Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Sección V08/P097

المسألة الأولى : القراءة الظاهرة ، ثم يقول بنصب اللام ، وروي عن أبي عمرو برفعها ، أما النصب فعلى تقدير : لا تجتمع النبوة وهذا القول ، والعامل فيه ( أن ) وهو معطوف عليه بمعنى ثم أن يقول وأما الرفع فعلى الاستئناف . المسألة الثانية : حكى الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى : { كونوا عبادا لى } إنه لغة مزينة يقولون للعبيد عبادا . ثم قال : { ولاكن كونوا ربانيين } وفيه مسألتان ؛ المسألة الأولى : في هذه الآية إضمار ، والتقدير : ولكن يقول لهم كونوا ربانيين فأضمر القول على حسب مذهب العرب في جواز الاضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه ، ونظيره قوله تعالى : { وأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم } ( آل عمران : 106 ) أي فيقال لهم ذلك . المسألة الثانية : ذكروا في تفسير ( الرباني ) أقوالا الأول : قال سيبويه : الرباني المنسوب إلى الرب ، بمعنى كونه عالما به ، ومواظبا على طاعته ، كما يقال : رجل إلاهي إذا كان مقبلا على معرفة الإلاه وطاعته وزيادة الألف والنون فيه للدلالة على كمال هذه الصفة ، كما قالوا : شعراني ولحياني ورقباني إذا وصف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة ، فإذا نسبوا إلى الشعر قالوا : شعري وإلى الرقبة رقبي وإلى اللحية لحيي والثاني : قال المبرد { الربانيون } أرباب العلم وأحدهم رباني ، وهو الذي يرب العلم ويرب الناس أي : يعلمهم ويصلحهم ويقوم بأمرهم ، فالألف والنون للمبالغة كما قالوا : ربان وعطشان وشبعان وعريان ، ثم ضمت إليه ياء النسبة كما قيل : لحياني ورقباني قال الواحدي : فعلى قول سيبويه الرباني : منسوب إلى الرب على معنى التخصيص بمعرفة الرب وبطاعته ، وعلى قول المبرد { الرباني } مأخوذ من التربية الثالث : قال ابن زيد : الرباني . هو الذي يرب الناس ، فالربانيون هم ولاة الأمة والعلماء ، وذكر هذا أيضا في قوله تعالى : { يعملون لولا ينهاهم الربانيون والاحبار } ( المائدة : 63 ) أي الولاة والعلماء وهما الفريقان اللذان يطاعان ومعنى الآية على هذا التقدير : لا أدعوكم إلى أن تكونوا عبادا لي ، ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكا وعلماء باستعمالكم أمر الله تعالى ومواظبتكم على طاعته ، قال القفال رحمه الله : ويحتمل أن يكون الوالي سمي ربانيا ، لأنه يطاع كالرب تعالى ، فنسب إليه الرابع : قال أبو عبيدة أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية ، أو سريانية ، وسواء كانت عربية أو عبرانية ، فهي تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم ، واشتغل بتعليم طرق الخير . ثم قال تعالى : { بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } وفيه مسائل :

Sección V08/P097–V08/P098

المسألة الأولى : في قوله { بما كنتم تعلمون الكتاب } قراءتان إحداهما : { تعلمون } من العلم ، وهي قراءة عبد الله بن كثير ، وأبي عمرو ، ونافع والثانية : { تعلمون } من التعليم وهي قراءة الباقين من السبعة وكلاهما صواب ، لأنهم كانوا يعلمونه في أنفسهم ويعلمونه غيرهم ، واحتج أبو عمرو على أن قراءته أرجح بوجهين الأول : أنه قال : { تدرسون } ولم يقل { تدرسون } بالتشديد الثاني : أن التشديد يقتضي مفعولين والمفعول هاهنا واحد ، وأما الذين قرؤا بالتشديد فزعموا أن المفعول الثاني محذوف تقديره : بما كنتم تعلمون الناس الكتاب ، أو غيركم الكتاب وحذف ، لأن المفعول به قد يحذف من الكلام كثيرا ، ثم احتجوا على أن التشديد أولى بوجهين الأول : أن التعليم يشتمل على العلم ولا ينعكس فكان التعليم أولى الثاني : أن الربانيين لا يكتفون بالعلم حتى يضموا إليه التعليم لله تعالى ألا ترى أنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } ( النحل : 125 ) ويدل عليه قول مرة بن شراحيل : كان علقمة من الربانيين الذين يعلمون الناس القرآن . المسألة الثانية : نقل ابن جني في ( المحتسب ) ، عن أبي حيوة أنه قرأ { تدرسون } بضم التاء ساكنة الدال مكسورة الراء ، قال ابن جني : ينبغي أن يكون هذا منقولا من درس هو ، أو درس غيره ، وكذلك قرأ وأقرأ غيره ، وأكثر العرب على درس ودرس ، وعليه جاء المصدر على التدريس . المسألة الثالثة : ( ما ) في القراءتين ، هي التي بمعنى المصدر مع الفعل ، والتقدير : كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين وبسبب دراستكم الكتاب ، ومثل هذا من كون ( ما ) مع الفعل بمعنى المصدر قوله تعالى : { فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هاذا } ( الأعراف : 5 ) وحاصل الكلام أن العلم والتعليم والدراسة توجب على صاحبها كونه ربانيا والسبب لا محالة مغاير للمسبب ، فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانيا ، أمرا مغايرا لكونه عالما ، ومعلما ، ومواظبا على الدراسة ، وما ذاك إلا أن يكون بحيث يكون تعلمه لله ، وتعليمه ودراسته لله ، وبالجملة أن يكون الداعي له إلى جميع / الأفعال طلب مرضاة الله ، والصارف له عن كل الأفعال الهرب عن عقاب الله ، وإذا ثبت أن الرسول يأمر جميع الخلق بهذا المعنى ثبت أنه يمتنع منه أن يأمر الخلق بعبادته / وحاصل الحرف شيء واحد ، وهو أن الرسول هو الذي يكون منتهى جهده وجده صرف الأرواح والقلوب عن الخلق إلى الحق ، فمثل هذا الإنسان كيف يمكن أن يصرف عقول الخلق عن طاعة الحق إلى طاعة نفسه . وعند هذا يظهر أنه يمتنع في أحد من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يأمر غيره بعبادته . المسألة الرابعة : دلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيا ، فمن اشتغل بالتعلم والتعليم لا لهذا المقصود ضاع سعيه وخاب عمله وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ) . ثم قال تعالى : { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } وفيه مسائل :

Sección V08/P098–V08/P100

المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة وابن عامر { ولا يأمركم } بنصب الراء ، والباقون بالرفع أما النصب فوجهه أن يكون عطفا على { ثم يقول } وفيه وجهان أحدهما : أن تجعل { لا } مزيدة والمعنى : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ، كما تقول : ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي والثاني : أن تجعل { لا } غير مزيدة ، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة ، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح ، فلما قالوا : أتريد أن نتخذك ربا ؟ قيل لهم : ما كان لبشر أن يجعله الله نبيا ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء ، وأما القراءة بالرفع على سبيل الاستئناف فظاهر لأنه بعد انقضاء الآية وتمام الكلام ، ومما يدل على الانقطاع عن الأول ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ { ولن يأمركم } . المسألة الثانية : قال الزجاج : ولا يأمركم الله ، وقال ابن جريج : لا يأمركم محمد ، وقيل : لا يأمركم الأنبياء بأن تتخذوا الملائكة أربابا كما فعلته قريش . المسألة الثالثة : إنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا من أهل الكتاب بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح وعزير ، فلهذا المعنى خصهما بالذكر . ثم قال تعالى : { أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } وفيه ومسائل : المسألة الأولى : الهمزة في { أيأمركم } استفهام بمعنى الإنكار ، أي لا يفعل ذلك . المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) قوله { بعد إذ أنتم مسلمون } دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يسجدوا له . / المسألة الثالثة : قال الجبائي : الآية دالة على فساد قول من يقول : الكفر بالله هو الجهل به والإيمان بالله هو المعرفة به ، وذلك لأن الله تعالى حكم بكفر هؤلاء ، وهو قوله تعالى : { أيأمركم بالكفر } ثم إن هؤلاء كانوا عارفين بالله تعالى بدليل قوله { ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله } وظاهر هذا يدل على معرفته بالله فلما حصل الكفر ههنا مع المعرفة بالله دل ذلك على أن الإيمان به ليس هو المعرفة والكفر به تعالى ليس هو الجهل به . والجواب : أن قولنا الكفر بالله هو الجهل به لا نعني به مجرد الجهل بكونه موجودا بل نعني به الجهل بذاته وبصفاته السلبية وصفاته الإضافية أن لا شريك له في المعبودية ، فلما جهل هذا فقد جهل بعض صفاته . ! 7 < { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذالك فأولائك هم الفاسقون } . > 7 < آل عمران : ( 81 - 82 ) وإذ أخذ الله . . . . . > > @101@

