Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
القول الثاني : في التفسير قوله : { فاعفوا واصفحوا } حسن الاستدعاء ، واستعمل ما يلزم فيه من النصح والإشفاق والتشدد فيه ، وعلى هذا التفسير لا يجوز نسخه وإنما يجوز نسخه على التفسير الأول . أما قوله تعالى : { إن الله على كل شىء قدير } فهو تحذير لهم بالوعيد سواء حمل على الأمر بالقتال أو غيره . ! 7 < { وأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير } > 7 < البقرة : ( 110 - 112 ) وأقيموا الصلاة وآتوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى أمر بالعفو والصفح عن اليهود ، ثم عقبه بقوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاق بنى } تنبيها على أنه كما ألزمهم لحظ الغير وصلاحه العفو والصفح ، فكذلك ألزمهم لحظ أنفسهم وصلاحها القيام بالصلاة والزكاة الواجبتين ، ونبه بهما على ما عداهما من الواجبات . ثم قال بعده : { وما تقدموا لانفسكم من خير } والأظهر أن المراد به التطوعات من الصلوات والزكوات ، وبين تعالى أنهم يجدونه وليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأعمال لأنها لا تبقى ولأن وجدان عين تلك الأشياء لا يرغب فيه ، فبقي أن المراد وجدان ثوابه وجزائه ، ثم قال : { إن الله بما تعملون بصير } أي أنه لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال وهو ترغيب من حيث يدل على أنه تعالى يجازي على القليل كما يجازي على الكثير ، وتحذير من خلافه الذي هو الشر ، وأما الخير فهو النفع الحسن وما يؤدي إليه ، فلما كان ما يأتيه المرء من الطاعة يؤدي به إلى المنافع العظيمة ، وجب أن يوصف بذلك ، وعلى هذا الوجه قال تعالى : { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } ( الحج : 77 ) . ! 7 < { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } > 7 ! < < البقرة : ( 111 ) وقالوا لن يدخل . . . . . > > اعلم أن هذا هو النوع الرابع من تخليط اليهود وإلقاء الشبه في قلوب المسلمين ، واعلم أن اليهود / لا تقول في النصارى : إنها تدخل الجنة ، ولا النصارى في اليهود ، فلا بد من تفصيل في الكلام فكأنه قال : وقالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، ولا يصح في الكلام سواه ، مع علمنا بأن كل واحد من الفريقين يكفر الآخر ، ونظيره : { قالوا كونوا هودا أو نصارى } ( البقرة : 135 ) والهود : جمع هائد ، كعائذ وعوذ وبازل وبزل ، فإن قيل : كيف قيل : كان هودا ، على توحيد الاسم ، وجمع الخبر ؟ قلنا : حمل الاسم على لفظ ( من ) والخبر على معناه كقراءة الحسن : { إلا من هو صال الجحيم } ( الصافات : 163 ) وقرأ أبي بن كعب : { إلا من كان يهوديا أو نصرانيا } أما قوله تعالى : { تلك أمانيهم } فالمراد أن ذلك متمنياتهم ، ثم إنهم لشدة تمنيهم لذلك قدروه حقا في نفسه ، فإن قيل : لم قال : { تلك أمانيهم } وقولهم : { لن يدخل الجنة } أمنية واحدة ؟ قلنا : أشير بها إلى الأماني المذكورة ، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم ، وأمنيتهم أن يردوهم كفارا ، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم ، أي : تلك الأماني الباطلة أمانيهم ، وقوله تعالى : { قل هاتوا برهانكم } متصل بقوله : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } و { تلك أمانيهم } اعتراض ، قال عليه الصلاة والسلام ( الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ) وقال علي رضي الله عنه : ( لا تتكل على المنى فإنها بضائع التولي ) .
أما قوله تعالى : { قل هاتوا برهانكم } ففيه مسائل : المسألة الأولى : هات : صوت بمنزلة هاء في معنى أحضر . المسألة الثانية : دلت الآية على أن المدعي سواء ادعى نفيا ، أو إثباتا ، فلا بد له من الدليل والبرهان ، وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد قال الشاعر : من ادعى شيئا بلا شاهد لا بد أن تبطل دعواه أما قوله تعالى : { بلى } ففيه وجوه . الأول : أنه إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة . الثاني : أنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان أثبت أن لمن أسلم وجهه لله برهانا . الثالث : كأنه قيل لهم : أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة ، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم الجنة ، فيكون ذلك ترغيبا لهم في الإسلام ، وبيانا لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة لكي يقلعوا عما هم عليه ويعدلوا إلى هذه الطريقة ، فأما معنى : { من أسلم وجهه لله } فهو إسلام النفس لطاعة الله ، وإنما خص الوجه بالذكر لوجوه . أحدها : لأنه أشرف الأعضاء من حيث أنه معدن الحواس والفكر والتخيل ، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى . وثانيها : أن الوجه قد يكنى به عن النفس ، قال الله تعالى : { كل شىء هالك إلا وجهه } ، ( القصص : 88 ) { إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى } ( الليل : 20 ) . وثالثها : أن اعظم العبادات السجدة وهي إنما تحصل بالوجه فلا جرم خص الوجه بالذكر ، ولهذا قال زيد بن عمرو بن نفيل . / وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا فيكون المرء واهبا نفسه لهذا الأمر باذلالها ، وذكر الوجه وأراد به نفس الشيء ، وذلك لا يكون إلا بالانقياد والخضوع وإذلال النفس في طاعته وتجنب معاصيه ، ومعنى ( لله ) أي : خالصا لله لا يشوبه شرك ، فلا يكون عابدا مع الله غيره ، أو معلقا رجاءه بغيره ، وفي ذلك دلالة على أن المرء لا ينتفع بعمله إلا إذا فعله على وجه العبادة في الإخلاص والقربة .
