Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
أما قوله : { لم يكد يراها } ففيه قولان : أحدهما : أن كاد نفيه إثبات وإثباته نفي فقوله : { وما كادوا يفعلون } ( البقرة : 71 ) نفي في اللفظ ولكنه إثبات في المعنى لأنهم فعلوا ذلك وقوله عليه الصلاة والسلام : ( كاد الفقر أن يكون كفرا ) إثبات في اللفظ لكنه نفي في المعنى لأنه لم يكفر فكذا ههنا قوله : { لم يكد يراها } معناه أنه رآها والثاني : أن كاد معناه المقاربة فقوله : { لم يكد يراها } معناه لم يقارب الوقوع ومعلوم أن الذي لم يقارب الوقوع لم يقع أيضا وهذا القول هو المختار والأول ضعيف لوجهين : الأول : أن ما يكون أقل من هذه الظلمات فإنه لا يرى فيه شيء فكيف مع هذه الظلمات الثاني : أن المقصود من هذا التمثيل المبالغة في جهالة الكفار وذلك إنما يحصل إذا لم توجد الرؤية ألبتة مع هذه الظلمات . أما قوله : { ومن لم يجعل الله نورا فما له من نور } فقال أصحابنا إنه سبحانه لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال : { يهدى الله لنوره من يشاء } ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبها بقوله : { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } والمقصود من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان وظلمة الطريق لا تمنع منه ، فإن الكل مربوط بخلق الله تعالى وهدايته وتكوينه ، وقال القاضي المراد بقوله : { ومن لم يجعل الله له نورا } أي في الدنيا بالألطاف { فما له من نور } أي لا يهتدي فيتحير ويحتمل { ومن لم يجعل الله له نورا } أي مخلصا في الآخرة وفوزا بالثواب { فما له من نور } والكلام عليه تزييفا وتقريرا معلوم . ! 7 < { ألم تر أن الله يسبح له من فى السماوات والا رض والطير صآفات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ولله ملك السماوات والا رض وإلى الله المصير < < النور : ( 41 - 42 ) ألم تر أن . . . . . > > اعلم أنه سبحانه لما وصف أنوار قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد : فالنوع الأول : ما ذكره في هذه الآية ولا شبهة في أن المراد ألم تعلم لأن التسبيح لا / تتناوله الرؤية بالبصر ويتناوله العلم بالقلب ، وهذا الكلام وإن كان ظاهره استفهاما فالمراد التقرير والبيان ، فنبه تعالى على ما يلزم من تعظيمه بأن من في السموات يسبح له وكذلك من في الأرض .
واعلم أنه إما أن يكون المراد من التسبيح دلالة هذه الأشياء على كونه تعالى منزها عن النقائص موصوفا بنعوت الجلال ، وإما أن يكون المراد منه أنها تنطق بالتسبيح وتتكلم به ، وإما أن يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على التنزيه وفي حق الباقين النطق باللسان ، والقسم الأول أقرب لأن القسم الثاني متعذر ، لأن في الأرض من لا يكون مكلفا لا يسبح بهذا المعنى ، والمكلفون منهم من لا يسبح أيضا بهذا المعنى كالكفار ، أما القسم الثالث وهو أن يقال إن من في السموات وهم الملائكة يسبحون باللسان ، وأما الذين في الأرض فمنهم من يسبح باللسان ومنهم من يسبح على سبيل الدلالة فهذا يقتضي استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معا وهو غير جائز فلم يبق إلا القسم الأول وذلك لأن هذه الأشياء مشتركة في أن أجسامها وصفاتها دالة على تنزيه الله سبحانه وتعالى وعلى قدرته وإلهيته وتوحيده وعدله فسمى ذلك تنزيها على وجه التوسع . فإن قيل فالتسبيح بهذا المعنى حاصل لجميع المخلوقات فما وجه تخصيصه ههنا بالعقلاء ؟ قلنا لأن خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه لأن العجائب والغرائب في خلقهم أكثر وهي العقل والنطق والفهم . أما قوله تعالى : { والطير صافات } فلقائل أن يقول ما وجه اتصال هذا بما قبله ؟ والجواب : أنه سبحانه لما ذكر أن أهل السموات وأهل الأرض يسبحون ذكر أن الذين استقروا في الهواء الذي هو بين السماء والأرض وهو الطير يسبحون / وذلك لأن إعطاء الجرم الثقيل القوة التي بها يقوى على الوقوف في جو السماء صافة باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط من أعظم الدلائل على قدرة الصانع المدبر سبحانه وجعل طيرانها سجودا منها له سبحانه ، وذلك يؤكد ما ذكرناه من أن المراد من التسبيح دلالة هذه الأحوال على التنزيه لا النطق اللساني . أما قوله : { كل قد علم صلاته وتسبيحه } ففيه ثلاثة أوجه : الأول : المراد كل قد علم الله صلاته وتسبيحه قالوا ويدل عليه قوله سبحانه : { والله عليم بما يفعلون } وهو اختيار جمهور المتكلمين والثاني : أن يعود الضمير في الصلاة والتسبيح على لفظ { كل } أي إنهم يعلمون ما يجب عليهم من الصلاة والتسبيح والثالث : أن تكون الهاء راجعة على ذكر الله يعني قد علم كل مسبح وكل مصل صلاة الله التي كلفه إياها وعلى هذين التقديرين فقوله : { والله عليم } استئناف وروي عن أبي ثابت قال كنت جالسا عند محمد بن جعفر الباقر رضي الله عنه فقال لي : أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها ؟ قال لا ، قال فإنهن يقدسن ربهن ويسألنه قوت يومهن . واستبعد المتكلمون ذلك فقالوا الطير لو كانت عارفة بالله تعالى لكانت كالعقلاء الذين يفهمون كلامنا وإشارتنا لكنها ليست كذلك ، فإنا نعلم بالضرورة أنها أشد نقصانا من الصبي الذي / لا يعرف هذه الأمور فبأن يمتنع ذلك فيها أولى ، وإذا ثبت أنها لا تعرف الله تعالى استحال كونها مسبحة له بالنطق ، فثبت أنها لا تسبح الله إلا بلسان الحال على ما تقدم تقريره .
