Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Sección V09/P126–V09/P127

وأما قوله : { ورابطوا } ففيه قولان : الأول : أنه عبارة عن أن يربط هؤلاء خيلهم في الثغور ويربط أولئك خيلهم أيضا ، بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعدا لقتال الآخر ، قال تعالى : { ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم } ( الأنفال : 60 ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان مثل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينتقل عن صلاته إلا لحاجة ) االثاني : أن معنى المرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة ويدل عليه وجهان : الأول : ما روي عن أبي سلمة عبد الرحمن أنه قال : لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ، وإنما نزلت هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة . الثاني : ما روي من حديث أبي هريرة حين ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال : ( فذلكم الرباط ) ثلاث مرات . واعلم أنه يمكن حمل اللفظ على الكل ، وأصل الرباط من الربط وهو الشد ، يقال : لكل من صبر على أمر ربط قلبه عليه ، وقال آخرون : الرباط هو اللزوم والثبات ، وهذا المعنى أيضا راجع إلى ما ذكرناه من الصبر وربط النفس ، ثم هذا الثبات والدوام يجوز أن يكون على الجهاد ، ويجوز أن يكون على الصلاة والله أعلم . قال الامام رضي الله تعالى عنه : تم تفسير هذه السورة بفضل الله وإحسانه يوم الخميس أول ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة . < > 1 ( سورة النساء ) 1 < > مائة وسبعون وست آيات مدنية ! 7 < { ياأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء واتقوا الله الذى تسآءلون به والا رحام إن الله كان عليكم رقيبا } . > 7 ! < < النساء : ( 1 ) يا أيها الناس . . . . . > > اعلم أن هذه السورة مشتملة على أنواع كثيرة من التكاليف ، وذلك لأنه تعالى أمر الناس في أول هذه السورة بالتعطف على الأولاد والنساء والأيتام ، والرأفة بهم وإيصال حقوقهم اليهم وحفظ أموالهم عليهم ، وبهذا المعنى ختمت السورة ، وهو قوله : { يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة } ( النساء : 176 ) وذكر في أثناء هذه السورة أنواعا أخر من التكاليف ، وهي الأمر بالطهارة والصلاة وقتال المشركين ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس لثقلها على الطباع ، لا جرم افتتح السورة بالعلة التي لأجلها يجب حمل هذه التكاليف الشاقة ، وهي تقوى الرب الذي خلقنا والاله الذي أوجدنا ، فلهذا قال : { تفلحون يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم } وفي الآية مسائل :

Sección V09/P127–V09/P128

المسألة الأولى : روى الواحدي عن ابن عباس في قوله : { يذهبكم أيها الناس } أن هذا الخطاب لأهل / مكة ، وأما الأصوليون من المفسرين فقد اتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلفين ، وهذا هو الأصح لوجوه : أحدها : أن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق . وثانيها : أنه تعالى علل الأمر بالاتقاء بكونه تعالى خالقا لهم من نفس واحدة ، وهذه العلة عامة في حق جميع المكلفين بأنهم من آدم عليه السلام خلقوا بأسرهم ، وإذا كانت العلة عامة كان الحكم عاما . وثالثها : أن التكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة ، بل هو عام في حق جميع العالمين ، وإذا كان لفظ الناس عاما في الكل ، وكان الأمر بالتقوى عاما في الكل ، وكانت علة هذا التكليف ، وهي كونهم خلقوا من النفس الواحدة عامة في حق الكل ، كان القول بالتخصيص في غاية البعد . وحجة ابن عباس أن قوله : { واتقوا الله الذى تساءلون به والارحام } مختص بالعرب لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم . فيقولون أسألك بالله وبالرحم ، وأنشدك الله والرحم ، وإذا كان كذلك كان قوله : { واتقوا الله الذى تساءلون به والارحام } مختصا بالعرب ، فكان أول الآية وهو قوله : { يذهبكم أيها الناس } مختصا بهم لأن قوله في أول الآية : { اتقوا ربكم } وقوله بعد ذلك : { واتقوا الله الذى تساءلون به والارحام } وردا متوجهين إلى مخاطب واحد ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه ثبت في أصول الفقه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها ، فكان قوله : { يذهبكم أيها الناس } عاما في الكل ، وقوله : { واتقوا الله الذى تساءلون به والارحام } . خاصا بالعرب . المسألة الثانية : أنه تعالى جعل هذا المطلع مطلعا لسورتين في القرآن : إحداهما : هذه السورة وهي السورة الرابعة من النصف الاول من القرآن . والثانية : سورة الحج ، وهي أيضا السورة الرابعة من النصف الثاني من القرآن ، ثم إنه تعالى علل الأمر بالتقوى في هذه السورة بما يدل على معرفة المبدأ ، وهو أنه تعالى خلق الخلق من نفس واحدة ، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وكمال حكمته وجلاله ، وعلل الأمر بالتقوى في سورة الحج بما يدل على كمال معرفة المعاد ، وهو قوله : { إن زلزلة الساعة شىء عظيم } ( الحج : 1 ) فجعل صدر هاتين السورتين دلالة على معرفة المبدأ ومعرفة المعاد / ثم قدم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد ، وتحت هذا البحث أسرار كثيرة . المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى أمرنا بالتقوى وذكر عقبيه أنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، وهذا مشعر بأن الأمر بالتقوى معلل بأنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، ولا بد من بيان المناسبة بين هذا الحكم وبين ذلك الوصف ، فنقول : قولنا إنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، مشتمل على قيدين : أحدهما : أنه تعالى خلقنا ، والثاني : كيفية ذلك التخليق ، وهو أنه تعالي إنما خلقنا من نفس / واحدة ، ولكل واحد من هذين القيدين أثر في وجوب التقوى .

Sección V09/P128–V09/P129

أما القيد الأول : وهو أنه تعالى خلقنا ، فلا شك أن هذا المعنى علة لأن يجب علينا الانقياد لتكاليف الله تعالى والخضوع لأوامره ونواهيه ، وبيان ذلك من وجوه : الأول : أنه لما كان خالقا لنا وموجدا لذواتنا وصفاتنا فنحن عبيده وهو مولى لنا ، والربوبية توجب نفاذ أوامره على عبيده ، والعبودية توجب الانقياد للرب والموجد والخالق ، الثاني : أن الايجاد غاية الانعام ونهاية الاحسان ، فانك كنت معدوما فأوجدك ، وميتا فأحياك ، وعاجزا فأقدرك . وجاهلا فعلمك ، كما قال إبراهيم عليه السلام : ( الذي خلقني فهو يهدين والذين هو يطعمني ويسقين ) فلما كانت النعم بأسرها من الله سبحانه وجب على العبد أن يقابل تلك النعم باظهار الخضوع والانقياد ، وترك التمرد والعناد ، وهذا هو المراد بقوله : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم } ( البقرة : 28 ) الثالث : وهو أنه لما ثبت كونه موجدا وخالقا وإلها وربا لنا . وجب علينا أن نشتغل بعبوديته وأن نتقي كل ما نهى عنه وزجر عنه ، ووجب أن لا يكون شيء من هذه الأفعال موجبا ثوابا ألبتة ، لأن هذه الطاعات لما وجبت في مقابلة النعم السالفة امتنع أن تصير موجبة للثواب ، لأن أداء الحق إلى المستحق لا يوجب شيئا آخر ، هذا إذا سلمنا أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه ابتداء ، فكيف وهذا محال ، لأن فعل الطاعات لا يحصل إلا إذا خلق الله القدرة على الطاعة ، وخلق الداعية على الطاعة ، ومتى حصلت القدرة والداعي كان مجموعهما موجبا لصدور الطاعة عن العبد ، وإذا كان كذلك كانت تلك الطاعة إنعاما من الله على عبده ، والمولى إذا خص عبده بانعام لم يصر ذلك الانعام موجبا عليه إنعاما آخر ، فهذا هو الاشارة إلى بيان أن كونه خالقا لنا يوجب علينا عبوديته والاحتراز عن مناهيه . وأما القيد الثاني : وهو أن خصوص كونه خالقا لنا من نفس واحدة يوجب علينا الطاعة والاحتراز عن المعصية ، فبيانه من وجوه : الأول : أن خلق جميع الأشخاص الانسانية من الانسان الواحد أدل على كمال القدرة ، من حيث أنه لو كان الأمر بالطبيعة والخاصية لكان المتولد من الانسان الواحد ، لم يكن إلا أشياء متشاكلة في الصفة متشابهة في الخلقة والطبيعة ، فلما رأينا في أشخاص الناس الأبيض والأسود والأحمر والأسمر والحسن والقبيح والطويل والقصير ، دل ذلك على أن مدبرها وخالقها فاعل مختار ، لا طبيعة مؤثرة ، ولا علة موجبة ، ولما دلت هذه الدقيقة على أن مدبر العالم فاعل مختار قادر على كل الممكنات عالم بكل المعلومات ، فحينئذ يجب الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه ، فكان ارتباط قوله : { اتقوا ربكم } بقوله : { خلقكم من نفس واحدة } في غاية الحسن والانتظام . / والوجه الثاني : وهو أنه تعالى لما ذكر الأمر بالتقوى ذكر غقبيه الأمر بالاحسان إلى اليتامى والنساء والضعفاء ، وكون الخلق بأسرهم مخلوقين من نفس واحدة له أثر في هذا المعنى ، وذلك لأن الأقارب لا بد وأن يكون بينهم نوع مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة ، ولذلك ان الانسان يفرح بمدح أقاربه وأسلافه / ويحزن بذمهم والطعن فيهم ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ) وإذا كان الأمر كذلك ، فالفائدة في ذكر هذا المعنى أن يصير ذلك سببا لزيادة شفقة الخلق بعضهم على البعض . الوجه الثالث : أن الناس اذا عرفوا كون الكل من شخص واحد تركوا المفاخرة والتكبر وأظهروا التواضع وحسن الخلق .

