Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
المسألة الثانية : لم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد ، وذكر عن شعيب ذلك ؟ قلنا قد ذكرنا أن لوطا كان له قوم وهو كان من قوم إبراهيم وفي زمانه ، وإبراهيم سبقه بذلك واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق من إبراهيم فلم يذكره عن لوط وإنما ذكر منه ما اختص به من المنع عن الفاحشة وغيرها ، وإن كان هو أيضا يأمر بالتوحيد ، إذ ما من رسول إلا ويكون أكثر كلامه في التوحيد ، وأما شعيب فكان بعد انقراض القوم فكان هو أصلا أيضا في التوحيد فدأبه وقال : { اعبدوا الله } . المسألة الثالثة : الإيمان لا يتم إلا بالتوحيد ، والأمر بالعبادة لا يفيده لأن من يعبد الله / ويعبد غيره فهو مشرك فكيف اقتصر على قوله : { اعبدوا الله } ؟ فنقول : هذا الأمر يفيد التوحيد ، وذلك لأن من يرى غيره يخدم زيدا وعمرو هناك وهو أكبر أو هو سيد زيد ، فإذا قال له أخدم عمرا يفهم منه أنه يأمره بصرف الخدمة إليه ، وكذا إذا كان لواحد دينار واحد ، وهو يريد أن يعطيه زيدا ، فإذا قيل له أعطه عمرا يفهم منه لا تعطه زيدا ، فنقول هم كانوا مشتغلين بعبادة غير الله والله مالك ذلك الغير فقال لهم شعيب : { اعبدوا الله } ففهموا منه ترك عبادة غيره أو نقول لكل واحد نفس واحدة ويريد وضعها في عبادة غير الله فقال لهم شعيب ضعوها في موضعها وهو عبادة الله ففهم منه التوحيد ، ثم قال : { وارجوا اليوم الاخر } قال الزمخشري : معناه افعلوا ما ترجون به العاقبة إذ قد يقول القائل لغيره كن عاقلا ، ويكون معناه افعل فعل من يكون عاقلا ، وقوله : { وارجوا اليوم الاخر } فيه مسائل : المسألة الأولى : هذا يدل على صحة مذهبنا ، فإن عندنا من عبد الله طول عمره يثيبه الله تفضلا ولا يجب عليه ذلك لأن العابد قد وصل إليه من النعم ما لو زاد على ما أتى به لما خرج عن عهدة الشكر / ومن شكر المنعم على نعم سبقت لا يلزم المنعم أن يزيده ، وإن زاده يكون إحسانا منه إليه وإنعاما عليه ، فنقول قوله : { وارجوا اليوم } بعد قوله : { اعبدوا الله } يدل على التفضل لا على الوجوب فإن الفضل يرجى والواجب من العادل يقطع به . المسألة الثانية : قال : { وارجوا اليوم الاخر } ولم يقل وخافوه مع أن ذلك اليوم مخوف عند الكل وغير مرجو عند كثير من الناس ، لفسقه وفجوره ومحبته الدنيا ولا يرجوه إلا قليل من عباده ، فنقول لما ذكر التوحيد بطريق الإثبات وقال : { اعبدوا } ولم يذكره بطريق النفي وما قال ولا تعبدوا غيره قال بلفظ الرجاء لأن عبادة الله يرجى منها الخير في الدارين ، وفيه وجه آخر وهو أن الله حكى في حكاية إبراهيم أنه قال إنكم اتخذتم الأوثان مودة بينكم في الحياة الدنيا ، وأما في الآخرة فتكفرون بها ، وقال ههنا لا تكونوا كالذين سبق ذكرهم لم يرجوا اليوم الآخر ، فاقتصروا على مودة الحياة الدنيا ، وارجوا اليوم الآخر واعملوا له ، ثم قال : { ولا تعثوا فى الارض مفسدين } يمكن أن يقال نصب مفسدين على المصدر كما يقال قم قائما أي قياما ويكون قوله : { ولا تعثوا فى الارض مفسدين } كقول القائل إجلس قعودا لأن العيث والفساد بمعنى ، وجمع الأوامر والنواهي في قوله : { اعبدوا الله } وقوله : { ولا تعثوا } ثم إن قومه كذبوه بعدما بلغ وبين ، فحكى الله عنهم ذلك بقوله : { فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جاثمين } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ما حكي عن شعيب أمر ونهي والأمر لا يصدق ولا يكذب ، فإن من قال لغيره قم لا يصح أن يقول له كذبت ، فنقول كان شعيب يقول الله واحد فاعبدوه ، والحشر كائن فارجوه ، والفساد محرم فلا تقربوه ، وهذه الأشياء فيها إخبارات فكذبوه فيما أخبرهم به . / المسألة الثانية : قال ههنا وفي الأعراف : { فأخذتهم الرجفة } وقال في هود : { فأخذتهم الصيحة } ( الحجر : 73 ) والحكاية واحدة ، نقول لا تعارض بينهما فإن الصيحة كانت سببا للرجفة ، إما لرجفة الأرض إذ قيل إن جبريل صاح فتزلزلت الأرض من صيحته ، وإما لرجفة الأفئدة فإن قلوبهم ارتجفت منها ، والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب ، إذ يصح أن يقال روى فقوي ، وأن يقال شرب فقوي في صورة واحدة . المسألة الثالثة : حيث قال : { فأخذتهم الصيحة } قال : { فى ديارهم } وحيث قال : { فأخذتهم الرجفة } قال : { في دارهم } فنقول المراد من الدار هو الديار ، والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون بلفظ الجمع ، وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمن الالتباس ، وإنما اختلف اللفظ للطيفة ، وهي أن الرجفة هائلة في نفسها فلم يحتج إلى مهول ، وأما الصيحة فغير هائلة في نفسها لكن تلك الصيحة لما كانت عظيمة حتى أحدثت الزلزلة في الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع ، حتى تعلم هيبتها والرجفة بمعنى الزلزلة عظيمة عند كل أحد فلم يحتج إلى معظم لأمرها ، وقيل إن الصيحة كانت أعم حيث عمت الأرض والجو ، والزلزلة لم تكن إلا في الأرض فذكر الديار هناك غير أن هذا ضعيف لأن الدار والديار موضع الجثوم لا موضع الصيحة والرجفة ، فهم ما أصبحوا جاثمين إلا في ديارهم . ! 7 < { وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين وقارون وفرعون وهامان ولقد جآءهم موسى بالبينات فاستكبروا فى الا رض وما كانوا سابقين } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 38 - 39 ) وعادا وثمود وقد . . . . . > > ثم قال تعالى : { وعادا وثمود } أي وأهلكنا عادا وثمود لأن قوله تعالى : { فأخذتهم الرجفة } دل على الإهلاك { وقد تبين لكم من مساكنهم } الأمر وما تعتبرون منه ، ثم بين سبب ما جرى عليهم فقال : { وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل } فقوله : { وزين لهم الشيطان أعمالهم } يعني عبادتهم لغير الله { فصدهم عن السبيل } يعني عبادة الله { وكانوا مستبصرين } يعني بواسطة الرسل يعني فلم يكن لهم في ذلك عذر فإن الرسل أوضحوا السبل . ثم قال تعالى : { وقارون وفرعون وهامان } عطفا عليهم أي : وأهلكنا قارون وفرعون وهامان . / ثم قال تعالى : { ولقد جاءهم موسى بالبينات } كما قال في عاد وثمود : { وكانوا مستبصرين } أي بالرسل ، ثم قال تعالى : { فاستكبروا } أي عن عبادة الله وقوله : { فى الارض } إشارة إلى ما يوضح قلة عقلهم في استكبارهم ، وذلك لأن من في الأرض أضعف أقسام المكلفين ، ومن في السماء أقواهم ، ثم إن من في السماء لا يستكبر على الله وعن عبادته ، فكيف ( يستكبر ) من في الأرض . ثم قال تعالى : { وما كانوا سابقين } أي ما كانوا يفوتون الله لأنا بينا في قوله تعالى : { وما أنتم بمعجزين فى الارض } ( العنبكوت : 22 ) أن المراد أن أقطار الأرض في قبضة قدرة الله .
