Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Sección V20/P033–V20/P034

وأجيب عنه بأشياء : أحدها : أنه وحد اليمين والمراد الجمع ولكنه اقتصر في اللفظ على الواحد / كقوله تعالى : { ويولون الدبر } ( القمر : 45 ) . وثانيها : قال الفراء : كأنه إذا وحد ذهب إلى واحدة من ذوات الأظلال ، وإذا جمع ذهب إلى كلها ، وذلك لأن قوله : { ما خلق الله من شىء } لفظه واحد ، ومعناه الجمع على ما بيناه فيحتمل كلا الأمرين . وثالثها : أن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله تعالى : { وجعل الظلمات والنور } ( الأنعام : 1 ) وقوله : { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم } ( البقرة : 7 ) . ورابعها : أنا إذا فسرنا اليمين بالمشرق كانت النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها ، فكانت اليمين واحدة . وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة ، فلذلك عبر الله تعالى عنها بصيغة الجمع والله أعلم . المسألة الرابعة : أما قوله : { سجدا لله } ففيه احتمالات : الأول : أن يكون المراد من السجود الاستسلام والانقياد يقال : سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب ، وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل ويقال : أسجد لقرد السوء في زمانه ، أي أخضع له قال الشاعر : ترى الأكم فيها سجدا للحوافر أي متواضعة إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى دبر النيرات الفلكية ، والأشخاص الكوكبية بحيث يقع أضواؤها على هذا العالم السفلي على وجوه مخصوصة . ثم إنا نشاهد أن تلك الأضواء ، وتلك الإظلال لا تقع في هذا العالم إلا على وفق تدبير الله تعالى وتقديره ، فنشاهد أن الشمس إذا طلعت وقعت الأجسام الكثيفة أظلال ممتدة في الجانب الغربي من الأرض ، ثم كلما ازدادت الشمس طلوعا وارتفاعا / ازدادت تلك الأظلال تقلصا وانتقاصا إلى الجانب الشرقي إلى أن تصل الشمس إلى وسط الفلك ، فإذا انحدرت إلى الجانب الغربي ابتدأت الأظلال بالوقوع في الجانب الشرقي ، وكلما ازدادت الشمس انحدارا ازدادت الأظلال تمددا وتزايدا في الجانب الشرقي . وكما أنا نشاهد هذه الحالة في اليوم الواحد ، فكذلك نشاهد أحوال الأظلال مختلفة في التيامن والتياسر في طول السنة ، بسبب اختلاف أحوال الشمس في الحركة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس ، فلما شاهدنا أحوال هذه الأظلال مختلفة بسبب الاختلافات اليومية الواقعة في شرق الأرض وغربها ، وبحسب الاختلافات الواقعة في طول السنة في يمين الفلك ويساره ، ورأينا أنها واقعة على وجه مخصوص وترتيب معين ، علمنا أنها منقادة لقدرة الله خاضعة لتقديره وتدبيره ، فكانت السجدة عبارة عن هذه الحالة . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : اختلاف حال هذه الأظلال معلل باختلاف سير النير الأعظم الذي هو الشمس ، لا لأجل تقدير الله تعالى وتدبيره ؟ . / قلنا : قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركا لذاته ، إذ لو كانت ذاته علة لهذا الجزء المخصوص من الحركة ، لبقي هذا الجزء من الحركة لبقاء ذاته ، ولو بقي ذلك الجزء من الحركة لامتنع حصول الجزء الآخر من الحركة ، ولو كان الأمر كذلك لكان هذا سكونا لا حركة ، فالقول بأن الجسم المتحرك لذاته يوجب القول بكونه ساكنا لذاته وأنه محال ، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلا ، فعلمنا أن الجسم يمتنع كونه متحركا لذاته ، وأيضا فقد دللنا على أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية ، فاختصاص جرم الشمس بالقوة المعينة والخاصية المعينة لا بد وأن يكون بتدبير الخالق المختار الحكيم .

Sección V20/P034–V20/P035

إذا ثبت هذا فنقول : هب أن اختلاف أحوال الأظلال إنما كان لأجل حركات الشمس ، إلا أنا لما دللنا على أن محرك الشمس بالحركة الخاصة ليس إلا الله سبحانه كان هذا دليلا على أن اختلاف أحوال الأظلال لم يقع إلا بتدبير الله تعالى وتخليقه ، فثبت أن المراد بهذا السجود الانقياد والتواضع ، ونظيره قوله : { والنجم والشجر يسجدان } ( الرحمن : 6 ) وقوله : { وظلالهم بالغدو والاصال } ( الرعد : 15 ) قد مر بيانه وشرحه . والقول الثاني : في تفسير هذا السجود ، أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد . قال أبو العلاء المعري في صفة واد : بحرف يطيل الجنح فيه سجوده وللأرض زي الراهب المتعبد فلما كانت الأظلال تشبه بشكلها شكل الساجدين أطلق الله عليها هذا اللفظ ، وكان الحسن يقول : أما ظلك فسجد لربك ، وأما أنت فلا تسجد له بئسما صنعت ، وقال مجاهد : ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي ، وقيل : ظل كل شيء يسجد لله سواء كان ذلك ساجدا أم لا . واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى الحقائق العقلية ، والثاني أقرب إلى الشبهات الظاهرة . المسألة الخامسة : وقوله : { سجدا } حال من الظلال وقوله : { وهم داخرون } أي صاغرون ، يقال : دخر يدخر دخورا ، أي صغر يصغر صغارا ، وهو الذي يفعل ما تأمره شاء أم أبى ، وذلك لأن هذه الأشياء منقادة لقدرة الله تعالى وتدبيره وقوله : { وهم داخرون } حال أيضا من الظلال . فإن قيل : الظلال ليست من العقلاء فكيف جاز جمعها بالواو والنون ؟ . قلنا : لأنه تعالى لما وصفهم بالطاعة والدخور أشبهوا العقلاء . أما قوله تعالى : { ولله يسجد ما فى السماوات وما في الارض من دآبة والملئكة } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا أن السجود على نوعين : سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله تعالى ، وسجود هو عبارة عن الانقياد لله تعالى والخضوع ، ويرجع حاصل هذا السجود إلى أنها / في نفسها ممكنة الوجود والعدم قابلة لهما / وأنه لا يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح . إذا عرفت هذا فنقول : من الناس من قال : المراد بالسجود المذكور في هذه الآية السجود بالمعنى الثاني وهو التواضع والانقياد ، والدليل عليه أن اللائق بالدابة ليس إلا هذا السجود ومنهم من قال : المراد بالسجود ههنا هو المعنى الأول ، لأن اللائق بالملائكة هو السجود بهذا المعنى لأن السجود بالمعنى الثاني حاصل في كل الحيوانات والنباتات والجمادات ، ومنهم من قال : السجود لفظ مشترك بين المعنيين ، وحمل اللفظ المشترك لإفادة مجموع معنييه جائز ، فحمل لفظ السجود في هذه الآية على الأمرين معا ، أما في حق الدابة فبمعنى التواضع ، وأما في حق الملائكة فبمعنى سجود المسلمين لله تعالى ، وهذا القول ضعيف ، لأنه ثبت أن استعمال اللفظ المشترك لإفادة جميع مفهوماته معا غير جائز . المسألة الثانية : قوله : { من دابة } قال الأخفش : يريد من الدواب وأخبر بالواحد كما تقول ما أتاني من رجل مثله ، وما أتاني من الرجال مثله ، وقال ابن عباس : يريد كل ما دب على الأرض . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : ما الوجه في تخصبص الدواب والملائكة بالذكر ؟ فنقول فيه وجوه : الوجه الأول : أنه تعاني بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى وبين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى ، لأن أخسها الدواب وأشرفها الملائكة ، فلما بين في أخسها وفي أشرفها كونها منقادة لله تعالى كان ذلك دليلا على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى .

Sección V20/P035–V20/P037

والوجه الثاني : قال حكماء الإسلام : الدابة اشتقاقها من الدبيب ، والدبيب عبارة عن الحركة الجسمانية ، فالدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك ويدب ، فلما بين الله تعالى الملائكة عن الدابة علمنا أنها ليست مما يدب ، بل هي أرواح محضة مجردة ، ويمكن الجواب عنه بأن الجناح للطيران مغاير للدبيب بدليل قوله تعالى : { وما من دابة فى الارض ولا طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) والله أعلم . أما قوله تعالى : { وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } ففيه مسائل : المسألة الأولى : المقصود من هذه الآية شرح صفات الملائكة وهي دلالة قاهرة قاطعة على عصمة الملائكة عن جميع الذنوب ، لأن قوله : { وهم لا يستكبرون } يدل على أنهم منقادون لصانعهم وخالقهم وأنهم ما خالفوه في أمر من الأمور ، ونظيره قوله تعالى : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } ( مريم : 64 ) وقوله : { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } ( الأنبياء : 27 ) وأما قوله : { ويفعلون ما يؤمرون } فهذا أيضا / يدل على أنهم فعلوا كل ما كانوا مأمورين به ، وذلك يدل على عصمتهم عن كل الذنوب . فإن قالوا : هب أن هذه الآية تدل على أنهم فعلوا كل ما أمروا به فلم قلتم إنها تدل على أنهم تركوا كل ما نهوا عنه ؟ . قلنا : لأن كل ما نهي عن شيء فقد أمر بتركه ، وحينئذ يدخل في اللفظ ، وإذا ثبت بهذه الآية كون الملائكة معصومين من كل الذنوب ، وثبت أن إبليس ما كان معصوما من الذنوب بل كان كافرا ، لزم القطع بأن إبليس ما كان من الملائكة . والوجه الثاني : في بيان هذا المقصود أنه تعالى قال في صفة الملائكة : { وهم لا يستكبرون } ثم قال لإبليس : { أستكبرت أم كنت من العالين } ( ص : 75 ) وقال أيضا له : { فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها } ( الأعراف : 13 ) فثبت أن الملائكة لا يستكبرون وثبت أن إبليس تكبر واستكبر فوجب أن لا يكون من الملائكة وأيضا لما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة الملائكة / ثبت أن القصة الخبيثة التي يذكرونها في حق هاروت وماروت كلام باطل ، فإن الله تعالى وهو أصدق القائلين لما شهد في هذه الآية على عصمة الملائكة وبراءتهم عن كل ذنب ، وجب القطع بأن تلك القصة كاذبة باطلة والله أعلم . واحتج الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا : إنه تعالى وصفهم بالخوف ، ولولا أنهم يجوزون على أنفسهم الإقدام على الكبائر والذنوب وإلا لم يحصل الخوف . والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى منذرهم من العقاب فقال : { ومن يقل منهم إنى إلاه من دونه فذالك نجزيه جهنم } ( الأنبياء : 29 ) وهم لهذا الخوف يتركون الذنب . والثاني : وهو الأصح أن ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما ، والدليل على صحته قوله تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم ، كان الخوف منه أعظم ، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء والله أعلم . المسألة الثانية : قالت المشبهة قوله تعالى : { يخافون ربهم من فوقهم } هذا يدل على أن الإله تعالى فوقهم بالذات .

Sección V20/P037–V20/P038

واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهة في تفسير قوله تعالى : { وهو القاهر فوق عباده } ( الأنعام : 18 ) والذي نزيده ههنا أن قوله : { يخافون ربهم من فوقهم } معناه يخافون ربهم من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم ، وإذا كان اللفظ محتملا لهذا المعنى سقط قولهم ، وأيضا يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة والقهر كقوله : { وإنا فوقهم قاهرون } ( الأعراف : 127 ) والذي يقوي هذا الوجه أنه تعالى لما قال : { يخافون ربهم من فوقهم } وجب أن يكون المقتضى لهذا الخوف هو كون ربهم فوقهم لما ثبت / في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف يشعر بكون الحكم معللا بذلك الوصف . إذا ثبت هذا فنقول : هذا التعطيل إنما يصح لو كان المراد بالفوقية الفوقية بالقهر والقدرة لأنها هي الموجبة للخوف ، أما الفوقية بالجهة والمكان فهي لا توجب الخوف بدليل أن حارس البيت فوق الملك بالمكان والجهة مع أنه أخس عبيده فسقطت هذه الشبهة . المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أن الملائكة مكلفون من قبل الله تعالى وأن الأمر والنهي متوجه عليهم كسائر المكلفين ، ومتى كانوا كذلك وجب أن يكونوا قادرين على الخير والشر . المسألة الرابعة : تمسك قوم بهذه الآية في بيان أن الملك أفضل من البشر في وجوه : الوجه الأول : أنه تعالى قال : { ولله يسجد ما فى السماوات وما في الارض من دآبة والملئكة } وذكرنا أن تخصيص هذين النوعين بالذكر إنما يحسن إذا كان أحد الطرفين أخس المراتب وكان الطرف الثاني أشرفها حتى يكون ذكر هذين الطرفين منبها على الباقي ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الملائكة أشرف خلق الله تعالى . الوجه الثاني : أن قوله تعالى : { وهم لا يستكبرون } يدل على أنه ليس في قلوبهم تكبر وترفع وقوله : { ويفعلون ما يؤمرون } يدل على أن أعمالهم خالية عن الذنب والمعصية ، فمجموع هذين الكلامين يدل على أن بواطنهم وظواهرهم مبرأة عن الأخلاق الفاسدة والأفعال الباطلة ، وأما البشر فليسوا كذلك . ويدل عليه القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى : { قتل الإنسان ما أكفره } ( عبس : 17 ) وهذا الحكم عام في الإنسان ، وأقل مراتبه أن تكون طبيعة الإنسان مقتضية لهذه الأحوال الذميمة ، وأما الخبر فقوله عليه السلام : ( ما منا إلا وقد عصى أو هم بالمعصية غير يحيى بن زكريا ) ومن المعلوم بالضرورة أن المبرأ عن المعصية والهم بها أفضل ممن عصى أو هم بها . الوجه الثالث : أنه لا شك أن الله تعالى خلق الملائكة قبل البشر بأدوار متطاولة وأزمان ممتدة ، ثم إنه وصفهم بالطاعة والخضوع والخشوع طول هذه المدة ، وطول العمر مع الطاعة يوجب مزيد الفضيلة لوجهين : الأول : قوله عليه السلام : ( الشيخ في قومه كالنبي في أمته ) فضل الشيخ على الشاب ، وما ذاك إلا لأنه لما كان عمره أطول فالظاهر أن طاعته أكثر فكان أفضل . والثاني : أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة فلما كان شروع الملائكة في الطاعات قبل شروع البشر فيها لزم أن يقال إنهم هم الذين سنوا هذه السنة الحسنة ، وهي طاعة الخالق القديم الرحيم ، والبشر إنما جاؤوا بعدهم واستنوا سنتهم ، فوجب بمقتضى هذا الخبر أن كل ما حصل للبشر من الثواب فقد حصل مثله للملائكة ولهم ثواب القدر الزائد من الطاعة فوجب كونهم أفضل من غيرهم .

Sección V20/P038–V20/P039

/ الوجه الرابع : في دلالة الآية على هذا المعنى قوله : { يخافون ربهم من فوقهم } وقد بينا بالدليل أن هذه الفوقية عبارة عن الفوقية بالرتبة والشرف والقدرة والقوة ، فظاهر الآية يدل على أنه لا شيء فوقهم في الشرف والرتبة إلا الله تعالى ، وذلك يدل على كونهم أفضل المخلوقات والله أعلم . ! 7 < { وقال الله لا تتخذوا إلاهين اثنين إنما هو إلاه واحد فإياي فارهبون وله ما فى السماوات والا رض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بمآ ءاتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون < < النحل : ( 51 - 55 ) وقال الله لا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن كل ما سوى الله سواء كان من عالم الأرواح أو من عالم الأجسام ، فهو منقاد خاضع لجلال الله تعالى وكبريائه ، أتبعه في هذه الآية بالنهي عن الشرك وبالأمر بأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه وأنه غني عن الكل فقال : { لا تتخذوا إلاهين اثنين إنما هو إلاه واحد } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول : إن الإلهين لا بد وأن يكونا اثنين ، فما الفائدة في قوله : { إلاهين اثنين } . وجوابه من وجوه : أحدها : قال صاحب ( النظم ) : فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : لا تتخذوا اثنين إلهين . وثانيها : وهو الأقرب عندي أن الشيء إذا كان مستنكرا مستقبحا ، فمن أراد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سببا لوقوف العقل على ما فيه من القبح . / إذا عرفت هذا القول بوجود الإلهين قول مستقبح في العقول ، ولهذا المعنى فإن أحدا من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجوب والقدم وصفات الكمال ، فقوله : { لا تتخذوا إلاهين اثنين } المقصود من تكريره تأكيد التنفير عنه وتكميل وقوف العقل على ما فيه من القبح . وثالثها : أن قوله : { إلاهين } لفظ واحد يدل على أمرين : ثبوت الإله وثبوت التعدد ، فإذا قيل : لا تتخذوا إلهين لم يعرف من هذا الفظ أن النهي وقع عن إثبات الإله أو عن إثبات التعدد أو عن مجموعهما . فلما قال : { لا تتخذوا إلاهين اثنين } ثبت أن قوله : { لا تتخذوا إلاهين } نهي عن إثبات التعدد فقط . ورابعها : أن الأثينية منافية للإلهية ، وتقريره من وجوه : الأول : أنا لو فرضنا موجودين يكون كل واحد منهما واجبا لذاته لكانا مشتركين في الوجوب الذاتي ومتباينين بالتعين وما به المشاركة غير ما به المباينة ، فكل واحد منهما مركب من جزأين ، وكل مركب فهو ممكن ، فثبت أن القول بأن واجب الوجود أكثر من واحد ينفي القول بكونهما واجبي الوجود . والثاني : أنا لو فرضنا إلهين وحاول أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه امتنع كون أحدهما أولى بالفعل من الثاني ، لأن الحركة الواحدة والسكون الواحد لا يقبل القسمة أصلا ولا التفاوت أصلا ، وإذا كان كذلك امتنع أن تكون القدرة على أحدهما أكمل من القدرة على الثاني ، وإذا ثبت هذا امتنع كون إحدى القدرتين أولى بالتأثير من الثانية ، وإذا ثبت هذا فإما أن يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال ، أو لا يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال أو لا يحصل مراد كل واحد منهما ألبتة . فحينئذ يكون كل واحد منهما عاجزا والعاجز لا يكون إلها . فثبت أن كونهما اثنين ينفي كون كل واحد منهما إلها . الثالث : أنا لو فرضنا إلهين اثنين لكان إما أن يقدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر ، فإن قدر ذاك إله والآخر ضعيف ، وإن لم يقدر فهو ضعيف ، والرابع : وهو أن أحدهما إما أن يقوى على مخالفة الآخر ، أو لا يقوى عليه فإن لم يقو عليه فهو ضعيف ، وإن قوي عليه فذاك الآخر إن لم يقو على الدفع فهو ضعيف ، وإن قوي عليه فالأول المغلوب ضعيف . فثبت أن الأثنينية والإلهية متضادتان . فقوله : { لا تتخذوا إلاهين اثنين } المقصود منه التنبيه على حصول المنافاة والمضادة بين الإلهية وبين الأثينية . والله أعلم .

