Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Sección V10/P018–V10/P019

بيان المقام الأول : من تزوج بامرأة ، فلو لم يدخل على المرأة أب الرجل وابنه . ولم تدخل على الرجل أم المرأة وبنتها ، لبقيت المرأة كالمحبوسة في البيت ، ولتعطل على الزوج والزوجة أكثر المصالح ولو أذنا في هذا الدخول ولم نحكم بالمحرمية فربما امتد عين البعض إلى البعض وحصل الميل والرغبة وعند حصول التزوج بأمها أو ابنتها تحصل النفرة الشديدة بينهن ، لأن صدور الايذاء عن الأقارب أقوى وقعا وأشد إيلاما وتأثيرا ، وعند حصول النفرة الشديدة يحصل التطليق والفراق ، أما إذا حصلت المحرمية انقطعت الأطماع وانحبست الشهورة ، فلا يحصل ذلك الضرر ، فبقي النكاح بين الزوجين سليما عن هذه المفسدة ، فثبت أن المقصود من حكم الشرع بهذه المحرمية ، السعي في تقرير الاتصال الحاصل بين الزوجين ، وإذا كان المقصود من شرع المحرمية ابقاء ذلك الاتصال ، فمعلوم / أن الاتصال الحاصل عند النكاح مطلوب البقاء ، فيتناسب حكم الشرع باثبات هذه المحرمية ، وأما الاتصال الحاصل عند الزنا فهو غير مطلوب البقاء ، فلم يتناسب حكم الشرع باثبات هذه المحرمية ، وهذا وجه مقبول مناسب في الفرق بين البابين ، وهذا هو من قول الامام الشافعي رضي الله عنه عند مناظرته في هذه المسألة محمد بن الحسن حيث قال : وطء حمدت به ، ووطء رجمت به ، فكيف يشتبهان ؟ ولنكتف بهذا القدر من الكلام في هذه المسألة . واعلم أن السبب في ذكر هذا الاستقصاء ههنا أن أبا بكر الرازي طول في هذه المسألة في تصنيفه ، وما كان ذلك التطويل إلا تطويلا في الكلمات المختلطة والوجوه الفاسدة الركيكة ، ثم إنه لما آل الأمر إلى المكالمة مع الامام الشافعي أساء في الأدب وتعدى طوره ، وخاض في السفاهة وتعامى عن تقرير دلائله وتغافل عن إيراد حججه ، ثم انه بعد أن كتب الأوراق الكثيرة في الترهات التي لا نفع لمذهبه منها ولا مضرة على خصومه بسببها ، أظهر القدح الشديد والتصلف العظيم في كثرة علوم أصحابه وقلة علوم من يخالفهم ، ولو كان من أهل التحصيل لبكى على نفسه من تلك الكلمات التي حاولت نصرة قوله بها ، ولتعلم الدلائل ممن كان أهلا لمعرفتها ، ومن نظر في كتابنا ونظر في كتابه وأنصف علم أنا أخذنا منه خرزة ، ثم جعلناها لؤلؤة من شدة التخليص والتقرير ثم أجبنا عنه بأجوبة مستقيمة على قوانين الأصول ، منطبقة على قواعد الفقه ، ونسأل الله حسن الخاتمة ودوام التوفيق والنصرة .

Sección V10/P019–V10/P020

المسألة الثالثة : ذكر المفسرون في قوله : { إلا ما قد سلف } وجوها : الأول : وهو أحسنها : ما ذكره السيد صاحب حل المقل فقال : هذا استثناء على طريق المعنى لأن قوله : { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد سلف } قبل نزول آية التحريم فانه معفو عنه ، الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : هذا كما استثنى ( غير أن سيوفهم ) من قوله : { ولا لكم فيهم } يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فانه لا يحل لكم غيره ، وذلك غير ممكن ، والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته ، كما يقال : حتى يبيض القار ، وحتى يلج الجمل في سم الخياط . الثالث : أن هذا استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل ، والمعنى : لكن ما قد سلف فان الله تجاوز عنه . والرابع : ( إلا ) ههنا بمعنى بعد ، كقوله تعالى : { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الاولى } ( الدخان : 56 ) أي بعد الموتة الأولى . الخامس : قال بعضهم : معناه إلا ما قد سلف فانكم مقرون عليه ، قالوا : إنه عليه الصلاة والسلام أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن . وإنما فعل ذلك ليكون إخراجهم عن هذه العادة الرديئة على سبيل التدريج ، وقيل : إن هذا خطأ ، لأنه عليه الصلاة والسلام ما أقر أحدا على نكاح امرأة أبيه / / وإن كان في الجاهلية . روى البراء : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بردة إلى رجل عرس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله . المسألة الرابعة : الضمير في قوله تعالى : { أنه } إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان : الأول : أنه راجع إلى هذا النكاح قبل النهي ، أعلم الله تعالى أن هذا الذي حرمه عليهم كان لم يزل منكرا في قلوبهم ممقوتا عندهم ، وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه : مقتى ، وذلك لأن زوجة الأب تشبه الأم ، وكان نكاح الأمهات من أقبح الأشياء عند العرب ، فلما كان هذا النكاح يشبه ذلك ، لا جرم كان مستقبحا عندهم ، فبين الله تعالى أن هذا النكاح أبدا كان ممقوتا وقبيحا ، الثاني : أن هذا الضمير راجع إلى هذا النكاح بعد النهي ، فبين الله تعالى أنه كان فاحشة في الاسلام ومقتا عند الله ، وإنما قال : { كان } لبيان أنه كان في حكم الله وفي علمه موصوفا بهذا الوصف . المسألة الخامسة : أنه تعالى وصفه بأمور ثلاثة : أولها : أنه فاحشة ، وإنما وصف هذا النكاح بأنه فاحشة لما بينا أن زوجة الأب تشبه الأم فكانت مباشرتها من أفحش الفواحش ، وثانيها : المقت : وهو عبارة عن بغض مقرون باستحقار ، حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه ، وهو من الله في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار . وثالثها : قوله : { وساء سبيلا } قال الليث : ( ساء ) فعل لازم وفاعله مضمر و ( سبيلا ) منصوب تفسيرا لذلك الفاعل ، كما قال : { وحسن أولئك رفيقا } ( النساء : 69 ) واعلم أن مراتب القبح ثلاثة : القبح في العقول ، وفي الشرائع وفي العادات ، فقوله : { إنه كان فاحشة } إشارة إلى القبح العقلي ، وقوله : { ومقتا } إشارة إلى القبح الشرعي ، وقوله : { وساء سبيلا } إشارة إلى القبح في العرف والعادة ، ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح والله أعلم . النوع السادس : من التكاليف المتعلقة بالنساء المذكورة في هذه الآيات .

Sección V10/P020–V10/P021

! 7 < { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الا خ وبنات الا خت وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسآئكم اللاتى دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنآئكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الا ختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما } . > 7 < النساء : ( 23 ) حرمت عليكم أمهاتكم . . . . . > > قوله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت } . اعلم أنه تعالى نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النسوان : سبعة منهن من جهة النسب ، وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت . وسبعة / أخرى لا من جهة النسب : الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء وبنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء ، وأزواج الابناء والآباء ، إلا أن أزواج الأبناء مذكورة ههنا ، وأزواج الآباء مذكورة في الآية المتقدمة ، والجمع بين الأختين . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة قال : لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات ، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الاعيان ، وإنما يمكن إضافته إلى الافعال ، وذلك الفعل غير مذكور في الآية ، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الافعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات ، أولى من بعض ، فصارت الآية مجملة من هذا الوجه . والجواب عنه من وجهين : الأول : أن تقديم قوله تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم } ( النساء : 22 ) يدل على أن المراد من قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } تحريم نكاحهن . الثاني : أن من المعلوم بالضرورة من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن المراد منه تحريم نكاحهن ، والأصل فيه أن الحرمة والاباحة إذا أضيفتا إلى الاعيان ، فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف ، فاذا قيل : حرمت عليكم الميتة والدم ، فهم كل أحد أن المراد تحريم أكلهما ، وإذا قيل : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ، فهم كل أحد أن المراد تحريم نكاحهن ، ولما قال عليه الصلاة والسلام : ( لا يحل دم امرىء مسلم إلا لاحدى معان ثلاث ) فهم كل أحد أن المراد لا يحل إراقة دمه . وإذا كانت هذه الأمور معلومة بالضرورة كان إلقاء الشبهات فيها جاريا مجرى القدح في البديهيات وشبه السوفسطائية ، فكانت في غاية الركاكة والله أعلم .