! 7 < { فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الا رض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 40 ) فكلا أخذنا بذنبه . . . . . > > ذكر الله أربعة أشياء العذاب بالحاصب ، وقيل إنه كان بحجارة محماة يقع على واحد منهم وينفذ من الجانب الآخر ، وفيه إشارة إلى النار والعذاب بالصيحة وهو هواء متموج ، فإن الصوت قيل سببه تموج الهواء ووصوله إلى الغشاء الذي على منفذ الأذن وهو الصماخ فيقرعه فيحس ، والعذاب بالخسف وهو الغمر في التراب ، والعذاب بالإغراق وهو بالماء . فحصل العذاب بالعناصر الأربعة والإنسان مركب منها وبها قوامه وبسببها بقاؤه ودوامه ، فإذا أراد الله هلاك الإنسان جعل ما منه وجوده سببا لعدمه ، وما به بقاؤه سببا لفنائه ، ثم قال تعالى : { وما كان الله ليظلمهم ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } يعني لم يظلمهم بالهلاك ، وإنما هم ظلموا أنفسهم بالإشراك وفيه وجه آخر ألطف وهو أن الله ما كان يظلمهم أي ما كان يضعهم في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة كما قال تعالى : { ولقد كرمنا بنىءادم } ( الإسراء : 70 ) لكنهم ظلموا أنفسهم حيث وضعوها مع شرفهم في عبادة الوثن مع خسته . ! 7 < { مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون } . > 7 < العنكبوت : ( 41 ) مثل الذين اتخذوا . . . . . > > لما بين الله تعالى أنه أهلك من أشرك عاجلا وعذب من كذب آجلا ، ولم ينفعه في الدارين معبوده ولم يدفع ذلك عنه ركوعه وسجوده ، مثل اتخاذه ذلك معبودا باتخاذ العنكبوت بيتا لا يجير آويا ولا يريح ثاويا ، وفي الآية لطائف نذكرها في مسائل : المسألة الأولى : ما الحكمة في اختيار هذا المثل من بين سائر الأمثال ؟ فنقول فيه وجوه / الأول : أن البيت ينبغي أن يكون له أمور : حائط حائل ، وسقف مظل ، وباب يغلق ، وأمور ينتفع بها ويرتفق ، وإن لم يكن كذلك فلا بد من أحد أمرين . إما حائط حائل يمنع من البرد وإما سقف مظل يدفع عنه الحر ، فإن لم يحصل منهما شيء فهو كالبيداء ليس ببيت لكن بيت العنكبوت لا يجنها ولا يكنها وكذلك المعبود ينبغي أن يكون منه الخلق والرزق وجر المنافع وبه دفع المضار ، فإن لم تجتمع هذه الأمور فلا أقل من دفع ضر أو جر نفع ، فإن من لا يكون كذلك فهو والمعدوم بالنسبة إليه سواء ، فإذن كما لم يحصل للعنكبوت باتخاذ ذلك البيت من معاني البيت شيء ، كذلك الكافر لم يحصل له باتخاذ الأوثان أولياء من معاني الأولياء شيء الثاني : هو أن أقل درجات البيت أن يكون للظل فإن البيت من الحجر يفيد الاستظلال ويدفع أيضا الهواء والماء والنار والتراب ، والبيت من الخشب يفيد الاستظلال ويدفع الحر والبرد ولا يدفع الهواء القوي ولا الماء ولا النار ، والخباء الذي هو بيت من الشعر أو الخيمة التي هي من ثوب إن كان لا يدفع شيئا يظل ويدفع حر الشمس لكن بيت العنكبوت لا يظل فإن الشمس بشعاعها تنفذ فيه ، فكذلك المعبود أعلى درجاته أن يكون نافذ الأمر في الغير ، فإن لم يكن كذلك فيكون نافذ الأمر في العابد ، فإن لم يكن فلا أقل من أن لا ينفذ أمر العابد فيه لكن معبودهم تحت تسخيرهم إن أرادوا أجلوه وإن أحبوا أذلوه الثالث : أدنى مراتب البيت أنه إن لم يكن سبب ثبات وارتفاق لا يصير سبب شتات وافتراق ، لكن بيت العنكبوت يصير سبب انزعاج العنكبوت ، فإن العنكبوت لو دام في زاوية مدة لا يقصد ولا يخرج منها ، فإذا نسج على نفسه واتخذ بيتا يتبعه صاحب الملك بتنظيف البيت منه والمسح بالمسوح الخشنة المؤذية لجسم العنكبوت ، فكذلك العابد بسبب العبادة ينبغي أن يستحق الثواب ، فإن لم يستحقه فلا أقل من أن لا يستحق بسببها العذاب ، والكافر يستحق بسبب العبادة العذاب .
المسألة الثانية : مثل الله اتخاذهم الأوثان أولياء باتخاذ العنكبوت نسجه بيتا ولم يمثله بنسجه وذلك لوجهين أحدهما : أن نسجه فيه فائدة له ، لولاه لما حصل وهو اصطيادها الذباب به من غير أن يفوته ما هو أعظم منه ، واتخاذهم الأوثان وإن كان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من متاع الدنيا ، لكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار الآخرة التي هي خير وأبقى فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت الوجه الثاني : هو أن نسجه مفيد لكن اتخاذها ذلك بيتا أمر باطل فكذلك هم لو اتخذوا الأوثان دلائل على وجود الله وصفات كماله وبراهين على نعوت إكرامه وأوصاف جلاله لكان حكمة ، لكنهم اتخذوها أولياء كجعل العنكبوت النسج بيتا وكلاهما باطل . المسألة الثالثة : كما أن هذا المثل صحح في الأول فهو صحيح في الآخر ، فإن بيت العنكبوت إذا هبت ريح لا يرى منه عين ولا أثر بل يصير هباء منثورا ، فكذلك أعمالهم للأوثان كما قال تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } ( الفرقان : 23 ) . المسألة الرابعة : قال : { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } ولم يقل آلهة إشارة إلى إبطال الشرك الخفي أيضا ، فإن من عبد الله رياء لغيره فقد اتخذ وليا غيره فمثله مثل العنكبوت يتخذ نسجه بيتا . / ثم إنه تعالى قال : وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون . إشارة إلى ما بينا أن كل بيت ففيه إما فائدة الاستظلال أو غير ذلك ، وبيته يضعف عن إفادة ذلك لأنه يخرب بأدنى شيء ولا يبقى منه عين ولا أثر { فكذلك عملهم لو كانوا يعلمون } . ! 7 < { إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شىء وهو العزيز الحكيم } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 42 ) إن الله يعلم . . . . . > > قال الزمخشري : هذا زيادة توكيد على التمثيل حيث إنهم لا يدعون من دونه من شيء ، بمعنى ما يدعون ليس بشيء وهو عزيز حكيم فكيف يجوز للعاقل أن يترك القادر الحكيم ويشتغل بعبادة ما ليس بشيء أصلا ، وهذا يفهم منه أنه جعل ما نافية ، وهو صحيح ، والعلم يتعلق بالجملة كما يقول القائل : إني أعلم أن الله واحد حق ، يعني أعلم هذه الجملة ، وإن كنا نجعل ما خبرية فيكون معناه ما يدعون من شيء فالله يعلمه وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم ، لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة ، ومن ههنا يكون الخطاب مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا لو قال قائل ما وجه تعلق هذه الآية بالتمثيل السابق ؟ فنقول لما قال إن مثلهم كمثل العنكبوت ، فكان للكافر أن يقول أنا لا أعبد هذه الأوثان التي أتخذها وهي تحت تسخيري ، وإنما هي صورة كوكب أنا تحت تسخيره ومنه نفعي وضري وخيري وشري ووجودي ودوامي فله سجودي وإعظامي ، فقال الله تعالى : الله يعلم أن كل ما يعبدون من دون الله هو مثل بيت العنكبوت لأن الكوكب والملك وكل ما عدا الله لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله فعبادتكم للغائب كعبادتكم للحاضر ولا معبود إلا الله ولا إله سواه . ! 7 < { وتلك الا مثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا العالمون } . > 7 < العنكبوت : ( 43 ) وتلك الأمثال نضربها . . . . . > >
