Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Sección V26/P162

البحث الأول : وفيه وجوه الأول : أن الله سبحانه خلق في جسم الجبل حياة وعقلا وقدرة ومنطقا وحينئذ صار الجبل مسبحا لله تعالى ونظيره قوله تعالى : { فلما تجلى ربه للجبل } ( الأعراف : 143 ) فإن معناه أنه تعالى خلق في الجبل عقلا وقدرة ومنطقا وحينئذ صار الجبل مسبحا صلى الله عليه وسلم تعالى ونظيره قوله تعالى : { فلما تجلى ربه للجبل } ( الأعراف : 143 ) فإن معناه أنه تعالى خلق في الجبل عقلا وفهما ، ثم خلق فيه رؤية الله تعالى فكذا ههنا الثاني : في التأويل ما رواه القفال في تفسيره أنه يجوز أن يقال إن داود عليه السلام قد أوتي من شدة الصوت وحسنه ما كان له في الجبال دوي حسن ، وما يعصغي الطير إليه لحسنه فيكون دوي الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤه إليه تسبيحا ، وذكر محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحدا من خلقه مثل حصوت داود حتى أنها كانت تسير إلى حيث يريده داود وجعل ذلك السير تسبيحا لأنه كان يدل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته . البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) { يسبحن } في معنى مسبحات ، فإن قالوا هل من فرق بين يسبحن ومسبحات قلنا نعم ، فإن صيغة الفعل تدل على الحدوث التجدد ، وصيغة الاسم على الدوام على ما بينه عبد القاهر النحوي في كتاب دلائل الإعجاز ، إذا ثبت هذا فنقول قوله : { يسبحن } يدل على / حدوث التسبيح من الجبال شيئا بعد شيء وحالا بعد حال وكان السامع حاضر تلك الجبال يسمعها تسبح . والبحث الثالث : قال الزجاج يقال شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت وقيل هما بمعنى / والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس والماء يشرق . والبحث الرابع : احتجوا على شرعية صلاة الضحى بهذه الآية ، عن أم هانىء قالت : ( دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى ، وقا : يا أم هانىء هذه صلاة الإشراق ) وعن طاووس عن ابن عباس قال : ( هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن ؟ قالوا لا ، فقرأ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ) توقال كان يصليها داود عليه السلام وقال لم يزل في نفسي شيء من صلاة الضحى حتى وجدتها في قوله : { يسبحن بالعشى والإشراق } . الصفة السادسة : من صفات داود عليه السلام وقوله تعالى : { والطير محشورة كل له أواب } وفيه مباحث : البحث الأول : قوله : { والطير } معطوفة على الجبال والتقدير وسخرنا الطير محشورة ، قال ابن عباس رضي الله عنهما كان داود إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه ، واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله { فان قيل } كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها ، قلنا لا يبعد أن يقال إن الله تعالى كان يخلق لها عقلا حتى تعرف الله فتسبحه حينئذ ، وكان معجزة لداود عليه السلام . البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) قوله : { محشورة } في مقابلة { يسبحن } إلا أنه ليس في الحشر مثل ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئا بعد شيء ، فلا جرم جيء به اسما لا فعلا ، وذلك أنه قال لو قيل وسخرنا الظير محشورة يسبحن على تقدير أن الحشر وجد من حاشرها جملة واحدة دل على القدر المذكور والله أعلم . البحث الثالث : قرىء { والطير محشورة } بالرفع .

Sección V26/P162–V26/P163

الصفة السابفة : من صفات داود عليه السلام ، قوله تعالى : { كل له أواب } ومعناه كل واحد من الجبال والطير أواب أي رجاع ، أي كلما رجع داود إلى التسبيح جاوبته ، فهذه الأشياء أيضا كانت ترجع إلى تسبيحاتها ، والفرق بين هذه الصفة وبين ما قلبها أن فيما سبق علمنا أن الجبال والطير سبحت مع تسبيح داود عليه السلام ، وبهذا اللفظ فهمنا دوام تلك الموافقة وقيل الضمير في قوله : { كل له أواب } لله تعالى أي كل من داود والجبال والطير لله أواب أي مسبح مرجع للتسبيح . الصفة الثامنة : قوله تعالى : { وشددنا ملكه } أي قويناه وقال تعالى : { سنشد عضدك بأخيك } ( القصص : 35 ) وقيل شددنا على المبالغة ، وأما الأسباب الموجبة لحصول هذا الشد فكثيرة ، وهي إما الأسباب الدنيوية أو الدينية ، أما الأول فذكروا فيه وجهين الأول : روى الواحدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يحرسه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل ، فإذا أصبح قيل ارجعوا فقد رضي عنكم نبي الله ، وزاد آخرون فذكروا أربعين ألفا . قالوا وكان أشد ملوك الأرض سلطانا ، وعن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا ادعى عند داود على رجل أخذ منه بقرة فأنكر المدعي علهي ، فقال داود للمدعي أقم البينة فلم يقمها ، فرأى داود في منامه . أن الله يأمره أن يقتل المدعي عليه فثبت داود وقال هو منام فأتاه الوحي بعد ذلك بأن تقتله فاحضره وأعلمه أن أمره بقتله ، فقال المدعي عليه صدق الله إني كنت قتلت أبا هذا الرجل غيلة فقتله داود . فهذه الواقعة شددت ملكه ، وأما الأسباب الدينية الموجبة لهذا الشد فهي الصبر والتأمل التام والاحتياط الكامل . الصفة التاسعة : قوله : { وشددنا ملكه } واعلم أنه تعالى قال : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } ( البقرة : 269 ) واعلم أن الفضائل على ثلاثة أقسام النفسانية والبدنية والخارجية ، والفضائل النفسانية محصورة في قسمين العلم والعمل / أما العلم فهو أن تصير النفس بالتصورات الحقيقية والتصديقات النفسانية بمقتضي الطاقة البشرية ، وأما العمل فهو أن يكون الإ سان آتيا بالعمل الأصلح الأصوب بمصالح الدنيا والآخرة ، فهذا هو الحكمة وإنما سمي هذا بالحمة لأن اشتقاق الحكمة من إحكام الأمور وتقويتها وتبعيدها عن أسباب الرخاوة والضعف ، والاعتقادات الصائبة الصحيحة لا تقبل النسخة والنقض فكانت في غاية الإحكام ، وأما الأعمال المطابقة لمصالح الدنيا والآخرة فإنها واجبة الرعاية ولا تقبل النقض والنسخ ، فلهذا السبب سمينا تلك المعارف وهذه الأعمال بالحكمة .

