Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Sección V20/P013–V20/P014

والجواب عنه من وجوه : الأول : أن الجماد قد يوصف بكونه ميتا قال تعالى : { يخرج الحى من الميت } ( الروم : 19 ) . والثاني : أن القوم لما وصفوا تلك الأصنام بالإلهية والمعبودية قيل لهم ؛ ليس الأمر كذلك ، بل هي أموات ولا يعرفون شيئا ، فنزلت هذه العبارات على وفق معتقدهم . والثالث : أن يكون المراد بقوله : { والذين يدعون من دون الله } الملائكة ، وكان ناس من الكفار يعبدونهم فقال الله إنهم أموات لا بد لهم من الموت غير أحياء ، أي غير باقية حياتهم : { وما يشعرون أيان يبعثون } أي لا علم لهم بوقت بعثهم والله أعلم . ! 7 < { إلاهكم إلاه واحد فالذين لا يؤمنون بالا خرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين } > 7 < النحل : ( 22 - 23 ) إلهكم إله واحد . . . . . > > / اعلم أنه تعالى لما زيف فيما تقدم طريقة عبدة الأوثان والأصنام وبين فساد مذهبهم بالدلائل القاهرة قال : { إلاهكم إلاه واحد } ثم ذكر الله تعالى ما لأجله أصر الكفار على القول بالشرك وإنكار التوحيد فقال : { فالذين لا يؤمنون بالاخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } والمعنى أن الذين يؤمنون بالآخرة ويرغبون في الفوز بالثواب الدائم ويخافون الوقوع في العقاب الدائم إذا سمعوا الدلائل والترغيب والترهيب ، خافوا العقاب فتأملوا وتفكروا فيما يسمعونه ، فلا جرم ينتفعون بسماع الدلائل ، ويرجعون من الباطل إلى الحق ، أما الذين لا يؤمنون بالآخرة وينكرونها فإنهم لا يرغبون في حصول الثواب ولا يرهبون من الوقوع في العقاب فيبقون منكرين لكل كلام يخالف قولهم ويستكبرون عن الرجوع إلى قول غيرهم ، فلا جرم يبقون مصرين على ما كانوا عليه من الجهل والضلال . ثم قال تعالى : { لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } والمعنى أنه تعالى يعلم أن إصرارهم على هذه المذاهب الفاسدة ليس لأجل شبهة تصوروهاأو إشكال تخيلوه ، بل ذلك لأجل التقليد والنفرة عن الرجوع إلى الحق والشغف بنصرة مذاهب الأسلاف والتكبر والنخوة . فلهذا قال : { إنه لا يحب المستكبرين } وهذا الوعيد يتناول كل المتكبرين . ! 7 < { وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير الا ولين ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون } > 7 < النحل : ( 24 - 25 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد وأورد الدلائل القاهرة في إبطال مذاهب عبدة الأصنام ، ذكر بعد ذلك شبهات منكري النبوة مع الجواب عنها . فالشبهة الأولى : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما احتج على صحة نبوة نفسه بكون القرآن معجزة طعنوا في القرآن وقالوا : إنه أساطير الأولين ، وليس هو من جنس المعجزات ، وفي الآية مسائل : / المسألة الأولى : اختلفوا في أن ذلك السائل من كان ؟ قيل هو كلام بعضهم لبعض ، وقيل هو قول المسلمين لهم ، وقيل : هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : كيف يكون تنزيل ربهم أساطير الأولين ؟ .

Sección V20/P014–V20/P015

وجوابه من وجوه : الأول : أنه مذكور على سبيل السخرية كقوله تعالى عنهم : { إن رسولكم الذى أرسل إليكم } ( الشعراء : 27 ) ، وقوله : { وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) وقوله : { يأيه الساحر ادع لنا ربك } ( الزخرف : 49 ) . الثاني : أن يكون التقدير هذا الذي تذكرون أنه منزل من ربكم هو أساطير الأولين . الثالث : يحتمل أن يكون المراد أن هذا القرآن بتقدير أن يكون مما أنزله الله لكنه أساطير الأولين ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والدقائق والحقائق . واعلم أنه تعالى لما حكى شبههم قال : { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة } اللام في ليحملوا لام العاقبة ، وذلك أنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير الأولين لأجل أن يحملوا الأوزار ، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن ذكر هذه اللام كقوله : { ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن } ( القصص : 8 ) وقوله : { كاملة } معناه : أنه تعالى لا يخفف من عقابهم شيئا ، بل يوصل ذلك العقاب بكليته إليهم ، وأقول : هذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين ، إذ لو كان هذا المعنى حاصلا في حق الكل ، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل معنى ، وقوله : { ومن أوزار الذين يضلونهم } معناه : ويحصل للرؤساء مثل أوزار الأتباع ، والسبب فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص من أجورهم شيء وأيما داع دعا إلى ضلالة فاتبع كان عليه مثل وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء ) . واعلم أنه ليس المراد منه أنه تعالى يوصل العقاب الذي يستحقه الأتباع إلى الرؤساء ، وذلك لأن هذا لا يليق بعدل الله تعالى ، والدليل عليه قوله تعالى : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } ( النجم : 39 ) وقوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الإسراء : 15 ) بل المعنى : أن الرئيس إذا وضع سنة قبيحة عظم عقابه ، حتى أن ذلك العقاب يكون مساويا لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع ، قال الواحدي : ولفظه : { من } في قوله , { ومن أوزار الذين يضلونهم } ليست للتبعيض ، لأنها لو كانت للتبعيض لخف عن الأتباع بعض أوزارهم ، وذلك غير جائز ، لقوله عليه السلام : ( من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) . ولكنها للجنس / أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع . وقوله : { بغير علم } يعني أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلا منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال ثم إنه تعالى ختم الكلام بقوله : { ألا ساء ما يزرون } والمقصود المبالغة في الزجر . / فإن قيل : إنه تعالى لما حكى عن القوم هذه الشبهة لم يجب عليها ، بل اقتصر على محض الوعيد ؛ فما السبب فيه ؟ .

Sección V20/P015–V20/P017

قلنا : السبب فيه أنه تعالى بين كون القرآن معجزا بطريقين : الأول : أنه صلى الله عليه وسلم تحداهم بكل القرآن ، وتارة بعشر سور ، وتارة بسورة واحدة ، وتارة بحديث واحد ، وعجزوا عن المعارضة ، وذلك يدل على كونه معجزا . الثاني : أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهو قوله : { اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا } ( الفرقان : 5 ) وأبطلها بقوله : { قل أنزله الذى يعلم السر فى السماوات والارض } ( الفرقان : 6 ) ومعناه أن القرآن مشتمل على الأخبار عن الغيوب ، وذلك لا يتأتى إلا ممن يكون عالما بأسرار السموات والأرض ، فلما ثبت كون القرآن معجزا بهذين الطريقين ، وتكرر شرح هذين الطريقين مرارا كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية على مجرد الوعيد ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة ، والله أعلم . ! 7 < { قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركآئى الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون } > 7 < النحل : ( 26 - 28 ) قد مكر الذين . . . . . > > اعلم أن المقصود من الآية المبالغة في وصف وعيد أولئك الكفار ، وفي المراد بالذين من قبلهم قولان : القول الأول : وهو قول الأكثر من المفسرين أن المراد منه نمروذ بن كنعان بنى صرحا / عظيما ببابل طوله خمسة آلاف ذراع . وقيل فرسخان ، ورام منه الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها ، فالمراد بالمكر ههنا بناء الصرح لمقاتلة أهل السماء . والقول الثاني : وهو الأصح ، أن هذا عام في جميع المبطلين الذين يحاولون إلحاق الضرر والمكر بالمحقين . أما قوله تعالى : { فأتى الله بنيانهم من القواعد } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : أن الإتيان والحركة على الله محال ، فالمراد أنهم لما كفروا أتاهم الله بزلازل قلع بها بنيانهم من القواعد والأساس . المسألة الثانية : في قوله : { فأتى الله بنيانهم من القواعد } قولان : القول الأول : أن هذا محض التمثيل ، والمعنى أنهم رتبوا منصوبات ليمكروا بها أنبياء الله تعالى فجعل الله تعالى حالهم في تلك المنصوبات مثل حال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين فانهدم ذلك البناء ، وضعفت تلك الأساطين ، فسقط السقف عليهم . ونظيره قولهم : من حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه . والقول الثاني : أن المراد منه ما دل عليه الظاهر ، وهو أنه تعالى أسقط عليهم السقف وأماتهم تحته ، والأول أقرب إلى المعنى . أما قوله تعالى : { فخر عليهم السقف من فوقهم } ففيه سؤال : وهو أن السقف لا يخر إلا من فوقهم ، فما معنى هذا الكلام .