قال بعض العلماء إنا نشاهد أن الله تعالى ألهم الطيور وسائر الحشرات أعمالا لطيفة يعجز عنها أكثر العقلاء ، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يلهمها معرفته ودعاءه وتسبيحه ، وبيان أنه سبحانه ألهمها الأعمال اللطيفة من وجوه : أحدها : احتيالها في كيفية الاصطياد فتأمل في العنكبوت كيف يأتي بالحيل اللطيفة في اصطياد الذباب ، ويقال إن الدب يستلقي في ممر الثور فإذا أرام نطحه شبث ذراعيه بقرينه ولا يزال ينهش ما بين ذراعيه حتى يثخنه ، وأنه يرمي بالحجارة ويأخذ العصا ويضرب الإنسان حتى يتوهم أنه مات فيتركه وربما عاود يتشممه ويتجسس نفسه ويصعد الشجر أخف صعود ويهشم الجوز بين كفيه تعريضا بالواحدة وصدمة بالأخرى ثم ينفخ فيه فيذر قشره ويستف لبه ، ويحكى عن الفأر في سرقته أمور عجيبة . وثانيها : أمر النحل ومالها من الرياسة وبناء البيوت المسدسة التي لا يتمكن من بنائها أفاضل المهندسين وثالثها : انتقال الكراكي من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر طلبا لما يوافقها من الأهوية ، ويقال إن من خواص الخيل أن كل واحد منها يعرف صوت الفرس الذي قابله وقتا ما والكلاب تتصايح بالعية المعروفة لها ، والفهد إذا سقي أو شرب من الدواء المعروف بخانق الفهد عمد إلى زبل الإنسان فأكله ، والتماسيح تفتح أفواهها لطائر يقع عليها كالعقعق وينظف ما بين أسنانها ، وعلى رأس ذلك الطير كالشوك فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطير تأذى من ذلك الشوك فيفتح فاه فيخرج الطائر ، والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية صعترا جبليا ثم تعود وقد عوفيت من ذلك ، وحكى بعض الثقات المجربين للصيد أنه شاهد الحبارى تقاتل الأفعى وتنهزم عنه إلى بقلة تتناول منها ثم تعود ولا يزال ذلك دأبه فكان ذلك الشيخ قاعدا في كن غائر فعل القنصة وكانت البقلة قريبة من مكمنه فما اشتغل الحبارى بالأفعى قلع البقلة فعادت الحبارى إلى منبتها ففقدته وأخذت تدور حول منبتها دورانا متتابعا حتى خر ميتا فعلم الشيخ أنه كان يتعالج بأكلها من اللسع ، وتلك البقلة كانت هي الجرجير البري ، وأما ابن عرس فيستظهر في قتال الحية بأكل السذاب فإن النكهة السذابية مما تنفر منها الأفعى والكلاب إذا دودت بطونها أكلت سنبل القمح / وإذا جرحت اللقالق بعضها بعضا داوت جراحها بالصعتر الجبلى ورابعها : القنافذ قد تحس بالشمال والجنوب قبل الهبوب فتغير المدخل إلى جحرها وكان بالقسطنطينية رجل قد أثرى بسبب أنه كان ينذر بالرياح قبل هبوبها وينتفع الناس بإنذاره وكان السبب فيه قنفذا في داره يفعل الصنيع المذكور فيستدل به ، والخطاف صانع جيد في اتخاذ العش من الطين وقطع الخشب فإن أعوزه الطين ابتل وتمرغ في التراب ليحمل جناحاه قدرا من الطين ، وإذا أفرخ بالغ في تعهد الفراخ ويأخذ ذرقها بمنقاره ويرميها عن العش ، ثم يعلمها إلقاء الذرق نحو طرف العش ، وإذا دنا الصائد من مكان فراخ القبجة ظهرت له القبجة وقربت منه مطمعة له / ليتبعها ثم تذهب إلى جانب آخر سوى جانب فراخها ، وناقر الخشب قلما يقع على الأرض بل على الشجر ينقر الموضع الذي يعلم أن فيه دودا ، والغرانيق تصعد في الجو جدا عند الطيران فإن حجب بعضها عن بعض ضباب أو سحاب أحدثت عن أجنحتها حفيفا مسموعا يلزم به بعضها بعضا ، فإذا نامت على جبل فإنها تضع رؤوسها تحت أجنحتها إلا القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه ، وإذا سمع حرسا صاح ، وحال النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضها بعضا أمر عجيب ، واعلم أن الاستقصاء في هذا الباب مذكور في كتاب طبائع الحيوان ، والمقصود أن الأكياس من العقلاء يعجزون عن أمثال هذه الحيل فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال إنها ملهمة من عند الله تعالى بمعرفته والثناء عليه وإن كانت غير عارفة بسائر الأمور التي يعرفها الناس ؟
ولله در شهاب الإسلام السمعاني حيث قال : جل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال .
أما قوله سبحانه : { ولله ملك السماوات والارض وإلى الله المصير } فهو مع وجازته فيه دلالة على تمام علم المبدأ والمعاد ، فقوله : { ولله ملك السماوات والارض } تنبيه على أن الكل منه لأن كل ما سواه ممكن ومحدث والممكن والمحدث لا يوجدان إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب فدخل في هذه القضية جميع الأجرام والأعراض وأفعال العباد وأقوالهم وخواطرهم . وأما قوله : { وإلى الله المصير } فهو عبارة تامة في معرفة المعاد وهو أنه لا بد من مصير الكل إليه سبحانه ، وله وجه آخر وهو أن الوجود يبدأ من الأشرف فالأشرف نازلا إلى الأخس فالأخس ثم يأخذ من الأخس فالأخس مترقيا إلى الأشرف فالأشرف ، فإنه يكون جسما ثم يصيره موصوفا بالنباتية ثم الحيوانية ثم الإنسانية ثم الملكية ثم ينتهي إلى واجب الوجود لذاته ، فالاعتبار الأول هو قوله : { ولله ملك السماوات والارض } والثاني هو قوله : { وإلى الله المصير } . ! 7 < } . > 7 ! / < < النور : ( 43 - 44 ) ألم تر أن . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع الثاني من الدلائل وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : { خالدون ألم تر } بعين عقلك والمراد التنبيه والإزجاء السوق قليلا قليلا ، ومنه البضاعة المزجاة التي يزجيها كل أحد وإزجاء السير في الإبل الرفق بها حتى تسير شيئا فشيئا ثم يؤلف بينه ، قال الفراء ( بين ) لا يصلح إلا مضافا إلى اسمين فما زاد ، وإنما قال { بينه } لأن السحاب واحد في اللفظ ، ومعناه الجمع والواحد سحابة ، قال الله تعالى : { وينشىء السحاب الثقال } ( الرعد : 12 ) والتأليف ضم شيء إلى شيء أي يجمع بين قطع السحاب فيجعلها سحابا واحدا { ثم يجعله ركاما } أي مجتمعا ، والركم جمعك شيئا فوق شيء حتى تجعله مركوما ، والودق : المطر ، قاله ابن عباس وعن مجاهد : القطر ، وعن أبي مسلم الأصفهاني : الماء . { من خلاله } من ( شقوقه ومخارقه ) جمع خلل كجبال في جمع جبل ، وقرىء { من } .
المسألة الثانية : اعلم أن قوله : { الله يزجى سحابا } يحتمل أنه سبحانه ينشئه شيئا بعد شيء ، ويحتمل أن يغيره من سائر الأجسام لا في حالة واحدة ، فعلى الوجه الأول يكون نفس السحاب محدثا ، ثم إنه سبحانه يؤلف بين أجزائه ، وعلى الثاني يكون المحدث من قبل الله تعالى تلك الصفات التي باعتبارها صارت تلك الأجسام سحابا ، وفي قوله : { ثم يؤلف بينه } دلالة على وجودها متقدما متفرقا إذ التأليف لا يصح إلا بين موجودين ، ثم إنه سبحانه يجعله ركاما ، وذلك بتركب بعضها على البعض ، وهذا مما لا بد منه لأن السحاب إنما يحمل الكثير من الماء إذا كان بهذه الصفة وكل ذلك من عجائب خلقه ودلالة ملكه واقتداره ، قال أهل الطبائع إن تكون السحاب والمطر والثلج والبرد والطل والصقيع في أكثر الأمر يكون من تكاثف البخار وفي الأقل من تكاثف الهواء ، أما الأول فالبخار الصاعد إن كان قليلا وكان في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فحينئذ ينحل وينقلب هواء . وأما إن كان البخار كثيرا ولم يكن في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فتلك الأبخرة المتصاعدة إما أن تبلغ في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ فإن بلغت فإما أن يكون البرد هناك قويا أو لا يكون ، فإن لم يكن البرد هناك قويا تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد ، واجتمع وتقاطر فالبخار المجتمع هو السحاب ، والمتقاطر هو المطر ، والديمة والوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم ، وأما إن كان البرد شديدا فلا يخلو إما أن يصل البرد إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها وانحلالها حبات كبارا أو بعد صيرورتها كذلك ، فإن كان على الوجه الأول نزل ثلجا ، وإن كان على الوجه الثاني نزل بردا ، وأما إذا لم تبلغ الأبخرة إلى الطبقة الباردة فهي إما أن تكون كثيرة أو تكون قليلة ، فإن كانت كثيرة فهي قد تنعقد سحابا ماطرا وقد لا تنعقد ، أما الأول فذاك لأحد أسباب خمسة : أحدها : إذا منع هبوب الرياح عن تصاعد تلك الأبخرة وثانيها : أن تكون الرياح ضاغطة إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال قدام الريح . وثالثها : / أن تكون هناك رياح متقابلة متصادمة فتمنع صعود الأبخرة حينئذ ورابعها : أن يعرض للجزء المتقدم وقوف لثقله وبطء حركته ، ثم يلتصق به سائر الأجزاء الكثيرة المدد وخامسها : لشدة برد الهواء القريب من الأرض . وقد نشاهد البخار يصعد في بعض الجبال صعودا يسيرا حتى كأنه مكبة موضوعة على وهدة ، ويكون الناظر إليها فوق تلك الغمامة والذين يكونون تحت الغمامة يمطرون والذين يكونون فوقها يكونون في الشمس ، وأما إذا كانت الأبخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة فإذا ضربها برد الليل كثفها وعقدها ماء محسوسا فنزل نزولا متفرقا لا يحس به إلا عند اجتماع شيء يعتد به / فإن لم يجمد كان طلا ، وإن جمد كان صقيعا ، ونسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر ، وأما تكون السحاب من انقباض الهواء فذلك عندما يبرد الهواء وينقبض ، وحينئذ يحصل منه الأقسام المذكورة والجواب : أنا لما دللنا على حدوث الأجسام وتوسلنا بذلك إلى كونه قادرا مختارا يمكنه إيجاد الأجسام لم يمكنا القطع بما ذكرتموه لاحتمال أنه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذي ذكرتموه ، وأيضا فهب أن الأمر كما ذكرتم ، ولكن الأجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها فلا بد لها من مؤثر .