أما قوله تعالى : { وهو محسن } أي : لا بد وأن يكون تواضعه لله بفعل حسن لا بفعل قبيح ، فإن الهند يتواضعون لله لكن بأفعال قبيحة ، وموضع قوله : { وهو محسن } موضع حال كقولك : جاء فلان وهو راكب ، أي جاء فلان راكبا ، ثم بين أن من جمع بين هذين فله أجره عند ربه ، يعني به الثواب العظيم ، ثم مع هذا النعيم لا يلحقه خوف ولا حزن ، فأما الخوف فلا يكون إلا من المستقبل ، وأما الحزن فقد يكون من الواقع والماضي كما قد يكون من المستقبل فنبه تعالى بالأمرين على نهاية السعادة لأن النعيم العظيم إذا دام وكثر وخلص من الخوف والحزن فلا يحزن على أمر فاته ولا على أمر يناله ولا يخاف انقطاع ما هو فيه وتغيره فقد بلغ النهاية وفي ذلك ترغيب في هذه الطريقة وتحذير من خلافها الذي هو طريقة الكفار المذكورين من قبل ، واعلم أنه تعالى وحد أولا ثم جمع ، ومثله قوله : { وكم من ملك فى السماوات } ( النجم : 26 ) ثم قال : { شفاعتهم } وقوله : { ومنهم من يستمع إليك } ( الأنعام : 25 ) وقال في موضع آخر : { يستمعون إليك } ( يونس : 42 ) ( الإسراء : 47 ) وقال : { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك } ( محمد : 16 ) ولم يقل : خرج ، واعلم أنا لما فسرنا قوله : { من أسلم وجهه لله } بالإخلاص فلنذكر ههنا حقيقة الإخلاص وذلك لا يمكن بيانه إلا في مسائل : المسألة الأولى : في فضل النية قال عليه الصلاة والسلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) ، وقال : ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم ) وفي الإسرائيليات أن رجلا مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه : لو كان هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل له : إن الله قبل صدقتك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاما فتصدقت به . المسألة الثانية : الإنسان إذا علم أو ظن أو اعتقد أن له في فعل من الأفعال جلب نفع أو دفع ضر ظهر في قلبه ميل وطلب ، وهو صفة تقتضي ترجيح وجود ذلك الشيء على عدمه ، وهي الإرادة فهذه الإرادة هي النية والباعث له على تلك النية ذلك العلم أو الإعتقاد أو الظن ، إذا عرفت هذا فنقول : الباعث على الفعل إما أن يكون أمرا واحدا ، وإما أن يكون أمرين ، وعلى التقدير الثاني فإما أن يكون كل واحد منهما مستقلا بالبعث ، أو لا يكون واحد منهما مستقلا بذلك ، أو يكون أحدهما مستقلا بذلك دون الآخر ، فهذه أقسام أربعة . الأول : أن يكون الباعث واحدا / وهو كما إذا هجم على الإنسان سبع فلما رآه قام من مكانه فهذا الفعل لا داعي إليه إلا اعتقاده ما في الهرب من النفع وما في ترك الهرب من الضرر ، فهذه النية تسمى خالصة ، ويسمى العمل بموجبها إخلاصا . الثاني : أن يجتمع على الفعل باعثان مستقلان ، كما إذا سأله رفيقه الفقير حاجة فيقضيها لكونه رفيقا له ، وكونه فقيرا ، مع كون كل واحد من الوصفين بحيث لو انفرد لاستقل بالاستقضاء ، واسم هذا موافقة الباعث . الثالث : أن لا يستقل واحد منهما لو انفرد ، لكن المجموع مستقل ، واسم هذا مشاركة . الرابع : أن يستقل أحدهما ويكون الآخر معاضدا مثل أن يكون للإنسان ورد من الطاعات فاتفق أن حضر في وقت أدائها جماعة من الناس فصار الفعل عليه أخف بسبب مشاهدتهم ، واسم هذا معاونة .
المسألة الثالثة : في تفسير قوله عليه السلام : ( نية المؤمن خير من عمله ) ذكروا فيه وجوها . أحدها : أن النية سر ، والعمل علن ، وطاعة السر أفضل من طاعة العلانية ، وهذا ليس بشيء لأنه يقتضي أن تكون نية الصلاة خيرا من نفس الصلاة . وثانيها : النية تدوم إلى آخر العمل ، والأعمال لا تدوم ، والدائم خير من المنقطع ، وهذا ليس بشيء لأنه يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من العمل القليل ، وأيضا فنية عمل الصلاة قد لا تحصل إلا في لحظات قليلة ، والأعمال تدوم ، وثالثها : أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده ، وهو ضعيف ، إذ العمل بلا نية لا خير فيه ، وظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخيرية . ورابعها : أن لا يكون المراد من الخير إثبات الأفضلية بل المراد أن النية خير من الخيرات الواقعة بعمله ، وهو ضعيف ، لأن حمل الحديث عليه لا يفيد إلا إيضاح الواضحات ، بل الوجه الجيد في التأويل أن يقال : النية ما لم تخل عن جميع أنواع الفتور لا تكون نية جازمة ، ومتى خلت عن جميع جهات الفتور وجب ترتب الفعل عليها لو لم يوجد عائق ، وإذا كان كذلك : ثبت أن النية لا تنفك البتة عن الفعل ، فيدعى أن هذه النية أفضل من ذلك العمل ، وبيانه من وجوه . أولها : أن المقصود من جميع الأعمال تنوير القلب بمعرفة الله وتطهيره عما سوى الله ، والنية صفة القلب ، والفعل ليس صفة القلب ، وتأثير صفة القلب أقوى من تأثير صفة الجوارح في القلب ، فلا جرم نية المؤمن خير من عمله . وثانيها : أنه لا معنى للنية إلا القصد إلى إيقاع تلك الأعمال طاعة للمعبود وانقيادا له ، وإنما يراد الأعمال ليستحفظ التذكر بالتكرير ، فيكون الذكر والقصد الذي في القلب بالنسبة إلى العمل كالمقصود بالنسبة إلى الوسيلة ، ولا شك أن المقصود أشرف من الوسيلة . وثالثها : أن القلب أشرف من الجسد ، ففعله أشرف من فعل الجسد ، فكانت النية أفضل من العمل . المسألة الرابعة : اعلم أن الأعمال على ثلاثة أقسام : طاعات ، ومعاصي ، ومباحات ، أما المعاصي فهي لا تتغير عن موضوعاتها بالنية ، فلا يظن الجاهل أن قوله عليه الصلاة والسلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) يقتضي انقلاب المعصية طاعة بالنية كالذي يطعم فقيرا من مال غيره ، أو يبني / مسجدا من مال حرام . الثاني : الطاعات وهي مرتبطة بالنيات في الأصل وفي الفضيلة ، أما في الأصل فهو أن ينوي بها عبادة الله تعالى ، فإن نوى الرياء صارت معصية ، وأما الفضيلة فبكثرة النيات تكثر الحسنة كمن قعد في المسجد وينوي فيه نيات كثيرة . أولها : أن يعتقد أنه بيت الله ويقصد به زيارة مولاه كما قال عليه الصلاة والسلام : ( من قعد في المسجد فقد زار الله وحق على المزور إكرام زائره ) . وثانيها : أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون حال الإنتظار كمن هو في الصلاة . وثالثها : إغضاء السمع والبصر وسائر الأعضاء كما لا ينبغي ، فإن الإعتكاف كف وهو في معنى الصوم ، وهو نوع ترهب ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( رهبانية أمتي القعود في المساجد ) . ورابعها : صرف القلب ولاسر بالكلية إلى الله تعالى . وخامسها : إزالة ما سوى الله عن القلب . وسادسها : أن يقصد إفادة علم أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر . وسابعها : أن يستفيد أخا في الله فإن ذلك غنيمة أهل الدين . وثامنها : أن يترك الذنوب حياء من الله فهذا طريق تكثير النيات ، وقس به سائر الطاعات .