Sección V26/P163–V26/P164

الصفة العاشرة : قوله : { وفضل الخطاب } واعلم أن أجسام هذا العالم على ثلاثة أقسام أحدهما : ما تكون خالية عن الإدراك والشعور وهي الجمادات والنباتات وثانيها : التي يحصل لها إدراك وشعور ولكنها لا تقدر على تعريف غيرها الأحوال التي عرفوها في الأكثر وهذا القسم هو جملة الحيوانات سوى الإنسان وثالثها : الذي يحصل له إدراك وشعور ويحصل عنده قدرة على تعريف غيره الأحوال المعلومة له ، وذلك هو الإنسان وقدرته على تعريف غيره الأحوال المعلومة ، له ، وذلك هو الإنسان وقدرته على تعريف الغير الأحوال المعلومة عنده بالنطق والخطاب ، ثم إن الناس مختلفون في مراتب القدرة على التعبير عما في الضمير ، فمنهم من يتعذر عليه إيراد الكلام المرتب المنتظم بل يكون مختلط الكلام مضطرب القول ، ومنهم من يتعذر عليه الترتيب من بعض الوجوه ، ومنهم من يكون قادرا على ضبط المعنى والتعبير عنه إلى / أقص الغايات ، وكل من كانت هذه القدرة في حقه أكمل كانت الآثار الصادرة عن النفس النطقية في حقه أكمل ، وكل من كانت تلك القدرة في حقه أقل كانت تلك الآثار أضعف ، ولما بين الله تعالى كمال حال جوهر النفس النطقية التي لداود بقوله : { وشددنا ملكه } أردفه ببيان كمال حاله في النطق واللفظ والعبارة فقال وفصل الخطاب وهذا الترتيب في غاية الجلالة ، ومن المفسرين من فسر ذلك بأن داود أول من قال في كلامه أما بعد ، وأقول حقا إن الذين يتبعون أمثال هذه الكلمات فقد حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرمانا عظيما والله أعلم ، وقول من قال المراد معرفة الأمور التي بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البينة واليمين فبعيد أيضا ، لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادرا على التعبير عن كل ما يخطر بالبال ويحضر في الخيال ، بيحث لا يختلط شيء بشيء ، وبحيث ينفصل كل مقام عن مقام ، وهذا معنى عام يتناول جميع الأقسام والله أعلم ، وههنا آخر الكلام في الصفات العشرة التي ذكرها الله تعالى في مدح داود عليه السلام . ! 7 < { وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنآ إلى سوآء الصراط إن هذآ أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزنى فى الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطآء ليبغىبعضهم على بعض إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب فغفرنا له ذالك وإن له عندنا لزلفى وحسن مأاب } > 7 < ص : ( 21 ) وهل أتاك نبأ . . . . . > > اعلم أن الله تعالى لما مدحه وأثنى عليه من الوجوه العشرة أردفه بذكر قصة ليبين بها أن الأحوال الواقعة في هذه القصة لا يبين شيء منها كونه عليه السلام مستحقا للثناء والمدح العظيم . أما قوله تعالى : { وهل أتاك نبؤا الخصم } فهو نظير قوله تعالى : { هل أتاك حديث موسى } ( طه : 9 ) وفائدة هذا الاستفهام التنبيه على جلالة القصة المستفهم عنها ، ليكون داعيا إلى الإصغاء لها والاعتبار بها ، وأقول للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال أحدها : ذكر هذه القصة على وجه يدل على صدور الكبيرة عنه وثانيها : دلالتها على الصغيرة وثالثها : بحيث لا تدل على الكبيرة ولا على الصغيرة . فأما القول الأول فحاصل كلامهم فيها ؛ أن داود عشق امرأة أوريا ، فاحتال بالوجوه الكثيرة حتى قتل زوجها ثم تزوج بها فأرسل الله إليه ملكين مفي صورة المتخاصمين في واقعة شبيهة بواقعته ، وعرضا تلك الواقعة عليه . فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنبا ، ثم تنبه لذلك فاشتغل بالتوبة .

Sección V26/P164–V26/P165

والذي أدين به وأذهب إليه أن ذلك باطل ويدل عليه وجوه الأول : أن هذه الحكاية لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجورا لا ستنكف منها والرجل الحشوي الخبيث الذي يقرر تلك القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه وربما لعن من ينسبه إليها ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصوم إليه الثاني : أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول : فأمر منكر قال صلى الله عليه وسلم : ( من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله ) وأما الثاني : فمنكر عظيم قال صلى الله عليه وسلم : ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) وإن أوريا لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه والثالث : أن الله تعالى وصف داود عليه السلام قبل ذكر هذه القصة بالصفات العشرة المذكورة ، ووصفه أيضا بصفات كثيرة بعد ذكر هذه القصة ، وكل هذه الصفات تنافي كونه عليه السلام موصوفا بهذا الفعل المنكر والعمل القبيح ، ولا بأس بإعادة هذه الصفات لأجل المبالغة في البيان . فنقول أما الصفات الأولى : فهي أنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بداود في المصابرة مع المكابدة ، ولو قلنا إن داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعي في إراقة دم امرىء مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمدا أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله . وأما الصفة الثانية : فهي أن وصفه بكونه عبدا له ، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملا في موقف العبودية تاما في القيام بأدار الطاعات والاحتراز عن المحظورات / ولو قلنا إن داود عليه السلام اشتغل بتلك الأعمال الباطلة ، فحينئذ ما كان داود كاملا / في عبوديته لله تعالى بل كان كاملا في طاعة الهوى والشهوة . الثفة الثالثة : هو قوله : { ذا الايد } ( ص : 17 ) أي ذا القوة ، ولا شك أن المراد منه القوة في الدين ، لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار ، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة على أداء الواجبات ، والاجتناب عن المحظورات ، وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم ؟ الصفة الرابعة : كونه أوابا كثير الرجوع إلى الله تعالى ، وكيف يليق هذا بمن يكون قلبه مشغوفا بالقتل والفجور ؟ . الصفة الخامسة : قوله تعالى : { إنا سخرنا الجبال معه } ( ص : 18 ) أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذه وسيلة إلى القتل والفجور ؟ . الصفة السادسة : قوله : { والطير محشورة } ( ص : 19 ) ، وقيل إنه كان محرما عليه صيد شيء من الطير وكيف يعقل أن يكون الطير آمنا منه ولا ينجو منه الرجل المسلم على روحه ومنكوحه ؟ . الصفة السابعة : قوله : { وشددنا ملكه } ومحال أن يكون المراد أنه تعالى شدد ملكه بأسباب الدنيا ، بل المراد أنه تعالى شد ملكه بما يقوي الدين وأسباب سعادة الآخرة ، والمراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لا يملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك ؟ . الصفة الثامنة : قوله تعالى : { وشددنا ملكه وءاتيناه الحكمة } ( ص : 20 ) والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علما وعملا ، فكيف يجوز أن يقول الله تعالى : إنا { ءاتيناه الحكمة وفصل الخطاب } مع إصراره على ما يستنكف عنه الخبيث الشيطان من مزاحمة أخلص أصحابه في الروح والمنكوح ، فهذه الصفات المذكورة قبل شرح تلك القصة دالة على براءة ساحته عن تلك الأكاذيب .

Sección V26/P165–V26/P166

وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فهي عشرة الأول : قوله : { فغفرنا له ذالك وإن له عندنا } وذكر هذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة على قوته في طاعة الله ، أما لو كانت القصة المتقدمة دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله : { وإن له عندنا لزلفى } لائقا به الثاني : قوله تعالى : { مئاب ياداوود إنا جعلناك خليفة فى الارض } وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه أحدهما : أن الملك الكبير إذا حكى عن بعض عبيده ) أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فبعد فراغه من شرح القصة على ملأ من الناس يقبح منه أن يقول عقيبه أيها العبد أني فوضت إليك خلافتي ونيابتي ، وذلك لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر ، فأما جعله نائبا وخليفة لنفسه فذلك ألبتة مما لا يليق وثانيها : أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، فلما حكى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة ، ثم قال بعده : { إنا جعلناك خليفة فى الارض } أشعر هذا بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعال المنكرة ؛ ومعلوم أن هذا فاسد ، أم لو / ذكر تلك القصة على وجوه تدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدة مصابرته على طاعة الله تعالى فحينئذ يناسب أن يذكر عقيبه { إنا جعلناك خليفة فى الارض } ( ص : 26 ) فثبت أن هذا الذي نختاره أولى والثالث : وهو أنه لما كانت مقدمة الآية دالة على مدح داود عليه السلام وتعظيمه ومؤخرتها أيضا دالة على ذلك ، فلو كانت الواسطة دالة على القبائح والمعائب لجرى مجرى أن يقال فلان عظيم الدرجة عالي المرتبة في طاعة الله يقتل ويزني ويسرق وقد جعله الله خليفة في أرضه وصوب أحكامه / وكما أن هذه الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا ، ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب والرابع : وهو أن القائلين بهذا القول ذكروا في هذه الرواية أن داود عليه السلام تمنى أن يحصل له في الدين كما حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثل ما حصل للخليل من الإلقاء في النار وحصل للذبيح من الذبح وحصل ليعقوب من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه أنهم إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه السلام الابتلاء ، فأوحى الله إليه أنك ستبلى في يوم كذا فبالغ في الاحتزاز ثم وقعت الواقعة ، فنقول أول حكايتهم يدل على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه فالسعي في قتل أول حكايتهم يدل على أن الله تعالى بيتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه فالسعي في قتل النفس بغير الحق والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة ، ويثبت أن الحكاية التي ذكروها يناقض أولها أخرها الخامس : أن داود عليه السلام قال : { وإن كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض إلى الذين ءامنوا } استثنى الذين آمنوا عن البغي ، فلو قلنا إنه كان موصوفا بالبغي لزم أن يقال إنه حكم بعد الإيمان على نفسه وذلك باطل السادس : حضرت في بعض المجالس وحضر فيه بعض أكابر الملوك وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيئة لسبب اقتضى ذلك ، فقلت له لا شك أن داود عليه السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل ، ولقد قال الله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ) ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ الطعن فيه ، وأيضا فبتقدير أنه ما كان نبيا فلا شك أنه كان مسلما ، ولقد قال صلى الله عليه وسلم : ( لا تذكروا موتاكم إلا بخير ) ثم على تقدير أنا لا نلتفت إلى شيء من هذه الدلائل إلا أنا نقول إن من المعولم بالضرورة أن يتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها حقيقية صحيحة فإن روايتها وذكرها لا يوجب شيئا من الثواب ، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من أن لا توجب الثواب ، وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة ، فإن ذاكرها يستحق أعظم العقاب والواقعة التي هذا سؤنها وصفتها ، فإن صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه ، وأن شرح تلك القصة محرم محظور فلما سمع ذلك الملك هذا الكلام سكت .

