Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
! 7 < { كلا بل تكذبون بالدين } . > 7 ! قوله تعالى : { كلا بل تكذبون بالدين } < < الإنفطار : ( 9 ) كلا بل تكذبون . . . . . > > اعلم أنه سبحانه لما بين بالدلائل العقلية على صحة القول / بالبعث والنشور على الجملة ، فرع عليها شرح تفاصيل الأحوال المتعلقة بذلك ، وهو أنواع : النوع الأول : أنه سبحانه زجرهم عن ذلك الاغترار بقوله : { كلا } و { بل } حرف وضع في اللغة لنفي شيء قد تقدم وتحقق غيره ، فلا جرم ذكروا في تفسير { كلا } وجوها الأول : قال القاضي : معناه أنكم لا تستقيمون على توجيه نعمي عليكم وإر لكم ، بل تكذبون بيوم الدين الثاني : كلا أي ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله ، ثم كأنه قال : وإنكم لا ترتدعون عن ذلك بل تكذبون بالدين أصلا الثالث : قال القفال : كلا أي ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث ولا نشور ، لأن ذلك يوجب أن الله تعالى خلق الخلق عبثا وسدى ، وحاشاه من ذلك ، ثم كأنه قال : وإنكم لا تنتفعون بهذا البيان بل تكذبون ، وفي قوله : { تكذبون بالدين } وجهان الأول : أن يكون المراد من الدين الإسلام ، والمعنى أنكم تكذبون بالجزاء على الدين والإسلام الثاني : أن يكون المراد من الدين الحساب ، والمعنى أنكم تكذبون بيوم الحساب . ! 7 < { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون } . > 7 ! النوع الثاني : قوله تعالى : { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون } . < < الإنفطار : ( 10 ) وإن عليكم لحافظين > > والمعنى التعجب من حالهم ، كأنه سبحانه قال : إنكم تكذبون بيوم الدين وهو يوم الحساب والجزاء ، وملائكة الله موكلون بكم يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة ، ونظيره قوله تعالى : { عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ( ق : 18 , 17 ) وقوله تعالى : { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة } ( الأنعام : 61 ) ثم ههنا مباحث :
الأول : من الناس من طعن في حضور الكرام الكاتبين من وجوه : أحدها : أن هؤلاء الملائكة ، إما أن يكونوا مركبين من الأجسام اللطيفة كالهواء والنسيم والنار ، أو من الأجسام الغليظة ، فإن كان الأول لزم أن تنتقض بنيتهم بأدنى سبب من هبوب الرياح الشديدة وإمرار اليد والكم والسوط في الهواء ، وإن كان الثاني وجب أن نراهم إذ لو جاز أن يكونوا حاضرين ولا نراهم ، لجاز أن يكون بحضرتنا شموس وأقمار وفيلات وبوقات ، ونحن لا نراها ولا نسمعها وذلك دخول في التجاهل ، وكذا القول في إنكار صحائفهم وذواتهم وقلمهم وثانيها : أن هذا الاستكتاب إن كان خاليا عن الفوائد فهو عبث وذلك غير جائز على الله تعالى ، وإن كان فيه فائدة فتلك الفائدة ، إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى أو إلى العبد والأول : محال لأنه متعال عن النفع والضر ، وبهذا يظهر بطلان قول من يقول : إنه تعالى إنما استكتبها خوفا من النسيان الغلط والثاني : أيضا محال ، لأن أقصى ما في الباب أن يقال : فائدة هذا الاستكتاب أن يكونوا شهداء على الناس وحجة عليهم يوم القيامة إلا أن هذه الفائدة ضعيفة ، لأن الإنسان الذي علم أن الله تعالى لا يجور ولا يظلم ، لا يحتاج في حقه إلى إثبات هذه الحجة ، والذي لا يعلم ذلك لا ينتفع بهذه الحجة لاحتمال / أنه تعالى أمرهم بأن يكتبوا تلك الأشياء عليه ظلما وثالثها : أن أفعال القلوب غير مرئية ولا محسوسة فتكون هي من باب المغيبات ، والغيب لا يعلمه إلا الله تعالى على ما قال : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ( الأنعام : 59 ) وإذا لم تكن هذه الأفعال معلومة للملائكة استحال أن يكتبوها والآية تقضي أن يكونوا كاتبين علينا كل ما نفعله ، سواء كان ذلك من أفعال القلوب أم لا ؟ والجواب : عن الأول : أن هذه الشبهة لا تزال إلا على مذهبنا بناء على أصلين أحدهما : أن البنية ليست شرطا للحياة عندنا والثاني : أي عند سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول سائر الشرائط لا يجب الإدراك ، فعلى الأصل الأول يجوز أن تكون الملائكة أجراما لطيفة تتمزق وتتفرق ولكن تبقى حياتها مع ذلك ، وعلى الأصل الثاني يجوز أن يكونوا أجساما كثيفة لكنا لا نراها والجواب : عن الثاني أن الله تعالى إنما أجرى أموره مع عباده على ما يتعاملون به فيما بينهم لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم ، ولما كان الأبلغ عندهم في المحاسبة إخراج كتاب بشهود خوطبوا بمثل هذا فيما يحاسبون به يوم القيامة ، فيخرج لهم كتب منشورة ، ويحضر هناك ملائكة يشهدون عليهم كما يشهد عدول السلطان على من يعصيه ويخالف أمره ، فيقولون له : أعطاك الملك كذا وكذا ، وفعل بك كذا وكذا ، ثم قد خلفته وفعلت كذا وكذا ، فكذا ههنا والله أعلم بحقيقة ذلك الجواب : عن الثالث أن غاية ما في الباب تخصيص هذا العموم بأفعال الجوارح ، وذلك غير ممتنع . البحث الثاني : أن قوله تعالى : { وإن عليكم لحافظين } وإن كان خطاب مشافهة إلا أن الأمة مجمعة على أن هذا الحكم عام في حق كل المكلفين ، ثم ههنا احتمالان : أحدهما : أن يكون هناك جمع من الحافظين ، وذلك الجمع يكونون حافظين لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم . وثانيهما : أن يكون الموكل بكل واحد منهم غير الموكل بالآخرة ، ثم يحتمل أن يكون الموكل بكل واحد من بني آدم واحدا من الملائكة لأنه تعالى قابل الجمع بالجمع ، وذلك يقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم جمعا من الملائكة كما قيل : إثنان بالليل ، وإثنان بالنهار ، أو كما قيل : إنهم خمسة .