القسم الثالث : سائر المباحات ولا شيء منها إلا ويحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات ، فما أعظم خسران من يغفل عنها ولا يصرفها إلى القربات ، وفي الخبر : من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك ، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الحيفة فإن قلت : فاشرح لي كيفية هذه النية ، فاعلم أن القصد من التطيب إن كان هو التنعم وريحه أنتن من الحيفة ، فإن قلت : فاشرح لي كيفية هذه النية ، فاعلم أن القصد من التطيب إن كان هو التنعم بلذات الدنيا أو إظهار التفاخر بكثرة المال أو رياء الخلق أو ليتودد به إلى قلوب النساء ، فكل ذلك يجعل التطيب معصية ، وإن كان القصد إقامة السنة ودفع الروائح المؤذية عن عباد الله وتعظيم المسجد ، فهو عين الطاعة ، وإذا عرفت ذلك فقس عليه سائر المباحات ، والضابط أن كل ما فعلته لداعي الحق فهو العمل الحق ، وكل ما عملته لغير الله فحلالها حساب وحرامها عذاب . المسألة الخامسة : اعلم أن الجاهل إذا سمع الوجوه العقلية والنقلية في أنه لا بد من النية فيقول في نفسه عند تدريسه وتجارته : نويت أن أدرس لله وأتجر لله يظن أن ذلك نية وهيهات فذاك حديث نفس أو حديث لسان والنية بمعزل عن جميع ذلك إنما النية انبعاث النفس وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلا وإما آجلا . والميل إذا لم يحصل لم يقدر الإنسان على اكتسابه وهو كقول الشبعان نويت أن أشتهي الطعام ، أو كقول الفارغ نويت أن أعشق ، بل لا طريق إلى اكتساب الميل إلى الشيء إلا باكتساب أسبابه وليست هي إلا تحصيل العلم بما فيه من المنافع ، ثم هذا العلم لا يوجب هذا الميل إلا عند خلو القلب عن سائر الشواغل ، فإذا غلبت شهوة النكاح ولم يعتقد في الولد غرضا صحيحا لا عاجلا ولا آجلا ، لا يمكنه أن يواقع على نية الولد بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة إذ النية هي إجابة الباعث ولا باعث إلا الشهوة فكيف ينوي الولد ؟ فثبت أن النية ليست عبارة عن القول باللسان أو بالقلب بل هي عبارة عن حصول هذا الميل ، وذلك أمر معلق بالغيب فقد يتيسر في بعض الأوقات ، وقد يتعذر في بعضها . / المسألة السادسة : اعلم أن نيات الناس في الطاعات أقسام : فمنهم من يكون عملهم إجابة لباعث الخوف فإنه يتقي النار ، ومنهم من يعمل لباعث الرجاء وهو الرغبة في الجنة والعامل لأجل الجنة عامل لبطنه وفرجه ، كالأجير السوء ودرجته درجة البله ، وأما عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر الله والفكر فيه حبا لجلاله وسائر الأعمال مؤكدات له وهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وثواب الناس بقدر نياتهم فلا جرم صار المقربون متنعمين بالنظر إلى وجهه الكريم ونسبة شرف الالتذاذ بنعيم الجنة إلى شرف الالتذاذ بهذا المقام كنسبة نعيم الجنة إلى وجهه الكريم . ! 7 < { وقالت اليهود ليست النصارى على شىء وقالت النصارى ليست اليهود على شىء وهم يتلون الكتاب كذالك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } > 7 ! < < البقرة : ( 113 ) وقالت اليهود ليست . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما جمعهم في الخبر الأول فصلهم في هذه الآية ، وبين قول كل فريق منهم في الآخر ، وكيف ينكر كل طائفة دين الأخرى ، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { ليست النصارى على شىء } أي على شيء يصح ويعتد به وهذه مبالغة عظيمة وهو كقولهم : أقل من لا شيء ، ونظيره قوله تعالى : { قل ياأهل أهل الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التوراة } ( المائدة : 68 ) ، فإن قيل : كيف قالوا ذلك مع أن الفريقين كانا يثبتان الصانع وصفاته سبحانه وتعالى ، وذلك قول فيه فائدة ؟ قلنا : الجواب من وجهين ، الأول : أنهم لما ضموا إلى ذلك القول الحسن قولا باطلا يحبط ثواب الأول ، فكأنهم ما أتوا بذلك الحق . الثاني : أن يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا فيه ، وهي ما يتصل بباب النبوات . المسألة الثانية : روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم ، فقالت اليهود : ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل ، وقالت النصارى لهم : نحوه وكفروا بموسى عليه السلام والتوراة . المسألة الثالثة : اختلفوا فيمن هم الذين عناهم الله تعالى أهم الذين كانوا من بعثة عيسى عليه السلام أو في زمن محمد عليه السلام ، والظاهر الحق أنه لا دليل في الظاهر عليه وإن كان الأولى أن يحمل على كل اليهود وكل النصارى بعد بعثة عيسى عليه السلام ، ولا يجب لما نقل في سبب الآية / أن يهوديا خاطب النصارى بذلك فأنزل الله هذه الآية أن لا يراد بالآية سواه ، إذا أمكن حمله على ظاهره وقوله : { وقالت اليهود ليست النصارى على شىء } يفيد العموم فما الوجه في حمله على التخصيص ومعلوم من طريقة اليهود والنصارى أنهم منذ كانوا فهذا قول كل فريق منهما في الآخر . أما قوله تعالى : { وهم يتلون الكتاب } قالوا وللحال ، والكتاب للجنس . أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلوم والتلاوة للكتب ، وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب الله وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني شاهد لصحته ، فإن التوراة مصدقة بعيسى عليه السلام ، والإنجيل مصدق بموسى عليه السلام . أما قوله تعالى : { كذالك قال الذين لا يعلمون } فإنه يقتضي أن من تقدم ذكره يجب أن يكون عالما لكي يصح هذا الفرق ، فبين تعالى أنهم مع المعرفة والتلاوة إذا كانوا يختلفون هذا الاختلاف فكيف حال من لايعلم ، واعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن كل طائفة تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن ، ثم اختلفوا فيمن هم الذين لا يعلمون على وجوه . أولها : أنهم كفار العرب الذين قالوا : إن المسلمين ليسوا على شيء فبين تعالى أنه إذا كان قول اليهود والنصارى وهم يقرأون الكتب لا ينبغي أن يقبل ويلتفت إليه فقول كفار العرب أولى أن لا يلتفت إليه . وثانيها : أنه إذا حملنا قوله : { وقالت اليهود ليست النصارى على شىء } على الذين كانوا حاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ، حملنا قوله : { كذالك قال الذين لا يعلمون } على المعاندين وعكسه أيضا محتمل . وثالثها : أن يحمل قوله : { وقالت اليهود ليست النصارى على شىء } على علمائهم ويحمل قوله : { كذالك قال الذين لا يعلمون } على عوامهم فصلا بين خواصهم وعوامهم ، والأول أقرب : لأن كل اليهود والنصارى دخلوا في الآية فمن ميز عنهم بقوله : { كذالك قال الذين لا يعلمون } يجب أن يكون غيرهم .