Sección V20/P039–V20/P040

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال : { إنما هو إلاه واحد } والمعنى : أنه لما دلت الدلائل السابقة على أنه لا بد للعالم من الإله ، وثبت أن القول بوجود الإلهين محال ، ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الحق الصمد . ثم قال بعده : { فإياي فارهبون } وهذا رجوع من الغيبة إلى الحضور ، والتقدير : أنه لما ثبت / أن الإله واحد وثبت أن المتكلم بهذا الكلام إله ، فحينئذ ثبت إنه لا إله للعالم إلا المتكلم بهذا الكلام ، فحينئذ يحسن منه أن يعدل من الغيبة إلى الحضور ، ويقول : { فإياي فارهبون } وفيه دقيقة أخرى وهو أن قوله : { فإياي فارهبون } يفيد الحصر ، وهو أن لا يرهب الخلق إلا منه ، وأن لا يرغبوا إلا في فضله وإحسانه ، وذلك لأن الموجود إما قديم وإما محدث ، أما القديم الذي هو الإله فهو واحد ، وأما ما سواه فمحدث ، وإنما حدث بتخليق ذلك القديم وبإيجاده ، وإذا كان كذلك فلا رغبة إلا إليه ولا رهبة إلا منه ، فبفضله تندفع الحاجات وبتكوينه وبتخليقه تنقطع الضرورات . ثم قال بعده : { وله ما فى السماوات والارض } وهذا حق ، لأنه لما كان الإله واحدا ، والواجب لذاته واحدا ، كان كل ما سواه حاصلا بتخليقه وتكوينه وإيجاده ، فثبت بهذا البرهان صحة قوله : { وله ما فى السماوات والارض } واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، لأن أفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض ، فوجب أن تكون أفعال العباد لله تعالى ، وليس المراد من كونها لله تعالى أنها مفعولة لله لأجله ولغرض طاعته ، لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة ، لا لغرض الطاعة ، فوجب أن يكون المراد من قولنا إنها لله أنها واقعة بتكوينه وتخليقه وهو المطلوب . ثم قال بعده : { وله الدين واصبا } الدين ههنا الطاعة ، والواصب الدائم . يقال : وصب الشيء يصب وصوبا إذا دام ، قال تعالى : { ولهم عذاب واصب } ( الصافات : 9 ) ويقال : واظب على الشيء وواصب عليه إذا داوم ، ومفازة واصبة أي بعيدة لا غاية لها . ويقال للعليل واصب ، ليكون ذلك المرض لازما له . قال ابن قتيبة : ليس من أحد يدان له ويطاع ، إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو بالموت إلا الحق سبحانه ، فإن طاعته واجبة أبدا . واعلم أن قوله { واصبا } حال ، والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل . وأقول : الدين قد يعني به الأنقياد ، يقال : يا من دانت له الرقاب أي انقادت ، فقوله { وله الدين واصبا } أي انقياد كل ما سواه لا لازم أبدا ، لأن انقياد غيره له معلل بأن غيره ممكن لذاته ، والممكن لذاته يلزمه أن يكون محتاجا إلى السبب في طرفي الوجود والعدم ، والماهيات يلزمها الإمكان لزوما ذاتيا ، والإمكان يلزمه الاحتياج إلى المؤثر لزوما ذاتيا ، ينتج أن الماهيات يلزمها الاحتياج إلى المؤثر لزوما ذاتيا ، فهذه الماهيات موصوفة بالانقياد لله تعالى اتصافا دائما واجبا لازما ممتنع التغير . وأقول : في الآية دقيقة أخرى ، وهي أن العقلاء اتفقوا على أن الممكن حال حدوثه محتاج إلى السبب المرجح ، واختلفوا في الممكن حال بقائه هل هو محتاج إلى السبب ؟ قال المحققون : إنه محتاج لأن علة الحاجة هي الامكان ، والإمكان من لوازم الماهية فيكون حاصلا للماهية حال حدوثها وحال بقائها فتكون علة الحاجة حال حدوث الممكن وحال بقائه ، فوجب أن تكون الحاجة حاصلة حال حدوثها وحال بقائها .

Sección V20/P040–V20/P041

إذا عرفت هذا فقوله { وله ما في السموات والأرض } معناه : أن كل ما سوى الحق فإنه محتاج في انقلابه من العدم إلى الوجود أو من الوجود إلى العدم إلى مرجح ومخصص ، وقوله ، { وله الدين واصبا } معناه أن هذا الانقياد وهذا الاحتياج حاصل دائما أبدا ، وهو إشارة إلى ما ذكرناه من أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرجح والمخصص ، وهذه دقائق من أسرار العلوم الإلهية مودعة في هذه الألفاظ الفائضة من عالم الوحي والنبوة . ثم قال تعالى { أفغير الله تتقون } والمعنى : أنكم بعدما عرفتم أن إله العالم واحد وعرفتم أن كل ما سواه محتاج إليه في وقت حدوثه ، ومحتاج إليه أيضا في وقت دوامه وبقائه ، فبعد العلم بهذه الأصول كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير الله تعالى أو رهبة عن غير الله تعالى ؟ فلهذا المعنى قال على سبيل التعجب { أفغير الله تتقون } ثم قال { وما بكم من نعمة فمن الله } وفيه مسائل : المسألة الأولى : أنه لما بين بالآية أن الواجب على العاقل أن لا يتقي غير الله ، بين في هذه الآية أنه يجب عليه أن لا يشكر أحدا إلا الله تعالى ، لأن الشكر إنما يلزم على النعمة ، وكل نعمة حصلت للإنسان فهي من الله تعالى لقوله { وما بكم من نعمة فمن الله } فثبت بهذا أن العاقل يجب عليه أن لا يخاف وأن لا يتقي أحدا إلا الله وأن لا يشكر أحدا إلا الله تعالى . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان حصل بخلق الله تعالى فقالوا الإيمان نعمة ، وكل نعمة فهي من الله تعالى لقوله { وما بكم من نعمة فمن الله } ينتج أن الإيمان من الله وإنما قلنا : إن الإيمان نعمة ، لأن المسلمين مطبقون على قولهم : الحمد لله على نعمة الإيمان ، وأيضا فالنعمة عبارة عن كل ما يكون منتفعا به ، وأعظم الأشياء في النفع هو الإيمان ، فثبت أن الإيمان نعمة . وإذا ثبت هذا فنقول : وكل نعمة فهي من الله تعالى لقوله تعالى { وما بكم من نعمة فمن الله } وهذه اللفظة تفيد العموم ، وأيضا مما يدل على أن كل نعمة فهي من الله ، لأن كل ما كان موجودا فهو إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا الله تعالى ، والممكن لذاته لا يوجد إلا لمرجح ، وذلك المرجح إن كان واجبا لذاته كان حصول ذلك الممكن بإيجاد الله تعالى وإن كان ممكنا لذاته عاد التقسيم الأول فيه ، ولا يذهب إلى التسلسل ، بل ينتهي إلى إيجاد الواجب لذاته ، فثبت بهذا البيان أن كل نعمة فهي من الله تعالى . المسألة الثالثة : النعم إما دينية ، وإما دنيوية ، أما النعم الدينية فهي إما معرفة الحق لذاته وإما معرفة الخير لأجل العمل به ، وأما النعم الدنيوية فهي إما نفسانية وأما بدنية وإما خارجية ، وكل واحد من هذه الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر والتحديد كما قال { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } [ إبراهيم : 34 ] والإشارة إلى تفصيل تلك الأنواع قد ذكرناها مرارا فلا نعيدها . المسألة الرابعة : إنما دخلت الفاء في قوله { فمن الله } لأن الباء في قوله { بكم } متصلة بفعل مضمر ، والمعنى : ما يمكن بكم أو ما حل بكم من نعمة فمن الله . ثم قال تعالى { ثم إذا مسكم الضر } قال ابن عباس : يريد الأسقام والأمراض والحاجة { فإليه تجأرون } أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة ، وتتضرعون إليه بالدعاء يقال : جأر يجأر جؤارا وهو الصوت الشديد كصوت البقرة ، وقال الأعشى يصف راهبا : يراوح من صلوات المليك طورا سجودا وطورا جؤارا

