Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
> > ففيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى لما ذكر وعيد من أعرض عن النظر والتأمل في دلائل الله تعالى ، أتبعه بالوعد لمن تزكى ويطهر من دنس الشرك وثانيهما : وهو قول الزجاج : تكثر من التقوى لأن معنى الزاكي النامي الكثير ، وهذا الوجه معتضد بقوله تعالى : { قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون } ( المؤمنون : 2 , 1 ) أثبت الفلاح للمستجمعين لتلك الخصال وكذلك قوله تعالى في أول البقرة : { وأولائك هم المفلحون } ( البقرة : 5 ) وأما الوجه الأول فإنه معتضد بوجهين : الأول : أنه تعالى لما لم يذكر في الآية ما يجب التزكي عنه علمنا أن المراد هو التزكي عما مر ذكره قبل الآية ، وذلك هو الكفر ، فعلمنا أن المراد ههنا : { قد أفلح من تزكى } عن الكفر الذي مر ذكره قبل هذه الآية والثاني : أن الاسم المطلق ينصرف إلى المسمى الكامل ، وأكمل أنواع التزكية هو تزكية القلب عن ظلمة الكفر فوجب صرف هذا المطلق إليه ، ويتأكد هذا التأويل بما روي عن ابن عباس أنه قال معنى : { تزكى } قول : لا إله إلا الله . أما قوله تعالى : ! 7 < { وذكر اسم ربه فصلى } . > 7 ! < < الأعلى : ( 15 ) وذكر اسم ربه . . . . . > > ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذكر المفسرون فيه وجوها . أحدها : قال ابن عباس : ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له . وأقول : هذا التفسير متعين وذلك لأن مراتب أعمال المكلف ثلاثة أولها : إزالة العقائد الفاسدة عن القلب وثانيها : استحضار معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأسمائه وثالثها : الاشتغال بخدمته . فالمرتبة الأولى : هي المراد بالتزكية في قوله : { قد أفلح من تزكى } ( الأعلى : 14 ) . وثانيها : هي المراد بقوله : { وذكر اسم ربه } فإن الذكر بالقلب ليس إلا المعرفة . وثالثها : الخدمة وهي المراد بقوله : { فصلى } فإن الصلاة عبارة عن التواضع والخشوع فمن استنار قلبه بمعرفة جلال الله تعالى وكبريائه ، لا بد وأن يظهر في جوارحه وأعضائه أثر الخضوع والخشوع .
وثانيها : قال قوم من المفسرين قوله : { قد أفلح من تزكى } يعني من تصدق قبل مروره إلى العيد : { وذكر اسم ربه فصلى } يعني ثم صلى صلاة العيد بعد ذلك مع الإمام . وهذا قول عكرمة وأبي العالية وابن سيرين وابن عمر وروي ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا التفسير فيه إشكال من وجهين الأول : أن عادة الله تعالى في القرآن تقديم ذكر الصلاة على ذكر الزكاة لا تقديم الزكاة على الصلاة والثاني : قال الثعلبي : هذه السورة مكية بالإجماع ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر . أجاب الواحدي عنه بأنه لا يمتنع أن يقال : لما كان في معلوم الله تعالى أن ذلك سيكون أثنى على من فعل ذلك وثالثها : قال مقاتل : { قد أفلح من تزكى } ( الأعلى : 14 ) أي تصدق من ماله وذكر ربه بالتوحيد في الصلاة فصلى له ، والفرق بين هذا الوجه وما قبله أن هذا يتناول الزكاة والصلاة المفروضتين ، والوجه الأول ليس كذلك ورابعها : { قد أفلح من تزكى } ليس المراد منه زكاة المال بل زكاة الأعمال أي من تطهر في أعماله من الرياء والتقصير ، لأن اللفظ المعتاد أن يقال : في المال زكى ولا يقال تزكى قال تعالى : { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } ( فاطر : 18 ) ، وخامسها : قال ابن عباس : { وذكر اسم ربه } أي كبر في خروجه إلى العيد وصلى صلاة العيد وسادسها : المعنى وذكر اسم ربه في صلاته ولا تكون صلاته كصلاة المنافقين حيث يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا . / المسألة الثانية : الفقهاء احتجوا بهذه الآية على وجوب تكبيرة الافتتاح ، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بها على أن تكبيرة الافتتاح ليست من الصلاة ، قال : لأن الصلاة معطوفة عليها والعطف يستدعي المغايرة ، واحتج أيضا بهذه الآية على أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه وأجاب أصحابنا بأن تقدير الآية ، وصلى فذكر اسم ربه ولا فرق بين أن تقول أكرمتني فزرتني وبين أن تقول زرتني فأكرمتني ، ولأبي حنيفة أن يقول : ترك العمل بفاء التعقيب لا يجوز من غير دليل والأولى في الجواب أن يقال : الآية تدل على مدح كل من ذكر اسم الله فصلى عقيبه وليس في الآية بيان أن ذلك الذكر هو تكبيرة الافتتاح . فلعل المراد به أن من ذكر الله بقلبه وذكر ثوابه وعقابه دعاه ذلك إلى فعل الصلاة ، فحينئذ يأتي بالصلاة التي أحد أجزائها التكبير ، وحينئذ يندفع الاستدلال . ثم قال تعالى : ! 7 < { بل تؤثرون الحيواة الدنيا } . > 7 ! < < الأعلى : ( 16 ) بل تؤثرون الحياة . . . . . > > وفيه قراءتان : قراءة العامة بالتاء ويؤكده حرف أبي ، أي بل أنتم تؤثرون عمل الدنيا على عمل الآخرة . قال ابن مسعود : إن الدنيا أحضرت ، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها ، وإن الآخرة لغيب لنا وزويت عنا ، فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل . وقرأ أبو عمرو : يؤثرون بالياء يعني الأشقى . ثم قال تعالى : ! 7 < { والا خرة خير وأبقى } . > 7 ! < < الأعلى : ( 17 ) والآخرة خير وأبقى > > وتمامه أن كل ما كان خيرا وأبقى فهو آثر ، فيلزم أن تكون الآخرة آثر من الدنيا وهم كانوا يؤثرون الدنيا ، وإنما قلنا : إن الآخرة خير لوجوه أحدها : أن الآخرة مشتملة على السعادة الجسمانية والروحانية ، والدنيا ليست كذلك ، فالآخرة خير من الدنيا وثانيها : أن الدنيا لذاتها مخلوطة بالآلام ، والآخرة ليست كذلك وثالثها : أن الدنيا فانية ، والآخرة باقية ، والباقي خير من الفاني . ثم قال :
! 7 < { إن هاذا لفى الصحف الا ولى } . > 7 ! < < الأعلى : ( 18 ) إن هذا لفي . . . . . > > واختلفوا في المشار إليه بلفظ هذا منهم من قال : جميع السورة ، وذلك لأن السورة مشتملة على التوحيد والنبوة والوعيد على الكفر بالله ، والوعد على طاعة الله تعالى . ومنهم من قال : بل المشار إليه بهذه الإشارة هو من قوله : { قد أفلح من تزكى } ( الأعلى : 14 ) إشارة إلى تطهير النفس عن كل ما لا ينبغي . أما القوة النظرية فعن جميع العقائد الفاسدة ، وأما في القوة العملية فعن جميع الأخلاق الذمية . وأما قوله : { وذكر اسم ربه } ( الأعلى : 15 ) فهو إشارة إلى تكميل الروح بمعرفة الله تعالى ، وأما قوله : { فصلى } ( الأعلى : 15 ) فهو إشارة إلى تكميل الجوارح وتزيينها بطاعة الله تعالى . / وأما قوله : { بل تؤثرون الحيواة الدنيا } ( الأعلى : 15 ) فهو إشارة إلى الزجر عن الالتفات إلى الدنيا . وأما قوله : { والاخرة خير وأبقى } ( الأعلى : 15 ) فهو إشارة إلى الترغيب في الآخرة وفي ثواب الله تعالى ، وهذه أمور لا يجوز أن تختلف باختلاف الشرائع ، فلهذا السبب قال : { إن هاذا لفى الصحف الاولى } وهذا الوجه كما تأكد بالعقل فالخبر يدل عليه ، روى عن أبي ذر أنه قال : قلت هل في الدنيا مما في صحف إبراهيم وموسى ؟ فقال : اقرأ يا أبا ذر { قد أفلح من تزكى } ( الأعلى : 14 ) وقال آخرون : إن قوله هذا إشارة إلى قوله : { والاخرة خير وأبقى } وذلك لأن الإشارة راجعة إلى أقرب المذكورات وذلك هو هذه الآية ، وأما قوله : { لفى الصحف الاولى } فهو نظير لقوله : { وإنه لفى زبر الاولين } وقوله : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } ( الشورى : 13 ) . ! 7 < { صحف إبراهيم وموسى } . > 7 < الأعلى : ( 19 ) صحف إبراهيم وموسى > > فيه قولان : أحدهما : أنه بيان لقوله : { فى الصحف الاولى } ( الأعلى : 18 ) والثاني : أن المراد أنه مذكور في صحف جميع الأنبياء التي منها صحف إبراهيم وموسى ، روي عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كم أنزل الله من كتاب ؟ فقال : مائة وأربعة كتب ، على آدم عشر صحف وعلى شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، وقيل : إن في صحف إبراهيم : ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة الغاشية ) 1 < > وهي عشرون وست آيات مكية ! 7 < { هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة } . > 7 < الغاشية : ( 1 - 3 ) هل أتاك حديث . . . . . > > / اعلم أن في قوله : { هل أتاك حديث الغاشية } مسألتين :
المسألة الأولى : ذكروا في الغاشية وجوها أحدها : أنها القيامة من قوله : { يوم يغشاهم العذاب } ( العنكبوت : 55 ) إنما سميت القيامة بهذا الاسم ، لأن ما أحاط بالشيء من جميع جهاته فهو غاش له ، والقيامة كذلك من وجوه الأول : أنها ترد على الخلق بغتة وهو كقوله تعالى : { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } ( يوسف : 107 ) ، والثاني : أنها تغشى الناس جميعا من الأولين والآخرين . والثالث : أنها تغشى الناس بالأهوال والشدائد القول الثاني : الغاشية هي النار أي تغشى وجوه الكفرة وأهل النار قال تعالى : { وتغشى وجوههم النار } ( إبراهيم : 50 ) ومن فوقهم غواش } ( الأعراف : 41 ) وهو قول سعيد بن جبير ومقاتل القول الثالث : الغاشية أهل النار يغشونها ويقعون فيها والأول أقرب ، لأن على هذا التقدير يصير المعنى أن يوم القيامة يكون بعض الناس في الشقاوة ، وبعضهم في السعادة . المسألة الثانية : إنما قال : { } ( الأعراف : 41 ) وهو قول سعيد بن جبير ومقاتل القول الثالث : الغاشية أهل النار يغشونها ويقعون فيها والأول أقرب ، لأن على هذا التقدير يصير المعنى أن يوم القيامة يكون بعض الناس في الشقاوة ، وبعضهم في السعادة . المسألة الثانية : إنما قال : { هل أتاك } وذلك لأنه تعالى عرف رسول الله من حالها ، وحال الناس فيها ما لم يكن هو ولا قومه عارفا به على التفصيل ، لأن العقل إن دل فإنه لا يدل إلا على أن حال العصاة مخالفة لحال المطيعين . فأما كيفية تلك التفاصيل فلا سبيل للعقل إليها ، فلما عرفه الله تفصيل تلك الأحوال ، لا جرم قال : { هل أتاك حديث الغاشية } . أما قوله تعالى : { وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة } فاعلم أنه وصف لأهل الشقاوة ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد بالوجوه أصحاب الوجوه وهم الكفار ، بدليل أنه تعالى وصف الوجوه بأنها خاشعة عاملة ناصبة ، وذلك من صفات المكلف ، لكن الخشوع يظهر في الوجه فعلقه بالوجه لذلك ، وهو كقوله : { وجوه يومئذ ناضرة } ( القيامة : 22 ) وقوله : { خاشعة } أي ذليلة قد عراهم الخزي والهوان ، كما قال : { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم } ( السجدة : 12 ) وقال : { وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفى } ( الشورى : 41 ) وإنما يظهر الذل في الوجه ، لأنه ضد الكبر الذي محله الرأس والدماغ . وأما العاملة فهي التي تعمل الأعمال ، ومعنى النصب الدؤوب في العمل مع التعب .
المسألة الثانية : الوجوه الممكنة في هذه الصفات الثلاثة لا تزيد على ثلاثة ، لأنه إما أن يقال : هذه الصفات بأسرها حاصلة في الآخرة ، أو هي بأسرها حاصلة في الدنيا ، أو بعضها في الآخرة وبعضها في الدنيا أما الوجه الأول : وهو أنها بأسرها حاصلة في الآخرة فهو أن الكفار يكونون يوم القيامة خاشعين أي ذليلين ، وذلك لأنها في الدنيا تكبرت عن عبادة الله ، وعاملين لأنها تعمل في النار عملا تتعب فيه وهو جرها السلاسل والأغلال الثقيلة ، على ما قال : { فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا } ( الحاقة : 32 ) وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل بحيث ترتقي عنه تارة وتغوص فيه أخرى والتقحم في حر جهنم والوقوف عراة حفاة جياعا عطاشا في العرصات قبل دخول النار في يوم كان مقداره ألف سنة / وناصبين لأنهم دائما يكونون في ذلك العمل قال الحسن : هذه الصفات كان يجب أن تكون حاصلة في الدنيا لأجل الله تعالى ، فلما لم تكن كذلك سلطها الله عليهم يوم القيامة على سبيل العقاب وأما الوجه الثاني : وهو أنها بأسرها حاصلة في الدنيا ، فقيل : هم أصحاب الصوامع من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والمجوس ، والمعنى أنها خشعت لله وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب والتهجد الواصب ، وذلك لأنهم لما اعتقدوا في الله ما لا يليق به ، فكأنهم أطاعوا ذاتا موصوفة بالصفات التي تخيلوها فهم في الحقيقة ما عبدوا الله وإنما عبدوا ذلك المتخيل الذي لا وجود له ، فلا جرم لا تنفعهم تلك العبادة أصلا وأما الوجه الثالث : وهو أن بعض تلك الصفات حاصل في الآخرة وبعضها في الدنيا ففيه وجوه أحدها : أنها خاشعة في الآخرة ، مع أنها كانت في الدنيا عاملة ناصبة ، والمعنى أنها لم تنتفع بعملها ونصبها في الدنيا ، ولا يمتنع وصفهم ببعض أوصاف الآخرة ، ثم يذكر بعض أوصاف الدنيا ثم يعاد ذكر الآخرة ، إذا كان المعنى في ذلك مفهوما فكأنه تعالى قال : وجوه يوم القيامة خاشعة ، لأنها كانت في الدنيا عاملة ناصبة في غير طاعة الله ، فهي إذن تصلى نارا حامية في الآخرة ثانيها : أنها خاشعة عاملة في الدنيا ، ولكنها ناصبة في الآخرة ، فخشوعها في الدنيا خوفها الداعي لها إلى الإعراض عن لذائذ الدنيا وطيباتها ، وعملها هو صلاتها وصومها ونصبها في الآخرة هو مقاساة العذاب على ما قال تعالى : { وبدا لهم من الله لم يكونوا يحتسبون } ( الزمر : 47 ) وقرىء عاملة ناصبة على الشتم ، واعلم أنه تعالى بعد أن وصفهم بهذه الصفات الثلاثة شرح بعد ذلك كيفية مكانهم ومشربهم ومطعمهم نعوذ بالله منها . ! 7 < { تصلى نارا حامية } . > 7 ! أما مكانهم فقوله تعالى : { تصلى نارا حامية } < < الغاشية : ( 4 ) تصلى نارا حامية > > يقال : صلى بالنار يصلى أي لزمها واحترق بها / وقرىء بنصب التاء وحجته قوله : { إلا من هو صال الجحيم } ( الصافات : 163 ) وقرأ أبو عمرو وعاصم برفع التاء من أصيلته النار لقوله : { ثم الجحيم صلوه } ( الحاقة : 31 ) وقوله : { لخزنة جهنم } وصلوه مثل أصلوه ، وقرأ قوم تصلى بالتشديد ، وقيل : المصلى عند العرب ، أن يحفروا حفيرا فيجمعوا فيه جمرا كثيرا ، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه ، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلاة أو في التنور ، فلا يسمى مصلى . وقوله : { حامية } أي قد أوقدت ، وأحميت المدة الطويلة ، فلا حر يعدل حرها ، قال ابن عباس : قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله . ! 7 < { تسقى من عين ءانية } . > 7 !