Sección V09/P129–V09/P130

الوجه الرابع : أن هذا يدل على المعاد ، لأنه تعالى لما كان قادرا على أن يخرج من صلب شخص واحد أشخاصا مختلفين ، وأن يخلق من قطرة من النطفة شخصا عجيب التركيب لطيف الصورة ، فكيف يستبعد إحياء الأموات وبعثهم ونشورهم ، فتكون الآية دالة على المعاد من هذا الوجه { ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى } ( النجم : 31 ) . الوجه الخامس : قال الأصم : الفائدة فيه : أن العقل لا دليل فيه على أن الخلق يجب أن يكونوا مخلوقين من نفس واحدة ، بل ذلك إنما يعرف بالدلائل السمعية ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أميا ما قرأ كتابا ولا تلمذ لأستاذ ، فلما أخبر عن هذا المعنى كان إخبارا عن الغيب فكان معجزا ، فالحاصل أن قوله : { خلقكم } دليل على معرفة التوحيد ، وقوله : { من نفس واحدة } دليل على معرفة النبوة . فان قيل : كيف يصح أن يكون الخلق أجمع من نفس واحدة مع كثرتهم وصغر تلك النفس ؟ قلنا : قد بين الله المراد بذلك لأن زوج آدم اذا خلقت من بعضه ، ثم حصل خلق أولاده من نطفتهما ثم كذلك أبدا ، جازت إضافة الخلق أجمع إلى آدم . المسألة الرابعة : أجمع المسلمون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم عليه السلام ، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس ، ونظيره قوله تعالى : { أقتلت نفسا زكية بغير نفس } ( الكهف : 74 ) وقال الشاعر : أبوك خليفة ولدته أخرى فأنت خليفة ذاك الكمال قالوا فهذا التأنيث على لفظ الخليفة . قوله تعالى : { وخلق منها زوجها } فيه مسائل : / المسألة الأولى : المراد من هذا الزوج هو حواء ، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان : الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أنه لما خلق الله آدم ألقى عليه النوم ، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى ، فلما استيقط رآها ومال اليها وألفها ، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه ، واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ان المرأة خلقت من ضلع أعوج فان ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها ) . والقول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني : أن المراد من قوله : { وخلق منها زوجها } أي من جنسها وهو كقوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } ( النحل : 72 ) وكقوله : { إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } ( آل عمران : 164 ) وقوله : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) قال القاضي : والقول الأول أقوى ، لكي يصح قوله : { خلقكم من نفس واحدة } إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين ، لا من نفس واحدة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة ( من ) لابتداء الغاية ، فلما كان ابتداء التخليق والايجاد وقع بآدم عليه السلام صح أن يقال : خلقكم من نفس واحدة ، وأيضا فلما ثبت أنه تعالى قادر على خلق آدم من التراب كان قادرا أيضا على خلق حواء من التراب ، وإذا كان الأمر كذلك ، فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم . المسألة الثانية : قال ابن عباس : إنما سمي آدم بهذا الاسم لأنه تعالى خلقه من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها ؛ فلذلك كان في ولده الأحمر والأسود والطيب والخبيث والمرأة إنما سميت بحواء لأنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم فكانت مخلوقة من شيء حي / فلا جرم سميت بحواء .

Sección V09/P130–V09/P132

المسألة الثالثة : احتج جمع من الطبائعيين بهذه الآية فقالوا : قوله تعالى : { خلقكم من نفس واحدة } يدل على أن الخلق كلهم مخلوقون من النفس الواحدة ، وقوله : { وخلق منها زوجها } يدل على أن زوجها مخلوقة منها ، ثم قال في صفة آدم : { خلقه من تراب } ( آل عمران : 59 ) فدل على أن آدم مخلوق من التراب ، ثم قال في حق الخلائق : { منها خلقناكم } ( طه : 55 ) وهذه الآيات كلها دالة على ان الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة يصير الشيء مخلوقا منها ، وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال . أجاب المتكلمون فقالوا : خلق الشيء من الشيء محال في العقول ، لأن هذا المخلوق ان كان عين ذلك الشيء الذي كان موجودا قبل ذلك لم يكن هذا مخلوقا ألبتة ، واذا لم يكن مخلوقا امتنع كونه مخلوقا من شيء آخر ، وان قلنا : ان هذا المخلوق مغاير للذي كان موجودا قبل ذلك ، فحينئذ هذا المخلوق وهذا المحدث إنما حدث وحصل عن العدم المحض ، فثبت أن كون الشيء مخلوقا من / غيره محال في العقول ، وأما كلمة { من } في هذه الآية فهو مفيد ابتداء الغاية ، على معنى أن ابتداء حدوث هذه الأشياء من تلك الأشياء لا على وجه الحاجة والافتقار ، بل على وجه الوقوع فقط . المسألة الرابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { وخلق منها زوجها وبث منهما } بلفظ اسم الفاعل ، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هو خالق . قوله تعالى : { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : بث منهما : يريد فرق ونشر ، قال ابن المظفر : البث تفريقك الأشياء ، يقال : بث الخيل في الغارة وبث الصياد كلابه ، وخلق الله الخلق فبثهم في الأرض ، وبثثت البسط إذا نشرتها ، قال الله تعالى : { وزر أبى مبثوثة } قال الفراء والزجاج : وبعض العرب يقول : أبث الله الخلق . المسألة الثانية : لم يقل : وبث منهما الرجال والنساء لأن ذلك يوجب كونهما مبثوثين عن نفسهما وذلك محال ، فلهذا عدل عن هذا اللفظ إلى قوله : { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } . فان قيل : لم لم يقل : وبث منهما رجالا كثيرا ونساء كثيرا ؟ ولم خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء ؟ قلنا : السبب فيه والله أعلم أن شهرة الرجال أتم ، فكانت كثرتهم أظهر ، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة ، وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز ، واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول . المسألة الثالثة : الذين يقولون : إن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر ، وكانوا مجتمعين في صلب آدم عليه السلام ، حملوا قوله : { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } على ظاهره ، والذين أنكروا ذلك قالوا : المراد بث منهما أولادهما ومن أولادهما جمعا آخرين ، فكان الكل مضافا اليهما على سبيل المجاز . قوله تعالى : { واتقوا الله الذى تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا } . / فيه مسائل . المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي : { تساءلون } بالتخفيف والباقون بالتشديد ، فمن شدد أراد : تتساءلون فأدغم التاء في السين لاجتماعهما في أنهما من حروف اللسان وأصول الثنايا واجتماعهما في الهمس ، ومن خفف حذف تاء تتفاعلون لاجتماع حروف متقاربة ، فأعلها بالحذف كما أعلها الأولون بالادغام ، وذلك لأن الحروف المتقاربة إذا اجتمعت خففت تارة بالحذف وأخرى بالادغام .