Sección V26/P166–V26/P167

ولم يذكر شيئا السابع : أن ذكر هذه القصة ، وذكر قصة يوسف عليه السلام يقتضي إشاعة فوجب أن يكون محرما لقوله تعالى : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين ءامنوا } ( النور : 19 ) الثامن : لو سعى داود في قتل ذلك الرجل لدخل تحت قوله : ( من سعى / في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله ) وأيضا لو فعل ذلك لكان ظالما فكان يدخل تحت قوله : { ألا لعنة الله على الظالمين } التاسع : عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : ( من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ) وهو حد الفرية على الأنبياء ، ومما يقوي هذا أنهم لما قالوا إن المغيرة بن شعبة زني وشهد ثلاثة من عدول الصحابة بذلك ، وأما الرابع فإنه لم يقل بأني رأيت ذلك العمل . يعني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا ، وإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك ، فكيف الحال مع داود عليه السلام مع أنه من أكابر الأنبياء عليهم السلام العاشر : روي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله تعالى فقال لا ينبغي أن يزاد عليها / وإن كانت الواقعة على ما ذكرت ، ثم إنه تعالى لم يذكرها لأجل أن يستر تلك الواقعة على داود عليه السلام ، فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ذلك الستر بعد ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر : ( سماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ) فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها فاسدة باطلة ، فإن قال قائل : إن كثيرا من أكابر المحدثين والمفسرين ذكروا هذه القصة ، فكيف الحال فيها ؟ فالجواب الحقيقي أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر واد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى ، وأيضا فالأصل بين الذمة ، وأيضا فلما تعارض دليل التحريم والتحليل كان جانب التحريم أولى ، وأيضا طريقة الاحتياط توجب تورجيح قولنا ، وأيضا فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير وقوع هذه الواقعة لا يقول الله لنا يوم القيامة لم لم تسعوا في تشهير هذه الواقعة ؟ وأما بتقدير كونها باطلة فإن علينا في ذكرها أعظم العقاب ، وأيضا فقال عليه السلام : التي ذكرناها قائمة فوجب أن لا تجوز الشهادة بها ، وأيضا كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول بل الأكثرون المحقون والمحققون منهم يردونه ويحكمون عليه بالكذب والفساد ، وأيضا إذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدثين فيه تساقطت وبقي الرجوع إلى الدلائل التي ذكرناها فهذا تمام الكلام في هذه القصة .

Sección V26/P167

أما الاحتمال الثاني : وهو أن تحمل هذه القصة على وجه يوجب حصول الصغيرة ولا يوجب حصول الكبير ، فنقول في كيفية هذه القصة على هذا التقدير وجوه الأول : أن هذه المرأة خطبها أوريا فأجابوه ثم خطبها داود فأثره أهلها ، فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه الثاني : قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في ذها ذنب ألبتة ، أما وقع بصره لعيها من غير قصد فذلك لي بذنب ، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضا ذنبا لأن هذا الميل ليس في وسعه ، فلا يكون مكلفا به بل لما اتفق أن قتل زوجها لم يتأذ تأذيا عظيما بسبب / قتله لأجل أنه طمع أ يتزوج بتلك المرأة فحصلت الزلة بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل والثالث : أنه كان أهل زمان داود عليه السلام يسأل بعضهم بعضا أن يطلق امرأته حتى يتزوجها وكانت عادتهم في هذا المعنى مألوفة معروفة أوى أن الأنصار كانوا يساوون المهاجرين بهذا المعنى فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على تلك المرأة فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزا في ظاهر الشريعة ، إلا أنه لا يليق بك ، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حق داود عليه السلام إلا ترك الأفضل والأولى .

Sección V26/P167–V26/P169

وأما الإحتمال الثالث : وهو أن هذه القصة على وحه لا يلزم إلحاق الكبيرة والصغيرة بداود عليه السلام ، بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أن نقول روي أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبي الله داود عليه السلام ، وكان له يوم يخلو فيه ننفسه ويشتغل بطاعة ربه ، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوروا المحراب ، فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواما يمنعونه منهم فخافوا فوضعوا كذبا ، فقالوا خصمان بغي بعضنا على بعض إلى آخر القصة ، ولي في لفظ القرآن ما يمكن أن يحتج به في إلحاق الذنب بداود إلا ألفاظ أربعة أحدهما : قوله : { وظن داوود أنما فتناه } ، وثانيها : قوله تعالى : ( فاستغفر ربه ) وثالثها : قوله : { وأناب } ورابعها : قوله : { فغفرنا له ذالك } ثم نقول ، وهذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكروه ، وتقريره من وجوه الأول : أنهم لما دخول عليه لطلب قتله بهذا الطريق / وعلم داود عليه السلام ذلك دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم ، إلا أنه قال إلى الصفح والتجاوز عنهم طلبا لمرضاة الله ، قال وكانت هذه الواقعة هي الفتنة لأنها جارية مجرى الابتلاء والامتحان ، ثم إنه استغفر ربه مما هم به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهم وأناب ، فغفر له ذلك القدر من الهم والعز والثاني : أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه ، إلا أنه ندم على ذلك الظن ، وقال : لما لم تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك ، فبئسما علمت بهم حيث ظننت بهم هذا الظن الرديء ، فكان هذا هو المراد من قوله : { وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب } منه فغفر الله له ذلك الثالث : أن دخولهم عليه كان فتنة لداود عليه السلام ، إلا أنه عليه السلام استغفر لذلك الداخل العازم على قتله ، كما قال في حق محمد صلى الله عليه وسلم : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ( محمد : 19 ) فداود عليه السلام استغفر لهم وأناب ، أي رجع إلى الله تعالى في طلب مغفرة ذلك الداخل القاصد للقتل ، وقوله : { فغفرنا له ذالك } أي غفرنا له ذلك الذنب لأجل احترام ذاوود ولتعظيمه ، كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك } ( الفتح : 2 ) أن معناه أن الله تعالى يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذنب أمتك الرابع : هب أنه تاب داود عليه السلام عن زلة صدرت منه ، لكن لا نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة ، فلم لا يجوز أن تيقال إن تلك الزلة إنما حصلت ، لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن سمع كلام الخصم الثاني ، فإن / لما قال : { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } فحكم عليه بكونه ظالما بمجرد دعوى الخصم بغير بينة ، لكون هذا الحكم مخالفا للصواب ، فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة ، إلا أن هذا في باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إذا حملنا هذه الآثات على هذا الوجه ، فإنه لا يلزم إسناد شيء من الذنوب إلى داود عليه السلام ، بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطاعات إليه ، ثم نقول وحمل الآية عليه أولى لوجوه الأول : أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي ، لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل والثاني : أنه أحوط والثالث : أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد صلى الله عليه وسلم : { واصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود } ( ص : 17 ) فإن قوم محمد عليه السلام لما أظهروا السفاهة حيث قالوا : { هاذا ساحر كذاب } ( ص : 4 ) واستهزأوا به حيث قالوا : { ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } ( ص : 16 ) فقال تعالى في أول الآية : اصبر يا محمد على سفاهتهم وتحمل وتحلم ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود ، فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على إيذائهم وتحمل سفاهتهم وحلم ولم يظهر الطيش والغضب ، وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه ، أما إذا حملناها على ما ذكروه صار الكلام متناقضا فاسدا والرابع : أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا الخصمان كانا ملكين ، ولما كانا من الملائكة وما كان بينهما مخاصمة وما بغى أحدهما على الآخر كان قولهما خصمان بغى بعضنا على بعض كذبا ، فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين أحدهما : إسناد الكذب إلى الملائكة والثاني : أن يتوسل بإسناد الكذب إلى الملائكة إلى إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء ، فأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة ، وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء ، فكان قولنا أولى ، فهذا ما عندنا في هذا الباب / والله أعلم بأسرار كلامه ، ونرجع الآن إلى تفسير الآيات .

