Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
! 7 < { الله الصمد } . > 7 < الإخلاص : ( 2 ) الله الصمد > > قوله تعالى : { الله الصمد } فيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في تفسير : { الصمد } وجهين الأول : أنه فعل بمعنى مفعول من صمد إليه إذا قصده ، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج ، قال الشاعر : ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وقال أيضا : علوته بحسامي ثم قلت له خذها حذيف فأنت السيد الصمد والدليل على صحة هذا التفسير ما روى ابن عباس : ( أنه لما نزلت هذه الآية قالوا : ما الصمد ؟ قال عليه السلام هو السيد الذي يصمد إليه في الحوائج ) وقال الليث : صمدت صمد هذا الأمر أي قصدت قصده والقول الثاني : أن الصمد هو الذي لا جوف له ، ومنه يقال : لسداد القارورة الصماد ، وشيء مصمد أي صلب ليس فيه رخاوة ، وقال قتادة : وعلى هذا التفسير : الدال فيه مبدلة من التاء وهو المصمت ، وقال بعض المتأخرين من أهل اللغة : الصمد هو الأملس من الحجر الذي لا يقبل الغبار ولا يدخله شيء ولا يخرج منه شيء ، واعلم أنه قد استدل قوم من جهال المشبهة بهذه الآية في أنه تعالى جسم ، وهذا باطل لأنا بينا أن كونه أحدا ينافي جسما فمقدمة هذا الآية دالة على أنه لا يمكن أن يكون المراد من الصمد هذا المعنى ، ولأن الصمد بهذا التفسير صفة الأجسام المتضاغطة وتعالى الله عن ذلك ، فإذن يجب أن يحمل ذلك على مجازه ، وذلك لأن الجسم الذي يكون كذلك يكون عديم الانفعال والتأثر عن الغير وذلك إشارة إلى كونه سبحانه واجبا لذاته ممتنع التغير في وجوده وبقائه وجميع صفاته ، فهذا ما يتعلق بالبحث اللغوي في هذه الآية . وأما المفسرون فقد نقل عنهم وجوه ، بعضها يليق بالوجه الأول وهو كونه تعالى سيدا مرجوعا إليه في دفع الحاجات ، وهو إشارة إلى الصفات الإضافية ، وبعضها بالوجه الثاني وهو كونه تعالى واجب الوجود في ذاته وفي صفاته ممتنع التغير فيهما وهو إشارة إلى الصفات السلبية وتارة يفسرون الصمد بما يكون جامعا للوجهين . أما النوع الأول : فذكروا فيه وجوها : الأول : الصمد هو العالم بجميع المعلومات لأن كونه سيدا مرجوعا إليه في قضاء الحاجات لا يتم إلا بذلك الثاني : الصمد هو الحليم لأن كونه سيدا يقتضي الحلم والكرم الثالث : وهو قول ابن مسعود والضحاك الصمد هو السيد الذي قد انتهى سؤدده الرابع : قال الأصم : الصمد هو الخالق للأشياء ، وذلك لأن كونه سيدا يقتضي ذلك الخامس : قال السدي : الصمد هو المقصود في الرغائب ، المستغاث به عند المصائب السادس : قال الحسين بن الفضل البجلي : الصمد هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، لا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه السابع : أنه السيد المعظم الثامن : أنه الفرد الماجد لا يقضي في أمر دونه .
/ وأما النوع الثاني : وهو الإشارة إلى الصفات السلبية فذكروا فيه وجوها : الأول : الصمد هو الغني على ما قال : { وهو الغنى الحميد } الثاني : الصمد الذي ليس فوقه أحد لقوله : { وهو القاهر فوق عباده } ولا يخاف من فوقه ، ولا يرجو من دونه ترفع الحوائج إليه الثالث : قال قتادة : لا يأكل ولا يشرب : { وهو يطعم ولا يطعم } الرابع : قال قتادة : الباقي بعد فناء خلقه : { كل من عليها فان } الخامس : قال الحسن البصري : الذي لم يزل ولا يزال ، ولا يجوز عليه الزوال كان ولا مكان ، ولا أين ولا أواه ، ولا عرش ولا كرسي ، ولا جني ولا إنسي وهو الآن كما كان السادس : قال يمان وأبو مالك : الذي لا ينام ولا يسهو الثامن : قال ابن كيسان : هو الذي لا يوصف بصفة أحد التاسع : قال مقاتل بن حبان : هو الذي لا عيب فيه العاشر : قال الربيع بن أنس : هو الذي لا تغتريه الآفات الحادي عشر : قال سعيد بن جبير : إنه الكامل في جميع صفاته ، وفي جميع أفعاله الثاني عشر : قال جعفر الصادق : إنه الذي يغلب ولا يغلب الثالث عشر : قال أبو هريرة : إنه المستغنى عن كل أحد الرابع عشر : قال أبو بكر الوراق : إنه الذي أيس الخلائق من الاطلاع على كيفيته الخامس عشر : هو الذي لا تدركه الأبصار السادس عشر : قال أبو العالية ومحمد القرظي : هو الذي لم يلد ولم يولد ، لأنه ليس شيء إلا سيورث ، ولا شيء يولد إلا وسيموت السابع عشر : قال ابن عباس : إنه الكبير الذي ليس فوقه أحد الثامن عشر : أنه المنزه عن قبول النقصانات والزيادات ، وعن أن يكون موردا للتغيرات والتبدلات ، وعن إحاطة الأزمنة والأمكنة والآنات والجهات . وأما الوجه الثالث : وهو أن يحمل لفظ الصمد على الكل وهو محتمل ، لأنه بحسب دلالته على الوجوب الذاتي يدل على جميع السلوب ، وبحسب دلالته على كونه مبدأ للكل يدل على جميع النعوت الإلهية . المسألة الثانية : قوله : { الله الصمد } يقتضي أن لا يكون في الوجود صمد سوى الله ، وإذا كان الصمد مفسرا بالمصمود إليه في الحوائج ، أو بما لا يقبل التغير في ذاته لذم أن لا يكون في الوجود موجود عكذا سوى الله تعالى ، فهذه الآية تدل على أنه لا إله سوى الواحد ، فقوله : { الله أحد } إشارة إلى كونه واحدا ، بمعنى أنه ليس في ذاته تركيب ولا تأليف بوجه من الوجوه ، وقوله : { الله الصمد } إشارة إلى كونه واحدا ، بمعنى نفي الشركاء والأنداد والأضداد . وبقي في الآية سؤالان : السؤال الأول : لم جاء أحد منكرا ، وجاء الصمد معرفا ؟ الجواب : الغالب على أكثر أوهام الخلق أن كل موجود محسوس ، وثبت أن كل محسوس فهو منقسم ، فإذا مالا يكون منقسما لا يكون خاطرا بيان أكثر الخلق ، وأما الصمد فهو الذي يكون مصمودا إليه في الحوائج ، وهذا كان معلوما للعرب بل لأكثر الخلق على ما قال : { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } وإذا كانت / الأحدية مجهولة مستنكرة عند أكثر الخلق ، وكانت الصمدية معلومة الثبوت عند جمهور الخلق ، لا جرم جاء لفظ أحد على سبيل التنكير ولفظ الصمد على سبيل التعريف .