Sección V20/P017–V20/P018

وجوابه من وجهين : الأول : أن يكون المقصود بالتأكيد . والثاني : ربما خر السقف ، ولا يكون تحته أحد ، فلما قال : { فخر عليهم السقف من فوقهم } دل هذا الكلام على أنهم كانوا تحته ، وحينئذ يفيد هذا الكلام أن الأبنية قد تهدمت وهم ماتوا تحتها . وقوله : { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } إن حملنا هذا الكلام على محض التمثيل فالأمر ظاهر . والمعنى : أنهم اعتمدوا على منصوباتهم . ثم تولد البلاء منها بأعيانها ، وإن حملناه على الظاهر فالمعنى أنه نزل ذلك السقف عليهم بغتة ، لأنه إذا كان كذلك كان أعظم في الزجر لمن سلك مثل سبيلهم ، ثم بين تعالى أن عذابهم لا يكون مقصورا على هذا القدر ، بل الله تعالى يخزيهم يوم القيامة ، والخزي هو العذاب مع الهوان ، وفسر تعالى ذلك الهوان بأنه تعالى يقول لهم : { أين شركآئى الذين كنتم تشاقون فيهم } وفيه أبحاث : البحث الأول : قال الزجاج : قوله : { أين شركائى } معناه : أين شركائي في زعمكم واعتقادكم . ونظيره قوله تعالى : { أين شركاؤهم الذين كنتم تزعمون } ( الأنعام : 22 ) وقال أيضا : { وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون } ( يونس : 28 ) وإنما حسنت هذه الإضافة لأنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، وهذا كما يقال لمن يحمل خشبة خذ طرفك وآخذ طرفي ، فأضيف الطرف إليه . البحث الثاني : قوله : { تشاقون فيهم } أي تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم ، وقيل : المشاقة عبارة عن كون أحد الخصمين في شق وكون الآخر في الشق الآخر . البحث الثالث : قرأ نافع : { تشاقون } بكسر النون على الإضافة ، والباقون بفتح النون على الجمع . ثم قال تعالى : { قال الذين أوتوا العلم إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين } وفيه بحثان : البحث الأول : { قال الذين أوتوا العلم } قال ابن عباس : يريد الملائكة ، وقال آخرون هم المؤمنون يقولون حين يرون خزي الكفار يوم القيامة إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ، والفائدة فيه أن الكفار كانوا ينكرون على المؤمنين في الدنيا فإذا ذكر المؤمن هذا الكلام يوم القيامة في معرض إهانة الكافر كان وقع هذا الكلام على الكافر وتأثيره في إيذائه أكمل وحصول الشماتة به أقوى . البحث الثاني : المرجئة احتجوا بهذه الآية على أن العذاب مختص بالكافر قالوا لأن قوله تعالى : { إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين } يدل على أن ماهية الخزي والسوء في يوم القيامة مختصة بالكافر ، وذلك ينفي حصول هذه الماهية في حق غيرهم ، وتأكد هذا بقول موسى عليه السلام : { إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى } ( طه : 48 ) ثم أنه تعالى وصف عذاب هؤلاء الكفار من وجه آخر فقال : { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم } قرأ حمزة : { ننزل الملائكة } بالياء لأن الملائكة ذكور ، والباقون بالتاء للفظ . ثم قال : { فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء } وفيه قولان : القول الأول : أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت ، قال ابن عباس : أسلموا وأقروا لله بالعبودية عند الموت . وقوله : { ما كنا نعمل من سوء } أي قالوا ما كنا نعمل من سوءا والمراد من هذا السوء الشرك ، فقالت الملائكة ردا عليهم وتكذيبا : بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون من التكذيب والشرك ، ومعنى بلى ردا لقولهم : { ما كنا نعمل من سوء } وفيه قولان : القول الأول : أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت .

Sección V20/P018–V20/P019

والقول الثاني : أنه تم الكلام عند قوله : { ظالمى أنفسهم } ثم عاد الكلام إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة ، والمعنى : أنهم يوم القيامة ألقوا السلم وقالوا ما كنا نعمل في الدنيا من سوء ، ثم ههنا اختلفوا ، فالذين جوزوا الكذب على أهل القيامة ، قالوا : هذا القول منهم على سبيل الكذب / وإنما أقدموا على هذا الكذب لغاية الخوف ، والذين قالوا إن الكذب لا يجوز عليهم قالوا : معنى الآية ، ما كنا نعمل من سوء عند أنفسنا أو في اعتقادنا ، وأما بيان أن الكذب على أهل القيامة هل يجوز أم لا ؟ فقد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى : { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا : ما كنا نعمل من سوء قال بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ، ولا يبعد أن يكون قائل هذا القول هو الله تعالى أو بعض الملائكة ردا عليهم وتكذيبا لهم ، ومعنى بلى الرد لقولهم : { ما كنا نعمل من سوء } وقوله : { إن الله عليم بما كنتم تعملون } يعني أنه عالم بما كنتم عليه في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب فإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم . ثم صرح بذكر العقاب فقال : ! 7 < { فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين } > 7 < النحل : ( 29 ) فادخلوا أبواب جهنم . . . . . > > وهذا يدل على تفاوت منازلهم في العقاب ، فيكون عقاب بعضم أعظم من عقاب بعض ، وإنما صرح تعالى بذكر الخلود ليكون الغم والحزن أعظم . ثم قال : { فلبئس مثوى المتكبرين } على قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء ، وتفسير التكبر قد مر في هذا الكتاب غير مرة . والله أعلم . ! 7 < { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا فى هاذه الدنيا حسنة ولدار الا خرة خير ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجرى من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشآءون كذلك يجزى الله المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } > 7 < النحل : ( 30 - 32 ) وقيل للذين اتقوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الأقوام الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا : أساطير الأولين . وذكر أنهم يحملون أوزارهم ومن أوزار أتباعهم ، وذكر أن الملائكة تتوفاهم ظالمي أنفسهم ، وذكر أنهم في الآخرة يلقون السلم ، وذكر أنه تعالى يقول لهم ادخلوا أبواب جهنم ، أتبعه بذكر وصف المؤمنين الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا خيرا ، وذكر ما أعده لهم في الدنيا والآخرة من منازل الخيرات ودرجات السعادات ليكون وعد هؤلاء مذكورا مع وعيد أولئك وفي الآية مسائل :