البحث الثالث : أنه تعالى وصف هؤلاء الملائكة بصفات أولها : كونهم حافظين وثانيها : كونهم كراما وثالثها : كونهم كاتبين ورابعها : كونهم يعلمون ما تفعلون ، وفيه وجهان أحدهما : أنهم يعلمون تلك الأفعال حتى يمكنهم أن يكتبوها ، وهذا تنبيه على أن الإنسان لا يجوز له الشهادة إلا بعد العلم والثاني : أنهم يكتبونها حتى يكونوا عالمين بها عند أداء الشهادة . واعلم أن وصف الله إياهم بهذه الصفات الخمسة يدل على أنه تعالى أثنى عليهم وعظم شأنهم ، وفي تعظيمهم تعظيم لأمر الجزاء ، وأنه عند الله تعالى من جلائل الأمور ، ولولا ذلك لما وكل / بضبط ما يحاسب عليه ، هؤلاء العظماء الأكابر ، قال أبو عثمان : من يزجره من المعاصي مراقبة الله إياه ، كيف يرده عنها كتابة الكرام الكاتبين . ! 7 < { إن الا برار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغآئبين } . > 7 ! النوع الثالث : من تفاريع مسألة الحشر قوله تعالى : { إن الابرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم يصلونها يوم الدين وهم عنهم بغائبين } . < < الإنفطار : ( 13 ) إن الأبرار لفي . . . . . > > اعلم أن الله تعالى لما وصف الكرام الكاتبين لأعمال العباد ذكر أحوال العاملين فقال : { إن الابرار لفى نعيم } وهو نعيم الجنة { وإن الفجار لفى جحيم } وهو النار ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : أن القاطعين بوعيد أصحاب الكبائر تمسكوا بهذه الآية ، فقالوا : صاحب الكبيرة فاجر ، والفجار كلهم في الجحيم ، لأن لفظ الجحيم إذا دخل عليه الألف واللام أفاد الاستغراق والكلام في هذه المسألة قد استقصيناه في سورة البقرة ، وههنا نكت زائدة لا بد من ذكرها : قالت الوعيدية حصلت في هذه الآية وجوه دالة على دوام الوعيد أحدها : قوله تعالى : { يصلونها يوم الدين } ويوم الدين يوم الجزاء ولا وقت إلا ويدخل فيه ، كما تقول يوم الدنيا ويوم الآخرة الثاني : قال الجبائي : لو خصصنا قوله : { وإن الفجار لفى جحيم } لكان بعض الفجار يصيرون إلى الجنة ولو صاروا إليها لكانوا من الأبرار وهذا يقتضي أن لا يتميز الفجار عن الأبرار ، وذلك باطل لأن الله تعالى ميز بين الأمرين ، فإذن يجب أن لا يدخل الفجار الجنة كما لا يدخل الأبرار النار والثالث : أنه تعالى قال : { وما هم عنها بغائبين } وهو كقوله : { وما هم بخارجين منها } ( المائدة : 37 ) وإذا لم يكن هناك موت ولا غيبة فليس بعدهما إلا الخلود في النار أبد الآبدين ، ولما كان اسم الفاجر يتناول الكافر والمسلم صاحب الكبيرة ثبت بقاء أصحاب الكبائر أبدا في النار ، وثبت أن الشفاعة للمطيعين لا لأهل الكبائر والجواب عنه : أنا بينا أن دلالة ألفاظ العموم على الاستغراق دلالة ظنية ضعيفة والمسألة قطعية . والتمسك بالدليل الظني في المطلوب القطعي غير جائز ، بل ههنا ما يدل على قولنا : لأن استعمال الجمع المعرف بالألف واللام في المعهود السابق شائع في اللغة ، فيحتمل أن يكون اللفظ ههنا عائدا إلى الكافرين الذين تقدم ذكرهم من المكذبين بيوم الدين ، والكلام في ذلك قد تقدم على سبيل الاستقصاء ، سلمنا أن العموم يفيد القطع ، لكن لا نسلم أن صاحب الكبيرة فاجر ، والدليل عليه قوله تعالى في حق الكفار : { أولئك هم الكفرة الفجرة } ( عبس : 42 ) فلا يخلو إما أن يكون المراد { أولئك هم الكفرة } الذين يكونون من جنس الفجرة أو المراد { أولئك هم الكفرة } وهم { الفجرة } والأول : باطل لأن كل كافر فهو فاجر بالإجماع ، فتقييد الكافر بالكافر / الذي يكون من جنس الفجرة عبث ، وإذا بطل هذا القسم بقي الثاني ، وذلك يفيد الحصر ، وإذا دلت هذه الآية على أن الكفار هم الفجرة لا غيرهم ، ثبت أن صاحب الكبيرة ليس بفاجر على الإطلاق ، سلمنا إن الفجار يدخل تحته الكافر والمسلم ، لكن قوله : { وما هم عنها بغائبين } معناه أن مجموع الفجار لا يكونون غائبين ، ونحن نقول بموجبه : فإن أحد نوعي الفجار وهم الكفار لا يغيبون ، وإذا كان كذلك ثبت أن صدق قولنا إن الفجار بأسرهم لا يغيبون ، يكفي فيه أن لا يغيب الكفار ، فلا حاجة في صدقه إلى أن لا يغيب المسلمون ، سلمنا ذلك لكن قوله : { وما هم عنها بغائبين } يقتضي كونهم في الحال في الجحيم وذلك كذب / فلا بد من صرفه عن الظاهر ، فهم يحملونه على أنهم بعد الدخول في الجحيم يصدق عليهم قوله : { وما هم عنها بغائبين } ونحن نحمل ذلك على أنهم في الحال ليسوا غائبين عن استحقاق الكون في الجحيم ، إلا أن ثبوت الاستحقاق لا ينافي العفو ، سلمنا ذلك لكنه معارض بالدلائل الدالة على العفو وعلى ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر ، والترجيح لهذا الجانب ، لأن دليلهم لا بد وأن يتناول جميع الفجار في جميع الأوقات ، وإلا لم يحصل مقصودهم ، ودليلنا يكفي في صحته تناوله لبعض الفجار في بعض الأوقات ، فدليلهم لا بد وأن يكون عاما ، ودليلنا لا بد وأن يكون خاصا والخاص مقدم على العام ، والله أعلم .
المسألة الثانية : فيه تهديد عظيم للعصاة حكي أن سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة ، فقال لأبي حازم : كيف القدوم على الله غدا ؟ قال : أما المحسن فكالغائب يقدم من سفره على أهله ، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه ، قال : فبكى ، ثم قال : ليت شعري ما لنا عند الله فقال أبو حازم : أعرض عملك على كتاب الله ، قال : في أي مكان من كتاب الله ؟ قال : { إن الابرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم } وقال جعفر الصادق عليه السلام : النعيم المعرفة والمشاهدة ، والجحيم ظلمات الشهوات وقال بعضهم : النعيم القناعة ، والجحيم الطمع ، وقيل : النعيم التوكل ، والجحيم الحرص ، وقيل : النعيم الاشتغال بالله ، والجحيم الاشتغال بغير الله تعالى . ! 7 < { ومآ أدراك ما يوم الدين ثم مآ أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والا مر يومئذ لله } . > 7 ! النوع الرابع : من تفاريع الحشر تعظيم يوم القيامة ، وهو قوله تعالى : { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله } < < الإنفطار : ( 17 ) وما أدراك ما . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في الخطاب في قوله : { وما أدراك } فقال بعضهم : هو خطاب للكافر على وجه الزجر له ، وقال الأكثرون : إنه خطاب للرسول ، وإنما خاطبه بذلك لأنه ما كان عالما بذلك قبل الوحي . / المسألة الثانية : الجمهور على أن التكرير في قوله : { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين } لتعظيم ذلك اليوم ، وقال الجبائي : بل هو لفائدة مجددة ، إذ المراد بالأول أهل النار ، والمراد بالثاني أهل الجنة ، كأنه قال : وما أدراك ما يعامل به الفجار في يوم الدين ؟ ثم ما أدراك ما يعامل به الأبرار في يوم الدين ؟ وكرر يوم الدين تعظيما لما يفعله تعالى من الأمرين بهذين الفريقين . المسألة الثالثة : في : { يوم لا تملك } قراءتان الرفع والنصب ، أما الرفع ففيه وجهان أحدهما : على البدل من يوم الدين والثاني : أن يكون بإضمار هو فيكون المعنى هو يوم لا تملك ، وأما النصب ففيه وجوه أحدها : بإضمار يدانون لأن الدين يدل عليه وثانيها : بإضمار اذكروا وثالثها : ما ذكره الزجاج يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه يبنى على الفتح لإضافته إلى قوله : { لا تملك } وما أضيف إلى غير المتمكن قد يبنى على الفتح ، وإن كان في موضع رفع أو جر كما قال : لم يمنع الشرب منهم غير أن نطقت حمامة في غصون ذات أو قال