Sección V26/P169

أما قوله : { وهل أتاك نبؤا الخصم } قال الواحدي : الخصم مصدر خصمته أخصمه خصما ، ثم يسمى به الإثنان والجمع ولا يثنى ولا يجمع ، يقال هما خصم وهم خصم ، كما يقال هما عدل وهم عدل ، والمعنى ذوا خصم وذوو خصم ، وأريد بالخصم ههنا الشخصان اللذان دخلا على داود عليه السلام ، وقوله تعالى : { إذ تسوروا المحراب } يقال تسورت السور تسورا إذا علوته ، ومعنى : { تسوروا المحراب } أي أتوه من سوره وهو أعلاه ، يقال تسور فلان الدار إذا أتاها من قبل سورها . وأما المحراب فالمراد منه البيت الذي كان داود يدخل فيه ويشتغل بطاعة ربه ، وسمي ذلك البيت المحراب لاشتماله على المحراب ، كما يسمى الشيء بأشرف أجزائه ، وههنا مسألة من علم أصول الفقه ، وهي أن أقل الجمع اثنان عند بعض الناس ، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية ، لأنه تعالى ذكر صيغة الجمع في هذه الآيات في / أربعة مواضع أحدهما : قوله تعالى : { إذ تسوروا المحراب } ( ص : 21 ) ، وثانيها : قوله : { إذ دخلوا } ، وثالثها : قوله : { منهم } ، ورابعها : قوله : { قالوا لا تخف } فهذه الألفاظ الأربعة لها صيغ الجمع ، وهم كانوا اثنين بدليل أنهم قالوا خصمان ، قالوا فهذه الآية تدل على أن أقل اسما فإنه لا يثنى ولا يجمع ، ثم قال تعالى : { إذ دخلوا على داوود } والفائدة فيه أنهم ربما تسوروا المحراب وما دخلوا عليه ، فلما قال : { إذ دخلوا عليه } دل على أنهم بعد التسور دخلوا عليه ، قال الفراء : وقد يجاء بإذ مرتين ويكون معناهما كالواحد ، كقولك ضربتك إذ دخلت علي إذ اجترأت ، مع أنه يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحدا ، ثم قال تعالى : { ففزع منهم } والسبب أن داود عليه السلام لما رآهما قد دخلوا عليه لا من الطريق المعتاد ، علم أنهم إنما دخلوا عليه للشر ، فلا جرم فزع منهم ، ثم قال تعالى : { قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض } وفيه مسائل :

Sección V26/P169–V26/P170

المسألة الأولى : خصمان خبر مبتدأ محذوف ، أي نحن خصمان . المسألة الثانية : ههنا قولان الأول : أنهما كانا ملكين نزلا من السماء وأراد تنبيه داود عليه السلام على قبح العمل الذي أقدم عليه والثاني : أنهما كانا إنسانين دخلا عليه للشر والقتل ، فظنا أنهما يجدانه خاليا ، فلما رأيا عنده جماعة من الخدم اختلقا ذلك الكذب لدفع الشر ، وأما المنكرونت لكونهما ملكين فقد احتجوا عليه بأنهما لو كانا ملكين لكانا كاذبين في قولهما { خصمان } فإنه ليس بين الملائكة خصومة ، ولكانا كاذبين في قولهما : { بغى بعضهم على بعض } ولكانا كاذبين في قولهما : { إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة } فثبت أنهما لو كانا مليكين كاذبين والكذب على الملك غير جائز لقوله تعالى : { لا يسبقونه بالقول } ( الأنبياء : 27 ) ولقوله : { ويفعلون ما يؤمرون } ( النخل : 50 ) أجاب الذاهبون إلى القول الأول عن هذا الكلام بأن قالوا إن الملكين إنما ذكرا هذا الكلام على سبيل ضرب المثل لا على سبيل التحقيق فلم يلزم الكذب ، وأجيب عن هذا الجواب بأن ما ذكرتم يقتضي العدول عن ظاهر اللفظ ، ومعلوم أنه على خلاف الأصل ، أما إذا حملنا الكلام على أن الخصمين كانا رجلين دخلا عليه لغرض الشر ثم وضعا هذا الحديث الباطل ، فحينئذ لزم إسناد الكذب إلى شخصين فاسقين فكان هذا أولى من القول الأول والله أعلم ، وأما القائلون بكونهما ملكين فقد احتجا بوجوه الأول : اتفاق أكثر المفسرين عليه والثاني : أنه أرفع منزلة من أن يتسور عليه آحاد الرعية في حال تعبده فيجب أن يكون ذلك من الملائكة الثالث : أن قوله تعالى : { قالوا لا تخف } كالدلالة على كونهما ملكين لأن من هو من رعيته لا يكاد يقول له مثل ذلك مع رفعة منزلته الرابع : أن قولهما : { ولا تشطط } كالدلالة على كونهما ملكين لأن أحدا من رعيته لا يتجاسر أن يقول له تظلم ولا تتجاوز عن الحق ، واعلم أن ضعف هذه الدلائل ظاهر ، ولا حاجة إلى الجواب ، والله أعلم . المسألة الثالثة : { بغى بعضنا على بعض } أي تعدى وخرج عن الحد يقال بغى الجرح / إذا أفرط وجعه وانتهى إلى الغاية ، يوقال بغت المرأة إذا زنت ، لأن الزنا كبيرة منكرة ، قال تعالى : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء } ( النور : 33 ) ثم قال : { فاحكم بيننا بالحق } معنى الحكم إحكام الأمر في آمضاء تكليف الله عليهما في الواقعة ، ومنه حكمة الدابة لأنها تمنع من الجماح ، ومنه بناء محكم إذا كان قويا ، وقوله : { بالحق } أي بالحكم الحق وهو الذي حكم الله به { ولا تشطط } يقال شط الرجل إذا بعد ، ومنه قوله : شطت الدار إذا بعدت ، قال تعالى : { لقد قلنا إذا شططا } ( الكهف : 14 ) أي قولا بعيدا عن الحق ، فقوله : { ولا تشطط } أي لا تبعد في هذا الحكم عن الحق ، ثم قال : { واهدنا إلى سواء الصراط } وسواء الصراط هو وسطه ، قال تعالى : { فاطلع فرءاه فى سواء الجحيم } ( الصافات : 55 ) ووسط الشيء أفضله وأعدله ، قال تعالى : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) وأقول إنهم عبروا عن المقصود الواحد بثلاث عبارات أولها : قولهم فاحكم بالحق وثانيها : قولهم : { ولا تشطط } وهي نهي عن الباطل وثالثها : قولهم : { واهدنا إلى سواء الصراط } يعنى يجب أن يكون سعيك في إيجاد هذا الحق . وفي الاحتراز عن هذا الباطل أن تردنا من الطريق الباطل إلى الطريق الحق ، وهذا مبالغة تامة في تقرير المطلوب ، واعلم أنهم لما أخبروا عن وقوع الخصومة على سبيل الإجمال أردفوه ببيان سبب تلك الخصومة على سبيل التفصيل ، فقال : { إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة } وفيه مسائل :