أما قوله تعالى : { فالله يحكم بينهم } ففيه أربعة أوجه . أحدها : قال الحسن : يكذبهم جميعا ويدخلهم النار . وثانيها ؛ حكم الانتصاف من الظالم المكذب للمظلوم المكذب . وثالثها : يريهم من يدخل الجنة عيانا ومن يدخل النار عيانا ، وهو قول الزجاج . ورابعها : يحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه والله أعلم . ! 7 < { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى فى خرابهآ أولائك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين لهم فى الدنيا خزى ولهم فى الا خرة عذاب عظيم } > 7 ! < < البقرة : ( 114 ) ومن أظلم ممن . . . . . > > اعلم أن في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : اجمع المفسرون على أنه ليس المراد من هذه الآية مجرد بيان الشرط والجزاء ، أعني مجرد بيان أن من فعل كذا فإن الله يفعل به كذا بل المراد منه بيان أن منهم من منع عمارة المساجد وسعى في خرابها ، ثم أن الله تعالى جازاهم بما ذكر في الآية إلا أنهم اختلفوا في أن الذين منعوا من عمارة المسجد وسعوا في خرابه من هم ؟ وذكروا فيه أربعة أوجه . أولها : قال ابن عباس : أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى البقية وأحرق التوراة ، ولم يزل بيت المقدس خرابا حتى بناه أهل الإسلام في زمن عمر . وثانيها : قال الحسن وقتادة والسدي : نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وبعض النصارى أعانه على ذلك بغضا لليهود . قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : هذان الوجهان غلطان لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل والنصارى كانوا بعد المسيح فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس وأيضا فإن النصارى يعتقدون في تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود وأكثر ، فكيف أعانوا على تخريبه . وثالثها : أنها نزلت في مشركي العرب الذين منعوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الدعاء إلى الله بمكة وألجؤه إلى الهجرة ، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام ، وقد كان الصديق رضي الله عنه بنى مسجدا عند داره فمنع وكان ممن يؤذيه ولدان قريش ونساؤهم ، وقيل : إن قوله تعالى : { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } ( الإسراء : 110 ) نزلت في ذلك فمنع من الجهر لئلا يؤذى ، وطرح أبو جهل العذرة على ظهر لنبي صلى الله عليه وسلم فقيل : ومن أظلم من هؤلاء المشركين الذين يمنعون المسلمين الذين يوحدون الله ولا يشركون به شيئا ويصلون له تذللا وخشوعا ، ويشغلون قلوبهم بالفكر فيه ، وألسنتهم بالذكر له ، وجميع جسدهم بالتذلل لعظمته وسلطانه . ورابعها : قال أبو مسلم : المراد منه الذين صدوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية ، واستشهد بقوله تعالى : { هم الذين كفروا وصدوكم عند المسجد الحرام } ( الفتح : 25 ) وبقوله : { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام } ( الأنفال : 34 ) وحمل قوله : { إلا خائفين } بما يعلى الله من يده ، ويظهر من كلمته ، كما قال في المنافقين : { لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } ( الأحزاب : 60 61 ) وعندي فيه وجه خامس وهو أقرب إلى رعاية النظم : وهو أن يقال : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة عند توجههم إلى الكعبة ، ولعلهم سعوا أيضا في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها ، وسعوا أيضا في تخريب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى القبلة ، فعابهم الله بذلك وبين سوء طريقتهم فيه ، وهذا التأويل أولى مما قبله ، وذلك لأن الله تعالى لم يذكر في الآيات السابقة على هذه الآية إلا قبائح أفعال اليهود / والنصارى ، وذكر أيضا بعدها قبائح أفعالهم فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد منها قبائح أفعال المشركين في صدهم الرسول عن المسجد الحرام / وأما حمل الآية على سعي النصارى في تخريب بيت المقدس فضعيف أيضا على ما شرحه أبو بكر الرازي ، فلم يبق إلا ما قلناه .
المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : فأما من حملها على النصارى وخراب بيت المقدس قال : تتصل بما قبلها من حيث أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط ، فقيل لهم : كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد والسعي في خرابها هكذا ، وأما من حمله على المسجد الحرام وسائر المساجد قال : جرى ذكر مشركي العرب في قوله : { كذالك قال الذين قبلهم مثل قولهم } ( البقرة : 113 ) وقيل : جرى ذكر جميع الكفار وذمهم ، فمرة وجه الذم إلى اليهود والنصارى ومرة إلى المشركين . المسألة الثالثة : قوله : { مساجد الله } عموم فمنهم من قال : المراد به كل المساجد ، ومنهم من حمله على ما ذكرناه من المسجد الحرام وغيره من مساجد مكة ، وقالوا : قد كان لأبي بكر رضي الله عنه مسجد بمكة يدعو الله فيه ، فخربوه قبل الهجرة ، ومنهم من حمله على المسجد الحرام فقط وهو قول أبي مسلم حيث فسر المنع بصد الرسول عن المسجد الحرام عام الحديبية ، فإن قيل : كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد ؟ قلنا : فيه وجوه . أحدها : هذا كمن يقول لمن آذى صالحا واحدا : ومن أظلم ممن آذى الصالحين . وثانيها : أن المسجد موضع السجود فالمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مسجدا واحدا بل مساجد . المسألة الرابعة : قوله : { أن يذكر فيها اسمه } في محل النصب واختلفوا في العامل فيه على أقوال . الأول : أنه ثاني مفعولي منع لأنك تقول : منعته كذا ، ومثله : { وما منعنا أن نرسل بالايات وما منع الناس أن يؤمنوا } . الثاني : قال الأخفش : يجوز أن يكون على حذف ( من ) كأنه قيل : منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه . الثالث : أن يكون على البدل من مساجد الله . الرابع : قال الزجاج : يجوز أن يكون على معنى كراهة أن يذكر فيها اسمه ، والعامل فيه ( منع ) . المسألة الخامسة : السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين . أحدهما : منع المصلين والمتعبدين والمتعهدين له من دخوله فيكون ذلك تخريبا . والثاني : بالهدم والتخريب وليس لأحد أن يقول : كيف يصح أن يتأول على بيت الله الحرام ولم يظهر فيه التخريب لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه يكون تخريبا له ، وقيل : إن أبا بكر رضي الله عنه كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر . المسألة السادسة : ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم وفيه إشكال لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) مع أن الشرك أعظم من هذا الفعل ، وكذا الزنا وقتل النفس أعظم من هذا الفعل ، والجواب عنه : أقصى ما في الباب أنه عام دخله / التخصيص فلا يقدح فيه . أما قوله تعالى : { أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } فاعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : ظاهر الكلام أن الذين آمنوا وسعوا في تخريب المسجد هم الذين يحرم عليهم دخوله إلا خائفين ، وأما من يجعله عاما في الكل فذكروا في تفسير هذا الخوف وجوها . أحدها : ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال الهيبة وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا عليهم ويمنعوا المؤمنين منها ، والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم . وثانيها : أن هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد ، وأنه يذل المشركين لهم حتى لايدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفا يخاف أن يؤخذ فيعاقب ، أو يقتل أن لم يسلم / وقد أنجز الله صدق هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام ، ونادى فيهم عام حج أبو بكر رضي الله عنه : ألا لا يحجن بعد العام مشرك ، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج اليهود من جزيرة العرب ، فحج من العام الثاني ظاهرا على المساجد لا يجترىء أحد من المشركين أن يحج ويدخل المسجد الحرام ، وهذا هو تفسير أبي مسلم في حمل المنع من المساجد على صدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام عام الحديبية ويحمل