Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
أجاب أصحابنا عن هذه المطاعن بأن كل واحد من هذه الأخبار وإن كان مرويا بالآحاد إلا أنها كثيرة جدا وبينها قدر مشترك واحد وهو خروج أهل العقاب من النار بسبب الشفاعة فيصير هذا المعنى مرويا على سبيل التواتر / فيكون حجة والله أعلم . والجواب على جميع أدلة المعتزلة بحرف واحد وهو أن أدلتهم على نفي الشفاعة تفيد نفي جميع أقسام الشفاعات ، وأدلتنا على إثبات الشفاعة تفيد إثبات شفاعة خاصة والعام والخاص إذا تعارضا قدم الخاص على العام فكانت دلائلنا مقدمة على دلائلهم ، ثم إنا نخص كل واحد من الوجوه التي ذكروها بجواب على حدة :
أما الوجه الأول : وهو التمسك بقوله تعالى : { ولا يقبل منها شفاعة } فهب أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا أن تخصيص مثل هذا العام بذلك السبب المخصوص يكفي فيه أدنى دليل ، فإذا قامت الدلائل الدالة على وجود الشفاعة وجب المصير إلى تخصيصها . وأما الوجه الثاني : وهو قوله تعالى : { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } ( غافر : 18 ) فالجواب عنه أن قوله : { ما للظالمين من حميم ولا شفيع } نقيض لقولنا : للظالمين حميم وشفيع ، لكن قولنا للظالمين : حميم وشفيع موجبة كلية ، ونقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية ، والسالبة يكفي في صدقها تحقق ذلك السلب في بعض الصور ، ولا يحتاج فيه إلى تحقق ذلك السلب في جميع الصور ، وعلى هذا فنحن نقول بموجبه لأن عندنا أنه ليس لبعض الظالمين حميم ولا شفيع يجاب وهم الكفار ، فأما أن يحكم على كل واحد منهم بسلب الحميم والشفيع فلا . وأما الوجه الثالث : وهو قوله : { من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } ( البقرة : 254 ) فالجواب عنه ما تقدم في الوجه الأول . وأما الوجه الرابع : وهو قوله : { وما للظالمين من أنصار } ( البقرة : 270 ) فالجواب عنه أنه نقيض لقولنا : للظالمين أنصار وهذه موجبة كلية فقوله : { وما للظالمين من أنصار } سالبة جزئية فكيون مدلوله سلب العموم وسلب العموم لا يفيد عموم السلب . وأما الوجه الخامس : وهو قوله : { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ( المدثر : 48 ) فهذا وارد في حق الكفار وهو يدل بسبب التخصيص على ضد هذا الحكم في حق المؤمنين . وأما الوجه السادس : وهو قوله : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ( الأنبياء : 28 ) فقد تقدم القول فيه . وأما الوجه السابع : وهو قول المسلمين : اللهم اجعلنا من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، فالجواب عنه أن عندنا تأثير الشفاعة في جلب أمر مطلوب وأعني به القدر المشترك بين جلب المنافع الزائدة على قدر الاستحقاق ودفع المضار المستحقة على المعاصي ، وذلك القدر المشترك لا يتوقف على كون العبد عاصيا فاندفع السؤال . وأما الوجه الثامن : وهو التمسك بقوله : { وإن الفجار لفى جحيم } ( الانفطار : 14 ) فالكلام عليه سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألة الوعيد . وأما الوجه التاسع : وهو قوله لم يوجد ما يدل على إذن الله عز وجل في الشفاعة لأصحاب الكبائر ، فجوابه أن هذا ممنوع والدليل عليه ما أوردنا من الدلائل الدالة على حصول هذه الشفاعة . وأما الوجه العاشر : وهو قوله في حق الملائكة : { فاغفر للذين تابوا } ( غافر : 7 ) فجوابه ما بينا أن خصوص آخر هذه الآية لا يقدح في عموم أولها . وأما الأحاديث فهي دالة على أن محمد صلى الله عليه وسلم لا يشفع لبعض الناس ولا يشفع في بعض مواطن القيامة ، وذلك لا يدل على أنه لا يشفع لأحد ألبتة من أصحاب الكبائر ، ولا أنه يمتنع من الشفاعة في جميع المواطن . والذي نحققه أنه تعالى بين أن أحدا من الشافعين لا يشفع إلا بإذن الله ، فلعل الرسول لم يكن مأذونا في بعض المواضع وبعض الأوقات ، فلا يشفع في ذلك المكان ولا في ذلك الزمان ، ثم يصير مأذونا في موضع آخر وفي وقت آخر في الشفاعة فيشفع هناك والله أعلم .
قالت الفلاسفة في تأويل الشفاعة : إن واجب الوجود عام الفيض تام الجود ، فحيث لا يحصل فإنما لا يحصل لعدم كون القابل مستعدا ، ومن الجائز أن لا يكون الشيء مستعدا لقبول الفيض عن واجب الوجود إلا أن يكون مستعدا لقبول ذلك الفيض من شيء قبله عن واجب الوجود ، فيكون ذلك الشيء كالمتوسط بين واجب الوجود وبين ذلك الشيء الأول ، ومثاله في المحسوس أن الشمس لا تضيء إلا للقابل المقابل ، وسقف البيت لما لم يكن مقابلا لجرم الشمس لا جرم لم يكن فيه استعداد لقبول النور عن الشمس ، إلا أنه إذا وضع طست مملوء من الماء الصافي ووقع عليه ضوء الشمس انعكس ذلك الضوء من ذلك الماء إلى السقف فيكون ذلك الماء الصافي متوسطا في وصول النور من قرص الشمس إلى السقف الذي هو غير مقابل للشمس ، وأرواح الأنبياء كالوسائط بين واجب الوجود وبين أرواح عوام الخلق في وصول فيض واجب الوجود إلى أرواح العامة ، فهذا ما قالوه في الشفاعة تفريعا على أصولهم . ! 7 < { وإذ نجيناكم من ءال فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفى ذالكم بلاء من ربكم عظيم } > 7 ! < < البقرة : ( 49 ) وإذ نجيناكم من . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالا بين بعد ذلك أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة ، فكأنه قال : اذكروا نعمتي واذكروا إذ نجيناكم / واذكروا إذ فرقنا بكم البحر وهي إنعامات ، والمذكور في هذه الآية هو الإنعام الأول . أما قوله : { وإذ نجيناكم } فقرىء أيضا أنجيناكم ونجيتكم ، قال القفال : أصل الأنجاء والتنجية التخليص ، وأن بيان الشيء من الشيء حتى لا يتصلا وهما لغتان نجى وأنجى ونجا بنفسه ، وقالوا لمكان العالي : نجوة لأن من صار إليه نجا ، أي تخلص ولأن الموضع المرتفع بائن عما انحط عنه فكأنه متخلص منه . قال صاحب الكشاف : أصل آل أهل ولذلك يصغر بأهيل فأبدلت هاؤه ألفا وخص استعماله بأولى الخطر والشأن ، كالملوك وأشباههم ولا يقال : آل الحجام والإسكاف ، قال عيسى : الأهل أعم من الآل ، يقال : أهل الكوفة وأهل البلد وأهل العلم ولا يقال : آل الكوفة وآل البلد وآل العلم ، فكأنه قال : الأهل هم خاصة الشيء من جهة تغليبه عليهم ، والآل خاصة الرجل من جهة قرابة أو صحبة . وحكى عن أبي عبيدة أنه سمع فصيحا يقول : أهل مكة آل الله . أما فرعون فهو علم لمن ملك مصر من العمالقة كقيصر وهرقل لملك الروم وكسرى لملك الفرس وتبع لملك اليمن وخاقان لملك الترك ، واختلفوا في فرعون من وجهين ، أحدهما : أنهم اختلفوا في اسمه فحكى ابن جريج عن قوم أنهم قالوا : مصعب بن ريان ، وقال ابن إسحاق : هو الوليد ابن مصعب ، ولم يكن من الفراعنة أحد أشد غلظة ولا أقسى قلبا منه ، وذكر وهب بن منبه أن أهل الكتابين قالوا : إن اسم فرعون كان قابوس وكان من القبط ، الثاني : قال ابن وهب : إن فرعون يوسف عليه السلام هو فرعون موسى وهذا غير صحيح ، إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين أن دخلها موسى أكثر من أربعمائة سنة ، وقال محمد بن إسحاق : هو غير فرعون يوسف وأن فرعون يوسف كان اسمه الريان بن الوليد ، أما آل فرعون فلا شك أن المراد منه ههنا من كان من قوم فرعون وهم الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل ليكون تعالى منجيا لهم منهم بما تفضل به من الأحوال التي توجب بقاءهم وهلاك فرعون وقومه . أما قوله تعالى : { يسومونكم } فهو من سامه خسفا إذا أولاه ظلما ، قال عمرو بن كلثوم :
إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الخسف فينا وأصله من سام السلعة إذا طلبها ، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونه بكم ، والسوء مصدر ساء بمعنى السيىء ، يقال : أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفعل يراد قبحهما ، ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيىء أشده وأصعبه كأن قبحه ( زاد ) بالإضافة إلى ساء ، واختلف المفسرون في المراد من ( سوء العذاب ) فقال محمد بن إسحاق : إنه جعلهم خولا وخدما له وصنفهم في أعماله أصنافا ، فصنف كانوا يبنون له ، وصنف كانوا يحرثون له ، وصنف كانوا يزرعون له ، فهم كانوا في أعماله ومن لم يكن في نوع من أعماله كان يأمر بأن يوضع عليه جزية يؤديها ، وقال السدي : كان قد جعلهم في الأعمال القذرة الصعبة مثل لنس المبرز وعمل الطين ونحت الجبال ، وحكى الله تعالى عن بني إسرائيل أنهم قالوا لموسى : { أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا } ( الأعراف : 129 ) . وقال موسى لفرعون : ( وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني اسرائيل ) / واعلم أن كون الإنسان / تحت يد الغير بحيث يتصرف فيه كما يشاء لا سيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة الصعبة القذرة ، فإن ذلك يكون من أشد أنواع العذاب ، حتى أن من هذه حالته ربما تمنى الموت فبين الله تعالى عظيم نعمه عليهم بأن نجاهم من ذلك ، ثم إنه تعالى أتبع ذلك بنعمة أخرى أعظم منها ، فقال : { يذبحون أبناءكم } ومعناه يقتلون الذكورة من الأولاد دون الإناث . وههنا أبحاث . البحث الأول : أن ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه ، أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضي فناء الرجال ، وذلك يقتضي انقطاع النسل ، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن ألبتة في ذلك ، وذلك يقضي آخر الآمر إلى هلاك الرجال والنساء ، وثانيها : أن هلاك الرجال يقتضي فساد مصالح النساء في أمر المعيشة ، فإن المرأة لتتمنى وقد انقطع عنها تعهد الرجال وقيامهم بأمرها الموت ، لما قد يقع إليها من نكد العيش بالإنفراد فصارت هذه الخصلة عظيمة في المحن ، والنجاة منها في العظم تكون بحسبها ، وثالثها : أن قتل الولد عقيب الحمل الطويل وتحمل الكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب ، لأن قتله والحالة هذه أشد من قتل من بقي المدة الطويلة مستمتعا به مسرورا بأحواله ، فنعمة الله من التخليص لهم من ذلك بحسب شدة المحنة فيه ، ورابعها : أن الأبناء أحب إلى الوالدين من البنات ، ولذلك فإن أكثر الناس يستثقلون البنات ويكرهونهن وإن كثر ذكرانهم ، ولذلك قال تعالى : { وإذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به } ( النحل : 58 ) الآية ، ولذلك نهى العرب عن الوأد بقوله : { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق } ( الإسراء : 31 ) وإنما كانوا يئدون الإناث دون الذكور ، وخامسها : أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان .
البحث الثاني : ذكر في هذه السورة { يذبحون } بلا واو وفي سورة إبراهيم ذكره مع الواو ، والوجه فيه أنه إذا جعل قوله : { يسومونكم سوء العذاب } مفسرا بقوله : { يذبحون أبناءكم } لم يحتج إلى الواو ، وأما إذا جعل قوله : { يسومونكم سوء العذاب } مفسرا بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح وجعل الذبح شيئا آخر سوى سوء العذاب ، احتيج فيه إلى الواو ، وفي الموضعين يحتمل الوجهين ، إلا أن الفائدة التي يجوز أن تكون هي المقصودة من ذكر حرف العطف في سورة إبراهيم أن يقال : إنه تعالى قال قبل تلك الآية : { ولقد أرسلنا موسى بئاياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله } ( إبراهيم : ) والتذكير بأيام الله لا يحصل إلا بتعديد نعم الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد من قوله : { يسومونكم سوء العذاب } نوعا من العذاب ، والمراد من قوله : { ويذبحون أبناءكم } نوعا آخر ليكون التخلص منهما نوعين من النعمة . فلهذا وجب ذكر العطف هناك ، وأما في هذه الآية لم يرد الأمر إلا بتذكير جنس النعمة وهي قوله : { اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم } ( البقرة : 40 ، 47 ، 122 ) فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذبح أو غيره كان تذكير جنس النعمة حاصلا فظهر الفرق . البحث الثالث : قال بعضهم : أراد بقوله : { يذبحون أبناءكم } الرجال دون الأطفال ليكون / في مقابلة النساء إذ النساء هن البالغات ، وكذا المراد من الأبناء هم الرجال البالغون ، قالوا : إنه كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره . وأكثر المفسرين على أن المراد بالآية الأطفال دون البالغين / وهذا هو الأولى لوجوه : الأول : حملا للفظ الأبناء على ظاهره . الثاني : أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم . الثالث : أنهم كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة . الرابع : أنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى عليه السلام في التابوت حال صغره معنى ، أما قوله وجب حمله على الرجال ليكون في مقابلة النساء ففيه جوابان : الأول : أن الأبناء لما قتلوا حال الطفولية لم يصيروا رجالا ، فلم يجز إطلاق اسم الرجال عليهم ، أما البنات لما لم يقتلن بل وصلن إلى حد النساء جاز إطلاق اسم النساء عليهن . الثاني : قال بعضهم : المراد بقوله : { ويستحيون نساءكم } ، أي يفتشون حياء المرأة أي فرجها هل بها حمل أم لا ، وأبطل ذلك بأن ما في بطونهن إذا لم يكن للعيون ظاهرا لم يعلم بالتفتيش ولم يوصل إلى استخراجه باليد .