وأما مشروبهم فقوله تعالى : { تسقى من عين ءانية } < < الغاشية : ( 5 ) تسقى من عين . . . . . > > الآني الذي قد انتهى حره من الإيناء بمعنى التأخير . وفي الحديث : ( أن رجلا آخر حضور الجمعة ثم تخطى رقاب الناس ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : آنيت وآذيت ) ونظير هذه الآية قوله : { يطوفون بينها وبين حميم ءان } ( الرحمن : 44 ) قال المفسرون : إن حرها بلغ إلى حيث لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت . ! 7 < { ليس لهم طعام إلا من ضريع } . > 7 ! وأما مطعومهم فقوله تعالى : { ليس لهم طعام إلا من ضريع } < < الغاشية : ( 6 ) ليس لهم طعام . . . . . > > واختلفوا في أن الضريع . ما هو على وجوه أحدها : قال الحسن : لا أدري ما الضريع ولم أسمع فيه من الصحابة شيئا وثانيها : روى عن الحسن أيضا أنه قال : الضريع بمعنى المضرع كالأليم والسميع والبديع بمعنى المؤلم والمسمع والمبدع ، ومعناه إلا من طعام يحملهم على أن يضرعوا ويذلوا عند تناوله لما فيه من الخشونة والمرارة والحرار وثالثها : أن الضريع ما يبس من الشبرق ، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبا ، فإذا يبس تحامته وهو سم قاتل ، قال أبو ذويب : رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى وعاد ضريعا عاد عنه النحائص جمع نحوص وهي الحائل من الإبل ، وهذا قول أكثر المفسرين وأكثر أهل اللغة ورابعها : قال الخليل في كتابه : ويقال للجلدة التي على العظم تحت اللحم هي الضريع ، فكأنه تعالى وصفه بالقلة ، فلا جرم لا يسمن ولا يغني من جوع وخامسها : قال أبو الجوزاء : الضريع السلا ، ويقرب منه ما روي عن سعيد بن جبير أنه شجرة ذات شوك ، ثم قال أبو الجوزاء : وكيف يسمن من كان يأكل الشوكا وفي الخبر الضريع شيء يكون في النار شبيه الشوك أمر من الصبر ، وأنتن من الجيفة وأشد حرا من النار ، قال القفال : والمقصد من ذكر هذا الشراب وهذا الطعام ، بيان نهاية ذلهم وذلك لأن القوم لما أقاموا في تلك السلاسل والأغلال تلك المدة الطويلة عطاشا جياعا ، ثم ألقوا في النار فرأوا فيها ماء وشيئا من النبات ، فأحب أولئك القوم تسكين ما بهم من العطش والجوع فوجدوا الماء حميما لا يروي بل يشوي ، ووجدوا النبات مما لا يشبع ولا يغني من جوع ، فأيسوا وانقطعت أطماعهم في إزالة ما بهم من الجوع والعطش ، كما قال : { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل } ( الكهف : 29 ) / وبين أن هذه الحالة لا تزول ولا تنقطع ، نعوذ بالله منها وههنا سؤالات : السؤال الأول : قال تعالى في سورة الحاقة : { فليس له اليوم هاهنا حميم ولا طعام إلا من غسلين } ( الحاقة : 36 , 35 ) وقال ههنا : { ليس لهم طعام إلا من ضريع } والضريع غير الغسلين والجواب : من وجهين الأول : أن النار دركات فمن أهل النار من طعامه الزقوم ، ومنهم من طعامه الغسلين ، ومنهم من طعامه الضريع ، ومنهم من شرابه الحميم ، ومنهم من شرابه الصديد ، لكل باب منهم جزء مقسوم الثاني : يحتمل أن يكون الغسلين من الضريع ويكون ذلك كقوله : مالي طعام إلا من الشاه ، ثم يقول : مالي طعام إلا من اللبن ، ولا تناقض لأن اللبن من الشاة .
السؤال الثاني : كيف يوجد النبت في النار ؟ الجواب : من وجهين : الأول : ليس المراد أن الضريع نبت في النار يأكلونه ، ولكنه ضرب مثله ، أي إنهم يقتاتون بما لا يشبعهم أو يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع الثاني : لم لا يجوز أن يقال : إن النبت يوجد في النار ؟ فإنه لما لم يستبعد بقاء بدن الإنسان مع كونه لحما ودما في النار أبد الآباد ، فكذا ههنا وكذا القول في سلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها . أما قوله تعالى : ! 7 < { لا يسمن ولا يغنى من جوع } . > 7 ! < < الغاشية : ( 7 ) لا يسمن ولا . . . . . > > فهو مرفوع المحل أو مجروره على وصف طعام أو ضريع ، وأما المعنى ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن طعامهم ليس من جنس مطاعم الإنس ، وذلك لأن هذا نوع من أنواع الشوك والشوك مما يرعاه الإبل ، وهذا النوع مما ينفر عنه الإبل ، فإذن منفعتا الغذاء منتفيتان عنه ، وهما إماطة الجوع وإفادة القوة والسمن في البدن وثانيها : أن يكون المعنى لا طعام لهم أصلا لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلا عن الإنس لأن الطعام ما أشبع وأسمن وهو منهما بمعزل ، كما تقول : ليس لفلان ظل إلا الشمس تريد نفي الظل على التوكيد وثالثها : روي أن كفار قريش قالت : إن الضريع لتسمن عليه إبلنا ، فنزلت : { لا يسمن ولا يغنى من جوع } فلا يخلو إما أن يتعنتوا بذلك الكلام كذبا فيرد قولهم بنفي السمن والشبع ، وإما أن يصدقوا فيكون المعنى أن طعامهم من ضريع ليس من جنس ضريعكم ، إنما هو من ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع ، قال القاضي : يجب في كل طعامهم أن لا يغني من جوع لأن ذلك نفع ورأفة ، وذلك غير جائز في العقاب . ! 7 < { وجوه يومئذ ناعمة } . > 7 ! < < الغاشية : ( 8 ) وجوه يومئذ ناعمة > > اعلم أنه سبحانه لما ذكر وعيد الكفار ، أتبعه بشرح أحوال المؤمنين ، فذكر وصف أهل الثواب أولا ، ثم وصف دار الثواب ثانيا أما وصف أهل الثواب فبأمرين أحدهما : في ظاهرهم ، وهو قوله : { ناعمة } أي ذات بهجة وحسن ، كقوله : { تعرف فى وجوههم نضرة النعيم } ( المطففين : 24 ) أو متنعمة . ! 7 < { لسعيها راضية } . > 7 ! / والثاني : في باطنهم وهو قوله تعالى : { لسعيها راضية } < < الغاشية : ( 9 ) لسعيها راضية > > وفيه تأويلان أحدهما : أنهم حمدوا سعيهم واجتهادهم في العمل لله . لما فازوا بسببه من العاقبة الحميدة كالرجل يعمل العمل فيجزى عليه بالجميل ، ويظهر له منه عاقبة محمودة فيقول ، ما أحسن ما عملت ، ولقد وفقت للصواب فيما صنعت فيثنى على عمل نفسه ويرضاه والثاني : المراد لثواب سعيها في الدنيا راضية إذا شاهدوا ذلك الثواب ، وهذا أولى إذ المراد أن الذي يشاهدونه من الثواب العظيم يبلغ حد الرضا حتى لا يريدوا أكثر منه ، وأما وصف دار الثواب ، فاعلم أن الله تعالى وصفها بأمور سبعة : ! 7 < { في جنة عالية } . > 7 < الغاشية : ( 10 ) في جنة عالية > > أحدها قوله : { فى جنة عالية }ويحتمل أن يكون المراد هو العلو في المكان ، ويحتمل أن يكون المراد هو العلو في الدرجة والشرف والمنقبة ، أما العلو في المكان فذاك لأن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض ، قال عطاء : الدرجة مثل ما بين السماء والأرض .