هذا الخوف على ظهور أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وغلبته لهم بحيث يصيرون خائفين منه ومن أمته . وثالثها : أن يحمل هذا الخوف على ما يلحقهم من الصغار والذل بالجزية والإذلال . ورابعها : أنه يحرم عليهم دخول المسجد الحرام إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمخاصمة والمحاكمة والمحاجة ، لأن كل ذلك يتضمن الخوف والدليل عليه قوله تعالى : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شهدين على أنفسهم بالكفر } ( التوبة : 17 ) . وخامسها : قال قتادة والسدي : قوله : { إلا خائفين } بمعنى أن النصارى لا يدخلون بيت المقدس إلا خائفين ، ولا يوجد فيه نصراني إلا أوجع ضربا وهذا التأويل مردود ، لأن بيت المقدس بقي أكثر من مائة سنة في أيدي النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفا ، إلى أن استخلصه الملك صلاح الدين رحمه الله في زماننا . وسادسها : أن قوله : { ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } وإن كان لفظه لفظ الخبر لكن المراد منه النهي عن تمكينهم من الدخول ، والتخلية بينهم وبينه كقوله : { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } ( الأحزاب : 53 ) . أما قوله تعالى : { لهم فى الدنيا خزى } فقد اختلفوا في الخزي ، فقال بعضهم : ما يلحقهم من الذل بمنعهم من المساجد ، وقال آخرون بالجزية في حق أهل الذمة وبالقتل في حق أهل الحرب ، واعلم أن كل ذلك محتمل فإن الخزي لا يكون إلا ما يجري مجرى العقوبة من الهوان والإذلال فكل ما هذه صفته يدخل تحته وذلك ردع من الله تعالى عن ثباتهم على الكفر لأن الخزي الحاضر يصرف عن التمسك بما يوجبه ويقتضيه ، وأما العذاب العظيم فقد وصفه الله تعالى بما جرى مجرى النهاية / في المبالغة ، لأن الذين قدم ذكرهم وصفهم بأعظم الظلم ، فبين أنهم يستحقون العقاب العظيم ، وفي الآية مسألتان :
المسألة الأولى : في أحكام المساجد وفيه وجوه . الأول : في بيان فضل المساجد ويدل عليه القرآن والأخبار والمعقول ، أما القرآن فآيات ، أحدها : قوله تعالى : { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } ( الجن : 18 ) . أضاف المساجد إلى ذاته يلزم الاختصاص ثم أكد ذلك الاختصاص بقوله : { فلا تدعوا مع الله أحدا } . وثانيها : قوله تعالى : { إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله واليوم الاخر } ( التوبة : 18 ) فجعل عمارة المسجد دليلا على الإيمان ، بل الآية تدل بظاهرها على حصر الإيمان فيهم ، لأن كلمة إنما للحصر . وثالثها : قوله تعالى : { فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال } ( النور : 36 ) . ورابعها : هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه } فإن ظاهرها يقتضي أن يكون الساعي في تخريب المساجد أسوأ حالا من المشرك لأن قوله : { ومن أظلم } يتناول المشرك لأنه تعالى قال : { } يتناول المشرك لأنه تعالى قال : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) فإذا كان الساعي في تخريبه في أعظم درجات الفسق وجب أن يكون الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان . وأما الأخبار ، فأحدها : ما روى الشيخان في صحيحيهما أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه ، فقال عثمان رضي الله عنه : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من بنى لله مسجدا بنى الله له كهيئته في الجنة ) . وفي رواية أخرى : ( بنى الله له بيتا في الجنة ) . وثانيها : ما روى أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها ) ، واعلم أن هذا الخبر تنبيه على ما هو السر العقلي في تعظيم المساجد وبيانه أن الأمكنة والأزمنة إنما تتشرف بذكر الله تعالى ، فإذا كان المسجد مكانا لذكر الله تعالى حتى أن الغافل عن ذكر الله إذا دخل المسجد اشتغل بذكر الله والسوق على الضد من ذلك ، لأنه موضع البيع والشراء والإقبال على الدنيا وذلك مما يورث الغفلة عن الله ، والأعراض عن التفكر في سبيل الله ، حتى أن ذاكر الله إذا دخل السوق فإنه يصير غافلا عن ذكر الله لا جرم كانت المساجد أشرف المواضع والأسواق أخس المواضع . الثاني : في فضل المشي إلى المساجد ( أ ) عن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : ( من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئته والأخرى ترفع درجته ) ، رواه مسلم . ( ب ) أبو هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : ( من غدا أو راح إلى المسجد أعد الله له في الجنة منزلا كلما غدا أو راح ) أخرجاه في الصحيح . ( ج ) أبي بن كعب قال : كان رجل ما أعلم أحدا من أهل المدينة ممن يصلى إلى القبلة أبعد منزلا منه من المسجد وكان لا تخطئه الصلوات مع الرسول عليه السلام ، فقيل له : لو اشتريت حمارا لتركبه في الرمضاء والظلماء ، فقال : والله ما أحب أن منزلي بلزق المسجد ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فسأله فقال : يا رسول الله كيما يكتب أثري وخطاي ورجوعي إلى أهلي وإقبالي وإدباري ، فقال عليه الصلاة والسلام / ( لك ما احتسبت أجمع ) أخرجه مسلم .
( د ) جابر قال : خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : ( أنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى قرب المسجد ، فقالوا : نعم قد أردنا ذلك قال يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم ) . رواه مسلم . وعن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت في حقهم : { إنا نحن نحى الموتى ونكتب ما قدموا وءاثارهم } ( يس : 12 ) . ( ه ) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إلى المسجد مشيا والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام في جماعة أعظم أجرا ممن يصليها ثم ينام ) أخرجاه في الصحيح . ( و ) عقبة بن عامر الجهني أنه عليه السلام قال : ( إذا تطهر الرجل ثم مر إلى المسجد يرعى الصلاة كتب له كاتبه أو كاتباه بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات والقاعد الذي يرعى الصلاة كالقانت ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع ) . ( ز ) عن سعيد بن المسيب قال : حضر رجلا من الأنصار الموت فقال لأهله : من في البيت ، فقالوا : أهلك ، وأما أخوتك وجلساؤك ففي المسجد ، فقال : ارفعوني فأسنده رجل منهم إليه ففتح عينيه وسلم على القوم فردوا عليه وقالوا له : خيرا . فقال : إني مورثكم اليوم حديثا ما حدثت به أحدا منذ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم احتسابا وما أحدثكموه اليوم إلا احتسابا ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد يصلي في جماعة المسلمين لم يرفع رجله اليمنى إلا كتب الله له بها حسنة ولم يضع رجله اليسرى إلا حط الله عنه بها خطيئة حتى يأتي المسجد / فإذا صلى بصلاة الإمام انصرف وقد غفر له ، فإن هو أدرك بعضها وفاته بعض كان كذلك ) . ( ح ) عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال : ( من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها ولم ينقص ذلك من أجرهم شيئا ) . ( ط ) أبو هريرة قال عليه السلام : ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ، قالوا : بلى يا رسول الله . قال : إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط ) رواه أبو مسلم . ( ي ) قال أبو سلمة بن عبد الرحمن لداود بن صالح : هل تدري فيم نزلت : { الحساب يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } ( آل عمران : 200 ) قال : قلت لا يا ابن أخي ، قال : سمعت أبا هريرة يقول لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ولكن انتظار الصلاة بعد الصلاة . ( يا ) بريدة قال عليه السلام : ( بشر المشائين في الظلم إلى المسجد بالنور التام يوم القيامة ) ، قال النخعي كانوا يرون المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة موجبة . ( يب ) قال الأوزاعي : كان يقال خمس كان عليها أصحاب محمد عليه السلام والتابعون بإحسان : لزوم الجماعة واتباع السنة ، وعمارة المسجد وتلاوة القرآن والجهاد في سبيل الله . ( يج ) أبو هريرة قال عليه السلام : ( من بنى لله بيتا يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتا في الجنة من دور ياقوت .