فبنى غير على الفتح لما أضيف إلى قوله إن نطقت ، قال الواحدي : والذي ذكره الزجاج من البناء على الفتح إنما يجوز عند الخليل وسيبويه ، إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي ، نحو قولك على حين عاتبت ، أما مع الفعل المستقبل ، فلا يجوز البناء عندهم ، ويجوز ذلك في قول الكوفيين ، وقد ذكرنا هذه المسألة عند قوله : { هاذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } ( المائدة : 119 ) ورابعها : ما ذكره أبو علي وهو أن اليوم لما جرا في أكثر الأمر ظرفا ترك على حالة الأكثرية ، والدليل عليه إجماع القراء والعرب في قوله : { منهم الصالحون ومنهم دون ذالك } ( الأعراف : 168 ) ولا يرفع ذلك أحد . ومما يقوي النصب قوله : { وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس } ( القارعة : 4 , 3 ) وقوله : { يسئلون أيان يوم الدين يوم هم على النار يفتنون } ( الذاريات : 13 , 12 ) فالنصب في { يوم لا تملك } مثل هذا . المسألة الرابعة : تمسكوا في نفي الشفاعة للعصاة بقوله : { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } وهو كقوله تعالى : { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا } ( البقرة : 48 ) والجواب : عنه قد تقدم في سورة البقرة . المسألة الخامسة : أن أهل الدنيا كانوا يتغلبون على الملك ويعين بعضهم بعضا في أمور ، ويحمي بعضهم بعضا ، فإذا كان يوم القيامة بطل ملك بنى الدنيا وزالت رياستهم ، فلا يحمي أحد أحدا ، ولا يغني أحد عن أحد ، ولا يتغلب أحد على ملك ، ونظيره قوله : { والامر يومئذ لله } وقوله : { مالك يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ) وهو وعيد عظيم من حيث إنه عرفهم أنه لا يغني عنهم إلا البر والطاعة يومئذ دون سائر ما كان قد يغني عنهم في الدنيا من مال وولد وأعوان وشفعاء . قال الواحدي : والمعنى أن الله تعالى لم يملك في ذلك اليوم أحدا شيئا من الأمور ، كما ملكهم في دار الدنيا . قال الواسطي : في قوله : { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } إشارة إلى فناء غير الله تعالى ، وهناك تذهب الرسالات والكلمات والغايات ، فمن كانت صفته في الدنيا كذلك كانت دنياه أخراه . وأما قوله : { والامر يومئذ لله } فهو إشارة إلى أن البقاء والوجود لله ، والأمر كذلك في الأزل وفي اليوم وفي الآخرة ، ولم يتغير من حال إلى حال ، فالتفاوت عائد إلى أحوال الناظر ، لا إلى أحوال المنظور إليه ، فالكاملون لا تتفاوت أحوالهم بحسب تفاوت الأوقات ، كما قال : لو كشف / الغطاء ما ازددت يقينا ، وكحارثة لما أخبر بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( كأني أنظر وكأني وكأني ) والله سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد لله رب العالمين . < > 1 ( سورة المطففين ) 1 < > ثلاثون وست آيات مكية ! 7 < { ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون } . > 7 ! { ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون } . / < < المطففين : ( 1 ) ويل للمطففين
> > اعلم أن اتصال أول هذه السورة بآخر السورة المتقدمة ظاهر ، لأنه تعالى بين في آخر تلك السورة أن يوم القيامة يوم من صفته أنه لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر كله لله وذلك يقتضي تهديدا عظيما للعصاة ، فلهذا أتبعه بقوله : { ويل للمطففين } والمراد الزجر عن التطفيف ، وهو البخس في المكيال والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية ، وذلك لأن الكثير يظهر فيمنع منه ، وذلك القليل إن ظهر أيضا منع منه ، فعلمنا أن التطيف هو البخس في المكيال والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية ، وههنا مسائل : المسألة الأول : الويل ، كلمة تذكر عند وقوع البلاء ، يقال : ويل لك ، وويل عليك . المسألة الثانية : في اشتقاق لفظ المطفف قولان الأول : أن طف الشيء هو جانبه وحرفه ، يقال : طف الوادي والإناء ، إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه ولم يمتلىء فهو طفافه وطفافه وطففه ، ويقال : هذا طف المكيال وطفافه ، إذا قارب ملأه لكنه بعد لم يمتلىء ، ولهذا قيل : الذي يسيء الكيل ولا يوفيه مطفف ، يعني أنه إنما يبلغ الطفاف والثاني : وهو قول الزجاج : أنه إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف ، لأنه يكون الذي لا يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف ، وههنا سؤالات : الأول : وهو أن الاكتيال الأخذ بالكيل ، كالاتزان الأخذ بالوزن ، ثم إن اللغة المعتادة أن يقال : اكتلت من فلان ، ولا يقال : اكتلت على فلان ، فما الوجه فيه ههنا ؟ . الجواب : من وجهين الأول : لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا فيه إضرار بهم وتحامل عليهم ، أقيم على مقام من الدالة على ذلك الثاني : قال الفراء : المراد اكتالوا من الناس ، وعلى ومن / في هذا الموضع يعتقبان لأنه حق عليه ، فإذا قال اكتلت عليك ، فكأنه قال أخذت ما عليك ، وإذا قال اكتلت منك ، فهو كقوله استوفيت منك . السؤال الثاني : هو أن اللغة المعتادة أن يقال كالوا لهم ، أو وزنوا لهم ، ولا يقال كلته ووزنته فما وجه قوله تعالى : { وإذا كالوهم أو وزنوهم } ؟ والجواب من وجوه : الأول : أن المراد من قوله ( كالوهم أو وزنوهم ) كالوا لهم أو وزنوا لهم ، فحذف الجار وأوصل الفعل . قال الكسائي والفراء : وهذا من كلام أهل الحجاز ، ومن جاورهم يقولون : زنى كذا ، كلى كذا ، ويقولون صدتك وصدت لك ، وكسبتك وكسبت لك ، فعلى هذا الكناية في كالوهم ووزنوهم في موضع نصب الثاني : أن يكون على حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، والتقدير : وإذا كالوا مكيلهم ، أو وزنوا موزونهم الثالث : يروى عن عيسى بن عمر ، وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين توكيدا لما في كالوا ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا ، وزعم الفراء والزجاج أنه غير جائز ، لأنه لو كان بمعنى كالوهم لكان في المصحف ألف مثبتة قبل هم ، واعترض صاحب ( الكشاف ) على هذه الحجة ، فقال إن خط المصحف لم يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الحظ والجواب أن إثبات هذه الألف لو لم يكن معتادا في زمان الصحابة فكان يجب إثباتها في سائر الأعصار ، لما أنا نعلم مبالغتهم في ذلك ، فثبت أن إثبات هذه الألف كان معتادا في زمان الصحابة فكان يجب إثباته ههنا . السؤال الثالث : ما السبب في أنه قال : { ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا } ولم يقل إذا انزنوا / ثم قال : { وإذا كالوهم أو وزنوهم } فجمع بينهما ؟ أن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع فأحدهما يدل على الآخر
السؤال الرابع : اللغة المعتادة أن يقال خسرته ، فما الوجه في أخسرته ؟ الجواب قال الزجاج : أخسرت الميزان وخسرته سواء أي نقصته ، وعن المؤرج يخسرون ينقصون بلغة قريش . المسألة الثالثة : عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما قدم نبي الله المدينة كانوا من أبخس الناس كيلا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فأحسنوا الكيل بعد ذلك ، وقيل كان أهل المدينة تجارا يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة ، فنزلت هذه الآية ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم ، وقال ( خمس بخمس ) قيل يا رسول الله ، وما خمس بخمس ؟ قال ما نقص قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم ، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر ، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم المطر ) . المسألة الرابعة : الذم إنما لحقهم بمجموع أنهم يأخذون زائدا ، ويدفعون ناقصا ، ثم اختلف العلماء ، فقال بعضهم : هذه الآية دالة على الوعيد ، فلا تتناول إلا إذا بلغ التطفيف حد الكثير ، وهو نصاب السرقة ، وقال آخرون بل ما يصغر ويكبر دخل تحت الوعيد ، لكن بشرط / أن لا يكون معه توبة ولا طاعة أعظم منها ، وهذا هو الأصح . المسألة الخامسة : احتج أصحاب الوعيد بعموم هذه الآية ، قالوا : وهذه الآية واردة في أهل الصلاة لا في الكفار ، والذي يدل عليه وجهان الأول : أنه لو كان كافرا لكان ذلك الكفر أولى باقتضاء هذا الويل من التطفيف ، فلم يكن حينئذ للتطفيف أثر في هذا الويل ، لكن الآية دالة على أن الموجب لهذا الويل هو التطفيف الثاني : أنه تعالى قال : للمخاطبين بهذه الآية : { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } ( المطففين : 5 , 4 ) فكأنه تعالى هدد المطففين بعذاب يوم القيامة ، والتهديد بهذا لا يحصل إلا مع المؤمن ، فثبت بهذين الوجهين أن هذا الوعيد مختص بأهل الصلاة والجواب : عنه ما تقدم مرارا ، ومن لواحق هذه المسألة أن هذا الوعيد يتناول من يفعل ذلك ومن يعزم عليه إذ العزم عليه أيضا من الكبائر . واعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم ، وذلك لأن عامة الخلق يحتاجون إلى المعاملات وهي مبنية على أمر المكيال والميزان ، فلهذا السبب عظم الله أمره فقال : { والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا فى الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان } ( الرحمن : 9 , 7 ) وقال : { ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } ( الحديد : 25 ) وعن قتادة : ( أوف يا ابن آدم الكيل كما تحب أن يوفي لك ، واعدل كما تحب أن يعدل لك ) وعن الفضيل : بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة ، وقال أعرابي لعبد الملك بن مروان : قد سمعت ما قال الله تعالى في المطففينا أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم في أخذ القليل ، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ الكثير ، وتأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن . ! 7 < { ألا يظن أولائك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين } . > 7 ! < < المطففين : ( 4 ) ألا يظن أولئك . . . . .