البحث الرابع : في سبب قتل الأبناء ذكروا فيه وجوها . أحدها : قول ابن عباس رضي الله عنهما أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على إعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ، فلما رأوا كبارهم يموتون وصغارهم يذبحون خافوا الفناء فحينئذ لا يجدون من يباشر الأعمال الشاقة ، فصاروا يتقلون عاما دون عام . وثانيها : قول السدي : إن فرعون رأى نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك ؟ فقالوا : يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده ، وثالثها : أن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة فلهذا كان يقتل أبناءهم في تلك السنة والأقرب هو الأول ، لأن الذي يستفاد من علم التعبير وعلم النجوم لا يكون أمرا مفصلا وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزا بل يكون أمرا مجملا والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على مثل هذا الأمر العظيم بسببه ، فإن قيل : إن فرعون كان كافرا بالله فكان بأن يكون كافرا بالرسل أولى ، وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يقدم على هذا الأمر العظيم بسبب إخبار إبراهيم عليه السلام عنه . قلنا : لعل فرعون كان عارفا بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافرا كفر الجحود والعناد أو يقال : إنه كان شاكا متحيرا في دينه وكان يجوز صدق إبراهيم عليه السلام فأقدم على ذلك الفعل احتياطا . البحث الخامس : اعلم أن الفائدة في ذكر هذه النعمة من وجوه ، أحدها : أن هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من جهة الملوك والظلمة صار تخليص الله إياهم من هذه المحن من أعظم النعم وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم وشاهدوا ذل من بالغ في إذلالهم ولا شك في أن ذلك من أعظم النعم وتعظيم النعمة يوجب الانقياد والطاعة ، ويقتضي نهاية قبح المخالفة والمعاندة ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه النعمة العظيمة مبالغة في إلزام الحجة عليهم وقطعا لعذرهم . وثانيها : أنهم لما عرفوا أنهم كانوا في نهاية الذل وكان خصمهم في نهاية / العز إلا أنهم كانوا محقين وكان خصمهم مبطلا لا جرم زال ذل المحقين وبطل عز المبطلين ، فكأنه تعالى قال : لا تغتروا بفقر محمد وقلة أنصاره في الحال ، فإنه محق لا بد وأن ينقلب العز إلى جانبه والذل إلى جانب أعدائه ، وثالثها : أن الله تعالى نبه بذلك على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء ، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا بل عليه السعي في طلب عز الآخرة . أما قوله تعالى : { وفي ذالكم بلاء من ربكم عظيم } قال القفال : أصل الكلمة من الابتلاء وهو الاختيار والامتحان قال تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ( الأنبياء : 35 ) وقال : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } ( الأعراف : 168 ) والبلوى واقعة على النوعين ، فيقال للنعمة بلاء وللمحنة الشديدة بلاء والأكثر أن يقال في الخير إبلاء وفي الشر بلاء وقد يدخل أحدهما على الآخر . قال زهير : جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو إذ عرفت هذا فنقول : البلاء ههنا هو المحنة إن أشير بلفظ : ( ذلكم ) إلى صنع فرعون والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء وحمله على النعمة أولى لأنها هي التي صدرت من الرب تعالى ، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم . ! 7 < { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا ءال فرعون وأنتم تنظرون } > 7 ! < <
البقرة : ( 50 ) وإذ فرقنا بكم . . . . . > > هذا هو النعمة الثانية ، وقوله : { فرقنا } أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم وقرىء : { فرقنا } بالتشديد بمعنى فصلنا . يقال : فرق بين الشيئين وفرق بين الأشياء لأن المسالك كانت اثنتي عشرة على عدد الأسباط ، فإن قلت : ما معنى : ( بكم ) ؟ قلنا : فيها وجهان ، أحدهما : أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما ، الثاني : فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم ثم ههنا أبحاث : البحث الأول : روي أنه تعالى لما أراد إغراق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط ، وذلك لغرضين . أحدهما : ليخرجوا خلفهم لأجل المال ، والثاني : أن تبقى أموالهم في أيديهم ثم نزل جبريل عليه السلام بالعشي وقال لموسى : أخرج قومك ليلا ، وهو المراد من قوله : { وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى } ( طه : 77 ) وكانوا ستمائة ألف نفس لأنهم كانوا اثني عشر سبطا كل سبط خمسون ألفا ، فلما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون ، فقال : لا تتبعوهم حتى يصيح الديك . قال الراوي : فوالله ما صاح ليلته ديك فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال : لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط ، وقال قتادة : اجتمع إليه ألف ألف / ومائتا ألف نفس كل واحد منهم على فرس حصان فتبعوهم نهارا . وهو قوله تعالى : { فأتبعوهم مشرقين } ( الشعراء : 60 ) أي بعد طلوع الشمس . { فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون } ( الشعرا : 61 ) فقال موسى : { كلا إن معى ربى سيهدين } ( الشعراء : 62 ) فلما سار بهم موسى وأتى البحر قال له يوشع بن نون : أين أمرك ربك ؟ فقال موسى : إلى أمامك وأشار إلى البحر فأقحم يوشع بن نون فرسه في البحر فكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر ، فسبح الفرس وهو عليه ثم رجع وقال له : يا موسى أين أمرك ربك ؟ فقال البحر ، فقال : والله ما كذبت ، ففعل ذلك ثلاث مرات ، فأوحى الله إليه : { أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم } ( الشعراء : 67 ) ، فانشق البحر اثني عشر جبلا في كل واحد منها طريق ، فقال له : ادخل فكان فيه وحل فهبت الصبا فجف البحر ، وكل طريق فيه حتى صار طريقا يابسا كما قال تعالى : { فاضرب لهم طريقا فى البحر يبسا } ( طه : 77 ) ، فأخذ كل سبط منهم طريقا ودخلوا فيه فقالوا لموسى : إن بعضنا لا يرى صاحبه ، فضرب موسى عصاه على البحر فصار بين الطرق منافذ وكوى فرأى بعضهم بعضا ، ثم أتبعهم فرعون ، فلما بلغ شاطىء البحر رأى إبليس واقفا فنهاه عن الدخول فهم بأن لا يدخل البحر فجاء جبريل عليه السلام على حجرة فتقدم فرعون وهو كان على فحل فتبعه فرس فرعون ودخل البحر ، فلما دخل فرعون البحر صاح ميكائيل بهم الحقوا آخركم بأولكم ، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله الماء حتى نزل عليهم في ذلك قوله تعالى : { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم } وقيل كان ذلك اليوم يوم عاشوراء ، فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكرا لله تعالى .