السؤال الثاني : ما الفائدة في تكرير لفظة الله في قوله : { الله أحد الله الصمد } ؟ الجواب : لو لم تكرر هذه اللفظة لوجب في لفظ أحد وصمد أن يردا ، إما نكرتين أو معرفتين ، وقد بينا أن ذلك غير جائز ، فلا جرم كررت هذه اللفظة حتى يذكر لفظ أحد منكرا ولفظ الصمد معرفا . ! 7 < { لم يلد ولم يولد } . > 7 ! قوله تعالى : { لم يلد ولم يولد } < < الإخلاص : ( 3 ) لم يلد ولم . . . . . > > فيه سؤالات : السؤال الأول : لم قدم قوله : { لم يلد } على قوله : { ولم يولد } مع أن في الشاهد يكون أولا مولودا ، ثم يكون والدا ؟ الجواب : إنما وقعت البداءة بأنه لم يلد ، لأنهم ادعوا أن له ولدا ، وذلك لأن مشركي العرب قالوا : { الملائكة بنات الله وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله } ولم يدع أحد أن له والدا فلهذا السبب بدأ بالأهم فقال : { لم يلد } ثم أشار إلى الحجة فقال : { ولم يولد } كأنه قيل : الدليل على امتناع الولدية اتفاقنا على أنه ما كان ولدا لغيره . السؤال الثاني : لماذا اقتصر على ذكر الماضي فقال : { لم يلد } ولم يقل : لن يلد ؟ الجواب : إنما اقتصر على ذلك لأنه ورد جوابا عن قولهم ولد الله والدليل عليه قوله تعالى : { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله } فلما كان المقصود من هذه الآية تكذيب قولهم وهم إنما قالوا ذلك في الماضي ، لا جرم وردت الآية على وفق قوله . السؤال الثالث : لم قال ههنا : { لم يلد } وقال في سورة بني إسرائيل : { ولم يتخذ ولدا } ؟ الجواب : أن الولد يكون على وجهين : أحدهما : أن يتولد منه مثله وهذا هو الولد الحقيقي والثاني : أن لا يكون متولدا منه ولكنه يتخذه ولدا ويسميه هذا الاسم ، وإن لم يكن ولدا له في الحقيقة ، والنصارى فريقان : منهم من قال : عيسى ولد الله حقيقة ، ومنهم من قال : إن الله اتخذه ولدا تشريفا له ، كما اتخذ إبراهيم خليلا تشريفا له ، فقوله : { لم يلد } فيه إشارة إلى نفي الوالد في الحقيقة ، وقوله : { لم يتخذ ولدا } إشارة إلى نفي القسم الثاني ، ولهذا قال : { لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك } لأن ازنسان قد يتخذ ولدا ليكون ناصرا ومعينا له على الأمر المطلوب ، ولذلك قال في سورة أخرى : { وقالوا اتخذ الرحمان ولدا سبحانه هو الغنى } وإشارة إلى ما ذكرنا أن اتخاذ الولد إنما يكون عند الحاجة .
السؤال الرابع : نفي كونه تعالى والدا ومولودا ، هل يمكن أن يعلم بالسمع أم لا ، وإن كان لا يمكن ذلك فما الفائدة في ذكره ههنا ؟ الجواب : نفي كونه تعالى والدا مستفاد من العلم بأنه تعالى ليس بجسم ولا متبعض ولا منقسم ، ونفي كونه تعالى مولودا مستفاد من العلم بأنه تعالى / قديم ، والعلم بكل واحد من هذين الأصلين متقدم على العلم بالنبوة والقرآن ، فلا يمكن أن يكونا مستفادين من الدلائل السمعية . بقي أن يقال : فلما لم يكن استفادتهما من السمع ، فما الفائدة في ذكرهما في هذه السورة ؟ قلنا : قد بينا أن المراد من كونه أحدا كونه سبحانه في ذاته وماهيته منزها عن جميع أنحاء التراكيب ، وكونه تعالى صمدا معناه كونه واجبا لذاته ممتنع التغير في ذاته وجميع صفاته ، وإذا كان كذلك فالأحدية والصمدية يوجبان نفي الولدية والمولودية ، فلما ذكر السبب الموجب لانتفاء الوالدية والمولودية ، لا جرم ذكر هذين الحكمين ، فالمقصود من ذكرهما تنبيه الله تعالى على الدلالة العقلية القاطعة على انتفائهما . السؤال الخامس : هل في قوله تعالى : { لم يلد ولم يولد } فائدة أزيد من نفي الولدية ونفي المولودية ؟ قلنا : فيه فوائد كثيرة ، وذلك لأن قوله : { الله أحد } إشارة إلى كونه تعالى في ذاته وماهيته منزها عن التركيب ، وقوله : { الله الصمد } إشارة إلى نفي الأضداد والأنداد والشركاء والأمثال وهذان المقامان الشريفان مما حصل الاتفاق فيهما بين أرباب الملل والأديان / وبين الفلاسفة ، إلا أن من بعد هذا الموضع حصل الاختلاف بين أرباب الملل وبين الفلاسفة ، فإن الفلاسفة قالوا : إنه يتولد عن واجب الوجود عقل ، وعن العقل عقل آخر ونفس وفلك ، وهكذا على هذا الترتيب حتى ينتهي إلى العقل الذي هو مدبر ما تحت كرة القمر ، فعلى هذا القول يكون واجب الوجود قد ولد العقل الأول الذي هو تحته ، ويكون العقل الذي هو مدبر لعالمنا هذا كالمولود من العقول التي فوقه ، فالحق سبحانه وتعالى نفي الوالدية أولا ، كأنه قيل : إنه لم يلد العقول والنفوس ، ثم قال : والشيء الذي هو مدبر أجسادكم وأرواحكم وعالمكم هذا ليس مولودا من شيء آخر ، فلا والد ولا مولود ولا مؤثر إلا الواحد الذي هو الحق سبحانه . ! 7 < { ولم يكن له كفوا أحد } . > 7 ! قوله سبحانه : { ولم يكن له كفوا أحد } < < الإخلاص : ( 4 ) ولم يكن له . . . . . > > فيه سؤالان : السؤال الأول : الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم ، وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه ، فما باله ورد مقدما في أفصح الكلام ؟ والجواب : هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الله ، واللفظ الدال على هذا المعنى هو هذا الظرف ، وتقديم الأهم أولى ، فلهذا السبب كان هذا الظرف مستحقا للتقديم .