Sección V20/P019

المسألة الأولى : قال القاضي : يدخل تحت التقوى أن يكون تاركا لكل المحرمات فاعلا لكل الواجبات ، ومن جمع بين هذين الأمرين فهو مؤمن كامل الإيمان ، وقال أصحابنا : يريد الذين اتقوا الشرك وأيقنوا أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وأقول : هذا أولى مما قاله القاضي ، لأنا بينا أنه يكفي في صدق قوله فلان قاتل أو ضارب كونه آتيا بقتل واحد وضرب واحد ، ولا يتوقف صدق هذا الكلام على كونه آتيا بجميع أنواع القتل وجميع أنواع الضرب ، فعلى هذا قوله : { وقيل للذين اتقوا } يتناول كل من أتى بنوع واحد من أنواع التقوى إلا أنا أجمعنا على أنه لا بد من التقوى عن الكفر والشرك فوجب أن لا يزيد على هذا القيد لأنه لما كان تقييد المطلق خلاف الأصل ، كان تقييد المقيد أكثر مخالفة ، وأيضا فلأنه تعالى إنما ذكر هؤلاء في مقابلة أولئك الذين كفروا وأشركوا ، فوجب أن يكون المراد من اتقى عن ذلك الكفر والشرك . والله أعلم . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إنه قال في الآية الأولى ، قالوا أساطير الأولين ، وفي هذه الآية قالوا خيرا ، فلم رفع الأول ونصب هذا ؟ . أجاب صاحب ( الكشاف ) عنه بأن قال : المقصود منه الفصل بين جواب المقر وجواب الجاحد يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا ، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال فقالوا خيرا أي أنزل خيرا ، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شيء . المسألة الثالثة : قال المفسرون هذا كان في أيام الموسم ، يأتي الرجل مكة فيسأل المشركين عن محمد وأمره فيقولون إنه ساحر وكاهن وكذاب ، فيأتي المؤمنين ويسألهم عن محمد وما أنزل الله عليه فيقولون خيرا ، والمعنى : أنزل خيرا . ويحتمل أن يكون المراد الذي قالوه من الجواب موصوف بأنه خير ، وقولهم خير جامع لكونه حقا وصوابا ، ولكونهم معترفين بصحته ولزومه فهو بالضد من قول الذين لا يؤمنون بالآخرة ، أن ذلك أساطير الأولين على وجه التكذيب . / المسألة الرابعة : قوله : { للذين أحسنوا } وما بعده بدل من قوله : { خيرا } وهو حكاية لقول الذين اتقوا ، أي قالوا هذا القول ، ويجوز أيضا أن يكون قوله : { للذين أحسنوا } إخبارا عن الله ، والتقدير : إن المتقين لما قيل لهم : { ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } ثم إنه تعالى أكد قولهم وقال : { للذين أحسنوا فى هاذه الدنيا حسنة } وفي المراد بقوله : { للذين أحسنوا } قولان ، أما الذين يقولون : إن أهل لا إله إلا الله يخرجون من النار فإنهم يحملونه على قول لا إله إلا الله مع الإعتقاد الحق ، وأما المعتزلة الذين يقولون : إن فساق أهل الصلاة لا يخرجون من النار يحلوم قوله : { أحسنوا } على من أتى بالإيمان وجميع الواجبات واحترز عن كل المحرمات . وأما قوله : { فى هاذه الدنيا } ففيه قولان : القول الأول : أنه متعلق بقوله : { أحسنوا } والتقدير : للذين اتقوا بعمل الحسنة في الدنيا فلهم في الآخرة حسنة ، وتلك الحسنة هي الثواب العظيم ، وقيل : تلك الحسنة هو أن ثوابها يضاعف بعشر مرات وبسبعمائة وإلى ما لا نهاية له .

Sección V20/P019–V20/P020

والقول الثاني : أن قوله : { فى هاذه الدنيا } متعلق بقوله : { حسنة } والتقدير : للذين أحسنوا أن تحصل لهم الحسنة في الدنيا ، وهذا القول أولى ، لأنه قال بعده : { ولدار الاخرة خير } وعلى هذا التقدير ففي تفسير هذه الحسنة الحاصلة في الدنيا وجوه : الأول : يحتمل أن يكون المراد ما يستحقونه من المدح والتعظيم والثناء والرفعة ، وجميع ذلك جزاء على ما عملوه . والثاني : يحتمل أن يكون المراد به الظفر على أعداء الدين بالحجة وبالغلبة لهم ، وباستغنام أموالهم وفتح بلادهم ، كما جرى ببدر وعند فتح مكة ، وقد أجلوهم عنها وأخرجوهم إلى الهجرة ، وإخلاء الوطن ، ومفارقة الأهل والولد وكل ذلك مما يعظم موقعه . والثالث : يحتمل أن يكون المراد أنهم لما أحسنوا بمعنى أنهم أتوا بالطاعات فتح الله عليهم أبواب المكاشفات والمشاهدات والألطاف كقوله تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) . وأما قوله : { ولدار الاخرة خير } فقد بينا في سورة الأنعام في قوله : { وللدار الاخرة خير للذين يتقون } ( الأنعام : 32 ) بالدلائل القطعية العقلية حصول هذا الخير ، ثم قال : { ولنعم دار المتقين } أي لنعم دار المتقين دار الآخرة ، فحذفت لسبق ذكرها ، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة بما بعدها ، فإن وصلتها بما بعدها قلت : ولنعم دار المتقين جنات عدن فترفع جنات على أنها اسم لنعم ، كما تقول : نعم الدار دار ينزلها زيد . وأما قوله : { جنات عدن } ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنها إن كانت موصولة بما قبلها ، فقد ذكرنا وجه ارتفاعها ، وأما إن كانت مقطوعة ، فقال الزجاج : جنات عدن مرفوعة بإضمار ( هي ) كأنك لما قلت ولنعم دار المتقين / قيل : أي دار هي هذه الممدوحة فقلت : هي جنات عدن ، وإن شئت قلت : جنات عدن رفع بالإبتداء ، ويدخلونها خبره ، وإن شئت قلت : نعم دار المتقين خبره ، والتقدير : جنات عدن نعم دار المتقين . المسألة الثانية : قوله : { جنات } يدل على القصور والبساتين وقوله : { عدن } يدل على الدوام ، وقوله : { تجرى من تحتها الانهار } يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها وتكون الأنهار جارية من تحتهم ، ثم إنه تعالى قال : { لهم فيها ما يشآءون } وفيه بحثان : الأول : أن هذه الكلمة تدل على حصول كل الخيرات والسعادات ، وهذا أبلغ من قوله : { فيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين } ( الزخرف : 71 ) لأن هذين القسمين داخلان في قوله : { لهم فيها ما } مع أقسام أخرى . الثاني : قوله : { لهم فيها ما } يعني هذه الحالة لا تحصل إلا في الجنة ، لأن قوله : { لهم فيها ما } يفيد الحصر ، وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا .

Sección V20/P020–V20/P022

ثم قال تعالى : { يشآءون كذلك يجزى الله المتقين } أي هكذا جزاء التقوى ، ثم إنه تعالى عاد إلى وصف المتقين فقال : { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين } وهذا مذكور في مقابلة قوله : { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم } ( النخل : 28 ) وقوله : { الذين تتوفاهم الملائكة لهم فيها ما يشآءون كذلك يجزى الله المتقين } وقوله : { طيبين } كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة ، وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به ، واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة مبرئين عن الأخلاق المذمومة ، ويدخل فيه كونهم مبرئين عن العلائق الجسمانية متوجهين إلى حضرة القدس والطهارة ، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح وأنها لم تقبض إلا مع البشارة بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها ومن هذا حاله لا يتألم بالموت ، وأكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح ، وإن كان الحسن يقول : إنه وفاة الحشر ، ثم بين تعالى أنه يقال لهم عند هذه الحالة : { ادخلوا الجنة } فاحتج الحسن بهذا على أن المراد بذلك التوفي وفاة الحشر ، لأنه لا يقال عند قبض الأرواح في الدنيا ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ، ومن ذهب إلى القول الأول وهم الأكثرون يقولون : إن الملائكة لما بشروهم بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم وكأنهم فيها فيكون المراد بقولهم ، ادخلوا الجنة أي هي خاصة لكم كأنكم فيها . ! 7 < { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } > 7 < النحل : ( 33 - 34 ) هل ينظرون إلا . . . . . > > اعلم أن هذا هو الشبهة الثانية لمنكري النبوة ، فإنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل الله تعالى ملكا من السماء يشهد على صدقه في ادعاء النبوة فقال تعالى : { هل ينظرون } في التصديق بنبوتك إلا أن تأتيهم الملائكة شاهدين بذلك ، ويحتمل أن يقال : إن القوم لما طعنوا في القرآن بأن قالوا : إنه أساطير الأولين ، وذكر الله تعالى أنواع التهديد والوعيد لهم ، ثم أتبعه بذكر الوعد لمن وصف القرآن بكونه خيرا وصدقا وصوابا ، عاد إلى بيان أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن الكفر بسبب البيانات التي ذكرناها ، بل كانوا لا ينزجرون عن تلك الأقوال الباطلة إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد وأتاهم أمر ربك وهو عذاب الاستئصال . واعلم أن على كلا التقديرين فقد قال تعالى : { كذلك فعل الذين من قبلهم } أي كلام هؤلاء وأفعالهم يشبه كلام الكفار المتقدمين وأفعالهم . ثم قال : { وما ظلمهم الله ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } والتقدير : كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم الهلاك المعجل وما ظلمهم الله بذلك ، فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ، ولكنهم ظلموا أنفسهم بأن كفروا ، وكذبوا الرسول فاستوجبوا ما نزل بهم . ثم قال : { فأصابهم سيئات ما عملوا } والمراد أصابهم عقاب سيئات ما عملوا { وحاق بهم } أي نزل بهم على وجه أحاط بجوانبهم : { ما كانوا به يستهزءون } أي عقاب استهزائهم . ! 7 < { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شىء نحن ولاءاباؤنا ولا حرمنا من دونه من شىء كذالك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا فى الا رض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل وما لهم من ناصرين } > 7 <