Sección V08/P100–V08/P101

اعلم أن المقصود من هذه الآيات تعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قطعا لعذرهم وإظهارا لعنادهم ومن جملتها ما ذكره الله تعالى في هذه الآية وهو أنه تعالى أخذ الميثاق من الأنبياء الذين آتاهم الكتاب والحكمة بأنهم كلما جاءهم رسول مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه ، وأخبر أنهم قبلوا ذلك وحكم تعالى بأن من رجع عن ذلك كان من الفاسقين ، فهذا هو المقصود من الآية فحصل الكلام أنه تعالى أوجب على جميع الأنبياء الإيمان بكل رسول جاء مصدقا لما معهم إلا أن هذه المقدمة الواحدة لا تكفي في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ما لم يضم إليها مقدمة أخرى ، وهي أن محمدا رسول الله جاء مصدقا لما معهم ، وعند هذا لقائل أن يقول : هذا إثبات للشيء بنفسه ، لأنه إثبات لكونه رسولا بكونه رسولا . / والجواب : أن المراد من كونه رسولا ظهور المعجز عليه ، وحينئذ يسقط هذا السؤال والله أعلم ، ولنرجع إلى تفسير الألفاظ : أما قوله { وإذ أخذ الله } فقال ابن جرير الطبري : معناه واذكروا يا أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبيين ، وقال الزجاج : واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله ميثاق النبيين . أما قوله { ميثاق النبيين } فاعلم أن المصدر يجوز إضافته إلى الفاعل وإلى المفعول ، فيحتمل أن يكون الميثاق مأخوذا منهم ، ويحتمل أن يكون مأخوذا لهم من غيرهم ، فلهذا السبب اختلفوا في تفسير هذه الآية على هذين الوجهين . أما الاحتمال الأول : وهو أنه تعالى أخذ الميثاق منهم في أن يصدق بعضهم بعضا ، وهذا قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس رحمهم الله ، وقيل : إن الميثاق هذا مختص بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهو مروي عن علي وابن عباس وقتادة والسدي رضوان الله عليهم ، واحتج أصحاب هذا القول على صحته من وجوه الأول : أن قوله تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } يشعر بأن آخذ الميثاق هو الله تعالى ، والمأخوذ منهم هم النبيون ، فليس في الآية ذكر الأمة ، فلم يحسن صرف الميثاق إلى الأمة ، ويمكن أن يجاب عنه من وجوه الأول : أن على الوجوه الذي قلتم يكون الميثاق مضافا إلى الموثق عليه ، وعلى الوجه الذي قلنا يكون إضافته إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل ، وهو الموثق له ، ولا شك أن إضافة الفعل إلى الفاعل أقوى من إضافته إلى المفعول ، فإن لم يكن فلا أقل من المساواة ، وهو كما يقال ميثاق الله وعهده ، فيكون التقدير : وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الله للأنبياء على أممهم الثاني : أن يراد ميثاق أولاد النبيين ، وهو بنو إسرائيل على حذف المضاف وهو كما يقال : فعل بكر بن وائل كذا ، وفعل معد بن عدنان كذا ، والمراد أولادهم وقومهم ، فكذا ههنا الثالث : أن يكون المراد من لفظ { النبيين } أهل الكتاب وأطلق هذا اللفظ عليهم تهكما بهم على زعمهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد عليه الصلاة والسلام لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون الرابع : أنه كثيرا ورد في القرآن لفظ النبي والمراد منه أمته قال تعالى : { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء } ( الطلاق : 1 ) . الحجة الثانية : لأصحاب هذا القول : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو كان موسى بن عمران حيا لما وسعه إلا اتباعي ) .

Sección V08/P101

الحجة الثالثة : ما نقل عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن الله تعالى ما بعث آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد عليه الصلاة والسلام وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، فهذا يمكن نصرة هذا القول به والله أعلم . الاحتمال الثاني : إن المراد من الآية أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يأخذون / الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به وأن ينصروه ، وهذا قول كثير من العلماء ، وقد بينا أن اللفظ محتمل له وقد احتجوا على صحته بوجوه الأول : ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني فقال : ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ الله الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه ، وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكونون عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم من زمرة الأموات ، والميت لا يكون مكلفا فلما كان الذين أخذ الميثاق عليهم يجب عليهم الإيمان بمحمد عليه السلام عند مبعثه ولا يمكن إيجاب الإيمان على الأنبياء عند مبعث محمد عليه السلام ، علمنا أن الذين أخذ الميثاق عليهم ليسوا هم النبيين بل هم أمم النبيين قال : ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق أنهم لو تولوا لكانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء عليهم السلام وإنما يليق بالأمم ، أجاب القفال رحمه الله فقال لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ، ونظيره قوله تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) وقد علم الله تعالى أنه لا يشرك قط ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض فكذا ههنا ، وقال : { ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين } ( الحاقه : 44 ، 45 ، 46 ) وقال في صفة الملائكة { ومن يقل منهم إنى إلاه من دونه فذالك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين } ( الأنبياء : 29 ) مع أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يسبقونه بالقول وبأنهم يخافون ربهم من فوقهم ، فكل ذلك خرج على سبيل الفرض والتقدير فكذا ههنا ، ونقول إنه سماهم فاسقين على تقدير التولي فإن اسم الفسق ليس أقبح من اسم الشرك ، وقد ذكر تعالى ذلك على سبيل الفرض والتقدير في قوله { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) فكذا ههنا . الحجة الثانية : أن المقصود من هذه الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان الميثاق مأخوذا عليهم كان ذلك أبلغ في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذا على الأنبياء عليهم السلام ، وقد أجيب عن ذلك بأن درجات الأنبياء عليهم السلام ، أعلى وأشرف من درجات الأمم ، فإذا دلت هذه الآية على أن الله تعالى أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام لو كانوا في الأحياء ، وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين فلأن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجبا على أممهم لو كان ذلك أولى ، فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء أقوى في تحصيل المطلوب من هذا الوجه . الحجة الثالثة : ما روي عن ابن عباس أنه قيل له إن أصحاب عبد الله يقرؤن { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب } ونحن نقرأ { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } فقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم .

Sección V08/P101–V08/P102

الحجة الرابعة : أن هذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى : { خالدون يابنى إسراءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم } وبقوله تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه } ( آل عمران : 187 ) فهذا جملة ما قيل في هذا الموضوع والله أعلم بمراده . وأما قوله تعالى : { لما ءاتيتكم من كتاب وحكمة } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ الجمهور { لما } بفتح اللام وقرأ حمزة بكسر اللام وقرأ سعيد بن جبير { لما } مشددة ، أما القراءة بالفتح فلها وجهان الأول : أن { ما } اسم موصول والذي بعده صلة له وخبره قوله { لتؤمنن به } والتقدير : للذي آتيتكم من كتاب وحكمة ، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ، وعلى هذا التقدير { ما } رفع بالابتداء والراجع إلى لفظة { ما } وموصولتها محذوف والتقدير : لما آتيتكموه فحذف الراجع كما حذف من قوله { أهاذا الذى بعث الله رسولا } ( الفرقان : 41 ) وعليه سؤالان : السؤال الأول : إذا كانت { ما } موصولة لزم أن يرجع من الجملة المعطوفة على الصلة ذكر إلى الموصول وإلا لم يجز ، ألا ترى أنك لو قلت : الذي قام أبوه ثم انطلق زيد لم يجز . وقوله { ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم } ليس فيه راجع إلى الموصول ، قلنا : يجوز إقامة المظهر مقام المضمر عند الأخفش والدليل عليه قوله تعالى : { إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ( يوسف : 90 ) ولم يقل : فإن الله لا يضيع أجره ، وقال : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } ( الكهف : 30 ) ولم يقل : إنا لا نضيع أجرهم وذلك لأن المظهر المذكور قائم مقام المضمر فكذا ههنا . السؤال الثاني : ما فائدة اللام في قوله { لما } قلنا : هذه اللام هي لام الابتداء بمنزلة قولك : لزيد أفضل من عمرو ، ويحسن إدخالها على ما يجري مجرى المقسم عليه لأن قوله { إذ أخذ الله ميثاق النبيين } بمنزلة القسم والمعنى استحلفهم ، وهذه اللام المتلقية للقسم ، فهذا تقرير هذا الكلام .