البحث الثاني : اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعما كثيرة في الدين والدنيا ، أما نعم الدنيا في حق موسى عليه السلام فهي من وجوه ، أحدها : أنهم لما وقعوا في ذلك المضيق الذي من ورائهم فرعون وجنوده وقدامهم البحر / فإن توقفوا أدركهم العدو وأهلكهم بأشد العذاب وإن ساروا غرقوا فلا خوف أعظم من ذلك ، ثم إن الله نجاهم بفلق البحر فلا فرج أشد من ذلك . وثانيها : أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة ، وذلك سبب لظهور كرامتهم على الله تعالى . وثالثها : أنهم شاهدوا أن الله تعالى أهلك أعداءهم ومعلوم أن الخلاص من مثل هذا البلاء من أعظم النعم ، فكيف إذا حصل معه ذلك الإكرام العظيم وإهلاك العدو . ورابعها : أن أورثهم أرضهم وديارهم ونعمهم وأموالهم . وخامسها : أنه تعالى لما أغرق آل فرعون فقد خلص بني إسرائيل منهم ، وذلك نعمة عظيمة لأنه كان خائفا منهم ، ولو أنه تعالى خلص موسى وقومه من تلك الورطة وما أهلك فرعون وقومه لكان الخوف باقيا من حيث إنه ربما اجتمعوا واحتالوا بحيلة وقصدوا إيذاء موسى عليه السلام وقومه ، ولكن الله تعالى لما أغرقهم فقد حسم مادة الخوف بالكلية . وسادسها : أنه وقع ذلك الإغراق بمحضر من بني إسرائيل وهو المراد من قوله تعالى : { وأنتم تنظرون } وأما نعم الدين في حق موسى عليه السلام فمن وجوه ، أحدها : أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات ، فإن دلالة مثل هذا المعجز / على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى عليه السلام تقرب من العلم الضروري ، فكأنه تعالى رفع عنهم تحمل النظر الدقيق والاستدلال الشاق . وثانيها : أنهم لما عاينوا ذلك صار داعيا لهم إلى الثبات على تصديق موسى والإنقياد له وصار ذلك داعيا لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى عليه السلام والإقدام على تكذيب فرعون . وثالثها : أنهم عرفوا أن الأمور بيد الله فإنه لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون ولا شدة أشد مما كانت ببني إسرائيل ، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا والذليل عزيزا ، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا والإقبال بالكلية على خدمة الخالق والتوكل عليه في كل الأمور ، وأما النعم الحاصلة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من ذكر هذه القصة فكثيرة ، أحدها : أنه كالحجة لمحمد صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب لأنه كان معلوما من حال محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان أميا لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط أهل الكتاب فإذا أورد عليهم من أخبارهم المفصلة ما لا يعلم إلا من الكتب علموا أنه أخبر عن الوحي وأنه صادق ، فصار ذلك حجة له عليه السلام على اليهود وحجة لنا في تصديقه . وثانيها : أنا إذا تصورنا ما جرى لهم وعليهم من هذه الأمور العظيمة علمنا أن من خالف الله شقي في الدنيا والآخرة ومن أطاعه فقد سعد في الدنيا والآخرة ، فصار ذلك مرغبا لنا في الطاعة ومنفرا عن المعصية . وثالثها : أن أمة موسى عليه السلام مع أنهم خصوا بهذه المعجزات الظاهرة والبراهين الباهرة ، فقد خالفوا موسى عليه السلام في أمور حتى قالوا : { اجعل لنا إلاها كما لهم ءالهة } ، وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمع أن معجزتهم هي القرآن الذي لا يعرف كونه معجزا إلا بالدلائل الدقيقة انقادوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وما خالفوه في أمر ألبتة ، وهذا يدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من أمة موسى عليه السلام . وبقي على الآية سؤالان :
السؤال الأول : أن فلق البحر في الدلالة على وجود الصانع القادر وفي الدلالة على صدق موسى كالأمر الضروري ، فكيف يجوز فعله في زمان التكليف ؟ والجواب : أما على قولنا فظاهر ، وأما المعتزلة فقد أجاب الكعبي الجواب الكلي بأن في المكلفين من يبعد عن الفطنة والذكاء ويختص بالبلادة وعامة بني إسرائيل كانوا كذلك ، فاحتاجوا في التنبيه إلى معاينة الآيات العظام كفلق البحر ورفع الطور وإحياء الموتى / ألا ترى أنهم بعد ذلك مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا : ( يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) ، وأما العرب فحالهم بخلاف ذلك ، لأنهم كانوا في نهاية الكمال في العقول ، فلا جرم ، اقتصر الله تعالى معهم على الدلائل الدقيقة والمعجزات اللطيفة . السؤال الثاني : أن فرعون لما شاهد فلق البحر وكان عاقلا فلا بد وأن يعلم أن ذلك ما كان من فعله بل لا بد من قادر عالم مخالف لسائر القادرين ، فكيف بقي على الكفر مع ذلك ؟ فإن قلت : إنه كان عارفا بربه إلا أنه كان كافرا على سبيل العناد والجحود . قلت : فإذا عرف ذلك بقلبه فكيف استخار توريط نفسه في المهلكة ودخول البحر مع أنه كان في تلك الساعة كالمضطر / إلى العلم بوجود الصانع وصدق موسى عليه السلام ، والجواب : حب الشيء يعمي ويصم فحبه الجاه والتلبيس حمله على اقتحام تلك المهلكة . وأما قوله تعالى : { وأنتم تنظرون } ففيه وجوه . أحدها : أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه . وثانيها : أن قوم موسى عليه السلام سألوه أن يريهم الله تعالى حالهم فسأل موسى عليه السلام ربه أن يريهم إياهم فلفظهم البحر ألف ألف ومائتي ألف نفس وفرعون معهم ، فنظروا إليهم طافين وإن البحر لم يقبل واحدا منهم لشؤم كفرهم فهو قوله تعالى : { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك ءاية } ( يونس : 92 ) أي نخرجك من مضيق البحر إلى سعة الفضاء ليراك الناس ، وتكون عبرة لهم . وثالثها : أن المراد وأنتم بالقرب منهم حيث توجهونهم وتقابلونهم وإن كانوا لا يرونهم بأبصارهم ، قال الفراء وهو مثل قولك : لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم . ! 7 < { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ثم عفونا عنكم من بعد ذالك لعلكم تشكرون } > 7 < البقرة : ( 51 - 52 ) وإذ واعدنا موسى . . . . . > >
اعلم أن هذا هو الإنعام الثالث . فأما قوله تعالى : { وإذ واعدنا } فقرأ أبو عمرو ويعقوب وإذ وعدنا موسى بغير ألف في هذه السورة وفي الأعراف وطه وقرأ الباقون واعدنا بالألف في المواضع الثلاثة ، فأما بغير ألف فوجهه ظاهر لأن الوعد كان من الله تعالى ، والمواعدة مفاعلة ولا بد من اثنين ، وأما بالألف فله وجوه ، أحدها : أن الوعد وإن كان من الله تعالى فقبوله كان من موسى عليه السلام وقبول الوعد يشبه الوعد ، لأن القابل للوعد لا بد وأن يقول أفعل ذلك ، وثانيها : قال القفال : لا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله ويكون معناه يعاهد الله . وثالثها : أنه أمر جرى بين اثنين فجاز أن يقال واعدنا . ورابعها : وهو الأقوى أن الله تعالى وعده الوحي وهو وعد الله المجيء للميقات إلى الطور ، أما موسى ففيه وجوه ، أحدها : وزنه فعلي والميم فيه أصلية أخذت من ماس يميس إذا تبختر في مشيته وكان موسى عليه السلام كذلك . وثانيها : وزنه مفعل فالميم فيه زائدة وهو من أوسيت الشجرة إذا أخذت ما عليها من الورق وكأنه سمي بذلك لصلعه ، وثالثها : أنها كلمة مركبة من كلمتين بالعبرانية فمو هو الماء بلسانهم ، وسى هو الشجر ، وإنما سمي بذلك لأن أمه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون فألقته في البحر فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون ، فخرجت جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأخذنه / فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه وهو الماء والشجر . واعلم أن الوجهين الأولين فاسدان جدا ، أما الأول : فلأن بني إسرائيل والقبط ما كانوا يتكلمون بلغة العرب فلا يجوز أن يكون مرادهم ذلك ، وأما الثاني : فلأن هذه اللفظة اسم علم واسم العلم لا يفيد معنى في الذات والأقرب هو الوجه الثالث وهو أمر معتاد بين الناس ، فأما نسبه صلى الله عليه وسلم فهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام . أما قوله تعالى : { أربعين ليلة } ففيه أبحاث : البحث الأول : أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل : إن خرجنا من البحر سالمين أتيتكم من عند الله بكتاب بين لكم فيه ما يجب عليكم من الفعل والترك ، فلما جاوز موسى البحر ببني إسرائيل وأغرق الله فرعون قالوا : يا موسى ائتنا بذلك الكتاب الموعود فذهب إلى ربه ووعدهم أربعين ليلة وذلك قوله تعالى : { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة } ( الأعراف : 142 ) واستخلف عليهم هارون ومكث على الطور أربعين ليلة وأنزل الله التوراة عليه في الألواح ، وكانت الألواح من زبرجد فقربه الرب نجيا وكلمه من غير واسطة وأسمعه صرير القلم ، قال أبو العالية وبلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور : البحث الثاني : إنما قال أربعين ليلة لأن الشهور تبدأ من الليالي .