Sección V20/P041–V20/P042

والمعنى : أنه تعالى بين أن جميع النعم من الله تعالى ، ثم إذا اتفق لأحد مضرة توجب زوال شيء من تلك النعم فإلى الله يجأر ، أي لا يستغيث أحدا إلا الله تعالى لعلمه بأنه لا مفزع للخلق إلا هو ، فكأنه تعالى قال لهم فأين أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاء والسلامة ، ثم قال بعده { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } فبين تعالى أن عند كشف الضر وسلامة الأحوال يفترقون ففريق منهم يبقى على مثل ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى الله تعالى ، وفريق منهم عند ذلك يتغيرون فيشركون بالله غيره ، وهذا جهل وضلال ، لأنه لما شهدت فطرته الأصلية وخلقته الغريزية عند نزول البلاء والضراء والآفات والمخافات أن لا مفزع إلا إلى الواحد ولا مستغاث إلا الواحد ، فعند زوال البلاء والضراء وجب أن يبقى على ذلك الإعتقاد ، فأما أنه عند نزول البلاء يقر بأنه لا مستغاث إلا الله تعالى ، وعند زوال البلاء يثبت الأضداد والشركاء ، فهذا جعل عظيم وضلال كامل . ونظير هذه الآية قوله تعالى { فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } [ العنكبوت : 65 ] . ثم قال تعالى { ليكفروا بما آتيناهم } وفي هذه اللام وجهان : الأول : أنها لام كي والمعنى أنهم شركوا بالله غيره في كشف ذلك الضر عنهم . وغرضهم منذلك الإشراك أن ينكروا كون ذلك الإنعام من الله تعالى ، ألا ترى أن العليل إذا اشتد وجعه تضرع إلى الله تعالى في إزالة ذلك الوجع ، فإذا زال أحال زواله على الدواء الفلاني والعلاج الفلاني ، وهذا أكثر أحوال الخلق . وقال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه الله : في اليوم الذي كنت أكتب هذه الأوراق وهو اليوم الأول من محرم سنة اثنتين وستمائة حصلت زلزلة شديدة وهدة عظيمة وقت الصبح ورأيت الناس يصيحون بالدعاء والتضرع ، فلما سكتت وطاب الهواء وحسن أنواع الوقت ، نسوا في الحال تلك الزلزلة وعادوا إلى ما كانوا عليه من تلك السفاهة والجهالة ، وكان هذه الحالة التي شرحها الله تعالى في هذه الآية تجري مجرى الصفة اللازمة لجوهر نفس الإنسان . والقول الثاني : أن هذه اللام لام العاقبة كقوله تعالى { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } [ القصص : 8 ] يعني ان عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفر . واعلم أن المراد بقوله { بما آتيناهم } فيه قولان : الأول : أنه عبارة عن كشف الضر وإزالة المكروه . والثاني : قال بعضهم : المراد به القرآن وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من النبوة والشرائع . واعلم أنه تعالى توعدهم بعد ذلك فقال { فتمتعوا } وهذا لفظ أمر ، والمراد منه التهديد ، كقوله { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } [ الكهف : 29 ] وقوله { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا } [ الإسراء : 107 ] . ثم قال تعالى { فسوف تعلمون } أي عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب والله أعلم . قوله تعالى ! 7 < { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم } > 7 < النحل : ( 56 - 60 ) ويجعلون لما لا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل القاهرة فساد أقوال أهل الشرك والتشبيه ، شرح في هذه الآية تفاصيل أقوالهم وبين فسادها وسخافتها .

Sección V20/P042–V20/P043

فالنوع الأول من كلماتهم الفاسدة : أنهم يجعلون لما لا يعلمون نصيبا وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الضمير في قوله { لما لا يعلمون } إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه عائد إلى المشركين المذكورين في قوله { إذا فؤيق منكم بربهم يشركون } والمعنى أن المشركين لا يعلمون . والثاني : أنه عائد إلى الأصنام أي لا يعلم الأصنام ما يفعل عبادها . قال بعضهم : الأول أولى لوجوه : أحدها أن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز . وثانيها : أن الضمير في قوله { ويجعلون } عائد إلى المشركين فكذلك في قوله { لما لا يعلمون } يجب أن يكون عائد إليهم . وثالثها : أن قوله { لما لا يعلمون } جمع بالواو والنون ، وهو بالعقلاء أليق منه بالأصنام التي هي جمادات . ومنهم من قال بل القول الثاني أولى لوجوه : الأول : أنا إذا قلنا إنه عائد إلى المشركين افتقرنا إلى إضمار ، فإن التقدير : ويجعلون لما لا يعلمون إلها ، أو لما لا يعلمون كونه نافعا ضارا ، وإذا قلنا إنه عائد إلى الأصنام ، لم نفتقر إلى الإضمار لأن التقدير : ويجعلون لما لا علم لها ولا فهم . والثاني : أنه لو كان العلم مضافا إلى المشركين لفسد المعنى ، لأن من المحال أن يجعلوا نصيبا من رزقهم لما لا يعلمونه ، فهذا ما قيل في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر . واعلم أنا إذا قلنا بالقول الأول افتقرنا فيه إلى الإضمار ، وذلك يحتمل وجة ها : أحدها : ويجعلون لما لا يعلمون له حقا ، ولا يعلمون في طاعته نفعا ولا في الاعراض عنه ضررا ، قال مجاهد : يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه ينفعهم ويضرهم نصيبا . وثانيها : ويجعلون لما لا يعلمون إلهيتها . وثالثها : ويجعلون لما لا يعلمون السبب في صيرورتها معبودة . ورابعها : المراد استحقار الأصنام حتى كأنها لقلتها لا تعلم . المسألة الثانية : في تفسير ذلك نصيب احتمالات : الأول : المراد منه أنهم جعلوا لله نصيبا من الحرث والأنعام يتقربون إلى الله تعالى به ، ونصيبا إلى الأصنام يتقربون به إليها ، وقد شرحنا ذلك في آخر سورة الأنعام . والثاني : أن المراد من هذا النصيب : البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام ، وهي قول الحسن . والثالث : ربما اعتقدوا في بعض الأشياء أنه إنما حصل بإعانة بعض تلك الأصنام ، كما أن المنجمين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة ، فيقولون لزحل كذا من المعادن والنبات والحيوانات وللمشتري أشياء أخرى فكذا ههنا . واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين هذا المذهب قال { تالله لتسألن } وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة بمنزلة قوله { فوربك لنسألن أجمعين عما كانوا يعملون } [ الحجر : 92 ] وعلى التقديرين فأقسم الله تعالى بنفسه أنه يسألهم ، وهذا تهديد منه شديد ، لأن المراد أنه يسألهم سؤال توبيخ وتهديد ، وفي وقت هذا السؤال احتمالان : الأول : أنه يقع ذلك السؤال عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب ، وقيل عند عذاب القبر . والثاني : أنه يقع ذلك في الآخرة ، وهذا أولى لأنه تعالى قد أخبر بما يجري هناك من ضروب التوبيخ عند المسألة فهو إلى الوعيد أقرب .