قال الكافرون كيف يضرب خالق الأرض والسموات الأمثال بالهوام والحشرات كالبعوض والذباب والعنكبوت ؟ فيقال الأمثال تضرب للناس إن لم تكونوا كالأنعام يحصل لكم منه إدراك ما يوجب نفرتكم مما أنتم فيه وذلك لأن التشبيه يؤثر في النفس تأثيرا مثل تأثير الدليل ، فإذا قال الحكيم لمن يغتاب إنك بالغيبة كأنك تأكل لحم ميت لأنك وقعت في هذا الرجل وهو غائب لا يفهم ما تقول ولا يسمع حتى يجيب كمن يقع في ميت يأكل منه وهو لا يعلم ما يفعله ولا يقدر على دفعه إن كان يعلمه فينفر طبعه منه كما ينفر إذا قال له إنه يوجب العذاب ويورث العقاب . / ثم قال تعالى : { وما يعقلها إلا العالمون } . يعني حقيقتها وكون الأمر كذلك لا يعلمه إلا من حصل له العلم ببطلان ما سوى الله وفساد عبادة ما عداه ، وفيه معنى حكمي وهو أن العلم الحدسي يعلمه العاقل والعلم الفكري الدقيق يعقله العالم ، وذلك لأن العاقل إذا عرض عليه أمر ظاهر أدركه كما هو بكنهه لكون المدرك ظاهرا وكون المدرك عاقلا ، ولا يحتاج إلى كونه عالما بأشياء قبله ، وأما الدقيق فيحتاج إلى علم سابق فلا بد من عالم ، ثم إنه قد يكون دقيقا في غاية الدقة فيدركه ولا يدركه بتمامه ويعقله إذا كان عالما . إذا علم هذا فقوله : { وما يعقلها إلا العالمون } يعني هو ضرب للناس أمثالا وحقيقتها وما فيها من الفوائد بأسرها فلا يدركها إلا العلماء . ثم إنه تعالى لما أمر الخلق بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان ولم يأت الكفار بما أمرهم به وقص عليهم قصصا فيها عبر ، وأنذرهم على كفرهم بإهلاك من غبر ، وبين ضعف دليلهم بالتمثيل ، ولم يهتدوا بذلك إلى سواء السبيل ، وحصل يأس الناس عنهم سلى المؤمنين بقوله : ! 7 < { خلق الله السماوات والا رض بالحق إن فى ذالك لآية للمؤمنين } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 44 ) خلق الله السماوات . . . . . > > يعني إن لم يؤمنوا هم لا يورث كفرهم شكا في صحة دينكم ، ولا يؤثر شكهم في قوة يقينكم ، فإن خلق الله السموات والأرض بالحق للمؤمنين بيان ظاهر ، وبرهان باهر ، وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر ، وفي الآية مسألة يتبين بها تفسير الآية ، وهي أن الله تعالى كيف خص الآية في خلق السموات والأرض بالمؤمنين مع أن في خلقهما آية لكل عاقل كما قال الله تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) وقال الله تعالى : { إن في خلق السماوات والارض واختلاف اليل والنهار إلى أن قال لآيات لقوم يعقلون } ( البقرة : 164 ) فنقول خلق السموات والأرض آية لكل عاقل وخلقهما بالحق آية للمؤمنين فحسب ، وبيانه من حيث النقل والعقل ، أما النقل فقوله تعالى : { ما خلقناهما إلا بالحق ولاكن أكثرهم لا يعلمون } ( الدخان : 39 ) أخرج أكثر الناس عن العلم يكون خلقهما بالحق مع أنه أثبت علم الكل بأنه خلقهما حيث قال : { ولئن سألتهم من خلق السماوات الارض ليقولن الله } وأما العقل فهو أن العاقل أول ما ينظر إلى خلق السموات والأرض ويعلم أن لهما خالقا وهو الله ثم من يهديه الله لا يقطع النظر عنهما عند مجرد ذلك ، بل يقول إنه خلقهما متقنا محكما وهو المراد بقوله { بالحق } ، لأن ما لا يكون على وجه الإحكام يفسد ويبطل فيكون باطلا ، وإذا علم أنه خلقهما متقنا يقول إنه قادر كامل حيث خلق وعالم علمه شامل حيث أتقن / فيقول لا يعزب عن علمه أجزاء الموجودات في الأرض ولا في السموات ولا يعجز عن جمعها كما جمع أجزاء الكائنات والمبدعات ، فيجوز بعث من في القبور وبعثة الرسول ، ويعلم وحدانية الله لأنه لو كان أكثر من واحد لفسدتا ولبطلتا وهما بالحق موجودان فيحصل له الإيمان بتمامه ، من خلق ما خلقه على أحسن نظامه ، ثم إن الله تعالى لما سلى المؤمنين بهذه الآية سلى رسوله
! 7 < { اتل ما أوحى إليك من الكتاب وأقم الصلواة إن الصلواة تنهى عن الفحشآء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 45 ) اتل ما أوحي . . . . . > > يعني إن كنت تأسف على كفرهم فاتل ما أوحي إليك لتعلم أن نوحا ولوطا وغيرهما كانوا على ما أنت عليه بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة ولهذا قال : { اتل } وما قال عليهم ، لأن التلاوة ما كانت بعد اليأس منهم إلا لتسلية قلب محمد عليه الصلاة والسلام وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أن الرسول إذا كان معه كتاب وقرأ كتابه مرة ولم يسمع لم يبق له فائدة في قراءته لنفسه فنقول الكتاب المنزل مع النبي المرسل ليس كذلك ، فإن الكتب المسيرة مع الرسل على قسمين قسم يكون فيه سلام وكلام ، مع واحد يحصل بقراءته مرة تمام المرام ، وقسم يكون فيه قانون كلي تحتاج إليه الرعية في جميع الأوقات كما إذا كتب الملك كتابا فيه إنا رفعنا عنكم البدعة الفلانية ووضعنا فيكم السنة الفلانية وبعثنا إليكم هذا الكتاب فيه جميع ذلك فليكن ذلك كمنوال ينسج عليه وال بعد وال ، فمثل هذا الكتاب لا يقرأ ويترك بل يعلق من مكان عال ، وكثيرا ما تكتب نسخته على لوح ويثبت فوق المحاريب ، ويكون نصب الأعين ، فكذلك كتاب الله مع رسوله محمد قانون كلي فيه شفاء للعالمين فوجب تلاوته مرة بعد مرة ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ويأخذه قوم من قوم ويثبت في الصدور على مرور الدهور الوجه الثاني : هو أن الكتب على ثلاثة أقسام كتاب لا تكره قراءته إلا للغير كالقصص فإن من قرأ حكاية مرة لا يقرؤها مرة أخرى إلا لغيره ، ثم إذا سمعه ذلك الغير لا يقرؤها إلا لآخر لم يسمعه ولو قرأه عليه لسئموه ، وكتاب لا يكرر عليه إلا للنفس كالنحو والفقه وغيرهما وكتاب يتلى مرة بعد مرة للنفس وللغير كالمواعظ الحسنة فإنها تكرر للغير وكلما سمعها يلتذ بها ويرق لها قلبه ويستعيدها وكلما تدخل السمع يخرج الوسواس مع الدمع وتكرر أيضا لنفس المتكلم فإن كثيرا ما يلتذ المتكلم بكلمة طيبة وكلما يعيدها يكون أطيب وألذ وأثبت في القلب وأنفذ / حتى يكاد يبكي من رقته دما ولو أورثه البكاء عمى ، إذا علم هذا فالقرآن من القبيل الثالث مع أن فيه القصص والفقه والنحو فكان في تلاوته في كل زمان فائدة . المسألة الثانية : لم خصص بالأمر هذين الشيئين تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة ؟ فنقول لوجهين أحدهما : أن الله لما أراد تسلية قلب محمد عليه السلام قال له الرسول واسطة بين طرفين من الله إلى الخلق ، فإذا لم يتصل به الطرف الواحد ولم يقبلوه فالطرف الآخر متصل ، ألا ترى أن الرسول إذا لم تقبل رسالته توجه نحو مرسله ، فإذا تلوت كتابك ولم يقبلوك فوجه وجهك إلى وأقم الصلاة لوجهي الوجه الثاني : هو أن العبادات المختصة بالعبد ثلاثة : وهي الإعتقاد الحق ولسانية وهي الذكر الحسن وبدنية خارجية وهي العمل الصالح ، لكن الإعتقاد لا يتكرر فإن من اعتقد شيئا لا يمكنه أن يعتقده مرة أخرى بل ذلك يدوم مستمرا والنبي عليه السلام كان ذلك حاصلا له عن عيان أكمل مما يحصل عن بيان ، فلم يؤمر به لعدم إمكان تكراره ، لكن الذكر ممكن التكرار ، والعبادة البدنية كذلك فأمره بهما فقال : أتل الكتاب وأقم الصلاة .
المسألة الثالثة : كيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر ؟ نقول قال بعض المفسرين المراد من الصلاة القرآن وهو ينهى أي فيه النهي عنهما وهو بعيد لأن إرادة القرآن من الصلاة في هذا الموضع الذي قال قبله { اتل ما أوحى إليك } بعيد من الفهم / وقال بعضهم أراد به نفس الصلاة وهي تنهى عنهما ما دام العبد في الصلاة ، لأنه لا يمكنه الاشتغال بشيء منهما ، فنقول هذا كذلك لكن ليس المراد هذا وإلا لا يكون مدحا كاملا للصلاة ، لأن غيرها من الأشغال كثيرا ما يكون كذلك كالنوم في وقته وغيره فنقول : المراد أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر مطلقا وعلى هذا قال بعض المفسرين الصلاة هي التي تكون مع الحضور وهي تنهى ، حتى نقل عنه صلى الله عليه وسلم ( من لم تنهه صلاته عن المعاصي لم يزدد بها إلا بعدا ) ونحن نقول الصلاة الصحيحة شرعا تنهى عن الأمرين مطلقا وهي التي أتى بها المكلف لله حتى لو قصد بها الرياء لا تصح صلاته شرعا وتجب عليه الإعادة ، وهذا ظاهر فإن من نوى بوضوئه الصلاة والتبرد قيل لا يصح فكيف من نوى بصلاته الله وغيره إذا ثبت هذا فنقول الصلاة تنهى من وجوه الأول : هو أن من كان يخدم ملكا عظيم الشأن كثير الإحسان ويكون عنده بمنزلة ، ويرى عبدا من عباده قد طرده طردا لا يتصور قبوله ، وفاته الخبر بحيث لا يرجى حصوله ، يستحيل من ذلك المقرب عرفا أن يترك خدمة الملك ويدخل في طاعة ذلك المطرود فكذلك العبد إذا صلى لله صار عبدا له ، وحصل له منزلة المصلي يناجي ربه ، فيستحيل منه أن يترك عبادة الله ويدخل تحت طاعة الشيطان المطرود ، لكن مرتكب الفحشاء والمنكر تحت طاعة الشيطان فالصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر الثاني : هو أن من يباشر القاذورات كالزبال والكناس يكون له لباس نظيف إذا لبسه لا يباشر معه القاذورات وكلما كان ثوبه أرفع يكون امتناعه وهو لابسه عن القاذورات أكثر فإذا لبس واحد منهم ثوب ديباج / مذهب يستحيل منه مباشرة تلك الأشياء عرفا ، فكذلك العبد إذا صلى لبس لباس التقوى لأنه واقف بين يدي الله واضع يمينه على شماله ؛ على هيئة من يقف بمرأى ملك ذي هيبة ، ولباس التقوى خير لباس يكون نسبته إلى القلب أعلى من نسبة الديباج المذهب إلى الجسم ، فإذن من لبس هذا اللباس يستحيل منه مباشرة قاذورات الفخشاء والمنكر .
