة والتيسير . أما قوله تعالى : { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } فهو كالجواب عن سؤال يذكر وهو أن التكليف وإن كان تشريفا واجبا كما ذكرتم لكنه شاق شديد على النفس ؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } روي أن أبا هريرة رضي الله عنه قال كيف قال الله تعالى : { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } مع أنه منعنا عن الزنا والسرقة ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما : بلى ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم ، وههنا سؤالات :

Sección V23/P063–V23/P064

السؤال الأول : ما الحرج في أصل اللغة ؟ الجواب : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لبعض هذيل ما تعدون الحرج فيكم ؟ قال الضيق ، وعن عائشة رضي الله عنها : ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الضيق ) . السؤال الثاني : ما المراد من الحرج في الآية ؟ الجواب : قيل هو الإتيان بالرخص ، فمن لم يستطع أن يصلي قائما فليصل جالسا ومن لم يستطع ذلك فليؤم ، وأباح للصائح الفطر في السفر والقصر فيه . وأيضا فإنه سبحانه لم يبتل عبده بشيء من الذنوب إلا وجعل له مخرجا منها إما بالتوبة أو بالكفارة ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما ( إنه من جاءته رخصة فرغب عنها كلف يوم القيامة أن يحمل ثقل تنين حتى يقضي بين الناس ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا اجتمع أمران فأحبهما إلى الله تعالى أيسرهما ) وعن كعب : أعطى الله هذه الأمة ثلاثا لم يعطهم إلا للأنبياء : ( جعلهم شهداء على الناس ، وما جعل عليهم في الدين من حرج ، وقال أدعوني أستجب لكم ) . السؤال الثالث : استدلت المعتزلة بهذه الآية في المنع من تكليف مالا يطاق ، فقالوا : لما خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي ثم نهاه عنهما كان ذلك من أعظم الحرج وذلك منفي بصريح هذا النص والجواب : لما أمره بترك الكفر وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلا فقد أمر الله المكلف بقلب علم الله جهلا وذلك من أعظم الحرج ، ولما استوى القدمان زال السؤال . الموجب الثاني : لقبول التكليف قوله : { ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل } وفي نصب الملة وجهان : أحدهما : وهو قول الفراء أنها منصوبة بمضمون ما تقدمها كأنه قيل وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم ، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والثاني : أن يكون منصوبا على المدح والتعظيم أي أعني بالدين ملة أبيكم إبراهيم ، واعلم أن المقصود من ذكره التنبيه على أن هذه التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام . والعرب كانوا محبين لإبراهيم عليه السلام لأنهم من أولاده ، فكان التنبيه على ذلك كالسبب لصيروتهم منقادين لقبول هذا الدين وههنا سؤالات : / السؤال الأول : لم قال : { ملة أبيكم إبراهيم } ولم يدخل في الخطاب المؤمنون الذين كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن من ولده ؟ والجواب : من وجهين : أحدهما : لما كان أكثرهم من ولده كالرسول ورهطه وجميع العرب جاز ذلك وثانيهما : وهو قول الحسن أن الله تعالى جعل حرمة إبراهيم عليه السلام على المسلمين كحرمة الوالد على ولده ، ومنه قوله تعالى { النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم } ( الأحزاب : 6 ) فجعل حرمته كحرمة الوالد على الولد ، وحرمة نسائه كحرمة الوالدة على ما قال تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } ( الأحزاب : 6 ) . السؤال الثاني : هذا يقتضي أن تكون ملة محمد كملة إبراهيم عليهما السلام سواء ، فيكون الرسول ليس له شرع مخصوص ويؤكده قوله تعالى : { أن اتبع ملة إبراهيم } ، الجواب : هذا الكلام إنما وقع مع عبدة الأوثان ، فكأنه تعالى قال : عبادة الله وترك الأوثان هي ملة إبراهيم فأما تفاصيل الشرائع فلا تعلق لها بهذا الموضع .