! 7 < { لا تسمع فيها لاغية } . > 7 < الغاشية : ( 11 ) لا تسمع فيها . . . . . > > وثانيها : قوله : { لا تسمع فيها لاغية }وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في قوله : لا تسمع ثلاث قراآت أحدها : قرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب لاغية بالنصب والمخاطب بهذا الخطاب ، يحتمل أن يكون هو النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون لا تسمع يا مخاطب فيها لاغية ، وهذا يفيد السماع في الخطاب كقوله : { وإذا رأيت ثم رأيت } ( الإنسان : 20 ) وقوله : { إذا رأيتهم حسبتهم } ( الإنسان : 19 ) ويحتمل أن تكون هذه التاء عائدة إلى وجوه ، والمعنى لا تسمع الوجوه فيها لاغية وثانيها : قرأ نافع بالتاء المنقوطة من فوق مرفوعة على التأنيث لاغية بالرفع وثالثها : قرأ ابن كثير وأبو عمرو لا يسمع بالياء المنقوطة من تحت مضمومة على التذكير لاغية بالرفع ، وذلك جائز لوجهين الأول : أن هذا الضرب من المؤنث إذا تقدم فعله . وكان بين الفعل والاسم حائل حسن التذكير ، قال الشاعر : إن امرءا غره منكن واحدة بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور والثاني : أن المراد باللاغية اللغو فالتأنيث على اللفظ والتذكير على المعنى . المسألة الثانية : لأهل اللغة في قوله : { لاغية } ثلاثة أوجه أحدها : أنه يقال : لغا يلغو لغوا ولاغية ، فاللاغية واللغو شيء واحد ، ويتأكد هذا الوجه بقوله سبحانه : { لا يسمعون فيها لغوا } ( مريم : 62 ) ، وثانيها : أن يكون صفة والمعنى لا يسمع كلمة لاغية وثالثها : قال الأخفش : لاغية أي كلمة ذات لغو كما تقول : فارس ودارس لصاحب الفرس والدرع ، وأما أهل التفسير فلهم وجوه أحدها : أن الجنة منزهة عن اللغو لأنها منزل جيران الله تعالى وإنما نالوها بالجد والحق لا باللغو والباطل ، وهكذا كل مجلس في الدنيا شريف مكرم فإنه يكون مبرأ عن اللغو وكل ما كان أبلغ في هذا كان أكثر جلالة ، هذا ما قرره القفال والثاني : قال الزجاج لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة / والثناء على الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم والثالث : عن ابن عباس يريد لا تسمع فيها كذبا ولا بهتانا ولا كفرا بالله ولا شتما والرابع : قال مقاتل : لا يسمع بعضهم من بعض الحلف عند شراب كما يحلف أهل الدنيا إذا شربوا الخمر وأحسن الوجوه ما قرره القفال الخامس : قال القاضي : اللغو ما لا فائدة فيه ، فالله تعالى نفى عنهم ذلك ويندرج فيه ما يؤذي سامعه على طريق الأولى . ! 7 < { فيها عين جارية } . > 7 < الغاشية : ( 12 ) فيها عين جارية > > الصفة الثالثة للجنة : قوله تعالى : { فيها عين جارية }قال صاحب الكشاف : يريد عيونا في غاية الكثرة كقوله : { علمت نفس } ( التكوير : 14 ) قال القفال : فيها عين شراب جارية على وجه الأرض في غير أخدود وتجري لهم كما أرادوا ، قال الكلبي : لا أدري بماء أو غيره . ! 7 < { فيها سرر مرفوعة } . > 7 < الغاشية : ( 13 ) فيها سرر مرفوعة > >
الصفة الرابعة : قوله تعالى : { فيها سرر مرفوعة }أي عالية في الهواء وذلك لأجل أن يرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما أعطاه ربه في الجنة من النعيم والملك ، وقال خارجة بن مصعب : بلغنا أنها بعضها فوق بعض فيرتفع ما شاء الله فإذا جاء ولي الله ليجلس عليها تطامنت له فإذا استوى عليها ارتفعت إلى حيث شاء الله ، والأول أولى ، وإن كان الثاني أيضا غير ممتنع لأن ذلك بما كان أعظم في سرور المكلف ، قال ابن عباس : هي سرر ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة في السماء . ! 7 < { وأكواب موضوعة } . > 7 < الغاشية : ( 14 ) وأكواب موضوعة > > ا الصفة الخامسة : قوله تعالى : { وأكواب موضوعة }لأكواب الكيزان التي لا عرى لها قال قتادة : فهي دون الأباريق . وفي قوله : { موضوعة } وجوه أحدها : أنها معدة لأهلها كالرجل يلتمس من الرجل شيئا فيقول هو ههنا موضوع بمعنى معد وثانيها : موضوعة على حافاة العيون الجارية كلما أرادوا الشرب وجدوها مملوءة من الشرب وثالثها : موضوعة بين أيديهم لاستحسانهم إياها بسبب كونها من ذهب أو فضة أو من جوهر ، وتلذذهم بالشراب منها ورابعها : أن يكون المراد موضوعة عن حد الكبر أي هي أوساط بين الصغر والكبر كقوله : { قدروها تقديرا } . ! 7 < { ونمارق مصفوفة } . > 7 < الغاشية : ( 15 ) ونمارق مصفوفة > > الصفة السادسة : قوله تعالى : { ونمارق مصفوفة } .النمارق هي الوسائد في قول الجميع واحدها نمرقة بضم النون ، وزاد الفراء سماعا عن العرب نمرقة بكسر النون ، قال الكلبي : وسائد مصفوفة بعضها إلى جانب بعض أينما أراد أن يجلس جلس على واحدة واستند إلى أخرى . ! 7 < { وزرابي مبثوثة } . > 7 < الغاشية : ( 16 ) وزرابي مبثوثة > > الصفة السابعة : قوله تعالى : { وزرابي مبثوثة }يعني البسط والطنافس واحدها زربية وزربي بكسر الزاي في قول جميع أهل اللغة ، وتفسير مبثوثة مبسوطة منشورة أو مفرقة في المجالس . ! 7 < { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } . > 7 ! / < < الغاشية : ( 17 ) أفلا ينظرون إلى . . . . .
> > اعلم أنه تعالى لما حكم بمجيء يوم القيامة وقسم أهل القيامة إلى قسمين الأشقياء والسعداء ووصف أحوال الفريقين وعلم أنه لا سبيل إلى إثبات ذلك إلا بواسطة إثبات الصانع الحكيم ، لا جرم أتبع ذلك بذكر هذه الدلالة فقال : { أفلا ينظرون إلى الإبل } وجه الاستدلال بذلك على صحة المعاد أنها تدل على وجود الصانع الحكيم ، ومتى ثبت ذلك فقد ثبت القول بصحة المعاد . أما الأول : فلأن الأجسام متساوية في الجسمية فاختصاص كل واحد منها بالوصف الذي لأجله امتاز على الآخر ، لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص وإيجاد قادر ، ولما رأينا هذه الأجسام مخلوقة على وجه الإتقان والإحكام علمنا أن ذلك الصانع عالم ، ولما علمنا أن ذلك الصانع لا بد وأن يكون مخالفا لخلقه في نعت الحاجة والحدوث والإمكان علمنا أنه غني ، فهذا يدل على أن للعالم صانعا قادرا عالما غنيا فوجب أن يكون في غاية الحكمة ، ثم إنا نرى الناس بعضهم محتاجا إلى البعض ، فإن الإنسان الواحد لا يمكنه القيام بمهمات نفسه ، بل لا بد من بلدة يكون كل واحد من أهلها مشغولا بمهم آخر حتى يتنظم من مجموعهم مصلحة كل واحد منهم ، وذلك الانتظام لا يحسن إلا مع التكليف المشتمل على الوعد والوعيد ، ذلك لا يحصل إلا بالبعث والقيامة وخلق الجنة والنار فثبت أن إقامة الدلالة على الصانع الحكيم توجب القول بصحة البعث والقيامة فلهذا السبب ذكر الله دلالة التوحيد في آخر هذه السورة ، فإن قيل : فأي مجانسة بين الإبل والسماء والجبال والأرض ، ثم لم بدأ بذكر الإبل ؟ قلنا فيه وجهان : الأول : أن جميع المخلوقات متساوية في هذه الدلالة وذكر جميعها غير ممكن لكثرتها وأي واحد منها ذكر دون غيره كان هذا السؤال عائدا ، فوجب الحكم بسقوط هذا السؤال على جميع التقادير ، وأيضا فلعل الحكمة في ذكر هذه الأشياء التي هي غير متناسبة التنبيه على أن هذا الوجه من الاستدلال غير مختص بنوع دون نوع بل هو عام في الكل على ما قال : { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) ولو ذكر غيرها لم يكن الأمر كذلك لا جرم ذكر الله تعالى أمورا غير متناسبة بل متباعدة جدا ، تنبيها على أن جميع الأجسام العلوية والسفلية صغيرها وكبيرها حسنها وقبيحها متساوية في الدلالة على الصانع الحكيم ، فهذا وجه حسن معقول وعليه الاعتماد الوجه الثاني : وهو أن نبين ما في كل واحد من هذه الأشياء من المنافع والخواص الدالة على الحاجة إلى الصانع المدبر ، ثم نبين إنه كيف يجانس بعضها بعضا .