> > اعلم أنه تعالى وبخ هؤلاء المطففين فقال : { ألا يظن أولئك } الذين يطففون { أنهم مبعوثون ليوم عظيم } وهو يوم القيامة ، وفي الظن ههنا قولان : الأول : أن المراد منه العلم ، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يكون المخاطبون بهذا الخطاب من جملة المصدقين بالبعث ، ويحتمل أن لا يكونوا كذلك أما الاحتمال الأول : فهو ما روي أن المسلمين من أهل المدينة وهم الأوس والخزرج كانوا كذلك ، وحين ورد النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك شائعا فيهم ، وكانوا مصدقين بالبعث والنشور ، فلا جرم ذكروا به ، وأما إن قلنا : بأن المخاطبين بهذه الآية ما كانوا مؤمنين بالبعث إلا أنهم كانوا متمكنين من الاستدلال عليه ، لما في العقول من إيصال الجزاء إلى المحسن والمسيء ، أو / إمكان ذلك إن لم يثبت وجوبه ، وهذا مما يجوز أن يخاطب به من ينكر البعث ، والمعنى ألا يتفكرون حتى يعلموا أنهم مبعوثون ، لكنهم قد أعرضوا عن التفكر ، وأراحوا أنفسهم عن متاعبه ومشاقه ، وإنما يجعل العلم الاستدلال ظنا ، لأن أكثر العلوم الاستدلالية راجع إلى الأغلب في الرأي ، ولم يكن كالشك الذي يعتدل الوجهان فيه لا جرم سمي ذلك ظنا القول الثاني : أن المراد من الظن ههنا هو الظن نفسه لا العلم ، ويكون المعنى أن هؤلاء المطففين هب أنهم لا يجزمون بالبعث ولكن لا أقل من الظن ، فإن الأليق بحكمة الله ورحمته ورعايته مصالح خلقه أن لا يهمل أمرهم بعد الموت بالكلية ، وأن يكون لهم حشر ونشر ، وأن هذا الظن كاف في حصول الخوف ، كأنه سبحانه وتعالى يقول : هب أن هؤلاء لا يقطعون به أفلا يظنونه أيضا ، فأما قوله تعالى : { يوم يقوم الناس لرب العالمين } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء { يوم } بالنصب والجر ، أما النصب فقال الزجاج : يوم منصوب بقوله { مبعوثون } والمعنى ألا يظنون أنهم يبعثون يوم القيامة ، وقال الفراء : وقد يكون في موضع خفض إلا أنه أضيف إلى يفعل فنصب ، وهذا كما ذكرنا في قوله : { يوم لا تملك } وأما الجر فلكونه بدلا من { يوم عظيم } . المسألة الثانية : هذا القيام له صفات : الصفة الأولى : سببه وفيه وجوه أحدها : وهو الأصح أن الناس يقومون لمحاسبة رب العالمين ، فيظهر هناك هذا التطفيف الذي يظن أنه حقير ، فيعرف هناك كثرته واجتماعه ، ويقرب منه قوله تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) وثانيها : أنه سبحانه يرد الأرواح إلى أجسادها فتقوم تلك الأجساد من مراقدها ، فذاك هو المراد من قوله : { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وثالثها : قال أبو مسلم معنى : { يقوم الناس } هو كقوله : { وقوموا لله قانتين } ( البقرة : 238 ) أي لعبادته فقوله : { يقوم الناس لرب العالمين } أي لمحض أمره وطعته لا لشيء آخر ، على ما قرره في قوله : { والامر يومئذ لله } . الصفة الثانية : كيفية ذلك القيام ، روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { يوم يقوم الناس لرب العالمين } قال : ( يقوم أحدكم في رشحه إلى أنصاف أذنيه ) وعن ابن عمر : أنه قرأ هذه السورة ، فلما بلغ قوله { يوم يقوم الناس لرب العالمين } بكى نحيبا حتى عجز عن قراءة ما بعده ) .
الصفة الثالثة : كمية ذلك القيام ، روى عنه عليه السلام أنه قال : ( يقوم الناس مقدار ثلثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيهم بأمر ) وعن ابن مسعود : ( يمكثون أربعين عاما ثم يخاطبون ) وقال ابن عباس : وهو في حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة . واعلم أنه سبحانه جمع في هذه الآية أنواعا من التهديد ، فقال أولا : { ويل للمطففين } ( المطففين : 1 ) وهذه / الكلمة تذكر عند نزول البلاء ، ثم قال ثانيا : { ألا يظن أولئك } وهو استفهام بمعنى الإنكار ، ثم قال ثالثا : { ليوم عظيم } والشيء الذي يستعظمه الله لا شك أنه في غاية العظمة ، ثم قال رابعا : { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وفيه نوعان من التهديد أحدهما : كونهم قائمين مع غاية الخشوع ونهاية الذلة والانكسار والثاني : أنه وصف نفسه بكونه ربا للعالمين ، ثم ههنا سؤال وهو كأنه قال قائل : كيف يليق بك مع غاية عظمتك أي تهيء هذا المحفل العظيم الذي هو محفل القيلة لأجل الشيء الحقير الطفيف ؟ فكأنه سبحانه يجيب ، فيقول عظمة الإلهية لا تتم إلا بالعظمة في القدرة والعظمة في الحكمة ، فعظمة القدرة ظهرت بكوني ربا للعالمين ، لكن عظمة الحكمة لا تظهر إلا بأن انتصف للمظلوم من الظالم بسبب ذلك القدر الحقير الطفيف ، فإن الشيء كلما كان أحقر وأصغر كان العلم الواصل إليه أعظم وأتم ، فلأجل إظهار العظمة في الحكمة أحضرت خلق الأولين والآخرين في محفل القيامة ، وحاسبت المطفف لأجل ذلك القدر الطفيف . وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري : لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل ، وفي إظهار العيب وإخفائه ، وفي طلب الإنصاف والانتصاف ، ويقال : من لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه ، فليس بمنصب والمعاشرة والصحبة من هذه الجملة ، والذي يرى عيب الناس ، ولا يرى عيب نفسه من هذه الجملة ، ومن طلب حق نفسه من الناس ، ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلبه لنفسه ، فهو من هذه الجملة والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقا . ! 7 < { كلا إن كتاب الفجار لفى سجين ومآ أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه ءاياتنا قال أساطير الا ولين كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم ثم يقال هاذا الذى كنتم به تكذبون } . > 7 ! / < < المطففين : ( 7 ) كلا إن كتاب . . . . . > > واعلم أنه سبحانه لما بين عظم هذا الذنب أتبعه بذكر لواحقه وأحكامه فأولها : قوله : { كلا } والمفسرون ذكروا فيه وجوها الأول : أنه ردع وتنبيه أي ليس الأمر على ماهم عليه من التطفيف والغفلة ، عن ذكر البعث والحساب فليرتدعوا ، وتمام الكلام ههنا الثاني : قال أبو حاتم : { كلا } ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقا { إن كتاب الفجار لفى سجين } وهو قول الحسن . النوع الثاني : أنه تعالى وصف كتاب الفجار بالخيبة والحقارة على سبيل الاستخفاف بهم ، وههنا سؤالات . السؤال الأول : السجين اسم علم لشيء معين أو اسم مشتق عن معنى ؟ قلنا فيه قولان :
الأول : وهو قول جمهور المفسرين : أنه اسم علم على شيء معين ، ثم اختلفوا فيه ، فالأكثرون على أنه الأرض السابعة السفلى ، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد ، وروى البراء أنه عليه السلام قال : ( سجين أسفل سبع أرضين ) قال عطاء الخراساني : وفيها إبليس وذريته ، وروى أبو هريرة أنه عليه السلام قال : ( سجين جب في جهنم ) وقال الكلبي ومجاهد : سجين صخرة تحت الأرض السابعة . القول الثاني : أنه مشتق وسمي سجينا فعيلا من السجن ، وهو الحبس والتضييق كما يقال : فسيق من الفسق ، وهو قول أبي عبيدة والمبرد والزجاج ، قال الواحدي : وهذا ضعيف والدليل على أن سجينا ليس مما كانت العرب تعرفه قوله : { وما أدراك } أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت وقومك . ولا أقول هذا ضعيف ، فلعله إنما ذكر ذلك تعظيما لأمر سجين . كما في قوله : { بغائبين وما أدراك ما يوم الدين } ( الإنفطار : 17 ) قال صاحب ( الكشاف ) : والصحيح أن السجين فعيل مأخوذ من السجن ، ثم إنه ههنا اسم علم منقول من صف كحاتم وهو منصرف ، لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف ، إذا عرفت هذا ، فنقول قد ذكرنا أن الله تعالى أجرى أمورا مع عباده على ما تعارفوه من التعامل فيما بينهم وبين عظمائهم . فالجنة موصوفة بالعلو والصفاء والفسحة وحضور الملائكة المقربين ، والسجين موصوف بالتسفل والظلمة والضيق وحضور الشياطين الملعونين ، ولا شك أن العلو والصفاء والفسحة وحضور الملائكة المقربين ، كل ذلك من صفات الكمال والعزة ، وأضدادها من صفات النقص والذلة ، فلما أريد وصف الكفرة وكتابهم بالذلة والحقارة ، قيل : إنه في موضع التسفل والظلمة والضيق ، وحضور الشياطين ، ولما وصف كتاب الأبرار بالعزة قيل : إنه { لفى عليين } ( المطففين : 18 ) . و { يشهده المقربون } . / السؤال الثاني : قد أخبر الله عن كتاب الفجار بأنه { فى سجين } ثم فسر سجينا ب { كتاب مرقوم } فكأنه قيل : إن كتابهم في كتاب مرقوم فما معناه ؟ أجاب القفال : فقال قوله : { كتاب مرقوم } ليس تفسيرا لسجين ، بل التقدير : كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ، وإن كتاب الفجار كتاب مرقوم ، فيكون هذا وصفا لكتاب الفجار بوصفين أحدهما : أنه في سجين والثاني : أنه مرقوم ، ووقع قوله : { وما أدراك ما سجين } فيما بين الوصفين معترضا ، والله أعلم . والأولى أن يقال : وأي استبعاد في كون أحد الكتابين في الآخر ، إما بأن يوضع كتاب الفجار في الكتاب الذي هو الأصل المرجوع إلى في تفصيل أحوال الأشقياء ، أو بأن ينقل ما في كتاب الفجار إلى ذلك الكتاب المسمى بالسجين ، وفيه وجه ثالث : وهو أن يكون المراد من الكتاب ، الكتابة فيكون في المعنى : كتابة الفجار في سجين ، أي كتابة أعمالهم في سجين ، ثم وصف السجين بأنه { كتاب مرقوم } فيه جميع أعمال الفجار .