Sección V20/P022–V20/P023

النحل : ( 35 - 37 ) وقال الذين أشركوا . . . . . > > اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لمنكري النبوة ، وتقريرها : أنهم تمسكوا بصحة القول بالجبر على الطعن في النبوة فقالوا : لو شاء الله الإيمان لحصل الإيمان ، سواء جئت أو لم تجىء ، ولو شاء الله الكفر فإنه يحصل الكفر سواء جئت أو لم تجىء ، وإذا كان الأمر كذلك فالكل من الله تعالى ، ولا فائدة في مجيئك وإرسالك ، فكان القول بالنبوة باطلا ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذه الشبهة هي عين ما حكى الله تعالى عنهم في سورة الأنعام في قوله : { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ىاباؤنا ولا حرمنا من شىء كذالك كذب الذين من قبلهم } ( الأنعام : 148 ) واستدلال المعتزلة به مثل استدلالهم بتلك الآية . والكلام فيه استدلالا واعتراضا عين ما تقدم هناك فلا فائدة في الإعادة ، ولا بأس بأن نذكر منه القليل فنقول : الجواب عن هذه الشبهة هي أنهم قالوا : لما كان الكل من الله تعالى كان بعثة الأنبياء عبثا . فنقول : هذا اعتراض على الله تعالى ، فإن قولهم : إذا لم يكن في بعثة الرسول مزيد فائدة في حصول الإيمان ودفع الكفر كانت بعثة الأنبياء غير جائزة من الله تعالى ، فهذا القول جار مجرى طلب العلة في أحكام الله تعالى وفي أفعاله ، وذلك باطل ، بل الله تعالى أن يحكم في ملكه وملكوته ما يشاء ويفعل ما يريد ، ولا يجوز أن يقال له : لم فعلت هذا ولم لم تفعل ذلك ؟ والدليل على أن الإنكار إنما توجه إلى هذا المعنى أنه تعالى صرح في آخر هذه الآية بهذا المعنى فقال : { ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا } فبين تعالى أن سنته في عبيده إرسال الرسل إليهم ، وأمرهم بعبادة الله ونهيهم عن عبادة الطاغوت . ثم قال : { الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة } والمعنى : أنه تعالى وإن أمر الكل بالإيمان ، ونهى الكل عن الكفر ، إلا أنه تعالى هدى البعض وأضل البعض ، فهذه سنة قديمة لله / تعالى مع العباد ، وهي أنه يأمر الكل بالإيمان وينهاهم عن الكفر ، ثم يخلق الإيمان في البعض والكفر في البعض . ولما كانت سنة الله تعالى في هذا المعنى سنة قديمة في حق كل الأنبياء وكل الأمم والملل وإنما يحسن منه تعالى ذلك بحكم كونه إلها منزها عن اعتراضات المعترضين ومطالبات المنازعين ، كان إيراد هذا السؤال من هؤلاء الكفار موجبا للجهل والضلال والبعد عن الله فثبت أن الله تعالى إنما حكم على هؤلاء باستحقاق الخزي واللعن ، لا لأنهم كذبوا في قولهم : { لو شآء الله ما عبدنا من دونه } بل لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الأنبياء والرسل وهذا باطل ، فلا جرم استحقوا على هذا الإعتقاد مزيد الذم واللعن . فهذا هو الجواب الصحيح الذي يعول عليه في هذا الباب . وأما من تقدمنا من المتكلمين والمسفرين فقد ذكروا فيه وجها آخر فقالوا : إن المشركين ذكروا هذا الكلام على جهة الاستهزاء كما قال قوم شعيب عليه السلام له : { نشؤا إنك لانت الحليم الرشيد } ( هود : 87 ) ولو قالوا ذلك معتقدين لكانوا مؤمنين . والله أعلم . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما حكى هذه الشبهة قال : { كذلك فعل الذين من قبلهم } أي هؤلاء للكفار ألدا كانوا متمسكين بهذه الشبهة .

Sección V20/P023

ثم قال : { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } أما المعتزلة فقالوا : معناه أن الله تعالى ما منع أحدا من الإيمان وما أوقعه في الكفر ، والرسل ليس عليهم إلا التبليغ ، فلما بلغوا التكاليف وثبت أنه تعالى ما منع أحدا عن الحق كانت هذه الشبهة ساقطة . أما أصحابنا فقالوا : معناه أنه تعالى أمر الرسل بالتبليغ . فهذا التبليغ واجب عليهم ، فأما أن الإيمان هل يحصل أم لا يحصل فذلك لا تعلق للرسول به ، ولكنه تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ويضل من يشاء بخذلانه . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا في بيان أن الهدي والضلال من الله بقوله : { ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وهذا يدل على أنه تعالى كان أبدا في جميع الملل والأمم آمرا بالإيمان وناهيا عن الكفر . ثم قال : { فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة } يعني : فمنهم من هداه الله إلى الإيمان والصدق والحق ، ومنهم من أضله عن الحق وأعماه عن الصدق وأوقعه في الكفر والضلال ، وهذا يدل على أن أمر الله تعالى لا يوافق إرادته ، بل قد يأمر بالشيء ولا يريده وينهى عن الشيء ويريده كما هو مذهبنا . والحاصل أن المعتزلة يقولون : الأمر والإرادة متطابقان أما العلم والإرادة فقد يختلفان ، ولفظ هذه الآية صريح في قولنا وهو أن الأمر بالإيمان عام في حق الكل أما إرادة الإيمان فخاصة بالبعض دون البعض . / أجاب الجبائي : بأن المراد : { فمنهم من هدى الله } لنيل ثوابه وجنته : { ومنهم من حقت عليه الضلالة } أي العقاب . قال : وفي صفة قوله : { حقت عليه } دلالة على أنها العذاب دون كلمة الكفر لأن الكفر والمعصية لا يجوز وصفهما بأنه حق . وأيضا قال تعالى بعده : { فسيروا فى الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } وهذه العاقبة هي آثار الهلاك لمن تقدم من الأمم الذين استأصلهم الله تعالى بالعذاب ، وذلك يدل على أن المراد بالضلال المذكور هو عذاب الاستئصال . وأجاب الكعبي عنه بأنه قال : قوله : { فمنهم من هدى الله } أي من اهتدى فكان في حكم الله مهتديا ، { ومنهم من حقت عليه الضلالة } يريد : من ظهرت ضلالته ، كما يقال للظالم : حق ظلمك وتبين ، ويجوز أن يكون المراد : حق عليهم من الله أن يضلهم إذا ضلوا كقوله : { ويضل الله الظالمين } ( إبراهيم : 27 ) . واعلم أنا بينا في آيات كثيرة بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والإضلال لا يكونان إلا من الله تعالى فلا فائدة في الإعادة ، وهذه الوجوه المتعسفة والتأويلات المستكرهة قد بينا ضعفها وسقوطها مرارا ، فلا حاجة إلى الإعادة . والله أعلم . المسألة الرابعة : في الطاغوت قولان : أحدهما : أن المراد به : اجتنبوا عبادة ما تعبدون من دون الله ، فسمى الكل طاغوتا ، ولا يمتنع أن يكون المراد : اجتنبوا طاعة الشيطان في دعائه لكم .