( يد ) أبو ذر قال عليه السلام : ( من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ) . ( يه ) أبو سعيد الخدري : قال عليه السلام : ( إذا رأيتم الرجل / يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ، فإن الله تعالى قال : { إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله واليوم الاخر } ) ( التوبة : 18 ) . ( يو ) عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا : إن المساجد بيوت الله وأنه لحق على الله أن يكرم من زاره فيها . ( يز ) أنس قال عليه السلام : ( إن عمار بيوت الله هم أهل بيوت الله ) . ( يح ) أنس قال عليه السلام : ( يقول الله تعالى : كأني لأهم بأهل الأرض عذابا فإذا نظرت إلى عمار بيوتي والمتحابين في وإلى المستغفرين بالأسحار صرفت عنهم ) . ( يط ) عن أنس : قال عليه السلام : ( إذا أنزلت عاهة من السماء صرفت عن عمار المساجد ) . ( ك ) كتب سلمان إلى أبي الدرداء : يا أخي ليكن بيتك المساجد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( المسجد بيت كل تقي وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله تعالى ) . ( كا ) قال سعيد بن المسيب : عن عبد الله بن سلام : إن المساجد أوتادا من الناس ، وإن لهم جلساء من الملائكة ، فإذا فقدوهم سألوا عنهم ، وإن كانوا مرضى عادوهم ، وإن كانوا في حاجة أعانوهم . ( كب ) الحسن قال عليه السلام : ( يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة ) . ( كج ) أبو هريرة : قال عليه السلام : ( إن للمنافقين علامات يعرفون بها تحيتهم لعنة وطعامهم نهبة ، وغنيمتهم غلول ، لا يقربون المساجد إلا هجرا ولا الصلاة إلا دبرا ، لا يتألفون ولا يؤلفون ، خشب بالليل سحب بالنهار ) . ( كد ) أبو سعيد الخدري وأبو هريرة : قال عليه السلام : ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) . هذا حديث أخرجه الشيخان في الصحيحين . ( كه ) عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من خرج من بيته إلى المسجد كتب له كاتبه بكل خطوة يخطوها عشر حسنات ، والقاعد في المسجد ينتظر الصلاة كالقانت ويكتب من المصلين حتى يرجع إلى بيته ) . ( كو ) روى عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زريق بن الحكم ، قال : سمعت سعيد بن المسيب وسأله أبي : أحضور الجنازة أحب إليك أم القعود في المسجد ؟ قال : من صلى على جنازة فله قيراط ، ومن تبعها حتى تقبر فله قيراطان ، والجلوس في المسجد أحب إلي ، تسبح الله وتهلل وتستغفر والملائكة تقول : آمين اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، فإذا فعلت ذلك فقل : اللهم اغفر لسعيد بن المسيب . الثالث : في تزيين المساجد . ( أ ) ابن عباس : قال عليه الصلاة والسلام : ( ما أمرت بتشييد المساجد ) والمراد من التشييد رفع البناء وتطويله ، ومنه قوله تعالى : { فى بروج مشيدة } ( النساء : 78 ) وهي التي يطول بناؤها .
( ب ) أمر عمر ببناء مسجد وقال للبناء : أكن الناس من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس . ( ج ) روى أن عثمان رأى أثرجة من جص معلقة في المسجد ، فأمر بها فقطعت . ( د ) قال أبو الدرداء : إذا حليتم مصاحفكم وزينتم مساجدكم فالدمار عليكم . ( ه ) قال أبو قلابة : غدونا مع أنس بن مالك إلى / الزواية فحضرت صلاة الصبح فمررنا بمسجد فقال أنس : لو صلينا في هذا المسجد ؟ فقال بعض القوم : حتى نأتي المسجد الآخر ، فقال أنس : أي مسجد ، قالوا : مسجد أحدث الآن ، فقال أنس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( سيأتي على أمتي زمان يتباهون في المساجد ولا يعمرونها إلا قليلا ) . الرابع : في تحية المسجد ، في الصحيحين عن أبي قتادة السلمي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس ) ، واعلم أن القول بذلك مذهب الحسن البصري ومكحول وقول الشافعي وأحمد وإسحق ، وذهب قوم إلى أنه يجلس ولا يصلي ، وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة ، وبه قال مالك والثوري وأصحاب الرأي . الخامس : فيما يقول إذا دخل المسجد ، روت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيها ، قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال : رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال قال : رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك ) . السادس : في فضيلة القعود في المسجد لانتظار الصلاة . ( أ ) أبو هريرة : قال عليه الصلاة والسلام : ( الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ما لم يحدث ) . وروي أن عثمان بن مظعون أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال : ائذن لي في الاختصاء ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( ليس منا من خصي أو اختصى إن خصاء أمتي الصيام ) . فقال : يا رسول الله ائذن لي في السياحة ، فقال : ( إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ) ، فقال : يا رسول الله ائذن لي في الترهب ، فقال : ( إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظارا للصلاة ) .