Sección V09/P132–V09/P133

المسألة الثانية : قرأ حمزة وحده { والارحام } بجر الميم قال القفال رحمه الله : وقد رويت هذه القراءة عن غير القراء السبعة عن مجاهد وغيره / وأما الباقون من القراء فكلهم قرؤا بنصب الميم . وقال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { والارحام } بالحركات الثلاث ، أما قراءة حمزة فقد ذهب الأكثرون من النحويين إلى أنها فاسدة ، قالوا : لأن هذا يقتضي عطف المظهر على المضمر المجرور وذلك غير جائز . واحتجوا على عدم جوازه بوجوه : أولها : قال أبو علي الفارسي : المضمر المجرور بمنزلة الحرف ، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه ، إنما قلنا المضمر المجرور بمنزلة الحرف لوجوه : الأول : أنه لا ينفصل ألبتة كما أن التنوين لا ينفصل ، وذلك ان الهاء والكاف في قوله : به ، وبك لا ترى واحدا منفصلا عن الجار ألبتة فصار كالتنوين . الثاني : أنهم يحذفون الياء من المنادى المضاف في الاختيار كحذفهم التنوين من المفرد ، وذلك كقولهم : يا غلام ، فكان المضمر المجرور مشابها للتنوين من هذا الوجه ، فثبت أن المضمر المجرور بمنزلة حرف التنوين ، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه لأن من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فاذا لم تحصل المشابهة ههنا وجب أن لا يجوز العطف . وثانيها : قال علي بن عيسى : انهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع . فلا يجوز أن يقال : اذهب وزيد ، وذهبت وزيد بل يقولون : يا غلام ، فكان المضمر المجرور مشابها للتنوين من هذا الوجه ، فثبت أن المضمر المجرور بمنزلة حرف التنوين ، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه لأن من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فاذا لم تحصل المشابهة ههنا وجب أن لا يجوز العطف . وثانيها : قال علي بن عيسى : انهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع . فلا يجوز أن يقال : اذهب وزيد ، وذهبت وزيد بل يقولون : اذهب أنت وزيد ، وذهبت أنا وزيد . قال تعالى : { فاذهب أنت وربك فقاتلا } مع ان المضمر المرفوع قد ينفصل ، فاذا لم يجز عطف المظهر على المضمر المجرور مع انه أقوى من المضمر المجرور بسبب أنه قد ينفصل ، فلأن لا يجوز عطف المظهر على المضمر المجرور مع أنه ألبتة لا ينفصل كان أولى . وثالثها : قال أبو عثمان المازني : المعطوف والمعطوف عليه متشاركان ، وإنما يجوز عطف الأول على الثاني لو جاز عطف الثاني على الأول ، وههنا هذا المعنى غير حاصل ، وذلك لأنك لا تقول : مررت بزيدوك ، فكذلك لا تقول مررت بك وزيد . واعلم أن هذه الوجوه ليست وجوها قوية في دفع الروايات الواردة في اللغات ، وذلك لأن / حمزة أحد القراء السبعة ، والظاهر أنه لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه ، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة ، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهن من بيت العنكبوت ، وأيضا فلهذه القراءة وجهان : أحدهما : أنها على تقدير تكرير الجار ، كأنه قيل تساءلون به وبالارحام . وثانيها : أنه ورد ذلك في الشعر وأنشد سيبويه في ذلك : فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب وأنشد أيضا : نعلق في مثل السواري سيوفنا وما بينها والكعب غوط نفانف

Sección V09/P133

والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد ، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن . واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة من جهة المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحلفوا بآبائكم ) فاذا عطفت الأرحام على المكنى عن اسم الله اقتضى ذلك جواز الحلف بالارحام ، ويمكن الجواب عنه بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية لأنهم كانوا يقولون : أسألك بالله والرحم ، وحكاية هذا الفعل عنهم في الماضي لا تنافي ورود النهي عنه في المستقبل ، وأيضا فالحديث نهي عن الحلف بالآباء فقط ، وههنا ليس كذلك ، بل هو حلف بالله أولا ثم يقرن به بعده ذكر الرحم ، فهذا لا ينافي مدلول ذلك الحديث ، فهذا جملة الكلام في قراءة قوله : { والارحام } بالجر . أما قراءته بالنصب ففيه وجهان : الأول : وهو اختيار أبي علي الفارسي وعلي بن عيسى أنه عطف على موضع الجار والمجرور كقوله : فلسنا بالجبال ولا الحديدا والثاني : وهو قول أكثر المفسرين : أن التقدير : واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج ، وعلى هذا الوجه فنصب الأرحام بالعطف على قوله : { الله } أي : اتقوا الله واتقوا الأرحام أي اتقوا حق الأرحام فصلوها ولا تقطعوها قال الواحدي رحمه الله : ويجوز أيضا أن يكون منصوبا بالاغراء ، أي والأرحام فاحفظوها وصلوها كقولك : الأسد الأسد ، وهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم ، ويدل على وجوب صلتها . وأما القراءة بالرفع فقال صاحب ( الكشاف ) : الرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل : والأرحام كذلك على معنى والأرحام مما يتقى ، أو والأرحام مما يتساءل به . المسألة الثالثة : أنه تعالى قال أولا : { اتقوا ربكم } ثم قال بعده : { واتقوا الله } وفي هذا التكرير وجوه : الأول : تأكيد الأمر والحث عليه كقولك للرجل : اعجل اعجل فيكون أبلغ من قولك : اعجل / الثاني : أنه أمر بالتقوى في الأول لمكان الانعام بالخلق وغيره ، وفي الثاني أمر بالتقوى لمكان وقوع التساؤل به فيما يلتمس البعض من البعض . الثالث : قال أولا : { اتقوا ربكم } وقال ثانيا : { واتقوا الله } والرب لفظ يدل على التربية والاحسان ، والاله لفظ يدل على القهر والهيبة ، فأمرهم بالتقوى بناء على الترغيب ، ثم أعاد الأمر به بناء على الترهيب كما قال : { يدعون ربهم خوفا وطمعا } ( السجدة : 16 ) وقال : { ويدعوننا رغبا ورهبا } ( الأنبياء : 90 ) كأنه قيل : انه رباك وأحسن اليك فاتق مخالفته لأنه شديد العقاب عظيم السطوة .