Sección V23/P064–V23/P065

السؤال الثالث : ما معنى قوله تعالى : { هو سماكم المسلمين من قبل } ؟ الجواب : فيه قولان : أحدهما : أن الكناية راجعة إلى إبراهيم عليه السلام ، فإن لكل نبي دعوة مستجابة وهو قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } ( البقرة : 128 ) فاستجاب الله تعالى له فجعلها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الله تعالى سيبعث محمدا بمثل ملته وأنه ستسمى أمته بالمسلمين والثاني : أن الكناية راجعة إلى الله تعالى في قوله : { هو اجتباكم } فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله سماكم المسلمين من قبل ) أي في كل الكتب ، وفي هذا أي في القرآن . وهذا الوجه أقرب لأنه تعالى قال : { ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس } فبين أنه سماهم بذلك لهذا الغرض وهذا لا يليق إلا بالله ، ويدل عليه أيضا قراءة أبي بن كعب { الله سماكم } والمعنى أنه سبحانه في سائر الكتب المتقدمة على القرآن ، وفي القرآن أيضا بين فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم ، لأجل الشهادة المذكورة . فلما خصكم الله بهذه الكرامة فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه . وهذا هو العلة الثالثة : الموجبة لقبول التكليف ، وأما الكلام في أنه كيف يكون الرسول شهيدا علينا ، وكيف تكون أمته شهداء على الناس ؟ فقد تقدم في سورة البقرة ، وبينا أنه أخذ منه ما يدل على أن الإجماع حجة . النوع الرابع : شرح ما يجري مجرى المؤكد لما مضى ، وهو قوله : { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ويجب صرفها إلى المفروضات لأنها هي المعهودة واعتصموا بالله أي بدلائله العقلية والسمعية وألطافه وعصمته ، قال ابن عباس : ( سلوا الله العصمة عن كل المحرمات ) وقال القفال : اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون هو مولاكم وسيدكم المتصرف فيكم فنم المولى ونعم البصير ، فكأنه سبحانه قال أنا مولاك بل أنا ناصرك وحسبك ، واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآيات / من وجوه : أحدها : أن قوله : { لتكونوا شهداء على الناس } يدل على أنه سبحانه أراد الإيمان من الكل ، لأنه تعالى لا يجعل الشهيد على عباده إلا من كان عدلا مرضيا ، فإذا أراد أن تكونوا شهداء على الناس فقد أراد تكونوا جميعا صالحين عدولا ، وقد علمنا أن منهم فاسقا ، فدل ذلك على أن الله تعالى أراد من الفسق كونه عدلا وثانيها : قوله : { واعتصموا بالله } وكيف يمكن الاعتصام به مع أن الشر لا يوجد إلا منه ؟ وثالثها : قوله : { فنعم المولى } لأنه لو كان كما يقوله أهل السنة من أنه خلق أكثر عباده ليخلق فيهم الكفر والفساد ثم يعذبهم لما كان نعم المولى ، بل كان لا يوجد من شرار الموالي أحد إلا وهو شر منه . فكان يجب أن يوصف بأنه بئس المولى وذلك باطل فدل على أنه سبحانه ما أراد من جميعهم إلا الصلاح . فإن قيل لم لا يجوز أن يكون نعم المولى للمؤمنين خاصة كما أنه نعم النصير لهم خاصة ؟ قلنا إنه تعالى مولى المؤمنين والكافرين جميعا فيجب أن يقال إنه نعم المولى للمؤمنين وبئس المولى للكافرين . فإن ارتكبوا ذلك فقد ردوا القرآن والإجماع وصرحوا بشتم الله تعالى ، ورابعها : أن قوله : { سماكم المسلمين من قبل } يدل على إثبات الأسماء الشرعية وأنها من قبل الله تعالى لأنها لو كانت لغة لما أضيفت إلى الله تعالى على وجه الخصوص . والجواب : عن الأول وهو قوله كونه تعالى مريدا لكونه شاهدا يستلزم كونه مريدا لكونه عدلا ، فنقول : إن كانت إرادة الشيء مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكافر توجب أن تكون مستلزمة لإرادة جهل الله تعالى فيلزم كونه تعالى مريدا لجهل نفسه . وإن لم يكن ذلك واجبا سقط الكلام .