Sección V10/P021–V10/P022

بلى عندي فيه بحث من وجوه أخرى : أحدها : أن قوله : { حرمت عليكم } مذكور على ما لم يسم فاعله ، فليس فيه تصريح بأن فاعل هذا التحريم هو الله تعالى ، وما لم يثبت ذلك لم تفد الآية شيئا آخر ، ولا سبيل اليه إلا بالاجماع ، فهذه الآية وحدها لا تفيد شيئا ، بل لا بد معها من الاجماع على هذه المقدمة ، وثانيها : أن قوله : { حرمت عليكم } ليس نصا في ثبوت التحريم على سبيل التأييد ، فان القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى المؤبد ، والى المؤقت ، كأنه تعالى تارة قال : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى الوقت الفلاني فقط ، وأخرى : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم مؤبدا مخلدا ، واذا كان القدر المذكور في الآية صالحا لأن يجعل موردا للتقسيم بهذين القسمين ، لم يكن نصا في التأييد ، فاذن هذا التأييد لا يستفاد من ظاهر الآية / بل من دلالة منفصلة ، وثالثها : أن قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } خطاب مشافهة فيخصص بأولئك الحاضرين ، فاثبات هذا التحريم في حق الكل إنما يستفاد من دليل منفصل ، ورابعها : أن قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } إخبار عن ثبوت هذا / التحريم في الماضي ، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل فلا يعرف ذلك إلا بدليل منفصل ، وخامسها : أن ظاهر قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } يقتضي أنه قد حرم على كل أحد جميع أمهاتهم وجميع بناتهم ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، بل المقصود أنه تعالى قابل الجمع بالجمع ، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد حرم على كل أحد أمه خاصة ، وبنته خاصة ، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر ، وسادسها : أن قوله : { حرمات } يشعر ظاهره بسبق الحل ، إذ لو كان أبدا موصوفا بالحرمة لكان قوله : { حرمات } تحريما لما هو في نفسه حرام ، فيكون ذلك إيجاد الموجود وهو محال ، فثبت أن المراد من قوله : { حرمات } ليس تجديد التحريم حتى يلزم الاشكال المذكور ، بل المراد الاخبار عن حصول التحريم ، فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في إثبات المطلوب والله أعلم . المسألة الثانية : اعلم أن حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان ، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان الالهية ، بل ان زرداشت رسول المجوس قال بحله ، إلا أن أكثر المسلمين اتفقوا على انه كان كذابا . أما نكاح الاخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحا في زمن آدم عليه السلام ، وإنما حكم الله باباحة ذلك على سبيل الضرورة ، ورأيت بعض المشايخ أنكر ذلك ، وقال : انه تعالى كان يبعث الحواري من الجنة ليزوج بهن أبناء آدم عليه السلام وهذا بعيد ، لأنه إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من أهل الجنة ، فحينئذ لا يكون هذا النسل من أولاد آدم فقط ، وذلك بالاجماع باطل . وذكر العلماء أن السبب لهذا التحريم : أن الوطء إذلال وإهانة ، فان الانسان يستحي من ذكره ولا يقدم عليه إلا في الموضع الخالي ، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره ، وإذا كان الأمر كذلك وجب صون الأمهات عنه لأن إنعام الأم على الولد أعظم وجوه الانعام ، فوجب صونها عن هذا الاذلال ، والبنت بمنزلة جزء من الانسان وبعض منه ، قال عليه الصلاة والسلام : ( فاطمة بضعة مني ) فيجب صونها عن هذا الاذلال ، لأن المباشرة معها تجري مجرى الاذلال ، وكذا القول في البقية والله أعلم . ولنشرع الآن في التفاصيل فنقول : النوع الأول : من المحرمات : الأمهات ، وفيه مسائل :

Sección V10/P022–V10/P023

المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : الأمهات جمع الأم والأم في الأصل أمهة فأسقط الهاء في التوحيد قال الشاعر : أمهتى خندف والياس أبي وقد تجمع الأم على أمات بغير هاء وأكثر ما يستعمل في الحيوان غير الآدمي قال الراعي : / كانت نجائب منذر ومحرق أماتهن وطرقهن فحيلا المسألة الثانية : كل امرأة رجع نسبك اليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات ، بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك . ثم ههنا بحث وهو أن لفظ الأم لا شك أنه حقيقة في الأم الأصلية ، فأما في الجدات فاما ان يكون حقيقة أو مجازا ، فان كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات ، فاما أن يكون لفظا متواطئا أو مشتركا ، فان كان لفظا متواطئا أعني أن يكون لفظ الأم موضوعا بازاء قدر مشترك بين الأم الأصلية وبين سائر الجدات فعلى هذا التقدير يكون قوله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم } نصا في تحريم الأم الأصلية وفي تحريم جميع الجدات ، وأما إن كان لفظ الام مشتركا في الأم الأصلية وفي الجدات / فهذا يتفرع على أن اللفظ المشترك بين أمرين هل يجوز استعماله فيهما معا أم لا ؟ فمن جوزه حمل اللفظ ههنا على الكل ، وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصا عليه ، ومن قال : لا يجوز ، فالقائلون بذلك لهم طريقان في هذا الموضع : أحدهما : أن لفظ الأم لا شك أنه أريد به ههنا الأم الأصلية ، فتحريم نكاحها مستفاد من هذا الوجه ، وأما تحريم نكاح الجدات فغير مستفاد من هذا النص ، بل من الاجماع . والثاني : أنه تعالى تكلم بهذه الآية مرتين ، يريد في كل مرة مفهوما آخر ، أما إذا قلنا : لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية مجاز في الجدات ، فقد ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد دفعة واحدة في حقيقته ومجازه معا ، وحينئذ يرجع الطريقان اللذان ذكرناهما فيما إذا كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية ، وفي الجدات . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه الحد ، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يلزمه . حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة ، فكان هذا الوطء زنا محضا فيلزمه الحد لقوله تعالى : { الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ( النور : 2 ) إنما قلنا : إن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لأنه تعالى قال : { حرمت عليكم أمهاتكم } وقد علم بالضرورة من دين محمد عليه الصلاة والسلام أن مراد الله تعالى من هذه الآية : تحريم نكاحها وإذا ثبت هذا فنقول : الموجود ليس إلا صيغة الايجاب والقبول ، فلو حصل هذا الانعقاد ، فاما أن يقال : إنه حصل في الحقيقة أو في حكم الشرع والأول باطل ، لأن صيغة الايجاب والقبول كلام وهو عرض لا يبقى ، والقبول لا يوجد إلا بعد الايجاب ، وحصول الانعقاد بين الموجود والمعدوم محال . والثاني : باطل ، لأن الشرع بين في هذه الآية بطلان هذا العقد قطعا ، ومع كون هذا العقد باطلا قطعا في حكم الشرع ، كيف يمكن القول بأنه منعقد شرعا ؟ فثبت أن وجود هذا / العقد وعدمه بمثابة واحدة ، وإذا ثبت ذلك فباقي التفريع والتقرير ما تقدم . النوع الثاني : من المحرمات : البنات ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : كل أنثى يرجع نسبها اليك بالولادة بدرجة أو بدرجات ، باناث أو بذكرو فهي بنتك ، وأما بنت الابن وبنت البنت فهل تسمى بنتا حقيقة أو مجازا ؟ فالبحث فيه عين ما ذكرناه في الأمهات .