Sección V20/P023–V20/P025

المسألة الخامسة : قوله تعالى : { ومنهم من حقت عليه الضلالة } يدل على مذهبنا / لأنه تعالى لما أخبر عنه أنه حقت عليه الضلالة امتنع أن لا يصدر منه الضلالة ، وإلا لانقلب خبر الله الصدق كذبا ، وذلك محال ومستلزم المحال محال ، فكان عدم الضلالة منهم محالا ، ووجود الضلالة منهم واجبا عقلا ، فهذه الآية دالة على صحة مذهبنا في هذه الوجوه الكثيرة والله أعلم . ونظائر هذه الآية كثيرة منها قوله : { فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة } ( الأعراف : 30 ) وقوله : { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون } ( يونس : 96 ) وقوله : { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } ( يس : 7 ) . ثم قال تعالى : { فسيروا فى الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } والمعنى : سيروا في الأرض معتبرين لتعرفوا أن العذاب نازل بكم كما نزل بهم ، ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة فإنه لا يهتدي ، فقال : { إن تحرص على هداهم } أي إن تطلب بجهدك ذلك ، فإن الله لا يهدي من يضل ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { يهدى } بفتح الياء وكسر الذال والباقون : { لا يهدى } بضم الياء وفتح الدال . / أما القراءة الأولى : ففيها وجهان : الأول : فإن الله لا يرشد أحدا أضله ، وبهذا فسره ابن عباس رضي الله عنهما . والثاني : أن يهدي بمعنى يهتدي . قال الفراء : العرب تقول : قد هدى الرجل يريدون قد اهتدى ، والمعنى أن الله إذا أضل أحدا لم يصر ذلك مهتديا . وأما القراءة المشهورة : فالوجه فيها إن الله لا يهدي من يضل ، أي من يضله ، فالراجع إلى الموصول الذي هو من محذوف مقدر وهذا كقوله : { من يضلل الله فلا هادي له } ( الأعراف : 186 ) وكقوله : { فمن يهديه من بعد الله } ( الجاثية : 23 ) أي من بعد إضلال الله إياه . ثم قال تعالى : { وما لهم من ناصرين } أي وليس لهم أحد ينصرهم أي يعينهم على مطلوبهم في الدنيا والآخرة . وأقول أول هذه الآيات موهم لمذهب المعتزلة ، وآخرها مشتمل على الوجوه الكثيرة الدالة على قولنا ، وأكثر الآيات كذلك مشتملة على الوجهين ، والله أعلم . ! 7 < { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولاكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذى يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين إنما قولنا لشىء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون } > 7 < النحل : ( 38 - 40 ) وأقسموا بالله جهد . . . . . > > وفيه مسألتان : المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الشبهة الرابعة لمنكري النبوة فقالوا القول بالبعث والحشر والنشر باطل ، فكان القول بالنبوة باطلا . أما المقام الأول : فتقريره أن الإنسان ليس إلا هذه البينة المخصوصة ، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه وبطل ذلك المزاج والاعتدال امتنع عوده بعينه ، لأن الشيء إذا عدم فقد فنى ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه ، فالذي يعود يجب أن يكون شيئا مغايرا للأول فلا يكون عينه . وأما المقام الثاني : وهو أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة وتقريره من وجهين : / الأول : أن محمدا كان داعيا إلى تقرير القول بالمعاد ، فإذا بطل ذلك ثبت أنه كان داعيا إلى القول الباطل ومن كان كذلك لم يكن رسولا صادقا . الثاني : أنه يقرر نبوة نفسه ووجوب طاعته بناء على الترغيب في الثواب والترهيب عن العقاب ، وإذا بطل ذلك بطلت نبوته .

Sección V20/P025–V20/P026

إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } معناه أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن الشيء إذا فنى وصار عدما محضا ونفيا صرفا ، فإنه بعد هذا العدم الصرف لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئا آخر غيره . وهذا القسم واليمين إشارة إلى أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن عوده بعينه بعد عدمه محال في بديهة العقل : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } على أنهم يجحدون في قلوبهم وعقولهم هذا العلم الضروري ، وأما بيان أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة فلم يذكره على سبيل التصريح ، لأنه كلام جلي متبادر إلى العقول فتركوه لهذا العذر . ثم إنه تعالى بين أن القول بالبعث ممكن ويدل عليه وجهان : الوجه الأول : أنه وعد حق على الله تعالى ، فوجب تحقيقه ، ثم بين السبب الذي لأجله كان وعدا حقا على الله تعالى ، وهو التمييز بين المطيع وبين العاصي ، وبين المحقق والمبطل ، وبين الظالم والمظلوم ، وهو قوله : { ليبين لهم الذين يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } وهذه الطريقة قد بالغنا في شرحها وتقريرها في سورة يونس . والوجه الثاني : في بيان إمكان الحشر والنشر أن كونه تعالى موجدا للأشياء ومكونا لها لا يتوقف على سبق مادة ولا مدة ولا آلة ، وهو تعالى إنما يكونها بمحض قدرته ومشئته ، وليس لقدرته دافع ولا لمشيئته مانع فعبر تعالى عن هذا النفاذ الخالي عن المعارض بقوله : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } وإذا كان كذلك ، فكما أنه تعالى قدر على الإيجاد في الإبتداء وجب أن يكون قادرا عليه في الإعادة ، فثبت بهذين الدليلين القاطعين أن القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة حق وصدق ، والقول إنما طعنوا في صحة النبوة بناء على الطعن في هذا الأصل ، فلما بطل هذا الطعن بطل أيضا طعنهم في النبوة . والله أعلم . المسألة الثانية : قوله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } حكاية عن الذين أشركوا ، وقوله : { بلى } إثبات لما بعد النفي / أي بلى يبعثهم ، وقوله : { وعدا عليه حقا } مصدر مؤكد أي وعد بالبعث وعدا حقا لا خلف فيه ، لأن قوله يبعثهم دل على قوله وعد بالبعث ، وقوله : { ليبين لهم الذى يختلفون فيه } من أمور البعث أي بلى يبعثهم ليبين لهم وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين فيما أقسموا فيه . ثم قال تعالى : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } وفيه مسائل : / المسألة الأولى : لقائل أن يقول : قوله : { كن } إن كان خطابا مع المعدوم فهو محال ، وإن كان خطابا مع الموجود كان هذا أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال . والجواب : أن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاياة وخطاب مع الخلق بما يعقلون ، وليس خطابا للمعدوم ، لأن ما أراده الله تعالى فهو كائن على كل حال وعلى ما أراده من الإسراع ، ولو أراد خلق الدنيا والآخرة بما فيهما من السموات والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك ، ولكن العباد خوطبوا بذلك على قدر عقولهم . المسألة الثانية : قوله تعالى : { قولنا } مبتدأ و { إن نقول } خبره و { كن فيكون } من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا حدوث شيء فليس إلا أن نقول له أحدث فيحدث عقيب ذلك من غير توقف .