السؤال الثالث : ما معنى قوله : { كتاب مرقوم } ؟ قلنا فيه وجوه : أحدها : مرقوم أي مكتوبة أعمالهم فيه وثانيها : قال قتادة : رقم لهم بسوء أي كتب لهم بإيجاب النار وثالثها : قال القفال : يحتمل أن يكون المراد أنه جعل ذلك الكتاب مرقوما ، كما يرقم التاجر ثوبه علامة لقيمته ، فكذلك كتاب الفاجر جعل مرقوما برقم دال على شقاوته ورابعها : المرقوم : ههنا المختوم ، قال الواحدي : وهو صحيح لأن الختم علامة ، فيجوز أن يسمى المرقوم مختوما وخامسها : أن المعنى كتاب مثبت عليهم كالرقم في الثوب ينمحي ، أما قوله : { ويل يومئذ للمكذبين } ففيه وجهان أحدهما : أنه متصل بقوله : { يوم يقوم الناس } أي : { يوم يقوم الناس لرب العالمين } ( المطففين : 83 ) ويل لمن كذب بأخبار الله والثاني : أن قوله : { مرقوم } معناه رقم برقم يدل على الشقاوة يوم القيامة ، ثم قال : { ويل يومئذ للمكذبين } في ذلك اليوم من ذلك الكتاب ، ثم إنه تعالى أخبر عن صفة من يكذب بيوم الدين فقال : { وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه ءاياتنا قال أساطير الاولين } ومعناه أنه لا يكذب بيوم الدين إلا من كان موصوفا بهذه الصفات الثلاثة فأولها : كونه معتديا ، والاعتداء هو التجاوز عن المنهج الحق وثانيها : الأثيم وهو مبالغة في ارتكاب الإثم والمعاصي . وأقول الإنسان له قوتان قوة نظرية وكمالها في أن يعرف الحق لذاته ، وقوة عملية وكمالها في أن يعرف الخير لأجل العمل به ، وضد الأول أن يصف الله تعالى بما لا يجوز وصفه به ، فإن كل من منع من إمكان البعث والقيامة إنما منع إما لأنه لم يعلم تعلق علم الله بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات ، أو لأنه لم يعلم تعلق قدرة الله بجميع الممكنات . فهذا الاعتداء ضد القوة العملية ، هو الاشتغال بالشهوة والغضب وصاحبه هو الأثيم ، وذلك لأن المشتغل بالشهوة والغضب قلما يتفرغ للعبادة والطاعة ، وربما صار ذلك مانعا له عن الإيمان بالقيامة .
وأما الصفة الثالثة : للمكذبين بيوم الدين فهو قوله : { إذا تتلى عليه ءاياتنا قال أساطير الاولين } والمراد منه الذين ينكرون النبوة ، والمعنى إذا تلي عليه القرآن قال أساطير الأولين ، وفيه وجهان أحدهما : أكاذيب الأولين والثاني : أخبار الأولين وأنه عنهم أخذ أي يقدح في كون القرآن من عند الله بهذا الطريق ، وههنا بحث آخر : وهو أن هذه الصفات الثلاثة هل المراد منها شخص معين أولا ؟ فيه قولان : الأول : وهو قول الكلبي : أن المراد منه الوليد بن المغيرة ، وقال آخرون : إنه النضر بن الحارث ، واحتج من قال : إنه الوليد بأنه تعالى قال في سورة ن: { ولا تطع كل حلاف مهين } إلى قوله { معتد أثيم } إلى قوله { إذا تتلى عليه ءاياتنا قال أساطير الاولين } ( ن : 15 , 10 ) فقيل إنه : الوليد بن المغيرة ، وعلى هذا التقدير يكون المعنى : وما يكذب بيوم الدين من قريش أو من قومك إلا كل معتد أثيم / وهذا هو الشخص المعين والقول الثاني : أنه عام في حق جميع الموصوفين بهذه الصفات ، أما قوله تعالى : { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } فالمعنى ليس الأمر كما يقوله من أن ذلك أساطير الأولين ، بل أفعالهم الماضية صارت سببا لحصول الرين في قلوبهم ، ولأهلهم اللغة في تفسير لفظة الرين وجوه ، ولأهل التفسير وجوه أخر ، أما أهل اللغة فقال أبو عبيدة : ران على قلوبنهم غلب عليها والخمر ترين على عقل السكران ، والموت يرين على الميت فيذهب به ، قال الليث : ران النعاس والخمر في الرأس إذا رسخ فيه ، وهو يريد رينا ، وريونا ، ومن هذا حديث عمر في أسيفع جهينة لما ركبه الدين ( أصبح قد رين به ) قال أبو زيد : يقال : رين بالرجل يران به رينا إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه . قال أبو معاذ النحوي : الرين أن يسود القلب من الذنوب والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين ، والأقفال أشد من الطبع ، وهو أن يقفل على القلب ، قال الزجاج : ران على قلوبهم بمعنى غطى على قلوبهم ، يقال : ران على قلبه الذنب يرين رينا أي غشيه ، والرين كالصدإ يغشى القلب ومثله العين ، أما أهل التفسير ، فلهم وجوه : قال الحسن : ومجاهد هو الذنب على الذنب ، حتى تحيط الذنوب بالقلب ، وتغشاه فيموت القلب ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إياكم والمحقرات من الذنوب ، فإن الذنب على الذنب يوقد على صاحبه جحيما ضخمة ) وعن مجاهد القلب كالكف ، فإذا أذنب الذنب انقبض ، وإذا أذنب ذنبا آخر انقبض ثم يطبع عليه وهو الرين ، وقال آخرون : كلما أذنب الإنسان حصلت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب كله ، وروي هذا مرفوعا في حديث أبي هريرة ، قلت : لا شك أن تكرر الأفعال سبب لحصول ملكة نفسانية ، فإن من أراد تعلم الكتابة فكلما كان إتيانه بعمل الكتابة أكثر كان اقتداره على عمل الكتابة أتم ، إلى أن يصير بحيث يقدر على الإتيان بالكتابة من غير روية ولا فكرة ، فهذه الهيئة النفسانية ، لما تولدت من تلك الأعمال الكثيرة كان لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الهيئة النفسانية ، إذا عرفت هذا فنقول : إن الإنسان إذا واظب على الإتيان ببعض أنواع الذنوب ، حصلت في قلبه ملكة نفسانية على الإتيان بذلك الذنب ، ولا معنى للذنب إلا ما يشغلك بغير الله ، وكل ما يشغلك بغير الله فهو / ظلمة ، فإذن الذنوب كلها ظلمات وسواد ، ولكل واحد من الأعمال السالفة التي أورث مجموعها حصول تلك الملكة أثر في حصولها ، فذلك هو المراد من قولهم : كلما أذنب الإنسان حصلت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب ، ولما كانت مراتب الملكات في الشدة والضعف مختلفة ، لا جرم كانت مراتب هذا السواد والظلمة مختلفة ، فبعضها يكون رينا وبعضها طبعا وبعضها أقفالا ، قال القاضي ليس المراد من الرين أن قلبهم قد تغير وحصل فيه منع ، بل المراد أنهم صاروا لإيقاع الذنب حالا بعد حال متجرئين عليه وقويت دواعيهم إلى ترك التوبة وترك الإقلاع ، فاستمروا وصعب الأمر عليهم ، ولذلك بين أن علة الرين كسبهم ، ومعلوم إن إكثارهم من اكتساب الذنوب لا يمنع من الإقلاع والتوبة ، وأقول قد بينا أن صدور الفعل حال استواء الداعي إلى الفعل ، والداعي إلى الترك محال لامتناع ترجيح الممكن من غير مرجح ، فبأن يكون ممتنعا حال المرجوحية كان أولى ، ولما سلم القاضي أنهم صاروا بسبب الأفعال السالفة راجحا ، فوجب أن يكون الإقلاع في هذه الحالة ممتنعا ، وتمام الكلام قد تقدم مرارا في هذا الكتاب .