Sección V10/P023–V10/P024

المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : البنت المخلوقة من ماء الزنا لا تحرم على الزاني . وقال أبو حنيفة : تحرم . حجة الشافعي أنها ليست بنتا له فوجب أن لا تحرم ، إنما قلنا : إنها ليست بنتا لوجوه : الأول : أن أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتا له بناء على الحقيقة ، وهي كونها مخلوقة من مائه ، أو بناء على حكم الشرع بثبوت هذا النسب ، والأول باطل على مذهبه طردا وعكسا ، أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكرا وافتضها وحبسها في داره فأتت بولد ، فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائه مع أن أبا حنيفة قال : لا يثبت نسبها إلا عن الاستلحاق ، ولو كان السبب هو كون الولد متخلقا من مائه لما توقف في ثبوت هذا النسب بغير الاستلحاق ، وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد ، فأبو حنيفة أثبت النسب هنا مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه ، فثبت أن القول بجعل التخليق من مائه سببا للنسب باطل طردا وعكسا على قول أبي حنيفة ، وأما إذا قلنا : النسب إنما يثبت بحكم الشرع ، فههنا أجمع المسلمون على أنه لا نسب لولد الزنا من الزاني ، ولو انتسب إلى الزاني لوجب على القاضي منعه من ذلك الانتساب ، فثبت أن انتسابها اليها غير ممكن ، لا بناء على الحقيقة ، ولا بناء على حكم الشرع . الوجه الثاني : التمسك بقوله عليه الصلاة والسلام : ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) فقوله : الولد للفراش يقتضي حصر النسب في الفراش . الوجه الثالث : لو كانت بنتا له لأخذت الميراث لقوله تعالى : { للذكر مثل حظ الانثيين } ( النساء : 11 ) ولثبتت له ولاية الاجبار ، لقوله عليه السلام : ( زوجوا بناتكم الاكفاء ) ولوجب عليه نفقتها وحضانتها ، ولحلت الخلوة بها ، فلما لم يثبت شيء من ذلك علمنا انتفاء البنتية ، وإذا ثبت أنها ليست بنتا له وجب أن يحل التزوج بها ، لأن حرمة التزوج بها إما للبنتية ، أو لأجل أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة ، وهذا الحصر ثابت بالاجماع . والبنتية باطلة كما ذكرنا ، وحرمة المصاهرة بسبب الزنا أيضا باطلة كما تقدم شرح هذه المسألة ، فثبت أنها غير محرمة على الزاني والله أعلم . النوع الثالث : من المحرمات : الأخوات : ويدخل فيه الأخوات من الأب والأم معا ، / والأخوات من الأب فقط ، والأخوات منالأم فقط . النوع الرابع والخامس : العمات والخالات . قال الواحدي رحمه الله : كل ذكر رجع نسبك اليه فأخته عمتك ، وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أبي أمك ، وكل أنثى رجع نسبك اليها بالولادة فأختها خالتك ، وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك . النوع السادس والسابع : بنات الأخ وبنات الأخت : والقول في بنات الأخ وبنات الأخت كالقول في بنات الصلب . فهذه الأقسام السبعة محرمة في نص الكتاب بالانساب والارحام . قال المفسرون : كل امرأة حرم الله نكاحها للنسب والرحم ، فتحريمها مؤبد لا يحل بوجه من الوجوه ، وأما اللواتي يحل نكاحهن ثم يصرن محرمات بسبب طارىء ، فهن اللاتي ذكرن في باقي الآية . النوع الثامن والتاسع : قوله تعالى : { وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة } . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : المرضعات سماهن أمهات لأجل الحرمة ، كما أنه تعالى سمى أزواج النبي عليه السلام أمهات المؤمنين في قوله : { وأزواجه أمهاتهم } ( الأحزاب : 6 ) لأجل الحرمة .

Sección V10/P024–V10/P025

المسألة الثانية : أنه تعالى نص في هذه الآية على حرمة الأمهات والأخوات من جهة الرضاعة إلا أن الحرمة غير مقصورة عليهن ، لأنه صلى الله عليه وسلم قال : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) وإنما عرفنا أن الأمر كذلك بدلالة هذه الآيات ، وذلك لأنه تعالى لما سمى المرضعة أما ، والمرضعة أختا ، فقد نبه بذلك على أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب ، وذلك لانه تعالى حرم بسبب النسب سبعا : اثنتان منها هما المنتسبتان بطريق الولادة ، وهما الأمهات والبنات ، وخمس منها بطريق الأخوة ، وهو الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت ، ثم انه تعالى لما شرع بعد ذلك في أحوال الرضاع ذكر من هذين القسمين صورة واحدة تنبيها بها على الباقي ، فذكر من قسم قرابة الولادة الأمهات ، ومن قسم قرابة الاخوة الأخوات ، ونبه بذكر هذين المثالين من هذين القسمين على أن الحال في باب الرضاع كالحال في النسب ، ثم انه عليه السلام أكد هذا البيان بصريح قوله : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) فصار صريح الحديث مطابقا لمفهوم الآية ، وهذا / بيان لطيف . المسألة الثالثة : أم الأنسان من الرضاع هي التي أرضعته ، وكذلك كل امرأة انتسبت إلى تلك المرضعة بالأمومة ، إما من جهة النسب أو من جهة الرضاع ، والحال في الأب كما في الأم ، واذا عرفت الأم والأب فقد عرفت البنت أيضا بذلك الطريق ، وأما الأخوات فثلاثة : الأولى أختك لأبيك وأمك ، وهي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبن أبيك ، سواء أرضعتها معك أو مع ولد قبلك أو بعدك ، والثانية أختك لأبيك دون أمك ، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك بلبن أبيك / والثالثة أختك لأمك دون أبيك ، وهي التي أرضعتها أمك بلبن رجل آخر ، واذا عرفت ذلك سهل عليك معرفة العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت . المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمة الله عليه : الرضاع يحرم بشرط أن يكون خمس رضعات ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : الرضعة الواحدة كافية ، وقد مرت هذه المسألة في سورة البقرة ، واحتج أبو بكر الرازي بهذه الآية فقال : انه تعالى علق هذا الاسم يعني الأمومة والاخوة بفعل الرضاع ، فحيث حصل هذا الفعل وجب أن يترتب عليه الحكم ، ثم سأل نفسه فقال : ان قوله تعالى : { وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم } بمنزلة قول القائل : وأمهاتكم اللاتي أعطينكم ، وأمهاتكم اللاتي كسونكم ، وهذا يقتضي تقدم حصول صفة الأمومة والأختية على فعل الرضاع ، بل لو أنه تعالى قال : اللاتي أرضعنكم هن أمهاتكم لكان مقصودكم حاصلا . وأجاب عنه بأن قال : الرضاع هو الذي يكسوها سمة الأمومة ، فلما كان الاسم مستحقا بوجود الرضاع كان الحكم معلقا به ، بخلاف قوله وأمهاتكم اللاتي كسونكم ، لأن اسم الأمومة غير مستفاد من الكسوة ، قال ويدل على أن ذلك مفهوم من هذه الآية ما روي أنه جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال : قال ابن الزبير : لا بأس بالرضعة ولا بالرضعتين ، فقال ابن عمر : قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير ، قال الله تعالى : { وأخواتكم من الرضاعة } قال : فعقل ابن عمر من ظاهر اللفظ التحريم بالرضاع القليل .

Sección V10/P025–V10/P026

واعلم أن هذا الجواب ركيك جدا ، أما قوله : ان اسم الأمومة إنما جاء من فعل الرضاع فنقول : وهل النزاع الا فيه ، فان عندي أن اسم الأمومة إنما جاء من الرضاع خمس مرات ، وعندك إنما جاء من أصل الرضاع ، وأنت إنما تمسكت بهذه الآية لاثبات هذا الأصل ، فاذا أثبت التمسك بهذه الآية على هذا الأصل كنت قد أثبت الدليل بالمدلول وإنه دور وساقط ، وأما التمسك بأن ابن عمر فهم من الآية حصول التحريم بمجرد فعل الرضاع ، فهو معارض بما أن ابن الزبير ما فهمه / منه ، وكان كل واحد منهما من فقهاء الصحابة ومن العلماء بلسان العرب ، فكيف جعل فهم أحدهما حجة ولم يجعل فهم الآخر حجة على قول خصمه . ولولا التعصب الشديد المعمي للقلب لما خفي ضعف هذه الكلمات ، ثم ان أبا بكر الرازي أخد يتمسك في إثبات مذهبه بالأحاديث والأقيسة ، ومن تكلم في أحكام القرآن وجب أن لا يذكر إلا ما يتسنبطه من الآية ، فأما ما سوى ذلك فانما يليق بكتب الفقه . النوع العاشر : من المحرمات . قوله تعالى : { وأمهات نسائكم } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : يدخل في هذه الآية الأمهات الأصلية وجميع جداتها من قبل الأب والأم كما بينا مثله في النسب . المسألة الثانية : مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين أن من تزوج بامرأة حرمت عليه أمها سواء دخل بها أو لم يدخل ، وزعم جمع من الصحابة أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها ، وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر ، وأظهر الروايات عن ابن عباس ، وحجتهم أنه تعالى ذكر حكمين وهو قوله : { وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتى فى حجوركم } ثم ذكر شرطا وهو قوله : { من نسائكم اللاتى دخلتم بهن } فوجب أن يكون ذلك الشرط معتبرا في الجملتين معا ، وحجة القول الأول أن قوله تعالى : { وأمهات نسائكم } جملة مستقلة بنفسها ولم يدل الدليل على عود ذلك الشرط اليه ، فوجب القول ببقائه على عمومه ، وإنما قلنا إن هذا الشرط غير عائد لوجوه : الأول : وهو أن الشرط لا بد من تعليقه بشيء سبق ذكره فاذا علقناه باحدى الجملتين لم يكن بنا حاجة إلى تعليقه بالجملة الثانية / فكان تعليقه بالجملة الثانية تركا للظاهر من غير دليل ، وانه لا يجوز . الثاني : وهو أن عموم هذه الجملة معلوم ، وعود الشرط اليه محتمل ، لأنه يجوز أن يكون الشرط مختصا بالجملة الأخيرة فقط ، ويجوز أن يكون عائدا إلى الجملتين معا ، والقول بعود هذا الشرط إلى الجملتين ترك لظاهر العموم بمخصص مشكوك ، وانه لا يجوز . الثالث : وهو أن هذا الشرط لو عاد إلى الجملة الأولى ، فاما أن يكون مقصورا عليها ، وإما أن يكون متعلقا بها وبالجملة الثانية أيضا ، والأول باطل ، لأن على هذا التقدير يلزم القول بتحريم الربائب مطلقا ، وذلك باطل بالاجماع ، والثاني باطل أيضا ، لأن على هذا التقدير يصير نظم الآية هكذا / وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، فيكون المراد بكلمة ( من ) ههنا التمييز ثم يقول : وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، فيكون المراد بكلمة ( من ) ههنا ابتداء الغاية كما يقول : بنات الرسول من خديجة ، فيلزم استعمال اللفظ الواحد المشترك في كلا مفهوميه وانه غير جائز ، ويمكن أن يجاب عنه فيقال : إن كلمة ( من ) للاتصال كقوله تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } ( التوبة : 71 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( ما أنا من دد ولا الدد مني ) ومعنى مطلق الاتصال حاصل في النساء والربائب معا .