Sección V20/P026–V20/P027

المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر والكسائي { فيكون } بنصب النون ، والباقون بالرفع قال الفراء : القراءة بالرفع وجهها أن يجعل قوله : { أن نقول له } كلاما تاما ثم يخبر عنه بأنه سيكون كما يقال : إن زيدا يكفيه إن أمر فيفعل فترفع قولك فيفعل على أن تجعله كلاما مبتدأ ، وأما القراءة بالنصب فوجهه أن تجعله عطفا على أن نقول ، والمعنى : أن نقول كن فيكون هذا قول جميع النحويين ، قال الزجاج : ويجوز أن يكون نصبا على جواب { كن } قال أبو علي لفظة ( كن ) وإن كانت على لفظة الأمر فليس القصد بها ههنا الأمر إنما هو والله أعلم الإخبار عن كون الشيء وحدوثه ، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ يبطل قوله إنه نصب على جواب { كن } والله أعلم . المسألة الرابعة : احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على قدم القرآن فقالوا قوله تعالى : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } يدل على أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له كن فيكون ، فلو كان قوله { كن } حادثا لافتقر إحداثه إلى أن يقول له كن وذلك يوجب التسلسل ، وهو محال فثبت أن كلام الله قديم . واعلم أن هذا الدليل عندي ليس في غاية القوة ، وبيانه من وجوه : الوجه الأول : أن كلمة { إذا } لا تفيد التكرار ، والدليل عليه أن الرجل إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار مرة طلقت طلقة واحدة فلو دخلت ثانيا لم تطلق طلقة ثانية فعلمنا أن كلمة إذا لا تفيد التكرار ، وإذا كان كذلك ثبت أنه لا يلزم في كل ما يحدثه الله تعالى أن يقول له كن فلم يلزم التسلسل . والوجه الثاني : أن هذا الدليل إن صح لزم القول بقدم لفظه ( كن ) وهذا معلوم البطلان / بالضرورة ، لأن لفظة : كن ، مركبة من الكاف والنون ، وعند حضور الكاف لم تكن النون حاضرة وعند مجيء النون تتولى الكاف ، وذلك يدل على أن كلمة كن يمتنع كونها قديمة ، وإنما الذي يدعي أصحابنا كونه قديما صفة مغايرة للفظة كن ، فالذي تدل عليه الآية لا يقول به أصحابنا ، والذي يقولون به لا تدل عليه الآية فسقط التمسك به . والوجه الثالث : أن الرجل إذا قال إن فلانا لا يقدم على قول ، ولا على فعل إلا ويستعين فيه بالله تعالى فإن عاقلا لا يقول : إن استعانته بالله فعل من أفعاله فيلزم أن يكون كل استعانة مسبوقة باستعانة أخرى إلى غير النهاية لأن هذا الكلام بحسب العرف باطل فكذلك ما قالوه . والوجه الرابع : أن هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه : الوجه الأول : أن قوله تعالى : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه } يقتضي كون القول واقعا بالإرادة ، وما كان كذلك فهو محدث . والوجه الثاني : أنه علق القول بكلمة إذا ، ولا شك أن لفظة ( إذا ) تدخل للاستقبال . والوجه الثالث : أن قوله : { أن نقول له } لا خلاف أن ذلك ينبىء عن الاستقبال . والوجه الرابع : أن قوله : { كن فيكون } يدل على أن حدوث الكون حاصل عقيب قوله : { كن } فتكون كلمة { كن } متقدمة على حدوث الكون بزمان واحد ، والمتقدم على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثا .

Sección V20/P027–V20/P028

والوجه الخامس : أنه معارض بقوله تعالى : { وكان أمر الله مفعولا } ( النساء : 47 ) ، { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ( الأحزاب : 38 ) . { الله نزل أحسن الحديث } ( الزمر : 23 ) . { فليأتوا بحديث مثله } ( الطيور : 34 ) ، { ومن قبله كتاب موسى مودة ورحمة } ( الأحقاف : 12 ) . فإن قيل : فهب أن هذه الآية لا تدل على قدم الكلام ، ولكنكم ذكرتم أنها تدل على حدوث الكلام فما الجواب عنه ؟ . قلنا : نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف والأصوات ، ونحن نقول بكونه محدثا مخلوقا . والله أعلم . ! 7 < { والذين هاجروا فى الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم فى الدنيا حسنة ولاجر الا خرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون } > 7 < النحل : ( 41 - 42 ) والذين هاجروا في . . . . . > > / اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم على إنكار البعث والقيامة دل ذلك على أنهم تمادوا في الغي ، والجهل ، والضلال ، وفي مثل هذه الحالة لا يبعد إقدامهم على إيذاء المسلمين وضرهم ، وإنزال العقوبات بهم ، وحينئذ يلزم على المؤمنين أن يهاجروا عن تلك الديار والمساكن ، فذكر تعالى في هذه الآية حكم تلك الهجرة وبين ما لهؤلاء المهاجرين من الحسنات في الدنيا ، والأجر في الآخرة من حيث هاجروا وصبروا وتوكلوا على الله ، وذلك ترغيب لغيرهم في طاعة الله تعالى . قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في ستة من الصحابة صهيب وبلال وعمار وخباب وعابس وجبير موليين لقريش فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام ، أما صهيب فقال لهم : أنا رجل كبير إن كنت لكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى منهم بماله فلما رآه أبو بكر قال : ربح البيع يا صهيب ، وقال عمر : نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ، وهو ثناء عظيم يريد لو لم يخلق الله النار لأطاعه فكيف ظنك به وقد خلقها ؟ وأما سائرهم فقد قالوا بعض ما أراد أهل مكة من كلمة الكفر والرجوع عن الإسلام فتركوا عذابهم ، ثم هاجروا فنزلت هذه الآية ، وبين الله تعالى بهذه الآية عظم محل الهجرة ، ومحل المهاجرين فالوجه فيه ظاهر ، لأن بسبب هجرتهم ظهرت قوة الإسلام ، كما أن بنصرة الأنصار قويت شوكتهم ، ودل تعالى بقوله : { والذين هاجروا فى الله } أن الهجرة إذا لم تكن لله بل لم يكن لها موقع ، وكانت بمنزلة الانتقال من بلد إلى بلد ، وقوله : { من بعد ما ظلموا } معناه أنهم كانوا مظلومين في أيدي الكفار ، لأنهم كانوا يعذبونهم . ثم قال : { لنبوئنهم فى الدنيا حسنة } وفيه وجوه : الأول : أن قوله : { حسنة } صفة للمصدر من قوله : { لنبوئنهم فى الدنيا } والتقدير : لنبوئنهم تبوئة حسنة ، وفي قراءة علي عليه السلام : ( لنبوئنهم إبواءة حسنة ) . الثاني : لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم ، وعلى العرب قاطبة ، وعلى أهل المشرق والمغرب ، وعن عمر أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال : خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ذخر لك في الآخرة أكبر . والقول الثالث : لنبوئنهم مباءة حسنة وهي المدينة حيث آواهم أهلها ونصروهم ، وهذا قول الحسن والشعبي وقتادة ، والتقدير : لنبوئنهم في الدنيا دارا حسنة أو بلدة حسنة يعني المدينة .

Sección V20/P028–V20/P029

ثم قال تعالى : { ولاجر الاخرة أكبر } وأعظم وأشرف ؛ { ولو كانوا يعلمون } والضمير إلى من يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه عائد إلى الكفار ، أي لو علموا أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم الدنيا والآخرة لرغبوا في دينهم . والثاني : أنه راجع إلى المهاجرين ، أي لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم . / ثم قال : { الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون } وفي محل : { الذين } وجوه : الأول : أنه بدل من قوله : { والذين هاجروا } والثاني : أن يكون التقدير : هم الذين صبروا . والثالث : أن يكون التقدير : أعني الذين صبروا وكلا الوجهين مدح ، والمعنى : أنهم صبروا على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله ، وعلى المجاهدة وبذل الأموال والأنفس في سبيل الله / وبالجملة فقد ذكر فيه الصبر والتوكل . أما الصبر فللسعي في قهر النفس ، وأما التوكل فللانقطاع بالكلية من الخلق والتوجه بالكلية إلى الحق ، فالأول : هو مبدأ السلوك إلى الله تعالى . والثاني : آخر هذا الطريق ونهايته ، والله أعلم . ! 7 < { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحىإليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الا رض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم فى تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم } > 7 < النحل : ( 43 - 47 ) وما أرسلنا من . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري النبوة كانوا يقولون : الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحدا من البشر ، بل لو أراد بعثة رسول إلينا لكان يبعث ملكا ، وقد ذكرنا تقرير هذه الشبهة في سورة الأنعام فلا نعيده ههنا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عنهم : { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 8 ) وقالوا : { أنؤمن لبشرين مثلنا } ( المؤمنون : 47 ) وقالوا : { ما هاذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم } ( المؤمنون : 33 ، 34 ) وقال : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } ( يونس : 2 ) وقالوا : { لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } ( الفرقان : 7 ) . فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم } والمعنى : أن عادة الله تعالى من أول زمان الخلق والتكليف أنه لم يبعث رسولا إلا من البشر ، فهذه العادة مستمرة لله سبحانه وتعالى ، وطعن هؤلاء الجهال بهذا السؤال الركيك أيضا طعن قديم فلا يلتفت إليه .