Sección V23/P065–V23/P067

وأما قوله : { واعتصموا بالله } فيقال هذا أيضا وارد عليكم فإنه سبحانه خلق الشهوة في قلب الفاسق وأكدها وخلق المشتهي وقربه منه ورفع المانع ثم سلط عليه الشياطين من الإنس والجن وعلم أنه لا محالة يقع في الفجور والضلال ، وفي الشاهد كل من فعل ذلك فإنه يكون بئس المولى ، فإن صح قياس الغائب على الشاهد فهذا لازم عليكم وإن بطل سقط كلامكم بالكلية . < > 1 ( سورة المؤمنون ) 1 < > مائة وثمان عشرة آية مكية ! 7 < { قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكواة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى ورآء ذالك فأولائك هم العادون والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولائك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } . > 7 ! / < < المؤمنون : ( 1 - 11 ) قد أفلح المؤمنون > > إعلم أنه سبحانه حكم بحصول الفلاح لمن كان مستجمعا لصفات سبع ، وقبل الخوض في شرح تلك الصفات لا بد من بحثين : البحث الأول : أن { قد } نقيضة لما فقد تثبت المتوقع ولما تنفيه ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة ، وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه . / البحث الثاني : الفلاح الظفر بالراد وقيل البقاء في الخير ، وأفلح دخل في الفلاح كأبشر دخل في البشارة ، ويقال أفلحه صيره إلى الفلاح ، وعليه قراءة طلحة بن مصرف أفلح على البناء للمفعول ، وعنه أفلحوا على لغة أكلوني البراغيث أو على الإبهام والتفسير . الصفة الأولى : قوله : { المؤمنون } وقد تقدم القول في الإيمان في سورة البقرة .

Sección V23/P067

الصفة الثانية : قوله : { الذين هم فى صلاتهم خاشعون } واختلفوا في الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة ، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات ، ومنهم من جمع بين الأمرين وهو الأولى . فالخاشع في صلاته لا بد وأن يحصل له مما يتعلق بالقلب من الأفعال نهاية الخضوع والتذلل للمعبود ، ومن التروك أن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سوى التعظيم ، ومما يتعلق بالجوارح أن يكون ساكنا مطرقا ناظرا إلى موضع سجوده ، ومن التروك أن لا يلتفت يمينا ولا شمالا ، ولكن الخشوع الذي يرى على الإنسان ليس إلا ما يتعلق بالجوارح فإن ما يتعلق بالقلب لا يرى ، قال : الحسن وابن سيرين كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فلما نزلت هذه الآية طأطأ وكان لا يجاوز بصره مصلاه ، فإن قيل فهل تقولون إن ذلك واجب في الصلاة ؟ قلنا إنه عندنا واجب ويدل عليه أمور : أحدها : قوله تعالى : { أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها } ( محمد : 24 ) والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى ، وكذا قوله تعالى : { ورتل القرءان ترتيلا } ( المزمل : 4 ) معناه قف على عجائبه ومعانيه وثانيها : قوله تعالى : { إننى أنا الله } ( طه : 14 ) وظاهر الأمر للوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيما للصلاة لذكره وثالثها : قوله تعالى : { ولا تكن من الغافلين } ( الأعراف : 205 ) وظاهر النهي للتحريم ورابعها : قوله : { حتى تعلموا ما تقولون } النساء : 43 ) تعليل لنهي السكران وهو مطرد في الغافل المستغرق المهتم بالدنيا وخامسها : قوله عليه السلام : ( إنما الخشوع لمن تمسكن وتواضع ) وكلمة إنما للحصر ، وقوله عليه السلام : ( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا ) وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء ، وقال عليه السلام : ( كم من قائم حظه من قيامه التعب والنصب ) وما أراد به إلا الغافل ، وقال أيضا : ( ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل ) وسادسها : قال الغزالي رحمه الله : المصلي يناجي ربه كما ورد به الخبر والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة ألبتة ، وبيانه أن الإنسان إذا أدى الزكاة حال الغفلة فقد حصل المقصود منها على بعض الوجوه ، وهو كسر الحرص وإغناء الفقير ، وكذا الصوم قاهر للقوى كاسر لسطوة الهوى التي هي عدوة الله تعالى . فلا يبعد أن يحصل منه مقصوده مع الغفلة ، وكذا الحج أفعال شاقة ، وفيه من المجاهدة ما يحصل به الابتلاء سواء كان القلب حاضرا أو لم يكن . أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود ، أما الذكر فإنه مناجاة مع الله تعالى . فإما أن يكون المقصود منه كونه مناجاة ، أو المقصود مجرد الحروف والأصوات ، / ولا شك في فساد هذا القسم فإن تحريك اللسان بالهذيان ليس فيه غرض صحيح . فثبت أن المقصود منه المناجاة وذلك لا يتحقق إلا إذا كان اللسان معبرا عما في القلب من التضرعات فأي سؤال في قوله { اهدنا الصراط المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) وكان القلب غافلا عنه ؟ بل أقول لو حلف إنسان ، وقال : والله لأشكرن فلانا وأثنى عليه وأسأله حاجة .