السؤال الثاني : كيف القراءة في هذه الآية ؟ الجواب : قرىء : { كفوا } بضم الكاف والفاء وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء ، والأصل هو الضم ثم يخفف مثل طنب وطنب وعنق وعنق ، وقال أبو عبيدة : يقال كفو وكفء وكفاء كله بمعنى واحد وهو المثل ، وللمفسرين فيه أقاويل أحدها : قال كعب وعطاء : لم يكن له مثل ولا عديل ، ومنه المكافأة في الجزاء لأنه / يعطيه ما يساوي ما أعطاه وثانيها : قال مجاهد : لم يكن صاحبة كأنه سبحانه وتعالى قال : لم يكن أحد كفؤا له فيصاهره ، ردا على من حكى الله عنه قوله : { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } فتفسير هذه الآية كالتأكيد لقوله تعالى : { لم يلد } وثالثها : وهو التحقيق أنه تعالى بين لما بين أنه هو المصمود إليه في قضاء الحوائج ونفي الوسائط من البين بقوله : { لم يلد ولم يولد } على ما بيناه ، فحينئذ ختم السورة بأن شيئا من الموجودات يمتنع أن يكون مساويا له في شيء من صفات الجلال والعظمة ، أما الوجود فلا مساواة فيه لأن وجوده من مقتضيات حقيقته فإن حقيقته غير قابلة للعدم من حيث هي هي ، وأما سائر الحقائق ، فإنها قابلة للعدم ، وأما العلم فلا مساواة فيه لأن علمه ليس بضروري ولا باستدلالي ولا مستفاد من الحس ولا من الرؤية ولا يكون في معرض الغلط والزلل وعلوم المحدثات كذلك ، وأما القدرة فلا مساواة فيها وكذا الرحمة والجود والعدل والفضل والإحسانا واعلم أن هذه السورة أربع آيات ، وفي ترتيبها أنواع من الفوائد : الفائدة الأولى : أن أول السورة يدل على أنه سبحانه واحد ، والصمد على أنه كريم رحيم لأنه لا يصمد إليه حتى يكون محسنا و : { لم يلد ولم يولد } على أنه غني على الإطلاق ومنزه عن التغيرات فلا يبخل بشيء أصلا ، ولا يكون جوده لأجل جر نفع أو دفع ضر ، بل بمحض الإحسان وقوله : { ولم يكن له كفوا أحد } إشارة إلى نفي مالا يجوز عليه من الصفات . الفائدة الثانية : نفي الله تعالى عن ذاته أنواع الكثرة بقوله : { أحد } ونفي النقص والمغلوبية بلفظ الصمد ، ونفي المعلولية والعلية بلم يلد ولم يولد ، ونفي الأضداد والأنداد بقوله : { ولم يكن له كفوا أحد } . الفائدة الثالثة : قوله : { أحد } يبطل مذهب الثنوية القائلين بالنور والظلمة ، والنصارى في التثليث ، والصابئين في الأفلاك والنجوم ، والآية الثانية تبطل مذهب من أثبت خالقا سوى الله لأنه لو وجد خالق آخر لما كان الحق مصمودا إليه في طلب جميع الحاجات ، والثالثة تبطل مذهب اليهود في عزير ، والنصارى في المسيح ، والمشركين في أن الملائكة بنات الله ، والآية الرابعة تبطل مذهب المشركين حيث جعلوا الأصنام أكفاء له وشركاء . الفائدة الرابعة : أن هذه السورة في حق الله مثل سورة الكوثر في حق الرسول لكن الطعن في حق الرسول كان بسبب أنهم قالوا : إنه أبتر لا ولد له ، وههنا الطعن بسبب أنهم أثبتوا لله ولدا ، وذلك لأن عدم الولد في حق الإنسان عيب ووجود الولد عيب في حق الله تعالى ، فلهذا السبب قال ههنا : { قل } حتى تكون ذابا عني / وفي سورة : { إنا أعطيناك } أنا أقول ذلك الكلام حتى أكون أنا ذابا عنك ، والله سبحانه وتعالى أعلم . < > 1 ( المقدمة ) 1 < > بسم الله الرحمن الرحيم قبل الخوض في التفسير لا بد من تقديم فصلين :
الفصل الأول : سمعت بعض العارفين فسر هاتين السورتين على وجه عجيب ، فقال إنه سبحانه لما شرح أمر الإلهية في سورة الإخلاص الإخلاص ذكر هذه السورة عقيبها في شرح مراتب مخلوقات الله فقال أولا : { قل أعوذ برب الفلق } وذلك لأن ظلمات العدم غير متناهية ، والحق سبحانه هو الذي فلق تلك الظلمات بنور التكوين والإيجاد والإبداع ، فلهذا قال : { قل أعوذ برب الفلق } ثم قال : { من شر ما خلق } والوجه فيه أن عالم الممكنات على قسمين عالم الأمر وعالم الخلق على ما قال : { ألا له الخلق والأمر } [ الأعراف : 54 ] وعالم الأمر كله خيرات محضة بريئة عن الشرور والآفات ، أما عالم الخلق وهو عالم الأجسام والجسمانيات ، فالشر لا يحصل إلا فيه ، وإنما سمي عالم الأجسام والجسمانيات بعالم الخلق ؛ لأن الخلق هو التقدير ، والمقدار من لواحق الجسم ، فلما كان الأمر كذلك ، لا جرم قال : أعوذ بالرب الذي فلق ظلمات بحر العدم بنور الإيجاد والإبداع من الشرور الواقعة في عالم الخلق وهو عالم الأجسام والجسمانيات ، ثم من الظاهر أن الأجسام ، إما أثرية أو عنصرية والأجسام الأثرية خيرات ، لأنها بريئة عن الاختلال والفطور ، على ما قال : { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور } [ الملك : 3 ] وأما العنصريات فهي إما جماد أو نبات أو حيوان ، أما الجمادات فهي خالية عن جميع القوى النفسانية ، فالظلمة فيها خالصة والأنوار عنها بالكلية زائلة ، وهي المراد من قوله : { ومن شر غاسق إذا وقب } وأما النبات فالقوة العادية النباتية هي التي تزيد في الطول والعرض والعمق معا ، فهذه النباتية كأنها تنفث في العقد الثلاثة ، وأما الحيوان فالقوى الحيوانية هي الحواس الظاهرة والحواس الباطنية والشهوة والغضب وكلها تمنع الروح الإنسانية عن الانصباب إلى عالم الغيب ، والاشتغال بقدس جلال الله وهو المراد من قوله : { ة من شر حاسد إذا حسد } ثم إنه لم يبق من السفليات بعد هذه المرتبة سوى النفس الإنسانية ، وهي المستعيذة ، فلا تكون مستعاذا منها ، فلا جرم قطع هذه السورة وذكر بعدها في سورة الناس مراتب درجات النفس الإنسانية في الترقي ، وذلك لأنها بأصل فطرتها مستعدة لأن تنتقش بمعرفة الله تعالى ومحبته إلا أنها تكون أول الأمر خالية عن هذه المعارف بالكلية ، ثم إنه من المرتبة الثانية يحصل فيها علوم أولية بديهية يمكن التوصل بها إلى استعلام المجهولات الفكرية ، ثم في آخر تلك المجهولات الفكرية من القوة إلى الفعل ، قوله تعالى : { قل أعوذ برب الناس } [ الناس : 1 ] إشارة إلى المرتبة الأولى من مراتب النفس الإنسانية وهي حال كونها خالية من جميع العلوم البديهية والكسبية ، وذلك لأن النفس في تلك المرتبة تحتاج إلى مرب يربيها ويزينها بتلك المعارف البديهية ، ثم في المرتبة الثانية وهي عند حصول هذه العلوم البديهية يحصل لها ملكة من الانتقال منها إلى استعلام العلوم الفكرية وهو المراد من قوله : { ملك الناس } [ الناس : 2 ] ثم في المرتية الثالثة وهي عند خروج تلك العلوم الفكرية من القول إلى الفعل يحصل الكمال التام للنفس وهو المراد من قوله : { إله الناس } [ الناس : 3 ] فكأن الحق يسمي نفسه بحسب كل مرتبة من مراتب النفس الإنسانية بما يليق بتلك المرتبة ، ثم قال : { من شر الوسواس الخناس } [ الناس : 4 ] والمراد منه القوة الوهمية ، والسبب في إطلاق اسم الخناس على الوهم أن العقل والوهم ، قد يتساعدان على تسليم بعض المقدمات ، ثم إذا آل الأمر إلى النتيجة فالعقل يساعد على النتيجة والوهم يخنس ، ويرجع ويمتنع عن تسليم النتيجة ، فلهذا السبب يسمى الوهم : بالخناس .
ثم بين سبحانه أن ضرر هذا الخناس عظيم على العقل ، وأنه قلما ينفك أحد عنه فكأنه سبحانه بين في هذه السورة مراتب الأرواح البشرية ونبه على عدوها ونبه على ما به يقع الامتياز بين العقل وبين الوهم ، وهناك آخر درجات مراتب النفس الإنسانية ، فلا جرم وقع ختم الكتاب الكريم والفرقان العظيم عليه .