Sección V10/P026–V10/P027

الوجه الرابع : في الدلالة على ما قلناه : ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : اذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها ، دخل بالبنت أو لم يدخل ، واذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فان شاء تزوج البنت ، وطعن محمد بن جرير الطبري في صحة هذا الحديث . وكان عبدالله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة اذا طلق بنتها قبل المسيس وهو يومئذ بالكوفة ، فاتفق أن ذهب إلى المدينة فصادفهم مجمعين على خلاف فتواه ، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل وقرع عليه الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة . وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال : الرجل اذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها فان طلقها قبل الدخول تزوج أمها ، وإن ماتت لم يتزوج أمها ، واعلم أنه إنما فرق بين الموت والطلاق في التحريم ، لأن الطلاق قبل الدخول لا يتعلق به شيء من أحكام الدخول ، ألا ترى أنه لا يجب عليها عدة ، وأما الموت فلما كان في حكم الدخول في باب وجوب العدة ، لا جرم جعله الله سببا لهذا التحريم . النوع الحادي عشر : من المحرمات . قوله تعالى : { وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } . وفيه مسائل : المسألة الأولى : الربائب : جمع ربيبة ، وهي بنت امرأة الرجل من غيره ، ومعناها مربوبة ، لأن / الرجل هو يربها يقال : ربيت فلانا أربه : وربيته أربيه بمعنى واحد ، والحجور جمع حجر ، وفيه لغتان قال ابن السكيت : حجر الانسان وحجره بالفتح والكسر ، والمراد بقوله : { فى حجوركم } أي في تربيتكم ، يقال : فلان في حجر فلان اذا كان في تربيته ، والسبب في هذه الاستعارة أن كل من ربى طفلا أجلسه في حجره ، فصار الحجر عبارة عن التربية ، كما يقال : فلان في حضانة فلان ، وأصله من الحضن الذي هو الابط ، وقال أبو عبيدة : في حجوركم أي في بيوتكم . المسألة الثانية : روى مالك بن أوس بن الحدثان عن علي رضي الله عنه أنه قال : الربيبة اذا لم تكن في حجر الزوج وكانت في بلد آخر ، ثم فارق الأم بعد الدخول فانه يجوز له أن يتزوج الربيبة ، ونقل أنه رضوان الله عليه احتج على ذلك بأنه تعالى قال : { وربائبكم اللاتى فى حجوركم } شرط في كونها ربيبة له / كونها في حجره ، فاذا لم تكن في تربيته ولا في حجره فقد فات الشرط ، فوجب أن لا تثبت الحرمة ، وهذا استدلال حسن . وأما سائر العلماء فانهم قالوا : إذا دخل بالمرأة حرمت عليه ابنتها سواء كانت في تربيته أو لم تكن ، والدليل عليه قوله تعالى : { فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول ، وهذا يقتضي أن المقتضى لحصول الجناح هو مجرد الدخول . وأما الجواب عن حجة القول الأول فهو أن الأعم الأغلب أن بنت زوجة الانسان تكون في تربيته ، فهذا الكلام على الأعم ، لا أن هذا القيد شرط في حصول هذا التحريم .

Sección V10/P027–V10/P028

المسألة الثالثة : تمسك أبو بكر الرازي في إثبات أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة بقوله تعالى : { وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن } قال : لأن الدخول بها اسم لمطلق الوطء سواء كان الوطء نكاحا أو سفاحا ، فدل هذا على أن الزنا بالأم يوجب تحريم البنت ، وهذا الاستدلال في نهاية الضعف ، وذلك لأن هذه الآية مختصة بالمنكوحة لدليلين : الأول : أن هذه الآية إنما تناولت امرأة كانت من نسائه قبل دخوله بها والمزني بها ليست كذلك ، فيمتنع دخولها في الآية بيان الأول من وجهين : الأول : أن قوله : { من نسائكم اللاتى دخلتم بهن } يقتضي أن كونها من نسائه يكون متقدما على دخوله بها ، والثاني : أنه تعالى قسم نساءهم إلى من تكون مدخولا بها ، وإلى من لا تكون كذلك ، بدليل قوله : { فإن لم تكونوا دخلتم بهن } وإذا كان نساؤهم منقسمة إلى هذين القسمين علمنا أن كون المرأة من نسائه أمر مغاير للدخول بها ، وأما بيان أن المزنية ليست كذلك ، فذلك لأن في النكاح صارت المرأة بحكم العقد من نسائه سواء دخل بها أو لم يدخل بها ، أما في الزنا فانه لم يحصل قبل الدخول بها حالة أخرى تقتضي صيرورتها من نسائه ، فثبت بهذا أن المزنية غير داخلة / في هذه الآية . الثاني : لو أوصى لنساء فلان ، لا تدخل هذه الزانية فيهن ، وكذلك لو حلف على نساء بني فلان ، لا يحصل الحنث والبر بهذه الزانية ، فثبت ضعف هذا الاستدلال والله أعلم . النوع الثاني عشر : من المحرمات . قوله تعالى : { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إنه يجوز ، احتج الشافعي فقال : جارية الابن حليلة ، وحليلة الابن محرمة على الأب ، أما المقدمة الأولى فبيانها بالبحث عن الحليلة فنقول : الحليلة فعيلة فتكون بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول ، ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون مأخوذا من الحل الذي هو الاباحة ، فالحليلة تكون بمعنى المحلة أي المحللة ، ولا شك أن الجارية كذلك فوجب كونها حليلة له . الثاني : أن يكون ذلك مأخوذا من الحلول ، فالحليلة عبارة عن شيء يكون محل الحلول ، ولا شك أن الجارية موضع حلول السيد ، فكانت حليلة له ، أما إذا قلنا : الحليلة بمعنى الفاعل ففيه وجهان أيضا : الأول : أنها لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر كأنهما يحلان في ثوب واحد وفي لحاف واحد وفي منزل واحد ولا شك أن الجارية كذلك . الثاني : ان كل واحد منهما كأنه حال في قلب صاحبه وفي روحه لشدة ما بينهما من المحبة والالفة ، فثبت بمجموع ما ذكرناه أن جارية الابن حليلة ، وأما المقدمة الثانية وهي أن حليلة الابن محرمة على الأب لقوله تعالى : { وحلائل أبنائكم الذين } لا يقال : إن أهل اللغة يقولون : حليلة الرجل زوجته لأنا نقول : إنا قد بينا بهذه الوجوه الأربعة من الاشتقاقات الظاهرة أن لفظ الحليلة يتناول الجارية / فالنقل الذي ذكرتموه لا يلتفت اليه . فكيف وهو شهادة على النفي ؟ فانا لا ننكر أن لفظ الحليلة يتناول الزوجة ، ولكنا نفسره بمعنى يتناول الزوجة والجارية ، فقول من يقول : إنه ليس كذلك شهادة على النفي ولا يلتفت إليه .

