Qur'an&Sunnah

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

Sección V29/P048–V29/P049

! 7 < { فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر } . > 7 < القمر : ( 29 ) فنادوا صاحبهم فتعاطى . . . . . > > ثم قال تعالى : { فنادوا صاحبهم } نداء المستغيث كأنهم قالوا : يالقدار للقوم ، كما يقول القائل : بالله للمسلمين وصاحبهم قدار وكان أشجع وأهجم على الأمور ويحتمل أن يكون رئيسهم . وقوله تعالى : { فتعاطى فعقر } يحتمل وجوها الأول : تعاطى آلة العقر فعقر الثاني : تعاطى الناقة فعقرها وهو أضعف الثالث : التعاطي يطلق ويراد به الإقدام على الفعل العظيم والتحقيق هو أن الفعل العظيم يقدم كل أحد فيه صاحبه ويبرىء نفسه منه فمن يقبله ويقدم عليه يقال : تعاطاه كأنه كان فيه تدافع فأخذه هو بعد التدافع الرابع : أن القوم جعلوا له على عمله جعلا فتعاطاه وعقر الناقة . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فكيف كان عذابى ونذر } . > 7 ! / < < القمر : ( 30 ) فكيف كان عذابي . . . . . > > وقد تقدم بيانه وتفسيره غير أن هذه الآية ذكرها في ثلاثة مواضع ذكرها في حكاية نوح بعد بيان العذاب ، وذكرها ههنا قبل بيان العذاب ، وذكرها في حكاية عاد قبل بيانه وبعد بيانه ، فحيث ذكر قبل بيان العذاب ذكرها للبيان كما تقول : ضربت فلانا أي ضرب وأيما ضرب ، وتقول : ضربته وكيف ضربته أي قويا ، وفي حكاية عاد ذكرها مرتين للبيان والاستفهام وقد ذكرنا السبب فيه ، ففي حكاية نوح ذكر الذي للتعظيم وفي حكاية ثمود ذكر الذي للبيان لأن عذاب قوم نوح كان بأمر عظيم عام وهو الطوفان الذي عم العالم ولا كذلك عذاب قوم هود فإنه كان مختصا بهم . [ ثم قال تعالى : ! 7 < { إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر } . > 7 ! < < القمر : ( 31 ) إنا أرسلنا عليهم . . . . . > > سمعوا صيحة فماتوا وفيه مسائل : المسألة الأولى : كان في قوله : { فكانوا } من أي الأقسام ؟ نقول : قال النحاة تجيء تارة بمعنى صار وتمسكوا بقول القائل : بتيماء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها

Sección V29/P049

بمعنى صارت فقال بعض المفسرين : في هذا موضع إنها بمعنى صار ، والتحقيق أن كان لا تخالف غيرها من الأفعال الماضية اللازمة التي لا تتعدى والذي يقال إن كان تامة وناقصة وزائدة وبمعنى صار فليس ذلك يوجب اختلاف أحوالها اختلافا يفارق غيرها من الأفعال وذلك لأن كان بمعنى وجد أو حصل أو تحقق غير أن الذي وجد تارة يكون حقيقة الشيء وأخرى صفة من صفاته فإذا قلت : كانت الكائنة وكن فيكون جعلت الوجود والحصول للشيء في نفسه فكأنك قلت : وجدت الحقيقة الكائنة وكن أي احصل فيوجد في نفسه وإذا قلت : كان زيد عالما أي وجد علم زيد ، غير أنا نقول في وجد زيد عالما إن عالما حال ، وفي كان زيد عالما نقول : إنه خبر كقولنا حصل زيد عالما غير أن قولنا وجد زيد عالما ربما يفهم منه أن الوجود والحصول لزيد في تلك الحال كما تقول قام زيد منتحيا حيث يكون القيامة لزيد في تلك الحال ، وقولنا : كان زيد عالما ليس معناه كان زيد وفي تلك الحال هو عالم لكن هذا لا يوجب أن كان على خلاف غيره من الأفعال اللازمة التي لها بالحال تعلق شديد ، لأن من يفهم من قولنا حصل زيد اليوم على أحسن حال ما نفهمه من قولنا خرج زيد اليوم في أحسن زي لا يمنعه مانع من أن يفهم من قولنا : كان زيد على أحسن حال مثل ما فهم هناك ، إذا عرفت هذا فنقول : الفعل الماضي يطلق تارة على ما يوجد في الزمان المتصل / بالحاضر ، كقولنا : قام زيد في صباه ، ويطلق تارة على ما يوجد في الزمان الحاضر كقولنا قام زيد فقم وقم فان زيدا قام ، وكذلك القول في كان ربما يقال كان زيد قائما عام كذا وربما يقال كان زيد قائما الآن كما في قام زيد فقوله تعالى : { فكانوا } فيه استعمال الماضي فيما اتصل بالحال فهو كقولك أرسل عليهم صيحة فماتوا أي متصلا بتلك الحال ، نعم لو استعمل في هذا الموضع صار يجوز لكن كان وصار كل واحد بمعنى في نفسه وليس وإنما يلزم حمل كان على صار إذا لم يمكن أن يقال هو كذا كما في البيت حيث لا يمكن أن يقال : البيوض فراخ ، وأما هنا يمكن أن يقال هم كهشيم ولولا الكاف لأمكن أن يقال : يجب حمل كان على صار إذا كان المراد أنهم انقلبوا هشيما كما يقلب الممسوخ وليس المراد ذلك . المسألة الثانية : ما الهشيم ؟ نقول هو المهشوم أي المكسور وسمي هاشم هاشما لهشمه الثريد في الجفان غير أن الهشيم استعمل كثيرا في الحطب المتكسر اليابس ، فقال المفسرون : كانوا كالحشيش الذي يخرج من الحظائر بعد البلا بتفتت ، واستدلوا عليه بقوله تعالى : { هشيما تذروه الرياح } ( الكهف : 54 ) وهو من باب إقامة الصفة مقام الموصوف كما يقال : رأيت جريحا ومثله السعير .

Sección V29/P049–V29/P050

المسألة الثالثة : لماذا شبههم به ؟ قلنا : يحتمل أن يكون التشبيه بكونهم يابسين كالحشيش بين الموتى الذين ماتوا من زمان وكأنه يقول : سمعوا الصيحة فكانوا كأنهم ماتوا من أيام ، ويحتمل أن يكون لأنهم انضموا بعضهم إلى بعض كما ينضم الرفقاء عند الخوف داخلين بعضهم في بعض فاجتمعوا بعضهم فوق بعض كحطب الحاطب الذي يصفه شيئا فوق شيء منتظرا حضور من يشتري منه شيئا فإن الحطاب الذي عنده الحطب الكثير يجعل منه كالحظيرة / ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم في الجحيم أي كانوا كالحطب اليابس الذي للوقيد فهو محقق لقوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } ( الأنبياء : 98 ) وقوله تعالى : { فكانوا لجهنم حطبا } ( الجن : 15 ) وقوله : { أغرقوا فأدخلوا نارا } ( نوح : 25 ) كذلك ماتوا فصاروا كالحطب الذي لا يكون إلا للإحراق لأن الهشيم لا يصلح للبناء . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } . > 7 ! < < القمر : ( 32 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . . > > والتكرار للتذكار . ثم بين حال قوم آخرون وهم قوم لوط فقال : ! 7 < { كذبت قوم لوط بالنذر إنآ أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر } . > 7 < القمر : ( 33 - 34 ) كذبت قوم لوط . . . . . > > ثم بين عذابهم وإهلاكهم ، فقال : وفيه مسائل : الأولى : الحاصب فاعل من حصب إذا رمى الحصباء وهي اسم الحجارة والمرسل عليهم / هو نفس الحجارة قال الله تعالى : { وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } ( الحجر : 74 ) وقال تعالى عن الملائكة : { لنرسل عليهم حجارة من طين } ( الذاريات : 33 ) فالمرسل عليهم ليس بحاصب فكيف الجواب عنه ؟ نقول : الجواب من وجوه الأول : أرسلنا عليهم ريحا حاصبا بالحجارة التي هي الحصباء وكثر استعمال الحاصب في الريح الشديدة فأقام الصفة مقام الموصوف ، فإن قيل : هذا ضعيف من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأن الريح مؤنثة قال تعالى : { بريح صرصر عاتية } ( الحاقة : 6 ) ، { بريح طيبة } ( يونس : 22 ) وقال تعالى : { فسخرنا له الريح تجرى بأمره } ( ص : 36 ) وقال تعالى : { غدوها شهر } ( سبأ : 12 ) وقال تعالى في : { وأرسلنا الرياح لواقح } ( الحجر : 22 ) وما قال لقاحا ولا لقحة ، وأما المعنى فلأن الله تعالى بين أنه أرسل عليهم حجارة من سجيل مسومة عليها علامة كل واحد وهي لا تسمى حصباء ، وكان ذلك بأيدي الملائكة لا بالريح ، نقول : تأنيث الريح ليس حقيقة ولها أصناف الغالب فيها التذكير كالإعصار ، قال تعالى : { فأصابها إعصار فيه نار } ( البقرة : 266 ) فلما كان حاصب حجارة كان كالذي فيه نار ، وأما قوله : كان الرمي بالسجيل لا بالحصباء ، وبأيدي الملائكة لا بالريح ، فنقول : كل ريح يرمي بحجارة يسمى حاصبا ، وكيف لا والسحاب الذي يأتي بالبرد يسمى حاصبا تشبيها للبرد بالحصباء ، فكيف لا يقال في السجيل . وأما الملائكة فإنهم حركوا الريح وهي حصبت الحجارة عليهم الجواب الثاني : المراد عذاب حاصب وهذا أقرب لتناوله الملك والحساب والريح وكل ما يفرض الجواب الثالث : قوله : { حاصبا } هو أقرب من الكل لأن قوله : { أنا أرسلنا } يدل على مرسل هو مرسل الحجارة وحاصبها ، فإن قيل : كان ينبغي أن يقول حاصبين ، نقول لما لم يذكر الموصوف رجح جانب اللفظ كأنه قال شيئا حاصبا إذ المقصود بيان جنس العذاب لا بيان من على يده العذاب ، وهذا وارد على من قال : الريح مؤنث لأن ترك التأنيث هناك كترك علامة الجمع هنا .