الفصل الثاني : ذكروا في سبب نزول هذه السورة وجوها : أحدها : روي أن جبريل عليه السلام أتاه وقال إن عفريتا من الجن يكيدك ، فقال إذا أويت إلى فراشك قل أعوذ برب السورتين . وثانيها : أن الله تعالى أنزلهما عليه ليكونا رقية من العين ، وعن سعيد بن المسيب أن قريشا قالوا : تعالوا نتجوع فنعين محمدا ففعلوا ، ثم أتوه وقالوا ما أشد عضدك ، وأقوى ظهرك وأنظر وجهك ، فأنزل الله تعالى المعوذتين . وثالثها : وهو قول جمهور المفسرين ، أن لبيد بن أعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى عشرة عقدة وفي وتر دسه في بئر يقال لها ذروان فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واشتد عليه ذلك ثلاث ليال فنزلت المعوذتان لذلك ، وأخبره جبريل بموضع السحر فأرسل عليا عليه السلام وطلحة وجاءوا به ، وقال جبريل للنبي حل عقدة ، وقرأ آية ففعل وكان كلما قرأ آية انحلت عقدة فكان يجد بعض الخفة والراحة . واعلم أن المعتزلة أنكروا ذلك بأسرهم ، قال القاضي هذه الرواية باطلة ، وكيف يمكن القول بصحتها ، والله تعالى يقول : { والله يعصمك من الناس } [ المائدة : 67 ] وقال : { ولا يفلح الساحر حيث أتى } [ طه : 69 ] ولأن تجويزه يفضي غلى القدح في النبوة ، لأنه لو صح ذلك لكان من الواجب أن يصلوا إلى الضرر لجميع الأنبياء والصالحين ، ولقدروا على تحصيل الملك العظيم لأنفسهم ، وكل ذلك باطل ، ولأن الكفار كانوا يعيرونه بأنه مسحور ، فلو وقعت هذه الواقعة لكان الكفار صادقين في تلك الدعوة ، ولحصل فيه عليه السلام ذلك العيب ، ومعلوم أن ذلك غير جائز . قال الأصحاب : هذه القصة قد صحت عند جمهور أهل النقل ، والوجوه المذكورة قد سبق الكلام عليها في سورة البقرة أما قوله : الكفار كانوا يعيبون الرسول عليه السلام بأنه مسحور ، فلو وقع ذلك لكان الكفار صادقين في ذلك القول . فجوابه : أن الكفار كانوا يريدون بكونه مسحورا أنه مجنون أزيل عقله بواسطة السحر ، فلذلك ترك دينهم ، فأما أن يكون مسحورا بألم يجده في بدنه فذلك مما لا ينكره أحد ، وبالجملة فالله تعالى ما كان يسلط عليه لا شيطانا ولا إنسيا ولا جنيا يؤذيه في دينه وشرعه ونبوته ، فأما في الإضرار ببدنه فلا يبعد ، وتمام الكلام في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة ولنرجح إلى التفسير . < > 1 ( سورة الفلق ) 1 < > خمس آيات مدنية ! 7 < { قل أعوذ برب الفلق } . > 7 ! قوله تعالى : { قل أعوذ برب الفلق } < < الفلق : ( 1 ) قل أعوذ برب . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { قل } فوائد أحدها : أنه سبحانه لما أمر بقراءة سورة الإخلاص تنزيها له عما لا يليق به في ذاته وصفاته ، وكان ذلك من أعظم الطاعات ، فكأن العبد قال : إلهنا هذه الطاعة عظيمة جدا لا أثق بنفسي في الوفاء بها ، فأجاب بأن قال : { قل أعوذ برب الفلق } أي استعذ بالله ، والتجيء إليه حتى يوفقك لهذه الطاعة على أكمل الوجوه وثانيها : أن الكفار لما سألوا الرسول عن نسب الله وصفته ، فكأن الرسول عليه السلام قال : كيف أنجو من هؤلاء الجهال الذين تجاسروا وقالوا : فيك مالا يليق بك ، فقال الله : { قل أعوذ برب الفلق } أي استعذ بي حتى أصونك عن شرهم وثالثها : كأنه تعالى يقول : من التجأ إلى بيتي شرقته وجعلته آمنا فقلت : ومن دخله كان آمنا فالتجىء أنت أيضا إلي حتى أجعلك آمنا : { فقل أعوذ برب الفلق } .
المسألة الثانية : اختلفوا في أنه هل يجوز الاستعانة بالرقي والعوذ أم لا ؟ منهم قال : إنه يجوز واحتجوا بوجوه أحدها : ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكى فرقاه جبريل عليه السلام ، فقال : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ، والله يشفيك وثانيها : قال ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا من الأوجاع كلها والحمى هذا الدعاء : ( بسم الله الكريم ، أعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ، ومن شر حر النار ) وثالثها : قال عليه السلام : من دخل على مريض لم يحضره أجله ؛ فقال : أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات شفى ورابعها : عن علي عليه السلام قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض قال : ( أذهب البأس رب الناس ، اشف أنت الشافي ، لا شافي إلا أنت ) وخامسها : عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين يقول : ( أعيذكما بكلمات الله التامة من شيطان وهامة ، ومن / كل عين لامة ) ويقول : هكذا كان أبي إبراهيم يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق وسادسها : قال عثمان بن أبي العاص الثقفي : قدمت على رسول الله وبي وجع قد كاد يبطلني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعل يدك اليمنى عليه ، وقل بسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد ) سبع مرات ففعلت ذلك فشفاني الله وسابعها : روى أنه عليه السلام كان إذا سافر فنزل منزلا يقول : ( يا أرض ، ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما يخرج منك ، وشر ما يدب عليك ، وأعوذ بالله من أسد وأسود وحية وعقرب ، ومن شر ساكني البلد ووالد وما ولد ) وثامنها : قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا اشتكى شيئا من جسده قرأ : { قل هو الله أحد } والمعوذتين في كفه اليمنى ومسح بها المكان الذي يشتكي ومن الناس من منع من الرقي لما روى عن جابر ، قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقي ، وقال عليه السلام : ( إن لله عبادا لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون ) وقال عليه السلام : ( لم يتوكل على الله من اكتوى واسترقى ) وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون النهي عن الرقي المجهولة التي لا تعرف حقائقها ، فأما ما كان له أصل موثوق ، فلا نهي عنه ، واختلفوا في التعليق ، فروى أنه عليه السلام قال : ( من علق شيئا وكل إليه ) وعن ابن مسعود : إنه رأى على أم ولده تميمة مربوطة بعضدها ، فجذبها جذبا منيعا فقطعها ، ومنهم من جوزه ، سئل الباقر عليه السلام عن التعويذ يعلق على الصبيان فرخص فيه ، واختلفوا في النفث أيضا / فروى عن عائشة أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفث على نفسه إذا اشتكى بالمعوذات ويمسح بيده ، فلما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذي توفي فيه طفقت أنقث عليه بالمعوذات التي كان ينفث بها على نفسه ، وعنه عليه السلام : ( أنه كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ فيهما بالمعوذات ، ثم مسح بهما جسده ) ومنهم من أنكر النفث ، قال عكرمة : لا ينبغي للرقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد . وعن إبراهيم قال : كانوا يكرهون النفث في الرقي ، وقال بعضهم : دخلت على الضحاك وهو وجيع ، فقلت : ألا أعوذك يا أبا محمد ؟ قال : بلى ولكن لا تنفث ، فعوذته بالمعوذتين .