أما المقام الأول : فنقول الإبل له خواص منها أنه تعالى جعل الحيوان الذي يقتني أصنافا شتى فتارة يقتني ليؤكل لحمه وتارة ليشرب لبنه وتارة ليحمل الإنسان في الأسفار وتارة / لينقل أمتعة الإنسان من بلد إلى بلد وتارة ليكون له به زينة وجمال وهذه المنافع بأسرها حاصلة في الإبل ، وقد أبان الله عز وجل عن ذلك بقوله : { أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون } ( يس : 72 , 71 ) ، قال : { والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس } ( النحل : 7 , 5 ) وإن شيئا من سائر الحيوانات لا يجتمع فيه هذه الخصال فكان اجتماع هذه الخصال فيه من العجائب وثانيها : أنه في كل واحد من هذه الخصال أفضل من الحيوان الذي لا يوجد فيه إلا تلك الخصلة لأنها إن جعلت حلوبة سقت فأروت الكثير ، وإن جعلت أكولة أطعمت وأشبعت الكثير ، وإن جعلت ركوبة أمكن أن يقطع بها من المسافات المديدة ما لا يمكن قطعه بحيوان آخر ، وذلك لما ركب فيها من قوة احتمال المداومة على السير والصبر على العطش والاجتزاء من العلوفات بما لا يجتزىء حيوان آخر ، وإن جعلت حملة استغلت بحمل الأحمال الثقيلة التي لا يستقل بها سواها ، ومنها أن هذا الحيوان كان أعظم الحيوانات وقعا في قلب العرب ولذلك فإنهم جعلوا دية قتل الإنسان إبلا ، وكان الواحد من ملوكهم إذا أراد المبالغة في إعطاء الشاعر الذي جاءه من المكان البعيد أعطاه مائة بعير ، لأن امتلاء العين منه أشد من امتلاء العين من غيره ، ولهذا قال تعالى : { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } ( النحل : 6 ) ومنها أنى كنت مع جماعة في مفازة فضللنا الطريق فقدموا جملا وتبعوه فكان ذلك الجمل ينعطف من تل إلى تل ومن جانب إلى جانب والجميع كانوا يتبعونه حتى وصل إلى الطريق بعد زمان طويل فتعجبنا من قوة تخيل ذلك بالحيوان أنه بالمرة الواحدة كيف انحفظت في خياله صورة تلك المعاطف حتى أن الذين عجز جمع من العقلاء إلى الاهتداء إليه فإن ذلك الحيوان اهتدى إليه ، ومنها أنها مع كونها في غاية القوة على العمل مباينة لغيرها في الانقياد والطاعة لأضعف الحيوانات كالصبي الصغير ، ومبانية لغيرها أيضا في أنها يحمل عليها وهي باركة ثم تقوم ، فهذه الصفات الكثيرة الموجودة فيها توجب على العاقل أن ينظر في خلقتها وتركيبها ويستدل بذلك على وجود الصانع الحكيم سبحانه ، ثم إن العرب من أعرف الناس بأحوال الإبل في صحتها وسقمها ومنافعها ومضارها فلهذه الأسباب حسن من الحكيم تعالى أن يأمر بالتأمل في خلقتها . ثم قال تعالى : ! 7 < { وإلى السمآء كيف رفعت } . > 7 ! < < الغاشية : ( 18 ) وإلى السماء كيف . . . . . > > أي رفعا بعيد المدى بلا إمساك وبغير عمد . ! 7 < { وإلى الجبال كيف نصبت } . > 7 ! < < الغاشية : ( 19 ) وإلى الجبال كيف . . . . . > > نصبا ثابتا فهي راسخة لا تميل ولا تزول . ! 7 < { وإلى الا رض كيف سطحت } . > 7 ! < < الغاشية : ( 20 ) وإلى الأرض كيف . . . . .
> > سطحا بتمهيد وتوطئة ، فهي مهاد للمتقلب عليها ، ومن / الناس من استدل بهذا على أن الأرض ليست بكرة وهو ضعيف ، لأن الكرة إذا كانت في غاية العظمة يكون كل قطعة منها كالسطح ، وقرأ علي عليه السلام كيف خلقت ورفعت ونصبت وسطحت على البناء للفاعل وتاء الضمير ، والتقدير فعلتها ، فحذف المفعول . المقام الثاني : في بيان ما بين هذه الأشياء من المناسبة اعلم أن من الناس من فسر الإبل بالسحاب . قال صاحب ( الكشاف ) : ولعله لم يرد أن الإبل من أسماء السحاب ، كالغمام والمزن والرباب والغيم والغين وغير ذلك ، وإنما رأى السحاب مشبها بالإبل في كثير من أشعارهم ، فجوز أن يراد بها السحاب على طريق التشبيه والمجاز ، وعلى هذا التقدير فالمناسبة ظاهرة . أما إذا حملنا الإبل على مفهومه المشهور ، فوجه المناسبة بينها وبين السماء والجبال والأرض من وجهين الأول : أن القرآن نزل على لغة العرب وكانوا يسافرون كثيرا ، لأن بلدتهم بلدة خالية من الزرع ، وكانت أسفارهم في أكثر الأمر على الإبل ، فكانوا كثيرا ما يسيرون عليها في المهامة والقفار مستوحشين منفردين عن الناس ، ومن شأن الإنسان إذا انفرد أن يقبل على التفكر في الأشياء ، لأنه ليس معه من يحادثه ، وليس هناك شيء يشغل به سمعه وبصره ، وإذا كان كذلك لم يكن له بد من أن يشغل باله بالفكرة ، فإذا فكر في ذلك الحال وقع بصره أول الأمر على الجمل الذي ركبه ، فيرى منظرا عجيبا ، وإذا نظر إلى فوق لم ير غير السماء ، وإذا نظر يمينا وشمالا لم ير غير الجبال ، وإذا نظر إلى ما تحت لم ير غير الأرض ، فكأنه تعالى أمره بالنظر وقت الخلوة والانفراد عن الغير حتى لا تحمله داعية الكبر والحسد على ترك النظر ، ثم إنه في وقت الخلوة في المفازة البعيدة لا يرى شيئا سوى هذه الأشياء ، فلا جرم جمع الله بينها في هذه الآية الوجه الثاني : أن جميع المخلوقات دالة على الصانع إلا أنها على قسمين : منها ما يكون للحكمة وللشهوة فيها نصيب معا ، ومنها ما يكون للحكمة فيها نصيب ، وليس للشهوة فيها نصيب . والقسم الأول : كالإنسان الحسن الوجه ، والبساتين النزهة ، والذهب والفضة وغيرها ، فهذه الأشياء يمكن الاستدلال بها على الصانع الحكيم ، إلا أنها متعلق الشهوة ومطلوبة للنفس ، فلم يأمر تعالى بالنظر فيها ، لأنه لم يؤمن عند النظر إليها وفيها أن تصير داعية الشهوة غالبة على داعية الحكمة فيصير ذلك مانعا عن إتمام النظر والفكر وسببا لاستغراق النفس في محبته . أما القسم الثاني : فهو كالحيوانات التي لا يكون في صورتها حسن ، ولكن يكون داعية تركيبها حكم باللغة وهي مثل الإبل وغيرها ، إلا أن ذكر الإبل ههنا أولى لأن إلف العرب بها أكثر وكذا السماء والجبال والأرض ، فإن دلائل الحدوث والحاجة فيها ظاهرة ، وليس فيها ما يكون نصيبا للشهوة ، فلما كان هذا القسم بحيث يكمل نصيب الحكمة فيه مع الأمن من زحمة الشهوة لا جرم أمر الله بالتدبر فيها فهذا ما يحضرنا في هذا الموضع وبالله التوفيق . ! 7 < { فذكر إنمآ أنت مذكر } . > 7 ! / < < الغاشية : ( 21 ) فذكر إنما أنت . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين الدلائل على صحة التوحيد والمعاد ، قال لرسوله صلى الله عليه وسلم : { فذكر إنما أنت مذكر } وتذكير الرسول إنما يكون بذكر هذه الأدلة وأمثالها والبعث على النظر فيها والتحذير من ترك تلك ، وذلك بعث منه تعالى للرسول على التذكير والصبر على كل عارض معه ، وبيان أنه إنما بعث لذلك دون غيره ، فلهذا قال : { إنما أنت مذكر } .