Sección V29/P050–V29/P052

المسألة الثانية : ما رتب الإرسال على التكذيب بالفاء فلم يقل : ( كذبت قوم لوط بالنذر ) فأرسلنا كما قال : { ففتحنا أبواب السماء } ( القمر : 11 ) لأن الحكاية مسوقة على مساق ما تقدم من الحكايات ، فكأنه قال : { فكيف كان عذابى ونذر } ( القمر : 30 ) كما قال من قبل ثم قيل : لا علم لنا به وإنماأنت العليم فأخبرنا ، فقال : { أنا أرسلنا } . المسألة الثالثة : ما الحكمة في ترك العذاب حيث لم يقل : { فكيف كان عذابى } كما قال في الحكايات الثلاث ، نقول : لأن التكرار ثلاث مرات بالغ ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ( ألا هل بلغت ثلاثا ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( فنكاحها باطل باطل باطل ) والإذكار تكرر ثلاث مرات فبثلاث مرار حصل التأكيد وقد بينا أنه تعالى ذكر : { فكيف كان عذابى } في حكاية نوح للتعظيم وفي حكاية ثمود للبيان وفي حكاية عاد أعادها مرتين للتعظيم والبيان جميعا واعلم أنه تعالى ذكر : { فكيف كان عذابى } في ثلاث حكايات أربع مرات فالمرة الواحدة للإنذار ، والمرات الثلاث للإذكار / لأن المقصود حصل بالمرة الواحدة ، وقوله تعالى : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ( الرحمن : 13 ) ذكره مرة للبيان وأعادها ثلاثين مرة غير المرة الأولى كما أعاد : { فكيف كان عذابى ونذر } ثلاث مرات غير المرة / الأولى فكان ذكر الآلاء عشرة أمثال ذكر العذاب إشارة إلى الرحمة التي قال في بيانها { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } ( الأنعام : 160 ) وسنبين ذلك في سورة : الرحمن . المسألة الرابعة : { إلا ءال لوط } استثناء مماذا ؟ إن كان من الذين قال فيهم : { إنا أرسلنا عليهم حاصبا ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم كذبت قوم لوط } ثم قال : { إنا أرسلنا عليهم } لكن لم يستثن عند قوله : { كذبت قوم لوط } وآله من قومه فيكون آله قد كذبوا ولم يكن كذلك ؟ الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن الاستثناء ممن عاد إليهم الضمير في عليهم وهم القوم بأسرهم غير أن قوله : { كذبت قوم لوط } لا يوجب كون آله مكذبين ، لأن قول القائل : عصى أهل بلدة كذا يصح وإن كان فيها شرذمة قليلة يطيعون فكيف إذا كان فيهم واحد أو اثنان من المطيعين لا غير ، فإن قيل : ماله حاجة إلى الاستثناء لأن قوله : { إنا أرسلنا عليهم } يصح وإن نجا منهم طائفة يسيرة نقول : الفائدة لما كانت لا تحصل إلا ببيان إهلاك من كذب وإنجاء من آمن فكان ذكر الإنجاء مقصودا ، وحيث يكون القليل من الجمع الكثير مقصودا لا يجوز التعميم والإطلاق من غير بيان حال ذلك المقصود بالاستثناء أو بكلام منفصل مثاله : { فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس } ( الحجر : 30 ، 31 ) استثنى الواحد لأنه كان مقصودا ، وقال تعالى : { وأوتيت من كل شىء } ( النمل : 23 ) ولم يستثن إذ المقصود بيان أنها أوتيت ، لا بيان أنها ما أوتيت ، وفي حكاية إبليس كلاهما مراد ليعلم أن من تكبر على آدم عوقب ومن تواضع أثيب كذلك القول ههنا ، وأما عند التكذيب فكأن المقصود ذكر المكذبين فلم يستثن الجواب الثاني : أن الاستثناء من كلام مدلول عليه ، كأنه قال : ( إنا أرسلنا عليهم حاصبا فما أنجينا من الحاصب إلا آل لوط ) ، وجاز أن يكون الإرسال عليهم والإهلاك يكون عاما كما في قوله تعالى : { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ( الأنفال : 25 ) فكان الحاصب أهلك من كان الإرسال عليه مقصودا ومن لم يكن كذلك كأطفالهم ودوابهم ومساكنهم فما نجا منهم أحد إلا آل لوط . فإن قيل إذا لم يكن الاستثناء من قوم لوط بل كان من أمر عام فيجب أن يكون لوط أيضا مستثنى ؟ نقول : هو مستثنى عقلا لأن من المعلوم أنه لا يجوز تركه وإنجاء أتباعه والذي يدل عليه أنه مستثنى قوله تعالى عن الملائكة : { نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته } ( العنكبوت : 32 ) في جوابهم لإبراهيم عليه السلام حيث قال : { إن فيها لوطا } ( العنكبوت : 32 ) فإن قيل قوله في سورة الحجر : { إلا ءال لوط إنا لمنجوهم } ( الحجر : 59 ) استثناء من المجرمين وآل لوط لم يكونوا مجرمين فكيف استثنى منهم ؟ والجواب مثل ما ذكرنا فأحد الجوابين إنا أرسلنا إلى قوم يصدق عليهم إنهم مجرمون وإن كان فيهم من لم يجرم ثانيهما : إلى قوم مجرمين بإهلاك يعم الكل إلا آل لوط ، وقوله تعالى : { نجيناهم بسحر } كلام مستأنف لبيان وقت الإنجاء أو لبيان كيفية الاستثناء لأن آل لوط كان يمكن أن يكونوا فيهم ولا يصيبهم الحاصب كما في عاد كانت الريح تقلع الكافر ولا يصيب المؤمن منها مكروه أو يجعل لهم مدفعا كما في قوم نوح / فقال : { نجيناهم بسحر } أي أمرناهم بالخروج من القرية في آخر الليل والسحر قبيل الصبح وقيل هو السدس الأخير من الليل .

Sección V29/P052

[ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { نعمة من عندنا كذلك نجزى من شكر } . > 7 ! / < < القمر : ( 35 ) نعمة من عندنا . . . . . > > أي ذلك الإنجاء كان فضلا منا كما أن ذلك الإهلاك كان عدلا ولو أهلكوا لكان ذلك عدلا ، قال تعالى : { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ( الأنفال : 25 ) قال الحكماء العضو الفاسد يقطع ولا بد أن يقطع معه جزء من الصحيح ليحصل استئصال الفساد ، غير أن الله تعالى قادر على التمييز التام فهو مختار إن شاء أهلك من آمن وكذب ، ثم يثبت الذين أهلكهم من المصدقين في دار الجزاء وإن شاء أهلك من كذب ، فقال : نعمة من عندنا إشارة إلى ذلك وفي نصبها وجهان أحدهما : أنه مفعول له كأنه قال : نجيناهم نعمة منا ثانيهما : على أنه مصدر ، لأن الإنجاء منه إنعام فكأنه تعالى قال : أنعمنا عليهم بالإنجاء إنعاما وقوله تعالى : { كذلك نجزى من شكر } فيه وجهان أحدهما : ظاهر وعليه أكثر المفسرين وهو أنه من آمن كذلك ننجيه من عذاب الدنيا ولا نهلكه وعدا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنه يصونهم عن الإهلاكات العامة والسيئات المطبقة الشاملة وثانيهما : وهو الأصح أن ذلك وعد لهم وجزاؤهم بالثواب في دار الآخرة كأنه قال : كما نجيناهم في الدنيا ، أي كما أنعمنا عليهم ننعم عليهم يوم الحساب والذي يؤيد هذا أن النجاة من الإهلاكات في الدنيا ليس بلازم ، ومن عذاب الله في الآخرة لازم بحكم الوعيد ، وكذلك ينجي الله الشاكرين من عذاب النار ويذر الظالمين فيه ، ويدل عليه قوله تعالى : { من يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الاخرة نؤته منها وسنجزى الشاكرين } ( آل عمران : 145 ) وقوله تعالى : { فأثابهم الله بما قالوا جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها وذالك جزاء المحسنين } ( المائدة : 85 ) والشاكر محسن فعلم أن المراد جزاؤهم في الآخرة . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر } . > 7 ! < < القمر : ( 36 ) ولقد أنذرهم بطشتنا . . . . .