Sección V26/P170–V26/P171

المسألة الأولى : قال صحاب ( الكشاف ) { أخى } يدل من هذا أو خبر لقوله : { ءان } والمراد أخوة الدين أو أخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة ، لقوله تعالى : { وإن كثيرا من الخلطاء } وكل واحدة من هذه الأخوات توجب الامتناع من الظلم والاعتداء . المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) قرىء { تسع وتسعون } بفتح التاء ونعجة بكسر النون ، وهذا من اختلاف اللغات نحو نطع ونطع ، ولقوة وهي الأنثى من العقبان . المسألة الثالثة : قال الليث : النعجة الأنثى من الضأن والبقرة الوحشية والشاة الجبلية ، والجمع النعجات ، والعرب جرت عادتهم بجعل النعجة والظبية كناية عن المرأة . المسألة الرابعة : قرأ عبد الله : { تسع وتسعون نعجة أنثى } وهذا يكون لأجل التأكيد كقوله تعالى : { وقال الله لا تتخذوا إليهن اثنين إنما هو إلاه واحد } ( النحل : 51 ) ، ثم قال : { أكفلنيها وعزنى فى الخطاب } قال صاحب ( الكشاف ) : { أكفلنيها } حقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي { وعزنى } غلبني ، يقال عزه يعزه ، والمعنى جاءني يحجاج لم أقدر أن أورد عليه ما أورده به ، وقرىء وعازني من المعازة ، وهي المغالبة ، واعلم أن الذين قالوا إن هذين الخصمين كانا من الملائكة زعموا أن المقصود من ذكر النعاج التمثيل ، لأن داود كان تحته تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة ، فذكرت الملائكة تلك الواقعة على سبيل الرمز والتمثيل . ثم قال تعالى : { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } أي سؤال إضافة نعجتك إلى نعاجه ، وروي أنه قال : إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا ، وأشار إلى الأنف والجبهة / فقال : يا داود أنت أحق أن نضرب منك هذا وهذا ، وأشار إلى الأنف والجبهة / فقال : يا داود أنت أحق أن نضرب منك هذا وهذا ، وأنت فعلت كيت وكيت ، ثم نظر داود فلم ير أحدا فعرف الحال ، فإن قيل كيف جاز لداود أن يحكم على أحد الخصمين بمجرد قول خصمه ؟ قلنا ذكروا فيه وجوها الأول : قال محدم بن إسحاق : فما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال لئن صدق لقد ظلمته ، والحاصل أن هذا الحكم كان مشروطا بشرط كونه صادقا في دعواه والثاني : قال ابن الأنباري : لما ادعى أحد الخصمين اعترف الثاني فحكم داود علهي لاسلام ولم يذكر الله تعالى ذلك الاعتراف لدلالة ظاهر الكلام عليه ، كما تقول أمرتك بالتجارة فكسبت تريد اتجرت فكسبت ، وقال تعالى : { أن اضرب بعصاك البحر فانفلق } ( الشعراء : 63 ) أي فضرب فانفلق ، والثالث : أن يكون التقدير أن الخصم الذي هذا شأنه يكون قد ظلمك .

Sección V26/P171–V26/P172

ثم قال تعالى : { وإن كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض } قال : الليث خليط الرجل مخالطه ، وقال الزجاج : الخلطاء الشركاء ، فإن قيل لم خص داود الخلطاء يبغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء قذ يفعلون ذلك ، والجواب لا شك أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة ، وذلك لأنهما إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أخوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفيسة إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه ، فيفضي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة ، فلهذا السبب خص داود عليه السلامم الخلطاء بزيادة البغي والعدوان ، ثم استثنى عن هذا الحكم الذي آمنوا وعلموا الصالحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون إلا لأجل الدين وطلب السعادات الروجانية الحقيقية ، فلا جرم مخالطتهم لا توجب المنازعة ، وأما الذين تكون مخالطتهم لأجل حب الدنيا لا بد وأن تصير مخالتطهم سببا لمزيد البغي والعدوان ، واعلم أن هذا الاستثناء يدل على أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يبغي بعضهم على بعض ، فلو كان داود عليه السلام قد بغى وتعدى على ذلك الرجل لزم بحكم فتوى داود أن لا يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ومعلوم أن ذلك باطل ، فثبت أن قول من يقول المراد من واقعة النعجة قصة داود قوله باطل . ثم قال تعالى : { وقيل ما هم } واعلم أن الحكم بقلة أهل الخير كثير في القرآن ، قال تعالى : { وقليل من عبادى الشكور } ( سبأ : 13 ) وقال داود عليه السلام في هذا الموضع { وقليل ما هم } وحكى تعالى عن إبليس أنه قال : { ولا تجد أكثرهم شاكرين } ( الأعراف : 17 ) وسبب القلة أن الدواعي إلى الدنيا كثيرة ، وهي الحواس الباطنة والظاهرة وهي عشرة والشهود والغضب والقوى الطبيعية السبعة فالمجموع تسعة عشر وافقون على باب جهنم البدن ، وكلها تدعو إلى الخلق والدنيا واللذة الحسية ، وأما الداعي إلى الق والدين فليس إلا العقل واستيلاء القوة الحسية والطبيعية على الخلق أكثر من القوة العقلية فيهم ، فلهذا السبب وقعت القلة في جانب أهل الخير والكثرة في جانب أهل الشر ، قال صاحب ( الكشاف ) وما في قوله : { وقيل ما هم } للإبهام وفيه تعجب من قلتهم ، قال وإذا أردت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرىء القيس ؛ وحديث ما على قصره وانظر هل بقي له معنى قط . ثم قال تعالى : { وظن داوود أنما فتناه } قالوا معناه وعلم داود أنما فتناه أي امتحناه ، قالوا / والسبب الذي أوجب حمل لفظ الظن على العلم ههنا أن داود عليه السلام لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك / ثم صعد إلى السماء قبل وجهه ، فعلم داود أن الله ابتلاه بذلك فثبت أن داود علم ذلك وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم لأن العلم الاستدلالي يشبه الظن مشابهة عظيمة ، والمشابهة علة لجواز المجاز ، وأقول هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين أما إذا لم نقل ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العلم ، بل لقائل أن يقول إنه لما غلب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة .

Sección V26/P172–V26/P173

أما قوله : { فاستغفر ربه } أي سأل الغفران من ربه ، ثم ههنا وجهان إن قلنا بأنه قد صدرت زلة منه ، حملنا هذا الاستغفار عليها ، وإن لم نقل به قلنا فيه وجوه الأول : أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله ، وإنه كان سلطانا شديد القهر عظيم القوة ، ثم أنه مع أنه مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع حصول الفزع في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئا قرب الأمر من أن يدخل في قلبه شيء من العجب ، فاستغفر ربه عن تلك الحالة وأناب إلى الله ، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله ، فغفر الله له وتجاوز عنه بسبب طريان ذلك الخاطر الثاني : لعله هم بإيذاء القوم ، ثم قال : إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر عن ذلك الهم الثالث : لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم لأجل أن يقبل توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله ، فغفر الله ذنوبهم بسبب شفاعته ودعائه ، وكل هذه الوجوه محتملة ظاهرة ، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه وإذا كان اللفظ محتملا لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام المنكرات التي يذكرونها ، فما الذي يحملنا على التزامها والقول بها ، والذي يؤكد أن الذي ذكرناه أقرب وأقوى أن يقال ختم الله هذه القصة بقوله : { وإن له عندنا لهم وحسن مئاب } ومثل هذه الخاتمة إنما تحسن من حق من صدر منه عمل كثير في الخدمة والطاعة ، وتحمل أنوعا من الشدائد في الموافقة والانقياد ، أما إذا كان المذكور السابق هو ازقادم على الجرم والذنب فإن مثل هذه الخاتمة لا تليق به ، قال مالك بن دينار ؛ إذا كان يوم القيامة أتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة ، ويقال يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا والله أعلم ، بقي ههنا مباحب فالأول : قرىء فتناه وفتناه عى أن الألف ضمير الملكين الثاني : المشهور أن الاستغفار إنما كان بسبب قصة التعجة والنعاج ، وقيل أيضصا إنما كان بسبب أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن سمع كلام الثاين وذلك غير جائز الثالث : قوله ؛ { خر راكعا وأناب } يدل على حصول الركوع ، وأما السجود فقد ثبت بالأخبار وكذلك البكاء الشديد في مدة أربعين يوما ثبت بالأخبار الرابع : أن مذهب الشافيع رضي الله عنه أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة قال لأن توبة نبي فلا توجب سجدة التلاوة الخامس : استشهد أبو خنيفة رضي الله عنه بهذه الآية في سجود التلاوة على أن الركوع يقوم مقام السجود . ! 7 < { ياداوود إنا جعلناك خليفة فى الا رض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب وما خلقنا السمآء والا رض وما بينهما باطلا ذالك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الا رض أم نجعل المتقين كالفجار كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ءاياته وليتذكر أولو الا لباب } > 7 ! < < ص : ( 26 ) يا داود إنا . . . . .