Sección V23/P067–V23/P068

ثم جرت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في اليوم لم يبر في يمينه ولو جرى على لسانه في ظلمة الليل وذلك الإنسان حاضر وهو لا يعرف حضوره ولا يراه لا يصير بارا في يمينه ، ولا يكون كلامه خطابا معه ما لم يكن حاضرا بقلبه ، ولو جرت هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر في بياض النهار إلا أن المتكلم غافل لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار ولم يكن له قصد توجيه الخطاب عليه عند نطقه لم يصر بارا في يمينه ، ولا شك أن المقصود من القراءة الأذكار والحمد والثناء والتضرع والدعاء والمخاطب هو الله تعالى ، فإذا كان القلب محجوبا بحجاب الغفلة وكان غافلا عن جلال الله وكبريائه ، ثم إن لسانه يتحرك بحكم العادة فما أبعد ذلك عن القبول . وأما الركوع والسجود فالمقصود منهما التعظيم ، ولو جاز أن يكون تعظيما لله تعالى مع أنه غافل عنه ، لجاز أن يكون تعظيما للصنم الموضوع بين يديه وهو غافل عنه ، ولأنه إذا لم يحصل التعظيم لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس ، وليس فيها من المشقة ما يصير لأجله عمادا للدين ، وفاصلا بين الكفر والإيمان ، ويقدم على الحج والزكاة والجهاد وسائر الطاعات الشاقة ، ويجب القتل بسببه على الخصوص ، وبالجملة فكل عاقل يقطع بأن مشاهدة الخواص العظيمة ليس أعمالها الظاهرة إلا أن ينضاف إليها مقصود هذه المناجاة ، فدلت هذه الاعتبارات على أن الصلاة لا بد فيها من الحضور وسابعها : أن الفقهاء اختلفوا فيما ينويه بالسلام عند الجماعة والانفراد ، هل ينوي الحضور أو الغيبة والحضور معا . فإذا احتيج إلى التدبر في معنى السلام الذي هو آخر الصلاة فلأن يحتاج إلى التدبر في معنى التكبير والتسبيح التي هي الأشياء المقصودة من الصلاة بالطريق الأولى ، واحتج المخالف بأن اشتراط الخضوع والخشوع على خلاف اجتماع الفقهاء فلا يلتفت إليه والجواب : من وجوه : أحدها : أن الحضور عندنا ليس شرطا للأجزاء ، بل شرط للقبول ، والمراد من الإجزاء أن لا يجب القضاء ، والمراد من القبول حكم الثواب . والفقهاء إنما يبحثون عن حكم الإجزاء لا عن حكم الثواب ، وغرضنا في هذا المقام هذا ، ومثاله في الشاهد من استعار منك ثوبا ثم رده على الوجه الأحسن ، فقد خرج عن العهدة واستحق المدح ، ومن رماه إليك على وجه الاستخفاف خرج عن العهدة ، ولكنه استحق الذم ، كذا من عظم الله تعالى حال أدائه العبادة صار مقيما للفرض مستحقا للثواب ، ومن استهان بها صار مقيما للفرض ظاهرا لكنه استحق الذم وثانيها : أنا نمنع هذا الإجماع ، أما المتكلمون فقد اتفقوا على أنه لا بد من الحضور والخشوع ، واحتجوا عليه بأن السجود لله تعالى طاعة وللصنم كفر / وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه ، فلا بد من أمر لأجله صار السجود في إحدى الصورتين طاعة ، / وفي الأخرى معصية ، قالوا وما ذاك إلا القصد والإرادة ، والمراد من القصد إيقاع تلك الأفعال لداعية الامتثال ، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور ، فلهذا اتفقوا على أنه لا بد من الحضور ، أما الفقهاء فقد ذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله في تنبيه الغافلين : أن تمام القراءة أن يقرأ بغير لحن وأن يقرأ بالتفكر . وأما الغزالي رحمه الله فإنه نقل عن أبي طالب المكي عن بشر الحافي أنه قال : من لم يخشع فسدت صلاته . وعن الحسن رحمه الله : كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع . وعن معاذ بن جبل : من عرف من على يمينه وشماله متعمدا وهو في الصلاة فلا صلاة له . وروي أيضا مسندا قال عليه السلام : ( إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها ، وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها ) .