Sección V20/P029–V20/P030

المسألة الثانية : دلت الآية على أنه تعالى ما أرسل أحدا من النساء ، ودلت أيضا على أنه ما أرسل ملكا ، لكن ظاهر قوله : { جاعل الملائكة رسلا } ( فاطر : 1 ) يدل على أن الملائكة رسل الله إلى سائر الملائكة ، فكان ظاهر هذه الآية دليلا على أنه ما أرسل رسولا من الملائكة إلى الناس . قال القاضي : وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء عليهم السلام إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة . ثم قال القاضي : لعله أراد أن الملك الذي يرسل إلى الأنبياء عليهم السلام بحضرة أممهم ، لأنه إذا كان كذلك فلا بد من أن يكون أيضا بصورة الرجال ، كما روي أن جبريل عليه السلام حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وفي صورة سراقة ، وإنما قلنا ذلك لأن المعلوم من حال الملائكة أن عند إبلاغ الرسالة من الله تعالى إلى الرسول قد يبقون على صورتهم الأصلية الملكية ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين ، وعليه تأولوا قوله تعالى : { ولقد رءاه نزلة أخرى } ( النجم : 13 ) ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام أتبعه بقوله : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في المراد بأهل الذكر وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد أهل التوراة ، والذكر هو التوراة . والدليل عليه قوله تعالى : { ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر } ( الأنبياء : 105 ) يعني التوراة . الثاني : قال الزجاج : فاسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب الله تعالى / فإنهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر ، والثالث : أهل الذكر أهل العلم بأخبار الماضين ، إذ العالم بالشيء يكون ذاكرا له . والرابع : قال الزجاج : معناه سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق . وأقول : الظاهر أن هذه الشبهة وهي قولهم : الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحدا من البشر إنما تمسك بها كفار مكة ، ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله بأن يرجعوا في هذه المسألة إلى اليهود والنصارى ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها ، فإن اليهودي والنصراني لا بد لهما من تزييف هذه الشبهة وبيان سقوطها . المسألة الثانية : اختلف الناس في أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد ؟ منهم من حكم بالجواز / واحتج بهذه الآية فقال : لما لم يكن أحد المجتهدين عالما وجب عليه الرجوع إلى المجتهد الآخر الذي يكون عالما لقوله تعالى : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } فإن لم يجب فلا أقل من الجواز . المسألة الثالثة : احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : المكلف إذا نزلت به واقعة فإن كان عالما بحكمها لم يجز له القياس ، وإن لم يكن عالما بحكمها وجب عليه سؤال من كان عالما بها لظاهر هذه الآية ، ولو كان القياس حجة لما وجب عليه سؤال العالم لأجل أنه يمكنه استنباط ذلك الحكم بواسطة القياس ، فثبت أن تجويز العمل بالقياس يوجب ترك العمل بظاهر هذه الآية فوجب أن لا يجوز . والله أعلم . وجوابه : أنه ثبت جواز العمل بالقياس بإجماع الصحابة ، والإجماع أقوى من هذا الدليل ، والله أعلم . ثم قال تعالى : { بالبينات والزبر } وفيه مسألتان :

Sección V20/P030

المسألة الأولى : ذكروا في الجالب لهذه الباء وجوها : الأول : أن التقدير : وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا يوحى إليهم ، وأنكر الفراء ذلك وقال : إن صلة ما قبل إلا لا يتأخر إلى بعد ، والدليل عليه : أن المستثنى عنه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته ، فما لم يصر هذا المجموع مذكورا بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه . الثاني : أن التقدير : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم بالبينات والزبر ، وعلى هذا التقدير فقوله : { بالبينات والزبر } متعلق بالمستثنى . والثالث : أن الجالب لهذا الباء محذوف ، والتقدير أرسلناهم بالبينات وهذا قول الفراء . قال : ونظيره ما مر إلا أخوك بزيد ما مر إلا أخوك ثم يقول مر بزيد . الرابع : أن يقال : الذكر بمعنى العلم ، والتقدير فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر إن كنتم لا تعلمون . الخامس : أن يكون التقدير : إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر فاسألوا أهل الذكر . المسألة الثانية : قوله تعالى : { بالبينات والزبر } لفظة جامعة لكل ما تكامل به الرسالة ، لأن مدار أمرها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات وعلى التكاليف التي يبلغها الرسول من الله تعالى إلى العباد وهي الزبر . ثم قال تعالى : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : ظاهر هذا الكلام يقتضي أن هذا الذكر مفتقر إلى بيان رسول الله والمفتقر إلى البيان مجمل ، فظاهر هذا النص يقتضي أن القرآن كله مجمل ، فلهذا المعنى قال بعضهم متى وقع التعارض بين القرآن وبين الخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والدليل عليه هذه الآية ، والخبر مبين له بدلالة هذه الآية ، والمبين مقدم على المجمل . / والجواب : أن القرآن منه محكم ، ومنه متشابه ، والمحكم يجب كونه مبينا فثبت أن القرآن ليس كله مجملا بل فيه ما يكون مجملا فقوله : { لتبين للناس ما نزل إليهم } محمول على المجملات . المسألة الثانية : ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبين لكل ما أنزله الله تعالى على المكلفين ، فعند هذا قال نفاة القياس لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول بيان كل ما أنزله الله تعالى على المكلفين من الأحكام ، لاحتمال أن بين المكلف ذلك الحكم بطريقة القياس ، ولما دلت هذه الآية على أن المبين لكل التكاليف والأحكام ، هو الرسول صلى الله عليه وسلم علمنا أن القياس ليس بحجة . وأجيب عنه بأنه صلى الله عليه وسلم لما بين أن القياس حجة ، فمن رجع في تبيين الأحكام والتكاليف إلى القياس ، كان ذلك في الحقيقة رجوعا إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم .

Sección V20/P030–V20/P031

ثم قال تعالى : { أفأمن الذين مكروا السيئات } المكر في اللغة عبارة عن السعي بالفساد على سبيل الإخفاء ، ولا بد ههنا من إضمار ، والتقدير : المكرات السيئات ، والمراد أهل مكة ومن حول المدينة . قال الكلبي : المراد بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله تعالى ، والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه على سبيل الخفية ، ثم إنه تعالى ذكر في تهديدهم أمورا أربعة : الأول : أن يخسف الله بهم الأرض كما خسف بقارون . الثاني : أن يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ، والمراد أن يأتيهم العذاب من السماء من حيث يفجؤهم فيهلكهم بغتة كما فعل بقوم لوط . والثالث : أن يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين ، وفي تفسير هذا التقلب وجوه : الأول : أنه يأخذهم بالعقوبة في أسفارهم ، فإنه تعالى قادر على إهلاكهم في السفر كما أنه قادر على إهلاكهم في الحضر وهم لا يعجزون الله بسبب ضربهم في البلاد البعيدة بل يدركهم الله حيث كانوا ، وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد } ( آل عمران : 196 ) . وثانيهما : تفسير هذا اللفظ بأنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم . وثالثها : أن يكون المعنى أو يأخذهم في حال ما ينقلبون في قضايا أفكارهم فيحول الله بينهم وبين إتمام تلك الحيل قسرا كما قال : { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون } ( يس : 66 ) وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله : { وقلبوا لك الامور } ( التوبة : 48 ) فإنهم إذا قلبوها فقد تقلبوا فيها . والنوع الرابع : من الأشياء التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية على سبيل التهديد قوله تعالى : { أو يأخذهم على تخوف } وفي تفسير التخوف قولان : / القول الأول : التخوف تفعل من الخوف ، يقال خفت الشيء وتخوفته والمعنى أنه تعالى لا يأخذهم بالعذاب أولا بل يخيفهم أولا ثم يعذبهم بعده ، وتلك الإخافة هو أنه تعالى يهلك فرقة فتخاف التي تليها فيكون هذا أخذا ورد عليهم بعد أن يمر بهم قبل ذلك زمانا طويلا في الخوف والوحشة . والقول الثاني : أن التخوف هو التنقص قال ابن الأعرابي يقال : تخوفت الشيء وتخفيته إذا تنقصته ، وعن عمر أنه قال على المنبر : ما تقولون في هذه الآية ؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا التخوف التنقص ، فقال عمر : هل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ قال : نعم . قال شاعرنا وأنشد : تخوف الرحل منها تامكا قردا كما تخوف عود النبعة السفن فقال عمر : أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا ، قالوا : وما ديواننا ؟ قال شعر الجاهلية فيه تفسير كتابكم .