Sección V26/P173–V26/P174

> > اعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في شرح القصة أردفها ببيان أنه تعالى فوض إلى داود خلافة الأرض ، وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في تلك القصة ، لأن من البعيد جدا أن يوصف الرجل بكونه ساعيا في سفك دماء المسلمين ، راغبا في انتزاع أزواجهم منهم ثم يذكر عقيبه أن الله تعالى فوض خلافة الأرض إليه ، ثم نقول في تفسير كونه خليفة وجهان الأول : جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى ، وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفه ، وذلك ءنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة ، وذلك على الله مجال الثاني : إنا جعلناك مالكا للناس ونافذ الحكم فيهم فبهذا التأويل يسمى خليفة ، ومنه يقال خلفاء الله في أرضه ، وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذ الحكم في رعيته وحقيقة الخلافة ممتنعة في حق الله ، فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة مفيدة اللزوم في تلك الحقيقة وهو نفاذ الحكم . ثم قال تعالى : { فاحكم بين الناس بالحق } واعلم أن الإنسان خلق مدنيا بالطبع ، لأن الإنسان الواحد لا يتنظم مصالحه إلا عند وجود مدينة تامة حتى أن هذا يحرث ، وذلك يطحن ، وذلك يخبز ، وذلك ينسج ، وهذا يخيط ، وبالجملة فيكون كل واحدة منهم مشغولا بمهم ، وينتظم من / أعمال الجميع مصالح الجميع . فثبت ى ن الإنسان مدني بالطبع وعند اجتماعهم في الموضع الواحد يحصل بينهم منازعات ومخاصمات ولا بد من إنسان قادر قاهر يقطع تلك الخصومات وذلك هو السلطان الذي ينفذ حكمه على الكل فثبت أنه لا ينتظم مصالح الخلق إلا بسلطان قاهر سائس ، ثم إن ذلك السلطان القاهر السائس إن كان حكمه على وفق هواه والطلب مصالح دنياه عظم ضرره على الخلق فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه ويتوسل بهم إلى تحصيل مقاصد نفسه ، وذلك يفضي إلى تخريب العالم ووقوع الهرج والمرج في الخلق ، وذلك يفضي بالآخرة إلى هلاك ذلك الملك ، أما ءذا كانت أحكام ذلك الملك مطابقة للشريعة الحق الإلهية انتظمت مصالح العالم ، واتسعت أبواب الخيرات على أحسن الوجوه . فهذا هو المراد من قولهم : { فاحكم بين الناس بالحق } يعني لا بد من حاكم بين الناس بالحق فكن أنت ذلك الحاكم ثم قال : { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } الآية ، وتفسيره أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله ، والضلال عن سبيل الله يوجب العذاب ، فينتج أن متابعة الهوى توجب سوء العذاب . أما المقام الأول : وهو أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله فتقريره أن الهوى يدعو إلى الاستغراق في اللذات الجسمانية ، والاستغراق فيها يمنع من الاشتغال بطلب السعادات الروحانية التي هي الباقيات الصالحات ، لأنهما حالتان متضادتان فبقدر ما يزداد أحدهما ينقص الآخر . أما المقام الثاني : وهو أن الضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب / فالأمر فيه ظاهر لأن الإنسان إذا عظم ألفه بهذه الجسمانيات ونسي بالكلية أحواله الروحانيات ، فإذا مات فقد فارق المحبوب والمعشوق ، ودخل ديارا ليس له بأهل تلك الديار إلف وليس لعيته قوة مطالعة أنوار تلك الديار ، فكأنه فارق المحبوب ووصل إلى المكروه ، فكان لا محالة في أعظم العناء والبلاء ، فثبت أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله . وثبت أن الضلال عن سبيل الله يوجب العذاب ، وهذا بيان في غاية الكمال . ثم قال تعالى : { بما نسوا يوم الحساب } يعني أن السبب الأول لحصول ذلك الضلال هو نسيان يوم الحساب ، لأنه لو كان متذكرا ليوم الحساب لما أعرض عن إعداد الزاد ليوم المعاد ، ولما صار مستغرقا في هذه اللذات الفاسدة .

Sección V26/P174–V26/P175

روي عن بعض خلفاء بني مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز هل سمعت ما بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا يكتب عليه معصية ؟ فقال : يا أمير المؤمنين الخلفاء أفضل أم الأنبياء ؟ ثم تلا هذه الآية : { إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } ثم قال تعالى : { وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذالك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار } ونظيره قوله تعالى : { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } ( آل عمران : 191 ) وقوله تعالى : { ما خلق الله السماوات والارض وما بينهما إلا بالحق } ( الروم : 8 ) وفيه مسائل : / المسألة الأولى : احتج الجبائي بهذه الآية على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأعمال العباد قال لأنها مشتملة على الكفر والفسق وكلها أباطيل . فلما بين تعالى أنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا دل هذا على أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد . ومثله قوله تعالى : { وما خلقنا السماوات والارض وما بينهما إلا بالحق } ( الحجر : 85 ) وعند المجبرة أنه خلق الكافر لأجل أن يكفر والكفر باطل ، وقد خلق الباطل ، ثم أكد تعالى ذلك بأن قال : { ذالك ظن الذين كفروا } أي كل من قال بهذا القول فهو كافر ، فهذا تصريح بأن مذهب المجبرة عين الكفر ، واحتج أصحابنا رحمهم الله بأن هذه الآية تدل على كونه تعالى خالقا لأعمال العباد فقالوا هذه الآية تدل على كونه تعالى خالقا لكل ما بين السموات والأرض ، وأعمال العباد حاصلة بين السماء والأرض ، فوجب أن يكون الله تعالى خالقا لها . المسألة الثانية : هذه الآية دالة على صحة القول بالحشر والنشر والقيامة ، وذلك لأنه تعالى خلق الخلق في هذا العالم ، فإما أن يقال إنه خلقهم للإضرار أو للإنفاع أو لا للإنفاع أو للإضرار والأول باطل لأن ذلك لا يليق بالرحيم الكريم ، والثالث أيضا باطل لأن هذه الحالة حاصلة ين كانوا معدومين ، فلم يبق إلا أن يقال إنه خلقهم للإنفاع ، فنقول وذلك الإنفاع ، إما أن يكون في حياة الدنيا أو في حياة الآخرة ، والأول باطل لأن منافع الدنيا قليلة ومضارها كثيرة ، وتحمل المضار الكثيرة للمنفعة القليلة لا يليق بالحكمة ، ولما بطل هذا القسم ثبت القول بوجود حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيوية ، وذلك هو القول بالحشر والنشر والقيامة ، واعلم أن هذا الدليل يمكن تقريره من وجوه كثيرة ، وقد لخصناها في أول سورة يونس بالاستقصاء ، فلا سبيل إلى التكرير فثبت بما ذكرا أنه تعالى ما خلق السماء والأرض وما بينهما باطلا وإذا لم يكن خلقهما باطلا كان القول بالحشر والنشر لازما ، وأن كل من أنكر القول بالحشر والنشر كان شاكا في حكمة الله في خلق السماء والأرض / وهذا هو المراد من قوله : { ذالك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار } ولما بين الله تعالى على سبيل الإجمال أن إنكار الحشر والنشر يوجب الشك في حكمة الله تعالى بين ذلك على سبيل التفصيل ، فقال : { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الارض أم نجعل المتقين كالفجار } وتقريره أنا نرى في الدنيا من أطاع الله واحترز عن معصيته في الفقر والزمانة وأنواع البلاء ، ونرى الكفرة والفساق في الراحة والغبطة ، فلو لم يكن حشر ونشر ومعاد فحينئذ يكون حال المطيع أدون من حال العاصي ، وذلك لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم ، وإذا كان ذلك قادحا في الحكمة ، ثبت أن إنكار الحشر والنشر يوجب إنكار حكمة الله . ثم قال تعالى : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ءاياته وليتذكر أولو الالباب } وفيه مسائل :

Sección V26/P175

المسألة الأولى : قالت المعتزلة دلت الآية على أنه تعالى إنما أنزل هذا القرآن لأجل الخير والرحمة والهداية ، وهذا يفيد أمرين أحدهما : أن أفعال الله معللة برعاية المصالح والثاني : أنه تعالى أراد الإيمان والخير والطاعة من الكل بخلاف قول من يقول إنه أراد الكفر من الكافر .