السابع : في كراهية البيع والشراء في المسجد ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن تناشد الأشعار في المساجد ، وعن البيع والشراء فيه ، وعن أن يتحلق الناس في المساجد يوم الجمعة قبل الصلاة ، واعلم أنه كره قوم من أهل العلم البيع والشراء في المسجد وبه يقول أحمد وإسحق وعطاء بن يسار ، وكان إذا مر عليه بعض من يبيع في المسجد قال : عليك بسوق الدنيا فإنما هذا سوق الآخرة ، وكان لسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم رحبة إلى جنب المسجد سماها البطحاء ، وقال : من أراد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوتا فليخرج إلى هذه الرحبة / واعلم أن الحديث الذي رويناه يدل على كراهية التحلق والاجتماع يوم الجمعة قبل الصلاة لمذاكرة العلم ، بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة ، ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة ، وأما طلب الضالة في المسجد ، ورفع الصوت بغير الذكر ، فمكروه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل : لا ردها الله عليك ، فإن المساجد لم تبن لهذا ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا : لا أربح الله تجارتك ) ، قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله : ويدخل في هذا كل أمر لم يبن له المسجد من أمور معاملات الناس ، واقتضاء حقوقهم ، وقد كره بعض / السلف المسألة في المسجد ، وكان بعضهم يرى أن لا يتصدق على السائل المتعرض في المسجد ، وورد النهي عن إقامة الحدود في المساجد ، قال عمر فيمن لزمه حد : أخرجاه من المسجد ، ويذكر عن علي رضي الله عنه مثله ، وقال معاذ بن جبل : إن المساجد طهرت من خمس : من أن يقام فيها الحدود أو يقبض فيها الخراج ، أو ينطق فيها بالأشعار أو ينشد فيها الضالة أو تتخذ سوقا ، ولم ير بعضهم بالقضاء في المسجد بأسا ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لاعن بين العجلاني وامرأته في المسجد ولاعن عمر عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد وكان الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجا من المسجد . الثامن : في النوم في المسجد في الصحيحين : عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى وعن ابن شهاب قال : كان ذلك من عمر وعثمان وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد مثل جوازها في البيت ، إلا الانبطاح فإنه عليه الصلاة والسلام نهى عنه وقال : أنها ضجعة يبغضها الله ، وعن نافع أن عبد الله كان شابا أعزب لا أهل له فكان ينام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورخص قوم من أهل العلم في النوم في المسجد ، وقال ابن عباس : لا تتخذوه مبيتا أو مقيلا .
التاسع : في كراهية البزاق في المسجد عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ( البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها ) ، وفي الصحيح عن أبي ذر قال عليه الصلاة والسلام : ( عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت من محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ، ووجدت في مساويء أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن ) وفي الحديث : ( إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة في النار ) ، أي ينضم وينقبض ، فقال بعضهم : المراد أن كونه مسجدا يقتضي التعظيم والقاء النخامة يقتضي التحقير ، وبينهما منافاة ، فعبر عليه الصلاة والسلام عن تلك المنافاة بقوله : لينزوي ، وقال آخرون : أراد أهل المسجد وهم الملائكة ، وفي الصحيحين عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي الله ما دام في مصلاه ، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا ، ولكن ليبصق عن شماله أو تحت رجليه فيدفنه ) . وعن أنس أنه عليه الصلاة والسلام رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه فقام فحكه بيده وقال : ( إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه فلا يبزقن أحدكم في قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه قال : ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض وقال : يفعل هكذا ) أخرجه البخاري في صحيحه . العاشر : في الثوم والبصل : في الصحيحين عن أنس وابن عمر وجابر قال عليه الصلاة والسلام : ( من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس ) / وعن جابر أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( من أكل ثوما أو بصلا فليعتزل مسجدنا ) وأن النبي عليه الصلاة والسلام أتى بقدر فيه خضر فوجد لها ريحا ، فسأل فأخبر بما فيه من البقول ، فقال : ( قربوها إلى بعض من كان حاضرا ، وقال / له كل فإني أناجي من لا تناجي ) أخرجاه في الصحيحين . الحادي عشر : في المساجد في الدور ، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد في الدور ، وأن ينظف ويطيب ، أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه أصحابه إذ جاء أعرابي فبال في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه مه ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا تزرموه ) ، ثم دعاه فقال : ( إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من العذرة والبول والخلاء ، إنما هي لقراءة القرآن وذكر الله والصلاة ) ، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فصبوا عليه .
المسألة الثانية : اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد ، فجوزه أبو حنيفة مطلقا ، وأباه مالك مطلقا ، وقال الشافعي رضي الله عنه : يمنع من دخول الحرم والمسجد الحرام ، احتج الشافعي بوجوه . أولها : قوله تعالى : { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هاذا } ( التوبة : 28 ) قال الشافعي : قد يكون المراد من المسجد الحرام الحرم لقوله تعالى : { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام } ( الإسراء : 1 ) وإنما أسرى به من بيت خديجة . فالآية دالة إما على المسجد فقط ، أو على الحرم كله ، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، لأن الخلاف حاصل فيهما جميعا ، فإن قيل : المراد به الحج ولهذا قال : { بعد عامهم هاذا } لأن الحج إنما يفعل في السنة مرة واحدة ، قلنا : هذا ضعيف لوجوه . أحدها : إنه ترك للظاهر من غير موجب . الثاني : ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وهذا يقتضي أن المانع من قربهم من المسجد الحرام نجاستهم ، وذلك يقتضي أنهم ما داموا مشركين كانوا ممنوعين عن المسجد الحرام . الثالث : أنه تعالى لو أراد الحج لذكر من البقاع ما يقع فيه معظم أركان الحج وهو عرفة . الرابع : الدليل على أن المراد دخول الحرم لا الحج فقط قوله تعالى : { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } ( التوبة : 28 ) فأراد به الدخول للتجارة . وثانيها : قوله تعالى : { أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } وهذا يقتضي أن يمنعوا من دخول المسجد ، وأنهم متى دخلوا كانوا خائفين من الإخراج إلا ما قام عليه الدليل فإن قيل : هذه الآية مخصوصة بمن خرب بيت المقدس ، أو بمن منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من العبادة في الكعبة ، وأيضا فقوله : { ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } ليس المراد منه خوف الإخراج ، بل خوف الجزية والإخراج ، قلنا : الجواب عن الأول : أن قوله تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } ظاهر في العموم ، فتخصيصه ببعض الصور خلاف الظاهر . وعن الثاني : أن الظاهر قوله : { ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } يقتضي أن يكون ذلك الخوف إنما حصل من الدخول ، وعلى ما يقولونه لا يكون الخوف متولدا من الدخول بل من شيء آخر ، فسقط كلامهم . وثالثها : قوله تعالى : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شهدين على أنفسهم بالكفر } ( التوبة : 17 ) وعمارتها تكون بوجهين . أحدهما : بناؤها وإصلاحها . والثاني : حضورها ولزومها / كما تقول : فلان يعمر / مسجد فلان أي يحضره ويلزمه وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ) ، وذلك لقوله تعالى : { إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله واليوم الاخر } ( التوبة : 18 ) ، فجعل حضور المساجد عمارة لها . ورابعها : أن الحرم واجب التعظيم لقوله عليه الصلاة والسلام في الدعاء : ( اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة ) فصونه عما يوجب تحقيره واجب وتمكين الكفار من الدخول فيه تعريض للبيت للتحقير لأنهم لفساد اعتقادهم فيه ربما استخفوا به وأقدموا على تلويثه وتنجيسه . وخامسها : أن الله تعالى أمر بتطهير البيت في قوله : { وطهر بيتى للطائفين } ( الحج : 26 ) والمشرك نجس لقوله تعالى ؛ { إنما المشركون نجس } ( التوبة : 28 ) والتطهير على النجس واجب فيكون تبعيد الكفار عنه واجبا .