أما قوله تعالى : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } فاعلم أنهم ذكروا في { كلا } وجوها أحدها : قال صاحب ( الكشاف ) : { كلا } ردع عن الكسب الرائن عن قلوبهم وثانيها : قال القفال : إن الله تعالى حكى في سائر السور عن هذا المعتدي الأثيم أنه كان يقول إن كانت الآخرة حقا ، فإن الله تعالى يعطيه مالا وولدا ، ثم إنه تعالى كذبه في هذه المقالة فقال : { أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمان عهدا } ( مريم : 78 ) قال : { وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى } ( فصلت : 50 ) ولما كان هذا مما قد تردد ذكره في القرآن ترك الله ذكره ههنا وقال : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } أي ليس الأمر كما يقولون : من أن لهم في الآخرة حسنى بل هم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وثانيها : أن يكون ذلك تكريرا وتكون { كلا } هذه هي المذكورة في قوله : { كلا بل ران } أما قوله : { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } فقد احتج الأصحاب على أن المؤمنين يرونه سبحانه قالوا : ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة ، وفيه تقرير آخر وهو أنه تعالى ذكر هذا الحجاب في معرض الوعيد والتهديد للكفار ، وما يكون وعيدا وتهديدا للكفار لا يجوز حصوله في حق المؤمن ، فوجب أن لا يحصل هذا الحجاب في حق المؤمن أجابت المعتزلة عن هذا من وجوه أحدها : قال الجبائي : المراد أنهم عن رحمة ربهم محجوبون أي ممنوعون ، كما يقال في الفرائض : الإخوة يحجبون الأم على الثلث ، ومن ذلك يقال : لمن يمنع عن الدخول هو حاجب ، لأنه يمنع من رؤيته وثانيها : قال أبو مسلم : { لمحجوبون } أي غير مقربين ، والحجاب الرد وهو ضد القبول ، والمعنى هؤلاء المنكرون للبعث غير مقبولين عند الله وهو المراد من قوله تعالى : { ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم } ( آل عمران ) ، وثالثها : قال القاضي : الحجاب ليس عبارة عن عدم الرؤية ، فإنه قد يقال : حجب فلان عن الأمير ، وإن كان قد رآه / من البعد ، وإذا لم يكن الحجاب عبارة عن عدم الرؤية سقط الاستدلال ، بل يجب أن يحمل على صيرورته ممنوعا عن وجدان رحمته تعالى ورابعها : قال صاحب ( الكشاف ) : كونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم ، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للمكرمين لديهم ، ولا يحجب عنهم إلا المهانون عندهم والجواب : لا شك أن من منع من رؤية شيء يقال : إنه حجب عنه ، وأيضا من منع من الدخول على الأمير يقال : إنه حجب عنه ، وأيضا يقال الأم حجبت عن الثلث بسبب الإخوة ، وإذا وجدنا هذه الاستعمالات وجب جعل اللفظ حقيقة في مفهوم مشترك بين هذه المواضع دفعا للاشتراك في اللفظ ، وذلك هو المنع . ففي الصورة الأولى حصل المنع من الرؤية ، وفي الثاني حصل المنع من الوصول إلى قربه ، وفي الثالثة : حصل المنع من استحقاق الثلث ، فيصير تقدير الآية : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لممنوعون ، والمنع إنما يتحقق بالنسبة إلى ما يثبت للعبد بالنسبة إلى الله تعالى ، وهو إما العلم ، وإما الرؤية ، ولا يمكن حمله على العلم ، لأنه ثابت بالاتفاق للكفار ، فوجب حمله على الرؤية . أما صرفه إلى الرحمة فهو عدول عن الظاهر من غير دليل ، وكذا ما قاله صاحب ( الكشاف ) : ترك للظاهر من غير دليل ، ثم الذي يؤكد ما ذكرناه من الدليل أقوال المفسرين .
قال مقاتل : معنى الآية أنهم بعد العرض والحساب ، لا يرون ربهم ، والمؤمنون يرون ربهم ، وقال الكلبي : يقول إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لمحجوبون ، والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه ، وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية ، فقال : لما حجب أعداءه فلم يروه لا بد وأن يتجلى لأوليائه حتى يروه ، وعن الشافعي لما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا ، أما قوله تعالى : { ثم إنهم لصالوا الجحيم } فالمعنى لما صاروا محجوبين في عرصة القيامة إما عن رؤية الله على قولنا / أو عن رحمة الله وكرامته على قول المعتزلة ، فعند ذلك يؤمر بهم إلى النار ثم إذا دخلوا النار ، وبخوا بتكذيبهم بالبعث والجزاء ، فقيل لهم : { هاذا الذى كنتم به تكذبون } في الدنيا ، والآن قد عاينتموه فذوقوه .
! 7 < { كلا إن كتاب الا برار لفى عليين ومآ أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون } . > 7 ! < < المطففين : ( 18 ) كلا إن كتاب . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الفجار المطففين ، أتبعه بذكر حال الأبرار الذين لا يطففون ، فقال : { كلا } أي ليس الأمر كما توهمه أولئك الفجار من إنكار البعث ومن أن كتاب الله أساطير الأولين . واعلم أن لأهل اللغة في لفظ { عليين } أقوالا ، ولأهل التفسير أيضا أقوالا ، أما أهل اللغة قال / أبو الفتح الموصلي : { عليين } جمع علي وهو فعيل من العلو ، وقال الزجاج : إعراب هذا الاسم كإعراب الجمع لأنه على لفظ الجمع ، كما تقول : هذه قنسرون ورأيت قنسرين ، وأما المفسرون فروي عن ابن عباس أنها السماء الرابعة ، وفي رواية أخرى إنها السماء السابعة ، وقال قتادة ومقاتل : هي قائمة العرش اليمنى فوق السماء السابعة ، وقال الضحاك : هي سدرة المنتهى ، وقال الفراء : يعني ارتفاعا بعد ارتفاع لا غاية له ، وقال الزجاج : أعلى الأمكنة ، وقال آخرون : هي مراتب عالية محفوظة بالجلالة قد عظمها الله وأعلى شأنها ، وقال آخرون : عند كتاب أعمال الملائكة ، وظاهر القرآن يشهد لهذا القول الأخير لأنه تعالى قال لرسوله : { وما أدراك ما عليون } تنبيها له على أنه معلوم له ، وأنه سيعرفه ثم قال : { كتاب مرقوم يشهده المقربون } فبين أن كتابهم في هذا الكتاب المرقوم الذي يشهده المقربون من الملائكة ، فكأنه تعالى كما وكلهم باللوح المحفوظ فكذلك يوكلهم بحفظ كتب الأبرار في جملة ذلك الكتاب الذي هو أم الكتاب على وجه الإعظام له ولا يمتنع أن الحفظة إذا صعدت بكتب الأبرار فإنهم يسلمونها إلى هؤلاء المقربين فيحفظونها كما يحفظون كتب أنفسهم أو ينقلون ما في تلك الصحائف إلى ذلك الكتاب الذي وكلوا بحفظه ويصير علمهم شهادة لهؤلاء الأبرار ، فلذلك يحاسبون حسابا يسيرا ، لأن هؤلاء المقربين يشهدون لهم بما حفظوه من أعمالهم ، وإذا كان هذا الكتاب في السماء صح قول من تأول ذلك على أنه في السماء العالية ، فتتقارب الأقوال في ذلك ، وإذا كان الذي ذكرناه أولى . واعلم أن المعتمد في تفسير هذه الآية ما بينا أن العلو والفسحة والضياء والطهارة من علامات السعادة ، والسفل والضيق والظلمة من علامات الشقاوة ، فلما كان المقصود من وضع كتاب الفجار في أسفل السافلين ، وفي أضيق المواضع إذلال الفجار وتحقير شأنهم ، كان المقصود من وضع كتاب الأبرار في أعلى عليين ، وشهادة الملائكة لهم بذلك إجلالهم وتعظيم شأنهم ، وفي الآية وجه آخر ، وهو أن المراد من الكتاب الكتابة ، فيكون المعنى أن كتابة أعمال الأبرار في عليين ، ثم وصف عليين بأنه كتاب مرقوم فيه جميع أعمال الأبرار ، وهو قول أبي مسلم . أما قوله تعالى : { كتاب مرقوم } ففيه تأويلان أحدهما : أن المراد بالكتاب المرقوم كتاب أعمالهم والثاني : أنه كتاب موضوع في عليين كتب فيه ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب ، واختلفوا في ذلك الكتاب ، فقال مقاتل : إن تلك الأشياء مكتوبة لهم في ساق العرش . وعن ابن عباس أنه مكتوب في لوح من زبرجد معلق تحت العرش . وقال آخرون : هو كتاب مرقوم بما يوجب سرورهم ، وذلك بالضد من رقم كتاب الفجار بما يسوءهم ، ويدل على هذا المعنى قوله : { يشهده المقربون } يعني الملائكة الذي هم في عليين يشهدون ويحضرون ذلك المكتوب ، ومن قال : إنه كتاب الأعمال ، قال : يشهد ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين المقربون من الملائكة كرامة للمؤمن .