Sección V08/P102–V08/P103

الوجه الثاني : وهو اختيار سيبويه والمازني والزجاج أن { ما } ههنا هي المتضمنة لمعنى الشرط والتقدير ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ، فاللام في قوله { لتؤمنن به } هي المتلقية للقسم ، أما اللام في { لما } هي لام تحذف تارة ، وتذكر أخرى ، ولا يتفاوت المعنى ونظيره قولك : والله لو أن فعلت ، فعلت فلفظة ( أن ) لا يتفاوت الحال بين ذكرها وحذفها فكذا ههنا ، وعلى هذا التقدير كانت ( ما ) في موضع نصب بأتيتكم { وجاءكم } جزم بالعطف على { ءاتيتكم } و { لتؤمنن به } هو الجزاء ، وإنما لم يرض سيبويه بالقول الأول لأنه لا يرى إقامة المظهر مقام المضمر ، وأما الوجه في قراءة { لما } بكسر اللام فهو أن هذا لام التعليل كأنه قيل : أخذ ميثاقهم لهذا لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء والرسل { وما } على هذه القراءة تكون موصولة ، وتمام / البحث فيه ما قدمناه في الوجه الأول ، وأما قراءة { لما } بالتشديد فذكر صاحب ( الكشاف ) فيه وجهين الأول : أن المعنى : حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ، ثم جاءكم رسول مصدق له ، وجب عليكم الإيمان به ونصرته والثاني : أن أصل { لما } لمن ما فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات / وهي الميمان والنون المنقلبة ميما بإدغامها في الميم فحذفوا إحداها فصارت { لما } ومعناه : لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به ، وهذا قريب من قراءة حمزة في المعنى . المسألة الثانية : قرأ نافع { ءاتيناكم } بالنون على التفخيم ، والباقون بالتاء على التوحيد ، حجة نافع قوله { وءاتينا داوود زبورا } ( النساء : 163 ) { واتيناه الحكم صبيا } ( مريم : 12 ) { وءاتيناهما الكتاب المستبين } ( الصافات : 117 ) ولأن هذا أدل على العظمة فكان أكثر هيبة في قلب السامع ، وهذا الموضع يليق به هذا المعنى ، وحجة الجمهور قوله { هو الذى ينزل على عبده ءايات بينات } ( الحديد : 9 ) و { الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب } ( الكهف : 1 ) وأيضا هذه القراءة أشبه بما قبل هذه الآية وبما بعدها لأنه تعالى قال قبل هذه الآية { وإذ أخذ الله } وقال بعدها { إصرى } وأجاب نافع عنه بأن أحد أبواب الفصاحة تغيير العبارة من الواحد إلى الجمع ومن الجمع إلى الواحد قال تعالى : { وجعلناه هدى لبنى إسراءيل ألا تتخذوا من دونى } ( الإسراء : 2 ) ولم يقل من دوننا كما قال : { وجعلناه } والله أعلم . المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر النبيين على سبيل المغايبة ثم قال : { ءاتيتكم } وهو مخاطبة إضمار والتقدير : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين فقال مخاطبا لهم لما آتيتكم من كتاب وحكمة ، والإضمار باب واسع في القرآن ، ومن العلماء من التزم في هذه الآية إضمارا آخر وأراح نفسه عن تلك التكلفات التي حكيناها عن النحويين فقال تقدير الآية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة ، قال إلا أنه حذف لتبلغن لدلالة الكلام عليه لأن لام القسم إنما يقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل لا جرم حذفه اختصارا ثم قال تعالى بعده { ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم } وهو محمد صلى الله عليه وسلم { لتؤمنن به ولتنصرنه } وعلى هذا التقدير يستقيم النظم ولا يحتاج إلى تكليف تلك التعسفات ، وإذا كان لا بد من التزام الإضمار فهذا الإضمار الذي به ينتظم الكلام نظما بينا جليا أولى من تلك التكلفات .

Sección V08/P103–V08/P104

المسألة الرابعة : في قوله { لما ءاتيتكم من كتاب } إشكال ، وهو أن هذا الخطاب إما أن يكون مع الأنبياء أو مع الأمم ، فإن كان مع الأنبياء فجميع الأنبياء ما أوتوا الكتاب ، وإنما أوتي بعضهم وإن كان مع الأمم ، فالإشكال أظهر ، والجواب عنه من وجهين الأول : أن جميع الأنبياء عليهم السلام أوتوا الكتاب ، بمعنى كونه مهتديا به داعيا إلى العمل به ، وإن لم ينزل عليه والثاني : أن أشرف الأنبياء عليهم السلام هم الذين أوتوا الكتاب ، فوصف الكل بوصف أشرف الأنواع . / المسألة الخامسة : الكتاب هو المنزل المقروء والحكمة هي الوحي الوارد بالتكاليف المفصلة التي لم يشتمل الكتاب عليها . المسألة السادسة : كلمة { من } في قوله { من كتاب } دخلت تبيينا لما كقولك : ما عندي من الورق دانقان . أما قوله تعالى : { ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم } ففيه سؤالات : السؤال الأول : ما وجه قوله { ثم جاءكم } والرسول لا يجيء إلى النبيين وإنما يجيء إلى الأمم ؟ . والجواب : إن حملنا قوله { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } على أخذ ميثاق أممهم فقد زال السؤال وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيين أنفسهم كان قوله { ثم جاءكم } أي جاء في زمانكم . السؤال الثاني : كيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم مع مخالفة شرعه لشرعهم ، قلنا : المراد به حصول الموافقة في التوحيد ، والنبوات ، وأصول الشرائع ، فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها ؛ فذلك في الحقيقة ليس بخلاف ، لأن جميع الأنبياء عليهم السلام متفقون على أن الحق في زمان موسى عليه السلام ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ليس إلا شرعه ، فهذا وإن كان يوهم الخلاف ، إلا أنه في الحقيقة وفاق ، وأيضا فالمراد من قوله { ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم } هو محمد صلى الله عليه وسلم ، والمراد بكونه مصدقا لما معهم هو أن وصفه وكيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل ، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان مذكورا في تلك الكتب ، كان نفس مجيئه تصديقا لما كان معهم ، فهذا هو المراد بكونه مصدقا لما معهم . السؤال الثالث : حاصل الكلام أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقا لما معهم فما معنى ذلك الميثاق . والجواب : يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب ، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولا عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه ، فتقدير هذا الدليل في عقولهم هو المراد من أخذ الميثاق ، ويحتمل أن يكون المراد من أخذ الميثاق أنه تعالى شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين ، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلاهية المتقدمة وجب الانقياد له ، فقوله تعالى : { ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم } يدل على هذين الوجهين ، أما على الوجه الأول ، فقوله { رسول } وأما على الوجه الثاني ، فقوله { مصدق لما معكم } . أما قوله { لتؤمنن به ولتنصرنه } فالمعنى ظاهر ، وذلك لأنه تعالى أوجب الإيمان به أولا ، ثم / الاشتغال بنصرته ثانيا ، واللام في { لتؤمنن به } لام القسم ، كأنه قيل : والله لتؤمنن به . ثم قال تعالى : { قال ءأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى } وفيه مسائل :