ثم إنها متماثلة ، فاختصاص كل واحد منها بصفته المعينة من الصعود والهبوط واللطافة والكثافة والحرارة والبرودة لا بد له من مخصص ، فإذا كان هو سبحانه خالقا لتلك الطبائع وتلك الطبائع مؤثرة في هذه الأحوال وخالق السبب خالق المسبب ، فكان سبحانه هو الذي يزجي سحابا ، لأنه هو الذي خلق تلك الطبائع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جو الهواء ، ثم إن تلك الأبخرة إذا ترادفت في صعودها والتصق بعضها بالبعض فهو سبحانه هو الذي جعلها ركاما ، فثبت على جميع التقديرات أن وجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة والحكمة ظاهر بين .
أما قوله سبحانه : { وينزل من السماء من جبال فيها من برد } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : أحدهما : أن في السماء جبالا من برد خلقها الله تعالى كذلك ، ثم ينزل منها ما شاء وهذا القول عليه أكثر المفسرين ، قال مجاهد والكلبي : جبال من برد في السماء والقول الثاني : أن السماء هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس سمي بذلك لسموه وارتفاعه ، وأنه تعالى أنزل من هذا الغيم الذي هو سماء البرد وأراد بقوله { من جبال } السحاب العظام لأنها إذا عظمت أشبهت الجبال ، كما يقال فلان يملك جبالا من مال ووصفت بذلك توسعا وذهبوا إلى أن البرد ماء جامد خلقه الله تعالى في السحاب ، ثم أنزله إلى الأرض ، وقال بعضهم إنما سمى الله ذلك الغيم جبالا ، لأنه سبحانه خلقها من البرد ، وكل جسم شديد متحجر فهو من الجبال ، ومنه قوله تعالى : { واتقوا الذى خلقكم والجبلة الاولين } ( الشعراء : 184 ) ومنه فلان مجبول على كذا ، قال المفسرون والأول أولى لأن السماء اسم لهذا الجسم المخصوص ، فجعله اسما للسحاب بطريقة الاشتقاق مجاز ، وكما يصح أن يجعل الله الماء فى السحاب ثم ينزله بردا ، فقد يصح أن يكون في / السماء جبال من برد ، وإذا صح في القدرة كلا الأمرين فلا وجه لترك الظاهر . المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي قوله تعالى : { من السماء من جبال فيها من برد } فمن الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء ، والثانية للتبعيض لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال التي في السماء ، والثالثة للتبيين لأن جنس تلك الجبال جنس البرد ، ثم قال ومفعول الإنزال محذوف والتقدير وينزل من السماء من جبال فيها من برد ، إلا أنه حذف للدلالة عليه . أما قوله : { فيصيب به من يشاء ويصرفه ما يشاء } فالظاهر أنه راجع إلى البرد ، ومعلوم من حاله أنه قد يضر ما يقع عليه من حيوان ونبات ، فبين سبحانه أنه يصيب به من يشاء على وفق المصلحة ويصرفه ، أي يصرف ضرره عمن يشاء بأن لا يسقط عليه ، ومن الناس من حمل البرد على الحجر وجعل نزوله جاريا مجرى عذاب الاستئصال وذلك بعيد . أما قوله تعالى : { يكاد سنا برقه يذهب بالابصار } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء { يكاد سنا برقه } على الإدغام وقرىء ( برقه ) جمع برقة وهي المقدار من البرق وبرقه بضمتين للاتباع كما قيل في جمع فعلة فعلات كظلمات / و ( سناء برقه ) على المد والمقصور بمعنى الضوء والممدود بمعنى العلو والارتفاع من قولك سنى للمرتفع و { يذهب بالابصار } على زيادة الباء كقوله : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ( البقرة : 195 ) عن أبي جعفر المدني . المسألة الثانية : وجه الاستدلال بقوله : { يكاد سنا برقه يذهب بالابصار } أن البرق الذي يكون صفته ذلك لا بد وأن يكون نارا عظيمة خالصة ، والنار ضد الماء والبرد فظهوره من البرد يقتضي ظهور الضد من الضد ، وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم . المسألة الثالثة : اختلف النحويون في أنك إذا قلت ذهبت بزيد إلى الدار فهل يجب أن تكون ذاهبا معه إلى الدار ، فالمنكرون احتجوا بهذه الآية . أما قوله : { يقلب الله اليل والنهار } فقيل فيه وجوه : منها تعاقبهما ومجيء أحدهما بعد الآخر وهو كقوله : { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة } ( الفرقان : 62 ) ومنها ولوج أحدهما في الآخر وأخذ أحدهما من الآخر . ومنها تغير أحوالهما في البرد والحر وغيرهما ولا يمتنع في مثل ذلك أن يريد تعالى معاني الكل لأنه في الإنعام والاعتبار أولى وأقوى .