Sección V10/P028–V10/P029

المسألة الثانية : قوله : { الذين من أصلابكم } احترازا عن المتبني ، وكان المتبني في صدر الاسلام بمنزلة الابن ، ولا يحرم على الانسان حليلة من ادعاه ابنا إذا لم يكن من صلبه ، نكح الرسول صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش الأسدية وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب ، وكانت زينب ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم ، بعد أن كانت زوجة زيد بن حارثة ، فقال المشركون : إنه تزوج امرأة ابنه فأنزل الله تعالى : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } ( الأحزاب : 4 ) وقال : { لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم } ( الأحزاب : 37 ) . / المسألة الثالثة : ظاهر قوله : { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } لا يتناول حلائل الأبناء من الرضاعة ، فلما قال في آخر الآية : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } لزم من ظاهر الآيتين حل التزوج بأزواج الأبناء من الرضاع ، إلا أنه عليه السلام قال : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) فاقتضى هذا تحريم التزوج بحليلة الابن من الرضاع لأن قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } يتناول الرضاع وغير الرضاع ، فكان قوله : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) أخص منه ، فخصصوا عموم القرآن بخبر الواحد والله أعلم . المسألة الرابعة : اتفقوا على أن حرمة التزوج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد كما أن حرمة التزوج بحليلة الأب تحصل بنفس العقد ، وذلك لأن عموم الآية يتناول حليلة الابن ، سواء كانت مدخولا بها أو لم تكن . أما ما روي ان ابن عباس سئل عن قوله : { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } أنه تعالى لم يبين أن هذا الحكم مخصوص بما إذا دخل الابن بها . أو غير مخصوص بذلك ، فقال ابن عباس : أبهموا ما أبهمه الله ، فليس مراده من هذا الابهام كونها مجملة مشتبهة ، بل المراد من هذا الابهام التأييد . ألا ترى أنه قال في السبعة المحرمة من جهة النسب : انها من المبهمات ، أي من اللواتي تثبت حرمتهن على سبيل التأبيد ، فكذا ههنا والله أعلم . المسألة الخامسة : اتفقوا على أن هذه الآية تقتضي تحريم حليلة ولد الولد على الجد ، وهذا يدل على أن ولد الولد يطلق عليه أنه من صلب الجد ، وفيه دلالة على أن ولد الولد منسوب إلى الجد بالولادة . النوع الثالث عشر : من المحرمات . قوله تعالى : { وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما } في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : { وأن تجمعوا بين الاختين } في محل الرفع ، لأن التقدير : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم والجمع بين الأختين . المسألة الثانية : الجمع بين الأختين يقع على ثلاثة أوجه : إما أن ينكحهما معا ، أو يملكهما معا ، أو ينكح إحداهما ويمكل الاخرى ، أما الجمع بين الأختين في النكاح . فذلك يقع على وجهين : أحدهما : أن يعقد عليهما جميعا ، فالحكم ههنا : إما الجمع ، أو التعيين ، أو التخيير ، أو الابطال ، أما الجمع فباطل بحكم هذه الآية هكذا قالوا ، إلا أنه مشكل على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه ، لأن / الحرمة لا تقتضي الابطال على قول أبي حنيفة ، ألا ترى أن الجمع بين الطلقات حرام على قوله ، ثم انه يقع ، وكذا النهي عن بيع الدرهم بالدرهمين لم يمنع من انعقاد هذا العقد ، وكذا القول في جميع المبايعات الفاسدة / فثبت أن الاستدلال بالنهي على الفساد لا يستقيم على قوله . فان قالوا : وهذا يلزمكم أيضا لأن الطلاق في زمان الحيض وفي طهر جامعها فيه منهي عنه ، ثم انه يقع .

Sección V10/P029–V10/P030

قلنا : بين الصورتين فرق دقيق لطيف ذكرناه في الخلافيات ، فمن أراده فليطلب ذلك الكتاب فثبت أن الجمع باطل . وأما أن التعيين أيضا باطل ، فلأن الترجيح من غير مرجح باطل ، وأما أن التخيير أيضا باطل ، فلأن القول بالتخيير يقتضي حصول العقد وبقاءه إلى أوان التعيين . وقد بينا بطلانه ، فلم يبق إلا القول بفساد العقدين جميعا . الصورة الثانية : من صور الجمع : وهي أن يتزوج إحداهما ، ثم يتزوج الأخرى بعدها ، فههنا يحكم ببطلان نكاح الثانية ، لأن الدفع أسهل من الرفع ، وأما الجمع بين الأختين بملك اليمين ، أو بأن ينكح إحداهما ويشتري الأخرى ، فقد اختلفت الصحابة فيه ، فقال علي وعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر : لا يجوز الجمع بينهما : والباقون جوزوا ذلك . أما الأولون فقد احتجوا على قولهم بأن ظاهر الآية يقتضي تحريم الجمع بين الأختين مطلقا ، فوجب أن يحرم الجمع بينهما على جميع الوجوه وعن عثمان أنه قال : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، والتحليل أولى ، فالآية الموجبة للتحليل هي قوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } ( النساء : 24 ) وقوله : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ( المؤمنون : 6 ) . والجواب عنه من وجهين : الأول : أن هذه الآيات دالة على تحريم الجمع أيضا ، لأن المسلمين أجمعوا على أنه لا يجوز الجمع بين الأختين في حل الوطء ، فنقول : لو جاز الجمع بينهما في الملك لجاز الجمع بينهما في الوطء لقوله تعالى : { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ( المعارج : 29 30 ، المؤمنون : 5 6 ) لكنه لا يجوز الجمع بينهما في الملك ، فثبت أن هذه الآية بأن تكون دالة على تحريم الجمع بينهما في الملك ، أولى من أن تكون دالة على الجواز . الوجه الثاني : إن سلمنا دلالتها على جواز الجمع ، لكن نقول : الترجيح لجانب الحرمة ، ويدل عليه وجوه : الأول : قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال ) الثاني : أنه لا شك أن الاحتياط في جانب الترك فيجب ، لقوله عليه الصلاة والسلام : ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) الثالث : أن مبنى الابضاع في الأصل على الحرمة ، بدليل أنه إذا استوت الامارات في حصول العقد مع شرائطه وفي عدمه وجب القول بالحرمة ، ولأن النكاح مشتمل على / المنافع العظيمة ، فلو كان خاليا عن جهة الاذلال والضرر ، لوجب أن يكون مشروعا في حق الأمهات لأن إيصال النفع اليهن مندوب لقوله تعالى : { وبالوالدين إحسانا } ( البقرة : 83 ) ولما كان ذلك محرما علمنا اشتماله على وجه الاذلال والمضارة ، وإذا كان كذلك كان الأصل فيه هو الحرمة ، والحل إنما ثبت بالعارض ، وإذا ثبت هذا ظهر أن الرجحان لجانب الحرمة ، فهذا هو تقرير مذهب علي رضي الله عنه في هذا الباب . أما إذا أخذنا بالمذهب المشهور بين الفقهاء ، وهو أنه يجوز الجمع بين أمتين أختين في ملك اليمين ، فاذا وطىء إحداهما حرمت الثانية ، ولا تزول هذه الحرمة ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو تزويج .

Sección V10/P030–V10/P031

المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : نكاح الأخت في عدة الأخت البائن جائز ، وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه : لا يجوز . حجة الشافعي : أنه لم يوجد الجمع فوجب أن لا يحصل المنع ، إنما قلنا : إنه لم يوجد الجمع لأن نكاح المطلقة زائل ، بدليل أنه لا يجوز له وطؤها ، ولو وطئها يلزمه الحد ، وإنما قلنا : انه لما لم يوجد الجمع وجب أن لا يحصل المنع ، لقوله تعالى بعد تقرير المحرمات : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ( النساء : 24 ) ولا شبهة في انتفاء جميع تلك الموانع ، إلا كونه جمعا بين أختين ، فاذا ثبت بالدليل أن الجمع منتف وجب القول بالجواز . فان قيل : النكاح باق من عبض الوجوه بدليل وجوب العدة ولزوم النفقة عليها . قلنا : النكاح له حقيقة واحدة ، والحقيقة الواحدة يمتنع كونها موجودة معدومة معا ، بل لو انقسمت هذه الحقيقة إلى نصفين حتى يكون أحدهما موجودا والآخر معدوما صح ذلك ، أما إذا كانت الحقيقة الواحدة غير قابلة للتنصيف كان هذا القول فاسدا . وأما وجوب العدة ولزوم النفقة ، فاعلم أنه ان حصل النكاح حصلت القدرة على حبسها ، وهذا لا ينتج أنه حصلت القدرة على حبسها للنكاح ؛ لأن استثناء عين التالي لا ينتج ، فبالجملة : فاثبات حق الحبس بعد زوال النكاح بطريق آخر معقول في الجملة ، فاما القول ببقاء النكاح حال القول بعدمه ، فذلك مما لا يقبله العقل ، وتخريج أحكام الشرع على وفق العقول ، أولى من حملها على ما يعرف بطلانها في بداهة العقول ، والله أعلم . المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمة الله عليه : إذا أسلم الكافر وتحته أختان اختار أيتهما شاء وفارق الأخرى . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : ان كان قد تزوج بهما دفعة واحدة فرق بينه وبينهما ، وان كان قد تزوج باحداهما أولا وبالأخرى ثانيا ، اختار الأولى وفارق الثانية ، واحتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بقوله : { وأن تجمعوا بين الاختين } قال : هذا خطاب عام / فيتناول المؤمن والكافر ، وإذا ثبت أنه تناول الكافر وجب أن يكون النكاح فاسدا ، لأن النهي يدل على الفساد . فيقال له : انك بنيت هذا الاستدلال على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع وعلى أن النهي يدل على الفساد ، وأبو حنيفة لا يقول بواحد من هذين الأصلين ، فان قال : فهما صحيحان على قولكم : فكان هذا الاستدلال لازما عليكم فنقول : قولنا : الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لا نعني به في أحكام الدنيا ، فانه ما دام كافرا لا يمكن تكليفه بفروع الاسلام ، وإذا أسلم سقط عنه كل ما مضى بالاجماع ، بل المراد منه أحكام الآخرة ، وهو أن الكافر يعاقب بترك فروع الاسلام كما يعاقب على ترك الاسلام ، إذا عرفت هذا فنقول : أجمعنا على أنه لو تزوج الكافر بغير ولي ولا شهود ، أو تزوج بها على سبيل القهر ، فبعد الاسلام يقر ذلك النكاح في حقه ، فثبت أن الخطاب بفروع الشرائع لا يظهر أثره في الأحكام الدنيوية في حق الكافر ، وحجة الشافعي : أن فيروز الديلمي أسلم على ثمان نسوة ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( اختر أربعا وفارق سائرهن ) خيره بينهن ، وذلك ينافي ما ذكرتم من الترتيب والله أعلم .