Sección V08/P104–V08/P105

المسألة الأولى : إن فسرنا قوله تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } بأنه تعالى أخذ المواثيق على الأنبياء كان قوله تعالى { أأقرتم } معناه : قال الله تعالى للنبيين أأقرتم بالإيمان به والنصرة له وإن فسرنا أخذ الميثاق بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخذوا المواثيق على الأمم كان معنى قوله { قال } أي قال كل نبي لأمته أأقرتم ، وذلك لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه ، وإن كانت النبيون أخذوه على الأمم ، فكذلك طلب هذا الإقرار أضافه إلى نفسه وإن وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والمقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا المعنى وتأكيده ، فلم يقتصروا على أخذ الميثاق على الأمم ، بل طالبوهم بالإقرار بالقول ، وأكدوا ذلك بالإشهاد . المسألة الثانية : الإقرار في اللغة منقول بالألف من قر الشيء يقر ، إذا ثبت ولزم مكانه وأقره غيره والمقر بالشيء يقره على نفسه أي يثبته . أما قوله تعالى : { ءأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى } أي قبلتم عهدي ، والأخذ بمعنى القبول كثير في الكلام قال تعالى : { ولا يؤخذ منها عدل } ( البقرة : 48 ) أي يقبل منها فدية وقال : { ويأخذ الصدقات } ( التوبة : 104 ) أي يقبلها والإصر هو الذي يلحق الإنسان لأجل ما يلزمه من عمل قال تعالى : { ولا تحمل علينا إصرا } ( البقرة : 286 ) فسمى العهد إصرا لهذا المعنى ، قال صاحب ( الكشاف ) : سمى العهد إصرا لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد ، ومنه الإصار الذي يعقد به وقرىء { إصرى } ويجوز أن يكون لغة في إصر . ثم قال تعالى : { قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } وفي تفسير قوله { فأشهدوا } وجوه الأول : فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار ، وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم بعضا { من الشاهدين } وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض الثاني : أن قوله { فأشهدوا } خطاب للملائكة الثالث : أن قوله { فأشهدوا } أي ليجعل كل أحد نفسه شاهدا على نفسه ونظيره قوله { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } ( الأعراف : 172 ) على أنفسنا وهذا من باب المبالغة الرابع : { فأشهدوا } أي بينوا هذا الميثاق للخاص والعام ، لكي لا يبقى لأحد عذر في الجهل به ، وأصله أن الشاهد هو الذي يبين صدق الدعوى الخامس : { فأشهدوا } أي فاستيقنوا ما قررته عليكم من هذا الميثاق ، وكونوا فيه كالمشاهد للشيء المعاين له السادس : إذا قلنا إن أخذ الميثاق كان من الأمم فقوله { فأشهدوا } خطاب للأنبياء عليهم السلام بأن يكونوا شاهدين عليهم . وأما قوله تعالى : { وأنا معكم من الشاهدين } فهو للتأكيد وتقوية الإلزام ، وفيه فائدة أخرى وهي أنه تعالى وإن أشهد غيره ، فليس محتاجا إلى ذلك الإشهاد ، لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية لكن / لضرب من المصلحة لأنه سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى ، ثم إنه تعالى ضم إليه تأكيدا آخر فقال : { فمن تولى بعد ذالك فأولئك هم الفاسقون } يعني من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول وبنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الفاسقين ووعيد الفاسق معلوم ، وقوله { فمن تولى بعد ذالك } هذا شرط ، والفعل الماضي ينقلب مستقبلا في الشرط والجزاء ، والله أعلم . ! 7 < { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من فى السماوات والا رض طوعا وكرها وإليه يرجعون } . > 7 ! < < آل عمران : ( 83 ) أفغير دين الله . . . . .

Sección V08/P105–V08/P106

> > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام شرع شرعه الله وأوجبه على جميع من مضى من الأنبياء والأمم ، لزم أن كل من كره ذلك فإنه يكون طالبا دينا غير دين الله ، فلهذا قال بعده { أفغير دين الله يبغون } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ حفص عن عاصم { يبغون } و { يرجعون } بالياء المنقطة من تحتها ، لوجهين أحدهما : ردا لهذا إلى قوله { وأولئك هم الفاسقون } ( آل عمران : 82 ) والثاني : أنه تعالى إنما ذكر حكاية أخذ الميثاق حتى يبين أن اليهود والنصارى يلزمهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فلما أصروا على كفرهم قال على جهة الاستنكار { أفغير دين الله يبغون } وقرأ أبو عمرو { تبغون } بالتاء خطابا لليهود وغيرهم من الكافر و { لا يرجعون } بالياء ليرجع إلى جميع المكلفين المذكورين في قوله { وله أسلم من فى السماوات والارض } وقرأ الباقون فيهما بالتاء على الخطاب ، لأن ما قبله خطاب كقوله { ءأقررتم وأخذتم } ( آل عمران : 81 ) وأيضا فلا يبعد أن يقال للمسلم والكافر ولكل أحد : أفغير دين الله تبغون مع علمكم بأنه أسلم له من في السماوات والأرض ، وأن مرجعكم إليه وهو كقوله { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ءايات الله وفيكم رسوله } ( آل عمران : 101 ) . المسألة الثانية : الهمزة للاستفهام والمراد استنكار أن يفعلوا ذلك أو تقرير أنهم يفعلونه ، وموضع الهمزة هو لفظة { يبغون } تقديره : أيبغون غير دين الله ؟ لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال والحوادث ، إلا أنه تعالى قدم المفعول الذي هو { غير دين الله } على فعله ، لأنه أهم من حيث أن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود الباطل وأما الفاء فلعطف جملة على جملة وفيه وجهان أحدهما : التقدير : فأولئك هم الفاسقون ، فغير دين الله يبغون . / واعلم أنه لو قيل أو غير دين الله يبغون جاز إلا أن في الفاء فائدة زائدة كأنه قيل : أفبعد أخذ هذا الميثاق المؤكد بهذه التأكيدات البليغة تبغون ؟ . المسألة الثالثة : روي أن فريقين من أهل الكتاب اختصموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام ، وكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به ، فقال عليه الصلاة والسلام : كلا الفريقين برىء من دين إبراهيم عليه السلام ، فقالوا : ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت هذه الآية ، ويبعد عندي حمل هذه الآية على هذا السبب لأن على هذا التقدير تكون هذه الآية منقطعة عما قبلها ، والاستفهام على سبيل الإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها ، فالوجه في الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكورا في كتبهم وهم كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد فصاروا كإبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر ، فأعلمهم الله تعالى أنهم متى كانوا طالبين دينا غير دين الله ، ومعبودا سوى الله سبحانه ، ثم بين أن التمرد على الله تعالى والإعراض عن حكمه مما لا يليق بالعقلاء فقال : { وله أسلم من فى السماوات والارض طوعا وكرها وإليه ترجعون } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الإسلام ، هو الاستسلام والانقياد والخضوع .