Sección V09/P133–V09/P134

المسألة الرابعة : اعلم أن التساؤل بالله وبالأرحام قيل هو مثل أن يقال : بالله أسألك ، وبالله أشفع اليك ، وبالله أحلف عليك ، إلى غير ذلك مما يؤكد المرء به مراده بمسألة الغير ، ويستعطف ذلك الغير في التماس حقه منه أو نواله ومعونته ونصرته ، وأما قراءة حمزة فهي ظاهرة من حيث المعنى ، والتقدير : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم فيقول : أسألك بالله والرحم ، وربما أفرد ذلك فقال : أسألك بالرحم ، وكان يكتب المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : نناشدك الله والرحم أن لا تبعث الينا فلانا وفلانا ، وأما القراءة بالنصب فالمعنى يرجع إلى ذلك ، والتقدير : واتقوا الله واتقوا الأرحام ، قال القاضي : وهذا أحد ما يدل على أنه قد يراد باللفظ الواحد المعاني المختلفة ، لأن معنى تقوى الله مخالف لمعنى تقوى الأرحام ، فتقوى الله إنما يكون بالتزام طاعته واجتناب معاصيه ، واتقاء الأرحام بأن توصل ولا تقطع فيما يتصل بالبر والافضال والاحسان ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى لعله تكلم بهذه اللفظة مرتين ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال . المسألة الخامسة : قال بعضهم : اسم الرحم مشتق من الرحمة التي هي النعمة ، واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي ) ووجه التشبيه ان لمكان هذه الحالة تقع الرحمة من بعض الناس لبعض . وقال آخرون : بل اسم الرحم مشتق من الرحم الذي عنده يقع الانعام وانه الأصل / وقال بعضهم : بل كل واحد منهما أصل بنفسه ، والنزاع في مثل هذا قريب . المسألة السادسة : دلت الآية على جواز المسألة بالله تعالى . روى مجاهد عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سألكم بالله فأعطوه ) وعن البراء بن عازب قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع : منها ابرار القسم . المسألة السابعة : دل قوله تعالى : { والارحام } على تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها ، قال / تعالى : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الارض وتقطعوا أرحامكم } ( محمد : 22 ) وقال : { لا يرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة } قيل في الأول : إنه القرابة ، وقال : { وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } ( الإسراء : 23 ) وقال : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين } ( النساء : 36 ) وعن عبد الرحمن بن عوف : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم وما من عمل عصى الله به أعجل عقوبة من البغي واليمين الفاجرة ) وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ان الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء ويدفع الله بهما المحذور والمكروه ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح ) قيل الكاشح العدو ، فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها ، ثم إن أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه بنوا على هذا الأصل مسألتين : إحداهما : أن الرجل اذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والاخت ، والعم والخال ، قال لانه لو بقي الملك لحل الاستخدام بالاجماع ، لكن الاستخدام إيحاش يورث قطيعة الرحم ، وذلك حرام بناء على هذا الاصل ، فوجب أن لا يبقى الملك ، وثانيهما : أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها لان ذلك الرجوع ايحاش يورث قطيعة الرحم ، فوجب أن لا يجوز ، والكلام في هاتين المسألتين مذكور في الخلافيات .

Sección V09/P134–V09/P136

ثم أنه تعالى ختم هذه الآية بما يكون كالوعد والوعيد والترغيب والترهيب فقال : { إن الله كان عليكم رقيبا } والرقيب هو المراقب الذي يحفظ عليك جميع أفعالك . ومن هذا صفته فانه يجب أن يخاف ويرجى ، فبين تعالى أنه يعلم السر وأخفى ، وانه اذا كان كذلك يجب أن يكون المرء حذرا خائفا فيما يأتي ويترك . ! 7 < { وءاتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } . > 7 ! < < النساء : ( 2 ) وآتوا اليتامى أموالهم . . . . . > > اعلم أنه لما افتتح السورة بذكر ما يدل على أنه يجب على العبد أن يكون منقادا لتكاليف الله سبحانه ، محترزا عن مساخطه ، شرع بعد ذلك في شرح أقسام التكاليف . فالنوع الأول : ما يتعلق بأموال اليتامى ، وهو هذه الآية ، وأيضا أنه تعالى وصى في الآية السابقة بالأرحام ، فكذلك في هذه الآية وصى بالأيتام ، لأنهم قد صاروا بحيث لا كافل لهم ولا مشفق شديد الاشفاق عليهم ، ففارق حالهم حال من له رحم ماسة عاطفة عليه لمكان الولادة أو لمكان الرحم فقال : { وءاتوا اليتامى أموالهم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : اليتامى الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم ، واليتم الانفراد ، ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة ، وقيل : اليتم في الأناسي من قبل الآباء ، وفي البهائم من قبل الأمهات . قال : وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء الانفراد عن الآباء ، إلا أن في العرف اختص هذا الاسم بمن لم يبلغ مبلغ الرجال ، فاذا صار بحيث يستغني بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره ، زال عنه هذا الاسم ، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يتيم أبي طالب ، إما على القياس ، وإما على حكاية الحال التي كان عليها حين كان صغيرا ناشئا في حجر عمه توضيعا له . وأما قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يتم بعد حلم ) فهو تعليم الشريعة لا تعليم اللغة ، يعني اذا احتلم فانه لا تجرى عليه أحكام الصغار . وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه ؟ فكتب اليه : اذا أونس منه الرشد انقطع يتمه ، وفي بعض الروايات : أن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد ، فأخبر ابن عباس أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ اذا لم يؤنس منه الرشد ، ثم قال أبو بكر : واسم اليتيم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تستأمر اليتيمة ) وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة ، قال الشاعر : ان القبور تنكح الأيامى النسوة الأرامل اليتامى فالحاصل من كل ما ذكرنا أن اسم اليتيم بحسب أصل اللغة يتناول الصغير والكبير ، إلا أنه بحسب العرف مختص بالصغير . المسألة الثانية : ههنا سؤال وهو أن يقال : كيف جمع اليتيم على يتامى ؟ واليتيم فعيل ، والفعيل يجمع على فعلى ، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى وجريح وجرحى ، قال صاحب ( الكشاف ) : فيه وجهان : أحدهما : أن يقال : جمع اليتيم يتمى ، ثم يجمع فعلى على فعالى ، كأسير وأسرى وأسارى ، والثاني : أن يقال : جمع يتيم يتائم ، لأن اليتيم جار مجرى الأسماء نحو صاحب وفارس ، ثم يقلب / اليتائم يتامى . قال القفال رحمه الله : ويجوز يتيم ويتامى ، كنديم وندامى ، ويجوز أيضا يتيم وأيتام كشريف وأشراف .

Sección V09/P136–V09/P137

المسألة الثالثة : ههنا سؤال ثان : وهو أنا ذكرنا أن اسم اليتيم مختص بالصغير ، فما دام يتيما لا يجوز دفع ماله اليه ، وإذا صار كبيرا بحيث يجوز دفع ماليه إليه لم يبق يتيما ، فكيف قال : { وءاتوا اليتامى أموالهم } والجواب عنه على طريقين : الأول : أن نقول المراد من اليتامى الذين بلغوا أو كبروا ثم فيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى سماهم يتامى على مقتضى أصل اللغة ، والثاني : أنه تعالى سماهم باليتامى لقرب عهدهم باليتم وان كان قد زال في هذا الوقت كقوله تعالى : { فألقى السحرة ساجدين } ( الأعراف : 120 ) أي الذين كانوا سحرة قبل السجود ، وأيضا سمى الله تعالى مقاربة انقضاء العدة ، بلوغ الاجل في قوله : { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن } ( الطلاق : 2 ) والمعنى مقاربة البلوغ ، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى : { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } ( النساء : 6 ) والاشهاد لا يصح قبل البلوغ وانما يصح بعد البلوغ . الطريق الثاني : أن نقول : المراد باليتامى الصغار ، وعلى هذا الطريق ففي الآية وجهان : أحدهما : ان قوله : { وأتوا } أمر ، والامر انما يتناول المستقبل ، فكان المعنى أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم ، وعلى هذا الوجه زالت المناقضة . والثاني : المراد : وآتوا اليتامى حال كونهم يتامى ما يحتاجون اليه لنفقتهم وكسوتهم ، والفائدة فيه انه كان يجوز أن يظن أنه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال كونه صغيرا ، فأباح الله تعالى ذلك ، وفيه إشكال وهو انه لو كان المراد ذلك لقال : وآتوهم من أموالهم ، فلما أوجب إيتاءهم كل أموالهم سقط ذلك . المسألة الرابعة : نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال : لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : { فى الدنيا والاخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } ( البقرة : 220 ) قال أبو بكر الرازي : وأظن أنه غلط من الراوي ، لان المراد بهذه الآية إيتاؤهم أموالهم بعد البلوغ وإنما غلط الراوي بآية أخرى ، وهو ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أنزل الله { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن } ( البقرة : 152 ) و { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ( النساء : 10 ) ذهب من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، فاشتد ذلك على اليتامى ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى شرابه ، { فى الدنيا والاخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } فخلطوا عند ذلك طعامهم / بطعامهم وشرابهم بشرابهم . قال المفسرون : الصحيح أنها نزلت في رجل من غطفان ، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه ، فتراجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية ، فلما سمعها العم قال : أطعنا الله وأطعنا الرسول ، نعوذ بالله من الحوب الكبير ، ودفع ماله اليه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فانه يحل داره ) أي جنته ، فلما قبض الصبي ماله أنفقه في سبيل الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ثبت الأجر وبقي الوزر ) فقالوا : يا رسول الله لقد عرفنا أنه ثبت الأجر ، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله ؟ فقال : ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده .

Sección V09/P137–V09/P138

المسألة الخامسة : احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن السفيه ، لا يحجر عليه بعد الخمس والعشرين ، قال لأن قوله : { وءاتوا اليتامى أموالهم } مطلق يتناول السفيه أونس منه الرشد أو لم يؤنس ترك العمل به قبل الخمس والعشرين سنة لاتفاق العلماء على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذا السن ، شرط في وجوب دفع المال اليه ، وهذا الاجماع لم يوجد بعد هذا السن ، فوجب إجراء الأمر بعد هذا السن على حكم ظاهر هذه الآية . أجاب أصحابنا عنه : بأن هذه الآية عامة ، لأنه تعالى ذكر اليتامى فيها جملة / ثم إنهم ميزوا بعد ذلك بقوله : { وابتلوا اليتامى } ( النساء : 6 ) وبقوله : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } ( النساء : 5 ) حرم بهاتين الآيتين إيتاءهم أموالهم إذا كانوا سفهاء ، ولا شك أن الخاص مقدم على العام . ثم قال تعالى : { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : ولا تتبدلوا ، أي ولا تستبدلوا ، والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز ، ومنه التعجل بمعنى الاستعجال ، والتأخر بمعنى الاستئخار . وقال الواحدي رحمه الله : يقال : تبدل الشيء بالشيء إذا أخذه مكانه . المسألة الثانية : في تفسير هذا التبدل وجوه : الوجه الأول : قال الفراء والزجاج : لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى ، بالحلال وهو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض ، فتأكلوه مكانه . الثاني : لا تستبدلوا الأمر الخبيث ، وهو اختزال أموال اليتامى ، بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها وهو قول الأكثرين انه كان ولي اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل مكانه الدون ، يجعل الزائف بدل الجيد ، والمهزول بدل السمين ، وطعن صاحب ( الكشاف ) في هذا الوجه ، فقال : ليس هذا بتبدل إنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي . الرابع : / هو أن هذا التبدل معناه : أن يأكلوا مال اليتيم سلفا مع التزام بدله بعد ذلك ، وفي هذا يكون متبدلا الخبيث بالطيب . ثم قال تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } وفيه وجهان : الأول : معناه ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الانفاق حتى تفرقوا بين أموالكم وأموالهم في حل الانتفاع بها . والثاني : أن يكون ( إلى ) بمعنى ( مع ) قال تعالى : { من أنصارى إلى الله } ( آل عمران : 52 ) أي مع الله ، والأول : أصح . واعلم أنه تعالى وان ذكر الأكل ، فالمراد به التصرف لأن أكل مال اليتيم كما يحرم ، فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الأموال محرمة ، والدليل عليه أن في المال ما لا يصح ان يؤكل ، فثبت ان المراد منه التصرف ، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف . فان قيل : انه تعالى لما حرم عليهم أكل أموال اليتامى ظلما في الآية الأولى المتقدمة دخل فيها أكلها وحدها وأكلها مع غيرها ، فما الفائدة في إعادة النهي عن أكلها مع أموالهم ؟ قلنا : لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من حلال وهم مع ذلك يطمعون في أموال اليتامى ، كان القبح أبلغ والذم أحق .

Sección V09/P138

واعلم أنه تعالى عرف الخلق بعد ذلك ان أكل مال اليتيم من جميع الجهات المحرمة إثم عظيم فقال : { إنه كان حوبا كبيرا } قال الواحدي رحمه الله : الكناية تعود إلى الأكل ، وذلك لأن قوله : { ولا تأكلوا } دل على الأكل { والحوب } الاثم الكبير . قال عليه الصلاة والسلام : ( ان طلاق أم أيوب لحوب ) وكذلك الحوب والحاب ثلاث لغات في الاسم والمصدر قال الفراء : الحوب لأهل الحجاز ، والحاب لتميم ، ومعناه الاثم قال عليه الصلاة والسلام : ( رب تقبل توبتي واغسل حوبتي ) قال صاحب ( الكشاف ) : الحوب والحاب كالقول والقال . قال القفال : وكأن أصل الكلمة من التحوب وهو التوجع ، فالحوب هو ارتكاب ما يتوجع المرتكب منه ، وقال البصريون : الحوب بفتح الحاء مصدر ، والحوب بالضم الاسم ، والحوبة ، المرة الواحدة ، ثم يدخل بعضها في البعض كالكلام فانه اسم ، ثم يقال : قد كلمته كلاما فيصير مصدرا . قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ الحسن حوبا ، وقرىء : حابا . ! 7 < { وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذالك أدنى ألا تعولوا } . > 7 ! < < النساء : ( 3 ) وإن خفتم ألا . . . . . > > اعلم أن هذا من النوع الثاني من الأحكام التي ذكرها في هذه السورة وهو حكم الأنكحة وفي / الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : الاقساط العدل ، يقال أقسط الرجل إذا عدل ، قال الله تعالى : { بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين } ( الحجرات : 9 ) والقسط العدل والنصفة ، قال تعالى : { كونوا قوامين بالقسط } ( النساء : 135 ) قال الزجاج : وأصل قسط وأقسط جميعا من القسط وهو النصيب ، فاذا قالوا : قسط بمعنى جار أرادوا أنه ظلم صاحبه في قسطه الذي يصيبه ، ألا ترى أنهم قالوا : قاسطته إذا غلبته على قسطه ، فبنى قسط على بناء ظلم وجار وغلب ، وإذا قالوا أقسط فالمراد أنه صار ذا قسط عدل ، فبنى على بناء أنصف إذا أتى بالنصف والعدل في قوله وفعله وقسمه . المسألة الثانية : اعلم أن قوله : { وإن خفتم أن لا تقسطوا } شرط وقوله : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } جزاء ، ولا بد من بيان أنه كيف يتعلق هذا الجزاء بهذا الشرط ، وللمفسرين فيه وجوه : الأول : روي عن عروة أنه قال : قلت لعائشة : ما معنى قول الله : { وإن خفتم أن لا تقسطوا فى اليتامى } فقالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ، إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها ، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها ، فقال تعالى : ( وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء ، قالت عائشة رضي الله عنها : ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن ، فأنزل الله تعالى : { ويستفتونك فى النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم فى الكتاب فى يتامى النساء } قالت : وقوله تعالى : { وما يتلى عليكم فى الكتاب فى يتامى النساء } ( النساء : 127 ) المراد منه هذه الآية وهي قوله : { وإن خفتم أن لا تقسطوا } .