أما قوله تعالى : { إن فى ذالك لعبرة لاولى الابصار } فالمعنى أن فيما تقدم ذكره دلالة لمن يرجع إلى بصيرة ، فمن هذا الوجه يدل أن الواجب على المرء أن يتدبر ويتفكر في هذه الأمور ، ويدل أيضا على فساد التقليد . ! 7 < } . > 7 ! / < < النور : ( 45 - 46 ) والله خلق كل . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الدلائل على الوحدانية وذلك لأنه لما استدل أولا بأحوال السماء والأرض وثانيا بالآثار العلوية استدل ثالثا بأحوال الحيوانات ، واعلم أن على هذه الآية سؤالات : السؤال الأول : لم قال الله تعالى : { الابصار والله خلق كل دابة من ماء } مع أن كثيرا من الحيوانات غير مخلوقة من الماء ؟ أما الملائكة فهم أعظم الحيوانات عددا وهم مخلوقون من النور ، وأما الجن فهم مخلوقون من النار ، وخلق الله آدم من التراب لقوله : { خلقه من تراب } ( آل عمران : 59 ) وخلق عيسى من الريح لقوله : { فنفخنا فيه من روحنا } ( التحريم : 12 ) وأيضا نرى أن كثيرا من الحيوانات متولد لا عن النطفة والجواب من وجوه : أحدها : وهو الأحسن ما قاله القفال وهو أن قوله : { من ماء } صلة كل دابة وليس هو من صلة خلق ، والمعنى أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله تعالى وثانيها : أن أصل جميع المخلوقات الماء على ما يروى ( أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم من ذلك الماء خلق النار والهواء والنور ) ، ولما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة وكان الأصل الأول هو الماء لا جرم ذكره على هذا الوجه وثالثها : أن المراد من الدابة التي تدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك فيخرج عنه الملائكة والجن ، ولما كان الغالب جدا من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء ، إما لأنها متولدة من النطفة ، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء لا جرم أطلق لفظ الكل تنزيلا للغالب منزلة الكل . السؤال الثاني : لم نكر الماء في قوله : { من ماء } وجاء معرفا في قوله : { وجعلنا من الماء كل شىء حى } ( الأنبياء : 30 ) والجواب : إنما جاء ههنا منكرا لأن المعنى أنه خلق كل دابة من نوع من الماء يختص بتلك الدابة ، وإنما جاء معرفا في قوله : { وجعلنا من الماء كل شىء حى } لأن المقصود هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس ، وههنا بيان أن ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة . السؤال الثالث : قوله : { فمنهم } ضمير العقلاء وكذلك قوله : { من } فلم استعمله في غير العقلاء ؟ والجواب : أنه تعالى ذكر ما لا يعقل مع من يعقل وهم الملائكة والإنس والجن فغلب / اللفظ اللائق بمن يعقل ، لأن جعل الشريف أصلا والخسيس تبعا أولى من العكس ، ويقال في الكلام : من المقبلان ؟ لرجل وبعير . السؤال الرابع : لم سمى الزحف على البطن مشيا ؟ ويبين صحة هذا السؤال أن الصبي قد يوصف بأنه يحبو ولا يقال إنه يمشي وإن زحف على حد ما تزحف الحية والجواب : هذا على سبيل الاستعارة كما قالوا في الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر ، ويقال فلان لا يتمشى له أمر أو على طريق المشاكلة ( لذلك ) الزاحف مع الماشين .
السؤال الخامس : أنه لم يستوف القسمة لأنا نجد ما يمشي على أكثر من أربع مثال العناكب والعقارب والرتيلات بل مثل الحيوان الذي له أربعة وأربعون رجلا الذي يسمى دخال الأذن والجواب : القسم الذي ذكرتم كالنادر فكان ملحقا بالعدم ولأن الفلاسفة يقرون بأن ما له قوائم كثيرة فاعتماده إذا مشى على أربع جهاته لا غير فكأنه يمشي على أربع ، ولأن قوله تعالى : { يخلق الله ما يشاء } كالتنبيه على سائر الأقسام . السؤال السادس : لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب ؟ والجواب : قد قدم ما هو ( أعجب ) وهو الماشي بغير آله مشى من أجل أو قوائم ثم الماشي على رجلين ثم الماشي على أربع ، واعلم أن قوله : { يخلق الله ما يشاء } تنبيه على أن الحيوانات كما اختلفت بحسب كيفية المشي فكذا هي مختلفة بحسب أمور أخر / فلنذكر ههنا بعض التقسيمات : التقسيم الأول : الحيوانات قد تشترك في أعضاء وقد تتباين بأعضاء ، أما الشركة فمثل اشتراك الإنسان والفرس في أن لهما لحما وعصبا وعظما ، وأما التباين فإما أن يكون في نفس العضو أو في صفته ، أما التباين في نفس العضو فعلى وجهين : أحدهما : أن لا يكون العضو حاصلا للآخر ، وإن كانت أجزاؤه حاصلة للثاني كالفرس والإنسان ، فإن الفرس له ذنب والإنسان ليس له ذنب ولكن أجزاء الذنب ليست إلا العظم والعصب واللحم والجلد والشعر ، وكل ذلك حاصل للإنسان والثاني : أن لا يكون ذلك العضو حاصلا للثاني لا بذاته ولا بأجزائه مثل أن للسلحفاة صدفا يحيط به وليس للإنسان ذلك وكذا للسمك فلوس وللقنفذ شوك وليس شيء منها للإنسان وأما التباين في صفة العضو ، فإما أن يكون من باب الكمية أو الكيفية أو الوضع أو الفعل أو الانفعال ، أما الذي في الكم ، فإما أن يتعلق بالمقدار مثل أن عين البوم كبيرة وعين العقاب صغيرة أو بالعدد مثل أن أرجل ضرب من العناكب ستة وأرجل ضرب آخر ثمانية أو عشرة ، والذي في الكيف فكاختلافها في الألوان والأشكال والصلابة واللين ، والذي في الوضع فمثل اختلاف وضع ثدي الفيل فإنه يكون قريبا من الصدر وثدي الفرس فإنه عند السرة . وأما الذي في الفعل فمثل كون أذن الفيل صالحا للذب مع كونه آلة للسمع وليس كذلك في الإنسان وكون / أنفه آلة للقبض دون أنف غيره . وأما الذي في الانفعال فمثل كون عين الخفاش سريعة التحير في الضوء وعين الخطاف بخلاف ذلك .
التقسيم الثاني : الحيوان إما أن يكون مائيا بمعنى أن مسكنه الأصلي هو الماء أو أرضيا أو يكون مائيا ثم يصير أرضيا ، أما الحيوانات المائية فتغير أحوالها من وجوه : الأول : أنه إما أن يكون مكانه وغذاؤه ونفسه مائيا فله بدل التنفس في الهواء التنشق المائي فهو يقبل الماء إلى باطنه ثم يرده ولا يعيش إذا فارقه ، والسمك كله كذلك ومنه ما مكانه وغذاؤه مائي ولكنه يتنفس من الهواء مثل السلحفاة المائية ، ومنه ما مكانه وغذاؤه مائي وليس يتنفس ولا يستنشق مثل أصناف من الصدف لا تظهر للهواء ولا تستدخل الماء إلى باطنها الوجه الثاني : الحيوانات المائية بعضها مأواها مياه الأنهار الجارية وبعضها مياه البطائح مثل الضفادع وبعضها مأواها مياه البحر الوجه الثالث : منها لجية ومنها شطية ومنها طينية ومنها صخرية الوجه الرابع : الحيوان المنتقل في الماء منه ما يعتمد في غوصه على رأسه وفي السباحة على أجنحته كالسمك ومنه ما يعتمد في السباحة على رجليه كالضفدع ومنه ما يمشي في قعر الماء كالسرطان ومنه ما يزحف مثل ضرب من السمك لا جناح له وكالدود ، أما الحيوانات البرية فتغير أحوالها أيضا من وجهين : الأول : أن منها ما يتنفس من طريق واحد كالفم والخيشوم ومنها ما لا يتنفس كذلك بل على نحو آخر من مسامه مثل الزنبور والنحل الثاني : أن الحيوانات الأرضية منها ما له مأوى معلوم ، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة واللواتي لها مأوى فبعضها مأواه شق وبعضها حفر وبعضها مأواه قلة رابية وبعضها مأواه وجه الأرض الثالث : الحيوان البري كل طائر منه ذو جناح فإنه يمشي برجليه ، ومن جملة ذلك ما مشيه صعب عليه كالخطاف الكبير الأسود والخفاش . وأما الذي جناحه جلد أو غشاء فقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات الحبشية يطير الرابع : الطير يختلف فبعضها يتعايش معا كالكراكي وبعضها يؤثر التفرد كالعقاب وجميع الجوارح التي تتنازع على الطعم لاحتياجها إلى الاحتيال لتصيد ومنافستها فيه ، ومنها ما يتعايش زوجا ويكون معا كالقطا ، ومنه ما يجتمع تارة وينفرد أخرى والحيوانات المنفردة قد تكون مدنية وقد تكون برية صرفة وقد تكون بستانية والإنسان من بين الحيوان هو الذي لا يمكنه أن يعيش وحده فإن أسباب حياته ومعيشته تلتئم بالمشاركة المدنية والنحل والنمل وبعض الغرانيق يشارك الإنسان في ذلك لكن النحل والكراكي تطيع رئيسا واحدا والنمل له اجتماع ولا رئيس الخامس : الطير منه آكل لحم ومنه لاقط حب ومنه آكل عشب ، وقد يكون لبعض الطير طعم معين كالنحل فإن غذاءه زهر والعنكبوت فإن غذاءه الذباب وقد يكون بعضه متفق الطعم أما القسم الثالث : وهو الحيوان الذي يكون تارة مائيا ، وأخرى بريا فيقال إنه حيوان يكون في البحر ويعيش فيه ثم إنه يبرز إلى البر ويبقى فيه . / التقسيم الثالث : الحيوان منه ما هو إنسي بالطبع كالإنسان ومنه ما هو إنسي بالمولد كالهرة والفرس ومنه ما هو إنسي بالقسر كالفهد ومنه ما لا يأنس كالنمر والمستأنس بالقسر منه ما يسرع استئناسه ويبقى مستأنسا كالفيل ومنه ما يبطىء كالأسد ويشبه أن يكون من كل نوع صنف إنسي وصنف وحشي حتى من الناس . التقسيم الرابع : من الحيوان ما هو مصوت ومنه ما لا صوت له وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتا إلا الإنسان ، وأيضا لبعض الحيوان شبق يشتد كل وقت كالديك ومنه عفيف له وقت معين .