قال الحليمي : الذي روى عن عكرمة أنه ينبغي للراقي أن لا ينفث ولا يمسح ولا يعقد ، فكأنه ذهب فيه إلى أن الله تعالى جعل النفث في العقد مما يستعاذ منه ، فوجب أن يكون منهيا عنه إلا أن هذا ضعيف ، لأن النفث في العقد إنما يكون مذموما إذا كان سحرا مضرا بالأرواح والأبدان . فأما إذا كان هذا النفث لإصلاح الأرواح والأبدان وجب أن لا يكون حراما .
المسألة الثالثة : أنه تعالى قال في مفتاح القراءة : { فاستعذ بالله } وقال ههنا : { أعوذ برب الفلق } وفي موضع آخر : { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين } وجاء في الأحاديث : { أعوذ بكلمات الله } ولا شك أن أفضل أسماء الله هو الله ، وأما الرب فإنه قد يطلق على غيره ، قال تعالى : { ءأرباب متفرقون خير } فما السبب في أنه تعالى عند الأمر بالتعوذ لم يقل : أعوذ بالله بل قال : { برب الفلق } ؟ وأجابوا عنه من وجوه : أحدها : أنه في قوله : { وإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله } إنما أمره بالاستعاذة هناك لأجل قراءة القرآن ، وإنما أمره بالاستعاذة ههنا في هذه السورة لأجل حفظ النفس والبدن عن السحر ، والمهم الأول أعظم ، فلا جرم ذلك هناك الاسم الأعظم وثانيها : أن الشيطان يبالغ حال منعك من العبادة أشد مبالغة في إيصال الضر إلى بدنك وروحك ، فلا جرم ذكر الاسم الأعظم هناك دون ههنا وثالثها : أن اسم الرب يشير إلى التربية فكأنه جعل تربية الله له فيما تقدم وسيلة إلى تربيته له في الزمان الآتي ، أو كان العبد يقول : التربية والإحسان حرفتك فلا تهملني ، ولا تخيب رجائي ورابعها : أن بالتربية صار شارعا في الإحسان ، والشروع ملزم وخامسها : أن هذه السورة آخر سور القرآن فذكر لفظ الرب تنبيها على أنه سبحانه لا تنقطع عنك تربيته وإحسانه ، فإن قيل : إنه ختم القرآن على اسم الإله حيث قال : { ملك الناس إلاه الناس } قلنا : فيه لطيفة وهي كونه تعالى قال : قل أعوذ بمن هو ربي ولكنه إله قاهر لوسوسة الخناس فهو كالأب المشفق الذي يقول ارجع عند مهماتك إلى أبيك المشفق عليك الذي هو كالسيف القاطع والنار المحرقة لأعدائك فيكون هذا من أعظم أنواع الوعد بالإحسان والتربية وسادسها : كان الحق قال لمحمد عليه السلام : قلبك لي فلا تدخل فيه حب غيري ، ولسانك لي فلا نذكر به أحدا غيري ، وبدنك لي فلا تشغله بخدمة غيري ، وإن أردت شيئا فلا تطلبه إلا مني ، فإن أردت العلم فقل : { رب زدنى علما } وإن أردت الدنيا فاسألوا الله من فضله ، وإن خفت ضررا فقل : { أعوذ برب الفلق } فإني أنا الذي وصفت نفسي بأني خالق اوصباح . وبأني فالق الحب والنوى ، وما فعلت هذه الأشياء إلا لأجلك ، فإذا كنت أفعل كل هذه الأمور لأجلك ، أفلا أصونك عن عن الآفات والمخافات .
المسألة الرابعة : ذكروا في : { الفلق } وجوها أحدها : أنه الصبح وهو قول الأكثرين قال الزجاج : لأن الليل يفلق عنه الصبح ويفرق فعل بمعنى مفعول يقال : هو أبين من فلق الصبح ومن فرق الصبح وتخصيصه في التعوذ لوجوه الأول : أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه الثاني : أن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج ، فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظرا لطلوع الصباح كذلك الخائف يكون مترقيا لطلوع صباح النجاح الثالث : أن الصبح كالبشري فإن الإنسان في الظلام يكون كلحم على وضم ، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج ، فلهذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة في وقت السحر ، فالحق سبحانه يقول : { قل أعوذ برب } يعطي إنعام فلق الصبح قبل السؤال ، فكيف بعد السؤال الرابع : قال بعضهم : إن يوسف عليه السلام لما ألقى في الجب وجعت ركبته وجعا شديدا فبات ليلته ساهرا فلما قرب طلوع الصبح نزل جبريل عليه السلام بإذن الله يسليه ويأمره بأن يدعوا ربه فقال : يا جبريل ادع أنت وأؤمن أنا فدعا جبريل وأمن يوسف فكشف الله ما كان به من الضر ، فلما طاب وقت يوسف قال جبريل : وأنا أدعو أيضا / وتؤمن أنت ، فسأل يوسف ربه أن يكشف الضر عن جميع أهل البلاء في ذلك الوقت ، فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة في آخر الليل ، وروى أن دعاءه في الجب : يا عدتي في شدتي ويا مؤنسي في وحشتي ويا راحم غربتي ويا كاشف كربتي ويا مجيب دعوتي ، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ارحم صغر سني وضعف ركني وقلة حيلتي يا حي يا قوم يا ذا الجلال والإكرام الخامس : لعل تخصيص الصبح بالذكر في هذا الموضع لأنه وقت دعاء المضطرين وإجابة الملهوفين فكأنه يقول : قل أعوذ برب الوقت الذي يفرج فيه عن كل مهموم السادس : يحتمل أنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة لأن الخلق كالأموات والدور كالقبور ، ثم منهم من يخرج من داره مفلسا عريانا لا يلتفت إليه ، ومنهم من كان مديونا فيجر إلى الحبس ، ومنهم من كان ملكا مطاعا فتقدم إليه المراكب ويقوم الناس بين يديه ، كذا في يوم القيامة بعضهم مفلس عن الثواب عار عن لباس التقوى يجر إلى الملك الجبار ، ومن عبد كان مطيعا لربه في الدنيا فصار ملكا مطاعا في العقبى يقدم إليه البراق السابع : يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه وقت الصلاة الجامعة لأحوال القيامة فالقيام في الصلاة يذكر القيام يوم القيامة كما قال : { يوم يقوم الناس لرب العالمين } والقراءة في الصلاة تذكر قراءة الكتب والركوع في الصلاة يذكر من القيامة قوله : { ناكسوا رؤوسهم } والسجود في الصلاة يذكر قوله : { ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } والقعود يذكر قوله : { وترى كل أمة جاثية } فكان العبد يقول : إلهي كما خلصتني من ظلمة الليل فخلصني من هذه الأهوال ، وإنما خص وقت صلاة الصبح لأن لها مزيد شرف على ما قال : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى } أي تحضرها ملائكة الليل والنهار الثامن : أنه وقت الاستغفار والتضرع على ما قال : { والمستغفرين بالاسحار } القول الثاني : في الفلق أنه عبارة عن كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات : { إن الله فالق الحب والنوى } والجبال عن العيون : { وإن منها يتفجر منه الانهار } والسحاب عن الأمطار والأرحام عن الأولاد والبيض عن الفرخ والقلوب عن المعارف ، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انقلاب ، بل العدم كأنه ظلمة والنور كأنه الوجود ، وثبت أنه كان الله في الأزل ولم يكن معه شيء البتة فكأنه سبحانه هو الذي فلق بحار ظلمات العدم بأنوار الإيجاد والتكوين والإبداع ، فهذا هو المراد من الفلق ، وهذا التأويل أقرب من وجوه أحدها : هو أن الموجود إما الخالق وإما الخلق / فإذا فسرنا الفلق بهذا التفسير صار كأنه قال : قل أعوذ برب جميع الممكنات ، ومكون كل المحدثات والمبدعات .