Sección V29/P052–V29/P053

> > وفيه تبرئة لوط عليه السلام وبيان أنه أتى بما عليه فإنه تعالى لما رتب التعذيب على التكذيب وكان من الرحمة أن يؤخره ويقدم عليه الإنذارات البالغة بين ذلك فقال : أهلكناهم وكان قد أنذرهم من قبل ، وفي قوله : { بطشتنا } وجهان أحدهما : المراد البطشة التي وقعت وكان يخوفهم بها ، ويدل عليه قوله تعالى : { إنا أرسلنا عليهم حاصبا } ( القمر : 34 ) فكأنه قال : إنا أرسلنا عليهم ما سبق ، ذكرها للإندار بها والتخويف وثانيهما : المراد بها ما في الآخرة كما في قوله تعالى : { يوم نبطش البطشة الكبرى } ( الدخان : 16 ) وذلك لأن الرسل كلهم كانوا ينذرون قومهم بعذاب الآخرة كما قال تعالى : { فأنذرتكم نارا تلظى } ( الليل : 14 ) وقال : { وأنذرهم يوم الازفة } ( غافر : 18 ) وقال تعالى : { إنا أنذرناكم عذابا قريبا } ( النبأ : 40 ) إلى غير ذلك ، وعلى ذلك ففيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال : { إن بطش ربك لشديد } ( البروج : 12 ) وقال ههنا : { بطشتنا } ولم يقل : بطشنا وذلك لأن قوله تعالى : { إن بطش ربك لشديد } بيان لجنس بطشه ، فإذا كان جنسه شديدا فكيف الكبرى منه ، وأما لوط عليه السلام فذكر لهم البطشة الكبرى لئلا يكون مقصرا في التبليغ ، وقوله تعالى : { فتماروا بالنذر } يدل على أن النذر هي الإنذارات . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم فذوقوا عذابى ونذر } . > 7 ! < < القمر : ( 37 ) ولقد راودوه عن . . . . . > > والمراودة من الرود ، ومنه الإرادة وهي قريبة من المطالبة غير أن المطالبة تستعمل في العين يقال : طالب زيد عمرا بالدراهم ، والمراودة لا تستعمل إلا في العمل يقال : راوده عن المساعدة ، ولهذا تعدى المراودة إلى مفعول ثان بعن ، والمطالبة بالباء ، وذلك لأن الشغل منوط باختيار الفاعل ، والعين قد توجد من غير اختيار منه وهذا فرق الحال ، فإذا قلت : أخبرني بأمره تعين عليه الخبر العين بخلاف ما إذا قيل عن كذا ، ويزيد هذا ظهورا قول القائل : أخبرني زيد عن مجيء فلان ، وقوله : أخبرني بمجيئه فإن من قال عن مجيئه ربما يكون الإخبار عن كيفية المجيء لا عن نفسه وأخبرني بمجيئه لا يكون إلا عن نفس المجيء والضيف يقع على الواحد والجماعة ، وقد ذكرناه في سورة الذاريات وكيفية المراودة مذكورة فيما تقدم ، وهي أنهم كانوا مفسدين وسمعوا يضيف دخلوا على لوط فراودوه عنهم . وقوله : { فطمسنا أعينهم } نقول : إن جبريل كان فيهم فضرب ببعض جناحه على وجوههم فأعماهم ، وفي الآية مسائل :

Sección V29/P053–V29/P054

الأولى : الضمير في راودوه إن كان عائدا إلى قوم لوط فما في قوله : { أعينهم } أيضا عائدا إليهم فيكون قد طمس أعين قوم ولم يطمس إلا أعين قليل منهم وهم الذين دخلوا دار لوط ، وإن كان عائدا إلى الذين دخلوا الدار فلا ذكر لهم فكيف القول فيه ؟ نقول : المراودة حقيقة حصلت من جمع منهم لكن لما كان الأمر من القوم وكان غيرهم ذلك مذهبه أسندها إلى الكل ثم بقوله راودوه حصل قوم هم المراودون حقيقة فعاد الضمير في أعينهم إليهم مثاله قول القائل : الذين آمنوا صلوا فصحت صلاتهم فيكون هم في صلاتهم عائدا إلى الذين صلوا بعدما آمنوا ولا يعود إلى مجرد الذين آمنوا لأنك لو اقتصرت على الذين آمنوا فصحت صلاتهم لم يكن كلاما منظوما ولو قلت الذين صلوا فصحت صلاتهم صح الكلام ، فعلم أن الضمير عائد إلى ما حصل بعد قوله : { راودوه } والضمير في راودوه عائد إلى المنذرين المتمارين بالنذر . المسألة الثانية : قال ههنا : { فطمسنا أعينهم } ( يس : 66 ) وقال في يس : { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } فما الفرق ؟ نقول : هذا مما يؤيد قول ابن عباس فإنه نقل عنه أنه قال : المراد من الطمس الحجب عن الإدراك فما جعل على بصرهم شيء غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئا فكانوا كالمطموسين ، وفي يس أراد أنه لو شاء لجعل على بصرهم غشاوة ، أي ألزق أحد الجفنين بالآخر فيكون على / العين جلدة فيكون قد طمس عليها ، وقال غيره : إنهم عموا وصارت عينهم مع وجههم كالصفحة الواحدة ، ويؤيده قوله تعالى : { فذوقوا عذابى } لأنهم إن بقوا مصرين ولم يروا شيئا هناك لا يكون ذلك عذابا والطمس بالمعنى الذي قاله غير ابن عباس عذاب ، فنقول : الأولى أن يقال : إنه تعالى حكى ههنا ما وقع وهو طمس العين وإذهاب ضوئها وصورتها بالكلية حتى صارت وجوههم كالصفحة الملساء ولم يمكنهم الإنكار لأنه أمر وقع ، وأما هناك فقد خوفهم بالممكن المقدور عليه فاختار ما يصدقه كل أحد ويعرف به وهو الطمس على العين ، لأن إطباق الجفن على العين أمر كثير الوقوع وهو بقدرة الله تعالى وإرادته فقال : { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } وما شققنا جفنهم عن عينهم وهو أمر ظاهر الإمكان كثير الوقوع والطمس على ما وقع لقوم لوط نادر ، فقال : هناك على أعينهم ليكون أقرب إلى القبول . المسألة الثالثة : قوله تعالى : { فذوقوا عذابى ونذر } خطاب ممن وقع ومع من وقع ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : فيه إضمار تقديره فقلت : على لسان الملائكة ذوقوا عذابي ثانيها : هذا خطاب مع كل مكذب تقديره كنتم تكذبون فذوقوا عذابي فإنهم لما كذبوا ذاقوه ثالثها : أن هذا الكلام خرج مخرج كلام الناس فإن الواحد من الملوك إذا أمر بضرب مجرم وهو شديد الغضب فإذا ضرب ضربا مبرحا وهو يصرح والملك يسمع صراخه يقول عند سماع صراخه ذق إنك مجرم مستأهل ويعلم الملك أن المعذب لا يسمع كلامه ويخاطب بكلامه المستغيث الصارخ وهذا كثير فكذلك لما كان كل أحد بمرأى من الله تعالى يسمع إذا عذب معاندا كان قد سخط الله عليه يقول : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) { فذوقوا لقاء يومكم هاذا } ( السجدة : 14 ) { فذوقوا عذابى } ولا يكون به مخاطبا لمن يسمع ويجيب ، وذلك إظهار العدل أي لست بغافل عن تعذيبك فتتخلص بالصراخ والضراعة ، وإنما أنا بك عالم وأنت له أهل لما قد صدر منك ، فإن قيل : هذا وقع بغير الفاء ، وأما بالفاء فلا تقول : وبالفاء فإنه ربما يقول : كنتم تكذبون فذوقوا .

Sección V29/P054

المسألة الرابعة : النذر كيف يذاق ؟ نقول : معناه ذق فعلك أي مجازاة فعلك وموجبه ويقال : ذق الألم على فعلك وقوله : { فذوقوا عذابى } كقولهم : ذق الألم ، وقوله : { ونذر } كقولهم ذق فعلك أي ذق ما لزم من إنذاري ، فإن قيل : فعلى هذا لا يصح العطف لأن قوله : { فذوقوا عذابى } وما لزم من إنذاري وهو العذاب يكون كقول القائل : ذوقوا عذابي وعذابي ؟ نقول : قوله تعالى : { فذوقوا عذابى } أي العاجل منه ، وما لزم من إنذاري وهو العذاب الآجل ، لأن الإنذار كان به على ما تقدم بيانه ، فكأنه قال : ذوقوا عذابي العاجل وعذابي الآجل ، فإن قيل : هما لم يكونا في زمان واحد ، فكيف يقال : ذوقوا ، نقول : العذاب الآجل أوله متصل بآخر العذاب العاجل ، فهما كالواقع في زمان واحد وهو كقوله تعالى : { أغرقوا فأدخلوا نارا } ( نوح : 25 ) . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر } . > 7 ! / < < القمر : ( 38 ) ولقد صبحهم بكرة . . . . . > > أي العذاب الذي عم القوم بعد الخاص الذي طمس أعين البعض ، وفيه مسائل :