Sección V08/P106–V08/P107

إذا عرفت هذا ففي خضوع كل من في السماوات والأرض لله وجوه الأول : وهو الأصح عندي أن كل ما سوى الله سبحانه ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه فإذن كل ما سوى الله فهو منقاد خاضع لجلال الله في طرفي وجوده وعدمه ، وهذا هو نهاية الانقياد والخضوع ، ثم إن في هذا الوجه لطيفة أخرى وهي أن قوله { وله أسلم } يفيد الحصر أي وله أسلم كل من في السماوات والأرض لا لغيره ، فهذه الآية تفيد أن واجب الوجود واحد وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا بتكوينه ولا يفنى إلا بإفنائه سواء كان عقلا أو نفسا أو روحا أو جسما أو جوهرا أو عرضا أو فاعلا أو فعلا ، ونظير هذه الآية في الدلالة على هذا المعنى قوله تعالى : { ولله يسجد من فى السماوات والارض } ( الرعد : 15 ) وقوله { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) . الوجه الثاني : في تفسير هذه الآية أنه لا سبيل لأحد إلى الامتناع عليه في مراده ، وإما أن ينزلوا عليه طوعا أو كرها ، فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعا فيما يتعلق بالدين ، وينقادون له كرها فيما يخالف طباعهم من المرض والفقر والموت وأشباه ذلك ، وأما الكافرون فهم ينقادون لله تعالى على كل حال كرها لأنهم لا ينقادون فيما يتعلق بالدين ، وفي غير ذلك مستسلمون له سبحانه كرها ، لأنه لا يمكنهم دفع قضائه وقدره الثالث : أسلم المسلمون طوعا ، والكافرون عند موتهم كرها لقوله تعالى : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } ( غافر : 85 ) الرابع : أن كل الخلق منقادون لإلاهيته طوعا بدليل قوله تعالى : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) ومنقادون / لتكاليفه وإيجاده للآلام كرها الخامس : أن انقياد الكل إنما حصل وقت أخذ الميثاق وهو قوله تعالى : { وإذ أخذ ربك من بنىءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) السادس : قال الحسن : الطوع لأهل السماوات خاصة ، وأما أهل الأرض فبعضهم بالطوع وبعضهم بالكره ، وأقول : إنه سبحانه ذكر في تخليق السماوات والأرض هذا وهو قوله { فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) وفيه أسرار عجيبة . أما قوله { وإليه ترجعون } فالمراد أن من خالفه في العاجل فسيكون مرجعه إليه ، والمراد إلى حيث لا يملك الضر والنفع سواه هذا وعيد عظيم لمن خالف الدين الحق . المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله : الطوع الانقياد ، يقال : طاعه يطوعه طوعا إذا انقاد له وخضع ، وإذا مضى لأمره فقد أطاعه ، وإذا وافقه فقد طاوعه ، قال ابن السكيت : يقال طاع له وأطاع ، فانتصب طوعا وكرها على أنه مصدر وقع موقع الحال ، وتقديره طائعا وكارها ، كقولك أتاني راكضا ، ولا يجوز أن يقال : أتاني كلاما أي متكلما ، لأن الكلام ليس يضرب للإتيان والله أعلم . ! 7 < { قل ءامنا بالله ومآ أنزل علينا ومآ أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والا سباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } . > 7 ! < < آل عمران : ( 84 ) قل آمنا بالله . . . . .

Sección V08/P107–V08/P108

> > اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق الرسول الذي يأتي مصدق لما معهم بين في هذه الآية أن من صفة محمد صلى الله عليه وسلم كونه مصدقا لما معهم فقال : { قل ءامنا بالله } إلى آخر الآية وههنا مسائل : المسألة الأولى : وحد الضمير في { قل } وجمع في { من } وفيه وجوه الأول : إنه تعالى حين خاطبه ، إنما خاطبه بلفظ الوحدان ، وعلمه أنه حين يخاطب القوم يخاطبهم بلفظ الجمع على وجه التعظيم والتفخيم ، مثل ما يتكلم الملوك والعظماء والثاني : أنه خاطبه أولا بخطاب الوجدان ليدل هذا الكلام على أنه لا مبلغ لهذا التكليف من الله إلى الخلق إلا هو ، ثم قال : { من } تنبيها على أنه حين يقول هذا القول فإن أصحابه يوافقونه عليه الثالث : إنه تعالى عينه في هذا التكليف بقوله / { قل } ليظهر به كونه مصدقا لما معهم ثم قال { من } تنبيها على أن هذا التكليف ليس من خواصه بل هو لازم لكل المؤمنين كما قال : { والمؤمنون كل ءامن بالله وملئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله } ( البقرة : 285 ) . المسألة الثانية : قدم الإيمان بالله على الإيمان بالأنبياء ، لأن الإيمان بالله أصل الإيمان بالنبوة ، وفي المرتبة الثانية ذكر الإيمان بما أنزل عليه ، لأن كتب سائر الأنبياء حرفوها وبدلوها فلا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان ما أنزل على محمد كالأصل لما أنزل على سائر الأنبياء فلهذا قدمه عليه ، وفي المرتبة الثالثة ذكر بعض الأنبياء وهم الأنبياء الذين يعترف أهل الكتاب بوجودهم ، ويختلفون في نبوتهم { والاسباط } هم أسباط يعقوب عليه السلام الذين ذكر الله أممهم الاثنى عشر في سورة الأعراف ، وإنما أوجب الله تعالى الإقرار بنبوة كل الأنبياء عليهم السلام لفوائد إحداها : إثبات كونه عليه السلام مصدقا لجميع الأنبياء ، لأن هذا الشرط كان معتبرا في أخذ الميثاق وثانيها : التنبيه على أن مذاهب أهل الكتاب متناقضة ، وذلك لأنهم إنما يصدقون النبي الذي يصدقونه لمكان ظهور المعجزة عليه ، وهذا يقتضي أن كل من ظهرت المعجزة عليه كان نبيا ، وعلى هذا يكون تخصيص البعض بالتصديق والبعض بالتكذيب متناقضا ، بل الحق تصديق الكل والاعتراف بنبوة الكل وثالثها : إنه قال قبل هذه الآية { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من فى السماوات والارض } ( آل عمران : 83 ) وهذا تنبيه على أن إصرارهم على تكذيب بعض الأنبياء إعراض عن دين الله ومنازعة مع الله ، فههنا أظهر الإيمان بنبوة جميع الأنبياء ، ليزول عنه وعن أمته ما وصف أهل الكتاب به من منازعة الله في الحكم والتكليف ورابعها : أن في الآية الأولى ذكر أنه أخذ الميثاق على جميع النبيين ، أن يؤمنوا بكل من أتى بعدهم من الرسل ، وههنا أخذ الميثاق على محمد صلى الله عليه وسلم بأن يؤمن بكل من أتى قبله من الرسل ، ولم يأخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده من الرسل ، فكانت هذه الآية دالة من هذا الوجه على أنه لا نبي بعده ألبتة ، فإن قيل : لم عدى { أنزل } في هذه الآية بحرف الاستعلاء ، وفيما تقدم من مثلها بحرف الانتهاء ؟ قلنا : لوجود المعنيين جميعا ، لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل ، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر ، وقيل أيضا إنما قيل { علينا } في حق الرسول ، لأن الوحي ينزل عليه وإلينا في حق الأمة لأن الوحي يأتيهم من الرسول على وجه الانتهاء وهذا تعسف ، ألا ترى إلى قوله { بما أنزل إليك } ( البقرة : 4 ) وأنزل إليك الكتاب وإلى قوله { وقالت طائفة من أهل الكتاب ءامنوا } ( آل عمران : 72 ) .

Sección V08/P108–V08/P109

المسألة الثانية : اختلف العلماء في أن الإيمان بهؤلاء الأنبياء الذين تقدموا ونسخت شرائعهم كيف يكون ؟ وحقيقة الخلاف ، أن شرعه لما صار منسوخا ، فهل تصير نبوته / منسوخة ؟ فمن قال إنها تصير منسوخة قال : نؤمن أنهم كانوا أنبياء ورسلا ، ولا نؤمن بأنهم الآن أنبياء ورسل ، ومن قال إن نسخ الشريعة لا يقتضي نسخ النبوة قال : نؤمن أنهم أنبياء ورسل في الحال فتنبه لهذا الموضع . المسألة الرابعة : قوله { لا نفرق بين أحد منهم } فيه وجوه الأول : قال الأصم : التفرق قد يكون بتفضيل البعض على البعض ، وقد يكون لأجل القول بأنهم ما كانوا على سبيل واحد في الطاعة لله والمراد من هذا الوجه يعني : نقر بأنهم كانوا بأسرهم على دين واحد في الدعوة إلى الله وفي الانقياد لتكاليف الله الثاني : قال بعضهم المراد { لا نفرق بين أحد منهم } بأن نؤمن ببعض دون بعض كما تفرقت اليهود والنصارى الثالث : قال أبو مسلم { لا نفرق بين أحد منهم } أي لا نفرق ما أجمعوا عليه ، وهو كقوله { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } ( آل عمران : 103 ) وذم قوما وصفهم بالتفرق فقال : { لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون } ( الأنعام : 94 ) . أما قوله { ونحن له مسلمون } ففيه وجوه الأول : إن إقرارنا بنبوة هؤلاء الأنبياء إنما كان لأجل كوننا منقادين لله تعالى مستسلمين لحكمه وأمره ، وفيه تنبيه على أن حاله على خلاف الذين خاطبهم الله بقوله { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من فى السماوات والارض } والثاني : قال أبو مسلم { ونحن له مسلمون } أي مستسلمون لأمر الله بالرضا وترك المخالفة وتلك صفة المؤمنين بالله وهم أهل السلم والكافرون يوصفون بالمحاربة لله كما قال : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } ( المائدة : 33 ) الثالث : أن قوله { ونحن له مسلمون } يفيد الحصر والتقدير : له أسلمنا لا لغرض آخر من سمعة ورياء وطلب مال ، وهذا تنبيه على أن حالهم بالضد من ذلك فإنهم لا يفعلون ولا يقولون إلا للسمعة والرياء وطلب الأموال والله أعلم . ! 7 < { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الا خرة من الخاسرين } . > 7 ! < < آل عمران : ( 85 ) ومن يبتغ غير . . . . .