التقسيم الخامس : بحسب الأخلاق بعض الحيوانات هادىء الطبع قليل الغضب مثل البقرة وبعضه شديد الجهل حاد الغضب كالخنزير البري وبعضها حليم خدوع كالبعير وبعضها رديء الحركات مغتال كالحية وبعضها جريء قوي شهم كبير النفس كريم الطبع كالأسد ومنها قوي مغتال وحشي كالذئب وبعضها محتال مكار رديء الحركات كالثعلب وبعضها غضوب شديد الغضب سفيه إلا أنه ملق متودد كالكلب وبعضها شديد الكيس مستأنس كالفيل والقرد وبعضها حسود متباه بجماله كالطاووس وبعضها شديد التحفظ كالجمل والحمار . التقسيم السادس : من الحيوان ما تناسله بأن تلد أنثاه حيوانا وبعضها ما تناسله بأن تلد أنثاه دودا كالنحل والعنكبوت فإنها تلد دودا ، ثم إن أعضاءه تستكمل بعد وبعضها تناسله بأن تبيض أنثاه بيضا . واعلم أن العقول قاصرة عن الإحاطة بأحوال أصغر الحيوانات على سبيل الكمال ، ووجه الاستدلال بها على الصانع ظاهر لأنه لو كان الأمر بتركيب الطبائع الأربع فذلك بالنسبة إلى الكل على السوية فاختصاص كل واحد من هذه الحيوانات بأعضائها وقواها ومقادير أبدانها وأعمارها وأخلاقها لا بد وأن يكون بتدبير مدبر قاهر حكيم سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون . وأحسن كلام في هذا الموضع قوله سبحانه : { يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شىء قدير } لأنه هو القادر على الكل والعالم بالكل فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات ، فأي عقل يقف عليها وأي خاطر يصل إلى ذرة من أسرارها ، بل هو الذي يخلق ما يشاء ولا يمنعه منه مانع ولا دافع . وأما قوله : { لقد أنزلنا ءايات مبينات } فالأولى حمله على كل الأدلة والعبر ، ولما كان القرآن كالمشتمل على كل ذلك صح أن يكون هو المراد . أما قوله : { والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } فاستدلال أصحابنا به كما تقدم والجواب : أجاب القاضي عنه بأن المراد يهدي من بلغه حد التكليف دون غيره ، أو يكون المراد من أطاعه واستحق الثواب فيهديه إلى الجنة على ما تقدم في نظائره ، وجوابنا عن هذا الجواب أيضا كما تقدم في نظائره والله أعلم . ! 7 < } . > 7 ! < < النور : ( 47 - 50 ) ويقولون آمنا بالله . . . . . > > اعلم أنه سبحانه لما ذكر دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالدين بألسنتهم ولكنهم ل يقبلوه بقلوبهم وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال مقاتل : نزلت هذه الآية في بشر المنافق وكان قد خاصم يهوديا في أرض وكان اليهودي يجره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما ، وجعل المنافق يجره إلى كعب بن الأشرف ، ويقول إن محمدا يحيف علينا وقد مضت قصتهما في سورة النساء ، وقال الضحاك : نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فوقع إلى علي منها ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة ، فقال المغيرة بعني أرضك فباعها إياه وتقابضا فقيل للمغيرة أخذت سبخة لا ينالها الماء . فقال لعلي اقبض أرضك فإنما اشتريتها إن رضيتها ولم أرضها فلا ينالها الماء فقال علي بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها وعرفت حالها لا أقبلها منك ، ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المغيرة أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف علي فنزلت هذه الآية ، وقال الحسن نزلت هذه الآية في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر .
المسألة الثانية : قوله : { مستقيم ويقولون امنا } إلى قوله : { وما أولئك بالمؤمنين } يدل على أن الإيمان لا يكون بالقول إذ لو كان به لما صح أن ينفي كونهم مؤمنين . وقد فعلوا ما هو إيمان في الحقيقة ، فإن قيل إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون آمنا ، ثم حكى عن فريق منهم التولي / فكيف يصح أن يقول في جميعهم { وما أولئك بالمؤمنين } مع أن الذي تولى منهم هو البعض ؟ قلنا إن قوله : { وما أولئك بالمؤمنين } راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة الأولى ، وأيضا فلو رجع إلى الأول يصح ويكون معنى قوله : { ثم يتولى فريق منهم } أي يرجع هذا الفريق إلى الباقين منهم فيظهر بعضهم لبعض الرجوع عما أظهروه ، ثم بين سبحانه أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ، وهذا ترك للرضا بحكم الرسول ، ونبه بقوله تعالى : { وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين } على أنهم إنما يعرضون متى عرفوا الحق لغيرهم أوشكوا فأما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا عن الإعراض بل سارعوا إلى الحكم وأذعنوا ببذل الرضا ، وفي ذلك دلالة على أنه ليس بهم اتباع الحق ، وإنما يريدون النفع المعجل ، وذلك أيضا نفاق . أما قوله تعالى : { أفى قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله } ففيه سؤالات : السؤال الأول : كلمة ( أم ) للاستفهام وهو غير جائز على الله تعالى والجواب : اللفظ استفهام ومعناه الخبر كما قال جرير : ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح السؤال الثاني : أنهم لو خافوا أن يحيف الله عليهم فقد ارتابوا في الدين وإذ ارتابوا ففي قلوبهم مرض ، فالكل واحد ، فأي فائدة في التعديد ؟ الجواب : قوله : { أفى قلوبهم مرض } إشارة إلى النفاق وقوله : { أم ارتابوا } إشارة إلى أنه حدث هذا الشك والريب بعد تقرير الإسلام في القلب ، وقوله : { أم يخافون أن يحيف الله عليهم } إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا إلى حيث يتركون الدين بسببه . السؤال الثالث : هب أن هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة فكيف أدخل عليها كلمة ( أم ) ؟ الجواب : الأقرب أنه تعالى ذمهم على كل واحد من هذه الأوصاف فكان في قلوبهم مرض وهو النفاق ، وكان فيها شك وارتياب ، وكانوا يخافون الحيف من الرسول عليه الصلاة والسلام وكل واحد من ذلك كفر ونفاق ، ثم بين تعالى بقوله : { بل أولئك هم الظالمون } بطلان ما هم عليه لأن الظلم يتناول كل معصية كما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } إذ المرء لا يخلو من أن يكون ظالما لنفسه أو ظالما لغيره ، ويمكن أن يقال أيضا لما ذكر تعالى في الأقسام كونهم خائفين من الحيف ، أبطل ذلك بقوله : { بل أولئك هم الظالمون } أي لا يخافون أن يحيف الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم لمعرفتهم بأمانته وصيانته وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم وهم له جحود ، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يأبون المحاكمة إليه . ! 7 < { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولائك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولائك هم الفآئزون وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين } . > 7 ! < <
النور : ( 51 - 54 ) إنما كان قول . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى قول المنافقين وما قالوه وما فعلوه أتبعه بذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون فقال تعالى : { إنما كان قول المؤمنين } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ الحسن { قول المؤمنين } بالرفع ، والنصب أقوى لأن أولى الاسمين بكونه اسما لكان أوغلهما في التعريف و { أن يقولوا } أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف { قول المؤمنين } . المسألة الثانية : قوله : { إنما كان قول المؤمنين } معناه كذلك يجب أن يكون قولهم وطريقتهم إذا دعوا إلى حكم كتاب الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا ، فيكون إتيانهم إليه وانقيادهم له سمعا وطاعة ، ومعنى { سمعنا } أجبنا على تأويل قول المسلمين سمع الله لمن حمده أي قبل وأجاب ، ثم قال : { ومن يطع الله ورسوله } أي فيما ساءه وسره { ويخش الله } فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي { ويتقه } فيما بقي من عمره { فأولئك هم المفلحون } وهذه الآية على إيجازها حاوية لكل ما ينبغي للمؤمنين أن يفعلوه . أما قوله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن } فقال مقاتل : من حلف بالله / فقد أجهد في اليمين ، ثم قال لما بين الله تعالى كراهية المنافقين لحكم رسول الله ، فقالوا والله لئن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا ، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا ، ثم إنه تعالى أمر رسوله أن ينهاهم عن هذا القسم بقوله : { قل لا تقسموا } ولو كان قسمهم كما يجب لم يجز النهي عنه لأن من حلف على القيام بالبر والواجب لا يجوز أن ينهى عنه ، وإذا ثبت ذلك ثبت أن قسمهم كان لنفاقهم وأن باطنهم خلاف ظاهرهم ، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه لا يكون إلا قبيحا . أما قوله : { طاعة معروفة } فهو إما خبر مبتدأ محذوف ، أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا أيمان كاذبة ، أو مبتدأ خبره محذوف أي طاعة معروفة أمثل من قسمكم بما لا تصدقون فيه ، وقيل معناه دعوا القسم ولا تغتروا به وعليكم طاعة معروفة فتمسكوا بها . وقرأ اليزيدي { طاعة معروفة } بالنصب على معنى أطيعوا طاعة ( الله ) { إن الله خبير بما تعملون } أي بصير لا يخفى عليه شيء من سرائركم ، وإنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم . أما قوله : { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } فاعلم أنه تعالى صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات ، وهو أبلغ في تبكيتهم { فإن تولوا } يعني إن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله فإنما على الرسول ما حمل من تبليغ الرسالة وعليكم ما حملتم من الطاعة { وإن تطيعوه تهتدوا } أي تصيبوا الحق وإن عصيتموه فما على الرسول إلا البلاغ المبين / والبلاغ بمعنى التبليغ ، والمبين الواضح ، والموضح لما بكم إليه الحاجة ، وعن نافع أنه قرأ { فإنما عليه ما حمل } بفتح الحاء والتخفيف أي فعليه إثم ما حمل من المعصية . ! 7 < { وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الا رض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا ومن كفر بعد ذالك فأولائك هم الفاسقون } . > 7 ! / < < النور : ( 55 ) وعد الله الذين . . . . .
> > اعلم أن تقدير النظم بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون ، فقد وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات أي الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء والغالبين والمالكين كما استخلف عليها من قبلهم في زمن داود وسليمان عليهما السلام وغيرهما ، وأنه يمكن لهم دينهم وتمكينه ذلك هو أن يؤيدهم بالنصرة والإعزاز ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمنا بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم ويأمنوا بذلك شرهم ، فيعبدونني آمنين لا يشركون بي شيئا ولا يخافون { ومن كفر } أي من بعد هذا الوعد وارتد { فأولئك هم الفاسقون } . واعلم أن هذه الآية مشتملة على بيان أكثر المسائل الأصولية الدينية فلنشر إلى معاقدها : المسألة الأولى : قوله تعالى : { وعد الله الذين ءامنوا منكم } يدل على أنه سبحانه متكلم لأن الوعد نوع من أنواع الكلام والموصوف بالنوع موصوف بالجنس ، ولأنه سبحانه ملك مطاع والملك المطاع لا بد وأن يكون بحيث يمكنه وعد أوليائه ووعيد أعدائه فثبت أنه سبحانه متكلم . المسألة الثانية : الآية تدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل وقوعها خلافا لهشام بن الحكم ، فإنه قال لا يعلمها قبل وقوعها ووجه الاستدلال به أنه سبحانه أخبر عن وقوع شيء في المستقبل إخبارا على التفصيل وقد وقع المخبر مطابقا للخبر ومثل هذا الخبر لا يصح إلا مع العلم . المسألة الثالثة : الآية تدل على أنه سبحانه حي قادر على جميع الممكنات لأنه قال : { ليستخلفنهم فى الارض وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } وقد فعل كل ذلك وصدور هذه الأشياء لا يصح إلا من القادر على كل المقدورات . المسألة الرابعة : الآية تدل على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة لأنه قال { يعبدوننى } ، وقالت المعتزلة الآية تدل على أن فعل الله تعالى معلل بالغرض لأن المعنى لكي يعبدوني وقالوا أيضا الآية دالة على أنه سبحانه يريد العبادة من الكل ، لأن من فعل فعلا لغرض فلا بد وأن يكون مريدا لذلك الغرض . المسألة الخامسة : دلت الآية على أنه تعالى منزه عن الشريك لقوله : { لا يشركون بى شيئا } وذلك يدل على نفي الإله الثاني ، وعلى أنه لا يجوز عبادة غير الله تعالى سواء كان كوكبا كما تقوله الصابئة أو صنما كما تقوله عبدة الأوثان . المسألة السادسة : دلت الآية على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عن الغيب في قوله : { ليستخلفنهم فى الارض وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } وقد وجد هذا المخبر موافقا للخبر ومثل هذا الخبر معجز ، والمعجز دليل الصدق فدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم . المسألة السابعة : دلت الآية على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان ، خلافا للمعتزلة لأنه عطف العمل الصالح عن الإيمان والمعطوف خارج عن المعطوف عليه .