ثم إن الصلوات متكررة واحدة بعد واحدة فيدوم هذا اللبس فيدوم الامتناع الثالث : من يكون أمير نفسه يجلس حيث يريد فإذا دخل في خدمة ملك وأعطاه منصبا له مقام خاص لا يجلس صاحب ذلك المنصب إلا في ذلك الموضع ، فلو أراد أن يجلس في صف النعال لا يترك فكذلك العبد إذا صلى دخل في طاعة الله ولم يبق بحكم نفسه وصار له مقام معين ، إذ صار من أصحاب اليمين ، فلو أراد أن يقف في غير موضعه وهو موقف أصحاب الشمال لا يترك ، لكن مرتكب الفحشاء والمنكر من أصحاب الشمال وهذا الوجه إشارة إلى عصمة الله يعني من صلى عصمه الله عن الفحشاء والمنكر الرابع : وهو موافق لما وردت به الأخبار وهو أن من يكون بعيدا عن الملك كالسوقي والمنادي والمتعيش لا يبالي بما فعل من الأفعال يأكل في دكان الهراس والرواس ويجلس مع أحباش الناس ، فإذا صارت له قربة يسيرة من الملك كما إذا صار واحدا من الجندارية والقواد والسواس عند الملك لا تمنعه تلك القربة من تعاطي ما كان يفعله ، فإذا زادت قربته وارتفعت منزلته حتى صار أميرا حينئذ تمنعه هذه المنزلة عن الأكل في ذلك المكان والجلوس مع أولئك الخلان ، كذلك العبد إذا صلى وسجد صار له قربة ما لقوله تعالى : { واسجد واقترب } ( العلق : 19 ) فإذا كان ذلك القدر من القربة يمنعه من المعاصي والمناهي ، فبتكرر الصلاة والسجود تزداد مكانته ، حتى يرى على نفسه من آثار الكرامة ما يستقذر معه من نفسه الصغائر فضلا عن الكبائر ، وفي الآية وجه آخر معقول يؤكده المنقول وهو أن المراد من قوله : { اتل ما أوحى إليك من الكتاب } هو أنها تنهى عن التعطيل والإشراك ، والتعطيل هو إنكار وجود الله / والإشراك إثبات ألوهية لغير الله . فنقول التعطيل عقيدة فحشاء لأن الفاحش هو القبيح الظاهر القبح ، لكن وجود الله أظهر من الشمس وما من شيء إلا وفيه آية على الله ظاهرة وإنكار الظاهر ظاهر الإنكار ، فالقول بأن لا إله قبيح والإشراك منكر ، وذلك لأن الله تعالى لما أطلق اسم المنكر على من نسب نفسا إلى غير الوالد مع جواز أن يكون له ولد حيث قال : { إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول } ( المجادلة : 2 ) فالمشرك الذي يقول الملائكة بنات الله وينسب إلى من لم يلد ، ولا يجوز أن يكون له ولد ، ولدا كيف لا يكون قوله منكرا ؟
فالصلاة تنهى عن هذه الفحشاء ، وهذا المنكر وذلك لأن العبد أول ما يشرع في الصلاة يقول الله أكبر ، فبقوله الله ينفي التعطيل وبقوله أكبر ينفي التشريك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك ، فإذا قال بسم الله نفى التعطيل ، وإذا قال الرحمن الرحيم نفى الإشراك ، لأن الرحمن من يعطي الوجود بالخلق بالرحمة ، والرحيم من / يعطي البقاء بالرزق بالرحمة ، فإذا قال الحمد لله رب العالمين ، أثبت بقوله الحمد لله خلاف التعطيل وبقوله : { رب العالمين } خلاف الإشراك ، فإذا قال : { إياك نعبد } بتقديم إياك نفى التعطيل والإشراك وكذا بقوله : { وإياك نستعين } فإذا قال : { اهدنا الصراط } نفى التعطيل لأن طالب الصراط له مقصد والمعطل لا مقصد له ، وبقوله : { المستقيم } نفى الإشراك لأن المستقيم هو الأقرب والمشرك يعبد الأصنام حتى يعبد صورة صورها إله العالمين ، ويظنون أنهم يشفعون لهم وعبادة الله من غير واسطة أقرب ، وعلى هذا إلى آخر الصلاة يقول فيها أشهد أن لا إله إلا الله فينفي الإشراك والتعطيل ، وههنا لطيفة وهي أن الصلاة أولها لفظة الله وآخرها لفظة الله في قوله : أشهد أن لا إله إلا الله ليعلم المصلي أنه من أول الصلاة إلى آخرها مع الله ، فإن قال قائل فقد بقي من الصلاة قوله وأشهد أن محمدا رسول الله والصلاة على الرسول والتسليم ، فنقول هذه الأشياء في آخرها دخلت لمعنى خارج عن ذات الصلاة ، وذلك لأن الصلاة ذكر الله لا غير ، لكن العبد إذا وصل بالصلاة إلى الله وحصل مع الله لا يقع في قلبه أنه استقل واستبد واستغنى عن الرسول ، كمن تقرب من السلطان فيغتر بذلك ولا يلتفت إلى النواب والحجاب ، فقال أنت في هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد صلى الله عليه وسلم وغير مستغن عنه فقل مع ذكرى محمد رسول الله ، ثم إذا علمت أن هذا كله ببركة هدايته فاذكر إحسانه بالصلاة عليه ، ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغهم سلامي كما هو ترتيب المسافرين ، واعلم أن هيئة الصلاة هيئة فيها هيبة فإن أولها وقوف بين يدي الله كوقوف المملوك بين يدي السلطان ، ثم إن آخرها جثو بين يدي الله كما يجثو بين يدي السلطان من أكرمه بالإجلاس ، كأن العبد لما وقف وأثنى على الله أكرمه الله وأجلسه فجثا ، وفي هذا الجثو لطيفة وهي أن من جثا في الدنيا بين يدي ربه هذا الجثو لا يكون له جثو في الآخرة ، ولا يكون من الذين قال الله في حقهم { ونذر الظالمين فيها جثيا } ( مريم : 72 ) .
ثم قال تعالى : { ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون } . لما ذكر أمرين وهما تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة بين ما يوجب أن يكون الإتيان بهما على أبلغ وجوه التعظيم ، فقال : { ولذكر الله أكبر } وأنتم إذا ذكرتم آباءكم بما فيهم من الصفات الحسنة تنبشوا لذلك وتذكروهم بملء أفواهكم وقلوبكم ، لكن ذكر الله أكبر ، فينبغي أن يكون على أبلغ وجوه التعظيم / وأما الصلاة فكذلك لأن الله يعلم ما تصنعون ، وهذا أحسن صنعكم فينبغي أن يكون على وجه التعظيم ، وفي قوله : { ولذكر الله أكبر } مع حدف بيان ما هو أكبر منه لطيفة وهي أن الله لم يقل أكبر من ذكر فلان لأن ما نسب إلى غيره بالكبر فله إليه نسبة ، إذا لا يقال الجبل أكبر من خردلة ، وإنما يقال هذا الجبل أكبر من ذلك الجبل فأسقط المنسوب كأنه قال ولذكر / الله له الكبر لا لغيره ، وهذا كما يقال في الصلاة الله أكبر أي له الكبر لا لغيره . ! 7 < { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ءامنا بالذىأنزل إلينا وأنزل إليكم وإلاهنا وإلاهكم واحد ونحن له مسلمون وكذلك أنزلنآ إليك الكتاب فالذين ءاتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هاؤلاء من يؤمن به وما يجحد باياتنآ إلا الكافرون } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 46 - 47 ) ولا تجادلوا أهل . . . . .