Sección V29/P054–V29/P055

المسألة الأولى : { صبحهم } فيه دلالة على الصبح ، فما معنى : { بكرة } ؟ نقول : فائدته تبيين انطراقه فيه ، فقوله : { بكرة } يحتمل وجهين أحدهما : أنها منصوبة على أنها ظرف ، ومثله نقوله في قوله تعالى : { أسرى بعبده ليلا } ( الإسراء : 1 ) وفيه بحث ، وهو أن الزمخشري قال : ما الفائدة في قوله : { ليلا } وقال : جوابا في التنكير دلالة على أنه كان في بعض الليل ، وتمسك بقراءة من قرأ : { من اليل } وهو غير ظاهر ، والأظهر فيه أن يقال : بأن الوقت المبهم يذكر لبيان أن تعيين الوقت ليس بمقصود المتكلم وأنه لا يريد بيانه ، كما يقول : خرجنا في بعض الأوقات ، مع أن الخروج لا بد من أن يكون في بعض الأوقات ، فإنه لا يريد بيان الوقت المعين ، ولو قال : خرجنا ، فربما يقول السامع : متى خرجتم ، فإذا قال : في بعض الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته ، فكذلك قوله تعالى : { صبحهم بكرة } أي بكرة من البكر و { أسرى بعبده ليلا } أي ليلا من الليالي فلا أبينه ، فإن المقصود نفس الإسراء ، ولو قال : أسرى بعبده من المسجد الحرام ، لكان للسامع أن يقول : أيما ليلة ؟ فإذا قال : ليلة من الليالي قطع سؤاله وصار كأنه قال : لا أبينه ، وإن كان القائل ممن يجوز عليه الجهل ، فإنه يقول : لا أعلم الوقت ، فهذا أقرب فإذا علمت هذا في أسرى ليلا ، فاعلم مثله في : { صبحهم بكرة } ويحتمل أن يقال : على هذا الوجه : { صبحهم } بمعنى قال لهم : عموا صباحا استهزاء بهم ، كما قال : { فبشرهم بعذاب أليم } ( آل عمران : 21 ) فكأنه قال : جاءهم العذاب بكرة كالمصبح ، والأول أصح ، ويحتمل في قوله تعالى : { صبحهم بكرة } على قولنا : إنها منصوبة على الظرف مالا يحتمله قوله تعالى : { أسرى بعبده ليلا } وهو أن : { صبحهم } معناه أتاهم وقت الصبح ، لكن التصبيح يطلق على الإتيان في أزمنة كثيرة من أول الصبح إلى ما بعد الإسفار ، فإذا قال : { بكرة } أفاد أنه كان أول جزء منه ، وما أخر إلى الإسفار ، وهذا أوجه وأليق ، لأن الله تعالى أوعدهم به وقت الصبح ، بقوله : { إن موعدهم الصبح } ( هود : 81 ) وكان من الواجب بحكم الإخبار تحققه بمجيء العذاب في أول الصبح ، ومجرد قراءة : { صبحهم } ما كان يفيد ذلك ، وهذا أقوى لأنك تقول : صبيحة أمس بكرة واليوم بكرة ، فيأتي فيه ما ذكرنا من أن المراد بكرة من البكر الوجه الثاني : أنها منصوبة على المصدر من باب ضربته سوطا ضربا فإن المنصوب في ضربته ضربا على المصدر ، وقد يكون غير المصدر كما في ضربته سوطا ضربا ، لا يقال : ضربا سوطا بين أحد أنواع الضرب ، لأن الضرب قد يكون بسوط وقد يكون بغيره ، وأما : { بكرة } فلا يبين ذلك ، لأنا نقول : قد بينا أن بكرة بين ذلك ، لأن الصبح قد يكون بالإتيان وقت الإسفار ، وقد يكون بالإتيان بالأبكار ، فإن قيل : مثله يمكن أن يقال : في / { أسرى بعبده ليلا } قلنا : نعم ، فإن قيل : ليس هناك بيان نوع من أنواع الإسراء ، نقول : هو كقول القائل : ضربته شيئا ، فإن شيئا لا بد منه في كل ضرب ، ويصح ذلك على أنه نصب على المصدر ، وفائدته ما ذكرنا من بيان عدم تعلق الغرض بأنواعه ، وكأن القائل يقول : إني لا أبين ما ضربته به ، ولا أحتاج إلى بيانه لعدم تعلق المقصود به ليقطع سؤال السائل : بماذا ضربه بسوط أو بعصا ، فكذلك القول في : { أسرى بعبده ليلا } يقطع سؤال السائل عن الإسراء / لأن الإسراء هو السير أول الليل ، والسرى هو السير آخر الليل أو غير ذلك .

Sección V29/P055–V29/P056

المسألة الثانية : { مستقر } يحتمل وجوها أحدها : عذاب لا مدفع له ، أي يستقر عليهم ويثبت ، ولا يقدر أحد على إزالته ورفعه أو إحالته ودفعه ثانيها : دائم ، فإنهم لما أهلكوا نقلوا إلى الجحيم ، فكأن ما أتاهم عذاب لا يندفع بموتهم ، فإن الموت يخلص من الألم الذي يجده المضروب من الضرب والمحبوس من الحبس ، وموتهم ما خلصهم ثالثها : عذاب مستقر عليهم لا يتعدى غيرهم ، أي هو أمر قد قدره الله عليهم وقرره فاستقر ، وليس كما يقال : إنه أمر أصابهم اتفاقا كالبرد الذي يضر زرع قوم دون قوم ، ويظن به أنه أمر اتفاقي ، وليس لو خرجوا من أماكنهم لنجوا كما نجا آل لوط ، بل كان ذلك يتبعهم ، لأنه كان أمرا قد استقر . المسألة الثالثة : الضمير في { صبحهم } عائد إلى الذين عاد إليهم الضمير في أعينهم فيعود لفظا إليهم للقرب ، ومعنى إلى الذين تماروا بالنذر ، أو الذين عاد إليهم الضمير في قوله : { ولقد أنذرهم بطشتنا } ( القمر : 36 ) . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فذوقوا عذابى ونذر } . > 7 ! < < القمر : ( 39 ) فذوقوا عذابي ونذر > > مرة أخرى ، لأن العذاب كان مرتين أحدهما : خاص بالمراودين ، والآخر عام . ! 7 < { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } . > 7 ! < < القمر : ( 40 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . . > > قد فسرناه مرارا وبينا ما لأجله تكرارا . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ولقد جآء ءال فرعون النذر كذبوا بأاياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر } . > 7 < القمر : ( 41 - 42 ) ولقد جاء آل . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الفائدة في لفظ : { فرعون أشد } بدل قوم فرعون ؟ نقول : القوم أعم من الآل ، فالقوم كل من يقوم الرئيس بأمرهم أو يقومون بأمره ، والآل كل من يؤول إلى / الرئيس خيرهم وشرهم أو يؤول إليهم خيره وشره ، فالبعيد الذي لا يعرفه الرئيس ولا يعرف هو عين الرئيس وإنما يسمع اسمه ، فليس هو بآله ، إذا عرفت الفرق ، نقول : قوم الأنبياء الذين هم غير موسى عليهم السلام ، لم يكن فيهم قاهر يقهر الكل ويجمعهم على كلمة واحدة ، وإنما كانوا هم رؤساء وأتباعا ، والرؤساء إذا كثروا لا يبقى لأحد منهم حكم نافذ على أحد ، أما على من هو مثله فظاهر ، وأما على الأراذل فلأنهم يلجئون إلى واحد منهم ويدفعون به الآخر ، فيصير كل واحد برأسه ، فكأن الإرسال إليهم جميعا ، وأما فرعون فكان قاهرا يقهر الكل ، وجعلهم بحيث لا يخالفونه في قليل ولا كثير ، فأرسل الله إليه الرسول وحده ، غير أنه كان عنده جماعة من التابعين المقربين مثل قارون تقدم عنده لماله العظيم ، وهامان لدهائه ، فاعتبرهم الله في الإرسال ، حيث قال : في مواضع : { ولقد أرسلنا موسى بئاياتنا إلى فرعون } ( الزخرف : 46 ) وقال تعالى : { ثم بعثنا من وهامان وقشرون } ( غافر : 23 ، 24 ) وقال في العنكبوت : { وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى } ( العنكبوت : 39 ) لأنهم إن آمنوا آمن الكل بخلاف الأقوام الذين كانوا قبلهم وبعدهم ، فقال : { ولقد جاء ءال فرعون النذر } وقال كثيرا مثل هذا كما في قوله : { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } ( غافر : 46 ) ، { وقال رجل مؤمن من ءال فرعون يكتم إيمانه } ( غافر : 28 ) وقال : بلفظ الملأ أيضا كثيرا .

Sección V29/P056–V29/P057

المسألة الثانية : قال : { ولقد جاء } ولم يقل في غيرهم جاء لأن موسى عليه السلام ما جاءهم ، كما جاء المرسلون أقوامهم ، بل جاءهم حقيقة حيث كان غائبا عن القوم فقدم عليهم ، ولهذا قال تعالى : { فلما جآء ءال لوط المرسلون } وقوله تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) حقيقة أيضا لأنه جاءهم من الله من السموات بعد المعراج ، كما جاء موسى قومه من الطور حقيقة . المسألة الثالثة : النذر إن كان المراد منها الإنذارات وهو الظاهر ، فالكلام الذي جاءهم على لسان موسى ويده تلك ، وإن كان المراد الرسل فهو لأن موسى وهرون عليهما السلام جاءه وكل مرسل تقدمهما جاء لأنهم كلهم قالوا ما قالا من التوحيد وعبادة الله وقوله بعد ذلك : { كذبوا بئاياتنا } من غير فاء تقتضي ترتب التكذيب على المجيء فيه وجهان أحدهما : أن الكلام تم عند قوله : { ولقد جاء ءال فرعون النذر } وقوله : { كذبوا } كلام مستأنف والضمير عائد إلى كل من تقدم ذكرهم من قوم نوح إلى آل فرعون ثانيهما : أن الحكاية مسوقة على سياق ما تقدم ، فكأنه قال : ( فكيف كان عذابي ونذر وقد كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم ) ، وعلى الوجه الأول آياتنا كلها ظاهرة ، وعلى الوجه الثاني المراد آياته التي كانت مع موسى عليه السلام وهي التسع في قول أكثر المفسرين ، ويحتمل أن يقال : المراد أنهم كذبوا بآيات الله كلها السمعية والعقلية فإن في كل شيء له آية تدل على أنه واحد . وقوله تعالى : { فأخذناهم } إشارة إلى أنهم كانوا كالآبقين أو إلى أنهم عاصون يقال : أخذ الأمير فلانا إذا حبسه ، وفي قوله : { عزيز مقتدر } لطيفة وهي أن العزيز المراد منه الغالب لكن العزيز قد يكون ( الذي ) يغلب على العدو ويظفر به وفي الأول يكون غير متمكن من أخذه لبعده إن كان هاربا ولمنعته إن / كان محاربا ، فقال أحد غالب لم يكن عاجزا وإنما كان ممهلا . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { أكفاركم خير من أولائكم أم لكم برآءة فى الزبر } . > 7 ! < < القمر : ( 43 ) أكفاركم خير من . . . . . > > تنبيها لهم لئلا يأمنوا العذاب فإنهم ليسوا بخير من أولئك الذين أهلكوا وفيه مسائل : المسألة الأولى : الخطاب مع أهل مكة فينبغي أن يكون كفارهم بعضهم وإلا لقال : أنتم خير من أولئكم ، وإذا كان كفارهم بعضهم فكيف قال : { أم لكم براءة } ولم يقل : أم لهم كما يقول القائل : جاءنا الكرماء فأكرمناهم ، ولا يقول : فأكرمناكم ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن المراد منه أكفاركم المستمرون على الكفر الذين لا يرجعون وذلك لأن جمعا عظيما ممن كان كافرا من أهل مكة يوم الخطاب أيقنوا بوقوع ذلك ، والعذاب لا يقع إلا بعد العلم بأنه لم يبق من القوم من يؤمن فقال : الذين يصرون منكم على الكفر يا أهل مكة خير ، أم الذين أصروا من قبل ؟ فيصح كون التهديد مع بعضهم ، وأما قوله تعالى : { أم لكم براءة } ففيه وجهان أحدهما : أم لكم لعمومكم براءة فلا يخاف المصر منكم لكونه في قوم لهم براءة وثانيهما : أم لكم براءة إن أصررتم فيكون الخطاب عاما والتهديد كذلك ، فالشرط غير مذكور وهو الإصرار .