فيكون التعظيم فيه أعظم ، ويكون الصبح أحد الأمور الداخلة في هذا المعنى وثانيها : أن كل موجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته ، والممكن لذاته يكون موجودا بغيره ، معدوما في حد ذاته ، فإذن كل ممكن فلا بد له من مؤثر يؤثر فيه حال حدوثه ويبقيه حال بقائه ، فإن الممكن حال بقائه يفتقر إلى المؤثر والتربية ، إشارة لا إلى حال الحدوث بل إلى حال البقاء ، فكأنه يقول : إنك لست محتاجا إلى حال / الحدوث فقط بل في حال الحدوث وحال البقاء معا في الذات وفي جميع الصفات ، فقوله : { برب الفلق } يدل على احتياج كل ما عداه إليه حالتي الحدوث والبقاء في الماهية والوجود بحسب الذوات والصفات وسر التوحيد لا يصفو عن شوائب الشرك إلا عند مشاهدة هذه المعاني ، وثالثها : أن التصوير والتكوين في الظلمة أصعب منه في النور ، فكأنه يقول : أنا الذي أفعل ما أفعله قبل طلوع الأنوار وظهور الأضواء ومثل ذلك مما لا يتأتى إلا بالعلم التام والحكمة البالغة وإليه الإشارة بقوله : { هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء لا إلاه إلا هو العزيز الحكيم } .
القول الثالث : أنه واد في جهنم أوجب فيها من قولهم لما اطمأن من الأرض الفلق والجمع فلقان ، وعن بعض الصحابة أنه قدم الشام فرآى دور أهل الذمة وما هم فيه من خصب العيش فقال لا أبالي ، أليس من ورائهم الفلق ، فقيل : وما الفلق ؟ قال : بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره ، وإنما خصه بالذكر ههنا لأنه هو القادر على مثل هذا التعذيب اعظيم الخارج عن حد أوهام الخلق ، ثم قد ثبت أن رحمته أعظم وأكمل وأتم من عذابه ، فكأنه يقول : يا صاحب العذاب الشديد أعوذ برحمتك التي هي أعظم وأكمل وأتم وأسبق وأقدم من عذابك . ! 7 < { من شر ما خلق } . > 7 ! قوله تعالى : { من شر ما خلق } < < الفلق : ( 2 ) من شر ما . . . . . > > وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسير هذه الآية وجوه أحدها : قال عطاء عن ابن عباس : يريد إبليس خاصة لأن الله تعالى لم يخلق خلقا هو شر منه ولأن السورة إنما نزلت في الاستعاذة من السحر ، وذلك إنما يتم بإبليس وبأعوانه وجنوده وثانيها : يريد جهنم كأنه يقول : قل أعوذ برب جهنم ومن شدائد ما خلق فيها وثالثها : { من شر ما خلق } يريد من شر أصناف الحيوانات المؤذياب كالسباع والهوام وغيرهما ، ويجوز أن يدخل فيه من يؤذيني من الجن والإنس أيضا ووصف أفعالها بأنها شر ، وإنما جاز إدخال الجن والإنسان تحت لفظة ما ، لأن الغلبة لما حصلت في جانب غير العقلاء حسن استعمال لفظة ما فيه ، لأن العبرة بالأغلب أيضا ويدخل فيه شرور الأطعمة الممرضة وشرور الماء والنار ، فإن قيل الآلام الحاصلة عقيب الماء والنار ولدغ الحية والعقرب حاصلة بخلق الله تعالى ابتداء ، على قول أكثر المتكلمين ، أو متولدة من قوى خلقها الله تعالى في هذه الأجرام ، على ما هو قول جمهور الحكماء وبعض المتكلمين ، وعلى التقديرين فيصير حاصل الآية أنه تعالى أمر الرسول عليه السلام بأن يستعيذ بالله من الله ، فما معناه ؟ قلنا : وأي بأس بذلك ، ولقد صرح عليه السلام بذلك ، فقال : ( وأعوذ بك منك ) ورابعها : أراد به ما خلق من الأمراض والأسقام والقحط وأنواع المحن والآفات ، وزعم الجبائي والقاضي أن هذا التفسير باطل ، لأن فعل الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شر ، قالوا : / ويدل عليه وجوه الأول : أنه يلزم على هذا التقدير أن الذي أمر بالتعوذ منه هو الذي أمرنا أن نتعوذ به ، وذلك متناقض والثاني : أن أفعال الله كلها حكمة وصواب ، وذلك لا يجوز أن يقال : إنه شر والثالث : أن فعل الله لو كان شرا لوصف فاعله بأنه شرير ويتعالى الله عن ذلك والجواب : عن الأول أنا بينا أنه لا امتناع في قوله أعوذ بك منك ؟ وعن الثاني أن الإنسان لما تألم به فإنه يعد شرا ، فورد اللفظ على وفق قوله ، كما في قوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } وقوله : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وعن الثالث أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية ، ثم الذي يدل على جواز تسمية الأمراض والأسقام بأنها شرور قوله تعالى : { إذا مسه الشر جزوعا } وقوله : { وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } وكان عليه السلام : ( وأعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار ) .
المسألة الثانية : طعن بعض الملحدة في قوله : { قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق } من وجوه أحدها : أن المستعاذ منه أهو واقع بقضاء الله وقدره ، أولا بقضاء الله ولا بقدره ؟ فإن كان الأول فكيف أمر بأن يستعيذ بالله منه ، وذلك لأن ما قضى الله به وقدره فهو واقع ، فكأنه تعالى يقول : الشيء الذي قضيت بوقوعه ، وهو لا بد واقع فاستعذ بي منه حتى لا أوقعه ، وإن لم يكن بقضائه وقدره فذلك يقدح في ملك الله وملكوته وثانيها : أن المستعاذ منه إن كان معلوم الوقوع فلا دافع له ، فلا فائدة في الاستعاذة وإن كان معلوم اللاوقوع ، فلا حاجة إلى الاستعاذة وثالثها : أن المستعاذ منه إن كان مصلحة فكيف رغب المكلف في طلب دفعه ومنعه ، وإن كان مفسدة فكيف خلقه وقدره ، واعلم أن الجواب عن أمثال هذه الشبهات ، أن يقال إنه : { لا يسأل عما يفعل } وقد تكرر هذا الكلام في هذا الكتاب . ! 7 < { ومن شر غاسق إذا وقب } . > 7 ! قوله تعالى : { ومن شر غاسق إذا وقب } < < الفلق : ( 3 ) ومن شر غاسق . . . . . > > ذكروا في الغاسق وجوها أحدها : أن الغاسق هو اليل إذا عظم ظلامه من قوله : { أقم الصلواة لدلوك } ومنه غسقت العين إذا امتلأت دمعا وغسقت الجراحة إذا امتلأت دما ، وهذا قول الفراء وأبي عبيدة ، وأنشد ابن قيس : إن هذا الليل قد غسقا واشتكيت الهم والأرقا وقال الزجاج الغاسق في اللغة هو البارد ، وسمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار ، ومنه قوله إنه الزمهرير وثالثها : قال قوم : الغاسق والغساق هو السائل من قولهم : غسقت العين تغسق غسقا إذا سالت بالماء ، وسمي الليل غاسقا لانصباب ظلامه على الأرض ، أما الوقوب فهو الدخول في شيء آخر بحيث يغيب عن العين ، يقال : وقب يقب وقوبا إذا دخل ، الوقبة النقرة لأنه يدخل فيها الماء ، والإيقاب إدخال الشيء في الوقبة ، هذا ما يتعلق باللغة وللمفسرين في الآية أقوال : / أحدها : أن الغاسق إذا وقب هو الليل إذا دخل ، وإنما أمر أن يتعوذ من شر الليل لأن في الليل تخرج السباع من آجامها والهوام من مكانها ، ويهجم السارق والمكابر ويقع الحريق ويقل فيه الغوث ، ولذلك لو شهر ( معتد ) سلاحا على إنسان ليلا فقتله المشهور عليه لا يلزمه قصاص ، ولو كان نهارا يلزمه لأنه يوجد فيه الغوث ، وقال قوم : إن في الليل تنتشر الأرواح المؤذية المسماة بالجن والشياطين ، وذلك لأن قوة شعاع الشمس كأنها تقهرهم ، أما في الليل فيحصل لهم نوع استيلاء وثانيها : أن الغاسق إذا وقب هو القمر ، قال ابن قتيبة : الغاسق القمر سمي به لأنه يكسف فيغسق ، أي يذهب ضؤوه ويسود ، ( و ) وقوبه دخوله في ذلك الاسوداد ، روى أبو سلمة عن عائشة أنه أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها وأشار إلى القمر ، وقال : ( استعيذي بالله من شر هذا فإنه الغاسق إذا وقب ) قال ابن قتيبة : ومعنى قوله : تعوذي بالله من شره إذا وقب أي إذا دخل في الكسوف ، وعندي فيه وجه آخر : وهو