Sección V23/P068–V23/P069

وقال عبد الواحد بن زيد : أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل ، وادعى فيه الإجماع إذا ثبت هذا فنقول هب أن الفقهاء بأسرهم حكموا بالجواز ، أليس الأصوليون وأهل الورع ضيقوا الأمر فيها ، فهلا أخذت بالاحتياط فإن بعض العلماء اختار الإمامة ، فقيل له في ذلك فقال : أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبني الشافعي ، وإن قرأتها مع الإمام أن يعاتبني أبو حنيفة ، فاخترت الإمامة طلبا للخلاص عن هذا الاختلاف والله أعلم .

Sección V23/P069

الصفة الثالثة : قوله تعالى : { والذين هم عن اللغو معرضون } وفي اللغو أقوال : أحدها : أنه يدخل فيه كل ما كان حراما أو مكروها أو كان مباحا ، ولكن لا يكون بالمرء إليه ضرورة وحاجة وثانيها : أنه عبارة عن كل ما كان حراما فقط ، وهذا التفسير أخص من الأول وثالثها : أنه عبارة عن المعصية في القول والكلام خاصة ، وهذا أخص من الثاني ورابعها : أنه المباح الذي لا حاجة إليه ، واحتج هذا القائل بقوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم } ( المائدة : 89 ) فكيف يحمل ذلك على المعاصي التي لا بد فيها من المؤاخذة ، واحتج الأولون بأن اللغو إنما سمي لغوا بما أنه يلغي وكل ما يقتضي الدين إلغاءه كان أولى باسم اللغو ، فوجب أن يكون كل حرام لغوا ، ثم اللغو قد يكون كفرا لقوله : { لا تسمعوا لهاذا القرءان والغوا فيه } ( فصلت : 26 ) وقد يكون كذبا لقوله : { لا تسمع فيها لاغية } ( الغاشية : 11 ) وقوله : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } ( الواقعة : 25 ) ثم إنه سبحانه وتعالى مدحهم بأنهم يعرضون عن هذا اللغو والإعراض عنه ، هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه ، وعلى هذا الوجه قال تعالى : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) واعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس الذين هما قاعدتا بناء التكليف وهو أعلم . الصفة الرابعة : قوله تعالى : { والذين هم للزكواة فاعلون } وفي الزكاة قولان : أحدهما : قول أبي مسلم : أن فعل الزكاة يقع على كل فعل محمود مرضي ، كقوله : { قد أفلح من تزكى } ( الأعلى : 14 ) وقوله : { فلا تزكوا أنفسكم } ( النجم : 32 ) ومن جملته ما يخرج من حق المال ، وإنما سمى بذلك لأنها تطهر من الذنوب لقوله / تعالى : { تطهرهم وتزكيهم بها } ( التوبة : 103 ) . والثاني : وهو قول الأكثرين أنه الحق الواجب في الأموال خاصة وهذا هو الأقرب . لأن هذه اللفظة قد اختصت في الشرع بهذا المعنى ، فإن قيل إنه لا يقال في الكلام الفصيح إنه فعل الزكاة / قلنا قال صاحب ( الكشاف ) : الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى ، فالعين القدر الذي يخرجه المزكى من النصاب إلى الفقير ، والمعنى فعل المزكى الذي هو التزكية وهو الذي أراده الله تعالى فجعل المزكين فاعلين له ولا يسوغ فيه غيره ، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل . ويقال لمحدثه فاعل ، يقال للضارب فاعل الضرب ، وللقاتل فاعل القتل ، وللمزكى فاعل الزكاة ، وعلى هذا الكلام كله يجوز أن يراد بالزكاة العين ، ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء فإن قيل إن الله تعالى هناك لم يفصل بين الصلاة والزكاة ، فلم فصل ههنا بينهما بقوله : { والذين هم عن اللغو معرضون } ؟ قلنا لأن الإعراض عن اللغو من متممات الصلاة . الصفة الخامسة : قوله تعالى : { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } وفيه سؤالات :