Sección V08/P109–V08/P110

> > اعلم أنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة { ونحن له مسلمون } ( آل عمران : 84 ) أتبعه بأن بين في هذه الآية أن الدين ليس إلا الإسلام ، وأن كل دين سوى الإسلام فإنه غير مقبول عند الله ، لأن القبول للعمل هو أن يرضى الله ذلك العمل ، ويرضى عن فاعله ويثيبه عليه ، ولذلك قال تعالى : { إنما يتقبل الله من المتقين } ( المائدة : 27 ) ثم بين تعالى أن كل من له دين سوى الإسلام فكما أنه لا يكون مقبولا عند الله ، فكذلك يكون من الخاسرين ، والخسران في الآخرة يكون بحرمان الثواب ، وحصول العقاب ، / ويدخل فيه ما يلحقه من التأسف والتحسر على ما فاته في الدنيا من العمل الصالح وعلى ما تحمله من التعب والمشقة في الدنيا في تقريره ذلك الدين الباطل واعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان الإيمان غير الإسلام لوجب أن لا يكون الإيمان مقبولا لقوله تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } إلا أن ظاهر قوله تعالى : { قالت الاعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولاكن قولوا أسلمنا } ( الحجرات : 14 ) يقتضي كون الإسلام مغايرا للإيمان ووجه التوفيق بينهما أن تحمل الآية الأولى على العرف الشرعي ، والآية الثانية على الوضع اللغوي . ! 7 < { كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجآءهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين أولائك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذالك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } . > 7 < آل عمران : ( 86 - 89 ) كيف يهدي الله . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الإسلام والإيمان بقوله { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الاخرة من الخاسرين } ( آل عمران : 85 ) أكد ذلك التعظيم بأن بين وعيد من ترك الإسلام ، فقال : { كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في سبب النزول أقوال الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في عشرة رهط كانوا آمنوا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ، وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب منهم بقوله { إلا الذين تابوا } الثاني : نقل أيضا عن ابن عباس أنه قال : نزلت في يهود قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا / بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه ، وكانوا يشهدون له بالنبوة ، فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا بغيا وحسدا والثالث : نزلت في الحرث بن سويد وهو رجل من الأنصار حين ندم على ردته فأرسل إلى قومه أن اسألوا لي هل لي من توبة ؟ فأرسل إليه أخوه بالآية ، فأقبل إلى المدينة وتاب على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم توبته ، قال القفال رحمه الله : للناس في هذه الآية قولان : منهم من قال إن قوله تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا } وما بعده من قوله { كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم } إلى قوله { وأولئك هم الضالون } نزل جميع ذلك في قصة واحدة ، ومنهم من جعل ابتداء القصة من قوله { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } ثم على التقديرين ففيها أيضا قولان أحدهما : أنها في أهل الكتاب والثاني : أنها في قوم مرتدين عن الإسلام آمنوا ثم ارتدوا على ما شرحناه .

Sección V08/P110–V08/P111

المسألة الثانية : اختلف العقلاء في تفسير قوله { كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم } أما المعتزلة فقالوا : إن أصولنا تشهد بأنه تعالى هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف ، ووضع الدلائل وفعل الألطاف ، إذ لو يعم الكل بهذه الأشياء لصار الكافر والضال معذورا ، ثم إنه تعالى حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار ، فلا بد من تفسير هذه الهداية بشيء آخر سوى نصب الدلائل ، ثم ذكروا فيه وجوها الأول : المراد من هذه الآية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثوابا لهم على إيمانهم كما قال تعالى : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ( العنكبوت : 69 ) وقال تعالى : { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } ( مريم : 76 ) وقال تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) وقال : { يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } ( المائدة : 16 ) فدلت هذه الآيات على أن المهتدي قد يزيده الله هدى الثاني : أن المراد أن الله تعالى لا يهديهم إلى الجنة قال تعالى : { إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم } ( النساء : 168 ، 169 ) وقال : { يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم الانهار } ( يونس : 9 ) والثالث : أنه لا يمكن أن يكون المراد من الهداية خلق المعرفة فيه لأن على هذا التقدير يلزم أن يكون أيضا من الله تعالى لأنه تعالى إذا خلق المعرفة كان مؤمنا مهتديا ، وإذا لم يخلقها كان كافرا ضالا ، ولو كان الكفر من الله تعالى لم يصح أن يذمهم الله على الكفر ولم يصح أن يضاف الكفر إليهم ، لكن الآية ناطقة بكونهم مذمومين بسبب الكفر وكونهم فاعلين للكفر فإنه تعالى قال : { كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم } فضاف الكفر إليهم وذمهم على ذلك الكفر فهذا جملة أقوالهم في هذه الآية ، وأما أهل السنة فقالوا : المراد من الهداية خلق المعرفة ، قالوا : وقد جرت سنة الله في دار التكليف أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فإن الله تعالى يخلقه عقيب قصد العبد ، فكأنه تعالى قال : كيف يخلق الله فيهم المعرفة وهم قصدوا تحصيل الكفر أو أرادوه والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله { وأشهدوا } فيه قولان : / الأول : أنه عطف والتقدير بعد أن آمنوا وبعد أن شهدوا أن الرسول حق ، لأن عطف الفعل على الاسم لا يجوز فهو في الظاهر وإن اقتضى عطف الفعل على الاسم لكنه في المعنى عطف الفعل على الفعل الثاني : أن الواو للحال بإضمار ( قد ) والتقدير : كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم حال ما شهدوا أن الرسول حق . المسألة الرابعة : تقدير الآية : كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ، وبعد الشهادة بأن الرسول حق ، وقد جاءتهم البينات ، فعطف الشهادة بأن الرسول حق ، على الإيمان ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فيلزم أن الشهادة بأن الرسول حق مغاير للإيمان وجوابه : إن مذهبنا أن الإيمان هو التصديق بالقلب ، والشهادة هو الإقرار باللسان ، وهما متغايران فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على أن الإيمان مغاير للإقرار باللسان وأنه معنى قائم بالقلب . المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى استعظم كفر القوم من حيث أنه حصل بعد خصال ثلاث أحدها : بعد الإيمان وثانيها : بعد شهادة كون الرسول حقا وثالثها : بعد مجيء البينات ، وإذا كان الأمر كذلك كان ذلك الكفر صلاحا بعد البصيرة وبعد إظهار الشهادة ، فيكون الكفر بعد هذه الأشياء أقبح لأن مثل هذا الكفر يكون كالمعاندة والجحود ، وهذا يدل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل .

Sección V08/P111–V08/P112

أما قوله تعالى : { والله لا يهدى القوم الظالمين } ففيه سؤالان : السؤال الأول : قال في أول الآية { كيف يهدى الله قوما } وقال في آخرها { والله لا يهدى القوم الظالمين } وهذا تكرار . والجواب : أن قوله { كيف يهدى الله } مختص بالمرتدين ، ثم إنه تعالى عمم ذلك الحكم في المرتد وفي الكافر الأصلي فقال : { والله لا يهدى القوم الظالمين } . السؤال الثاني : لم سمي الكافر ظالما ؟ . الجواب : قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) والسبب فيه أن الكافر أورد نفسه موارد البلاء والعقاب بسبب ذلك الكفر ، فكان ظالما لنفسه . ثم قال تعالى : { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله والملئكة والناس أجمعين خالدين فيها } والمعنى أنه تعالى حكم بأن الذين كفروا بعد إيمانهم يمنعهم الله تعالى من هدايته ، ثم بين أن الأمر غير مقصور عليه ، بل كما لا يهديهم في الدنيا يلعنهم اللعن العظيم ويعذبهم في الآخرة / على سبيل التأبيد والخلود . واعلم أن لعنة الله ، مخالفة للعنة الملائكة ، لأن لعنته بالإبعاد من الجنة وإنزال العقوبة والعذاب واللعنة من الملائكة هي بالقول ، وكذلك من الناس ، وكل ذلك مستحق لهم بسبب ظلمهم وكفرهم / فصح أن يكون جزاء لذلك وههنا سؤالان : السؤال الأول : لم عم جميع الناس ومن يوافقه لا يلعنه ؟ . قلنا : فيه وجوه الأول : قال أبو مسلم له أن يلعنه وإن كان لا يلعنه الثاني : أنه في الآخرة يلعن بعضهم بعضا قال تعالى : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } ( الأعراف : 38 ) وقال : { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا } ( العنكبوت : 25 ) وعلى هذا التقدير فقد حصل اللعن للكفار من الكفار والثالث : كأن الناس هم المؤمنون ، والكفار ليسوا من الناس ، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال : { أجمعين } الرابع : وهو الأصح عندي أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ، ولكنه يعتقد في نفسه أنه ليس بمبطل ولا بكافر ، فإذا لعن الكافر وكان هو في علم الله كافرا ، فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك . السؤال الثاني : قوله { خالدين فيها } أي خالدين في اللعنة ، فما خلود اللعنة ؟ . قلنا : فيه وجهان الأول : أن التخليد في اللعنة على معنى أنهم يوم القيامة لا يزال يلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار فلا يخلو شيء من أحوالهم ، من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء الثاني : أن المراد بخلود اللعن خلود أثر اللعن ، لأن اللعن يوجب العقاب ، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن ، ونظيره قوله تعالى : { من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه } ( طه : 100 ، 101 ) الثالث : قال ابن عباس قوله { خالدين فيها } أي في جهنم فعلى هذا الكناية عن غير مذكور ، واعلم أن قوله { خالدين فيها } نصب على الحال مما قبله ، وهو قوله تعالى : { عليهم لعنة الله } . ثم قال : { لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون } معنى الانظار التأخير قال تعالى : { فنظرة إلى ميسرة } ( البقرة : 280 ) فالمعنى أنه لا يجعل عذابهم أخف ولا يؤخر العقاب من وقت إلى وقت وهذا تحقيق قول المتكلمين : إن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة ، نعوذ منه بالله .

Sección V08/P112–V08/P113

ثم قال : { إلا الذين تابوا من بعد ذالك } والمعنى إلا الذين تابوا منه ، ثم بين أن التوبة وحدها لا تكفي حتى ينضاف إليها العمل الصالح فقال : { وأصلحوا } أي أصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات وظاهرهم مع الخلق بالعبادات ، وذلك بأن يلعنوا بأنا كنا على الباطل حتى أنه لو اغتر بطريقتهم الفاسدة مغتر رجع عنها . ثم قال : { فإن الله غفور رحيم } وفيه وجهان الأول : غفور لقبائحهم في الدنيا بالستر ، رحيم في الآخرة بالعفو الثاني : غفور بإزالة العقاب ، رحيم بإعطاء الثواب ، ونظيره قوله تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } ( الأنفال : 38 ) ودخلت الفاء في قوله { فإن الله غفور رحيم } لأنه الجزاء ، وتقدير الكلام : إن تابوا فإن الله يغفر لهم . ! 7 < { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولائك هم الضآلون } . > 7 < آل عمران : ( 90 ) إن الذين كفروا . . . . . > > / المسألة الأولى : اختلفوا فيما به يزداد الكفر ، والضابط أن المرتد يكون فاعلا للزيادة بأن يقيم ويصر فيكون الإصرار كالزيادة ، وقد يكون فاعلا للزيادة بأن يضم إلى ذلك الكفر كفرا آخر ، وعلى هذا التقدير الثاني ذكروا فيه وجوها الأول : أن أهل الكتاب كانوا مؤمنين بمحمد عليه الصلاة والسلام قبل مبعثه ، ثم كفروا به عند المبعث ، ثم ازدادوا كفرا بسبب طعنهم فيه في كل وقت ، ونقضهم ميثاقه ، وفتنتهم للمؤمنين ، وإنكارهم لكل معجزة تظهر الثاني : أن اليهود كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام ، ثم كفروا بسبب إنكارهم عيسى والإنجيل ، ثم ازدادوا كفرا ، بسبب إنكارهم محمدا عليه الصلاة والسلام والقرآن والثالث : أن الآية نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة ، وازديادهم الكفر أنهم قالوا : نقيم بمكة نتربص بمحمد صلى الله عليه وسلم ريب المنون الرابع : المراد فرقة ارتدوا ، ثم عزموا على الرجوع إلى الإسلام على سبيل النفاق ، فسمى الله تعالى ذلك النفاق كفرا . المسألة الثانية : أنه تعالى حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين ، وحكم في هذه الآية بعدم قبولها وهو يوهم التناقض ، وأيضا ثبت بالدليل أنه متى وجدت التوبة بشروطها فإنها تكون مقبولة لا محالة ، فلهذا اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى : { لن تقبل توبتهم } على وجوه ؛

Sección V08/P113–V08/P114

الأول : قال الحسن وقتادة وعطاء : السبب أنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت والله تعالى يقول : { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الان } ( النساء : 18 ) الثاني : أن يحمل هذا على ما إذا تابوا باللسان ولم يحصل في قلوبهم إخلاص الثالث : قال القاضي والقفال وابن الأنباري : أنه تعالى لما قدم ذكر من كفر بعد الإيمان ، وبين أنه أهل اللعنة ، إلا أن يتوب ذكر في هذه الآية أنه لو كفر مرة أخرى بعد تلك التوبة فإن التوبة الأولى تصير نير مقبولة وتصير كأنها لم تكن ، قال وهذا الوجه أليق بالآية من سائر الوجوه لأن التقدير : إلا الذين تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ، فإن كانوا كذلك ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ، الرابع : قال صاحب ( الكشاف ) : قوله { لن تقبل توبتهم } جعل كناية عن الموت على الكفر ، لأن الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر ، كأنه قيل إن اليهود والمرتدين / الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم الخامس : لعل المراد ما إذا تابوا عن تلك الزيادة فقط فإن التوبة عن تلك الزيادة لا تصير مقبولة ما لم تحصل التوبة عن الأصل ، وأقول : جملة هذه الجوابات إنما تتمشى على ما إذا حملنا قوله { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا } على المعهود السابق لا على الاستغراق وإلا فكم من مرتد تاب عن ارتداده توبة صحيحة مقرونة بالإخلاص في زمان التكليف ، فأما الجواب الذي حكيناه عن القفال والقاضي فهو جواب مطرد سواء حملنا اللفظ على المعهود السابق أو على الاستغراق . أما قوله { وأولئك هم الضالون } ففيه سؤالان الأول : { وأولئك هم الضالون } ينفي كون غيرهم ضالا ، وليس الأمر كذلك فإن كل كافر فهو ضال سواء كفر بعد الإيمان أو كان كافرا في الأصل والجواب : هذا محمول على أنهم هم الضالون على سبيل الكمال . السؤال الثاني : وصفهم أولا بالتمادي على الكفر والغلو فيه والكفر أقبح أنواع الضلال والوصف إنما يراد للمبالغة ، والمبالغة إنما تحصل بوصف الشيء بما هو أقوى حالا منه لا بما هو أضعف حالا منه والجواب : قد ذكرنا أن المراد أنهم هم الضالون على سبيل الكمال ، وعلى هذا التقدير تحصل المبالغة . ! 7 < { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الا رض ذهبا ولو افتدى به أولائك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين } . > 7 ! < < آل عمران : ( 91 ) إن الذين كفروا . . . . . > > اعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام أحدها : الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله { إلا الذين تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } ( آل عمران : 89 ) وثانيهما : الذي يتوب عن ذلك الكفر توبة فاسدة وهو الذي ذكره الله في الآية المتقدمة وقال : إنه لن تقبل توبته وثالثهما : الذي يموت على الكفر من غير توبة ألبتة وهو المذكور في هذه الآية ، ثم إنه تعالى أخبر عن هؤلاء بثلاثة أنواع .