Sección V29/P057–V29/P058

المسألة الثانية : ما المراد بقوله : { خير } ، وقول القائل : خير يقتضي اشتراك أمرين في صفة محمودة مع رجحان أحدهما على الآخر ولم يكن فيهم خير ولا صفة محمودة ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه أحدها : منع اقتضاء الاشتراك يدل عليه قول حسان : أنتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء مع اختصاص الخير بالنبي عليه السلام والشر بمن هجاه وعدم اشتراكهما في شيء منهما ثانيها : أن ذلك عائد إلى ما في زعمهم أي : أيزعم كفاركم أنهم خير من الكفار المتقدمين الذين أهلكوا وهم كانوا يزعمون في أنفسهم الخير ، وكذا فيمن تقدمهم من عبدة الأوثان ومكذبي الرسل وكانوا يقولون : إن الهلاك كان بأسباب سماوية من اجتماع الكواكب على هيئة مذمومة ثالثها : المراد : أكفاركم أشد قوة ، فكأنه قال : أكفاركم خير في القوة ؟ والقوة محمودة في العرف رابعها : أن كل موجود ممكن ففيه صفات محمودة وأخرى غير محمودة فإذا نظرت إلى المحمودة في الموضعين وقابلت إحداهما بالأخرى ، تستعمل فيها لفظ الخير ، وكذلك في الصفات المذمومة تستعمل فيها لفظ الشر ؟ فإذا نظرت إلى كافرين وقلت : أحدهما خير من الآخر فلك حينئذ أن تريد أحدهما خير من الآخر في الحسن والجمال ، وإذا نظرت إلى مؤمنين يؤذيانك قلت : أحدهما شر من الآخر ، أي في الأذية لا الإيمان فكذلك ههنا أكفاركم خير لأن النظر وقع على ما يصلح مخلصا لهم من العذاب ، فهو كما يقال أكفاركم فيهم شيء مما يخلصهم لم يكن في غيرهم فهم خير أم لا شيء فيهم يخلصهم لكن الله بفضله أمنهم لا بخصال فيهم . / المسألة الثالثة : { أم لكم براءة } إشارة إلى سبب آخر من أسباب الخلاص ، وذلك لأن الخلاص إما أن يكون بسبب أمر فيهم أو لا يكون كذلك ، فإن كان بسبب أمر فيهم وذلك السبب لم يكن في غيرهم من الذين تقدموهم فيكونون خيرا منهم وإن كان لا بسبب أمر فيهم فيكون بفضل الله ومسامحته إياهم وإيمانه إياهم من العذاب فقال لهم : أنتم خير منهم فلا تهلكون أم لستم بخير منهم لكن الله آمنكم وأهلكهم وكل واحد منهما منتف فلا تأمنوا ، وقوله تعالى : { أم لكم براءة فى الزبر } إشارة إلى لطيفة وهي أن العاقل لا يأمن إلا إذا حصل له الجزم بالأمن أو صار له آيات تقرب الأمر من القطع ، فقال : لكم براءة يوثق بها وتكون متكررة في الكتب / فإن الحاصل في بعض الكتب ربما يحتمل التأويل أو يكون قد تطرق إليه التحريف والتبديل كما في التوراة والإنجيل ، فقال : هل حصل لكم براءة متكررة في كتب تأمنون بسببها العذاب فإن لم يكن كذلك لا يجوز الأمن لكن البراءة لم تحصل في كتب ولا كتاب واحد ولا شبه كتاب ، فيكون أمنهم من غاية الغفلة وعند هذا تبين فضل المؤمن ، فإنه مع ما في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، من الوعد لا يأمن وإن بلغ درجة الأولياء والأنبياء ، لما في آيات الوعيد من احتمال التخصيص ، وكون كل واحد ممن يستثنى من الأمة ويخرج عنها فالمؤمن خائف والكافر آمن في الدنيا ، وفي الآخرة الأمر على العكس . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { أم يقولون نحن جميع منتصر } . > 7 ! < < القمر : ( 44 ) أم يقولون نحن . . . . .

Sección V29/P058–V29/P059

> > تتميما لبيان أقسام الخلاص وحصره فيها ، وذلك لأن الخلاص إما أن يكون لاستحقاق من يخلص عن العذاب كما أن الملك إذا عذب جماعة ورأى فيهم من أحسن إليه فلا يعذبه ، وإما أن يكون لأمر في المخلص كما إذا رأى فيهم من له ولد صغير أو أم ضعيفة فيرحمه وإن لم يستحق ويكتب له الخلاص ، وإما أن لا يكون فيه ما يستحق الخلاص بسببه ولا في نفس المعذب مما يوجب الرحمة لكنه لا يقدر عليه بسبب كثرة أعوانه وتعصب إخوانه ، كما إذا هرب واحد من الملك والتجأ إلى عسكر يمنعون الملك عنه ، فكما نفى القسمين الأولين كذلك نفى القسم الثالث وهو التمتع بالأعوان وتحزب الإخوان ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : في حسن الترتيب وذلك لأن المستحق لذاته أقرب إلى الخلاص من المرحوم ، فإن المستحق لم يوجد فيه سبب العذاب والمرحوم وجد فيه ذلك ، ووجد المانع من العذاب ، وما لا سبب له لا يتحقق أصلا ، وماله مانع ربما لا يقوى المانع على دفع السبب ، وما في نفس المعذب من المانع أقوى من الذي بسبب الغير ، لأن الذي من عنده يمنع الداعية ولا يتحقق الفعل عند عدم الداعية ، والذي من الغير بسبب التمتع لا يقطع قصده بل يجتهد وربما يغلب فيكون تعذيبه أضعاف ما كان من قبل ، بخلاف من يرق له قلبه وتمنعه الرحمة فإنها وإن لم تمنعه / لكن لا يزيد في حمله وحبسه وزيادته في التعذيب عند القدرة ، فهذا ترتيب في غاية الحسن . المسألة الثانية : { جميع } فيه فائدتان إحداهما الكثرة والأخرى الاتفاق ، كأنه قال : نحن كثير متفقون فلنا الانتصار ولا يقوم غير هذه اللفظة مقامها من الألفاظ المفردة ، إنما قلنا : إن فيه فائدتين لأن الجمع يدل على الجماعة بحروفه الأصلية من ج م ع وبوزنه وهو فعيل بمعنى مفعول على أنهم جمعوا جمعيتهم العصبية ، ويحتمل أن يقال : معناه نحن الكل لا خارج عنا إشارة إلى أن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم لا اعتداد به قال تعالى في نوح : { أنؤمن لك واتبعك الارذلون } ( الشعراء : 111 ) { إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى } ( هود : 27 ) وعلى هذا { جميع } يكون التنوين فيه لقطع الإضافة كأنهم قالوا : نحن جمع الناس . المسألة الثالثة : ما وجه إفراد المنتصر مع أن نحن ضمير الجمع ؟ نقول : على الوجه الأول ظاهر لأنه وصف الجزء الآخر الواقع خبرا فهو كقول القائل : أنتم جنس منتصر وهم عسكر غالب والجميع كالجنس لفظه لفظ واحد ، ومعناه جمع فيه الكثرة ، وأما على الوجه الثاني فالجواب عنه من وجهين أحدهما : أن المعنى وإن كان جميع الناس لا خارج عنهم إلا من لا يعتد به ، لكن لما قطع ونون صار كالمنكر في الأصل فجاز وصفه بالمنكر نظرا إلى اللفظ فعاد إلى الوجه الأول وثانيهما : أنه خبر بعد خبر ، ويجوز أن يكون أحد الخبرين معرفة والآخرين نكرة ، قال تعالى : { وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد } ( البروج : 14 16 ) وعلى هذا فقوله : { نحن جميع منتصر } أفرده لمجاورته { جميع } ، ويحتمل أن يقال معنى : { نحن جميع منتصر } أن جميعا بمعنى كل واحد كأنه قال : نحن كل واحد منا منتصر ، كما تقول : هم جميعهم أقوياء بمعنى أن كل واحد منهم قوي ، وهم كلهم علماء أي كل واحد عالم فترك الجمع واختار الإفراد لعود الخبر إلى كل واحد فإنهم كانوا يقولون : كل واحد منا يغلب محمدا صلى الله عليه وسلم كما قال أبي بن خلف الجمحي وهذا فيه معنى لطيف وهو أنهم ادعوا أن كل واحد غالب ، والله رد عليهم بأجمعهم بقوله :