! 7 < { إن الا برار لفى نعيم على الا رآئك ينظرون تعرف فى وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفى ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون } . > 7 ! / < < المطففين : ( 22 ) إن الأبرار لفي . . . . . > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما عظم كتابهم في الآية المتقدمة عظم بهذه الآية منزلتهم ، فقال : { إن الابرار لفى نعيم } ثم وصف كيفية ذلك النعيم بأمور ثلاثة أولها : قوله : { على الارائك ينظرون } قال القفال : الأرائك الأسرة في الحجال ، ولا تسمى أريكة فيما زعموا إلا إذا كانت كذلك ، وعن الحسن : كنا لا ندري ما الأريكة حتى لقينا رجلا من أهل اليمن أخبرنا أن الأريكة عندهم ذلك . أما قوله : { ينظرون } ففيه ثلاثة أوجه أحدها : ينظرون إلى أنواع نعمهم في الجنة من الحور العين والولدان ، وأنواع الأطعمة والأشربة والملابس والمراكب وغيرها ، قال عليه السلام : ( يلحظ المؤمن فيحيط بكل ما آتاه الله وإن أدناهم يتراءى له مثل سعة الدنيا ) والثاني : قال مقاتل : ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون في النار والثالث : إذا اشتهوا شيئا نظروا إليه فيحضرهم ذلك الشيء في الحال ، واعلم أن هذه الأوجه الثلاثة من باب أنواع جنس واحد وهو المنظور إليه ، فوجب حمل اللفظ على الكل ، ويخطر ببالي تفسير رابع : وهو أشرف من الكل وهو أنهم ينظرون إلى ربهم ويتأكد هذا التأويل بما إنه قال بعد هذه الآية : { تعرف فى وجوههم نضرة النعيم } والنظر المقرون بالنضرة هو رؤية الله تعالى على ما قال : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ( القيامة : 23 , 22 ) ومما يؤكد هذا التأويل أنه يجب الابتداء بذكر أعظم اللذات ، وما هو إلا رؤية الله تعالى وثانيها : قوله تعالى : { تعرف فى وجوههم نضرة النعيم } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المعنى إذا رأيتهم عرفت أنهم أهل النعمة بسبب ما ترى في وجوههم من القرائن الدالة على ذلك ثم في تلك القرائن قولان : أحدهما : أنه ما يشاهد في وجوههم من الضحك والاستبشار ، على ما قال تعالى : { وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة } ( عبس : 39 , 38 ) . / والثاني : قال عطاء إن الله تعالى يزيد في وجوههم من النور والحسن والبياض ما لا يصفه واصف ، وتفسير النضرة : قد سبق عند قوله : { ناضرة } . المسألة الثانية : قرىء : { تعرف } على البناء للمفعول { جنات النعيم } بالرفع . وثالثها : قوله : { يسقون من رحيق } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في بيان أن الرحيق ما هو ؟ قال الليث : { الرحيق } الخمر . وأنشد لحسان . بردى يصفق بالرحيق السلسل وقال أبو عبيدة والزجاج : { الرحيق } من الخمر ما لا غش فيه ولا شيء يفسده ، ولعله هو الخمر الذي وصفه الله تعالى بقوله : { للشاربين لا فيها غول } ( الصافات : 47 ) . المسألة الثانية : ذكر الله تعالى لهذا : { الرحيق } صفات :
الصفة الأولى : قوله : { رحيق مختوم } وفيه وجوه : الأول : قال القفال : يحتمل أن هؤلاء يسقون من شراب مختوم قد ختم عليه تكريما له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان ، وهناك خمر آخر تجري منها أنهار كما قال : { وأنهار من خمر لذة للشاربين } ( محمد : 15 ) إلا أن هذا المختوم أشرف في الجاري الثاني : قال أبو عبيدة والمبرد والزجاج : المختوم الذي له ختام أي عاقبة والثالث : روي عن عبدالله في مختوم أنه ممزوج ، قال الواحدي : وليس بتفسير لأن الختم لا يكون تفسيره المزج ، ولكن لما كانت له عاقبة هي ريح المسك فسره بالممزوج ، لأنه لو لم يمتزج بالمسك لما حصل فيه ريح المسك الرابع : قال مجاهد مختوم مطين ، قال الواحدي : كان مراده من الختم بالطين ، هو أن لا تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار ، والأقرب من جميع هذه الوجوه الوجه الأول الذي ذكره القفال الصفة الثانية : لهذا الرحيق قوله : { ختامه مسك } وفيه وجوه الأول : قال القفال : معناه أن الذي يختم به رأس قارورة ذلك الرحيق هو المسك ، كالطين الذي يختم به رؤوس القوارير ، فكان ذلك المسك رطب ينطبع فيه الخاتم ، وهذا الوجه مطابق للوجه الأول الذي حكيناه عن القفال في تفسير قوله : { مختوم } ، الثاني : المراد من قوله : { ختامه مسك } أي عاقبته المسك أي يختم له آخره بريح المسك ، وهذا الوجه مطابق للوجه الذي حكيناه عن أبي عبيدة في تفسير قوله : { مختوم } كأنه تعالى قال من رحيق له عاقبة ، ثم فسر تلك العاقبة فقال : تلك العاقبة مسك أي من شربه كان ختم شربه على ريح المسك ، وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير ، ومقاتل وقتادة قالوا : إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك ، والمعنى لذاذة المقطع وذكاء الرائحة وأرجها ، مع طيب الطعم ، والختام آخر كل شيء ، ومنه يقال : ختمت القرآن ، والأعمال بخواتيمها ويؤكده قراءة علي عليه السلام ، واختيار الكسائي فإنه يقرأ : ( خاتمه مسك ) أي آخره كما يقال : خاتم النبيين ، قال الفراء : وهما متقاربان في المعنى إلا أن الخاتم اسم والختام مصدر كقولهم : هو كريم الطباع والطابع الثالث : معناه خلطه مسك ، وذكروا أن فيه تطيبا لطعمه . وقيل : بل لريحه وأقول : لعل المراد أن الخمر الممزوج بهذه الأفاويه الحارة مما يعين على الهضم وتقوية / الشهوة ، فلعل المراد منه الإشارة إلى قوة شهوتهم وصحة أبدانهم ، وهذا القول رواه سعيد بن جبير عن الأسود عن عائشة تقول المرأة لقد أخذت ختم طيني ، أي لقد أخذت أخلاط طيني ، قال أبو الدرداء هو شراب أبيض مثل الفضة ، يحتمون به آخر شربهم ، لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيب ريحه . الصفة الثانية : قوله تعالى : { وفى ذلك فليتنافس المتنافسون } قال الواحدي : يقال : نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة إذا ضننت به ولم تحب أن يصير إليه ، والتنافس تفاعل منه كأن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به ، والمعنى : وفي ذلك فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله . واعم أن مبالغة الله تعالى في الترغيب فيه تدل على علو شأنه ، وفيه إشارة إلى أن التنافس يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم العظيم الدائم ، لا في النعيم الذي هو مكدر سريع الفناء . الصفة الرابعة : قوله تعالى : { ومزاجه من تسنيم } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : تسنيم علم لعين بعينها في الجنة سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه ، إما لأنها أرفع شراب في الجنة ، وإما لأنها تأتيهم من فوق ، على ما روي أنها تجري في الهواء مسنمة فتنصب في أوانيهم ، وإما لأنها لأجل كثرة ملئها وسرعته تعلو على كل شيء تمر به وهو تسنيمه ، أو لأنه عند الجري يرى فيه ارتفاع وانخفاض ، فهو التسنيم أيضا ، وذلك لأن أصل هذه الكلمة للعلو والارتفاع ، ومنه سنام البعير وتسنمت الحائط إذا علوته ، وأما قول المفسرين : فروى ميمون بن مهران أن ابن عباس سأل عن تسنيم ، فقال هذا مما يقول الله : { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين } ( السجدة : 17 ) ويقرب منه ما قال الحسن : وهو أنه أمر أخفاه الله تعالى لأهل الجنة قال الواحدي : وعلى هذا لا يعرف له اشتقاق وهو اسم معرفة ، وعن عكرمة : { من تسنيم } من تشريف : المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر أن تسنيم عين يشرب بها المقربون ، قال ابن عباس : أشرف شراب أهل الجنة هو تسنيم ، لأنه يشربه المقربون صرفا ، ويمزج لأصحاب اليمين . واعلم أن الله تعالى لما قسم المكلفين في سورة الواقعة إلى ثلاثة أقسام : المقربون ، وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، ثم إنه تعالى لما ذكر كرامة المذكورين في هذه السورة بأنه يمزج شرابهم من عين يشرب بها المقربون ؛ علمنا أن المذكورين في هذا الموضع هم أصحاب اليمين ، وأقول : هذا يدل على أن الأنهار متفاوتة في الفضيلة ، فتسنيم أفضل أنها الجنة ، والمقربون أفضل أهل الجنة ، والتسنيم في الجنة الروحانية هو معرفة الله ولذة النظر إلى وجه الله الكريم ، والرحيق هو الابتهاج بمطالعة عالم الموجودات ، فالمقربون لا يشربون إلا من التسنيم ، أي لا يشتغلون إلا بمطالعة وجهه الكريم ، وأصحاب اليمين يكون شرابهم ممزوجا ، فتارة يكون نظرهم إليه وتارة إلى مخلوقاته . المسألة الثانية : عينا نصب على المدح وقال الزجاج : نصب على الحال ، وقوله : { يشرب بها المقربون } كقوله : { يشرب بها عباد الله } ( الإنسان : 6 ) وقد مر . ! 7 < { إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هاؤلاء لضآلون ومآ أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون على الا رآئك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } . > 7 ! / < < المطففين : ( 29 ) إن الذين أجرموا . . . . . > > اعلم أنه سبحانه لما وصف كرامة الأبرار في الآخرة ذكر بعد ذلك قبح معاملة الكفار معهم في الدنيا في استهزائهم وضحكهم ، ثم بين أن ذلك سينقلب على الكفار في الآخرة ، والمقصود منه تسلية المؤمنين وتقوية قلوبهم ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجهين الأول : أن المراد من قوله : { إن الذين أجرموا } أكابر المشركين كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصى بن وائل السهمي كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين ويستهزئون بهم الثاني : جاء علي عليه السلام في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا : رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه ، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