Sección V08/P114–V08/P115

النوع الأول : قوله { فلن يقبل من أحدهم ملء الارض ذهبا ولو افتدى به } قال الواحدي ملء الشيء قدر ما يملؤه وانتصب { ذهبا } على التفسير ، ومعنى التفسير : أن يكون الكلام تاما إلا أن يكون مبهما كقوله : عندي عشرون ، فالعدد معلوم ، والمعدود مبهم ، فإذا قلت : درهما فسرت / العدد ، وكذلك إذا قلت : هو أحسن الناس فقد أخبرت عن حسنه ، ولم تبين في ماذا ، فإذا قلت وجها أو فعلا فقد بينته ونصبته على التفسير وإنما نصبته لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه فلما خلا من هذين نصب لأن النصب أخف الحركات فيجعل كأنه لا عامل فيه قال صاحب ( الكشاف ) وقرأ الأعمش { ذهب } بالرفع ردا على ملء كما يقال : عندي عشرون نفسا رجال . وههنا ثلاثة أسئلة : السؤال الأول : لم قيل في الآية المتقدمة { لن تقبل } بغير فاء وفي هذه الآية { فلن يقبل } بالفاء ؟ . الجواب : أن دخول الفاء يدل على أن الكلام مبني على الشرط والجزاء ، وعند عدم الفاء لم يفهم من الكلام كونه شرطا وجزاء ، تقول : الذي جاءني له درهم ، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء ، وإذا قلت : الذي جاءني فله درهم ، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء فذكر الفاء في هذه الآية يدل على أن عدم قبول الفدية معلل بالموت على الكفر . السؤال الثاني : ما فائدة الواو في قوله { ولو افتدى به } ؟ . الجواب : ذكروا فيه وجوها الأول : قال الزجاج : إنها للعطف ، والتقدير : لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهبا لم ينفعه ذلك مع كفره ، ولو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهبا لم قبل منه ، وهذا اختيار ابن الأنباري قال : وهذا أوكد في التغليظ ، لأنه تصريح بنفي القبول من جميع الوجوه الثاني : { الواو } دخلت لبيان التفصيل بعد الإجمال وذلك لأن قوله { كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الارض ذهبا } يحتمل الوجوه الكثيرة ، فنص على نفي القبول بجهة الفدية الثالث : وهو وجه خطر ببالي ، وهو أن من غضب على بعض عبيده ، فإذا أتحفه ذلك العبد بتحفة وهدية لم يقبلها ألبتة إلا أنه قد يقبل منه الفدية ، فأما إذا لم يقبل منه الفدية أيضا كان ذلك غاية الغضب ، والمبالغة إنما تحصل بتلك المرتبة التي هي الغاية ، فحكم تعالى بأنه لا يقبل منهم ملء الأرض ذهبا ولو كان واقعا على سبيل الفداء تنبيها على أنه لما لم يكن مقبولا بهذا الطريق ، فبأن لا يكون مقبولا منه بسائر الطرق أولى . السؤال الثالث : أن من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة نقيرا ولا قطميرا ومعلوم أن بتقدير أن يملك الذهب فلا ينفع الذهب ألبتة في الدار الآخرة ، فما فائدة قوله { لن يقبل من أحدهم ملء الارض ذهبا } . الجواب : فيه وجهان أحدهما : أنهم إذا ماتوا على الكفر فلو أنهم كانوا قد أنفقوا في الدنيا ملء الأرض ذهبا لن يقبل الله تعالى ذلك منهم / لأن الطاعة مع الكفر لا تكون مقبولة والثاني : أن الكلام وقع على سبيل الفرض ، والتقدير : فالذهب كناية عن أعز الأشياء ، والتقدير : لو أن / الكافر يوم القيامة قدر على أعز الأشياء ثم قدر على بذله في غاية الكثرة لعجز أن يتوسل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب الله ، وبالجملة فالمقصود أنهم آيسون من تخليص النفس من العقاب .

Sección V08/P115–V08/P116

النوع الثاني : من الوعيد المذكور في هذه الآية قوله { ولهم عذاب أليم } واعلم أنه تعالى لما بين أن الكافر لا يمكنه تخليص النفس من العذاب ، أردفه بصفة ذلك العذاب ، فقال : { ولهم عذاب أليم } أي مؤلم . النوع الثالث : من الوعيد قوله { وما لهم من ناصرين } والمعنى أنه تعالى لما بين أنه لا خلاص لهم عن هذا العذاب الأليم بسبب الفدية ، بين أيضا أنه لا خلاص لهم عنه بسبب النصرة والإعانة والشفاعة ، ولأصحابنا أن يحتجوا بهذه الآية على إثبات الشفاعة وذلك لأنه تعالى ختم تعديد وعيد الكفار بعدم النصرة والشفاعة فلو حصل هذا المعنى في حق غير الكافر بطل تخصيص هذا الوعيد بالكفر ، والله أعلم . ! 7 < { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شىء فإن الله به عليم } . > 7 ! < < آل عمران : ( 92 ) لن تنالوا البر . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أن الإنفاق لا ينفع الكافر ألبتة علم المؤمنين كيفية الإنفاق الذي ينتفعون به في الآخرة ، فقال : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وبين في هذه الآية أن من أنفق مما أحب كان من جملة الأبرار ، ثم قال في آية أخرى { إن الابرار لفى نعيم } ( المطففين : 22 ) وقال أيضا : { إن الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا } ( الإنسان : 5 ) وقال أيضا : { إن الابرار لفى نعيم على الارائك ينظرون تعرف فى وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفى ذلك فليتنافس المتنافسون } ( المطففين : 22 ، 26 ) وقال : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } ( البقرة : 177 ) فالله تعالى لما فصل في سائر الآيات كيفية ثواب الأبرار اكتفى ههنا بأن ذكر أن من أنفق ما أحب نال البر ، وفيه لطيفة أخرى . وهي أنه تعالى قال : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولاكن البر من ءامن بالله واليوم الاخر والملئكة } إلى آخر الآية ، فذكر في هذه الآية أكثر أعمال الخير ، وسماه البر ثم قال في هذه الآية { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } والمعنى أنكم وإن أتيتم بكل تلك الخيرات المذكورة في تلك الآية فإنكم لا تفوزون بفضيلة البر حتى تنفقوا مما تحبون ، وهذا يدل على أن الإنسان إذا أنفق ما يحبه كان ذلك أفضل الطاعات ، وههنا بحث وهو : أن لقائل أن يقول كلمة { حتى } لانتهاء الغاية فقوله { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } يقتضي أن من أنفق مما أحب فقد نال البر ومن نال البر دخل تحت الآيات الدالة على عظم الثواب للأبرار ، فهذا يقتضي أن من / أنفق ما أحب وصل إلى الثواب العظيم وإن لم يأت بسائر الطاعات ، وهو باطل ، وجواب هذا الإشكال : أن الإنسان لا يمكنه أن ينفق محبوبه إلا إذا توسل بإنفاق ذلك المحبوب إلى وجدان محبوب أشرف من الأول ، فعلى هذا الإنسان لا يمكنه أن ينفق الدنيا في الدنيا إلا إذا تيقن سعادة الآخرة ، ولا يمكنه أن يعترف بسعادة الآخرة إلا إذا أقر بوجود الصانع العالم القادر ، وأقر بأنه يجب عليه الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه ، فإذا تأملت علمت أن الإنسان لا يمكنه إنفاق الدنيا في الدنيا إلا إذا كان مستجمعا لجميع الخصال المحمودة في الدنيا ، ولنرجع إلى التفسير فنقول في الآية مسائل :

Preguntas