Sección V26/P175–V26/P176

/ المسألة الثانية : في تقرير نظم هذه الآيات فنقول ، لسائل أن يسأل فيقول إنه تعالى حكى في أول السورة عن المستهزئين من الكفار ، أنهم بالغوا في إنكار البعث والقيامة ، وقالوا : { ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } ( ص : 16 ) ولما حكى الله تعالى عنهم ذلك لم يذكر الجواب ، بل قال : { اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود } ( ص : 17 ) ومعلوم أنه لا تعلق لذكر داود عليه السلام بأن القول بالقيامة حق ، ثم إنه تعالى أطنب في شرح قصة داود ، ثم أتبعه بقوله : { وما خلقنا السماء والارض } ومعلوم أنه لا تعلق لمسألة إثبات حكمة الله بقصة داود ، ثم لما ذكر إثبات حكمة الله وفرع عليه إثبات أن القول بالحشر والنشر حق ، ذكر بعده أن القرآن كتاب شريف فاضل كثير النفع والخير ، ولا تعلق لهذا الفصل بالكلمات المتقدمة ، وإذا كان كذلك كانت هذه الفصول فصولا متباينة لا تعلق للبعض منها بالبعض ، فكيف يليق بهذا الموضع وصف القرآن بكونه كتابا شريفا فاضلا ؟ هذا تمام السؤال والجواب أن نقول : أن العقلاء قالوا من أبلى بخصم جاهل مصر متعصب ، ورآه قد خاض في ذلك التعصب والإصرار ، وجب عليه أن يقطع الكلام معه في تلك المسألة ، لأنه كلما كان خوضه في تقريره أكثر كانت نفرته عن القبول أشد ، فالطريق حينئذ أن يقطع الكلام معه في تلك المسألة ، وأن يخوض في كلام آخر أجنبي عن المسألة الأولى بالكلية ويطنب في ذلك الكلام الأجنبي ، بحيث ينسى ذلك المتعصب تلك المسألة الأولى ، فإذا اشتغل خاطره بهذا الكلام الأجنبي ونسي المسألة الأولى ، فحينئذ يدرج في أثناء الكلام في هذا الفصل الأجنبي مقدمة مناسبة لذلك المطلوب الأول ، فإن ذلك المتعصب يسلم هذه المقدمة ، فإذا سلمها ، فحينئذ يتمسك بها في إثبات المطلوب الأول ، وحينئذ يصير ذلك الخصم المتعصب منقطعا مفحما ، إذا عرفت هذا فنقول إن الكفار بلغوا في إنكار الحشر والنشر والقيامة إلى حيث قالوا على سبيل الاستهزاء { ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } ( ص : 16 ) فقال يا محمد اقطع الكلام معهم في هذه المسألة ، واشرع في كلام آخر أجنبي بالكلية عن هذه المسألة ، وهي قصة داود عليه السلام ، فإن من المعلوم أنه لا تعلق لهذه القصة بمسألة الحشر والنشر ، ثم إنه تعالى أطنب في شرح تلك القصة ، ثم قال في آخر القصة : { مئاب ياداوود إنا جعلناك خليفة فى الارض فاحكم بين الناس بالحق } ( ص : 26 ) وكل من سمع هذا قال نعم ما فعل حيث أمره بالحكم الحق ، ثم كأنه تعالى قال : وأنا لا آمرك بالحق فقط ، بل أنا مع أني رب العالمين لا أفعل إلا بالحق ، ولا أفضي بالباطل ، فههنا الخصم يقول نعم ما فعل حيث لم يقض إلا بالحق ، فعند هذا يقال لما سلمت أن حكم الله يجب أن يكون بالحق لا بالباطل ، لزمك أن تسلم صحة القول بالحشر والنشر ، لأنه لو لم يحصل ذلك لزم أن يكون الكافر راجحا على المسلم في إيصال الخيرات إليه ، وذلك ضد الحكمة وعين الباطل ، فبهذا الطريق اللطيف أورد الله تعالى الإلزام القاطع على منكري الحشر والنشر إيرادا لا يمكنهم الخلاص عنه ، فصار ذلك الخصم الذي بلغ في إنكار المعاد إلى حد الاستهزاء مفحما ملزما بهذا / الطريق ، ولما ذكر الله تعالى هذه الطريقة الدقيقة في الإلزام في القرآن ، لا جرم وصف القرآن بالكمال والفضل ، فقال : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ءاياته إلا أولوا الالباب } فإن من لم يتدبر ولم يتأمل ولم يساعده التوفيق الإلهي لم يقف على هذه الأسرارل العجيبة المذكورة في هذا القرآن العظيم ، حيث يراه في ظاهر الحال مقرونا بسوء الترتيب ، وهو في الحقيقة مشتمل على أكمل جهات الترتيب ، فهذا ما حضرنا في تفسير هذه الآيات ، وبالله التوفيق .

Sección V26/P176–V26/P177

! 7 < { ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد فقال إنىأحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بالحجاب ردوها على فطفق مسحا بالسوق والا عناق } > 7 < ص : ( 30 - 33 ) ووهبنا لداود سليمان . . . . . > > واعلم أن هذا هو القصة الثانية وقوله : { نعم العبد } فيه مباحث : الأول : نقول المخصوص بالمدح في { نعم العبد } محذوف ، فقيل هو سليمان ، وقيل داود ، والأول أولى لأنه أقرب المذكورين ، ولأنه قال بعده { إنه أواب } ولا يجوز أن يكون المراد هو داود ، لأن وصفه بهذا المعنى قد تقدم في الآية المتقدمة حيث قال : { واذكر عبدنا داوود ذا الايد إنه أواب } ( ص : 17 ) فلو قلنا لفظ الأواب ههنا أيضا صفة داود لزم التكرار ، ولو قلنا إنه صفة لسليمان لزم كون الابن شبيها لأبيه في صفات الكمال في الفضيلة ، فكان هذا أولى . الثاني : أنه قال أولا { نعم العبد } ثم قال بعده { إنه أواب } وهذه الكلمة للتعليل ، فهذا يدل على أنه إنما كان { نعم العبد } لأنه كان أوابا ، فيلزم أن كل من كان كثير الرجوع إلى الله تعالى في أكثر الأوقات وفي أكثر المهمات كان موصوفا بأنه { نعم العبد } وهذا هو الحق الذي لا شبهة فيه ، لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ورأس المعارف ورئيسها معرفة الله تعالى ، ورأس الطاعات ورئيسها الاعتراف بأنه لا يتم شيء من الخيرات إلا بإعانة الله تعالى ، ومن كان كذلك كان كثير الرجوع إلى الله تعالى فكان أوابا ، فثبت أن كل من كان أوابا وجب أن يكون { نعم العبد } . أما قوله : { إذ عرض عليه } ففيه وجوه الأول : التقدير { نعم العبد } هو إذ كان من أعماله أنه فعل كذا الثاني : أنه ابتداء كلام . والتقدير اذكر يا محمد إذ عرض عليه كذا وكذا ، والعشي / هو من حين العصر إلى آخر النهار عرض الخيل عليه لينظر إليها ويقف على كيفية أحوالها ، والصافنات الجياد الخيل وصفت بوصفين أولهما : الصافنات ، قال صاحب ( الصحاح ) : الصافن الذي يصفن قدميه ، وفي الحديث ( كنا إذا صلينا خلفه فرفع رأسه من الركوع قمنا صفونا ) أي قمنا صافنين أقدامنا ، وأقول على كلا التقديرين فالصفون صفة دالة على فضيلة الفرس والصفة الثانية : للخيل في هذه الآية الجياد ، قال المبرد : والجياد جمع جواد وهو الشديد الجري ، كما أن الجواد من الناس هو السريع البذل ، فالمقصود وصفها بالفضيلة والكمال حالتي وقوفها وحركتها . أما حال وقوفها فوصفها بالصفون ، وأما حال حركتها فوصفها بالجودة ، يعني أنها إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها على أحسن الأشكال ، فإذا جرت كانت سراعا في جريها ، فإذا طلبت لحقت ، وإذا طلبت لم تلحق ، ثم قال تعالى : { فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى } وفي تفسير هذه اللفظة وجوه الأول : أن يضمن أحببت معنى فعل يتعدى بعن ، كأنه قيل أنبت حب الخير عن ذكر ربي والثاني : أن أحببت بمعنى ألزمت ، والمعنى أني ألزمت حب الخيل عن ذكر ربي ، أي عن كتاب ربي وهو التوراة ، لأن ارتباط الخيل كما أنه في القرآن ممدوح فكذلك في التوراة ممدوح والثالث : أن الإنسان قد يحب شيئا لكنه يحب أن لا يحبه كالمريض الذي يشتهي ما يزيد في مرضه ، والأب الذي يحب ولده الرديء ، وأما من أحب شيئا ، وأحب أن يحبه كان ذلك غاية المحبة فقوله أحببت حب الخير بمعنى أحببت حبي لهذه الخيل .