> > لما بين الله طريقة إرشاد المشركين ونفع من انتفع وحصل اليأس ممن امتنع بين طريقة إرشاد أهل الكتاب فقال : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن } قال بعض المفسرين المراد منه لا تجادلوهم بالسيف ، وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا وحاربوا ، أي إذا ظلموا زائدا على كفرهم ، وفيه معنى ألطف منه وهو أن المشرك جاء بالمنكر على ما بيناه فكان اللائق أن يجادل بالأخشن ويبالغ في تهجين مذهبه وتوهين شبهه ، ولهذا قال تعالى في حقهم { صم بكم عمى } ( البقرة : 18 ) وقال : { لهم أعين لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها } ( الأعراف : 179 ) إلى غير ذلك . وأما أهل الكتاب فجاءوا بكل حسن إلا الاعتراف بالنبي عليه السلام فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والحشر ، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولا بالأحسن ولا تستخف آراؤهم ولا ينسب الضلال آباؤهم ، بخلاف المشرك ، ثم على هذا فقوله : { إلا الذين ظلموا } تبيين له حسن آخر ، وهو أن يكون المراد إلا الذين أشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة فإنهم ضاهوهم في القول المنكر فهم الظالمون ، لأن الشرك ظلم عظيم ، فيجادلون بالأخشن من تهجين مقالتهم وتبيين جهالتهم ، ثم إنه تعالى بين ذلك الأحسن فقدم محاسنهم بقوله : { وقولوا ءامنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلاهنا وإلاهكم واحد ونحن له مسلمون } فيلزمنا اتباع ما قاله لكنه بين رسالتي في كتبكم فهو دليل مضيء ، ثم بعد ذلك ذكر دليلا قياسيا فقال : { وكذلك أنزلنا إليك الكتاب } يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وهذا قياس ، ثم قال : { فالذين ءاتيناهم الكتاب يؤمنون به } لوجود النص ومن هؤلاء كذلك ، واختلف المفسرون فقال بعضهم : المراد بالذين آتيناهم الكتاب من آمن بنبينا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وغيره وبقوله : { ومن هؤلاء } أي من أهل مكة وقال بعضهم : المراد بالذين / آتيناهم الكتاب هم الذين سبقوا محمدا صلى الله عليه وسلم زمانا من أهل الكتاب ، ومن هؤلاء الذين هم في زمان محمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب وهذا أقرب ، فإن قوله : { هؤلاء } صرفه إلى أهل الكتاب أولى ، لأن الكلام فيهم ولا ذكر للمشركين ههنا ، إذ كان هذا الكلام بعد الفراغ من ذكرهم والإعراض عنهم لإصرارهم على الكفر ، وههنا وجه آخر أولى وأقرب إلى العقل والنقل ، وأقرب إلى الأحسن من الجدال المأمور به ، وهو أن نقول المراد بالذين آتيناهم الكتاب هم الأنبياء وبقوله : { ومن هؤلاء } أي من أهل الكتاب وهو أقرب ، لأن الذين آتاهم الكتاب في الحقيقة هم الأنبياء ، فإن الله ما آتى الكتاب إلا للأنبياء ، كما قال تعالى : { أولائك الذين ءاتيناهم الكتاب } ( الأنعام : 89 ) وقال : { وءاتينا داوود زبورا } ( النساء : 163 ) وقال : { وءاتانى الكتاب } ( مريم : 30 ) وإذا حملنا الكلام على هذا لا يدخله التخصيص ، لأن كل الأنبياء آمنوا بكل الأنبياء ، وإذا قلنا بما قالوا به يكون المراد من الذين آتيناهم الكتاب عبد الله بن سلام واثنين أو ثلاثة معه أو عددا قليلا ، ويكون المراد بقوله : { ومن هؤلاء } غير المذكورين ، وعلى ما ذكرنا يكون مخرج الكلام كأنه قسم القوم قسمين أحدهما المشركين وتكلم فيهم وفرغ منهم والثاني أهل الكتاب وهو بعد في بيان أمرهم ، والوقت وقت جريان ذكرهم ، فإذا قال هؤلاء يكون منصرفا إلى أهل الكتاب الذين هم في وصفهم ، وإذا قال أولئك يكون منصرفا إلى المشركين الذين سبق ذكرهم وتحقق أمرهم ، وعلى هذا التفسير يكون الجدال على أحسن الوجوه ، وذلك لأن الخلاف في الأنبياء والأئمة قريب من الخلاف في فضيلة الرؤساء والملوك ، فإذا اختلف حزبان في فضيلة ملكين أو رئيسين ، وأدى الاختلاف إلى الاقتتال يكون أقوى كلام يصلح بينهم أن يقال لهم هذان الملكان متوافقان متصادقان ، فلا معنى لنزاعكم فكذلك ههنا قال النبي صلى الله عليه وسلم نحن آمنا بالأنبياء وهم آمنوا بي فلا معنى لتعصبكم لهم وكذلك أكابركم وعلماؤكم آمنوا ، ثم قال تعالى : { الله فأولئك هم الكافرون } تنفيرا لهم عما هم عليه ، يعني أنكم آمنتم بكل شيء ، وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة ، إلا هذه المسألة الواحدة ، وبإنكارها تلتحقون بهم وتبطلون مزاياكم ، فإن الجاحد بآية يكون كافرا .
! 7 < { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون بل هو ءايات بينات فى صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بأاياتنآ إلا الظالمون } . > 7 < العنكبوت : ( 48 - 49 ) وما كنت تتلو . . . . . > > / ثم قال تعالى : { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } هذه درجة أخرى بعد ما تقدم على الترتيب ، وذلك لأن المجادل إذا ذكر مسألة مختلفا فيها كقول القائل : الزكاة تجب في مال الصغير ، فإذا قيل له لم ؟ فيقول كما تجب النفقة في ماله ، ولا يذكر أولا الجامع بينهما ، فإن قنع الطالب بمجرد التشبيه وأدرك من نفسه الجامع فذاك ، وإن لم يدرك أو لم يقنع يبدي الجامع ، فيقول كلاهما مال فضل عن الحاجة فيجب فكذلك ههنا ذكر أولا التمثيل بقوله : { وكذلك أنزلنا إليك } ( العنكبوت : 47 ) ثم ذكر الجامع وهو المعجزة ، فقال ما علم كون تلك الكتب منزلة إلا بالمعجزة ، وهذا القرآن ممن لم يكتب ولم يقرأ عين المعجزة ، فيعرف كونه منزلا ، وقوله تعالى : { إذا لارتاب المبطلون } فيه معنى لطيف ، وهو أن النبي إذا كان قارئا كاتبا ما كان يوجب كون هذا الكلام كلامه ، فإن جميع كتبة الأرض وقرائها لا يقدرون عليه ، لكن على ذلك التقدير يكون للمبطل وجه ارتياب ، وعلى ما هو عليه لا وجه لارتيابه فهو أدخل في الإبطال وهذا كقوله تعالى : { وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) أي من مثل محمد عليه السلام وكقوله : { الم ذالك الكتاب لا ريب فيه } ( البقرة : 1 / 2 ) . ثم قال تعالى : { بل هو ءايات بينات فى صدور الذين أوتوا العلم } قوله في صدور الذين أوتوا العلم إشارة إلى أنه ليس من مخترعات الآدميين ، لأن من يكون له كلام مخترع يقول هذا من قلبي وخاطري ، وإذا حفظه من غيره يقول إنه في قلبي وصدري ، فإذا قال : { فى صدور الذين أوتوا العلم } لا يكون من صدر أحد منهم ، والجاهل يستحيل منه ذلك ظهور له من الصدور ويلتحقون عنده هذه الأمة بالمشركين ، فظهوره من الله . ثم قال تعالى : { وما يجحد بئاياتنا إلا الظالمون } قال ههنا الظالمون ، ومن قبل قال الكافرون ، مع أن الكافر ظالم ولا تنافي بين الكلامين وفيه فائدة ، وهي أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم إن لكم المزايا فلا تبطلوها بإنكار محمد فتكونوا كافرين ، فلفظ الكافر هناك كان بليغا يمنعهم من ذلك لاستنكافهم عن الكفر ، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم إن جحدتم هذه الآية لزمكم إنكار إرسال الرسل فتلتحقون في أول الأمر بالمشركين حكما ، وتلتحقون عند هذه الآية بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين ، أي مشركين ، كما بينا أن الشرك ظلم عظيم ، فهذا اللفط ههنا أبلغ وذلك اللفظ هناك أبلغ . ! 7 < { وقالوا لولا أنزل عليه ءايات من ربه قل إنما الا يات عند الله وإنمآ أنا نذير مبين } . > 7 < العنكبوت : ( 50 ) وقالوا لولا أنزل . . . . . > >