Sección V10/P031–V10/P032

المسألة الخامسة : قوله تعالى : { إلا ما قد سلف } فيه الاشكال المشهور : وهو أن تقدير الآية حرمت عليكم أمهاتكم وكذا وكذا الا ما قد سلف ، وهذا يقتضي استنثاء الماضي من المستقبل ، وإنه لا يجوز ، وجوابه بالوجوه المذكورة في قوله : { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد ما سلف } والمعنى أن ما مضى بدليل قوله : { إن الله كان غفورا رحيما } ؟ النوع الرابع : عشر من المحرمات . ! 7 < { والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فأاتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما } . > 7 < النساء : ( 24 ) والمحصنات من النساء . . . . . > > قوله تعالى : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم } . فيه مسائل : المسألة الأولى : الاحصان في اللغة المنع ، وكذلك الحصانة ، يقال : مدينة حصينة ودرع حصينة ، أي مانعة صاحبها من الجراحة . قال تعالى : { وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم } ( الأنبياء : 80 ) معناه لتمنعكم وتحرزكم ، والحصن الموضع الحصين لمنعه من يريده بالسوء ، والحصان بالكسر الفرس / الفحل ، لمنعه صاحبه من الهلاك ، والحصان بالفتح المرأة العفيفة لمنعها فرجها من الفساد ، قال تعالى : { ومريم ابنة عمران التى أحصنت فرجها } ( التحريم : 12 ) . واعلم أن لفظ الاحصان جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الحرية كما في قوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات } ( النور : 4 ) يعني الحرائر ، ألا ترى أنه لو قذف غير حر لم يجلد ثمانين ، وكذلك قوله : { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } [ النساء : 25 ] يعني الحرائر ، وكذلك قوله : { محصنات غير مسافحات } ( النساء : 25 ) وقوله : { محصنين غير مسافحين } وقوله : { والتى أحصنت فرجها } ( الأنبياء : 91 ) أي أعفته ، وثالثها الاسلام : من ذلك قوله : { فإذا أحصن } قيل في تفسيره : اذا أسلمن ، ورابعها : كون المرأة ذات زوج يقال : امرأة محصنة اذا كانت ذات زوج ، وقوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } يعني ذوات الأزواج ، والدليل على أن المراد ذلك أنه تعالى عطف المحصنات على المحرمات ، فلا بد وأن يكون الاحصان سببا للحرمة ، ومعلوم أن الحرية والعفاف والاسلام لا تأثير له في ذلك ، فوجب أن يكون المراد منه المزوجة ، لأن كون المرأة ذات زوج له تأثير في كونها محرمة على الغير . واعلم أن الوجوه الأربعة مشتركة في المعنى الأصلي اللغوي ، وهو المنع ، وذلك لأنا ذكرنا أن الاحصان عبارة عن المنع ، فالحرية سبب لتحصين الانسان من نفاذ حكم الغير فيه ، والعفة أيضا مانعة للانسان عن الشروع فيما لا ينبغي ، وكذلك الاسلام مانع من كثير مما تدعو إليه النفس والشهوة ، والزوج أيضا مانع للزوجة من كثير من الأمور ، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( من تزوج فقد حصن ثلثي دينه ) فثبت أن المرجع بكل هذه الوجوه إلى ذلك المعنى اللغوي والله أعلم .

Sección V10/P032–V10/P033

المسألة الثانية : قال الواحدي : اختلف القراء في { المحصنات } فقرؤا بكسر الصاد وفتحها في جميع القرآن إلا التي في هذه الآية فانهم أجمعوا على الفتح فيها ، فمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن يعني : أسلمن واخترن العفاف ، وتزوجن وأحسن أنفسهن بسبب هذه الأمور . ومن قرأ بالفتح جعل الفعل لغيرهن ، يعني أحصنهن أزواجهن والله أعلم . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمة الله عليه : الثيب الذمي إذا زنى يرجم ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يرجم . حجة الشافعي أنه حصل الزنا مع الاحصان وذلك علة لاباحة الدم / فوجب أن يثبت إباحة الدم ، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم . أما قولنا : حصل الزنا مع الاحصان ، فهذا يعتمد اثبات قيدين : أحدهما : حصول الزنا ولا شك فيه . الثاني : / حصول الاحصان وهو حاصل ، لأن قوله تعالى : { والمحصنات من النساء } يدل على أن المراد من المحصنة : المزوجة ، وهذه المرأة مزوجة فهي محصنة ، فثبت أنه حصل الزنا مع الاحصان ، وإنما قلنا : ان الزنا مع الاحصان علة لاباحة الدم لقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يحل دم امرىء مسلم الا لاحدى معان ثلاثة ) ومنها قوله : ( وزنا بعد إحصان ) جعل الزنا بعد الاحصان علة لاباحة الدم في حق المسلم ، والمسلم محل لهذا الحكم ، أما العلة فهي مجرد الزنا بعد الاحصان ، بدليل أن لام التعليل إنما دخل عليه . أقصى ما في الباب أنه حكم في حق المسلم ، أن الزنا بعد الاحصان علة لاباحة الدم ، إلا أن كونه مسلما محل الحكم ، وخصوص محل الحكم لا يمنع من التعدية إلى غير ذلك المحل ، والا لبطل القياس بالكلية . وأما العلة فهي ما دخل عليه لام التعليل ، وهي ماهية الزنا بعد الاحصان ، وهذه الماهية لما حصلت في حق الثيب الذمي ، وجب أن يحصل في حقه اباحة الدم ، فثبت أنه مباح الدم . ثم ههنا طريقان : ان شئنا اكتفينا بهذا القدر ، فانا ندعي كونه مباح الدم والخصم لا يقول به ، فصار محجوجا ، أو نقول : لما ثبت أنه مباح الدم وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم لأنه لا قائل بالفرق . فان قيل : ما ذكرتم إن دل على أن الذمي محصن ، فههنا ما يدل على أنه غير محصن ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : ( من أشرك بالله فليس بمحصن ) . قلنا : ثبت بالدليل الذي ذكرناه ان الذمي محصن ، وثبت بهذا الخبر الذي ذكرتم أنه ليس بمحصن ، فنقول : إنه محصن بمعنى أنه ذات زوج ، وغير محصن بمعنى أنه لا يحد قاذفة ، وقوله : من أشرك بالله فليس بمحصن يجب حمله على أنه لا يحد قاذفه ، لا على أنه لا يحد على الزنا ، لأنه وصفه بوصف الشرك وذلك جناية ، والمذكور عقيب الجناية لا بد وأن يكون أمرا يصلح أن يكون عقوبة ، وقولنا : انه لا يحد قاذفه يصلح أن يكون عقوبة ، أما قولنا : لا يحد على الزنا ، لا يصلح أن يكون عقوبة له ، فكان المراد من قوله : من أشرك بالله فليس بمحصن ما ذكرناه والله أعلم .