المسألة الثانية : أنه تعالى حكى عنهم أربعة أشياء من المعاملات القبيحة فأولها : قوله : إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون أي يستهزئون بهم وبدينهم وثانيها : قوله : { وإذا مروا بهم يتغامزون } أي يتفاعلون من الغمز ، وهو الإشارة بالجفن والحاجب ويكون الغمز أيضا بمعنى العيب وغمزه إذا عابه ، وما في فلان غميزة أي ما يعاب به ، والمعنى أنهم يشيرون إليهم بالأعين استهزاء ويعيبونهم ، ويقولون : انظروا إلى هؤلاء يتعبون أنفسهم ويحرمونها لذاتها ويخاطرون بأنفسهم في طلب ثواب لا يتيقنونه وثالثها : قوله تعالى : { وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين } معجبين بما هم فيه من الشرك والمعصية والتنعم بالدنيا ، أو يتفكهون بذكر المسلمين بالسوء ، قرأ عاصم في رواية حفص عنه : { فكهين } بغير ألف في هذا الموضع وحده ، وفي / سائر القرآن { فاكهين } بالألف وقرأ الباقون فاكهين بالألف ، فقيل : هما لغتان ، وقيل : فاكهين أي متنعمين مشغولين بما هم فيه من الكفر والتنعم بالدنيا وفكهين معجبين ورابعها : قوله تعالى : { وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون } أي هم على ضلال في تركهم التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب لا يدري هل له وجود أم لا ، وهذا آخر ما حكاه تعالى عن الكفار . ثم قال تعالى : { وما أرسلوا عليهم حافظين } يعني أن الله تعالى لم يبعث هؤلاء الكفار رقباء على المؤمنين ، يحفظون عليهم أحوالهم ويتفقدون ما يصنعونه من حق أو باطل ، فيعبون عليهم ما يعتقدونه ضلالا ، بل إنما أمروا بإصلاح أنفسهم . أما قوله تعالى : { فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : المعنى أن في هذا اليوم الذي هو يوم تصقع الأعمال والمحاسبة يضحك المؤمن من الكافر ، وفي سبب هذا الضحك وجوه أحدها : أن الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا بسبب ما هم فيه من الضر والبؤس ، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكافرين بسبب ما هم فيه من أنواع العذاب والبلاء ، ولأنهم علموا أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء ، وأنهم قد باعوا باقيا بفان ويرون أنفسهم قد فازوا بالنعيم المقيم ونالوا بالتعب اليسير راحة الأبد / ودخلوا الجنة فأجلسوا على الأرائك ينظرون إليهم كيف يعذبون في النار وكيف يصطرخون فيها ويدعون بالويل والثبور ويلعن بعضهم بعضا الثاني : قال أبو صالح : يقال لأهل النار وهم فيها اخرجوا وتفتح لهم أبوابها ، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج ، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك ، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم ، فذاك هو سبب الضحك . المسألة الثانية : قوله : { على الارائك ينظرون } حال من يضحكون أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر . ثم قال تعالى : { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } ثوب بمعنى أثيب أي الله المثيب ، قال أوس : سأجزيك أو يجزيك عني مثوب وحسبك أن يثني عليك وتحمدي قال المبرد : وهو فعل من الثواب ، وهو ما يثوب أي يرجع إلى فاعله جزاء ما عمله من خير أو شر ، والثواب يستعمل في المكافأة بالشر ، ونشد أبو عبيدة : ألا أبلغ أبا حسن رسولا فما لك لا تجيء إلى الثواب والأولى أن يحمل ذلك على سبيل التهكم كقوله : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) والمعنى كأنه تعالى يقول للمؤمنين : هل جازينا الكفار على عملهم الذي كان من جملته ضحكهم بكم واستهزاؤهم بطريقتكم ، كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة ؟ فيكون هذا القول زائدا في سرورهم ، لأنه يقتضي زيادة في تعظيمهم والاستخفاف بأعدائهم ، والمقصود منها أحوال القيامة . والله أعلم . < > 1 ( سورة الانشقاق ) 1 < >
وهي عشرون وخمس آيات مكية ! 7 < { إذا السمآء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الا رض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت } . > 7 ! < < الإنشقاق : ( 1 ) إذا السماء انشقت > > أما انشقاق السماء فقد مر شرحه في مواضع من القرآن ، وعن علي عليه السلام أنها تنشق من المجرة ، أما قوله : { وأذنت لربها } ومعنى أذن له استمع ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن ) وأنشد أبو عبيدة والمبرد والزجاج قول قعنب : صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا والمعنى أنه لم يوجد في جرم السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله تعالى في شقها وتفريق أجزائها ، فكانت في قبول ذلك التأثير كالعبد الطائع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المالك أنصت له وأذعن ، ولم يمتنع فقوله : { قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) يدل على نفاذ القدرة في الإيجاد والإبداع من غير ممانعة أصلا ، وقوله ههنا : { وأذنت لربها } يدل على نفوذ القدرة في التفريق والإعدام والإفناء من غير ممانعة أصلا ، وأما قوله : { وحقت } فهو من قولك هو محقوق بكذا ، وحقيق به . يعني وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع وذلك لأنه جسم ، وكل جسم فهو ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإن الوجود والعدم بالنسبة إليه على السوية ، وكل ما كان كذلك ، كان ترجيح وجوده على عدمه أو ترجيح عدمه على وجوده ، لا بد وأن يكون بتأثير واجب الوجود وترجيحه فيكون تأثير قدرته في إيجاده ، وإعدامه ، نافذا ساريا من غير ممانعة أصلا ، وأما الممكن فليس له إلا القبول والاستعداد ، ومثل هذا الشيء حقيق به أن يكون قابلا للوجود تارة ، وللعدم أخرى من واجب الوجود ، أما قوله : { وإذا الارض مدت } ففيه وجهان الأول : أنه مأخوذ من مد الشيء فامتد ، وهو أن تزال حبالها بالنسف كما قال : { ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا } طه : 105 ) يسوي ظهرها ، كما قال : { قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } ( طه : 105 , 106 ) وعن ابن عباس مدت مد الأديم / الكاظمي ، لأن الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه واستوى والثاني : أنه مأخوذ من مده بمعنى أمده أي يزاد في سعتها يوم القيامة لوقوف الخلائق عليها للحساب ، واعلم أنه لا بد من الزيادة في وجه الأرض سواء كان ذلك بتمديدها أو بإمدادها ، لأن خلق الأولين والآخرين لما كانوا واقفين يوم القيامة على ظهرها ، فلا بد من الزيادة في طولها وعرضها ، أما قوله : { وألقت ما فيها } فالمعنى أنها لما مدت رمت بما في جوفها من الموتى والكنوز ، وهو كقوله : { وأخرجت الارض أثقالها } ( الزلزلة : 2 ) { وإذا القبور بعثرت } ( الإنفطار : 4 ) { بعثر ما فى القبور } ( العاديات : 9 ) وكقوله : { ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا } ( المرسلات : 26 , 25 ) وأما قوله : { وتخلت } فالمعنى وخلت غاية الخلو حتى لم يبق في باطنها شيء كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو ، كما يقال : تكرم الكريم ، وترحم الرحيم . إذا بلغا جهدهما في الكرم الرحمة وتكلفا فوق ما في طبعهما ، واعلم أن التحقيق أن الله تعالى هو الذي أخرج تلك الأشياء من بطن الأرض إلى ظهرها ، لكن الأرض وصفت بذلك على سبيل التوسع ، وأما قوله : { وأذنت لربها وحقت } فقد تقدم تفسيره إلا أن الأول في السماء وهذا في الأرض ، وإذا اختلف وجه الكلام لم يكن تكرارا .
Preguntas
- ¿Qué es el tawhid, la creencia islámica en la unicidad de Dios?
- ¿Cuáles son los seis pilares de la fe (iman) en el islam?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?