وسادسها : أجمعنا على أن الجنب يمنع منه ، فالكافر بأن يمنع منه أولى إلا أن هذا مقتضى مذهب مالك وهو أن يمنع عن كل المساجد واحتج أبو حنيفة رحمه الله بأمور ، الأول : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قدم عليه وفد يثرب فأنزلهم المسجد . الثاني : قوله عليه الصلاة والسلام : ( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل الكعبة فهو آمن ) وهذا يقتضي إباحة الدخول . الثالث : الكافر جاز له دخول سائر المساجد فكذلك المسجد الحرام كالمسلم ، والجواب عن الحديثين الأولين : أنهما كانا في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بالآية ، وعن القياس أن المسجد الحرام أجل قدرا من سائر المساجد فظهر الفرق والله أعلم .
! 7 < { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم } > 7 ! قوله تعالى : { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم } . < < البقرة : ( 115 ) ولله المشرق والمغرب . . . . . > > اعلم أن في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، الضابط أن الأكثرين زعموا أنها إنما نزلت في أمر يختص بالصلاة ومنهم من زعم أنها إنما نزلت في أمر لا يتعلق بالصلاة ، أما القول الأول فهو أقوى لوجهين ، أحدها : أنه هو المروي عن كافة الصحابة والتابعين وقولهم حجة . وثانيهما : أن ظاهر قوله : { فأينما تولوا } يفيد التوجه إلى القبلة في الصلاة ، ولهذا لا يعقل من قوله : { فولوا وجوهكم } ( البقرة : 144 ) إلا هذا المعنى إذا ثبت هذا فنقول : القائلون بهذا القول اختلفوا على وجوه :
أحدها : أنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة ، فبين تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات والأطراف كلها مملوكة له سبحانه ومخلوقة له ، فأينما أمركم الله باستقباله فهو القبلة ، لأن القبلة ليست قبلة لذاتها ، بل لأن الله تعالى جعلها قبلة ، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده كيف يريد وهو واسع عليم بمصالحهم فكأنه تعالى ذكر ذلك بيانا لجواز نسخ القبلة من جانب إلى جانب آخر ، فيصير ذلك مقدمة لما كان يريد تعالى من نسخ القبلة . وثانيها : أنه لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت الآية / ردا عليهم وهو قول ابن عباس وهو نظير قوله : { قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشآء إلى صراط مستقيم } ( البقرة : 142 ) . وثالثها : قول أبي مسلم وهو أن اليهود والنصارى كل واحد منهم قال : إن الجنة له لا لغيره ، فرد الله عليهم بهذه الآية لأن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى صعد السماء من الصخرة والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى عليه السلام إنما ولد هناك على ما حكى الله ذلك في قوله تعالى : { واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا } ( مريم : 16 ) فكل واحد من هذين الفريقين وصف معبوده بالحلول في الأماكن ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق ، فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق . ورابعها : قال بعضهم : إن الله تعالى نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاء بهذه الآية ، فكان للمسلمين أن يتوجهوا إلى حيث شاءوا في الصلاة إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار التوجه إلى بيت المقدس مع أنه كان له أن يتوجه حيث شاء ، ثم أنه تعالى نسخ ذلك بتعيين الكعبة ، وهو قول قتادة وابن زيد . وخامسها : أن المراد بالآية من هو مشاهد للكعبة فإن له أن يستقبلها من أي جهة شاء وأراد . وسادسها : ما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه ، ثم صلينا فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا الحديث يدل على أنهم كانوا قد نقلوا حينئذ إلى الكعبة لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ قبلة بيت المقدس . وسابعها : أن الآية نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث تتوجه به راحلته . وعن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال : إنما نزلت هذه الآية في الرجل يصلي إلى حيث توجهت به راحلته في السفر . وكان عليه السلام إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعا يوميء برأسه نحو المدينة ، فمعنى الآية : { فأينما تولوا } وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم : { فثم وجه الله } فقد صادفتم المطلوب : { إن الله واسع } الفضل غني ، فمن سعة فضله وغناه رخص لكم في ذلك لأنه لو كلفكم استقبال القبلة في مثل هذه الحال لزم أحد الضررين ، إما ترك النوافل ، وإما النزول عن الراحلة والتخلف عن الرفقة بخلاف الفرائض ، فإنها صلوات معدودة محصورة فتكليف النزول عن الراحلة عند أدائها واستقبال القبلة فيها لا يفضي إلى الحرج بخلاف النوافل ، فإنها غير محصورة ، فتكليف الاستقبال يفضي إلى الحرج . فإن قيل : فأي هذه الأقاويل أقرب إلى الصواب . قلنا : إن قوله : { فأينما تولوا فثم وجه الله } مشعر بالتخيير والتخيير لا يثبت إلا في صورتين . أحدهما : في التطوع على الراحلة .
وثانيهما : في السفر عند تعذر الاجتهاد للظلمة أو لغيرها ، لأن في هذين الوجهين المصلي مخير فأما على غير هذين الوجهين فلا تخيير وقول من يقول : إن الله تعالى خير المكلفين في استقبال أي جهة شاءوا بهذه الآية ، وهم كانوا يختارون بيت المقدس لا لأنه لازم ، بل لأنه أفضل وأولى بعيد لأنه لا خلاف أن لبيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة اختصاصا في الشريعة ولو كان الأمر كما قالوا : لم يثبت / ذلك الاختصاص وأيضا فكان يجب أن يقال : إن بيت المقدس صار منسوخا بالكعبة فهذه الدلالة تقتضي أن يكون حمل الآية على الوجه الثالث والرابع ، وأما الذين حملوا الآية على الوجه الأول فلهم أن يقولوا : إن القبلة لما حولت تكلم اليهود في صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم وصلاة المؤمنين إلى بيت المقدس فبين تعالى بهذه الآية أن تلك القبلة كان التوجه إليها صوابا في ذلك الوقت والتوجه إلى الكعبة صواب في هذا الوقت ، وبين أنهم أينما يولوا من هاتين القبلتين في المأذون فيه فثم وجه الله ، قالوا : وحمل الكلام على هذا الوجه أولى ، لأنه يعم كل مصل ، وإذا حمل على الأول لا يعم لأنه يصير محمولا على التطوع دون الفرض ، وعلى السفر في حالة مخصوصة دون الحضر ، وإذا أمكن إجراء اللفظ العام على عمومه فهو أولى من التخصيص ، وأقصى ما في الباب أن يقال : إن على هذا التأويل لا بد أيضا من ضرب تقييد وهو أن يقال : { فأينما تولوا } من الجهات المأمور بها : { فثم وجه الله } إلا أن هذا الإضمار لا بد منه على كل حال ، لأنه من المحال أن يقول تعالى : { فأينما تولوا } بحسب ميل أنفسكم { فثم وجه الله } بل لا بد من الإضمار الذي ذكرناه ، وإذا كان كذلك فقد زالت طريقة التخيير ونظيره : إذا أقبل أحدنا على ولده وقد أمره بأمور كثيرة مترتبة فقال له : كيف تصرفت فقد اتبعت رضائي ، فإنه يحمل ذلك على ما أمره على الوجه الذي أمره من تضييق أو تخيير ، ولا يحمل ذلك على التخيير المطلق فكذا ههنا .
Preguntas
- ¿Qué es el tawhid, la creencia islámica en la unicidad de Dios?
- ¿Cuáles son los seis pilares de la fe (iman) en el islam?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?