/ لما فرغ من ذكر دليل من جانب النبي عليه السلام ذكر شبهتهم وهي بذكر الفرق بين المقيس عليه والمقيس ، فقالوا إنك تقول إنه أنزل إليك كتاب كما أنزل إلى موسى وعيسى ، وليس كذلك لأن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئا منها ، ثم إن الله تعالى أرشد نبيه إلى أجوبة هذه الشبهة منها قوله : { إنما الايات عند الله } ووجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم ادعى الرسالة وليس من شرط الرسالة الآية المعجزة ، لأن الرسول يرسل أولا ويدعو إلى الله ، ثم إن توقف الخلق في قبوله أو طلبوا منه دليلا ، فالله إن رحمهم بين رسالته وإن لم يرحمهم لا يبين ، فقال أنا الساعة رسول وأما الآية فالله إن أراد ينزلها وإن لم يرد لا ينزلها وهذا لأن ما هو من ضرورات الشيء إذا خلق الله الشيء لا بد من أن يخلقها كالمكان من ضرورات الإنسان فلا يخلق الله إنسانا إلا ويكون قد خلق مكانا أو يخلقه معه ، لكن الرسالة والمعجزة ليستا كذلك فالله إذا خلق رسولا وجعله رسولا ليس من ضروراته أن تعلم له معجزة ، ولهذا علم وجود رسل كشيث وإدريس وشعيب ولم تعلم لهم معجزة فإن قيل علم رسالتهم ، نقول من ثبتت رسالته بلا معجزة فنبينا كذلك لا حاجة له إلى معجزة لأن رسالته علمت بقول موسى وعيسى فتبين بطلان قولهم لم لم ينزل عليه آية ؟ وهذا لأنهم طلبوا سبق الآية وليست شرطا حتى تسبقها ، بلى إن كان لهم سؤال فطريقه أن يقولوا يا أيها المدعي نحن لا نكذبك ولا نصدقك لكنا نريد أن يبين الله لنا آية تخلصنا من تصديق المتنبي وتكذيب النبي ونعلم بها كونك نبيا ونؤمن بك ، فبعد ذلك ما كان يبعد من رحمة الله أن ينزل آية . ثم قوله : { وإنما أنا نذير مبين } معناه أن الآية عند الله ينزلها أو لا ينزلها لا تتعلق بي ما أنا إلا نذير وليس لي عليه حكم بشيء ثم إنه بعد بيان فساد شبهتهم من وجه بين فسادها من وجه آخر ، وقال هب أن إنزال الآية شرط لكنه وجد وهو في نفس الكتاب . ! 7 < { أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن فى ذالك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل كفى بالله بينى وبينكم شهيدا يعلم ما فى السماوات والا رض والذين ءامنوا بالباطل وكفروا بالله أولائك هم الخاسرون } . > 7 < العنكبوت : ( 51 - 52 ) أو لم يكفهم . . . . . > >
فقال تعالى : { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } يعني إن كان إنزال الآية شرطا / فلا يشترط إلا إنزال آية وقد أنزل وهو القرآن فإنه معجزة ظاهرة باقية وقوله : { أو لم يكفهم } عبارة تنبىء عن كون القرآن آية فوق الكفاية ، وذلك لأن القائل إذا قال أما يكفي للمسيء أن لا يضرب حتى يتوقع الإكرام ينبىء عن أن ترك الضرب في حقه كثير فكذلك قوله : { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب } وهذا لأن القرآن معجزة أتم من كل معجزة تقدمتها لوجوه : أحدهما : أن تلك المعجزات وجدت وما دامت فإن قلب العصا ثعبانا وإحياء الميت لم يبق لنا منه أثر ، فلو لم يكن واحد يؤمن بكتب الله ويكذب بوجود هذه الأشياء لا يمكن إثباتها معه بدون الكتاب وأما القرآن فهو باق لو أنكره واحد فنقول له فأت بآية من مثله الثاني : هو أن قلب العصا ثعبانا كان في مكان واحد ولم يره من لم يكن في ذلك المكان ، وأما القرآن فقد وصل إلى المشرق والمغرب وسمعه كل أحد ، وههنا لطيفة وهي أن آيات النبي عليه السلام كانت أشياء لا تختص بمكان دون مكان لأن من جملتها انشقاق القمر وهو يعم الأرض ، لأن الخسوف إذا وقع عم وذلك لأن نبوته كانت عامة لا تختص بقطر دون قطر وغاضت بحيرة ساوة في قطر وسقط إيوان كسرى في قطر وانهدت الكنيسة بالروم في قطر آخر إعلاما بأنه يكون أمر عام الثالث : هو أن غير هذه المعجزة الكافر المعاند يقول إنه سحر عمل بدواء ، والقرآن لا يمكن هذا القول فيه . ثم إنه تعالى قال : { إن فى ذالك لرحمة } إشارة إلى أنا جعلناه معجزة رحمة على العباد ليعلموا بها الصادق ، وهذا لأنا بينا أن إظهار المعجزة على يد الصادق رحمة من الله ، وكان له أن لا يظهر فيبقى الخلق في ورطة تكذيب الصادق أو تصديق الكاذب ، لأن النبي لا يتميز عن المتنبي لولا المعجزة ، لكن الله له ذلك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وقوله : { وذكرى } إشارة إلى أنه معجزة باقية يتذكر بها كل من يكون ما بقي الزمان . ثم قال تعالى : { لقوم يؤمنون } يعني هذه الرحمة مختصة بالمؤمنين لأن المعجزة كانت غضبا على الكافرين لأنها قطعت أعذارهم وعطلت إنكارهم . ثم قال تعالى : { قل كفى بالله بينى وبينكم شهيدا } لما ظهرت رسالته وبهرت دلالته ولم يؤمن به المعاندون من أهل الكتاب قال كما يقول الصادق إذا كذب وأتى بكل ما يدل على صدقه ولم يصدق الله يعلم صدقي وتكذيبك أيها المعاند وهو على ما أقول شهيد يحكم بيني وبينكم ، كل ذلك إنذار وتهديد يفيده تقريرا وتأكيدا ، ثم بين كونه كافيا بكونه عالما بجميع الأشياء . فقال : { يعلم ما فى السماوات والارض } وههنا مسألة : وهي أن الله تعالى قال في آخر الرعد { ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب } ( الرعد : 43 ) فأخر شهادة أهل الكتاب ، وفي هذه السورة قدمها حيث قال : { فالذين ءاتيناهم الكتاب يؤمنون به } ( العنكبوت : 47 ) ومن هؤلاء من يؤمن به أي من أهل الكتاب فنقول الكلام هناك مع المشركين ، فاستدل عليهم بشهادة غيرهم ثم / إن شهادة الله أقوى في إلزامهم من شهادة غير الله ، وههنا الكلام مع أهل الكتاب ، وشهادة المرء على نفسه هو إقراره وهو أقوى الحجج عليه فقدم ما هو ألزم عليهم .
ثم إنه تعالى لما بين الطريقين في إرشاد الفريقين المشركين وأهل الكتاب عاد إلى الكلام الشامل لهما والانذار العام فقال تعالى : { والذين ءامنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون } أي الذين آمنوا بما سوى الله لأن ما سوى الله باطل لأنه هالك بقوله : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) وكل ما هلك فقد بطل فكل هالك باطل وكل ما سوى الله باطل ، فمن آمن بما سوى الله فقد آمن بالباطل ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { أولائك هم الخاسرون } يقتضي الحصر أي من أتى بالإيمان بالباطل والكفر بالله فهو خاسر فمن يأتي بأحدهما دون الآخر ينبغي أن لا يكون خاسرا فنقول يستحيل أن يكون الآتي بأحدهما لا يكون آتيا بالآخر ، أما الآتي بالإيمان بما سوى الله فلأنه أشرك بالله فجعل غير الله مثل غيره لكن غيره عاجز جاهل ممكن باطل فيكون الله كذلك فيكون إنكارا لله وكفرا به ، وأما من كفر به وأنكره فيكون قائلا بأن العالم ليس له إله موجد فوجود العالم من نفسه ، فيكون قائلا بأن العالم واجب والواجب إله ، فيكون قائلا بأن غير الله إله فيكون إثباتا لغير الله وإيمانا به . المسألة الثانية : إذا كان الإيمان بما سوى الله كفرا به ، فيكون كل من آمن بالباطل فقد كفر بالله ، فهل لهذا العطف فائدة غير التأكيد الذي هو في قول القائل قم ولا تقعد واقرب مني ولا تبعد ؟ نقول نعم فيه فائدة غيرها ، وهو أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول كقول القائل أتقول بالباطل وتترك الحق لبيان أن القول باطل قبيح . المسألة الثالثة : هل يتناول هذا أهل الكتاب أي هل هم آمنوا بالباطل وكفروا بالله ؟ نقول نعم ، لأنهم لما صح عندهم أن معجزة النبي من عند الله وقطعوا بها وعاندوا وقالوا إنها من عند غير الله ، يكون كمن رأى شخصا يرمي حجارة ، فقال إن رامي الحجارة زيد يقطع بأنه قائل بأن هذا الشخص زيد حتى لو سئل عن عين ذلك الشخص وقيل له من هذا الرجل يقول زيد ، فكذلك هم لما قطعوا بأن مظهر المعجزة هو الله وقالوا بأن محمدا مظهر هذا يلزمهم أن يقولوا محمد هو الله تعالى فيكون إيمانا بالباطل ، وإذا قالوا بأن من أظهر المعجزة ليس بإله مع أنهم قطعوا بخصوص مظهر المعجزة يكونون قائلين بأن ذلك المخصوص الذي هو الله ليس بإله فيكون كفرا به ، وهذا لا يرد علينا فيمن يقول فلعل العبد مخلوق الله تعالى أو مخلوق العبد ، فإنه أيضا ينسب فعل الله إلى الغير ، كما أن المعجزة فعل الله وهم نسبوها إلى غيره لأن هذا القائل جهل النسبة ، كمن يرى حجارة رميت ولم ير عين راميها ، فيظن أن راميها زيد فيقول زيد هو رامي هذه الحجارة ، ثم إذا رأى راميها بعينه ويكون غير زيد لا يقطع بأن يقول هو زيد ، وأما إذا رأى عينه ورميه للحجارة وقال رامي الحجارة زيد ، يقطع بأنه يقول هذا الرجل زيد فظهر الفرق من / حيث إنهم كانوا معاندين عالمين بأن الله مظهر تلك المعجزة ، ويقولون بأنها من عند غير الله . ثم قوله : { هم الخاسرون } كذلك بأتم وجوه الخسران ، وهذا لأن من يخسر رأس المال ولا تركبه ديون يطالب بها دون من يخسر رأس المال وتركبه تلك الديون ، فهم لما عبدوا غير الله أفنوا العمر ولم يحصل لهم في مقابلته شيء ما أصلا من المنافع ، واجتمع عليهم ديون ترك الواجبات يطالبون بها حيث لا طاقة لهم بها . ! 7 < { ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 53 ) ويستعجلونك بالعذاب ولولا . . . . .