Sección V09/P138–V09/P140

الوجه الثاني : في تأويل الآية : انه لما نزلت الآية المتقدمة في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير ، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الاقساط في حقوق اليتامى ، فتحرجوا من ولايتهم ، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج وأكثر ، فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن ، فقيل لهم : إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها ، فكونوا خائفين من ترك العدل من النساء ، فقالوا عدد المنكوحات ، لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب لمثله فكأنه غير متحرج . الوجه الثالث : في التأويل : أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل : إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا ، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات . الوجه الرابع : في التأويل : ما روي عن عكرمة أنه قال : كان الرجل عنده النسوة ويكون / عنده الأيتام ، فاذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له مال وصار محتاجا ، أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقال تعالى : { وإن خفتم أن لا تقسطوا فى أموال اليتامى } عند كثرة الزوجات فقد حظرت عليكم أن لا تنكحوا أكثر من أربع كي يزول هذا الخوف / فان خفتم في الأربع أيضا فواحدة ، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع ، والناقص وهو الواحدة ، ونبه بذلك على ما بينهما ، فكأنه تعالى قال : فان خفتم من الأربع فثلاث ، فان خفتم فاثنتان ، فان خفتم فواحدة ، وهذا القول أقرب ، فكأنه تعالى خوف من الاكثار من النكاح بما عساه يقع من الولي من التعدي في مال اليتيم للحاجة إلى الانفاق الكثير عند التزوج بالعدد الكثير . أما قوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذالك أدنى أن لا تعولوا } . ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال أصحاب الظاهر : النكاح واجب وتمسكوا بهذه الآية ، وذلك لأن قوله { فانكحوا } أمر ، وظاهر الأمر للوجوب ، وتمسك الشافعي في بيان انه ليس بواجب بقوله تعالى : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات أو ما ملكت أيمانكم } ( النساء : 25 ) إلى قوله : { ذلك لمن خشى العنت منكم وأن تصبروا خير لكم } فحكم تعالى بأن ترك النكاح في هذه الصورة خير من فعله ، وذلك يدل على أنه ليس بمندوب ، فضلا عن أن يقال إنه واجب . المسألة الثانية : إنما قال : { ما طاب } ولم يقل : من طاب لوجوه : أحدها : أنه أراد به الجنس تقول : ما عندك ؟ فيقول رجل أو امرأة ، والمعنى ما ذلك الشيء الذي عندك ، وما تلك الحقيقة التي عندك ، وثانيها : أن ( ما ) مع ما بعده في تقدير المصدر ، وتقديره : فانكحوا الطيب من النساء ، وثالثها : ان ( ما ) و ( من ) ربما يتعاقبان . قال تعالى : { والسماء وما بناها } ( الشمس : 5 ) وقال : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } ( الكافرون : 2 ) وحكى أبو عمرو بن العلاء : سبحان ما سبح له الرعد ، وقال : { فمنهم من يمشى على بطنه } ( النور : 45 ) ورابعها : إنما ذكر ( ما ) تنزيلا للاناث منزلة غير العقلاء . ومنه : قوله : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ( المعارج : 30 ) .

Sección V09/P140–V09/P141

/ المسألة الثالثة : قال الواحدي وصاحب ( الكشاف ) : قوله { ما طاب لكم } أي ما حل لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها ، وهي الأنواع المذكورة في قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم } ( النساء : 23 ) وهذا عندي فيه نظر ، وذلك لأنا بينا أن قوله : { فانكحوا } أمر إباحة . فلو كان المراد بقوله : { ما طاب لكم } أي ما حل لكم لنزلت الآية منزلة ما يقال : أبحنا لكم نكاح من يكون نكاحها مباحا لكم : وذلك يخرج الآية عن الفائدة ، وأيضا فبتقدير أن تحمل الآية على ما ذكروه تصير الآية مجملة ، لأن أسباب الحل والاباحة لما لم تكن مذكورة في هذه الآية صارت الآية مجملة لا محالة ، أما إذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب ، كانت الآية عاما دخله التخصيص . وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين الاجمال والتخصيص كان رفع الاجمال أولى ، لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، والمجمل لا يكون حجة أصلا . المسألة الرابعة : { مثنى وثلاث ورباع } معناه : اثنين اثنين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا ، وهو غير منصرف وفيه وجهان : الأول : أنه اجتمع فيها أمران : العدل والوصف ، أما العدل فلأن العدل عبارة عن أنك تذكر كلمة وتريد بها كلمة أخرى ، كما تقول : عمر وزفر وتريد به عامرا وزافرا ، فكذا ههنا تريد بقولك : مثنى : ثنتين ثنتين فكان معدولا ، وأما أنه وصف ، فدليله قوله تعالى : { أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع } ( فاطر : 1 ) ولا شك أنه وصف . الوجه الثاني : في بيان أن هذه الأسماء غير منصرفة أن فيها عدلين لأنها معدولة عن أصولها كما بيناه ، وأيضا انها معدولة عن تكررها فانك لا تريد بقولك : مثنى ثنتين فقط ، بل ثنتين ثنتين ، فاذا قلت : جاءني اثنان أو ثلاثة كان غرضك الاخبار عن مجيء هذا العدد فقط ، أما إذا قلت : جاءني القوم مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين ، فثبت أنه حصل في هذه الألفاظ نوعان من العدد فوجب أن يمنع من الصرف ، وذلك لأنه إذا اجتمع في الاسم سببان أوجب ذلك منع الصرف ، لأنه يصير لأجل ذلك نائبا من جهتين فيصير مشابها للفعل فيمتنع صرفه ، وكذا إذا حصل فيه العدل من جهتين فوجب أن يمنع صرفه والله أعلم . المسألة الخامسة : قال أهل التحقيق : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } لا يتناول العبيد وذلك لأن الخطاب إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها ، والعبد ليس كذلك بدليل أنه لا يتمكن من النكاح إلا باذن مولاه ، ويدل عليه القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى : { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء } ( النحل : 75 ) فقوله : { لا يقدر على شىء } ينفي كونه مستقلا بالنكاح ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : ( أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر ) فثبت بما ذكرناه أن / هذه الآية لا يندرج فيها العبد . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : ذهب أكثر الفقهاء إلى أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد ، وقال مالك : يحل للعبد أن يتزوج بالأربع وتمسك بظاهر هذه الآية .

Sección V09/P141

والجواب الذي يعتمد عليه : أن الشافعي احتج على أن هذه الآية مختصة بالأحرار بوجهين آخرين سوى ما ذكرناه : الأول : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم } وهذا لا يكون إلا للأحرار ، والثاني : أنه تعالى قال : { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } ( النساء : 4 ) والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر ، بل يكون لسيده قال مالك : إذا ورد عمومان مستقلان ، فدخول التقييد في الأخير لا يوجب دخوله في السابق . أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن هذه الخطابات في هذه الآيات وردت متوالية على نسق واحد فلما عرف في بعضها اختصاصها بالأحرار عرف أن الكل كذلك ، ومن الفقهاء من علم أن ظاهر هذه الآية متناول للعبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس ، قالوا : أجمعنا على أن للرق تأثيرا في نقصان حقوق النكاح ، كالطلاق والعدة ، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر ، والجواب الأول أولى وأقوى والله أعلم . المسألة السادسة : ذهب قوم سدى إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد ، واحتجوا بالقرآن والخبر ، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه : الأول : أن قوله : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } إطلاق في جميع الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه ، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلا . والثاني : أن قوله : { مثنى وثلاث ورباع } لا يصلح تخصيصا لذلك العموم ، لأن تخصيص بعض الاعداد بالذكر لا ينفي ثبوت الحكم في الباقي ، بل نقول : ان ذكر هذه الأعداد يدل على رفع الحرج والحجر مطلقا ، فان الانسان إذا قال لولده : افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدينة وإلى البستان ، كان تنصيصا في تفويض زمام الخيرة اليه مطلقا ، ورفع الحجر والحرج عنه مطلقا ، ولا يكون ذلك تخصيصا للاذن بتلك الأشياء المذكورة ، بل كان إذنا في المذكور وغيره فكذا ههنا ، وأيضا فذكر جميع الأعداد متعذر / فاذا ذكر بعض الأعداد بعد قوله : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } كان ذلك تنبيها على حصول الاذن في جميع الأعداد . والثالث : أن الواو للجمع المطلق فقوله : { مثنى وثلاث ورباع } يفيد حل هذا المجموع ، وهو يفيد تسعة ، بل الحق أنه يفيد ثمانية عشر ، لان قوله : مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط ، بل عن اثنين اثنين وكذا القول في البقية . وأما الخبر فمن وجهين : الأول : أنه ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن / تسع ، ثم ان الله تعالى أمرنا باتباعه فقال : { فاتبعوه } وأقل مراتب الأمر الاباحة . الثاني : أن سنة الرجل طريقته ، وكان التزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام ، فكان ذلك سنة له ، ثم انه عليه السلام قال : ( فمن رغب عن سنتي فليس مني ) فظاهر هذا الحديث يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج بأكثر من الأربعة ، فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز . واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين : الأول : الخبر ، وهو ما روي ان غيلان أسلم وتحته عشر نسوة ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : أمسك أربعا وفارق باقيهن ، وروي ان نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال عليه السلام : ( أمسك أربعا وفارق واحدة ) .