أنه صح أن القمر في جرمه غير مستنير بل هو مظلم ، فهذا هو المراد من كونه غاسقا ، وأما وقوبه فهو انمحاء نوره في آخر الشهر ، والمنجمون يقولون : إنه في آخر الشهر يكون منحوسا قليل القوة لأنه لا يزال ينتقص نوره فبسبب ذلك تزداد نحوسته ، ولذلك فإن السحرة إنما يشتغلون بالسحر المورث للتمريض في هذا الوقت ، وهذا مناسب لسبب نزول السورة فإنها إنما نزلت لأجل أنهم سحروا النبي صلى الله عليه وسلم لأجل التمريض وثالثها : قال ابن زيد : الغاسق إذا وقب يعني الثريا إذا سقطت قال ، وكانت الأسقام تكثر عند وقوعها ، وترتفع عند طلوعها ، وعلى هذا تسمى الثريا غاسقا ، لانصبابه عند وقوعه في المغرب ، ووقوبه دخوله تحت الأرض وغيبوبته عن الأعين ورابعها : قال صاحب الكشاف : يجوز أن يراد بالغاسق الأسود من الحيات ووقوبه ضربة ونقبه ، والوقب والنقب واحد ، واعلم أن هذا التأويل أضعف الوجوه المذكورة وخامسها : الغاسق : { إذا وقب } هو الشمس إذا غابت وإنما سميت غاسقا لأنها في الفلك تسبح فسمي حركتها وجريانها بالغسق ، ووقوبها غيبتها ودخلولها تحت الأرض .
! 7 < { ومن شر النفاثات فى العقد } . > 7 ! قوله تعالى : { ومن شر النفاثات فى العقد } < < الفلق : ( 4 ) ومن شر النفاثات . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : أن النفث النفخ مع ريق ، هكذا قاله صاحب الكشاف ، ومنهم من قال : إنه النفخ فقط ، ومنه قوله عليه السلام : إن جبريل نفث في روعي والعقد جمع عقدة ، والسبب فيه أن الساحر إذا أخذ في قراءة الرقية أخذ خيطا ، ولا يزال يعقد عليه عقدا بعد عقد وينفث في تلك العقد ، وإنما أنت النفاثات لوجوه أحدها : أن هذه الصناعة إنما تعرف بالنساء لأنهن يعقدن وينفثن ، وذلك لأن الأصل الأعظم فيه ربط القلب بذلك الأمر وإحكام الهمة والوهم فيه ، وذلك إنما يتأتى من النساء لقلة علمهن وشدة شهوتهن ، فلا جرم كان / هذا العمل منهن أقوى ، قال أبو عبيدة : { النفاثات } هن بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي صلى الله عليه وسلم وثانيها : أن المراد من : { النفاثات } النفوس وثالثها : المراد منها الجماعات ، وذلك لأنه كلما كان اجتماع السحرة على العمل الواحد أكثر كان التأثير أشد القول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم : { من شر النفاثات } أي النساء في العقد ، أي في عزائم الرجال وآرائهم وهو مستعار من عقد الحبال ، والنقث وهو تليين العقدة من الحبل بريق يقذفه عليه ليصير حله سهلا ، فمعنى الآية أن النساء لأجل كثرة حبهن في قلوب الرجال يتصرفن في الرجال يحولنهم من رأي إلى رأي ، ومن عزيمة إلى عزيمة ، فأمر الله رسوله بالتعوذ من شرهن كقوله : { إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم } فلذلك عظم الله كيدهن فقال : { إن كيدكن عظيم } . واعلم أن هذا القول حسن ، لولا أنه على خلاف قول أكثر المفسرين . المسألة الثالثة : أنكرت المعتزلة تأثير السحر ، وقد تقدمت هذه المسألة ، ثم قالوا : سبب الاستعاذة من شرهن لثلاثة أوجه أحدها : أن يستعاذ من إثم عملهن في السحر والثاني : أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن والثالث : أن يستعاذ من إطعامهن الأطعمة الرديئة المورثة للجنون والموت . ! 7 < { ومن شر حاسد إذا حسد } . > 7 ! قوله تعالى : { ومن شر حاسد إذا حسد } < < الفلق : ( 5 ) ومن شر حاسد . . . . . > > من المعلوم أن الحاسد هو الذي تشتد محبته لإزالة نعمة الغير إليه ، ولا يكاد يكون كذلك إلا ولو تمكن من ذلك بالحيل لفعل ، فلذلك أمر الله بالتعوذ منه ، وقد دخل في هذه السورة كل شر يتوفى ويتحرز منه دينا ودينا ، فلذلك لما نزلت فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولها لكونها مع ما يليها جامعة في التعوذ لكل أمر ، ويجوز أن يراد بشر الحاسد إثمه وسماجة حاله في وقت حسده وإظهاره أثره . بقي هنا سؤالان : السؤال الأول : قوله : { من شر ما خلق } عام في كل ما يستعاذ منه ، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد الجواب : تنبيها على أن هذه الشرور أعظم أنواع الشر . السؤال الثاني : لم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه ؟ الجواب : عرف النفاثات لأن كل نفاثة شريرة ، ونكر غاسقا لأنه ليس كل غاسق شريرا ، وأيضا ليس كل حاسد شريرا ، بل رب حسد يكون محمودا وهو الحسد في الخيرات . والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم . < > 1 ( سورة الناس ) 1 < >
وهي ست آيات مدنية ! 7 < { قل أعوذ برب الناس ملك الناس إلاه الناس } . > 7 < الناس : ( 1 - 3 ) قل أعوذ برب . . . . . > > { قل أعوذ برب الناس ملك الناس إلاه الناس } فيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء : { قل أعوذ } بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام ونظيره : { فخذ أربعة من الطير } وأيضا أجمع القراء على ترك الإمالة في الناس ، وروى عن الكسائي الإمالة في الناس إذا كان في موضع الخفض . المسألة الثانية : أنه تعالى رب جميع المحدثات ، ولكنه ههنا ذكر أنه رب الناس على التخصيص وذلك لوجوه أحدها : أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس فكأنه قيل : أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم وهو إلهم ومعبودهم كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالي أمرهم وثانيها : أن أشرف المخلوقات في العالم هم الناس وثالثها : أن المأمور بالاستعاذة هو الإنسان ، فإذا قرأ الإنسان هذه صار كأنه يقول : يا رب يا ملكي يا إلهي . المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ملك الناس إلاه الناس } هما عطف بيان كقوله : سيرة أبي حفص عمر الفاروق ، فوصف أولا بأنه رب الناس ثم الرب قد يكون ملكا وقد لا يكون ، كما يقال : رب الدار ورب المتاع قال تعالى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } فلا جرم بينه بقوله : { ملك الناس } ثم الملك قد يكون إلها وقد لا يكون فلا جرم بينه بقوله : { إلاه الناس } لأن الإله خاص به وهو سبحانه لا يشركه فيه غيره وأيضا بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه ، وهو من أوائل نعمه إلى أن رباه وأعطاه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو ملكه ، فثنى بذكر الملك ، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه ، وعرف أن معبوده مستحق لتلك العبادة عرف أنه إله ، فلهذا ختم به ، وأيضا أول ما يعرف العبد من ربه كونه مطيعا لما عنده من النعم الظاهرة والباطنة ، وهذا هو الرب ، ثم لا يزال يتنقل من معرفة هذه الصفات / إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق ، فحينئذ يحصل العلم بكونه ملكا ، لأن الملك هو الذي يفتقر إليه غيره ويكون هو غنيا عن غيره ، ثم إذا عرفه العبد كذلك عرف أنه في الجلالة والكبرياء فوق وصف الواصفين وأنه هو الذي ولهت العقول في عزته وعظمته ، فحينئذ يعرفه إلها . المسألة الرابعة : السبب في تكرير لفظ الناس أنه إنما تكررت هذه الصفات ، لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار ، ولأن هذا التكرير يقتضي مزيد شرف الناس ، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه ربا للناس ، ملكا للناس ، إلها للناس . ولولا أن الناس أشر مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه ربا وملكا وإلها لهم .