! 7 < { لست عليهم بمسيطر } . > 7 < الغاشية : ( 22 ) لست عليهم بمصيطر > > قال صاحب ( الكشاف ) : { بمصيطر } بمسلط ، كقوله : { يقولون وما أنت عليهم بجبار } ( ق : 45 ) وقوله : { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } ( يونس : 99 ) وقيل : هو في لغة تميم مفتوح الطاء على أن سيطر متعد عندهم ، والمعنى أنك ما أمرت إلا بالتذكير ، فأما أن تكون مسلطا عليهم حتى تقتلهم ، أو تكرههم على الإيمان فلا ، قالوا : ثم نسختها آية القتال ، هذا قول جميع المفسرين ، والكلام في تفسير هذا الحرف قد تقدم عند قوله : { أم هم } ( الطور : 37 ) . أما قوله تعالى : ! 7 < { إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الا كبر } . > 7 ! < < الغاشية : ( 23 ) إلا من تولى . . . . . > > ففيه مسائل . المسألة الأولى : في الآية قولان : أحدهما : أنه استثناء حقيقي ، وعلى هذا التقدير هذا الاستثناء ، استثناء عماذا ؟ فيه احتمالان الأول : أن يقال التقدير : فذكر إلا من تولى وكفر والثاني : أنه استثناء عن الضمير في { سواء عليهم } ( الغاشية : 22 ) والتقدير : لست عليهم بمسيطر إلا من تولى . واعترض عليه بأنه عليه السلام ما كان حينئذ مأمورا بالقتال وجوابه : لعل المراد أنك لا تصبر مسلطا إلا على من تولى القول الثاني : أنه استثناء منقطع عما قبله ، كما تقول في الكلام : قعدنا نتذكر العلم ، إلا أن كثيرا من الناس لا يرغب ، فكذا ههنا التقدير لست بمسئول عليهم ، لكن من تولى منهم فإن الله يعذبه العذاب الأكبر الذي هو عذاب جهنم ، قالوا وعلامة كون الاستثناء منقطعا حسن دخول أن في المستثني ، وإذا كان الاستثناء متصلا لم يحسن ذلك ، ألا ترى أنك تقول : عندي مائتان إلا درهما ، فلا تدخل عليه أن ، وههنا يحسن أن ، فإنك تقول : إلا أن من تولى وكفر فيعذبه الله . المسألة الثانية : قرىء : ( ألا من تولى ) على التنبيه ، وفي قراءة ابن مسعود : ( فإنه يعذبه ) . المسألة الثالثة : إنما سماه العذاب الأكبر لوجوه أحدها : أنه قد بلغ حد عذاب الكفر وهو الأكبر ، لأن ما عداه من عذاب الفسق دونه ، ولهذا قال تعالى : { ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر } ( السجدة : 21 ) ، وثانيها : هو العذاب في الدرك الأسفل في النار وثالثها : أنه قد / يكون العذاب الأكبر حاصلا في الدنيا ، وذلك بالقتل وسبي الذرية وغنيمة الأموال ، القول الأول أولى وأقرب . ثم قال تعالى : ! 7 < { إن إلينآ إيابهم ثم إن علينا حسابهم } . > 7 < الغاشية : ( 25 ) إن إلينا إيابهم > >
وهذا كأنه من صلة قوله : { فيعذبه الله العذاب الاكبر } ( الغاشية : 24 ) وإنما ذكر تعالى ذلك ليزيل به عن قلب النبي صلى الله عليه وسلم حزنه على كفرهم ، فقال : طب نفسا عليهم ، وإن عاندوا وكذبوا وجحدوا فإن مرجعهم إلى الموعد الذي وعدنا ، فإن علينا حسابهم وفيه سؤال : وهو أن محاسبة الكفار إنما تكون لإيصال العقاب إليهم وذلك حق الله تعالى ، ولا يجب على المالك أن يستوفي حق نفسه والجواب : أن ذلك واجب عليه إما بحكم الوعد الذي يمتنع وقوع الخلف فيه ، وإما في الحكمة ، فإنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لكان ذلك شبيها بكونه تعالى راضيا بذلك الظلم وتعالى الله عنه ، فلهذا السبب كانت المحاسبة واجبة وههنا مسألتان : المسألة الأولى : قرأ أبو جعفر المدني : { إيابهم } بالتشديد . قال صاحب ( الكشاف ) : وجهه أن يكون فيعالا مصدره أيب فيعل من الإياب ، أو يكون أصله أوابا فعالا من أوب ، ثم قيل : إيوابا كديوان في دون ، ثم فعل به ما فعل بأصل سيد . المسألة الثانية : فائدة تقديم الظرف التشديد بالوعيد ، فإن { إيابهم } ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام ، وأن حسابهم ليس بواجب إلا عليه ، وهو الذي يحاسب على النقير والقطمير ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة الفجر ) 1 < > ثلاثون آية مكية ! 7 < { والفجر وليال عشر والشفع والوتر واليل إذا يسر هل فى ذلك قسم لذى حجر } . > 7 ! / < < الفجر : ( 1 ) والفجر > > اعلم أن هذه الأشياء التي أقسم الله تعالى بها لا بد وأن يكون فيها إما فائدة دينية مثل كونها دلائل باهرة على التوحيد ، أو فائدة دنيوية توجب بعثا على الشكر ، أو مجموعهما ، ولأجل ما ذكرناه اختلفوا في تفسير هذه الأشياء اختلافا شديدا ، فكل أحد فسره بما رآه أعظم درجة في الدين ، وأكثر منفعة في الدنيا . أما قوله : { والفجر } فذكروا فيه وجوها أحدها : ما روي عن ابن عباس أن الفجر هو الصبح المعروف ، فهو انفجار الصبح الصادق والكاذب ، أقسم الله تعالى به لما يحصل به من انقضاء الليل وظهور الضوء ، وانتشار الناس وسائر الحيوانات من الطير والوحوش في طلب الأرزاق ، وذلك مشاكل لنشور الموتى من قبورهم ، وفيه عبرة لمن تأمل ، وهذا كقوله : { والصبح إذا أسفر } ( المدثر : 34 ) وقال في موضع آخر ، { والصبح إذا تنفس } ( التكوير : 18 ) وتمدح في آية أخرى بكونه خالفا له ، فقال : { فالق الإصباح } ( الإنعام : 96 ) ومنهم من قال المراد به جميع النهار إلا أنه دل بالابتداء على الجميع ، نظيره : { والضحى } ( الضحى : 1 ) وقوله : { والنهار إذا تجلى } ( الليل : 2 ) وثانيها : أن المراد نفسه صلاة الفجر وإنما أقسم بصلاة الفجر لأنها صلاة في مفتتح النهار وتجتمع لها ملائكة النهار وملائكة الليل كما قال تعالى : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى } ( الإسراء : 78 ) أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار القراءة في صلاة الصبح وثالثها : أنه فجر يوم معين ، وعلى هذا القول ذكروا وجوها الأول : أنه فجر يوم النحر ، وذلك لأن أمر المناسك من خصائص ملة إبراهيم ، وكانت العرب لا تدع الحج وهو يوم عظيم يأتي الإنسان فيه بالقربان كأن الحاج يريد أن يتقرب بذبح نفسه ، فلما عجز عن ذلك فدى نفسه بذلك القربان ، / كما قال تعالى : { وفديناه بذبح عظيم } ( الصافات : 107 ) الثاني : أراد فجر ذي الحجة لأنه قرن به قوله : { وليال عشر } ولأنه أول شهر هذه العبادة المعظمة الثالث : المراد فجر المحرم ، أقسم به لأنه أول يوم من كل سنة وعند ذلك يحدث أمورا كثيرة مما يتكرر بالسنين كالحج والصوم والزكاة واستئناف الحساب بشهور الأهلة ، وفي الخبر أن أعظم الشهور عند الله المحرم ، وعن ابن عباس أنه قال : فجر السنة هو المحرم فجعل جملة المحرم فجرا ورابعها : أنه عنى بالفجر العيون التي تنفجر منها المياه ، وفيها حياة الخلق ، أما قوله : { وليال عشر } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : إنما جاءت منكرة من بين ما أقسم الله به لأنها ليال مخصوصة بفضائل لا تحصل في غيرها والتنكير دال على الفضيلة العظيمة . المسألة الثانية : ذكروا فيه وجوها أحدها : أنها عشر ذي الحجة لأنها أيام الاشتغال بهذا النسك في الجملة ، وفي الخبر ما من أيام العمل الصالح فيه أفضل من أيام العشر وثانيها : أنها عشر المحرم من أوله إلى آخره ، وهو تنبيه على شرف تلك الأيام ، وفيها يوم عاشوراء ولصومه من الفضل ما ورد به الأخبار وثالثها : أنها العشر الأواخر من شهر رمضان ، أقسم الله تعالى بها لشرفها وفيها ليلة القدر ، إذ في الخبر اطلبوها في العشر الأخير من رمضان ، وكان عليه الصلاة والسلام ، إذا دخل العشر الأخير من رمضان شد المئزر ، وأيقظ أهله أي كف عن الجماع وأمر أهله بالتهجد ، وأما قوله : { والشفع والوتر } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : الشفع والوتر ، هو الذي تسميه العرب الخسا والزكا والعامة الزوج والفرد / قال يونس : أهل العالية يقولون الوتر بالفتح في العدد والوتر بالكسر في الذحل وتميم تقول وتر بالكسر فيهما معا ، وتقول أوترته أوتره إيتارا أي جعلته وترا ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : ( من استجمر فليوتر ) والكسر قراءة الحسن والأعمش وابن عباس ، والفتح قراءة أهل المدينة وهي لغة حجازية .