Sección V09/P141–V09/P142

واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين : الأول : أن القرآن لما دل على عدم الحصر بهذا الخبر كان ذلك نسخا للقرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز . والثاني : وهو أن الخبر واقعة حال ، فلعله عليه الصلاة والسلام إنما أمره بامساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربعة وبين البواقي غير جائز ، إما بسبب النسب ، أو بسبب الرضاع ، وبالجملة فلهذا الاحتمال قائم في هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن بمثله . الطريق الثاني : وهو إجماع فقهاء الامصار على أنه لا يجوز الزيادة على الأربع وهذا هو المعتمد ، وفيه سؤالان : الأول : أن الاجماع لا ينسخ ولا ينسخ ، فكيف يقال : الاجماع نسخ هذه الآية . الثاني : أن في الأمة أقواما شذاذا لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع ، والاجماع مع مخالفة الواحد والاثنين لا ينعقد . والجواب عن الأول : الاجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعن الثاني ، أن مخالف هذا الاجماع من أهل البدعة فلا عبرة بمخالفته . فان قيل : فاذا كان الأمر على ما قلتم فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال : مثنى أو ثلاث أو رباع ، فلم جاء بواو العطف دون ( أو ) ؟ قلنا : لو جاء بكلمة ( أو ) لكان ذلك يقتضي أنه لا يجوز ذلك الا على أحد هذه الأقسام ، وأنه لا يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام ، بمعنى أن بعضهم يأتي بالتثنية ، والبعض الآخر بالتثليث والفريق الثالث بالتربيع ، فلما ذكره بحرف الواو أفاد ذلك أنه يجوز لكل طائفة أن يختاروا قسما من هذه الأقسام ، ونظيره أن يقول الرجل للجماعة : اقتسموا هذا المال وهو ألف ، درهمين درهمين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة ، والمراد أنه يجوز لبعضهم أن يأخذ درهمين درهمين ، ولبعض / آخرين أن يأخذوا ثلاثة ثلاثة ، ولطائفة ثالثة أن يأخذوا أربعة أربعة ، فكذا ههنا الفائدة في ترك ( أو ) وذكر الواو ما ذكرناه والله أعلم . المسألة السابعة : قوله : { مثنى وثلاث ورباع } محله النصب على الحال مما طاب ، تقديره : فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ، ثنتين ثنتين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا . قوله تعالى : { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم } . وفيه مسائل : المسألة الأولى : المعنى : فان خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها ، فاكتفوا بزوجة واحدة أو بالمملوكة ، سوى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الاماء من غير حصر / ولعمري إنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر ، لا عليك أكثرت منهم أم أقللت ، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل ، عزلت عنهن أم لم تعزل . المسألة الثانية : قرىء { فواحدة } بنصب التاء والمعنى : فالتزموا أو فاختاروا واحدة وذروا الجمع رأسا ، فان الأمر كله يدور مع العدل ، فأينما وجدتم العدل فعليكم به ، وقرىء { فواحدة } بالرفع والتقدير : فكفت واحدة ، أو فحسبكم واحدة أو ما ملكت أيمانكم .

Sección V09/P142–V09/P143

المسألة الثالثة : للشافعي رحمة الله أن يحتج بهذه الآية في بيان الاشتغال بنوافل العبادات أفضل من النكاح ، وذلك لأن الله تعالى خير في هذه الآية بين التزوج بالواحدة وبين التسري ، والتخيير بين الشيئين مشعر بالمساواة بينهما في الحكمة المطلوبة ، كما اذا قال الطبيب : كل التفاح أو الرمان ، فان ذلك يشعر بكون كل واحد منهما قائما مقام الآخر في تمام الغرض ، وكما أن الآية دلت على هذه التسوية ، فكذلك العقل يدل عليها ، لأن المقصود هو السكن والازدواج وتحصين الدين ومصالح البيت ، وكل ذلك حاصل بالطريقين ، وأيضا إن فرضنا الكلام فيما اذا كانت المرأة مملوكة ثم أعتقها وتزوج بها ، فههنا يظهر جدا حصول الاستواء بين التزوج وبين التسري ، واذا ثبت بهذه الآية ان التزوج والتسري متساويان . فنقول : أجمعنا على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري فوجب أن يكون أفضل من النكاح ؛ لان الزائد على أحد المتساويين يكون زائد على المساوي الثاني لا محالة . ثم قال تعالى : { ذلك أدنى أن لا تعولوا } وفيه مسألتان . المسألة الأولى : المراد من الادنى ههنا الاقرب ، والتقدير : ذلك أقرب من أن لا تعولوا وحسن حذف ( من ) لدلالة الكلام عليه . المسألة الثانية : في تفسير { أن لا تعولوا } وجوه : الأول : معناه : لا تجوروا ولا تميلوا ، / وهذا هو المختار عند أكثر المفسرين ، وروي ذلك مرفوعا ، روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { ذالك أدنى ألا تعولوا } قال : ( لا تجوروا ) وفي رواية أخرى ( أن لا تميلوا ) قال الواحدي رحمه الله : كلا اللفظين مروي ، وأصل العول الميل يقال : عال الميزان عولا ، اذا مال ، وعال الحاكم في حكمه اذا جار ، لانه اذا جار فقد مال . وأنشدوا لأبي طالب . بميزان قسط لا يغل شعيرة ووزان صدق وزنه غير عائل وروي أن أعرابيا حكم عليه حاكم ، فقال له : أتعول علي ، ويقال : عالت الفريضة اذا زادت سهامها ، وقد أعلتها أنا اذا ازدت في سهامها ، ومعلوم أنها اذا زادت سهامها فقد مالت عن الاعتدال فدلت هذه الاشتقاقات على أن أصل هذا اللفظ الميل ، ثم اختص بحسب العرف بالميل إلى الجور والظلم . فهذا هو الكلام في تقرير هذا الوجه الذي ذهب اليه الأكثرون . الوجه الثاني : قال بعضهم : المراد أن لا تفتقروا ، يقال : رجل عائل أي فقير ، وذلك لأنه اذا قل عياله قلت نفقاته ، واذا قلت نفقاته لم يفتقر .

Sección V09/P143–V09/P144

الوجه الثالث : نقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : ( ذلك أدنى أن لا تعولوا } معناه : ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم ، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه لا خلاف بين السلف وكل من روى تفسير هذه الآية : أن معناه : أن لا تميلوا ولا تجوروا ، وثانيها : أنه خطأ في اللغة لأنه لو قيل : ذلك أدنى أن لا تعيلوا لكان ذلك مستقيما ، فأما تفسير { } معناه : ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم ، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه لا خلاف بين السلف وكل من روى تفسير هذه الآية : أن معناه : أن لا تميلوا ولا تجوروا ، وثانيها : أنه خطأ في اللغة لأنه لو قيل : ذلك أدنى أن لا تعيلوا لكان ذلك مستقيما / فأما تفسير { تعولوا } بتعيلوا فانه خطأ في اللغة ، وثالثها : أنه تعالى ذكر الزوجة الواحدة أو ملك اليمين والاماء في العيال بمنزلة النساء ، ولا خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين ، فعلمنا أنه ليس المراد كثرة العيال . وزاد صاحب النظم في الطعن وجها رابعا ، وهو أنه تعالى قال في أول الآية : { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } ولم يقل أن تفتقروا ، فوجب أن يكون الجواب معطوفا على هذا الشرط ، ولا يكون جوابه إلا بضد العدل ، وذلك هو الجور لا كثرة العيال . وأنا أقول : أما السؤال الأول : فهو في غاية الركاكة وذلك أنه لم ينقل عن الشافعي رحمة الله عليه أنه طعن في قول المفسرين أن معنى الآية : أن لا تجوروا ولا تميلوا ، ولكنه ذكر فيه وجها آخر ، وقد ثبت في أصول الفقه أن المتقدمين اذا ذكروا وجها في تفسير الآية فذلك لا يمنع المتأخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها ، ولولا جواز ذلك وإلا لصارت الدقائق التي استنبطها المتأخرون في تفسير كلام الله مردودة باطلة ، ومعلوم أن ذلك لا يقوله إلا مقلد خلف ، وأيضا : فمن الذي / أخبر الرازي أن هذا الوجه الذي ذكره الشافعي لم يذكره واحد من الصحابة والتابعين ، وكيف لا نقول ذلك ، ومن المشهور أن طاوسا كان يقرأ : ذلك أدنى أن لا تعيلوا ، واذا ثبت أن المتقدمين كانوا قد جعلوا هذا الوجه قراءة ، فبأن يجعلوه تفسيرا كان أولى ، فثبت بهذه الوجوه شدة جهل الرازي في هذا الطعن . وأما السؤال الثاني : فنقول : انك نقلت هذه اللفظة في اللغة عن المبرد ، لكنك بجهلك وحرصك على الطعن في رؤساء المجتهدين والاعلام ، وشدة بلادتك ، ما عرفت ان هذا الطعن الذي ذكره المبرد فاسد ، وبيان فساده من وجوه : الأول : أنه يقال : عالت المسألة اذا زادت سهامها وكثرة ، وهذا المعنى قريب من الميل لانه اذا مال فقد كثرت جهات الرغبة وموجبات الارادة واذا كان كذلك كان معنى الآية : ذلك أدنى أن لا تكثروا ، واذا لم تكثروا لم يقع الانسان في الجور والظلم لان مطية الجور والظلم هي الكثرة والمخالطة ، وبهذا الطريق يرجع هذا التفسير إلى قريب من التفسير الأول الذي اختاره الجمهور .