Sección V20/P043–V20/P044

النوع الثاني من كلماتهم الفاسدة : أنهم يجعلون لله البنات ، ونظيره قوله تعالى { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } [ الزخرف : 19 ] كانت خزاعة وكنانة تقول : الملائكة بنات الله . أقول أظن أن العرب إنما أطلقوا لفظ البنات لأن الملائكة لما كانوا مستترين عن العيون أشبهوا النساء في الاستتار فأطلقوا عليهم لفظ البنات . وأيضا قرص الشمس يجري مجرى المستتر عن العيون بسبب ضوئه الباهر ونوره القاهر فأطلقوا عليه لفظ التأنيث فهذا ما يغلب على الظن في سبب إقدامهم على هذا القول الفاسد والمذهب الباطل . ولما حكى الله تعالى عنهم هذا القول قال { سبحانه } وفيه وجوه : الأول : أن يكون المراد تنزيه ذاته عن نسبة الولد إليه . والثاني : تعجيب الخلق من هذا الجهل القبيح ، وهو وصف الملائكة بالأنوثة ثم نسبتها بالولدية إلى الله تعالى . والثالث : قيل في التفسير معناه معاذ الله وذلك مقارب للوجه الأول . ثم قال تعالى { ولهم ما يشتهون } أجاز الفراء في ' ما ' وجهين : الأول : أن يكون في محل النصب على معنى : ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون . والثاني : أن يكون رفعا على الابتداء كأنه تم الكلام عند قوله { سبحانه } ثم ابتدأ فقال { ولهم ما يشتهون } يعني البنين وهو كقوله { أم له البنات ولكم البنون } [ الطور : 39 ] ثم اختار الوجه الثاني وقال : لو كان نصيبا ، لقال ولأنفسهم ما يشتهون ، لأنك تقول جعلت لنفسك كذا وكذا ، ولا تقول جعلت لك ، وأبى الزجاج إجازة الوجه الأول ، وقال ' ما ' في موضع رفع لا غير ، والتقدير : ولهم الشيء الذي يشتهونه ، ولا يجوز النصب لأن العرب تقول جعل لنفسه ما تشتهي ، ولا تقول جعل له ما يشتهي وهو يعني نفسه . ثم إنه تعالى ذكر أن الواحد من هؤلاء المشركين لا يرضى بالولد البنت لنفسه فما لا يرتضيه لنفسه كيف ينسبه لله تعالى فقال { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : التبشير في عرف اللغة مختص بالخبر الذي يفيد السرور إلا أنه بحسب أصل اللغة عبارة عن الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه ، ومعلوم أن السرور كما يوجب تغير البشرة فكذلك الحزن يوجبه . فوجب أن يكون لفظة التبشير حقيقة في القسمين ، ويتأكد هذا بقوله { فبشرهم بعذاب أليم } [ آل عمران : 21 ] ومنهم من قال : المراد بالتبشير ههنا الأخبار ، والقول الأول أدخل في التحقيق . أما قوله { ظل وجهه مسودا } فالمعنى أنه يصير متغيرا تغير مغتم ، ويقال لمن لقي مكروها قد اسود وجهه غما وحزنا ، وأقول إنما جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم ، وذلك لأن الإنسان إذا قوي فرحه انشرح صدره وانبسط روح قلبه من داخل القلب ، ووصل إلى الأطراف ، ولا سيما إلى الوجه لما بينهما من التعلق الشديد ، وإذا وصل الروح إلى ظاهر الوجه أشرق الوجه وتلألأ واستنار ، وأما إذا قوي غم الإنسان احتقن الروح في باطن القلب ولم يبق منه أثر قوي في ظاهر الوجه ، فلا جرم يربد الوجه ويصفر ويسود ويظهر فيه أثر الأرضية والكثافة ، فثبت أن من لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه ، ومن لوازم الغم كمودة الوجه وغبرته وسواده ، فلهذا السبب جعل بياض الوجه وإشراقه كناية عن الفرح وغبرته وكمودته وسوداه كناية عن الغم والحزن والكراهية ، ولهذا المعنى قال { ظل وجهه مسودا وهو كظيم } أي ممتلئ غما وحزنا .

Sección V20/P044–V20/P045

ثم قال تعالى { يتوارى من القوم من سوء } أي يختفي ويتغيب من سوء ما بشر به ، قال المفسرون : كان الرجل في الجاهلية إذا ظهر آثار الطلق بامرأته توارى واختفى عن القوم إلى أن يعلم ما يولد له فإن كان ذكرا ابتهج به ، وإن كان أنثى حزن ولم يظهر للناس أياما فيها أنه ماذا يصنع بها ؟ وهو قوله { أيمسكه على هون أم يدسه في التراب } والمعنى : أيحسبه ؟ والإمساك ههنا بمعنى الحبس كقوله { أمسك عليك زوجك } [ الأحزاب : 37 ] وإنما قال { أيمسكه } ذكره بضمير الذكران لأن هذا الضمير عائد على ' ما ' في قوله { بشر به } والهون الهوان قال النضر بن شميل يقال إنه أهون عليه هونا وهوانا ، وأهنته هونا وهوانا ، وذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله { عذاب الهون } وفي أن هذا الهون صفة من ؟ قولان : الأول أنه صفة المولودة ، ومعناه أنه يمسكها عن هون منه لها ، والثاني قال عطاء عن ابن عباس : إنه صفة للأب ، ومعناه أنه يمسكها مع الرضا بهوان نفسه وعلى رغم أنفه . ثم قال { أم يدسه في التراب } والدس إخفاء الشيء في الشيء . يروى أن العرب كانوا يحفرون حفيرة ويجعلونها فيها حتى تموت . وروي عن قيس بن عاصم أنه قال : يا رسول الله إني واريت ثماني بنات في الجاهلية فقال عليه السلام < < أعتق عن كل واحدة منهن رقبة > > فقال : يا نبي الله إن ذو إبل ، فقال < < اهد عن كل واحدة منهن هديا > > وروي أن رجلا قال يا رسول الله : ما أجد حلاوة الإسلام منذ أسلمت ، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة فأمرت امرأتي أن تزينها فأخرجتها إلي فانتهيت بها إلى واد بعيد القعر فألقيتها فيه ، فقالت : يا أبت قتلتني ، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء ، فقال عليه السلام < < ما كان في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما كان في الإسلام يهدمه الاستغفار > > واعلم أنهم كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها فيها إلى أن تموت ، ومنهم من يرميها من شاهق جبل ، ومنهم من يغرقها ومنهم من يذبحها ، وهم كانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية ، وتارة خوفا من الفقر والفاقة ولزوم النفقة ، ثم إنه قال { ألا ساء ما يحكمون } وذلك لأنهم بلغوا من الاستنكاف من البنت إلى أعظم الغايات ، فأولها : أن يسود وجهه ، وثانيها : أنه يختفي عن القوم من شدة نفرته عن البنت ، وثالثها : أن الولد محبوب بحسب الطبيعة ، ثم إنه بسبب شدة نفرته عنها يقدم على قتلها ، وذلك يدل على أن النفرة عن البنت والاستنكاف عنها قد بلغ مبلغا لا يزداد عليه . إذا ثبت هذا فالشيء الذي بلغ الاستنكاف منه إلى هذا الحد العظيم كيف يليق بالعاقل أن ينسبه لإله العالم المقدس العالي عن مشابهة جميع المخلوقات ؟ ونظير هذه الآية قوله تعالى { ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى } [ النجم : 22 ] .

Sección V20/P045–V20/P046

المسألة الثانية : قال القاضي : هذه الآية تدل على بطلان الخبر ؛ لأنهم يضيقون إلى الله تعالى من الظلم والفواحش ما إذا أضيف إلى أحدهم أجهد نفسه في البراءة منه والتباعد عنه ، فحكمهم في ذلك مشابهة لحكم هؤلاء المشركين ، ثم قال : بل أعظم ، لأن إضافة البنات إليه إضافة قبح واحد ، وذلك أسهل من إضافة كل القبائح والفواحش إلى الله تعالى . فيقال للقاضي : إنه لما ثبت بالدليل استحالة الصاحبة والولد على الله تعالى أردفه الله تعالى بذكر هذا الوجه الاقناعي ، وإلا فليس كل ما قبح منا في العرف قبح من الله تعالى . ألا ترى رجلا زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن ثم بالغ في تقوية الشهوة فيهم وفيهن ، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالاتفاق حسن من الله تعالى وقبيح من كل خلق ، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبنية على العرف ، فلا جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الاقناعية . أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية القاطعة أن خالقها هو الله تعالى ، فكيف يمكن إلحاق أحد البابين بالآخر لولا شدة التعصب ؟ والله أعلم . ثم قال تعالى { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى } والمثل لاسوء عبارة عن الصفة السوء وهي احتياجهم إلى الولد ، وكراهتهم الإناث خوف الفقر والعار { ولله المثل الأعلى } أي الصفة العالية المقدسة ، وهي كونه تعالى منزها عن الولد . فإن قيل : كيف جاء { ولله المثل الأعلى } مع قوله { فلا تضربوا لله الأمثال } [ النحل : 74 ] . قلنا : المثل الذي يذكره الله حق وصدق والذي يذكره غيره فهو الباطل ، والله أعلم قوله تعالى ! 7 < { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أنم لهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } > 7 < النحل : ( 61 - 64 ) ولو يؤاخذ الله . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم ، بين أنه يمهل هؤلاء الكفار ولا يعالجهم بالعقوبة ، إظهارا للفضل والرحمة والكرم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى { ولو يؤاخ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } من وجهين : الأول : أنه قال { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } فأضاف الظلم إلى كل الناس ، ولا شك أن الظلم من المعاصي ، فهذا يقتضي كون كل إنسان آتيا بالذنب والمعصية ، والأنبياء عليهم السلام من الناس ، فوجب كونهم آتين بالذنب والمعصية ، والثاني : أنه تعالى قال : ما ترك على ظهرها من دابة . وهذا يقتضي أن كل من كان على ظهر الأرض فهو آت بالظلم والذنب ، حتى يلزم من إفناء كل من كان ظالما إفناء كل الناس . أما إذا قلنا : الأنبياء عليهم السلام لم يصدر عنهم ظلم فلا يجب إفناؤهم ، وحينئذ لا يلزم من إفناء كل الظالمين إفناء كل الناس ، وأن لا يبقى على ظهر الأرض دابة ، ولما لزم علمنا أن كل البشر ظالمون سواء كانوا من الأنبياء أو لم يكونوا كذلك .