Sección V29/P059–V29/P060

! 7 < { سيهزم الجمع ويولون الدبر } . > 7 ! < < القمر : ( 45 ) سيهزم الجمع ويولون . . . . . > > وهو أنهم ادعوا القوة العامة بحيث يغلب كل واحد منهم محمدا صلى الله عليه وسلم والله تعالى بين ضعفهم الظاهر الذي يعمهم جميعهم بقوله : { ويولون الدبر } وحينئذ يظهر سؤال وهو أنه قال : { يولون الدبر } ولم يقل : يولون الأدبار . وقال في موضع آخر : { يولوكم الادبار ثم لا ينصرون } ( آل عمران : 111 ) وقال : { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار } ( الأحزاب : 15 ) وقال في موضع آخر : { فلا تولوهم الادبار } فكيف تصحيح الإفراد وما الفرق بين المواضع ؟ نقول : أما التصحيح فظاهر لأن قول القائل : فعلوا كقوله فعل هذا وفعل ذاك وفعل الآخر . قالوا : وفي الجمع تنوب مناب الواوات التي في العطف ، وقوله : { يولون } بمثابة يول هذا / الدبر ، ويول ذاك ويول الآخر أي كل واحد يولي دبره ، وأما الفرق فنقول اقتضاء أواخر الآيات حسن الإفراد ، فقوله : { يولون الدبر } إفراده إشارة إلى أنهم في التولية كنفس واحدة ، فلا يتخلف أحد عن الجمع ولا يثبت أحد للزحف فهم كانوا في التولية كدبر واحد ، وأما في قوله : { فلا تولوهم الادبار } أي كل واحد يوجد به ينبغي أن يثبت ولا يولي دبره ، فليس المنهي هناك توليتهم بأجمعهم بل المنهي أن يولي واحد منهم دبره ، فكل أحد منهي عن تولية دبره ، فجعل كل واحد برأسه في الخطاب ثم جمع الفعل بقوله : { فلا تولوهم } ولا يتم إلا بقوله : { الادبار } وكذلك في قوله : { ولقد كانوا عاهدوا الله } ( لأحزاب : 15 ) أي كل واحد قال : أنا أثبت ولا أولي دبري ، وأما في قوله : { ليولن الادبار } ( الحشر : 12 ) فإن المراد المنافقون الذين وعدوا اليهود وهم متفرقون بدليل قوله تعالى : { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى } ( الحشر : 14 ) ، وأما في هذا الموضع فهم كانوا يدا واحدة على من سواهم . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر } . > 7 ! < < القمر : ( 46 ) بل الساعة موعدهم . . . . . > > إشارة إلى أن الأمر غير مقتصر على انهزامهم وإدبارهم بل الأمر أعظم منه فإن الساعة موعدهم فإنه ذكر ما يصيبهم في الدنيا من الدبر ، ثم بين ما هو منه على طريقة الإصرار ، هذا قول أكثر المفسرين ، والظاهر أن الإنذار بالساعة عام لكل من تقدم ، كأنه قال : أهلكنا الذين كفروا من قبلك وأصروا وقوم محمد عليه السلام ليسوا بخير منهم فيصيبهم ما أصابهم إن أصروا ، ثم إن عذاب الدنيا ليس لإتمام المجازاة فإتمام المجازاة بالأليم الدائم . وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الحكمة في كون اختصاص الساعة موعدهم مع أنها موعد كل أحد ؟ نقول : الموعد الزمان الذي فيه الوعد والوعيد والمؤمن موعود بالخير ومأمور بالصبر فلا يقول هو : متى يكون ، بل يفوض الأمر إلى الله ، وأما الكافر فغير مصدق فيقول : متى يكون العذاب ؟ فيقال له : اصبر فإنه آت يوم القيامة ، ولهذا كانوا يقولون : { عجل لنا قطنا } ( ص : 16 ) وقال : { ويستعجلونك بالعذاب } ( الحج : 47 ) . المسألة الثانية : أدهى من أي شيء ؟ نقول : يحتمل وجهين أحدهما : ما مضى من أنواع عذاب الدنيا ثانيهما : أدهى الدواهي فلا داهية مثلها .

Sección V29/P060–V29/P061

المسألة الثالثة : ما المراد من قوله : { وأمر } ؟ قلنا : فيه وجهان أحدهما : هو مبالغة من المر وهو مناسب لقوله تعالى : { فذوقوا عذابى } ( القمر : 37 ) وقوله : { ذوقوا مس سقر } ( القمر : 48 ) وعلى هذا فأدهى أي أشد وأمر أي آلم ، والفرق بين الشديد والأليم أن الشديد يكون إشارة إلى أنه لا يطيقه أحد لقوته ولا يدفعه أحد بقوته ، مثاله ضعيف ألقى في ماء يغلبه أو نار لا يقدر على الخلاص منها ، وقوي ألقي في بحر أو نار عظيمة يستويان في الألم ويتساويان في الإيلام لكن يفترقان في الشدة فإن نجاة الضعيف من الماء الضعيف بإعانة معين ممكن ، ونجاة القوي من البحر العظيم غير ممكن ثانيهما : أمر مبالغة / في المار إذ هي أكثر مرورا بهم إشارة إلى الدوام ، فكأنه يقول : أشد وأدوم ، وهذا مختص بعذاب الآخرة ، فإن عذاب الدنيا إن اشتد قتل المعذب وزال فلا يدوم وإن دام بحيث لا يقتل فلا يكون شديدا ثالثها : أنه المرير وهو من المرة التي هي الشدة ، وعلى هذا فإما أن يكون الكلام كما يقول القائل : فلان نحيف نحيل وقوي شديد ، فيأتي بلفظين مترادفين إشارة إلى التأكيد وهو ضعيف ، وإما أن يكون أدهى مبالغة من الداهية التي هي اسم الفاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه ، وهو أمر صعب لأن الداهية صارت كالاسم الموضوع للشديد على وزن الباطية والسائبة التي لا تكون من أسماء الفاعلين ، وإن كانت الداهية أصلها ذلك ، غير أنها استعملت استعمال الأسماء وكتبت في أبوابها وعلى هذا يكون معناه ألزم وأضيق ، أي هي بحيث لا تدفع . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { إن المجرمين فى ضلال وسعر يوم يسحبون فى النار على وجوههم ذوقوا مس سقر } . > 7 < القمر : ( 47 - 48 ) إن المجرمين في . . . . . > > وفي الآية مسائل : الأولى : فيمن نزلت الآية في حقهم ؟ أكثر المفسرين اتفقوا على أنها نازلة في القدرية روى الواحدي في تفسيره قال : سمعت الشيخ رضي الدين المؤيد الطوسي بنيسابور ، قال : سمعت عبد الجبار قال : أخبرنا الواحدي قال : أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج قال : أخبرنا أبو محمد عبد الله الكعبي ، قال : حدثنا حمدان بن صالح الأشج حدثنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي داود ، حدثنا سفيان الثوري عن زياد بن إسماعيل المخزومي عن محمد بن عباد بن جعفر عن أبي هريرة قال : جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر ، فأنزل الله تعالى : { إن المجرمين فى ضلال وسعر } إلى قوله : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) وكذلك نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية نزلت في القدرية . وروي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( مجوس هذه الأمة القدرية ) وهم المجرمون الذين سماهم الله تعالى في قوله : { إن المجرمين فى ضلال وسعر } وكثرت الأحاديث في القدرية وفيها مباحث الأول : في معنى القدرية الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم : نزلت الآية فيهم ، فنقول : كل فريق في خلق الأعمال يذهب إلى أن القدري خصمه ، فالجبري يقول القدري من يقول : الطاعة والمعصية ليستا بخلق الله وقضائه وقدره ، فهم قدرية لأنهم ينكرون القدر والمعتزلي يقول : القدري هو الجبري الذي يقول حين يزني ويسرق الله قدرني فهو قدري لإثباته القدر ، وهما جميعا يقولان لأهل السنة الذي يعترف بخلق الله وليس من العبد إنه قدري ، والحق أن القدري الذي نزلت فيه الآية هو الذي ينكر القدر ويقول بأن الحوادث كلها حادثة بالكواكب واتصالاتها ويدل عليه قوله جاء مشركو قريش يحاجون رسول الله صلى الله عليه وسلم / في القدر فإن مذهبهم ذلك ، وما كانوا يقولون مثل ما يقول المعتزلة إن الله خلق لي سلامة الأعضاء وقوة الإدراك ومكنني من الطاعة والمعصية ، والله قادر على أن يخلق في الطاعة إلجاء والمعصية إلجاء ، وقادر على أن يطعم الفقير الذي أطعمه أنا بفضل الله ، والمشركون كانوا يقولون : { أنطعم من لو يشاء الله أطعمه } ( يس : 47 ) منكرين لقدرة الله تعالى على الإطعام ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( مجوس هذه الأمة هم القدرية ) فنقول : المراد من هذه الأمة ، إما الأمة التي كان محمد صلى الله عليه وسلم مرسلا إليهم سواء آمنوا به أو لم يؤمنوا كلفظ القوم ، وإما أمته الذين آمنوا به فإن كان المراد الأول فالقدرية في زمانه هم المشركون الذين أنكروا قدرة الله على الحوادث فلا يدخل فيهم المعتزلة ، وإن كان المراد هو الثاني فقوله : ( مجوس هذه الأمة ) يكون معناه الذين نسبتهم إلى هذه الأمة كنسبة المجوس إلى الأمة المتقدمة ، لكن الأمة المتقدمة أكثرهم كفرة ، والمجوس نوع منهم أضعف شبهة وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة تكون نوعا منهم أضعف دليلا ولا يقتضي ذلك الجزم بكونهم في النار فالحق أن القدري هو الذي ينكر قدرة الله تعالى ، إن قلنا : إن النسبة للنفي أو الذي يثبت قدرة غير الله تعالى على الحوادث إن قلنا : إن النسبة للإثبات وحينئذ يقطع بكونه : { فى ضلال وسعر } وإنه ذائق مس سقر .