البحث الثالث : قوله تعالى : { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } معناه واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة كقولهم : اليوم أربعون يوما منذ خرج فلان ، أي تمام الأربعين ، والحاصل أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، كما في قوله تعالى : { واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) وأيضا فليس المراد انقضاء أي أربعين كان ، بل أربعين معينا وهو الثلاثون من ذي القعدة والعشر الأول من ذي الحجة لأن موسى عليه السلام كان عالما بأن المراد هو هذه الأربعون / وأيضا فقوله تعالى : { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } يحتمل أن يكون المراد أنه وعد قبل هذه الأربعين أن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين حتى تنزل عليه التوراة ، ويحتمل أن يكون المراد أنه أمر بأن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين ووعد بأنه ستنزل عليه بعد ذلك التوراة ، وهذا الاحتمال الثاني هو المتأيد بالأخبار . البحث الرابع : قوله ههنا : { وإذا واعدنا موسى أربعين ليلة } يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين ، وقوله في الأعراف { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر } يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين فكيف التوفيق بينهما ؟ أجاب الحسن البصري فقال : ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعا ، وهو كقوله : { ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة } ( البقرة : 196 ) . أما قوله تعالى : { ثم اتخذتم العجل من بعده } ففيه أبحاث : / البحث الأول : إنما ذكر لفظه ( ثم ) لأنه تعالى وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين . وأظهر في ذلك درجة موسى عليه السلام وفضيلة بني إسرائيل ليكون ذلك تنبيها للحاضرين على علو درجتهم وتعريفا للغائبين وتكملة للدين ، كان ذلك من أعظم النعم فلما أتوا عقيب ذلك بأقبح أنواع الجهل والكفر كان ذلك في محل التعجب فهو كمن يقول إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا ، ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء . البحث الثاني : قال أهل السير إن الله تعالى لما أغرق فرعون ووعد موسى عليه السلام إنزال التوراة عليه قال موسى لأخيه هارون : { اخلفنى فى قومى وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } ( الأعراف : 142 ) ، فلما ذهب موسى إلى الطور ، وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي الذي استعاروه من القبط قال لهم هارون إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها فجمعوا نارا وأحرقوها ، وكان السامري في مسيره مع موسى عليه السلام في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل عليه السلام حين تقدم على فرعون في دخول البحر فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة ، ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب والفضة وصور منه عجلا وألقى ذلك التراب فيه فخرج منه صوت كأنه الخوار ، فقال للقوم : { هاذا إلاهكم وإلاه موسى } ( طه : 88 ) ، فاتخذه القوم إلها لأنفسهم فهذا ما في الرواية ولقائل أن يقول : الجمع العظيم من العقلاء لا يجوز أن يتفقوا على ما يعلم فساده ببديهة العقل وهذه الحكاية كذلك لوجوه : أحدها : أن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أن الصنم المتخذ من الذهب الذي لا يتحرك ولا يحس ولا يعقل يستحيل أن يكون إله السموات والأرض ، وهب أنه ظهر من خوار ولكن هذا القدر لا يصلح أن يكون شبهة في قلب أحد من العقلاء في كونه إلها ، وثانيها : أن القوم كانوا قد شاهدوا قبل ذلك من المعجزات القاهرة التي تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق موسى عليه السلام ، فمع قوة هذه الدلالة وبلوغها إلى حد الضرورة ومع أن صدور الخوار من ذلك العجل المتخذ من الذهب يستحيل أن يقتضي شبهة في كون ذلك الجسم المصوت إلها . والجواب : هذه الواقعة لا يمكن تصحيحها إلا على وجه واحد ، وهو أن يقال : إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى عليه السلام إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية وكان يقدر بواسطتها على هذه المعجزات ، فقال السامري للقوم : وأنا أتخذ لكم طلسما مثل طلسمه وروح عليهم ذلك بأن جعله بحث خرج منه صوت عجيب فأطمعهم في أن يصيروا مثل موسى عليه السلام في الإتيان بالخوارق / أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام فلذلك وقعوا في تلك الشبهة .
البحث الثالث : هذه القصة فيها فوائد : أحدها : أنها تدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم ، لأن أولئك اليهود مع أنهم شاهدوا تلك البراهين القاهرة اغتروا بهذه الشبهة الركيكة جدا ، وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فانهم مع أنهم محتاجون في معرفة كون القرآن / معجزا إلى الدلائل الدقيقة لم يعتروا بالشبهات القوية العظيمة ، وذلك يدل على أن هذه الأمة خير من أولئك وأكمل عقلا وأزكى خاطرا منهم . وثانيها : أنه عليه الصلاة والسلام ذكر هذه الحكاية مع أنه لم يتعلم علما ، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام استفادها من الوحي . وثالثها : فيه تحذير عظيم من التقليد والجهل بالدلائل فإن أولئك الأقوام لو أنهم عرفوا الله بالدليل معرفة تامة لما وقعوا في شبهة السامري . ورابعها : في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى بالخلاف عليه وكأنه تعالى أمره بالصبر على ذلك كما صبر موسى عليه الصلاة والسلام في هذه الواقعة النكدة فإنهم بعد أن خلصهم الله من فرعون وأراهم المعجزات العجيبة من أول ظهور موسى إلى ذلك الوقت اغتروا بتلك الشبهة الركيكة ، ثم إن موسى عليه السلام صبر على ذلك فلأن يصبر محمد عليه الصلاة والسلام على أذية قومه كان ذلك أولى . وخامسها : أن أشد الناس مجادلة مع الرسول صلى الله عليه وسلم وعداوة له هم اليهود فكأنه تعالى قال : إن هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم ، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد فكيف هؤلاء الأخلاف . أما قوله تعالى : { وأنتم ظالمون } ففيه أبحاث : البحث الأول : في تفسير الظلم وفيه وجهان . الأول : قال أبو مسلم الظلم في أصل اللغة هو النقص ، قال الله تعالى : { كلتا الجنتين اتت أكلها ولم تظلم منه شيئا } ( الكهف : 33 ) ، والمعنى أنهم لما تركوا عبادة الخالق المحيي المميت واشتغلوا بعبادة العجل فقد صاروا ناقصين في خيرات الدين والدنيا . والثاني : أن الظلم في عرف الشرع عبارة عن الضرر الخالي من نفع يزيد عليه ودفع مضرة أعظم منه والاستحقاق عن الغير في علمه أو ظنه ، فإذا كان الفعل بهذه الصفة كان فاعله ظالما ثم إن الرجل إذا فعل ما يؤديه إلى العقاب والنار قيل : إنه ظالم نفسه وإن كان في الحال نفعا ولذة كما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) ، وقال : { فمنهم ظالم لنفسه } ( فاطر : 32 ) ولما كانت عبادتهم لغير الله شركا ( وكان الشرك مؤديا إلى النار سمي ظلما . البحث الثاني : استدلت المعتزلة بقوله : { وأنتم ظالمون } على أن المعاصي ليست بخلق الله تعالى من وجوه ، أحدها : أنه تعالى ذمهم عليها ولو كانت مخلوقة لله تعالى لما استحق الذم إلا من فعلها . وثانيها : أنها لو كانت بإرادة الله تعالى لكانوا مطيعين لله تعالى بفعلها لأن الطاعة عبارة عن فعل المراد . وثالثها : لو كان العصيان مخلوقا لله تعالى لكان الذم بسببه يجري مجرى الذم بسبب كونه أسود وأبيض وطويلا وقصيرا ، والجواب : هذا تمسك بفعل المدح والذم وهو معارض بمسألتي الداعي والعلم ذلك مرارا . البحث الثالث : في الآية تنبيه على أن ضرر الكفر لا يعود إلا عليهم لأنهم ما استفادوا بذلك إلا أنهم ظلموا أنفسهم ، وذلك يدل على أن جلال الله منزه عن الاستكمال بطاعة الاتقياء والانتقاص بمعصية الأشقياء .
/ أما قوله تعالى : { ثم عفونا عنكم من بعد ذالك } فقالت المعتزلة : المراد ثم عفونا عنكم بسبب إتيانكم بالتوبة وهي قتل بعضهم بعضا / وهذا ضعيف من وجهين ، الأول : أن قبول التوبة واجب عقلا فلو كان المراد ذلك لما جاز عده في معرض الأنعام لأن أداء الواجب لا يعد من باب الأنعام والمقصود من هذه الآيات تعديد نعم الله تعالى عليهم . الثاني : أن العفو اسم لإسقاط العقاب المستحق فأما إسقاط ما يجب إسقاطه فذاك لا يسمى عفوا ألا ترى أن الظالم لما لم يجز له تعذيب المظلوم ، فإذا ترك ذلك العذاب لايسمى ذلك الترك عفوا فكذا ههنا ، وإذا ثبت هذا فنقول لا شك في حصول التوبة في هذه الصورة لقوله تعالى : { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } وإذا كان كذلك دلت هذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب عقلا ، وإذا ثبت ذلك ثبت أيضا أنه تعالى قد أسقط عقاب من يجوز عقابه عقلا وشرعا ، وذلك أيضا خلاف قول المعتزلة ، وإذا ثبت أنه تعالى عفا عن كفار قوم موسى فلأن يعفو عن فساق أمة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم : ( خير أمة أخرجت للناس ) كان أولى . أما قوله تعالى : { لعلكم تشكرون } فاعلم أن الكلام في تفسير ( لعل ) قد تقدم في قوله : { لعلكم تتقون } ( الأنعام : 153 ) ( الأعراف : 17 ) ( البقرة : 21 ، 33 ) وأما الكلام في حقيقة الشكر وماهيته فطويل وسيجيء إن شاء الله تعالى ، ثم قالت المعتزلة : إنه تعالى بين أنه إنما عفا عنهم ولم يؤاخذهم لكي يشكروا ، وذلك يدل على أنه تعالى لم يرد منهم إلا الشكر ، والجواب : لو أراد الله تعالى منهم الشكر لأراد ذلك إما بشرط أن يحصل للشاكر داعية الشكر أولا بهذا الشرط فإن كان هذا الشرط من العبد لزم افتقار الداعية إلى داعية أخرى ، وإن كان من الله فحيث خلق الله الداعي حصل الشكر لا محالة وحيث لم يخلق الداعي استحال حصول الشكر ، وذلك ضد قول المعتزلة وإن أراد حصول الشكر منه من غير هذه الداعية فقد أراد منه المحال لأن الفعل بدون الداعي محال فثبت أن الإشكال وارد عليهم أيضا والله أعلم . ! 7 < { وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } > 7 ! < < البقرة : ( 53 ) وإذ آتينا موسى . . . . .