Sección V10/P033–V10/P034

المسألة الرابعة : في قوله : { والمحصنات من النساء } قولان : أحدهما : المراد منها ذوات الأزواج ، وعلى هذا التقدير ففي قوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } وجهان : الأول : أن المرأة اذا كانت ذات زوج حرمت على غير زوجها ، إلا اذا صارت ملكا لانسان فانها تحل للمالك ، الثاني : أن المراد بملك اليمين ههنا ملك النكاح ، والمعنى أن ذوات الأزواج حرام عليكم إلا اذا ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع البنيوية بينهن وبين أزواجهن ، والمقصود من هذا الكلام الزجر عن الزنا والمنع من وطئهن إلا بنكاح جديد ، أو بملك يمين إن كانت المرأة مملوكة ، وعبر عن / ذلك بملك اليمين لأن ملك اليمين حاصل في النكاح وفي الملك . القول الثاني : أن المراد ههنا بالمحصنات الحرائر ، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فما ملكت أيمانكم } ( النساء : 25 ) ذكر ههنا المحصنات ثم قال بعده : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات } كان المراد بالمحصنات ههنا ما هو المراد هناك ، ثم المراد من المحصنات هناك الحرائر ، فكذا ههنا . وعلى هذا التقدير ففي قوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } وجهان : الأول : المراد منه إلا العدد الذي جعله الله ملكا لكم وهو الأربع ، فصار التقدير : حرمت عليكم الحرائر إلا العدد الذي جعله الله ملكا لكم وهو الأربع / الثاني : الحرائر محرمات عليكم إلا ما أثبت الله لكم ملكا عليهن ، وذلك عند حضور الولي والشهود وسائر الشرائط المعتبرة في الشريعة ، فهذا الأول في تفسير قوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } هو المختار ، ويدل عليه قوله تعالى : { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ( المعارج : 29 30 ، المؤمنون : 5 6 ) جعل ملك اليمين عبارة عن ثبوت الملك فيها ، فوجب أن يكون ههنا مفسرا بذلك ، لأن تفسير كلام الله تعالى بكلام الله أقرب الطرق إلى الصدق والصواب والله أعلم . المسألة الخامسة : اتفقوا على أنه إذا سبى أحد الزوجين قبل الأخر وأخرج إلى دار الاسلام وقعت الفرقة . أما إذا سبيا معا فقال الشافعي رضي الله عنه : ههنا تزول الزوجية ، ويحل للمالك أن يستبرئها بوضع الحمل إن كانت حاملا من زوجها ، أو بالحيض . وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه : لا تزول . حجة الشافعي رضي الله عنه أن قوله : { والمحصنات من النساء } يقتضي تحريم ذات الأزواج ثم قوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } يقتضي أن عند طريان الملك ترفع الحرمة ويحصل الحل ، قال أبو بكر الرازي : لو حصلت الفرقة بمجرد طريان الملك لوجب أن تقع الفرقة بشراء الأمة واتهابها وإرثها ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، فيقال له : كأنك ما سمعت أن العام بعد التخصيص حجة في الباقي ، وأيضا : فالحاصل عند السبي إحداث الملك فيها ، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص فكان الأول أقوى ، فظهر الفرق .

Sección V10/P034–V10/P035

المسألة السادسة : مذهب علي وعمر وعبد الرحمن بن عوف أن الأمة المنكوحة إذا بيعت لا يقع عليها الطلاق ، وعليه إجماع الفقهاء اليوم ، وقال أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وجابر وأنس : إنها إذا بيعت طلقت . حجة الجمهور : أن عائشة لما اشترت بريرة وأعتقتها خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت مزوجة ، ولو وقع الطلاق بالبيع لما كان لذلك التخيير فائدة . ومنهم من روى في قصة بريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( بيع الأمة طلاقها ) وحجة أبي كعب / وابن مسعود عموم الاستثناء في قوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } وحاصل الجواب عنه يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد والله أعلم . ثم إنه تعالى ختم ذكر المحرمات بقوله : { كتاب الله عليكم } وفيه وجهان : الأول : أنه مصدر مؤكد من غير لفظ الفعل فان قوله : { حرمت عليكم } يدل على معنى الكتبة فالتقدير : كتب عليكم تحريم ما تقدم ذكره من المحرمات كتابا من الله ، ومجيء المصدر من غير لفظ الفعل كثير نظيره { وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب صنع الله } ( النمل : 88 ) الثاني : قال الزجاج : ويجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر ، ويكون ( عليكم ) مفسرا له فيكون المعنى : الزموا كتاب الله . ثم قال : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { وأحل لكم } على ما لم يسم فاعله عطفا على قوله : { حرمت عليكم } والباقون بفتح الألف والحاء عطفا على { كتاب الله } يعني كتب الله عليكم تحريم هذه الأشياء وأحل لكم ما وراءها . المسألة الثانية : اعلم أن ظاهر قوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } يقتضي حل كل من سوى الأصناف المذكورة . إلا أنه دل الدليل على تحريم أصناف أخر سوى هؤلاء المذكورين ونحن نذكرها . الصنف الأول : لا يجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ( وهذا خبر مشهور مستفيض / وربما قيل : إنه بلغ مبلغ التواتر ، وزعم الخوارج أن هذا خبر واحد ، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز ، واحتجوا عليه بوجوه : الأول : أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة ، وخبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة ، فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن ، فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى وإنه لا يجوز . الثاني : من جملة الأحاديث المشهورة خبر معاذ ، وإنه يمنع من تقديم خبر الواحد على عموم القرآن من وجهين لأنه قال : بم تحكم ؟ قال بكتاب الله ، قال : فان لم تجد قال : بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقدم التمسك بكتاب الله على التمسك بالسنة ، وهذا يمنع من تقديم السنة على الكتاب ، وأيضا فانه قال : فان لم تجد قال : بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، علق جواز التمسك بالسنة على عدم الكتاب بكلمة ( إن ) وهي للاشتراط ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط . الثالث : أن من الأحاديث المشهورة قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه وإلا فردوه ) فهذا الخبر يقتضي أن لا يقبل خبر الواحد / إلا عند موافقة الكتاب ، فاذا كان خبر العمة والخالة مخالفا لظاهر الكتاب وجب رده . الرابع : أن قوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } مع قوله عليه السلام : لا تنكح المرأة على عمتها لا يخلو الحال فيهما من ثلاثة أوجه : إما أن يقال : الآية نزلت بعد الخبر ، فحينئذ تكون الآية ناسخة للخبر لأنه ثبت أن العام إذا ورد بعد الخاص كان العام ناسخا للخاص ، وإما أن يقال : الخبر ورد بعد الكتاب ، فهذا يقتضي نسخ القرآن بخر الواحد وإنه لا يجوز ، وإما أن يقال : وردا معا ، وهذا أيضا باطل لأن على هذا التقدير تكون الآية وحدها مشتبهة ، ويكون موضع الحجة مجموع الآية مع الخبر ، ولا يجوز للرسول المعصوم أن يسعى في تشهير الشبهة ولا يسعى في تشهير الحجة ، فكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يسمع أحدا هذه الآية إلا مع هذا الخبر ، وأن يوجب إيجابا ظاهرا على جميع الأمة أن لا يبلغوا هذه الآية أحد إلا مع هذا الخبر ، ولو كان كذلك لزم أن يكون اشتهار هذا الخبر مساويا لاشتهار هذه الآية ، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القسم .

Sección V10/P035–V10/P036

الوجه الخامس : أن بتقدير أن تثبت صحة هذا الخبر قطعا ، إلا أن التمسك بالآية راجح على التمسك بالخبر . وبيانه من وجهين : الأول : أن قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } نص صريح في التحليل كما أن قوله : { حرمت عليكم } نص صريح في التحريم . وأما قوله : ( لا تنكح المرأة على عمتها ) فليس نصا صريحا لأن ظاهره إخبار ، وحمل الاخبار على النهي مجاز ، ثم بهذا التقدير فدلالة لفظ النهي على التحريم أضعف من دلالة لفظ الاحلال على معنى الاباحة . الثاني : أن قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } صريح في تحليل كل ما سوى المذكورات ، وقوله : { لا تنكح } ليس صريحا في العموم ، بل احتماله للمعهود السابق أظهر . الوجه السادس : أنه تعالى استقصى في هذه الآية شرح أصناف المحرمات فعد منها خمسة عشر صنفا ، ثم بعد هذا التفصيل التام والاستقصاء الشديد قال : { كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم } فلو لم يثبت الحل في كل من سوى هذه الأصناف المذكورة لصار هذا الاستقصاء عبثا لغوا ، وذلك لا يليق بكلام أحكم الحاكمين ، فهذا تقرير وجوه السؤال في هذا الباب . والجواب على وجوه : الأول : ما ذكره الحسن وأبو بكر الأصم ، وهو أن قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } لا يقتضى إثبات الحل على سبيل التأييد ، وهذا الوجه عندي هو الأصح في هذا الباب ، والدليل عليه أن قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } إخبار عن إحلال كل ما سوى المذكورات وليس فيه بيان أن إحلال كل ما سوى المذكورات وقع على التأييد أم لا ، والدليل على أنه لا يفيد التأييد : أنه يصح تقسيم هذا المفهوم إلى المؤبد وإلى غير المؤبد ، فيقال تارة : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } أبدا ، وأخرى { وأحل لكم ما وراء ذلكم } إلى الوقت الفلاني ، ولو كان قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } صريحا في التأييد لما كان هذا التقسيم ممكنا ، ولأن قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } لا يفيد إلا إحلال من سوى المذكورات وصريح العقل يشهد بأن الاحلال أعم من الاحلال المؤبد ومن الاحلال المؤقت ، إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } لا يفيد إلا حل من عدا المذكورات في ذلك الوقت ، فأما ثبوت حلهم في سائر الأوقات فاللفظ ساكت عنه بالنفي والاثبات ، وقد كان حل من سوى المذكورات ثابتا في ذلك الوقت ، وطريان حرمة بعضهم بعد ذلك لا يكون تخصيصا لذلك النص ولا نسخا له ، فهذا وجه حسن معقول مقرر . وبهذا الطريق نقول أيضا : إن قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } ( النساء : 23 ) ليس نصا في تأبيد هذا التحريم ، وإن ذلك التأبيد إنما عرفناه بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم ، لا من هذا اللفظ ، فهذا هو الجواب المعتمد في هذا الموضع .