Sección V29/P061–V29/P062

البحث الثاني : في بيان من يدخل في القدرية التي في النص ممن هو منتسب إلى أنه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم / إن قلنا : القدرية سموا بهذا الاسم لنفيهم قدرة الله تعالى فالذي يقول لا قدرة لله على تحريك العبد بحركة هي الصلاة وحركة هي الزنا مع أن ذلك أمر ممكن لا يبعد دخوله فيهم ، وأما الذي يقول : بأن الله قادر غير أنه لم يجبره وتركه مع داعية العبد كالوالد الذي يجرب الصبي في حمل شيء تركه معه لا لعجز الوالد بل للابتلاء والامتحان ، لا كالمفلوج الذي لا قوة له إذا قال لغيره : احمل هذا فلا يدخل فيهم ظاهرا وإن كان مخطئا ، وإن قلنا إن القدرية سموا بهذا الاسم لإثباتهم القدرة على الحوادث لغير الله من الكواكب ، والجبري الذي قال : هو الحائط الساقط الذي لا يجوز تكليفه بشيء لصدور الفعل من غيره وهم أهل الإباحة ، فلا شك في دخوله في القدرية فإنه يكفر بنفيه التكليف وأما الذي يقول : خلق الله تعالى فينا الأفعال وقدرها وكلفنا ، ولا يسأل عما يفعل فما هو منهم . البحث الثالث : اختلف القائلون في التعصب أن الاسم بالمعتزلة أحق أم بالأشاعرة ؟ فقالت : المعتزلة الاسم بكم أحق لأن النسبة تكون للإثبات لا للنفي ، يقال للدهري : دهري لقوله بالدهر ، وإثباته ، وللمباحي إباحي لإثباته الإباحة وللتنوية تنوية لإثباتهم الإثنين وهما النور والظلمة ، وكذلك أمثله وأنتم تثبتون القدر ، وقالت الأشاعرة : النصوص تدل على أن القدري من ينفي قدرة الله تعالى ومشركو قريش ما كانوا قدرية إلا لإثباتهم قدرة لغير الله ، قالت : المعتزلة إنما سمي المشركون قدرية لأنهم قالوا : إن كان قادرا على الحوادث كما تقول يا محمد فلو شاء الله لهدانا ولو شاء / لأطعم الفقير ، فاعتقدوا أن من لوازم قدرة الله تعالى على الحوادث خلقه الهداية فيهم إن شاء ، وهذا مذهبكم أيها الأشاعرة ، والحق الصراح أن كل واحد من المسلمين الذين ذهبوا إلى المذهبين خارج عن القدرية ، ولا يصير واحد منهم قدريا إلا إذا صار النافي نافيا للقدرة والمثبت منكرا للتكليف . المسألة الثانية : المجرمون هم المشركون ههنا كما في قوله تعالى : { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم } ( السجدة : 12 ) وقوله : { يود المجرم لو يفتدي } ( المعارج : 11 ) وفي قوله : { يعرف المجرمون بسيماهم } ( الرحمن : 41 ) فالآية عامة ، وإن نزلت في قوم خاص . وجرمهم تكذيب الرسل والنذر بالإشراك وإنكار الحشر وإنكار قدرة الله تعالى على الإحياء بعد الإماتة ، وعلى غيره من الحوادث .

Sección V29/P062–V29/P063

المسألة الثالثة : { فى ضلال وسعر } يحتمل وجوها ثلاثة أحدها : الجمع بين الأمرين في الدنيا أي هم في الدنيا في ضلال وجنون لا يعقلون ولا يهتدون ، وعلى هذا فقوله : { يسحبون } بيان حالهم في تلك الصورة وهو أقرب ثانيها : الجمع في الآخرة أي هم في ضلال الآخرة وسعر أيضا . أما السعر فكونهم فيها ظاهر ، وأما الضلال فلا يجدون إلى مقصدهم أو إلى ما يصلح مقصدا وهم متحيرون سبيلا ، فإن قيل : الصحيح هو الوجه الأخير لا غير لأن قوله تعالى : { يوم يسحبون } ظرف القول أي يوم يسحبون يقال لهم ذوقوا ، وسنبين ذلك فنقول : { يوم يسحبون } يحتمل أن يكون منصوبا بعامل مذكور أو مفهوم غير مذكور ، والاحتمال الأول له وجهان أحدهما : العامل سابق وهو معنى كائن ومستقر غير أن ذلك صار نسيا منسيا ثانيهما : العامل متأخر وهو قوله : { ذوقوا } تقديره : ذوقوا مس سقر يوم يسحب المجرمون ، والخطاب حينئذ مع من خوطب بقوله : { أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة } ( القمر : 43 ) والاحتمال الثالث : أن المفهوم هو أن يقال لهم : يوم يسحبون ذوقوا ، وهذا هو المشهور ، وقوله تعالى : { ذوقوا } استعارة وفيه حكمة وهو أن الذوق من جملة الإدراكات فإن المذوق إذا لاقى اللسان يدرك أيضا حرارته وبرودته وخشونته وملاسته / كما يدرك سائر أعضائه الحسية ويدرك أيضا طعمه ولا يدركه غير اللسان ، فإدراك اللسان أتم ، فإذا تأذى من نار تأذى بحرارته ومرارته إن كان الحار أو غيره لا يتأذى إلا بحرارته فإذن الذوق إدراك لمسي أتم من غيره في الملموسات فقال : { ذوقوا } إشارة إلى أن إدراكهم بالذوق أتم الإدراكات فيجتمع في العذاب شدته وإيلامه بطول مدته ودوامه ، ويكون المدرك له لا عذر له يشغله وإنما هو على أتم ما يكون من الإدراك فيحصل الألم العظيم . وقد ذكرنا أن على قول الأكثرين يقال لهم أو نقول مضمر . وقد ذكرنا أنه لا حاجة إلى الإضمار إذا كان الخطاب مع غير من قيل في حقهم : { إن المجرمين فى ضلال } فإنه يصير كأنه قال : ذوقوا أيها المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم مس سقر يوم يسحب المجرمون المتقدمون في النار . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { إنا كل شىء خلقناه بقدر } . > 7 ! / < < القمر : ( 49 ) إنا كل شيء . . . . . > > وفيه مسائل :

Sección V29/P063–V29/P064

الأولى : المشهور أن قوله : { إنا كل شىء } متعلق بما قبله كأنه قال : ذوقوا فإنا كل شيء خلقناه بقدر ، أي هو جزاء لمن أنكر ذلك ، وهو كقوله تعالى : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) والظاهر أنه ابتداء كلام وتم الكلام عند قوله : { ذوقوا مس سقر } ( القمر : 48 ) ثم ذكر بيان العذاب لأن عطف : { وما أمرنا إلا واحدة } ( القمر : 50 ) يدل على أن قوله : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ليس آخر الكلام . ويدل عليه قوله تعالى : { ألا له الخلق والامر } ( الأعراف : 54 ) وقد ذكر في الآية الأولى الخلق بقوله : { إنا كل شىء خلقناه } فيكون من اللائق أن يذكر الأمر فقال : { وما أمرنا إلا واحدة } وأما ما ذكر من الجدل فنقول النبي صلى الله عليه وسلم تمسك عليهم بقوله : { إن المجرمين فى ضلال } إلى قوله : { ذوقوا مس سقر } ( القمر : 47 ، 48 ) وتلا آية أخرى على قصد التلاوة ، ولم يقرأ الآية الأخيرة اكتفاء بعلم من علم الآية كما تقول في الاستدلالات : { لا تأكلوا أموالكم } ( النساء : 29 ) الآية : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } ( الأنعام : 121 ) الآية : { وإذا تداينتم } ( البقرة : 283 ) الآية إلى غير ذلك . المسألة الثانية : { كل } قرىء بالنصب وهو الأصح المشهور ، وبالرفع فمن قرأ بالنصب فنصبه بفعل مضمر يفسره الظاهر كقوله : { والقمر قدرناه } ( يس : 39 ) وقوله : { والظالمين أعد لهم } ( الإنسان : 31 ) وذلك الفعل هو خلقناه وقد فسره قوله : { خلقناه } كأنه قال : إنا خلقنا كل شيء بقدر ، وخلقناه على هذا لا يكون صفة لشيء كما في قوله تعالى : { ومن كل شىء خلقنا زوجين } ( الذاريات : 49 ) غير أن هناك يمنع من أن يكون صفة كونه خاليا عن ضمير عائد إلى الموصوف ، وههنا لم يوجد ذلك المانع ، وعلى هذا فالآية حجة على المعتزلة لأن أفعالنا شيء فتكون داخلة في كل شيء فتكون مخلوقة لله تعالى ، ومن قرأ بالرفع لم يمكنه أن يقول كما يقول في قوله : { وأما ثمود فهديناهم } ( فصلت : 17 ) حيث قرىء بالرفع لأن كل شيء نكرة فلا يصح مبتدأ فيلزمه أن يقول : كل شيء خلقناه فهو بقدر ، كقوله تعالى : { وكل شىء عنده بمقدار } ( الرعد : 8 ) في المعنى ، وهذان الوجهان ذكرهما ابن عطية في تفسيره وذكر أن المعتزلي يتمسك بقراءة الرفع ويحتمل أن يقال : القراءة الأولى وهو النصب له وجه آخر ، وهو أن يقال : نصبه بفعل معلوم لا بمضمر مفسر وهو قدرنا أو خلقنا ، كأنه قال : إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر ، أو قدرنا كل شيء خلقناه بقدر ، وإنما قلنا : إنه معلوم لأن قوله : { ذلكم الله ربكم خالق كل شىء } ( غافر : 62 ) دل عليه ، وقوله : { وكل شىء بمقدار } دل على أنه قدر وحينئذ لا يكون في الآية دلالة على بطلان قول المعتزلي وإنما يدل على بطلان قوله : { الله خالق كل شىء } ( الزمر : 62 ) وأما على القراءة الثانية وهي الرفع ، فنقول : جاز أن يكون كل شيء مبتدأ وخلقناه بقدر خبره وحينئذ تكون الحجة قائمة عليهم بأبلغ وجه ، وقوله : { كل شىء } نكرة فلا يصلح مبتدأ ضعيف لأن قوله : { كل شىء } عم الأشياء كلها بأسرها ، فليس فيه / المحذور الذي في قولنا : رجل قائم ، لأنه لا يفيد فائدة ظاهرة ، وقوله : { كل شىء } يفيد ما يفيد زيد خلقناه وعمرو خلقناه مع زيادة فائدة / ولهذا جوزوا ما أحد خير منك لأنه أفاد العموم ولم يحسن قول القائل أحد خير منك حيث لم يفد العموم .