المسألة الثانية : اضطرب المفسرون في تفسير الشفع والوتر ، وأكثروا فيه ، ونحن نرى ما هو الأقرب أحدها : أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة ، وإنما أقسم الله بهما لشرفهما أما يوم عرفة فهو الذي عليه يدور أمر الحج كما في الحديث الحج عرفة ، وأما يوم النحر فيقع فيه القربان وأكثر أمور الحج من الطواف المفروض ، والحلق والرمي ، ويروى يوم النحر هو يوم الحج الأكبر فلما اختص هذان اليومان بهذه الفضائل لا جرم أقسم الله بهما وثانيها : أن أيام التشريق أيام بقية أعمال الحج فهي أيام شريفة ، قال الله تعالى : { واذكروا الله فى أيام معدودات فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه } ( البقرة : 203 ) والشفع هو يومان بعد يوم النحر ، الوتر هو اليوم الثالث ، ومن ذهب إلى هذا القول قال : حمل الشفع والوتر على هذا أولى من حملهما على العيد وعرفة من وجهين الأول : أن العيد وعرفة دخلا في العشر ، فوجب أن يكون المراد بالشفع والوتر غيرهما / الثاني : أن بعض أعمال الحج إنما يحصل في هذه الأيام ، فحمل اللفظ على هذا يفيد القسم بجميع أيام أعمال المناسك وثالثها : الوتر آدم شفع بزوجته ، وفي رواية أخرى الشفع آدم وحواء والوتر هو الله تعالى ورابعها : الوتر ما كان وترا من الصلوات كالمغرب والشفع ما كان شفعا منها ، روى عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( هي الصلوات منها شفع ومنها وتر ) وإنما أقسم الله بها لأن الصلاة تالية للإيمان ، ولا يخفى قدرها ومحلها من العبادات وخامسها : الشفع هو الخلق كله لقوله تعالى : { ومن كل شىء خلقنا زوجين } ( الذاريات : 49 ) وقوله : { وخلقناكم أزواجا } ( النبأ : 8 ) والوتر هو الله تعالى ، وقال بعض المتكلمين : لا يصح أن يقال الوتر هو الله لوجوه الأول : أنا بينا أن قوله : { والشفع والوتر } تقديره ورب الشفع والوتر ، فيجب أن يراد بالوتر المربوب فبطل ما قالوه الثاني : أن الله تعالى لا يذكر مع غيره على هذا الوجه بل يعظم ذكره حتى يتميز من غيره ، وروي أن عليه الصلاة والسلام سمع من يقول الله ورسوله فنهاه ، وقال : ( قل الله ثم رسوله ) قالوا : وما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( إن الله وتر يحب الوتر ) ليس بمقطوع به وسادسها : أن شيئا من المخلوقات لا ينفك عن كونه شفعا ووترا فكأنه يقال : أقسم برب الفرد والزوج من خلق فدخل كل الخلق تحته ، ونظيره قوله : { فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون } ( الحاقة : 39 , 38 ) وسابعها : الشفع درجات الجنة وهي ثمانية ، والوتر دركات النار وهي سبعة وثامنها : الشفع صفات الخلق كالعلم والجهل والقدرة والعجز والإرادة والكراهية والحياة والموت ، أما الوتر فهو صفة الحق وجود بلا عدم ، حياة بلا موت ، علم بلا جهل ، قدرة بلا عجز ، عز بلا ذل وتاسعها : المراد بالشفع والوتر ، نفس العدد فكأنه أقسم بالحساب الذي لا بد للخلق منه وهو بمنزلة الكتاب والبيان الذي من الله به على العباد إذ قال : { علم بالقلم علم الإنسان لم يعلم } ( العلق : 5 , 4 ) ، وقال : { علمه البيان } ( الرحمن : 4 ) .
وكذلك بالحساب ، يعرف مواقيت العبادات والأيام والشهور ، قال تعالى : { الشمس والقمر بحسبان } ( الرحمن : 5 ) وقال : { لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذالك إلا بالحق } ( يونس : 5 ) وعاشرها : قال مقاتل الشفع هو الأيام والليالي والوتر هو اليوم الذي لا ليل بعده وهو يوم القيامة الحادي عشر : الشفع كل نبي له اسمان مثل محمد وأحمد والمسيح وعيسى ويونس وذي النون والوتر كل نبي له اسم واحد مثل آدم ونوح وإبراهيم الثاني عشر : الشفع آدم وحواء والوتر مريم الثالث عشر : الشفع العيون الإثنتا عشرة ، التي فجرها الله تعالى لموسى عليه السلام والوتر الآيات التسع التي أوتى موسى في قوله : { ولقد ءاتينا موسى تسع ءايات بينات } ( الإسراء : 101 ) ، الرابع عشر : الشفع أيام عاد والوتر لياليهم لقوله تعالى : { سبع ليال وثمانية أيام حسوما } ( الحاقة : 7 ) الخامس عشر : الشفع البروج الإثنا عشر لقوله تعالى : { جعل فى السماء بروجا } ( الفرقان : 61 ) والوتر الكواكب السبعة السادس عشر : الشفع الشهر الذي يتم ثلاثين يوما ، والوتر الشهر الذي يتم تسعة وعشرين يوما السابع عشر : الشفع الأعضاء والوتر القلب ، قال تعالى : { ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه } ( الأحزاب : 4 ) ، الثامن عشر : الشفع الشفتان / والوتر اللسان قال تعالى : { ولسانا وشفتين } ( البلد : 9 ) التاسع عشر : الشفع السجدتان والوتر الركوع العشرون : الشفع أبواب الجنة لأنها ثمانية والوتر أبواب النار لأنها سبعة ، واعلم أن الذي يدل عليه الظاهر ، أن الشفع والوتر أمران شريفان ، أقسم الله تعالى بهما ، وكل هذه الوجوه التي ذكرناها محتمل ، والظاهر لا إشعار له بشيء من هذه الأشياء على التعيين ، فإن ثبت في شيء منها خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع من أهل التأويل حكم بأنه هو المراد ، وإن لم يثبت ، فيجب أن يكون الكلام على طريقة الجواز لا على وجه القطع ، ولقائل أن يقول أيضا : إني أحمل الكلام على الكل لأن الألف واللام في الشفع والوتر تفيد العموم ، أما قوله تعالى : { واليل إذا يسر } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : { إذا يسر } إذا يمضي كما قال : { واليل إذا أدبر } ( المدثر : 33 ) وقوله : { واليل إذا عسعس } ( التكوير : 27 ) وسراها ومضيها وانقضاؤها أو يقال : سراها هو السير فيها ، وقال قتادة : { إذا يسر } أي إذا جاء وأقبل . المسألة الثانية : أكثر المفسرين على أنه ليس المراد منه ليلة مخصوصة بل العموم بدليل قوله : { واليل إذا أدبر } { واليل إذا عسعس } ولأن نعمة الله بتعاقب الليل والنهار واختلاف مقاديرهما على الخلق عظيمة ، فصح أن يقسم به لأن فيه تنبيها على أن تعاقبهما بتدبيره مدبر حكيم عالم بجميع المعلومات ، وقال مقاتل : هلي ليلة المزدلفة فقوله : { إذا يسر } أي إذا يسار فيه كما يقال : ليل نائم لوقوع النوم فيه ، وليل ساهر لوقوع السهر فيه ، وهي ليلة يقع السري في أولها عند الدفع من عرفات إلى المزدلفة ، وفي آخرها كما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقدم ضعفة أهله في هذه الليل ، وإنما يجوز ذلك عند الشافعي رحمه الله بعد نصف الليل . المسألة الثالثة : قال الزجاج : قرىء { إذا يسر } بإثبات الياء ، ثم قال : وحذفها أحب إلي لأنها فاصلة والفواصل تحذف منها الياءات ، ويدل عليها الكسرات ، قال الفراء : والعرب قد تحذف الياء وتكتفي بكسرة ما قبلها ، وأنشد : كفاك كف ما يبقى درهما جودا وأخرى تعط بالسيف الدما فإذا جاز هذا في غير الفاضلة فهو في الفاصلة أولى ، فإن قيل : لم كان الاختيار أن تحذف الياء إذا كان في فاصلة أو قافية ، والحرف من نفس الكلمة ، فوجب أن يثبت كما أثبت سائر الحروف ولم يحذف ؟ أجاب أبو علي فقال : القول في ذلك أن الفواصل والقوافي موضع وقف والوقف موضع تغيير فلما كان الوقف تغير فيه الحروف الصحيحة بالتضعيف والإسكان وروم الحركة فيها غيرت هذه الحروف المشابهة للزيادة بالحذف ، وأما من أثبت الياء في يسري في الوصل والوقف فإنه يقول : الفعل لا يحذف منه في الوقف كما يحذف في الأسماء نحو قاض وغاز ، تقول : هو يقضي وأنا أقضي فتثبت الياء ولا تحذف . وقوله تعالى : { هل فى ذلك قسم لذى حجر } فيه مسألتان : المسألة الأولى : الحجر العقل سمي به لأنه يمنع عن الوقوع فيما لا ينبغي كما سمي عقلا ونهية / لأنه يعقل ويمنع وحصاة من الإحصاء وهو الضبط ، قال الفراء : والعرب تقول إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها كأنه أخذ من قولهم حجرت على الرجل ، وعلى هذا سمي العقل حجرا لأنه يمنع من القبيح من الحجر وهو المنع من الشيء بالتضييق فيه . المسألة الثانية : قوله : { هل فى ذلك قسم } استفهام والمراد منه التأكيد كمن ذكر حجة باهرة ، ثم قال : هل فيما ذكرته حجة ؟ والمعنى أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله تعالى به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية ، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه . قال القاضي : وهذه الآية تدل على ما قلنا : أن القسم واقع برب هذه الأمور لأن هذه الآية دالة على أن هذا مبالغة في القسم . ومعلوم أن المبالغة في القسم لا تحصل إلا في القسم بالله ، ولأن النهي قد ورد بأن يحلف العاقل بهذه الأمور . ! 7 < { ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التى لم يخلق مثلها فى البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذى الا وتاد الذين طغوا فى البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد } . > 7 ! < <
الفجر : ( 6 ) ألم تر كيف . . . . . > > واعلم أن في جواب القسم وجهين الأول : أن جواب القسم هو قوله : { إن ربك لبالمرصاد } وما بين الموضعين معترض بينهما الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : المقسم عليه محذوف وهو لنعذبن الكافرين ، يدل عليه قوله تعالى : { ألم تر } إلى قوله { فصب عليهم ربك سوط عذاب } وهذا أولى من الوجه الأول لأنه لما لم يتعين المقسم عليه ذهب الوهم إلى كل مذهب ، فكان أدخل في التخويف ، فلما جاء بعده بيان عذاب الكافرين دل على أن المقسم عليه أولا هو ذلك . أما قوله تعالى : { ألم تر } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : ألم تر ، ألم تعلم لأن ذلك مما لا يصح أن يراه الرسول وإنما أطلق لفظ الرؤية ههنا على العلم ، وذلك لأن أخبار عاد وثمود وفرعون كانت منقولة بالتواترا أما عاد وثمود فقد كانا في بلاد العرب وأما فرعون فقد كانوا يسمعونه من أهل الكتاب ، وبلاد فرعون أيضا / متصلة بأرض العرب وخبر التواتر يفيد العلم الضروري ، والعلم الضروري جار مجرى الرؤية في القوة والجلاء والبعد عن الشبهة ، فلذلك قال : { ألم تر } بمعنى ألم تعلم . المسألة الثانية : قوله : { ألم تر } وإن كان في الظاهر خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم لكنه عام لكل من علم ذلك . والمقصود من ذكر الله تعالى حكايتهم أن يكون زجرا للكفار عن الإقامة على مثل ما أدى إلى هلاك عاد وثمود وفرعون وقومه ، وليكون بعثا للمؤمنين على الثبات على الإيمان . أما قوله تعالى : { بعاد إرم ذات العماد } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى ذكر ههنا قصة ثلاث فرق من الكفار المتقدمين وهي عاد وثمود وقوم فرعون على سبيل الإجمال حيث قال : { فصب عليهم ربك سوط عذاب } ولم يبين كيفية ذلك العذاب ، وذكر في سورة الحاقة بيان ما أبهم في هذه السورة فقال : { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر } إلى قوله { وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة } ( الحاقة : 9 ) الآية . المسألة الثانية : عاد هو عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح ، ثم إنهم جعلوا لفظة عاد اسما للقبيلة كما يقال لبني هاشم هاشم ولبني تميم تميم ، ثم قالوا للمتقدمين من هذه القبيلة عاد الأولى قال تعالى : { وأنه أهلك عادا الاولى } ( النجم : 50 ) وللمتأخرين عاد الأخيرة ، وأما إرم فهو اسم لجد عاد ، وفي المراد منه في هذه الآية أقوال : أحدها : أن المتقدمين من قبيلة عاد كانوا يسمون بعاد الأولى فلذلك يسمون بإرم تسمية لهم باسم جدهم والثاني : أن إرم اسم لبلدتهم التي كانوا فيها ثم قبل تلك المدينة هي الإسكندرية وقيل دمشق والثالث : أن إرم أعلام قوم عاد كانوا يبنونها على هيئة المنارة وعلى هيئة القبور ، قال أبو الدقيش : الأروم قبور عاد ، وأنشد : بها أروم كهوادي البخث ومن الناس من طعن في قول من قال : إن إرم هي الإسكندرية أو دمشق ، قال : لأن منازل عاد كانت بين عمان إلى حضرموت وهي بلاد الرمال والأحقاف ، كما قال : { واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف } ( الأحقاق : 21 ) وأما الإسكندرية ودمشق فليستا من بلاد الرمال . المسألة الثالثة : إرم لا تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث .
المسألة الرابعة : في قوله : { إرم } وجهان وذلك لأنا إن جعلناه اسم القبيلة كان قوله : { إرم } عطف بيان لعاد وإيذانا بأنهم عاد الأولى القديمة وإن جعلناه اسم البلدة أو الأعلام كان التقدير بعاد أهل إرم ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامع ، كما في قوله : { واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) ويدل عليه قراءة ابن الزبير بعاد إرم على الإضافة . المسألة الخامسة : قرأ الحسن : { بعاد إرم } مفتوحين وقرىء : { بعاد إرم } بسكون الراء على / التخفيف كما قرىء : { بورقكم } ( الكهف : 19 ) وقرىء : { بعاد إرم ذات العماد } بإضافة { إرم } إلى { ذات العماد } وقرىء : { بعاد إرم ذات العماد } بدلا من فعل ربك ، والتقدير : ألم تر كيف فعل ربك بعاد جعل ذات العماد رميما ، أما قوله : { ذات العماد } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في إعرابه وجهان وذلك لأنا إن جعلنا : { إرم } اسم القبيلة فالمعنى أنهم كانوا بدويين يسكنون الأخبية والخيام والخبار لا بد فيها من العماد ، والعماد بمعنى العمود . وقد يكون جمع العمد أو يكون المراد بذات العماد أنهم طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة وقيل : ذات البناء الرفيع ، وإن جعلناه اسم البلد فالمعنى أنها ذات أساطين أي ذات أبنية مرفوعة على العمد وكانوا يعالجون الأعمدة فينصبونها ويبنون فوقها القصور ، قال تعالى في وصفهم : { أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون } ( الشعراء : 128 ) أي علامة وبناء رفيعا . المسألة الثانية : روي أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها . فسمع بذكر الجنة فقال : ابني مثلها ، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار ، فلما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته ، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا ، وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوصل إلى جنة شداد فحمل ما قدر عليه مما كان هناك وبلغ خبره معاوية فاستحضره وقص عليه ، فبعث إلى كعب فسأله ، فقال : هي إرم ذات العماد ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال ، يخرج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن ( أبي ) قلابة فقال : هذا والله هو ذلك الرجل .
Preguntas
- ¿Qué es el tawhid, la creencia islámica en la unicidad de Dios?
- ¿Cuáles son los seis pilares de la fe (iman) en el islam?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?