Sección V26/P177–V26/P178

ثم قال : { عن ذكر ربى } بمعنى أن هذه المحبة الشديدة إنما حصلت عن ذكر الله وأمره لا عن الشهوة والهوى / وهذا الوجه أظهر الوجوه . ثم قال تعالى : { حتى توارت } أقول الضمير في قوله : { حتى توارت } ، وفي قوله : { ردوها } يحتمل أن يكون كل واحد منهما عائدا إلى الشمس ، لأنه جرى ذلك ماله تعلق بها وهو العشي ويحتمل أن يكون كل واحد منهما عائدا إلى الصافنات ، ويحتمل أن يكون الأول متعلقا بالشمس والثاني بالصافنات ، ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك ، فهذه احتمالات أربعة لا مزيد عليها فالأول : أن يعود الضميران معاني إلى الصافنات ، كأنه قال حتى توارت الصافنات بالحجاب ردوا الصافنات علي ، والاحتمال الثاني : أن يكون الضميران معا عائدين إلى الشمس كأنه قال حتى توارت الشمس بالحجاب ردوا الشمس ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما اشتغل بالخيل فاتته صلاة العصر ، فسأل الله أن يرد الشمس فقوله : { ردوها على } إشارة إلى طلب رد الشمس ، وهذا الاحتمال عندي بعيد والذي يدل عليه وجوه الأول : أن الصافنات مذكورة تصريحا ، والشمس غير مذكورة وعود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر الثاني : أنه قال : { إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بالحجاب } وظاهر هذا اللفظ يدل على أن سليمان عليه السلام كان يقول إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي . وكان يعيد هذه الكلمات إلى أن / توارت بالحجاب ، فلو قلنا المراد حتى توارت الصافنات بالحجاب كان معناه أنه حين وقع بصره عليها حال جريها كان يقول هذه الكلمة إلى أن غابت عن عينه وذلك مناسب ، ولو قلنا المراد حتى توارت الشمس بالحجاب كان معناه أنه كان يعيد عين هذه الكلمة من وقت العصر إلى وقت المغرب ، وهذا في غاية البعد الثالث : أنا لو حكمنا بعود الضمير في قوله حتى توارت إلى الشمس وحملنا اللفظ على أنه ترك صلاة العصر كان هذا منافيا لقوله : { أحببت حب الخير عن ذكر ربى } فإن تلك المحبة لو كانت عن ذكر الله لما نسي الصلاة ولما ترك ذكر الله الرابع : أنه بتقدير أنه عليه السلام بقي مشغولا بتلك الخيل حتى غربت الشمس وفاتت صلاة العصر ؟ ، فكان ذلك ذنبا عظيما وجرما قويا ، فالأليق لهذه الحالة التضرع والبكاء والمبالغة في إظهار التوبة ، فأما أن يقول على سبيل التهور والعظمة لإله العالم ورب العالمين ، ردوها علي بمثل هذه الكلمة العارية عن كل جهات الأدب عقيب ذلك الجرم العظيم ، فهذا لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير ، فكيف يجوز إسناده إلى الرسول المطهر المكرا الخامس : أن القادر على تحريك الأفلاك والكواكب هو الله تعالى فكان يجب أن يقول ردها علي ولا يقول ردوها علي ، فإن قالوا إنما ذكر صيغة الجمع للتنبيه على تعظيم المخاطب فنقول قوله : { ردوها } لفظ مشعر بأعظم أنواع الإهانة فكيف يليق بهذا اللفظ رعاية التعظيم السادس : أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لكان ذلك مشاهدا لكل أهل الدنيا ولو كان الأمر كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وإظهاره ، وحيث لم يقل أحد ذلك علمنا فساده السابع : أنه تعالى قال : { إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد } ثم قال : { حتى توارت بالحجاب } وعود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى ، وأقرب المذكورين هو الصافنات الجياد ، وأما العشي فأبعدهما فكان عود ذلك الضمير إلى الصافنات أولى ، فثبت بما ذكرنا أن حمل قوله : { حتى توارت بالحجاب } على تواري الشمس وأن حمل قوله : { ردوها على } على أن المراد منه طلب أن يرد الله الشمس بعد غروبها كلام في غاية البعد عن النظم .

Sección V26/P178–V26/P179

ثم قال تعالى : { فطفق مسحا بالسوق والاعناق } أي فجعل سليمان عليه السلام يمسح سوقها وأعناقها ، قال الأكثرون معناه أنه مسح السيف بسوقها وأعناقها أي قطعها / قالوا إنه عليه السلام لما فاتته صلاة العصر بسبب اشتغاله بالنظر إلى تلك الخيل استردها وعقر سوقها وأعناقها تقربا إلى الله تعالى ، وعندي أن هذا أيضا بعيد ، ويدل عليه وجوه الأول : أنه لو كان معنى مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى قوله : { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم } ( المائدة : 6 ) قطعها ، وهذا مما لا يقوله عاقل بل لو قيل مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق ، أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم ألبتة من المسح العقر والذبح الثاني : القائلون لهذا القول جمعوا على سليمان عليه السلام أنواعا من الأفعال المذمومة فأولها : ترك الصلاة وثانيها : أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا إلى حيث نسي الصلاة ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( حب الدنيا رأس كل خطيئة ) وثالثها : / أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة ألبتة ورابعها : أنه خاطب رب العالمين بقوله : { ردوها على } وهذه كلمة لا يذكرها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس وخامسها : أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل في سوقها وأعناقها ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله ) ، فهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان عليه السلام مع أن لفظ القرآن لم يدل على شيء منها : وسادسها : أن هذه القصص إنما ذكرها الله تعالى عقيب قوله : { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } ( ص : 17 ) وأن الكفار لما بلغوا في السفاهة إلى هذا الحد قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم اصبر يا محمد على سفاهتهم واذكر عبدنا داود : وذكر قصة داود ، ثم ذكر عقبيها قصة سليمان ، وكان التقدير أنه تعالى قال لمحمد عليه اللام اصبر يا محمد على ما يقولون واذكر عبدنا سليمان ، وهذا الكلام إنما يكون لائقا لو قلنا إن سليمان عليه السلام أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة ، وصبر على طاعة الله ، وأعرض عن الشهوات واللذات ، فأما لو كان المقصود من قصة سليمان عليه السلام في هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة والذنوب الجسيمة لم يكن ذكر هذه القصة لائقا بهذا الموضع ، فثبت أن كتاب الله تعالى ينادي على هذه الأقوال الفاسدة بالرد والإفساد والإبطال بل التفسير المطابق للحق للألفاظ القرآن والصواب أن نقول إن رباط الخيل كان مندوبا إليه في دينهم كما أنه كذلك في دين محمد صلى الله عليه وسلم ثم إن سليمان عليه السلام احتاج إلى الغزو فجلس وأمر بإحضاء الخيل وأمر بإجرائها وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس ، وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله عن ذكر ربي ، ثم إنه عليه السلام أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره ، ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها ، والغرض من ذلك المسح أمور الأول : تشريفا لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو الثاني : أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتضع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه الثالث : أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها ، فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض ، فهذا التفسير الذي ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن انطباقا مطابقا موافقا ، ولا يلزمنا نسبة شيء من تلك المنكرات والمحذورات ، وأقول أنا شديد التعجب من الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل يردها ، وليس لهم في إثباتها شبهة فضلا عن حجة ، فإن قيل فالجمهور فسروا الآية بذلك الوجه ، فما قولك فيه ؟

Preguntas