Sección V20/P031–V20/P032

إذا عرفت هذا فنقول : هذا التنقص يحتمل أن يكون المراد منه ما يقع في أطراف بلادهم كما قال تعالى : { أفلا يرون أنا نأتى الارض ننقصها من أطرافها } ( الأنبياء : 44 ) والمعنى أنه تعالى لا يعاجلهم بالعذاب ولكن ينقص من أطراف بلادهم إلى القرى التي تجاورهم حتى يخلص الأمر إليهم فحينئذ يهلكهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه ينقص أموالهم وأنفسهم قليلا قليلا حتى يأتي الفناء على الكل فهذا تفسير هذه الأمور الأربعة ، والحاصل أنه تعالى خوفهم بخسف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل من السماء أو بآفات تحدث دفعة واحدة حال ما لا يكونون عالمين بعلاماتها ودلائلها ، أو بآفات تحدث قليلا قليلا إلى أن يأتي الهلاك على آخرهم ثم ختم الآية بقوله : { فإن ربكم لرؤوف رحيم } والمعنى أنه يمهل في أكثر الأمور لأنه رؤوف رحيم فلا يعاجل بالعذاب . ! 7 < { أو لم يروا إلى ما خلق الله من شىء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما فى السماوات وما فى الا رض من دآبة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } > 7 < النحل : ( 48 - 50 ) أو لم يروا . . . . . > > /في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما خوف المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من العذاب أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وتدبير أحوال الأرواح والأجسام ، ليظهر لهم أن مع كمال هذه القدرة القاهرة ، والقوة الغير المتناهية لا يعجز عن إيصال العذاب إليهم على أحد تلك الأقسام الأربعة . المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي : { أو لم تروا } بالتاء على الخطاب ، وكذلك في سورة العنكبوت : { أو لم تروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده } ( العنكبوت : 19 ) بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء فيهما كناية عن الذين مكروا السيئات ، وأيضا أن ما قبله غيبة وهو قوله : { أن يخسف الله بهم الارض أو يأتيهم العذاب أو يأخذهم } ( النحل : 45 ، 46 ) فكذا قوله : { أو لم يروا } وقرأ أبو عمرو وحده : { تتفيؤ } بالتاء والباقون بالياء ، وكلاهما جائز لتقدم الفعل على الجمع . المسألة الثالثة : قوله : { أو لم يروا إلى ما خلق الله } لما كانت الرؤية ههنا بمعنى النظر وصلت بإلى ، لأن المراد به الاعتبار ولاعتبار لا يكون بنفس الرؤية حتى يكون معها نظر إلى الشيء وتأمل لأحواله ، وقوله : { إلى ما خلق الله من شىء } قال أهل المعاني : أراد من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم ، ولفظ الآية يشعر بهذا القيد ، لأن قوله : { من شىء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمآئل } يدل على أن ذلك الشيء كثيف يقع له ظل على الأرض . وقوله : { يتفيأ ظلاله } إخبار عن قوله : { شىء } وليس بوصف له ، ويتفيأ يتفعل من الفيء يقال : فاء الظل يفيء فيئا إذا رجع وعاد بعد ما نسخه ضياء الشمس ، وأصل الفيء الرجوع ، ومنه فيء المولي وذكرنا ذلك في قوله تعالى : { فان انتهوا فإن الله غفور رحيم } ( البقرة : 226 ) وكذلك فيء المسلمين لما يعود على المسلمين من مال من خالف دينهم ، ومنه قوله تعالى : { ما أفاء الله على رسوله منهم } ( الحشر : 6 ) وأصل هذا كله من الرجوع .

Sección V20/P032–V20/P033

إذا عرفت هذا فنقول : إذا عدي فاء فإنه يعدى إما بزيادة الهمزة إو بتضعيف العين . أما التعدية بزيادة الهمزة كقوله : { ما أفاء الله } وأما بتضعيف العين فكقوله فيأ الله الظل فتفيأ وتفيأ مطاوع فيأ . قال الأزهري : تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار ، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعدما انصرفت عنه الشمس والظل ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله الشمس كمال قال الشاعر : فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق قال ثعلب : أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال : كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء / وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل ، ومنهم من أنكر ذلك ، فإن أبا زيد أنشد للنابغة الجعدي : فلام الإله يغدو عليهم وفيؤ الغروس ذات الظلال فهذا الشعر قد أوقع فيه لفظ الفيء على ما لم تنسخه الشمس ، لأن ما في الجنة من الظل ما صحل بعد أن كان زائلا بسبب نور الشمس وتقول العرب في جمع في أفياء وهي للعدد القليل / وفيؤ للكثير كالنفوس والعيون ، وقوله : { ظلاله } أضاف الظلال إلى مفرد ، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال ، وإنما حسن هذا ، لأن الذي عاد إليه الضمير وإن كان واحدا في اللفظ وهو قوله إلى ما خلق الله ، إلا أنه كثير في المعنى ، ونظيره قوله تعالى : { لتستووا على ظهوره } ( الزخرف : 13 ) فأضاف الظهور وهو جمع ، إلى ضمير مفرد ، لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو قوله : { ما تركبون } هذا كله كلام الواحدي وهو بحث حسن . أما قوله : { عن اليمين والشمآئل } ففيه بحثان : البحث الأول : في المراد باليمين والشمائل قولان : القول الأول : أن يمين الفلك هو المشرق وشماله هو المغرب ، والسبب في تخصيص هذين الاسمين بهذين الجانبين أن أقوى جانبي الإنساني يمينه ، ومنه تظهر الحركة القوية ، فلما كانت الحركة الفلكية اليومية آخذة من المشرق إلى المغرب ، لا جرم كان المشرق يمين الفلك والمغرب شماله . إذا عرفت هذا فنقول : إن الشمس عند طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط الفلك تقع الإظلال إلى الجانب الغربي ، فإذا انحدرت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب الغربي وقع الإظلال في الجانب الشرقي ، فهذا هو المراد من تفيؤ الظلال من اليمين إلى الشمال وبالعكس ، وعلى هذا التقدير : فالإظلال في أول النهار تبتدىء من يمين الفلك على الربع الغربي من الأرض ، ومن وقت انحدار الشمس من وسط الفلك تبتدىء الإظلال من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي من الأرض . القول الثاني : أن البلدة التي يكون عرضها أقل من مقدار الميل ، فإن في الصيف تحصل الشمس على يسارها ، وحينئذ يقع الإظلال على يمينهم ، فهذا هو المراد من انتقال الإظلال عن الأيمان إلى الشمائل وبالعكس . هذا ما حصلته في هذا الباب ، وكلام المفسرين فيه غير ملخص . البحث الثاني : لقائل أن يقول : ما السبب في أن ذكر اليمين بلفظ الواحد ، والشمائل بصيغة الجمع ؟ .

Preguntas