المسألة الخامسة : لا يجوز ههنا مالك الناس ويجوز : { مالك يوم الدين } في سورة الفاتحة ، والفرق أن قوله : { رب الناس } أفاد كونه مالكا لهم فلا بد وأن يكون المذكور عقيبه هذا الملك ليفيد أنه مالك ومع كونه مالكا فهو ملك ، فإن قيل : أليس قال في سورة الفاتحة : { رب العالمين } ثم قال : { مالك يوم الدين } فليزم وقوع التكرار هناك ؟ قلنا اللفظ دل على أنه رب العالمين ، وهي الأشياء الموجودة في الحال ، وعلى أنه مالك ليوم الدين أي قادر عليه فهناك الرب مضاف إلى شيء والمالك إلى شيء آخر فلم يلزم التكرير ، وأما ههنا لو ذكر المالك لكان الرب والمالك مضافين إلى شيء واحد ، فيلزم منه التكرير فظهر الفرق ، وأيضا فجواز القراءات يتبع النزول لا القياس ، وقد قرىء مالك لكن في الشواذ . ! 7 < { من شر الوسواس الخناس } . > 7 < الناس : ( 4 ) من شر الوسواس . . . . . > > قوله تعالى : { من شر الوسواس الخناس } الوسواس اسم بمعنى الوسوسة ، كالزلزال بمعنى الزلزلة ، وأما المصدر فوسواس بالكسر كزلزال والمراد به الشيطان سمي بالمصدر ، كأنه وسوسة في نفسه لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه ، نظيره قوله : { إنه عمل غير صالح } والمراد ذو الوسواس وتحقيق الكلام في الوسوسة قد تقدم في قوله : { فوسوس لهما الشيطان } وأما الخناس فهو الذي عادته أن يخنس منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والنفاثات ، عن سعيد بن جبير إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى ، فإذا غفل وسوس إليه . ! 7 < { الذى يوسوس فى صدور الناس } . > 7 < الناس : ( 5 ) الذي يوسوس في . . . . . > > قوله تعالى : { الذى يوسوس فى صدور الناس } . اعلم أن قوله : { الذى يوسوس } يجوز في محله الحركات الثلاث فالجر على الصفة والرفع والنصب على الشتم ، ويحسن أن يقف القارىء على الخناس ويبتدىء الذي يوسوس ، على أحد هذين الوجهين . ! 7 < { من الجنة والناس } . > 7 < الناس : ( 6 ) من الجنة والناس > > أما قوله تعالى : { من الجنة والناس } ففيه وجوه :
أحدها : كأنه يقول الوسواس الخناس قد يكون من الجنة وقد يكون من الناس كما قال : { شياطين الإنس والجن } وكما أن شيطان الجن قد يوسوس تارة ويخنس أخرى فشيطان الإنس يكون كذلك ، وذلك لأنه يرى نفسه كالناصح المشفق ، فإن زجره السامع يخنس ، ويترك الوسوسة ، وإن قبل السامع كلامه بالغ فيه وثانيها : قال قوم قوله : { من الجنة والناس } قسمان مندرجان تحت قوله في : { صدور الناس } كأن القدر المشترك بين الجن والإنس ، يسمى إنسانا والإنسان أيضا يسمى إنسانا فيكون لفظ الإنسان واقعا على الجنس والنوع بالاشتراك ، والدليل على أن لفظ الإنسان يندرج فيه الجن والإنس ما روى أنه جاء نفر من الجن فقيل لهم : من أنتم فقالوا : أناس من الجن ، أيضا قد سماهم الله رجالا في قوله : { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } فجاز أيضا أن يسميهم ههنا ناسا ، فمعنى الآية على هذا التقدير أن هذا الوسواس الخناس شديد الخنث لا يقتصر على إضلال الإنس بل يضل جنسه وهم الجن ، فجدير أن يحذر العاقل شره ، وهذا القول ضعيف ، لأن جعل الإنسان اسما للجنس الذي يندرج فيه الجن والإنس بعيد من اللغة لأن الجن سموا جنا لاجتنانهم والإنسان إنسانا لظهوره من الإيناس وهو الإبصار ، وقال صاحب الكشاف : من أراد تقرير هذا الوجه ، فالأولى أن يقول : المراد من قوله : { يوسوس فى صدور الناس } أي في صدور الناس كقوله : { يوم يدعو الداع } وإذا كان المراد من الناس الناسي ، فحينئذ يمكن تقسيمه إلى الجن والإنس لأنهما هما النوعان الموصوفان بنسيان حق الله تعالى وثالثها : أن يكون المراد أعوذ برب الناس من الوسواس الخناس ومن الجنة والناس كأنه استعاذ بربه من ذلك الشيطان الواحد ، ثم استعاذ بربه من الجميع الجنة والناس . واعلم أن هذه السورة لطيفة أخرى : وهي أن المستعاذ به في السورة الأولى مذكور بصفة واحدة وهي أنه رب الفلق ، والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات ، وهي الغاسق والنفاثات والحاسد ، وأما في هذه السورة فالمستعاذ به مذكور بصفات ثلاثة : وهي الرب والملك والإله والمستعاذ منه آفة واحدة ، وهي الوسوسة ، والفرق بين الموضعين أن الثناء يجب أن يتقدر بقدر المطلوب ، فالمطلوب في السورة الأولى سلامة النفس والبدن ، والمطلوب في السورة الثانية سلامة الدين ، وهذا تنبيه على أن مضرة الدين وإن قلت : أعظم من مضار الدنيا وإن عظمت ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
Fin del texto disponible.
Preguntas
- ¿Qué es el tawhid, la creencia islámica en la unicidad de Dios?
- ¿Cuáles son los seis pilares de la fe (iman) en el islam?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?