/ المسألة الثامنة : دلت الآية على إمامة الأئمة الأربعة وذلك لأنه تعالى وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم وهو المراد بقوله ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وأن يمكن لهم دينهم المرضي وأن يبدلهم بعد الخوف أمنا ، ومعلوم أن المراد بهذا الوعد بعد الرسول هؤلاء لأن استخلاف غيره لا يكون إلا بعده ومعلوم أنه لا نبي بعده لأنه خاتم الأنبياء ، فإذن المراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة ومعلوم أن بعد الرسول الاستخلاف الذي هذا وصفه إنما كان في أيام أبي بكر وعمر وعثمان لأن في أيامهم كانت الفتوح العظيمة وحصل التمكين وظهور الدين والأمن ولم يحصل ذلك في أيام علي رضي الله عنه لأنه لم يتفرغ لجهاد الكفار لاشتغاله بمحاربة من خالفه من أهل الصلاة فثبت بهذا دلالة الآية على صحة خلافة هؤلاء ، فإن قيل الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضي حصول الخلافة لكل من آمن وعمل صالحا ولم يكن الأمر كذلك . نزلنا عنه ، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله : { ليستخلفنهم } هو أنه تعالى يسكنهم الأرض ويمكنهم من التصرف لا أن المراد منه خلافة الله تعالى ومما يدل عليه قوله : { كما استخلف الذين من قبلهم } واستخلاف من كان قبلهم لم يكن بطريق الإمامة فوجب أن يكون الأمر في حقهم أيضا كذلك . نزلنا عنه ، لكن ههنا ما يدل على أنه لا يجوز حمله على خلافة رسول الله لأن من مذهبكم أنه عليه الصلاة والسلام لم يستخلف أحدا وروي عن علي عليه السلام أنه قال أترككم كما ترككم رسول الله . نزلنا عنه ، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه عليا عليه السلام والواحد قد يعبر عنه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم كقوله تعالى : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) وقال في حق علي عليه السلام : { والذين يقيمون الصلواة ويؤتون الزكواة وهم راكعون } ( المائدة : 55 ) نزلنا عنه ، ولكن نحمله على الأئمة الإثني عشر والجواب عن الأول أن كلمة من للتبعيض فقوله : { منكم } يدل على أن المراد بهذا الخطاب بعضهم وعن الثاني : أن الاستخلاف بالمعنى الذي ذكرتموه حاصل لجميع الخلق فالذكور ههنا في معرض البشارة لا بد وأن يكون مغايرا له . وأما قوله تعالى : { كما استخلف الذين من قبلهم } فالذين كانوا قبلهم كانوا خلفاء تارة بسبب النبوة وتارة بسبب الإمامة والخلافة حاصلة في الصورتين وعن الثالث : أنه وإن كان من مذهبنا أنه عليه الصلاة والسلام لم يستخلف أحدا بالتعيين ولكنه قد استخلف بذكر الوصف والأمر بالاختيار فلا يمتنع في هؤلاء الأئمة الأربعة أنه تعالى يستخلفهم وأن الرسول استخلفهم ، وعلى هذا الوجه قالوا في أبي بكر يا خليفة رسول الله ، فالذي قيل إنه عليه السلام لم يستخلف أريد به على وجه التعيين وإذا قيل استخلف فالمراد على طريقة الوصف والأمر وعن الرابع : أن حمل لفظ الجمع على الواحد مجاز وهو خلاف الأصل وعن الخامس : أنه باطل لوجهين : أحدهما : قوله تعالى : { منكم } يدل على أن هذا الخطاب كان مع الحاضرين وهؤلاء الأئمة ما كانوا حاضرين الثاني : أنه تعالى وعدهم القوة والشوكة والنفاذ في العالم ولم يوجد ذلك فيه فثبت بهذا صحة إمامة الأئمة / الأربعة وبطل قول الرافضة الطاعنين على أبي بكر وعمر وعثمان وعلى بطلان قول الخوراج الطاعنين على عثمان وعلي ، ولنرجع إلى التفسير . أما قوله : { ليستخلفنهم } فلقائل أن يقول أين القسم المتلقى باللام والنون في { ليستخلفنهم } ، قلنا : هو محذوف تقديره : وعدهم الله ( وأقسم ) ليستخلفنهم أو نزل وعد الله في تحققه منزلة القسم فتلقى بما يتلقى به القسم كأنه قال اقسم الله ليستخلفنهم .
أما قوله : { كما استخلف الذين من قبلهم } يعني { كما استخلف } هارون ويوشع وداود وسليمان وتقدير النظم ليستخلفنهم استخلافا كاستخلاف من قبلهم من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام ، وقرىء كما استخلف بضم التاء وكسر اللام ، وقرىء بالفتح . أما قوله تعالى : { وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم } فالمعنى أنه يثبت لهم دينهم الذي ارتضى لهم وهو الإسلام ، وقرأ ابن كثير وعاصم ويعقوب { وليبدلنهم } ومن الإبدال بالتخفيف والباقون بالتشديد ، وقد ذكرنا الفرق بينهما في قوله تعالى : { بدلناهم جلودا غيرها } ( النساء : 56 ) . أما قوله : { يعبدوننى لا يشركون بى شيئا } ففيه دلالة على أن الذين عناهم لا يتغيرون عن عبادة الله تعالى إلى الشرك . وقال الزجاج يجوز أن يكون في موضع الحال على معنى : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات في حال عبادتهم وإخلاصهم لله ليفعلن بهم كيت وكيت ويجوز أن يكون استئنافا على طريق الثناء عليهم . أما قوله : { ومن كفر بعد ذالك } أي جحد حق هذه النعم { فأولئك هم الفاسقون } أي العاصون . ! 7 < { وأقيموا الصلواة وآتوا الزكواة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون لا تحسبن الذين كفروا معجزين فى الا رض ومأواهم النار ولبئس المصير } . > 7 ! < < النور : ( 56 - 57 ) وأقيموا الصلاة وآتوا . . . . . > > أما تفسير إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، ولفظة لعل ولفظة الرحمة ، فالكل قد تقدم مرارا . وأما قوله : { لا تحسبن الذين كفروا معجزين فى الارض } فالمعنى لا تحسبن يا محمد الذين كفروا سابقين فائقين حتى يعجزونني عن إدراكهم . وقرىء { لا يحسبن } بالياء المعجمة من تحتها ، وفيه أوجه : أحدها : أن يكون معجزين في الأرض هما المفعولان ، والمعنى لا يحسبن الذين / كفروا أحدا يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا هم في مثل ذلك وثانيها : أن يكون فيه ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره في قوله : { وأطيعوا الرسول } ( النور : 54 ) والمعنى : لا يحسبن الذين كفروا معجزين وثالثها : أن يكون الأصل ولا يحسبنهم الذين كفروا معجزين ، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول . وأما قوله : { ومأواهم النار ولبئس المصير } فقال صاحب ( الكشاف ) : النظم لا يحتمل أن يكون متصلا بقوله : { لا تحسبن } لأن ذلك نفي وهذا إيجاب ، فهو إذن معطوف بالواو على مضمر قبله تقديره لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض بل هم مقهورون ومأواهم النار . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلواة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلواة العشآء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الا يات والله عليم حكيم وإذا بلغ الا طفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذالك يبين الله لكم ءاياته والله عليم حكيم والقواعد من النسآء اللاتى لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم } . > 7 < النور : ( 58 - 60 ) يا أيها الذين . . . . . > > / اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال القاضي : قوله تعالى : { المصير ياأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } وإن كان ظاهره الرجال فالمراد به الرجال والنساء لأن التذكير يغلب على التأنيث فإذا لم يميز فيدخل تحت قوله : { المصير ياأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم } الكل ويبين ذلك قوله تعالى : { الذين ملكت أيمانكم } لأن ذلك يقال في الرجال والنساء والأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي ، وذلك لأن النساء في باب حفظ العورة أشد حالا من الرجال ، فهذا الحكم لما ثبت في الرجال فثبوته في النساء بطريق الأولى ، كما أنا نثبت حرمة الضرب بالقياس الجلي على حرمة التأفيف . المسألة الثانية : ظاهر قوله : { الذين ملكت أيمانكم } يدخل فيه البالغون والصغار ، وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد الصغار ، واحتجوا بأن الكبير من المماليك ليس له أن ينظر من المالك إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه ، قال ابن المسيب : لا يغرنكم قوله : { وما ملكت أيمانكم } لا ينبغي للمرأة أن ينظر عبدها إلى قرطها وشعرها وشيء من محاسنها ، وقال الآخرون : بل البالغ من المماليك له أن ينظر إلى شعر مالكته وما شاكله ، وظاهر الآية يدل على اختصاص عبيد المؤمنين والأطفال من الأحرار بإباحة ما حظره الله تعالى من قبل على جماعة المؤمنين بقوله : { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } ( النور : 27 ) فإنه أباح لهم إلا في الأوقات الثلاثة وجوز دخولهم مع من لم يبلغ بغير إذن ودخول الموالي عليهم بقوله تعالى : { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوفون عليكم } أي يطوف بعضكم على بعض فيما عدا الأوقات الثلاثة ، وأكد ذلك بأن أوجب على من بلغ الحلم الجري على سنة من قبلهم من البالغين في الاستئذان في سائر الأوقات وألحقهم بمن دخل تحت قوله : { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } . المسألة الثالثة : قوله : { ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } إن أريد به العبيد والإماء إذا كانوا بالغين فغير ممتنع أن يكون أمرا لهم في الحقيقة ، وإن أريد { الذين لم يبلغوا الحلم } لم يجز أن يكون أمرا لهم ، ويجب أن يكون أمرا لنا بأن نأمرهم بذلك ونبعثهم عليه كما أمرنا بأمر الصبي / وقد عقل الصلاة أن يفعلها لا على وجه التكليف لهم ، لكنه تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ ، ولا يبعد أن يكون لفظ الأمر وإن كان في الظاهر متوجها عليهم إلا أنه يكون في الحقيقة متوجها على المولى كقولك للرجل : ليخفك أهلك وولدك ، فظاهر الأمر لهم وحقيقة الأمر له بفعل ما يخافون عنده .