Sección V20/P046–V20/P047

والجواب : ثبت بالدليل أن كل الناس ليسوا ظالمين لأنه تعالى قال : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } [ فاطر : 32 ] أي فمن العباد من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ، ولو كان المقتصد والسابق ظالما لفسد ذلك التقسيم ، فعلمنا أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز أن يقال كل الخلق ظالمون . وإذا ثبت هذا فنقول : الناس المذكورون في قوله { ولو يؤاخذ الله الناس } إما كل العصاة المستحقين للعقاب أو الذين ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات . وعلى هذا التقدير فيسقط الاستدلال . والله أعلم . المسألة الثانية : من الناس من احتج بهذه الآية على أن الأصل في المضمار الحرمة ، فقال : لو كان الضرر مشروعا لكان إما أن يكون مشروعا على وجه يكون جزاء على جرم صادر منهم أو لا على هذا الوجه ، والقسمان باطلان ، فوجب أن لا يكون مشروعا أصلا . أما بيان فساد القسم الأول ، فقوله تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة } والاستدلال به من وجهين : الأول : أن كلمة ' لو ' وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره . فقوله : لول يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة . يقتضي أنه تعالى ما أخذهم بظلمهم وأنه ترك على ظهرها من دابة . والثاني : أنه لما دلت الآية على أن لازمة الله الناس بظلمهم هو أن لا يترك على ظهرها دابة ، ثم إنا نشاهد أنه تعالى ترك على ظهرها دواب كثيرين ، فوجب القطع بأنه تعالى لا يؤاخذ الناس بظلمهم ، فثبت بهذا أنه لا يجوز أن تكون المضار مشروعة على وجه تقع أجزية عن الجرائم وأما القسم الثاني : وهو أن يكون مشروعا ابتداء لا على وجه يقع أجزية عن جرم سابق ، فهذا باطل بالاجماع ، فثبت أن مقتضى هذه الآية تحريم المضار مطلقا ، ويتأكد هذا أيضا بآيات أخرى كقوله تعالى { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } [ الأعراف : 56 ] وكقوله { وما جعل عليكم في الدين من حرج } [ الحج : 78 ] وكقوله { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ البقرة : 185 ] وكقوله عليه السلام < < لا ضرر ولا ضرار في الإسلام > > وكقوله < < ملعون من ضر مسلما > > فثبت بمجموع هذه الآيات والأخبار أن الأصل في المضار الحرمة ، فنقول : إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من كل الوجوه ، فإن وجدنا نصا خاصا يدل على كونه مشروعا قضينا به تقديما للخاص على العام ، وإلا قضينا عليه بالحرمة بناء على هذا الأصل الذي قررناه . ومنهم من قال هذه القاعدة تدل على أن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون في حقه ، لأن المنع منه ضرر ، والضرر غير مشروع بمقتضى هذا الأصل وكل ما يكرهه الإنسان وجب أن يحرم لأن وجوده ضرر والضرر غير مشروع ، فثبت أن هذا الأصل يتناول جميع الوقائع الممكنة إلى يوم القيامة . ثم نقول القياس الذي يتمسك به في إثبات الأحكام إما أن يكون لى وفق هذه القاعدة أو على خلافها ، والأول باطل ؛ لأن هذا الأصل يغني عنه ، والثاني باطل ؛ لأن النص راجح على القياس والله أعلم .

Sección V20/P047–V20/P048

المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أن الظلم والمعاصي ليست فعلا لله تعالى ، بل تكون أفعالا للعباد ، لأنه تعالى أضاف ظلم العباد إليهم وما أضافه إلى نفسه ، فقال { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } وأيضا فلو كان خلقا لله تعالى لكانت مؤاخذتهم بها ظلما من الله تعالى ، ولما منع الله تعالى العباد من الظلم في هذه الآية ؛ فبأن يكون منزها عن الظلم كان أولى ، قالوا : ويدل أيضا على أن أعمالهم مؤثرة في وجوب الثواب والعقاب أن قوله { بظلمهم } الباء فيه تدل على العلية كما في قوله { ذلك بأنهم شاقوا الله } [ الأنفال : 13 ] . واعلم أن الكلام في هذه المسائل قد ذكرناه مرارا فلا نعيده . والله أعلم . المسألة الرابعة : ظاهر الآية يدل على أن إقدام الناس على الظلم يوجب إهلاك جميع الدواب وذلك غير جائز ، لأن الدابة لم يصدر عنها ذنب ، فكيف يجوز إهلاكها بسبب ظلم الناس ؟ والجواب عنه من وجهين : الوجه الأول : أنا لا نسلم أن قوله : ما ترك على ظهرها من دابة . يتناول جميع الدواب . وأجاب أبو علي الجبائي عنه : أن المراد لو يؤاخذهم الله بما كسبوا من كفر ومعصية لعجل هلالكهم ، وحينئذ لا يبقى لهم نسل ، ثم من المعلوم أنه لا أحدا إلا وفي أحد آبائه من يستحق العذاب وإذا هلكوا فقد بطل نسلهم ، فكان يلزمه أن لا يبقى في العالم أحد من الناس ، وإذا بطلوا وجب أن لا يبقى أحد من الدواب أيضا ، لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم ، فهذا وجه لطيف حسن . والوجه الثاني : أن الهلاك إذا ورد على الظلمة ورد أيضا على سائر الناس والدواب ، فكان ذلك الهلاك في حق الظلمة عذابا ، وفي حق غيرهم امتحانا ، وقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام . والوجه الثالث : أنه تعالى لو آخذهم لا نقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع النبت فكان لا تبقى على ظهرها دابة ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أنه سمع رجلا يقول إن الظالم لا يضير إلا نفسه ، فقال : لا والله بل إن الحبارى في وكرها لتموت بظلم الظالم ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه : كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم ، فهذه الوجوه الثلاثة من الجواب مفرعة على تسليم أن لفظة الدابة يتناول جميع الدواب . والجواب الثاني : أن المراد من قوله : ما ترك على ظهرها من دابة . أي ما ترك على ظهرها من كافر ، فالمراد بالدابة الكافر ، والدليل عليه قوله تعالى { أولئك كالأنعام بل هم أضل } [ الأعراف : 179 ] والله أعلم . المسألة الخامسة : الكناية في قوله { عليها } عائدة على الأرض ، ولم يسبق لها ذكر ، إلا أن ذكر الدابة يدل على الأرض ، فإن الدابة إنما تدب عليها ، وكثيرا ما يكنى عن الأرض وإن لم يتقدم ذكرها ، لأنهم يقولون ما عليها مثل فلان وما عليها أكرم من فلان ، يعنون على الأرض . ثم قال تعالى { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } ليتوالدوا ، وفي تفسير هذا الأجل قولان : القول الأول : وهو قول عطاء عن ابن عباس أنه يريد أجل القيامة . والقول الثاني : أن المراد منتهى العمر . وجه القول الأول : أن معظم العذاب يوافيهم يوم القيامة ، ووجه القول الثاني : أن المشركين يؤاخذهم بالعقوبة إذا انقضت أعمارهم وخرجوا من الدنيا . النوع الثالث من الأقاويل الفاسدة التي كان يذكرها الكفار وحكاها الله تعالى عنهم ، قوله : { ويجعلون لله ما يكرهون } .

Sección V20/P048–V20/P049

واعلم أن المراد من قوله { ويجعلون } أي البنات التي يكرهونها لأنفسهم ، ومعنى قوله { يجعلون } يصفون الله بذلك ويحكمون به له كقوله جعلت زيدا على الناس أي حكمت بهذا الحكم وذكرنا معنى الجعل عند قوله { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة } [ المائدة : 103 ] . ثم قال تعالى { وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى } قال الفراء والزجاج : موضع ' أن ' نصب لأن قوله { أن لهم الحسنى } بدل نت الكذب ، وتقدير الكلام وتصف ألسنتهم أن لهم الحسنى . وفي تفسير ' الحسنى ' ههنا قولان : الأول : المراد منه البنون ، يعني أنهم قالوا لله البنات ولنا البنون . والثاني : أنهم مع قولهم بإثبات البنات لله تعالى ، يصفون أنفسهم بأنهم فازوا برضوان الله تعالى بسبب هذا القول ، وأنهم على الدين الحق والمذهب الحسن . الثالث : أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله تعالى . فإن قيل : كيف يحكمون بذلك وهم كانوا منكرين للقيامة ؟ قلنا : كلهم ما كانوا منكرين للقيامة ، فقد قيل : إنه كان في العرب جمع يقرون بالبعث والقيامة ، ولذلك فإنهم كانوا يربطون البعير النفيس على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ويقولون أن ذلك الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه ، وأيضا فبتقدير أنهم كانوا منكرين للقيامة فلعلهم قالوا : إن كان محمد صادقا في قوله بالبعث والنشور فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه ، ومن الناس من قال : الأولى أن يحمل { الحسنى } على هذا الوجه بدليل أنه تعالى قال بعده { لا جرم أن لهم النار } فرد عليهم قولهم وأثبت لهم النار ، فدل هذا على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة . قال الزجاج : لا رد لقولهم ، والمعنى ليس الأمر كما وصفوا جرم فعلهم أي كسب ذلك القول لهم النار ، فعلى هذا اللفظ ' أن ' في محل النصب بوقوع الكسب عليه . وقال قطرب ' أن ' في موضع رفع ، والمعنى : وجب أن لهم النار . وكيف كان الإعراب فالمعنى هو أنه يحق لهم النار ويجب ويثبت . وقوله { وأنهم مفرطون } قرأ نافع وقتيبة عن الكسائي ' مفرطون ' بكسر الراء ، والباقون ' مفرطون ' بفتح الراء . أما قراءة نافع فقال الفراء : المعنى أنهم كانوا مفرطين على أنفسهم في الذنوب ، وقيل : أفرطوا في الافتراء على الله تعالى ، وقال أبو علي الفارسي : كأنه من أفرط ، أي صار ذا فرط ، مثل أجرب أي صار ذا جرب والمعنى : أنهم ذوو فرط إلى النار كأنهم قد أرسلوا من يهيء لهم مواضع فيها . وأما قراءة قوله { مفرطون } بفتح الراء ففيه قولان : القول الأول : المعنى : أنهم متركون في النار . قال الكسائي : يقال ما أفرطت من القوم أحدا ، أي ما تركت . وقال الفراء : تقول العرب أفرطت منهم ناسا ، أي خلفتهم وأنسيتهم .