Sección V09/P144–V09/P145

الوجه الثاني : ان الانسان اذا قال : فلان طويل النجاد كثير الرماد ، فاذا قيل له ما معناه ؟ حسن أن يقال : معناه أنه طويل القامة كثير الضيافة ، وليس المراد منه أن تفسير طويل النجاد هو أنه طويل القامة ، بل المراد أن المقصود من ذلك الكلام هو هذا المعنى . وهذا الكلام تسميه علماء البيان التعبير عن الشيء بالكناية والتعريض ، وحاصله يرجع إلى حرف واحد وهو الاشارة إلى الشيء بذكر لوازمه ، فههنا كثرة العيال مستلزمة للميل والجور ، والشافعي رضي الله عنه جعل كثرة العيال كناية عن الميل والجور ، لما أن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور ، فجعل هذا تفسيرا له لا على سبيل الكناية والاستلزام ، وهذه طريقة مشهورة في كتاب الله ، والشافعي لما كان محيطا بوجوه أساليب المطابقة ، بل على سبيل الكلام العربي استحسن ذكر هذا الكلام ، فأما أبو بكر الرازي لما كان بليد الطبع بعيدا عن أساليب كلام العرب ، لا جرم لم يعرف الوجه الحسن فيه . الوجه الثالث : ما ذكره صاحب ( الكشاف ) وهو أن هذا التفسير مأخوذ من قولك : عال الرجل عياله يعولهم . كقولهم : مانهم يمونهم اذا أنفق عليهم ، لان من كثر عياله لزمه أن يعولهم ، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب ، فثبت بهذه الوجوه أن الذي ذكره إمام المسلمين الشافعي رضي الله عنه في غاية الحسن ، وأن الطعن لا يصدر الا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة . وأما السؤال الثالث : وهو قوله : إن كثرة العيال لا تختلف بأن تكون المرأة زوجة أو / مملوكة فجوابه من وجهين : الأول : ما ذكره القفال رضي الله عنه ، وهو أن الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب ، وإذا اكتسبن أنفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضا ، وحينئذ تقل العيال أما اذا كانت المرأة حرة لم يكن الامر كذلك فظهر الفرق . الثاني : ان المرأة اذا كانت مملوكة فاذا عجز المولى عن الانفاق عليها باعها وتخلص منها ، أما اذا كانت حرة فلا بد له من الانفاق عليها ، والعرف يدل على أن الزوج ما دام يمسك الزوجة فانها لا تطالبه بالمهر ، فاذا حاول طلاقها طالبته بالمهر فيقع الزوج في المحنة . وأما السؤال الرابع : وهو الذي ذكره الجرجاني صاحب النظم ، فالجواب عنه من وجهين : الأول : ما ذكره القاضي وهو أن الوجه الذي ذكره الشافعي أرجح ، لانه لو حمل على الجور لكان تكرارا لانه فهم ذلك من قوله : { وإن خفتم ألا تقسطوا } أما اذا حملناه على ما ذكره الشافعي لم يلزم التكرار فكان أولى . الثاني : أن نقول : هب أن الامر كما ذكرتم لكنا بينا أن التفسير الذي ذكره الشافعي راجع عند التحقيق إلى ذكر التفسير الأول ، لكن على سبيل الكناية والتعريض ، واذا كان الامر كذلك فقد زال هذا السؤال ، فهذا تمام البحث في هذا الموضع وبالله التوفيق . ! 7 < { وءاتوا النسآء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } . > 7 < النساء : ( 4 ) وآتوا النساء صدقاتهن . . . . . > > في الآية مسائل :

Sección V09/P145–V09/P146

المسألة الأولى : قوله : { وءاتوا النساء } خطاب لمن ؟ فيه قولان : أحدهما : ان هذا خطاب لأولياء النساء ، وذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئا ، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت : هنيئا لك النافجة ، ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه ، وقال ابن الاعرابي : النافجة يأخذه الرجل من الحلوان اذا زوج ابنته ، فنهى الله تعالى عن ذلك ، وأمر بدفع الحق إلى أهله ، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة . القول الثاني : ان الخطاب للأزواج . أمروا بايتاء النساء مهورهن ، وهذا قول : علقمة والنخعي وقتادة واختيار الزجاج ، قال لأنه لا ذكر للأولياء ههنا ، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج . المسألة الثانية : قال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون المراد من الايتاء المناولة ، ويحتمل أن يكون المراد الالتزام ، قال تعالى : { حتى يعطوا الجزية عن يد } ( التوبة : 29 ) والمعنى حتى يضمنوها ويلتزموها ، فعلى هذا الوجه الأول كأن المراد أنهم أمروا بدفع المهور التي قد سموها لهن ، وعلى التقدير الثاني : / كان المراد أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلزم سواء سمي ذلك أو لم يسم ، إلا ما خص به الرسول صلى الله عليه وسلم في الموهوبة ، ثم قال رحمه الله : ويجوز أن يكون الكلام جامعا للوجهين معا والله أعلم . المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : { صدقاتهن } مهورهن ، وفي حديث شريح : قضى ابن عباس لها بالصدقة وقرأ { صدقاتهن } بفتح الصاد وسكون الدال على تخفيف صدقاتهن و { صدقاتهن } بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة ، وقرىء { صدقاتهن } بضم الصاد والدل على التوحيد وهو مثقل صدقة كقوله في ظلمة : ظلمة ، قال الواحدي : موضوع صدق على هذا الترتيب للكمال والصحة ، فسمي المهر صداقا وصدقة لأن عقد النكاح به يتم ويكمل . المسألة الرابعة : في تفسير النحلة وجوه : الأول : قال ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد : فريضة ، وإنما فسروا النحلة بالفريضة ، لأن النحلة في اللغة معناها الديانة والملة والشرعة والمذهب ، يقال : فلان ينتحل كذا إذا كان يتدين به ، ونحلته كذا أي دينه ومذهبه ، فقوله : { أتوا النساء صدقاتهن نحلة } أي آتوهن مهورهن ، فانها نحلة أي شريعة ودين ومذهب وما هو دين ومذهب فهو فريضة . الثاني : قال الكلبي : نحلة أي عطية وهبة ، يقال : نحلت فلانا شيئا أنحله نحلة ونحلا ، قال القفال : وأصله إضافة الشيء إلى غير من هوله ، يقال : هذا شعر منحول ، أي مضاف إلى غير قائله ، وانتحلت كذا إذا ادعيته وأضفته إلى نفسك ، وعلى هذا القول فالمهر عطية ممن ؟ فيه احتمالان : أحدهما : أنه عطية من الزوج ، وذلك لأن الزوج لا يملك بدله شيئا لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله ، فالزوج أعطاها المهر ولم يأخذ منها عوضا يملكه ، فكان في معنى النحلة التي ليس بازائها بدل ، وإنما الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الاستباحة لا الملك ، وقال آخرون إن الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركا بين الزوجين ، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر فكان ذلك عطية من الله ابتداء .

Preguntas