> > لما أنذرهم الله بالخسران وهو أتم وجوه الإنذار لأن من خسر لا يحصل له في مقابلة قدر الخسران شيء من المنافع وإلا لما كان الخسران ذلك القدر بل دونه ، مثاله إذا خسر واحد من العشرة درهما لا ينبغي أن يكون حصل له في مقابلة الدرهم ما يساوي نصف درهم ، وإلا لا يكون الخسران درهما بل نصف درهم ، فإذن هم لما خسروا أعمارهم لا تحصل لهم منفعة تخفيف عذاب وإلا يكون ذلك القدر من العمر له منفعة فيكون للخاسر عذاب أليم ، فقوله : { وأولئك هم الخاسرون } تهديد عظيم فقالوا إن كان علينا عذاب فأتنا به ، إظهارا لقطعهم بعدم العذاب ، ثم إنه أجاب بأن العذاب لا يأتيكم بسؤالكم ولا يعجل باستعجالكم ، لأنه أجله الله لحكمة ورحمة فلكونه حكيما لا يكون متغيرا منقلبا ، ولكونه رحيما لا يكون غضوبا منزعجا ، ولولا ذلك الأجل المسمى الذي اقتضته حكمته وارتضته رحمته لما كان له رحمة وحكمة ، فيكون غضوبا منقلبا فيتأثر باستعجالكم ويتغير من سؤالكم فيعجل وليس كذلك فلا يأتيكم بالعذاب وأنتم تسألونه ولا يدفع عنكم بالعذاب حين تستعيذون به منه ، كما قال تعالى : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها } ( الحج : 22 ) . ثم قال تعالى : { وليأتينهم بغتة } اختلف المفسرون فيه ، فقال بعضهم ليأتينهم العذاب بغتة ، لأن العذاب أقرب المذكورين ، ولأن مسئولهم كان العذاب ، فقال إنه ليأتينهم ، وقال بعضهم ليأتينهم بغتة أي الأجل ، لأن الآتي بغتة هو الأجل وأما العذاب بعد الأجل يكون معاينة ، وقد ذكرنا أن في كون العذاب أو الأجل آتيا بغتة حكمة ، وهي أنه لو كان وقته معلوما ، لكان كل أحد يتكل على بعده وعلمه بوقته فيفسق ويفجر معتمدا على التوبة قبل الموت . قوله تعالى : { وهم لا يشعرون } يحتمل وجهين أحدهما : تأكيد معنى قوله بغتة كما يقول القائل أتيته على غفلة منه بحيث لم يدر ، فقوله بحيث لم يدر أكد معنى الغفلة والثاني : هو كلام / يفيد فائدة مستقلة ، وهي أن العذاب يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون هذا الأمر ، ويظنون أن العذاب لا يأتيهم أصلا . ! 7 < { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 54 - 55 ) يستعجلونك بالعذاب وإن . . . . . > > ذكر هذا للتعجب ، وهذا لأن من توعد بأمر فيه ضرر يسير كلطمة أو لكمة ، فيرى من نفسه الجلد ويقول باسم الله هات ، وأما من توعد بإغراق أو إحراق ويقطع بأن المتوعد قادر لا يخلف الميعاد ، لا يخطر ببال العاقل أن يقول له هات ما تتوعدني به ، فقال ههنا { يستعجلونك بالعذاب } والعذاب بنار جهنم المحيطة بهم ، فقوله : { ويستعجلونك } أولا إخبار عنهم وثانيا تعجب منهم ، ثم ذكر كيفية إحاطة جهنم . فقال تعالى : { يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعلمون } . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : لم خص الجانبين بالذكر ولم يذكر اليمين والشمال وخلف وقدام ؟ فنقول لأن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا ونار الدنيا تحيط بالجوانب الأربع ، فإن من دخلها تكون الشعلة خلفه وقدامه ويمينه ويساره وأما النار من فوق فلا تنزل وإنما تصعد من أسفل في العادة العاجلة وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة التي تحت القدم ، ونار جهنم تنزل من فوق ولا تنطفىء بالدوس موضع القدم .
المسألة الثانية : قال : { من فوقهم ومن تحت أرجلهم } ولم يقل من فوق رءوسهم ، ولا قال من فوقهم ومن تحتهم ، بل ذكر المضاف إليه عند ذكر تحت ولم يذكره عند ذكر فوق ، فنقول لأن نزول النار من فوق سواء كان من سمت الرءوس وسواء كان من موضع آخر عجيب ، فلهذا لم يخصه بالرأس ، وأما بقاء النار تحت القدم فحسب عجيب ، وإلا فمن جوانب القدم في الدنيا يكون شعل وهي تحت فذكر العجيب وهو ما تحت الأرجل حيث لم ينطق بالدوس وما فوق على الإطلاق . ثم قال تعالى : { ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون } لما بين عذاب أجسامهم بين عذاب أرواحهم وهو أن يقال لهم على سبيل التنكيل والإهانة ذوقوا عذاب ما كنتم تعملون ، وجعل ذلك عين ما كانوا يعملون للمبالغة بطريق إطلاق اسم المسبب على السبب ، فإن عملهم كان سببا لجعل الله إياه سببا لعذابهم ، وهذا كثير النظير في الاستعمال . ! 7 < { ياعبادى الذين ءامنوا إن أرضى واسعة فإياى فاعبدون } . > 7 ! / < < العنكبوت : ( 56 ) يا عبادي الذين . . . . . > > وجه التعلق هو أن الله تعالى لما ذكر حال المشركين على حدة وحال أهل الكتاب على حدة وجمعهما في الإنذار وجعلهما من أهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعوهم من العبادة فقال مخاطبا للمؤمنين { تعملون ياعبادى الذين ءامنوا إن أرضى واسعة فإياى فاعبدون } إن تعذرت العبادة عليكم في بعضها فهاجروا ولا تتركوا عبادتي بحال ، وبهذا علم أن الجلوس في دار الحرب حرام والخروج منها واجب ، حتى لو حلف بالطلاق أنه لا يخرج لزمه الخروج ، و ( ر ) دع حتى يقع الطلاق ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : { فى عبادى } لم يرد إلا المخاطبة مع المؤمنين مع أن الكافر داخل في قوله : { فى عبادى } نقول ليس داخلا في قوله : { فى عبادى } نقول ليس داخلا فيه لوجوه : أحدها : أن من قال في حقه { عبادى } ليس للشيطان عليهم سلطان بدليل قوله تعالى : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } ( الحجر : 42 ) والكافر تحت سلطنة الشيطان فلا يكون داخلا في قوله { فى عبادى } الثاني : هو أن الخطاب بعبادي أشرف منازل المكلف ، وذلك لأن الله تعالى لما خلق آدم آتاه اسما عظيما وهو اسم الخلافة كما قال تعالى : { إني جاعل فى الارض خليفة } ( البقرة : 30 ) والخليفة أعظم الناس مقدارا وأتم ذوي البأس اقتدارا ، ثم إن إبليس لم يرهب من هذا الاسم ولم ينهزم ، بل أقدم عليه بسببه وعاداه وغلبه كما قال تعالى : { فأزلهما الشيطان } ( البقرة : 36 ) ثم إن من أولاده الصالحين من سمى بعبادي فانخنس عنهم الشيطان وتضاءل ، كما قال تعالى : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } ( الحجر : 42 ) وقال هو بلسانه { لاغوينهم أجمعين إلا عبادك } فعلم أن المكلف إذا كان عبدا لله يكون أعلى درجة مما إذا كان خليفة لوجه الأرض ولعل آدم كداود الذي قال الله تعالى في حقه { إنا جعلناك خليفة فى الارض } ( ص: 26 ) لم يتخلص من يد الشيطان إلا وقت ما قال الله تعالى في حقه عبدي وعندما ناداه بقوله : { ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) واجتباه بهذا النداء ، كما قال في حق داود { واذكر عبدنا داوود ذا الايد } ( ص: 17 ) إذا علم هذا فالكافر لا يصلح للخلافة فكيف يصلح لما هو أعظم من الخلافة ؟ فلا يدخل في قوله { فى عبادى } إلا المؤمن . الثالث : هو أن هذا الخطاب حصل للمؤمن بسعيه بتوفيق الله ، وذلك لأن الله تعالى قال : { ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) فالمؤمن دعا ربه بقوله : { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن ءامنوا بربكم فئامنا } ( الزمر : 53 ) فأجابه الله تعالى بقوله : { قل ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } فالإضافة بين الله وبين العبد بقول العبد إلهي وقول الله عبدي تأكدت بدعاء العبد ، لكن الكافر لم يدع فلم يجب ، فلا يتناول يا عبادي غير المؤمنين .