المسألة الرابعة : قال ابن عباس رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاما من الأنصار إلى عمر ليدعوه فوجده نائما في البيت فدفع الباب وسلم فلم يستيقظ عمر فعاد ورد الباب / وقام من خلفه وحركه فلم يستيقظ فقال الغلام اللهم أيقظه لي ودفع الباب ثم ناداه فاستيقظ وجلس ودخل الغلام فانكشف من عمر شيء وعرف عمر أن الغلام رأى ذلك منه فقال وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا في هذه الساعات إلا بإذن ثم انطلق معه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فوجده قد نزل عليه { المصير ياأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } فحمد الله تعالى عمر عند ذلك فقال عليه السلام وما ذاك يا عمر ؟ فأخبره بما فعل الغلام فتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنعه وتعرف اسمه ومدحه ، وقال : إن الله يحب الحليم الحي العفيف المتعفف ، ويبغض البذيء الجريء السائل الملحف ) فهذه الآية إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر . وقال بعضهم : نزلت في أسماء بنت أبي مرثد قالت إنا لندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان في لحاف واحد ، وقيل دخل عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله فيه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فنزلت الآية . المسألة الخامسة : قال ابن عمر ومجاهد قوله : { ليستأذنكم } عنى به الذكور دون الإناث لأن قوله : { الذين ملكت أيمانكم } صيغة الذكور لا صيغة الإناث ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي في الرجال والنساء يستأذنون على كل حال بالليل والنهار ، والصحيح أنه يجب إثبات هذا الحكم في النساء ، لأن الإنسان كما يكره اطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضا اطلاع النساء عليها ولكن الحكم يثبت في النساء بالقياس لا بظاهر اللفظ على ما قدمناه . المسألة السادسة : من العلماء من قال الأمر في قوله : { ليستأذنكم } على الندب والاستحباب ومنهم من قال إنه على الإيجاب وهذا أولى ، لما ثبت أن ظاهر الأمر للوجوب . أما قوله تعالى : { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عمر { الحلم } بالسكون .
المسألة الثانية : اتفق الفقهاء على أن الاحتلام بلوغ واختلفوا إذا بلغ خمس عشرة سنة ولم يحتلم فقال أبو حنيفة رحمه الله لا يكون الغلام بالغا حتى يبلغ ثماني عشرة سنة ويستكملها وفي الجارية سبع عشرة سنة ، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله في الغلام والجارية خمس عشرة سنة قال أبو بكر الرازي قوله تعالى : { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } يدل على بطلان قول من جعل حد البلوغ خمس عشرة إذا لم يحتلم لأن الله تعالى لم يفرق بين من بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة : ( رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبي حتى يحتلم ) ولم يفرق بين من بلغ خمس عشرة سنة وبين من لم يبلغها ، فإن قيل فهذا الكلام يبطل التقدير أيضا بثماني عشرة سنة أجاب بأنا قد علمنا بأن العادة في البلوغ خمس عشرة سنة وكل ما كان مبنيا على طريق العادات فقد تجوز الزيادة فيه والنقصان منه / وقد وجدنا من بلغ في اثنتي عشرة سنة ، وقد بينا أن الزيادة على / المعتاد جائزة كالنقصان منه فجعل أبو حنيفة رحمه الله الزيادة كالنقصان ، وهي ثلاث سنين ، وقد حكى عن أبي حنيفة رحمه الله تسع عشرة سنة للغلام ، وهو محمول على استكمال ثماني عشرة سنة والدخول في التاسعة عشرة . حجة الشافعي رحمه الله ما روى ابن عمر أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه اعترض أبو بكر الرازي عليه فقال هذا الخبر مضطرب لأن أحدا كان في سنة ثلاث والخندق في سنة خمس فكيف يكون بينهما سنة ؟ ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ لأنه قد يرد البالغ لضعفه ويؤذن غير البالغ لقوته ولطاقته حمل السلاح ويدل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام ما سأله عن الاحتلام والسن . البحث الثاني : اختلفوا في الإنبات هل يكون بلوغا ، فأبو حنيفة وأصحابه ما جعلوه بلوغا والشافعي رحمه الله جعله بلوغا ، قال أبو بكر الرازي رحمه الله ظاهر قوله : { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } ينفي أن يكون الإنبات بلوغا إذا لم يحتلم كما نفى كون خمس عشرة سنة بلوغا وكذلك قوله عليه السلام ( وعن الصبي حتى يحتمل ) حجة الشافعي رحمه الله تعالى ما روى عطية القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ينبت قال فنظروا إلى فلم أكن قد أنبت فاستبقاني قال أبو بكر الرازي هذا الحديث لا يجوز إثبات الشرع به وبمثله لوجوه : أحدها : أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر لا سيما مع اعتراضه على الآية ، والخبر في نفي البلوغ إلا بالاحتلام وثانيها : أنه مختلف الألفاظ ففي بعضها أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى ، وفي بعضها من اخضر عذاره ومعلوم أنه لا يبلغ هذه الحال إلا وقد تقدم بلوغه ولا يكون قد جرت عليه الموسى إلا وهو رجل كبير ، فجعل الإنبات وجرى الموسى عليه كناية عن بلوغ القدر الذي ذكرنا من السن وهي ثماني عشرة سنة فأكثر وثالثها : أن الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر بالقتل لذاك لا للبلوغ ، قال الشافعي رحمه الله هذه الاحتمالات مردودة بما روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه سئل عن غلام فقال هل اخضر عذاره ؟ وهدا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة .
Preguntas
- ¿Qué es el tawhid, la creencia islámica en la unicidad de Dios?
- ¿Cuáles son los seis pilares de la fe (iman) en el islam?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?