> > اعلم أن هذا هو الإنعام الرابع والمراد من الفرقان يحتمل أن يكون هو التوراة وأن يكون شيئا داخلا في التوراة وأن يكون شيئا خارجا عن التوراة فهذه أقسام ثلاثة لا مزيد عليها وتقرير الاحتمال الأول أن التوراة لها صفتان كونها كتابا منزلا وكونها فرقانا تفرق بين الحق والباطل فهو كقولك : رأيت الغيث والليث تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة ونظيره قوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا } ( الأنبياء : 48 ) وأما تقرير الاحتمال الثاني فهو أن يكون المراد من الفرقان ما في التوراة من بيان الدين لأنه إذا أبان ظهر الحق متميزا من / الباطل ، فالمراد من الفرقان بعض ما في التوراة وهو بيان أصول الدين وفروعه . وأما تقرير الاحتمال الثالث فمن وجوه ، أحدها : أن يكون المراد من الفرقان ما أوتي موسى عليه السلام من اليد والعصا وسائر الآيات وسميت بالفرقان لأنها فرقت بين الحق والباطل . وثانيها : أن يكون المراد من الفرقان النصر والفرج الذي آتاه الله بني إسرائيل على قوم فرعون ، قال تعالى : { وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان } ( الأنفال : 41 ) والمراد النصر الذي آتاه الله يوم بدر ، وذلك لأن قبل ظهور النصر يتوقع كل واحد من الخصمين في أن يكون هو المستولي وصاحبه هو المقهور ، فإذا ظهر النصر تميز الراجح من المرجوح وانفرق الطمع الصادق من الطمع الكاذب ، وثالثها : قال قطرب الفرقان هو انفراق البحر لموسى عليه السلام . فإن قلت : فهذا قد صار مذكورا في قوله تعالى : { وإذا فرقنا بكم البحر } ( البقرة : 50 ) وأيضا فقوله تعالى بعد ذلك : { لعلكم تهتدون } لا يليق إلا بالكتاب لأن ذلك لا يذكر إلا عقيب الهدى . قلت : الجواب عن الأول أنه تعالى لم يبين في قوله تعالى : { وإذ فرقنا بكم البحر } أن ذلك كان لأجل موسى عليه السلام ، وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص ، وعن الثاني أن فرق البحر كان من الدلائل فلعل المراد أنا لما آتينا موسى فرقان البحر استدلوا بذلك على وجود الصانع ، وصدق موسى عليه السلام وذلك هو الهداية وأيضا فالهدى قد يراد به الفوز والنجاة كما يراد به الدلالة ، فكأنه تعالى بين أنه آتاهم الكتاب نعمة في الدين والفرقان الذي حصل به خلاصهم من الخصم نعمة عاجلة . واعلم أن من الناس من غلط فظن أن الفرقان هو القرآن ، وأنه أنزل على موسى عليه السلام وذلك باطل لأن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق والباطل وكل دليل كذلك فلا وجه لتخصيص هذا اللفظ بالقرآن . وقال آخرون : المعنى : { وإذ ءاتينا موسى الكتاب } يعني التوراة وآتينا محمدا صلى الله عليه وسلم الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب . وقد مال إلى هذا القول من علماء النحو الفراء وثعلب وقطرب وهذا تعسف شديد من غير حاجة ألبتة إليه . وأما قوله تعالى : { لعلكم تهتدون } فقد تقدم تفسير لعل وتفسير الاهتداء ، واستدلت المعتزلة بقوله : { لعلكم تهتدون } على أن الله تعالى أراد الاهتداء من الكل وذلك يبطل قول من قال : أراد الكفر من الكافر ، وأيضا فإذا كان عندهم أنه تعالى : يخلق الاهتداء ، فيمن يهتدي والضلال فيمن يضل ، فما الفائدة في أن ينزل الكتاب والفرقان ويقول : { لعلكم تهتدون } ومعلوم أن الاهتداء إذا كان يخلقه ، فلا تأثير لإنزال الكتب فيه لو خلق الاهتداء ولا كتاب لحصل الاهتداء / ولو أنزل بدلا من الكتاب الواحد ألف كتاب ولم يخلق الاهتداء فيهم لما حصل الاهتداء ، فكيف يجوز أن يقول أنزلت الكتاب لكي تهتدوا ؟ واعلم أن هذا الكلام قد تقدم مرارا لا تحصى مع الجواب والله أعلم .
! 7 < { وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذالكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } > 7 ! < < البقرة : ( 54 ) وإذ قال موسى . . . . . > > اعلم أن هذا الإنعام الخامس قال بعض المفسرين : هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم وذلك ، لأنها أمر بالقتل لا يكون نعمة وهذا ضعيف من وجوه ، أحدها : أن الله تعالى نبههم على عظم ذنبهم ، ثم نبههم على ما به يتخلصون عن ذلك الذنب العظيم وذلك من أعظم النعم في الدين ، وإذا كان الله تعالى قد عدد عليهم النعم الدنيوية فبأن يعدد عليهم هذه النعمة الدينية أولى ، ثم إن هذه النعمة وهي كيفية هذه التوبة لما لم يكن وصفها إلا بمقدمة ذكر المعصية كان ذكرها أيضا في تمام النعمة . فصار كل ما تضمنته هذه الآية معدودا في نعم الله فجاز التذكير بها . وثانيها : أن الله تعالى لما أمرهم بالقتل رفع ذلك الأمر عنهم قبل فنائهم بالكلية فكان ذلك نعمة في حق أولئك الباقين . وفي حق الذين كانوا موجودين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، لأنه تعالى لولا أنه رفع القتل عن آبائهم لما وجد أولئك الأبناء فحسن إيراده في معرض الامتنان على الحاضرين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام ، وثالثها : أنه تعالى لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل مع أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان يقول لهم : لا حاجة بكم الآن في التوبة إلى القتل بل إن رجعتم عن كفركم وآمنتم قبل الله إيمانكم منكم فكان بيان التشديد في تلك التوبة تنبيها على الإنعام العظيم بقبول مثل هذه التوبة السهلة الهينة . ورابعها : أن فيه ترغيبا شديدا لأمة محمد صلوات الله وسلامه عليه في التوبة ، فإن أمة موسى عليه السلام لما رغبوا في تلك التوبة مع نهاية مشقتها على النفس فلأن يرغب الواحد منا في التوبة التي هي مجرد الندم كان أولى . ومعلوم أن ترغيب الإنسان فيما هو المصلحة المهمة من أعظم النعم . وأما قوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه } أي واذكروا إذ قال موسى لقومه بعدما رجع من الموعد الذي وعده ربه فرآهم قد اتخذوا العجل يا قوم : { إنكم ظلمتم أنفسكم } وللمفسرين في الظلم قولان : أحدهما : أنكم نقصتم أنفسكم الثواب الواجب بالإقامة على عهد موسى عليه السلام ، والثاني : أن الظلم هو الإصرار الذي ليس بمستحق ولا فيه نفع ولا دفع مضرة لا علما ولا / طبا ، فلما عبدوا العجل كانوا قد أضروا بأنفسهم لأن ما يؤدي إلى ضرر الأبد من أعظم الظلم ، ولذلك قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) لكن هذا الظلم من حقه أن يقيد لئلا يوهم إطلاقه إنه ظلم الغير لأن الأصل في الظلم ما يتعدى ، فلذلك قال : { إنكم ظلمتم أنفسكم } . أما قوله تعالى : { باتخاذكم العجل } ففيه حذف لأنهم لم يظلموا أنفسهم بهذا القدر لأنهم لو اتخذوه ولم يجعلوه إلها لم يكن فعلهم ظلما ، فالمراد باتخاذكم العجل إلها ، لكن لما دلت مقدمة الآية على هذا المحذوف حسن الحذف . أما قوله تعالى : { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } ففيه سؤالات .