Sección V20/P049–V20/P050

والقول الثاني : { مفرطون } أي معجلون . قال الواحدي رحمه الله : وهو الاختيار ووجهه ما قال أبو زيد وغيره فرط الرجل أصحابه يفرطهم فرطا وفروطا إذا تقدمهم إلى الماء ليصلح الدلاء والأرسان ، وأفرط القوم الفارط وفرطوه إذا قدموه ، فمعنى قوله { مفرطون } على هذا التقدير كأنهم قدموا إلى النار فهم فيها فرط للذين يدخلون بعدهم ، ثم بين تعالى أن مثل هذا الصنع الذي يصدر من مشركي قريش قد صدر من سائر الأمم السابقين في حق الأنبياء المتقدمين عليهم السلام ، فقال { تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم } وهذا يجري مجرى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ، فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم . قالت المعتزلة : الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجوه : الأول : أنه إذا كان خالق أعمالهم هو الله تعالى ، فلا فائدة في التزيين . والثاني : أن ذلك التزيين لما كان بخلق الله تعالى لم يجز ذم الشيطان بسببه . والثالث : أن التزيين هو الذي يدعة الإنسان إلى الفعل ، وإذا كان حصول الفعل فيه بخلق الله تعالى كان ضروريا فلم يكن التزيين داعيا . والرابع : أن على قولهم ، الخالق لذلك العمل ، أجدر أن يكون وليا لهم من الداعي إليه . والخامس : أنه تعالى أضاف التزيين إلى الشيطان ولو كان ذلك المزين هو الله تعالى لكانت إضافته إلى الشيطان كذبا . وجوابه : إن كان مزين القبائح في أعين الكفار هو الشيطان ، فمزين تلك الوساوس في عين الشيطان إن كان شيطانا آخر لزم التسلسل . وإن كان هو الله تعالى فهو المطلوب . ثم قال تعالى : { فهو وليهم اليوم } وفيه احتمالان : الأول : أن المراد منه كفار مكة وبقوله : { فهو وليهم اليوم } أي الشيطان ويتولى إغواءهم وصرفهم عنك ، كما فعل بكفار الأمم قبلك فيكون على هذا التقدير رجع عن أخبار الأمم الماضية إلى الأخبار عن كفار مكة . الثاني : أنه أراد باليوم يوم القيامة ، يقول فهو ولي أولئك الذين كفروا يزين لهم أعمالهم يوم القيامة ، وأطلق اسم اليوم على يوم القيامة لشهرة ذلك اليوم ، والمقصود من قوله : { فهو وليهم اليوم } هو أنه لا ولي لهم ذلك اليوم ولا ناصر ، وذلك لأنهم إذا عاينوا العذاب وقد نزل بالشيطان كنزوله بهم ، ورأوا أنه لا مخلص له منه ، كما لا مخلص لهم منه ، جاز أن يوبخوا بأن يقال لهم : هذا وليكم اليوم على وجه السخرية ، ثم ذكر تعالى أن مع هذا الوعيد الشديد أقام الحجة وأزاح العلة فقال : { ومآ أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه وهدى ورحمة } وفيه مسائل : المسألة الأولى : المعنى : أنا ما أنزلنا عليك القرآن إلا لتبين لهم بواسطة بيانات هذا القرآن الأشياء التي اختلفوا فيها ، والمختلفون هم أهل الملل والأهواء ، وما اختلفوا فيه ، هو الدين ، مثل التوحيد والشرك والجبر والقدر ، وإثبات المعاد ونفيه ، ومثل الأحكام ، مثل أنهم حرموا أشياء تحل كالبحيرة والسائبة وغيرهما وحللوا أشياء تحرم كالميتة . المسألة الثانية : اللام في قوله : { لتبين } تدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض ، ونظيره آيات كثيرة منها قوله : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس } ( إبراهيم : 1 ) وقوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) . وجوابه : أنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل .

Sección V20/P050–V20/P051

المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) قوله : { هدى ورحمة } معطوفان على محل قوله : { لتبين } إلا أنهما انتصبا على أنه مفعول لهما ، لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب ، ودخلت اللام في قوله : { لتبين } لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل ، وإنما ينتصب مفعولا له ما كان فعلا لذلك الفاعل . المسألة الرابعة : قال الكلبي : وصف القرآن بكونه هدى ورحمة لقوم يؤمنون ، لا ينفي كونه كذلك في حق الكل ، كما أن قوله تعالى في أول سورة البقرة : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) لا ينفي كونه هدى لكل الناس ، كما ذكره في قوله : { هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } ( البقرة : 185 ) وإنما خص المؤمنين بالذكر من حيث إنهم قبلوه فانتفعوا به ، كما في قوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) لأنه إنما انتفع بإنذاره هذا القوم فقط ، والله أعلم . ! 7 < { والله أنزل من السمآء مآء فأحيا به الا رض بعد موتهآ إن فى ذالك لآية لقوم يسمعون وإن لكم فى الا نعام لعبرة نسقيكم مما فى بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سآئغا للشاربين ومن ثمرات النخيل والا عناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن فى ذالك لآية لقوم يعقلون } > 7 < النحل : ( 65 - 67 ) والله أنزل من . . . . . > > اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول أربعة : الإلهيات والنبوات والمعاد ، وإثبات القضاء والقدر ، والمقصود الأعظم من هذه الأصول الأربعة تقرير الآلهيات ، فلهذا السبب كلما امتد الكلام في فصل من الفصول في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الآلهيات ، وقد ذكرنا في أول هذه السورة أنه تعالى لما أراد ذكر دلائل الآلهيات ابتدأ بالأجرام الفلكية ، وثنى بالإنسان ، وثلث بالحيوان ، وربع بالنبات ، وخمس بذكر أحوال البحر والأرض ، فههنا في هذه الآية لما عاد إلى تقرير دلائل الإلهيات بدأ أولا بذكر الفلكيات فقال : { والله أنزل من السماء مآء فأحيا به الارض بعد موتها } والمعنى : أنه تعالى خلق السماء على وجه ينزل منه الماء ويصير ذلك الماء سببا لحياة الأرض ، والمراد بحياة الأرض نبات الزرع والشجر والنور والثمر بعد أن كان لا يثمر ، وينفع بعد أن كان لا ينفع ، وتقرير هذه الدلائل قد ذكرناه مرارا كثيرة . ثم قال : { إن فى ذالك لآية لقوم يسمعون } سماع إنصاف وتدبر لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع . والنوع الثاني : من الدلائل المذكورة في هذه الآيات الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات وهو قوله : { وإن لكم فى الانعام لعبرة نسقيكم مما فى بطونه } قد ذكرنا معنى العبرة في قوله : { لعبرة لاولى الابصار } ( آل عمران : 13 ) وفيه مسائل :