Sección V23/P069–V23/P070

السؤال الأول : لم لم يقل إلا عن أزواجهم الجواب : قال الفراء معناه إلا من أزواجهم وذكر صاحب ( الكشاف ) فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه في موضع الحال أي إلا والين على أزواجهم أو قوامين عليهن من قولك كان فلان على فلانة ، ونظيره كان زياد على البصرة أي واليا عليها ، ومنه قولهم فلانة تحت فلان ومن ثم سميت المرأة فراشا . والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم وثانيها : أنه متعلق بمحذوف يدل عليه غير ملومين كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم أي يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه وهو قول الزجاج وثالثها : أن تجعله صلة لحافظين . السؤال الثاني : هلا قيل من ملكت الجواب : لأنه اجتمع في السرية وصفان : أحدهما : الأنوثة وهي مظنة نقصان العقل والآخر كونها بحيث تباع وتشتري كسائر السلع ، فلاجتماع هذين الوصفين فيها جعلت كأنها ليست من العقلاء . السؤال الثالث : هذه الآية تدل على تحريم المتعة على ما يروى عن القاسم بن محمد الجواب : نعم وتقريره أنها ليست زوجة له فوجب أن لا تحل له ، وإنما قلنا إنها ليست زوجة له لأنهما لا يتوارثان بالإجماع ولو كانت زوجة له لحصل التوارث لقوله تعالى : { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } ( النساء : 12 ) وإذا ثبت أنها ليست بزوجة له وجب أن لا تحل له لقوله تعالى : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } وهو أعلم . السؤال الرابع : أليس لا يحل له في الزوجة وملك اليمين الاستمتاع في أحوال كحال الحيض وحال العدة وفي الأمة حال تزويجها من الغير وحال عدتها ، وكذا الغلام داخل في ظاهر قوله وتعالى : { أو ما ملكت أيمانهم } والجواب : من وجهين : أحدهما : أن مذهب أبي حنيفة / رحمه الله أن الاستثناء من النفي لا يكون إثباتا واحتج عليه بقوله عليه السلام : ( لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي ) فإن ذلك لا يقتضي حصول الصلاة بمجرد حصول الطهور وحصول النكاح بمجرد حصول الولي . وفائدة الاستثناء صرف الحكم لا صرف المحكوم به فقوله : { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم } معناه أنه يجب حفظ الفروج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات الثاني : أنا إن سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات ، فغايته أنه عام دخله التخصيص بالدليل فيبقى فيما وراءه حجة . أما قوله تعالى : { فأولئك هم العادون } يعني الكاملون في العدوان المتناهون فيه .

Sección V23/P070–V23/P071

الصفة السادسة : قوله تعالى : { والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون } قرأ نافع وابن كثير { لأمانتهم } واعلم أنه يسمى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهدا / ومنه قوله تعالى : { ظليلا إن الله يأمركم أن تؤدوا الاحمانات إلى أهلها } وقال : { وتخونوا أماناتكم } ( الأنفال : 27 ) وإنما تؤدي العيون دون المعاني فكان المؤتمن عليه الأمانة في نفسه والعهد ، ما عقده على نفسه فيما يقربه إلى ربه ويقع أيضا على ما أمر الله تعالى به كقوله : { الذين قالوا إن الله عهد إلينا } ( آل عمران : 183 ) والراعي القائم على الشيء لحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية ، ويقال من راعى هذا الشيء ؟ أي موليه . واعلم أن الأمانة تتناول كل ما تركه يكون داخلا في الخيانة وقد قال تعالى : { تشكرون يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم } ( الأنفال : 270 ) فمن ذلك العبادات التي المرء مؤتمن عليها وكل العبادات تدخل في ذلك ، لأنها إما أن تخفي أصلا كالصوم وغسل الجنابة وإسباغ الوضوء أو تخفي كيفية إتيانه بها وقال عليه السلام : ( أعظم الناس خيانة من لم يتم صلاته ) وعن ابن مسعود رضي الله عنه : ( أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة ) ومن جملة ذلك ما يلتزمه بفعل أو قول فيلزمه الوفاء به كالودائع والعقود وما يتصل بهما . ومن ذلك الأقوال التي يحرم بها العبيد والنساء لأنه مؤتمن في ذلك ، ومن ذلك أن يراعى أمانته فلا يفسدها بغصب أو غيره ، وأما العهد فإنه دخل فيه العقود والإيمان والنذور ، فبين سبحانه أن مراعاة هذه الأمور والقيام بها معتبر في حصول الفلاح . الصفة السابعة : قوله : { والذين هم على صلواتهم يحافظون } وإنما أعاد تعالى ذكرها لأن الخشوع والمحافظة متغايران غير متلازمين ، فإن الخشوع صفة للمصلي في حال الأداء لصلاته والمحافظة إنما تصح حال ما لم يؤدها بكمالها . بل المراد بالمحافظة التعهد لشروطها من وقت وطهارة وغيرهما والقيام على أركانها وإتمامها حتى يكون ذلك دأبه في كل وقت ، ثم لما ذكر الله تعالى مجموع هذه الأمور قال : { أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } وههنا سؤالات :

Preguntas