السؤال الأول : قوله تعالى : { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } يقتضي كون التوبة مفسرة بقتل النفس كما أن قوله عليه السلام : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ثم يديه ) ، يقتضي أن وضع الطهور مواضعه مفسر بغسل الوجه واليدين ولكن ذلك باطل لأن التوبة عبارة عن الندم على الفعل القبيح الذي مضى والعزم على أن لا يأتي بمثله بعد ذلك وذلك مغاير لقتل النفس وغير مستلزم له فكيف يجوز تفسيره به ؟ والجواب ليس المراد تفسير التوبة بقتل النفس بل بيان أن توبتهم لا تتم ولا تحصل إلا بقتل النفس وإنما كان كذلك لأن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن شرط توبتهم قتل النفس كما أن القاتل عمدا لا تتم توبته إلا بتسليم النفس حتى يرضى أولياء المقتول أو يقتلوه فلا يمتنع أن يكون من شرع موسى عليه السلام أن توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل . إذا ثبت هذا فنقول شرط الشيء قد يطلق عليه اسم ذلك الشيء مجازا كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة أن توبتك ردما غصبت يعني أن توبتك لا تتم إلا به فكذا ههنا . السؤال الثاني : ما معنى قوله تعالى : { فتوبوا إلى بارئكم } والتوبة لا تكون إلا للبارىء ، والجواب : المراد منه النهي عن الرياء في التوبة كأنه قال لهم : لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله الذي هو مطلع على ضميركم ، وإنما تبتم إلى الناس وذلك مما لا فائدة فيه ، فإنكم إذا أذنبتم إلى الله . السؤال الثالث : كيف اختص هذا الموضع بذكر البارىء ؟ والجواب : البارىء هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت : { ما ترى فى خلق الرحمان من تفاوت } ( الملك : 3 ) ومتميزا بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة فكان ذلك تنبيها على أن من كان كذلك فهو أحق بالعبادة من البقر الذي يضرب به المثل في الغباوة . السؤال الرابع : ما الفرق بين الفاء في قوله : { فتوبوا } والفاء في قوله : { فاقتلوا } ؟ الجواب : أن الفاء الأولى للسبب لأن الظلم سبب التوبة والثانية للتعقيب لأن القتل من تمام التوبة فمعنى قوله : { فتوبوا } أي فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم .
السؤال الخامس : ما المراد بقوله : { فاقتلوا أنفسكم } أهو ما يقتضيه ظاهره من أن يقتل كل / واحد نفسه أو المراد غير ذلك ؟ الجواب : اختلف الناس فيه فقال قوم من المفسرين . لا يجوز أن يكون المراد أمر كل واحد من التائبين بقتل نفسه وهو اختيار القاضي عبد الجبار ، واحتجوا عليه بوجهين . الأول : وهو الذي عول عليه أهل التفيسر أن المفسرين أجمعوا على أنهم ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ولو كانوا مأمورين بذلك لصاروا عصاة بترك ذلك ، الثاني : وهو الذي عول عليه القاضي عبد الجبار أن القتل هو نقض البنية التي عندها يجب أن يخرج من أن يكون حيا وما عدا ذلك مما يؤدي إلى أن يموت قريبا أو بعيدا إنما سمي قتلا على طريق المجاز . إذا عرفت حقيقة القتل فنقول : إنه لا يجوز أن يأمر الله تعالى به لأن العبادات الشرعية إنما تحسن لكونها مصالح لذلك المكلف ولا تكون مصلحة إلا في الأمور المستقبلة وليس بعد القتل حال تكليف حتى يكون القتل مصلحة فيه وهذا بخلاف ما يفعله الله تعالى من الإماتة لأن ذلك من فعل الله فيحسن أن يفعله إذا كان صلاحا لمكلف آخر ويعوض ذلك المكلف بالعوض العظيم وبخلاف أن يأمر الله تعالى بأن يجرح نفسه أو يقطع عضوا من أعضائه ولا يحصل الموت عقبه لأنه لما بقي بعد ذلك الفعل حيا لم يمتنع أن يكون ذلك الفعل صلاحا في الأفعال المستقبلة . ولقائل أن يقول : لا نسلم أن القتل اسم للفعل المزهق للروح في الحال بل هو عبارة عن الفعل المؤدي إلى الزهوق إما في الحال أو بعده والدليل عليه أنه لو حلف أن لا يقتل إنسانا فجرحه جراحة عظيمة وبقي بعد تلك الجراحة حيا لحظة واحدة ثم مات فإنه يحنث في يمينه وتسميه كل أهل هذه اللغة قاتلا والأصل في الاستعمال الحقيقة فدل على أن اسم القتل اسم الفعل المؤدي إلى الزهوق سواء أدى إليه في الحال أو بعد ذلك وأنت سلمت جواز ورود الأمر بالجراحة التي لا تستعقب الزهوق في الحال وإذا كان كذلك ثبت جواز أن يراد الأمر بأن يقتل الإنسان نفسه / سلمنا أن القتل اسم الفعل المزهق للروح في الحال فلم لا يجوز ورود الأمر به ؟ قوله : لا بد في ورود الأمر به من مصلحة استقبالية ، قلنا : أولا لا نسلم أنه لا بد فيه من مصلحة ، والدليل عليه أنه أمر من يعلم كفره بالإيمان ولا مصلحة في ذلك إذ لا فائدة من ذلك التكليف إلا حصول العقاب ، سلمنا أنه لا بد من مصلحة ولكن لم قلت إنه لا بد من عود تلك المصلحة إليه ، ولم لا يجوز أن قتله نفسه مصلحة لغيره فالله تعالى أمره بذلك لينتفع به ذلك الغير ، ثم إنه تعالى يوصل العوض العظيم إليه .
سلمنا أنه لا بد من عود المصلحة إليه ، لكن لم لا يجوز أن يقال إن علمه بكونه مأمورا بذلك الفعل مصلحة له ، مثل أنه لما أمر بأن يقتل نفسه غدا فإن علمه بذلك يصير داعيا له إلى ترك القبائح من ذلك الزمان إلى ورود الغد ، وإذا كانت هذه الاحتمالات ممكنة سقط ما قال القاضي ، بل الوجه الأول الذي عول عليه المفسرون أقوى ، وعلى هذا يجب صرف الآية عن ظاهرها ، ثم فيه وجهان ، الأول : أن يقال أمر كل واحد من أولئك التائبين بأن يقتل بعضهم بعضا فقوله : { اقتلوا أنفسكم } معناه ليقتل بعضكم بعضا وهو كقوله في موضع آخر : { ولا تقتلوا أنفسكم } ( النساء : 29 ) ومعناه لا يقتل بعضكم بعضا وتحقيقه أن المؤمنين كالنفس الوحدة ، وقيل / في قوله تعالى : { ولا تلمزوا أنفسكم } ( الحجرات : 11 ) أي إخوانكم من المؤمنين ، وفي قوله : { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا } ( النور : 12 ) أي بأمثالهم من المسلمين ، وكقوله : { فسلموا على أنفسكم } ( النور : 61 ) أي ليسلم بعضكم على بعض . ثم قال المفسرون : أولئك التائبون برزوا صفين فضرب بعضهم بعضا إلى الليل . الوجه الثاني : أن الله تعالى أمر غير أولئك التائبين بقتل أولئك التائبين فيكون المراد من قوله : { اقتلوا أنفسكم } أي استسلموا للقتل ، وهذا الوجه الثاني أقرب لأن في الوجه الأول تزداد المشقة لأن الجماعة إذا اشتركت في الذنب كان بعضهم أشد عطفا على البعض من غيرهم عليهم فإذا كلفوا بأن يقتل بعضهم بعضا عظمت المشقة في ذلك ثم اختلفت الروايات ، فالأول : أنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم ، وكان المقتولون سبعين ألفا فما تحركوا حتى قتلوا على ثلاثة أيام ، وهذا لقول ذكره محمد بن إسحاق . الثاني : أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبروا على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة وأتاهم هارون بالإثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل ألبتة وبأيديهم السيوف ، فقال التائبون : إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا الله واصبروا فلعن الله رجلا قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل يقولون أمين ، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء وقام موسى وهارون عليهما السلام يدعوان الله ويقولان البقية البقية يا إلهنا فأوحى الله تعالى إليهما ، قد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي ، قال : وكان القتلى سبعين ألفا ، هذه رواية الكلبي . الثالث : أن بني إسرائيل كانوا قسمين : منهم من عبد العجل ومنهم من لم يعبده ولكن لم ينكر على من عبده ، فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة ، ثم قال المفسرون : إن الرجل كان يبصر والده وولده وجاره فلم يمكنه المضي لأمر الله فأرسل الله تعالى سحابة سوداء ، ثم أمر بالقتل فقتلوا إلى المساء حتى دعا موسى وهارون عليهما السلام وقالا : يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فانكشفت السحابة ونزلت التوراة وسقطت الشفار من أيديهم .