Sección V29/P064–V29/P065

المسألة الثالثة : ما معنى القدر ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : المقدار كما قال تعالى : { وكل شىء عنده بمقدار } ( العرد : 8 ) وعلى هذا فكل شيء مقدر في ذاته وفي صفاته ، أما المقدر في الذات فالجسم وذلك ظاهر فيه وكذلك القائم بالجسم من المحسوسات كالبياض والسواد ، وأما الجوهر الفرد مالا مقدار له والقائم بالجوهر مالا مقدار له بمعنى الامتداد كالعلم والجهل وغيرهما ، فنقول : ههنا مقادير لا بمعنى الامتداد ، أما الجواهر الفرد فإن الإثنين منه أصغر من الثلاثة ، ولولا أن حجما يزداد به الامتداد ، وإلا لما حصل دون الامتداد فيه ، وأما القائم بالجوهر فله نهاية وبداية ، فمقدار العلوم الحادثة والقدر المخلوقة متناهية ، وأما الصفة فلأن لكل شيء ابتدىء زمانا فله مقدار في البقاء لكون كل شيء حادثا ، فإن قيل : الله تعالى وصف به ، ولا مقدار له ولا ابتداء لوجوده ، نقول : المتكلم إذا كان موصوفا بصفة أو مسمى باسم ، ثم ذكر الأشياء المسماة بذلك الاسم أو الأشياء الموصوفة بتلك الصفة ، وأسند فعلا من أفعاله إليه يخرج هو عنه ، كما يقول القائل : رأيت جميع من في هذا البيت فرأيتهم كلهم أكرمني ، ويقول ما في البيت أحد إلا وضربني أو ضربته يخرج هو عنه لا لعدم كونه مقتضى الاسم ، بل بما في التركيب من الدليل على خروجه عن الإرادة ، فكذلك قوله : { خلقناه } و { خالق كل شىء } ( الزمر : 62 ) يخرج عنه لا بطريق التخصيص ، بل بطريق الحقيقة إذا قلنا : إن التركيب وضعي ، فإن هذا التركيب لم يوضع حينئذ إلا لغير المتكلم ثانيها : القدر التقدير ، قال الله تعالى : { فقدرنا فنعم القادرون } ( المرسلات : 23 ) وقال الشاعر : وقد قدر الرحمن ما هو قادر أي قدر ما هو مقدر ، وعلى هذا فالمعنى أن الله تعالى لم يخلق شيئا من غير تقدير ، كما يرمي الرامي السهم فيقع في موضع لم يكن قد قدره ، بل خلق الله كما قدر بخلاف قول الفلاسفة إنه فاعل لذاته والاختلاف للقوابل ، فالذي جاء قصيرا أو صغيرا فلاستعداد مادته ، والذي جاء طويلا أو كبيرا فلاستعداد آخر ، فقال تعالى : { كل شىء خلقناه بقدر } منا فالصغير جاز أن يكون كبيرا ، والكبير جاز خلقه صغيرا ثالثها : { بقدر } هو ما يقال مع القضاء ، يقال بقضاء الله وقدره ، وقالت الفلاسفة في القدر الذي مع القضاء : إن ما يقصد إليه فقضاء وما يلزمه فقدر ، فيقولون : خلق النار حارة بقضاء وهو مقضي به لأنها ينبغي أن تكون كذلك ، لكن من لوازمها أنها إذا تعلقت بقطن عجوز أو وقعت في قصب صعلوك تخرقه ، فهو بقدر لا بقضاء ، وهو كلام فاسد ، بل القضاء ما في العلم والقدر ما في الإرادة فقوله : { كل شىء خلقناه بقدر } أي بقدره مع إرادته ، لا على ما يقولون إنه موجب ردا على المشركين . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر } . > 7 < القمر : ( 50 ) وما أمرنا إلا . . . . . > >

Sección V29/P065–V29/P066

أي إلا كلمة واحدة ، وهو قوله له : ( كن ) هذا هو المشهور الظاهر ، وعلى هذا فالله إذا أراد شيئا قال له : ( كن ) فهناك شيئان : الإرادة والقول ، فالإرادة والقول ، فالإرادة قدر ، والقول قضاء ، وقوله : { واحدة } يحتمل أمرين أحدهما : بيان أنه لا حاجة إلى تكرير القول إشارة إلى نفاذ الأمر ثانيهما : بيان عدم اختلاف الحال ، فأمره عند خلق العرش العظيم كأمره عند خلق النمل الصغير ، فأمره عند الكل واحد وقوله : { كلمح بالبصر } تشبيه الكون لا تشبيه الأمر ، فكأنه قال : أمرنا واحدة ، فإذن المأمور كائن كلمح بالبصر ، لأنه لو كان راجعا إلى الأمر لا يكون ذلك صفة مدح يليق به ، فإن كلمة ( كن ) شيء أيضا يوجد كلمح بالبصر هذا هو التفسير الظاهر المشهور ، وفيه وجه ظاهر ذهب إليه الحكماء ، وهي أن مقدورات الله تعالى هي الممكنات يوجدها بقدرته ، وفي عدمها خلاف لا يليق بيانه بهذا الموضع لطوله لا لسبب غيره ، ثم إن الممكنات التي يوجدها الله تعالى قسمان أحدهما : أمور لها أجزاء ملتئمة عند التئامها يتم وجودها ، كالإنسان والحيوان والأجسام النباتية والمعدنية وكذلك الأركان الأربعة ، والسموات ، وسائر الأجسام وسائر ما يقوم بالأجسام من الأعراض ، فهي كلها مقدرة له وحوادث ، فإن أجزاءها توجد أولا ، ثم يوجد فيها التركيب والالتئام بعينها ، ففيها تقديرات نظرا إلى الأجزاء والتركيب والأعراض وثانيهما : أمور ليس لها أجزاء ومفاصل ومقادير امتدادية ، وهي الأرواح الشريفة المنورة للأجسام ، وقد أثبتها جميع الفلاسفة إلا قليلا منهم ، ووافقهم جمع من المتكلمين ، وقطع بها كثير ممن له قلب من أصحاب الرياضات وأرباب المجاهدات ، فتلك الأمور وجودها واحد ليس يوجد أولا أجزاء ، وثانيا تتحقق تلك الأجزاء بخلاف الأجسام والأعراض القائمة بها ، إذا عرفت هذا قالوا : الأجسام خلقية قدرية ، والأرواح إبداعية أمرية ، وقالوا إليه الإشارة بقوله تعالى : { ألا له الخلق والامر } ( الأعراف : 54 ) فالخلق في الأجسام والأمر في الأرواح ثم قالوا : لا ينبغي أن يظن بهذا الكلام أنه على خلاف الأخبار فإنه صلى الله عليه وسلم قال : ( أول ما خلق الله العقل ) ، وروى عنه عليه السلام أنه قال : ( خلق الله الأرواح قبل الأجسام بألفي عام ) وقال تعالى : { الله خالق كل شىء } ( الزمر : 62 ) فالخلق أطلق على إيجاد الأرواح والعقل لأن إطلاق الخلق على ما يطلق عليه الأمر جائز ، وإن العالم بالكلية حادث وإطلاق الخلق بمعنى الإحداث جائز ، وإن كان في حقيقة الخلق تقدير في أصل اللغة ولا كذلك في الأحداث ، ولولا الفرق بين العبارتين وإلا لاستقبح الفلسفي من أن يقول المخلوق قديم كما يستقبح من أن المحدث قديم ، فإذن قوله صلى الله عليه وسلم خلق الله الأرواح بمعنى أحدثها بأمره ، وفي هذا الإطلاق فائدة عظيمة وهي أنه صلى الله عليه وسلم لو غير العبارة وقال في الأرواح أنها موجودة / بالأمر والأجسام بالخلق لظن الذي لم يرزقه الله العلم الكثير أن الروح ليست بمخلوقة بمعنى ليست بمحدثة فكان يضل والنبي صلى الله عليه وسلم بعث رحمة ، وقالوا : إذا نظرت إلى قوله تعالى : { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى } ( الإسراء : 85 ) وإلى قوله تعالى : { خلق السماوات والارض في ستة أيام } ( الحديد : 4 ) وإلى قوله تعالى : { ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما } ( المؤمنون : 14 ) تجد التفاوت بين الأمر والخلق والأرواح والأشباح حيث جعل لخلق بعض الأجسام زمانا ممتدا هو ستة أيام وجعل لبعضها تراخيا وترتيبا بقوله : { ثم خلقنا } وبقوله : { فخلقنا } ولم يجعل للروح ذلك ، ثم قالوا : ينبغي أن لا يظن بقولنا هذا إن الأجسام لا بد لها من زمان ممتد وأيام حتى يوجدها الله تعالى فيه ، بل الله مختار إن أراد خلق السموات والأرض والإنسان والدواب والشجر والنبات في أسرع من لمح البصر لخلقها كذلك ، ولكن مع هذا لا تخرج عن كونها موجودات حصلت لها أجزاء ووجود أجزائها قبل وجود التركيب فيها ووجودها بعد وجود الأجزاء والتركيب فيها فهي ستة ثلاثة في ثلاثة كما يخلق الله الكسر والإنكسار في زمان واحد ولهما ترتيب عقلي .

Preguntas