Sección V10/P036–V10/P037

الوجه الثاني : انا لا نسلم أن حرمة الجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها غير مذكورة في الآية وبيانه من وجهين : الأول : أنه تعالى حرم الجمع بين الأختين ، وكونهما أختين يناسب هذه الحرمة لأن الأختية قرابة قريبة ، والقرابة القريبة تناسب مزيد الوصلة والشفقة والكرامة ، وكون إحداهما ضرة الأخرى يوجب الوحشة العظيمة والنفرة الشديدة ، وبين الحالتين منافرة عظيمة ، فثبت أن كونها أختا لها يناسب حرمة الجمع بينهما في النكاح ، وقد ثبت في أصول الفقه ان ذكر الحكم مع الوصف المناسب له ، يدل بحسب اللفظ على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف فثبت أن قوله : { وأن تجمعوا بين الاختين } ( النساء : 23 ) يدل على كون القرابة القريبة مانعة من الجمع في النكاح ، وهذا المعنى حاصل بين المرأة وعمتها أو خالتها ، فكان الحكم المذكور في الأختين مذكورا في العمة والخالة من طريق الدلالة ، بل ههنا أولى ، وذلك لأن العمة والخالة يشبهان الأم لبنت الأخ ولبنت الأخت ، وهما يشبهان الولد للعمة والخالة ، واقتضاء مثل هذه القرابة لترك المضارة أقوى من اقتضاء قرابة الأختية لمنع المضارة ، فكان قوله : { وأن تجمعوا بين الاختين } مانعا من العمة والخالة بطريق الأولى . الثاني : أنه نص على حرمة التزوج بأمهات النساء فقال : { وأمهات نسائكم } ( النساء : 23 ) ولفظ الأم قد ينطلق على العمة والخالة ، أما على العمة فلأنه تعالى قال مخبرا عن أولاد يعقوب عليه السلام : { نعبد إلاهك وإلاه آبائك إبراهيم وإسماعيل } ( البقرة : 133 ) فأطلق لفظ الأب على إسماعيل مع أنه كان عما ، وإذا كان العم أبا لزم أن تكون العمة أما ، وأما إطلاق لفظ الأم على الخالة فيدل عليه قوله تعالى : { ورفع أبويه على العرش } ( يوسف : 100 ) والمراد أبوه وخالته ، فان أمه كانت متوفاة في ذلك الوقت ، فثبت بما / ذكرنا أن لفظ الأم قد ينطلق على العمة والخالة ، فكان قوله : { وأمهات نسائكم } متناولا للعمة والخالة من بعض الوجوه . وإذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } المراد ما وراء هؤلاء المذكورات سواء كن مذكورات بالقول الصريح أو بدلالة جلية / أو بدلالة خفية ، وإذا كان كذلك لم تكن العمة والخالة خارجة عن المذكورات . الوجه الثالث : في الجواب عن شبهة الخوارج أن نقول : قوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } عام ، وقوله : ( لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ) خاص ، والخاص مقدم على العام ، ثم ههنا طريقان : تارة نقول : هذا الخبر بلغ في الشهرة مبلغ التواتر ، وتخصيص عموم القرآن بخبر المتواتر جائز ، وعندي هذا الوجه كالمكابرة ، لأن هذا الخبر وإن كان في غاية الشهرة في زماننا هذا لكنه لما انتهى في الأصل إلى رواية الآحاد لم يخرج عن أن يكون من باب الآحاد . وتارة نقول : تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد جائز ، وتقريره مذكور في الأصول ، فهذا جملة الكلام في هذا الباب ، والمعتمد في الجواب عندنا الوجه الأول . الصنف الثالث : من التخصيصات الداخلة في هذا العموم : أن المطلقة ثلاثا لا تحل ، إلا أن هذا التخصيص ثبت بقوله تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ( البقرة : 230 ) . الصنف الرابع : تحريم نكاح المعتدة ، ودليله قوله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ( البقرة : 228 ) .

Sección V10/P037–V10/P038

الصنف الخامس : من كان في نكاحه حرة لم يجز له أن يتزوج بالأمة ، وهذا بالاتفاق . وعند الشافعي : القادر على طول الحرة لا يجوز له نكاح الأمة ، ودليل هذا التخصيص قوله : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم } ( النساء : 25 ) وسيأتي بيان دلالة هذه الآية على هذا المطلوب . الصنف السادس : يحرم عليه التزوج بالخامسة ، ودليله قوله تعالى : { مثنى وثلاث ورباع } . الصنف السابع : الملاعنة : ودليله قوله عليه الصلاة والسلام : ( المتلاعنان لا يجتمعان أبدا ) . قوله تعالى : { أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين } . فيه مسائل : / المسألة الأولى : قوله : { أن تبتغوا } في محله قولان : الأول : أنه رفع على البدل من ( ما ) والتقدير : وأحل لكم ما وراء ذلكم وأحل لكم أن تبتغوا ، على قراءة من قرأ ( وأحل ) بضم الألف . ومن قرأ بالفتح كان محل ( أن تبتغوا ) نصبا . الثاني : أن يكون محله على القراءتين النصب بنزع الخافض كأنه قيل : لأن تبتغوا ، والمعنى : وأحل لكم ما وراء ذلكم لارادة أن تبتغوا بأموالكم وقوله : { محصنين غير مسافحين } أي في حال كونكم محصنين غير مسافحين ، وقوله : { محصنين } أي متعففين عن الزنا ، وقوله : { غير مسافحين } أي غير زانين ، وهو تكرير للتأكيد . قال الليث : السفاح والمسافحة الفجور ، وأصله في اللغة من السفح وهو الصب يقال : دموع سوافح ومسفوحة ، قال تعالى : { أو دما مسفوحا } ( الانعام : 145 ) وفلان سفاح للدماء أي سفاك ، وسمي الزاني سفاحا لأنه لا غرض للزاني إلا سفح النطفة . فان قيل : أين مفعول تبتغوا ؟ قلنا : التقدير : وأحل لكم ما وراء ذلكم لارادة أن تبتغوهن ، أي تبتغوا ما وراء ذلكم ، فحذف ذكره لدلالة ما قبله عليه والله أعلم . المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا مهر أقل من عشرة دراهم ، وقال الشافعي رضي الله عنه : يجوز بالقليل والكثير ولا تقدير فيه . احتج أبو حنيفة بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى قيد التحليل بقيد ، وهو الابتغاء بأموالهم ، والدرهم والدرهمان لا يسمى أموالا ، فوجب أن لا يصح جعلها مهرا . فان قيل : ومن عنده عشرة دراهم لا يقال عنده أموال ، مع أنكم تجوزون كونها مهرا . قلنا : ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا تكون العشرة كافية / إلا أنا تركنا العمل بظاهر الآية في هذه الصورة لدلالة الاجماع على جوازه ، فتمسك في الأقل من العشرة بظاهر الآية . واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف ، لأن الآية دالة على أن الابتغاء بالأموال جائز ، وليس فيها دلالة على أن الابتغاء بغير الأموال لا يجوز ، إلا على سبيل المفهوم ، وأنتم لا تقولون به . ثم نقول : الذي يدل على أنه لا تقدير في المهر وجوه : الحجة الأولى : التمسك بهذه الآية ، وذلك لأن قوله : { بأموالكم } مقابلة الجمع بالجمع ، فيقتضي توزع الفرد على الفرد ، فهذا يقتضي أن يتمكن كل واحد من ابتغاء النكاح بما يسمى مالا ، والقليل والكثير في هذه الحقيقة وفي هذا الاسم سواء ، فيلزم من هذه الآية جواز ابتغاء النكاح بأي شيء يسمى مالا من غير تقدير .

Preguntas