السؤال السادس : كيف استحقوا القتل وهم قد تابوا من الردة والتائب من الردة لا يقتل ؟ الجواب : ذلك مما يختلف بالشرائع فلعل شرع موسى عليه السلام كان يقتضي قتل التائب عن الردة إما عاما في حق الكل أو كان خاصا بذلك القوم . السؤال السابع : هل يصح ما روي أن منهم من لم يقتل ممن قبل الله توبته ؟ الجواب : لا يمتنع ذلك لأن قوله تعالى : { إنكم ظلمتم أنفسكم } خطاب مشافهة فلعله كان مع البعض أو إنه كان عاما فالعام قد يتطرق إليه التخصيص . أما قوله تعالى : { ذالكم خير لكم عند بارئكم } ففيه تنبيه على ما لأجله يمكن تحمل هذه المشقة وذلك لأن حالتهم كانت دائرة بين ضرر الدنيا وضرر الآخرة ، والأول أولى بالتحمل لأنه / متناه ، وضرر الآخرة غير متناه ، ولأن الموت لا بد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقدم والتأخير ، وأما الخلاص من العقاب والفوز بالثواب فذاك هو الغرض الأعظم . أما قوله تعالى : { فتاب عليكم } ففيه محذوف تم فيه وجهان : أحدهما : أن يقدر من قول موسى عليه السلام كأنه قال : فإن فعلتم فقد تاب عليكم ، والآخر : أن يكون خطابا من الله لهم على طريقة الالتفات فيكون التقدير ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم . وأما معنى قوله تعالى : { فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } ، فقد تقدم في قوله : { فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } . ! 7 < { وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون } > 7 < البقرة : ( 55 - 56 ) وإذ قلتم يا . . . . . > > اعلم أن هذا هو الإنعام السادس ، بيانه من وجوه ، أحدها : كأنه تعالى قال : اذكروا نعمتي حين قلتم لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ثم أحييتكم لتتوبوا عن بغيكم وتتخلصوا عن العقاب وتفوزوا بالثواب ، وثانيها : أن فيها تحذيرا لمن كان في زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك . وثالثها : تشبيههم في جحودهم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بأسلافهم في جحود نبوة موسى عليه السلام مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات الظاهرة وتنبيها على أنه تعالى إنما لا يظهر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها ولو جحدوها لاستحقوا العقاب مثل ما استحقه أسلافهم ، ورابعها : فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما كان يلاقي منهم وتثبيت لقلبه على الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل . وخامسها : فيه إزالة شبهة من يقول : إن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب لما أنهم عرفوا خبره ، وذلك لأنه تعالى بين أن أسلافهم مع مشاهدتهم تلك الآيات الباهرة على نبوة موسى عليه السلام كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه ويخالفونه فلا يتعجب من مخالفتهم لمحمد عليه الصلاة والسلام وإن وجدوا في كتبهم الأخبار عن نبوته . وسادسها : لما أخبر محمد عليه الصلاة والسلام عن هذه القصص مع أنه كان أميا لم يشتغل بالتعلم ألبتة وجب أن يكون ذلك عن الوحي .
البحث الثاني : للمفسرين في هذه الواقعة قولان ، الأول : أن هذه الواقعة كانت بعد أن كلف الله عبدة العجل بالقتل ، قال محمد بن اسحاق : لما رجع موسى عليه السلام من الطور إلى قومه / فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال . وحرق العجل وألقاه في البحر ، اختار من قومه سبعين رجلا من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى : سل ربك حتى يسمعنا كلامه ، فسأل موسى عليه السلام ذلك فأجابه الله إليه ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم : ادخلوا وعوا ، وكان موسى عليه السلام متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه ، وسمع القوم كلام الله مع موسى عليه السلام يقول له : افعل ولا تفعل ، فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعا وقام موسى رافعا يديه إلى السماء يدعو ويقول : يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودي بقبول توبتهم ، فارجع إليهم وليس معي منهم واحد ، فما الذي يقولون في ، فلم يزل موسى مشتغلا بالدعاء حتى رد الله إليهم أرواحهم وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال : لا إلا أن يقتلوا أنفسهم . القول الثاني : أن هذه الواقعة كانت بعد القتل ، قال السدي : لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم أمر الله تعالى أن يأتيهم موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل ، فاختار موسى سبعين رجلا ، فلما أتوا الطور قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة وماتوا فقام موسى يبكي ويقول : يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل ، فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بقيتهم هؤلاء / فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي منهم أحد فماذا أقول لهم ؟ فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلها فقال موسى : { إن هى إلا فتنتك } ( الأعراف : 155 ) إلى قوله : { إنا هدنا إليك } ( الأعراف : 56 ) ثم إنه تعالى أحياهم فقاموا ونظر كل واحد منهم إلى الآخر كيف يحييه الله تعالى ، فقالوا : يا موسى إنك لا تسأل الله شيئا إلا أعطاك فادعه يجعلنا أنبياء ، فدعاه بذلك فأجاب الله دعوته . واعلم أنه ليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر وكذلك ليس فيها ما يدل على أن الذين سألوا الرؤية هم الذين عبدوا العجل أو غيرهم . أما قوله تعالى : { لن نؤمن لك } فمعناه لا نصدقك ولا نعترف بنبوتك حتى نرى الله جهرة ( أي ) عيانا . قال صاحب الكشاف : وهي مصدر من قولك : جهرت بالقراءة وبالدعاء كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية والذي يرى بالقب مخافت بها وانتصار بها على المصدر لأنها نوع من الرؤية ، فنصبت بفعلها كما ينصب القرفصاء بفعل الجلوس أو على الحال بمعنى ذوي جهرة وقرىء جهرة بفتح الهاء وهي إما مصدر كالغلبة وإما جمع جاهر ، وقال القفال أصل الجهرة من الظهور يقال جهرت الشيء ( إذا ) كشفته وجهرت البئر إذا كان ماؤها مغطى بالطين فنقيته حتى ظهر ماؤه ويقال صوت جهير ورجل جهوري الصوت ، إذا كان صوته عاليا ، ويقال : وجه جهير إذا كان ظاهر الوضاءة ، وإنما قالوا : جهرة تأكيدا لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على ( نحو ) ما يراد النائم . / أما قوله تعالى : { فأخذتكم الصاعقة } ففيه أبحاث :
Preguntas
- ¿Qué es el tawhid, la creencia islámica en la unicidad de Dios?
- ¿Cuáles son los seis pilares de la fe (iman) en el islam?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?