Sección V20/P051–V20/P052

/ المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم ، وحمزة والكسائي : { نسقيكم } بضم النون ، والباقون بالفتح ، أما من فتح النون فحجته ظاهرة تقول سقيته حتى روى أسقيه قال تعالى : { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } ( الإنسان : 21 ) وقال : { والذى هو يطعمنى ويسقين } ( الشعراء : 79 ) وقال : { وسقوا ماء حميما } ( محمد : 15 ) ومن ضم النون فهو من قولك أسقاه إذا جعل له شرابا كقوله : { وأسقيناكم ماء فراتا } ( المرسلات : 27 ) وقوله : { فأسقيناكموه } ( الحجر : 22 ) والمعنى ههنا أنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسقيا ، واختار أبو عبيد الضم قال لأنه شرب دائم ، وأكثر ما يقال في هذا المقام أسقيت . المسألة الثانية : قوله : 6 مما في بطونه } الضمير عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها ، وذكر النحويون فيه وجوها : الأول : أن لفظ الأنعام مفرد وضع لإفادة جمع ، كالرهط والقوم والبقر والنعم ، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد ، وهو التذكير ، وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع ، وهو التأنيث ، فلهذا السبب قال ههنا { } الضمير عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها ، وذكر النحويون فيه وجوها : الأول : أن لفظ الأنعام مفرد وضع لإفادة جمع ، كالرهط والقوم والبقر والنعم ، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد ، وهو التذكير ، وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع ، وهو التأنيث ، فلهذا السبب قال ههنا { فى بطونه } ، وقال في سورة المؤمنين : { فى بطونها } ( المؤمنون : 21 ) . الثاني : قوله : { فى بطونه } أي في بطون ما ذكرنا ، وهذا جواب الكسائي . قال المبرد : هذا شائع في القرآن . قال تعالى : { فلما رأى الشمس كوكبا قال هاذا ربى } ( الأنعام : 78 ) يعني هذا الشيء الطالع ربي . وقال : { كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره } ( المدثر : 54 ، 55 ) أي ذكر هذا الشيء . واعلم أن هذا إنما يجوز فيما يكون تأنيثه غير حقيقي ، أما الذي يكون تأنيثه حقيقيا ، فلا يجوز ، فإنه لا يجوز في مستقيم الكلام أن يقال جاريتك ذهب ، ولا غلامك ذهب على تقدير أن نحمله على النسمة . الثالث : أن فيه إضمارا ، والتقدير : نسقيكم مما في بطونه اللبن إذ ليس كلها ذات لبن . المسألة الثالثة : الفرث : سرجين الكرش . روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال : إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثا وأعلاه دما وأوسطه لبنا ، فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع ، ويبقى الفرث كما هو ، فذاك هو قوله تعالى : { من بين فرث ودم لبنا خالصا } لا يشوبه الدم ولا الفرث .

Sección V20/P052–V20/P053

ولقائل أن يقول : الدم واللبن لا يتولدان ألبتة في الكرش ، والدليل عليه الحس فإن هذه الحيوانات تذبح ذبحا متواليا ، وما رأى أحد في كرشها لا دما ولا لبنا ، ولو كان تولد الدم واللبن في الكرش لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال ، والشيء الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه ، بل الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنسانا ، وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها ، فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما كان منه صافيا انجذب إلى الكبد ، وما كان كثيفا نزل إلى الأمعاء ، ثم ذلك الذي يحصل منه في الكبد ينطبخ فيها / ويصير دما ، وذلك هو الهضم الثاني ، ويكون ذلك الدم مخلوطا بالصفراء والسوداء وزيادة المائية ، أما الصفراء فتذهب إلى المرارة ، والسوداء إلى الطحال ، والماء إلى الكلية ، ومنها إلى المثانة ، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة ، وهي العروق النابتة من الكبد ، وهناك يحصل الهضم الثالث ، وبين الكبد وبين الضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع ، والضرع لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله تعالى الدم عند انصبابه إلى ذلك اللحم الغددي الرخو الأبيض من صورة الدم إلى صورة اللبن فهذا هو القول الصحيح في كيفية تولد اللبن . فإن قيل : فهذه المعاني حاصلة في الحيوان الذكر فلم لم يحصل منه اللبن ؟ . قلنا : الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته ، فمزاج الذكر من كل حيوان يجب أن يكون حارا يابسا ، ومزاج الأنثى يجب أن يكون باردا رطبا ، والحكمة فيه أن الولد إنما يتكون في داخل بدن الأنثى ، فوجب أن تكون الأنثى مختصة بمزيد الرطوبات لوجهين : الأول : أن الولد إنما يتولد من الرطوبات ، فوجب أن يحصل في بدن الأنثى رطوبات كثيرة لتصير مادة التولد الولد . والثاني : أن الولد إذا كبر وجب أن يكون بدن الأم قابلا للتمدد حتى يتسع لذلك الولد ، فإذا كانت الرطوبات غالبة على بدن الأم كان بدنها قابلا للتمدد ، فيتسع للولد ، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى خص بدن الأنثى من كل حيوان بمزيد الرطوبات لهذه الحكمة ، ثم إن الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في رحم الأم ، فعند انفصال الجنين تنصب إلى الثدي والضرع ليصير مادة لغذاء ذلك الطفل الصغير . إذا عرفت هذا فاعلم أن السبب الذي إجله يتولد اللبن من الدم في حق الأنثى غير حاصل في حق الذكر فظهر الفرق . إذا عرفت هذا التصوير فنقول : المفسرون قالوا : المراد من قوله : { من بين فرث ودم } هو أن هذه الثلاثة تتولد في موضع واحد / فالفرث يكون في أسفل الكرش ، والدم يكون في أعلاه ، واللبن يكون في الوسط ، وقد دللنا على أن هذا القول على خلاف الحس والتجربة ، ولأن الدم لو كان يتولد في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذاقاء أن يقيء الدم وذلك باطل قطعا . وأما نحن فنقول : المراد من الآية هو أن اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم ، والدم إنما يتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث ، وهو الأشياء المأكولة الحاصلة في الكرش ، وهذا اللبن متولد من الأجزاء التي كانت حاصلة فيما بين الفرث أولا ، ثم كانت حاصلة فيما بين الدم ثانيا ، فصفاه الله تعالى عن تلك الأجزاء الكثيفة الغليظة ، وخلق فيها الصفات التي باعتبارها صارت لبنا موافقا لبدن الطفل ، فهذا ما حصلناه في هذا المقام ، والله أعلم .

Sección V20/P053

/ المسألة الرابعة : اعلم أن حدوث اللبن في الثدي واتصافه بالصفات التي باعتبارها يكون موافقا لتغذية الصبي مشتمل على حكم عجيبة وأسرار بديعة ، يشهد صريح العقل بأنها لا تحصل إلا بتدبير الفاعل الحكيم والمدبر الرحيم ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه تعالى خلق في أسفل المعدة منفذا يخرج منه ثقل الغذاء ، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنقذ انطباقا كليا لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول والمشروب إلى أن يكمل انهضامه في المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد ويبقى الثقل هناك ، فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ ويترك منه ذلك الثقل ، وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا بتدبير الفاعل الحكيم ، لأنه متى كانت الحاجة إلى بقاء الغذاء في المعدة حاصلة انطبق ذلك المنفذ ، وإذا حصلت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم عن المعدة انفتح ، فحصول الانطباق تارة والانفتاح أخرى ، بحسب الحاجة وتقدير المنفعة ، مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم . الثاني : أنه تعالى أودع في الكبد قوة تجذب الأجزاء اللطيفة الحاصلة في ذلك المأكول أو المشروب ، ولا تجذب الأجزاء الكثيفة ، وخلق في الأمعاء قوة تجذب تلك الأجزاء الكثيفة التي هي الثقل ، ولا تجذب الأجزاء اللطيفة ألبتة . ولو كان الأمر بالعكس لاختلفت مصلحة البدن ولفسد نظام هذا التركيب . الثالث : أنه تعالى أودع في الكبد قوة هاضمة طابخة ، حتى أن تلك الأجزاء اللطيفة تنطبخ في الكبد وتنقلب دما ، ثم إنه تعالى أودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء ، وفي الطحال قوة جاذبة للسوداء ، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية ، حتى يبقى الدم الصافي الموافق لتغذية البدن . وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بتلك القوة والخاصية لا يمكن إلا بتقدير الحكيم العليم . الرابع : أن في الوقت الذي يكون الجنين في رحم الأم ينصب من ذلك الدم نصيب وافر إليه حتى يصير مادة لنمو أعضاء ذلك الولد وازدياده ، فإذا انفصل ذلك الجنين عن الرحم ينصب ذلك النصيب إلى جانب الثدي ليتولد منه اللبن الذي يكون غذاء له ، فإذا كبر الولد لم ينصب ذلك النصيب لا إلى الرحم ولا إلى الثدي ، بل ينصب على مجموع بدن المغتذي ، فانصباب ذلك الدم في كل وقت إلى عضو آخر انصبابا موافقا للمصلحة والحكمة لا يتأتى إلا بتدبير الفاعل المختار الحكيم . والخامس : أن عند تولد اللبن في الضرع أحدث تعالى في حلمة الثدي ثقوبا صغيرة ومسام ضيقة ، وجعلها بحيث إذا اتصل المص أو الحلب بتلك الحلمة انفصل اللبن عنها في تلك المسام الضيقة ، ولما كانت تلك المسام ضيقة جدا ، فحينئذ لا يخرج منها إلا ما كان في غاية الصفاء واللطافة ، وأما الأجزاء الكثيفة فإنه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ الضيقة فتبقى في الداخل ، والحكمة في إحداث تلك الثقوب الصغيرة ، والمنافذ الضيقة في رأس حلمة الثدي أن يكون ذلك كالمصفاة ، فكل ما كان لطيفا / خرج ، وكل ما كان كثيفا احتبس في الداخل ولم يخرج / فبهذا الطريق يصير ذلك اللبن خالصا موافقا لبدن الصبي سائغا للشاربين . السادس : أنه تعالى ألهم ذلك الصبي إلى المص ، فإن الأم كلما ألقمت حلمة الثدي في فم الصبي فذلك الصبي في الحال يأخذ في المص ، فلولا أن الفاعل المختار الرحيم ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص ، وإلا لم يحصل الانتفاع بتخليق ذلك اللبن في الثدي .

Preguntas

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb · 189 · Qur'an & Sunnah