المسألة الثانية : إذا كان عبادي لا يتناول إلا المؤمنين فما الفائدة في قوله : { الذين كفروا } / مع أن الوصف إنما يذكر لتمييز الموصوف ، كما يقال يا أيها المكلفون المؤمنون ، ويا أيها الرجال العقلاء تمييزا عن الكافرين والجهال ، فنقول الوصف يذكر لا للتمييز بل لمجرد بيان أن فيه الوصف كما يقال الأنبياء المكرمون والملائكة المطهرون / مع أن كل نبي مكرم وكل ملك مطهر ، وإنما يقال لبيان أن فيهم الإكرام والطهارة ، ومثل هذا قولنا الله العظيم وزيد الطويل ، فههنا ذكر لبيان أنهم مؤمنون . المسألة الثالثة : إذ قال { فى عبادى } فهم يكونون عابدين فما الفائدة في الأمر بالعبادة بقوله فاعبدون ؟ فنقول فيه فائدتان إحداهما : المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل الثانية : الإخلاص أي يا من تعبدني أخلص العمل لي ولا تعبد غيري . المسألة الرابعة : الفاء في قوله : { فإياي } تدل على أنه جواب لشرط فما ذلك ؟ فنقول قوله : { إن أرضى واسعة } إشارة إلى عدم المانع من عبادته فكأنه قال إذا كان لا مانع من عبادتي فاعبدوني ، وأما الفاء في قوله تعالى : { فاعبدون } فهو لترتيب المقتضى على المقتضى كما يقال هذا عالم فأكرموه فكذلك ههنا لما أعلم نفسه بقوله : { فإياي } وهو لنفسه يستحق العبادة قال فاعبدون . المسألة الخامسة : قال العبد مثل هذا في قوله : { إياك نعبد } وقال عقيبه : { وإياك نستعين } والله تعالى وافقه في قوله : { فإياى فاعبدون } ولم يذكر الإعانة نقول بل هي مذكورة في قوله { فى عبادى } لأن المذكور بعبادي لما كان الشيطان مسدود السبيل عليه مسدود القبيل عنه كان في غاية الإعانة . المسألة السادسة : قدم الله الإعانة وأخر العبد الاستعانة ، قلنا لأن العبد فعله لغرض وكل فعل لغرض ، فإن الغرض سابق على الفعل في الإدراك ، وذلك لأن من يبني بيتا للسكنى يدخل في ذهنه أولا فائدة السكنى فيحمله على البناء ، لكن الغرض في الوجود لا يكون إلا بعد فعل الواسطة ، فنقول الاستعانة من العبد لغرض فهي سابقة في إدراكه ، وأما الله تعالى فيس فعله لغرض فراعى ترتيب الوجود ، فإن الإعانة قبل العبادة . ! 7 < { كل نفس ذآئقة الموت ثم إلينا ترجعون } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 57 ) كل نفس ذائقة . . . . .
> > لما أمر الله تعالى المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان ، فقال لهم إن ما تكرهون لا بد من وقوعه فإن كل نفس ذائقة الموت والموت مفرق الأحباب فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله فيجازيكم عليه ، فإن إلى الله مرجعكم ، وفيه وجه أرق وأدق ، وهو أن الله تعالى قال : كل نفس إذا كانت غير متعلقة بغيرها فهي للموت ، ثم إلى الله ترجع فلا تموت كما قال تعالى : { لا يذوقون فيها الموت } ( الدخان : 56 ) إذا ثبت هذا فمن يريد ألا يذوق الموت لا يبقى مع نفسه فإن / النفس ذائقته بل يتعلق بغيره وذلك الغير إن كان غير الله فهو ذائق الموت ومورد الهلاك بقوله : { كل نفس ذائقة الموت } { وكل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) فإذا التعلق بالله يريح من الموت فقال تعالى { فإياى فاعبدون } أي تعلقوا بي ، ولا تتبعوا النفس فإنها ذائقة الموت { ثم إلينا ترجعون } ( العنكبوت : 57 ) أي إذا تعلقتم بي فموتكم رجوع إلي وليس بموت كما قال تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء } ( آل عمران : 169 ) وقال عليه السلام : ( المؤمنون لا يموتون بل ينقلون من دار إلى دار ) فعلى هذا الوجه أيضا يتبين وجه التعليق . ! 7 < { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيها نعم أجر العاملين } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 58 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . . > > بين ما يكون للمؤمنين وقت الرجوع إليه كما بين من قبل ما يكون للكافرين بقوله : { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } ( العنكبوت : 54 ) فبين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما أن للكافرين النيران ، وبين أن فيها غرفا تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما بين أن تحت الكافرين النار ، وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله تعالى : { نعم أجر العاملين } في مقابلة ما بين أن ما تقدم جزاء عمل الكفار بقوله تعالى : { نعم أجر العاملين } في مقابلة ما بين أن ما تقدم جزاء عمل الكفار بقوله : { ذوقوا ما كنتم تعملون } ( العنبكوت : 55 ) ثم في الآيتين اختلافات فيها لطائف منها أنه تعالى ذكر في العذاب أن فوقهم عذابا أي نارا ، ولم يذكر ههنا فوقهم شيئا ، وإنما ذكر ما فوق من غير إضافة وهو الغرف ، وذلك لأن المذكور في الموضعين العقاب والثواب الجسمانيان ، لكن الكافر في الدرك الأسفل من النار ، فيكون فوقه طبقات من النار ، فأما المؤمنون فيكونون في أعلى عليين ، فلم يذكر فوقهم شيئا إشارة إلى علو مرتبتهم وارتفاع منزلتهم .
وأما قوله تعالى : { لهم غرف من فوقها غرف } ( الزمر : 20 ) لا ينافي لأن الغرف فوق الغرف لا فوقهم والنار فوق النار وهي فوقهم ، ومنها أن هناك ذكر من تحت أرجلهم النار ، وههنا ذكر من تحت غرفهم الماء ، وذلك لأن النار لا تؤلم إذا كانت تحت مطلقا ما لم تكن في مسامتة الأقدام ومتصلة بها ، أما إذا كان الشعلة مائلة عن سمت القدم وإن كانت تحتها ، أو تكون مسامتة ولكن تكون غير ملاصقة بل تكون أسفل في وهدة لا تؤلم ، وأما الماء إذا كان تحت الغرفة في أي وجه كان وعلى أي بعد كان يكون ملتذا به ، فقال في النار من تحت أرجلهم ليحصل الألم بها ، وقال ههنا من تحت الغرف لحصول اللذة به كيف كان ، ومنها أن هناك قال ذوقوا الإيلام قلوبهم بلفظ الأمر وقال ههنا { نعم أجر العاملين } لتفريح قلوبهم لا بصيغة الأمر وذلك لأن لفظ الأمر يدل على انقطاع التعلق / بعده ، فإن من قال لأجيره خذ أجرتك يهفم منه أن بذلك ينقطع تعلقه عنه ، وأما إذا قال ما أتم أجرتك عندي أو نعم مالك من الأجر يفهم منه أن ذلك عنده ولم يقل ههنا خذوا أجرتكم أيها العاملون وقال هناك : { ذوقوا ما كنتم تعملون } فإن قال قائل ذوقوا إذا كان يفهم منه الانقطاع فعذاب الكافر ينقطع ، قلنا ليس كذلك لأن الله إذا قال ذوقوا دل على أنه أعطاهم جزاءهم وانقطع ما بينه وبينهم لكن يبقى عليهم ذلك دائما ولا ينقص ولا يزداد ، وأما المؤمن إذا أعطاه شيئا فلا يتركه مع ماأعطاه بل يزيد له كل يوم في النعم وإليه الإشارة بقوله : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 26 ) أي الذي يصل إلى الكافر يدوم من غير زيادة والذي يصل إلى المؤمن يزداد على الدوام ، وأما الخلود وإن لم يذكره في حق الكافر لكن ذلك معلوم بغيره من النصوص . ! 7 < { الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون وكأين من دآبة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم } . > 7 ! < < العنكبوت : ( 59 - 60 ) الذين صبروا وعلى . . . . . > > ذكر أمرين الصبر والتوكل لأن الزمان ماض وحاضر ومستقبل لكن الماضي لا تدارك له ولا يؤمر العبد فيه بشيء ، بقي الحاضر واللائق به الصبر والمستقبل واللائق به التوكيل ، فيصبر على ما يصيبه من الأذى في الحال ، ويتوكل فيما يحتاج إليه في الاستقبال . واعلم أن الصبر والتوكل صفتان لا يحصلان إلا مع العلم بالله والعلم بما سوى الله ، فمن علم ما سواه علم أنه زائل فيهون عليه الصبر إذ الصبر على الزائل هين ، وإذا علم الله علم أنه باق يأتيه بأرزاقه فإن فاته شيء فإنه يتوكل على حي باق ، وذكر الصبر والتوكل ههنا مناسب ، فإن قوله : { فى عبادى } كان لبيان أنه لا مانع من العبادة ، ومن يؤذى في بقعة فليخرج منها . فحصل الناس على قسمين قادر على الخروج وهو متوكل على ربه ، يترك الأوطان ويفارق الأخوان ، وعاجز وهو صابر على تحمل الأذى ومواظب على عبادة الله تعالى . ثم قال تعالى : { وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم } . لما ذكر الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ذكر ما يعين على التوكل وهو بيان حال الدواب التي لا تدخر شيئا لغد ، ويأتيها كل يوم برزق رغد . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في كأين لغات أربع ( لا ) غير هذه ( و ) كائن على وزن راع وكأين على وزن ريع وكي على دع ولم يقرأ إلا كأين وكائن قراءة ابن كثير .
Preguntas
- ¿Qué es el tawhid, la creencia islámica en la unicidad de Dios?
- ¿Cuáles son los seis pilares de la fe (iman) en el islam?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?