Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb
فالجسم إذن كيفما فرضت خلقه ففيه تقدير وجودات كلها بإيجاد الله على الترتيب والروح لها وجود واحد بإيجاد الله تعالى هذا قولهم . ولنذكر ما في الخلق والأمر من الوجود المنقولة والمعقولة أحدها : ما ذكرنا أن الأمر هو كلمة : { كن } والخلق هو ما بالقدرة والإرادة ثانيها : ما ذكروا في الأجسام أن منها الأرواح ثالثها : هو أن الله له قدرة بها الإيجاد وإرادة بها التخصيص ، وذلك لأن المحدث له وجود مختص بزمان وله مقدار معين فوجوده بالقدرة واختصاصه بالزمان بالإرادة فالذي بقدرته خلق والذي بالإرادة أمر حيث يخصصه بأمره بزمان ويدل عليه المنقول والمعقول ، أما المنقول فقوله تعالى : { إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ( يس : 82 ) جعل { كن } لتعلق الإرادة ، واعلم أن المراد من : { كن } ليس هو الحرف والكلمة التي من الكاف والنون ، لأن الحصول أسرع من كلمة كن إذا حملتها على حقيقة اللفظ فإن الكاف والنون لا يوجد من متكلم واحد إلا الترتيب ففي كن لفظ زمان والكون بعد بدليل قوله تعالى : { فيكون } بالفاء فإذن لو كان المراد يكن حقيقة الحرف والصوت لكان الحصول بعده بزمان وليس كذلك ، فإن قال قائل : يمكن أن يوجد الحرفان معا وليس كلام الله تعالى ككلامنا يحتاج إلى الزمان قلنا : قد جعل له معنى غير ما نفهمه من اللفظ . وأما المعقول فلأن الاختصاص بالزمان ليس لمعنى وعلة وإن كان بعض الناس ذهب إلى أن الخلق والإيجاد لحكمة وقال : بأن الله خلق الأرض لتكون مقر الناس أو مثل هذا من الحكم ولم يمكنه أن يقول : خلق الأرض في الزمان المخصوص لتكون مقرا لهم لأنه لو خلقها في غير ذلك لكانت أيضا مقرا لهم فإذن التخصيص ليس لمعنى فهو لمحض الحكمة فهو يشبه أمر الملك الجبار الذي يأمر ولا يقال له : لم أمرت ولم فعلت ولا يعلم مقصود الآمر إلا منه رابعها : هو أن الأشياء المخلوقة لا تنفك عن أوصاف ثلاثة أو عن وصفين متقابلين ، مثاله الجسم لا بد له بعد خلقه أن يكون متحيزا ولا بد له من أن يكون / ساكنا أو متحركا فإيجاده أولا يخلقه وما هو عليه بأمره يدل عليه قوله تعالى : { إن ربكم الله الذى خلق السماوات والارض في ستة أيام } إلى أن قال : { مسخرات بأمره } ( الأعراف : 54 ) فجعل مالها بعد خلقها من الحركة والسكون وغيرهما بأمره ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( أول ما خلق الله تعالى العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ) جعل الخلق في الحقيقة والأمر في الوصف ، وكذلك قوله تعالى : { خلق السماوات والارض وما بينهما فى ستة أيام } ثم قال : { يدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره } ( السجدة : 4 ، 5 ) وقد ذكرنا تفسيره خامسها : مخلوقات الله تعالى على قسمين أحدهما : خلقه الله تعالى في أسرع ما يكون كالعقل وغيره وثانيهما : خلقه بمهلة كالسموات والإنسان والحيوان والنبات ، فالمخلوق سريعا أطلق عليه الأمر والمخلوق بمهلة أطلق عليه الخلق ، وهذا مثل الوجه الثاني سادسها : ما قاله فخر الدين الرازي في تفسير قوله تعالى : { فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها } ( فصلت : 11 ) وهو أن الخلق هو التقدير والإيجاد بعده بعدية ترتيبية لا زمانية ففي علم الله تعالى أن السموات تكون سبع سموات في يومين تقديرية فهو قدر خلقه كما علم وهو إيجاد فالأول خلق والثاني وهو الإيجاد أمر وأخذ هذا من المفهوم اللغوي قال الشاعر :
وبعض الناس يخلق ثم لا يفري أي يقدر ولا يقطع ولا يفصل كالخياط الذي يقدر أولا ويقطع ثانيا وهو قريب إلى اللغة لكنه بعيد الاستعمال في القرآن ، لأن الله تعالى حيث ذكر الخلق أراد الإيجاد منه قوله تعالى : { ولئن سألتهم من خلق } ( العنكبوت : 61 ) ومنه قوله تعالى : { أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة } ( يس : 77 ) وليس المراد أنا قدرنا أنه سيوجد منها إلى غير ذلك سابعها : الخلق هو الإيجاد ابتداء والأمر هو ما به الإعادة فإن الله خلق الخلق أولا بمهلة ثم يوم القيامة ببعثهم في أسرع من لحظة ، فيكون قوله : { وما أمرنا إلا واحدة } كقوله تعالى : { فإنما هى زجرة واحدة } ( الصافات : 19 ج وقوله : { صيحة واحدة } ( يس : 29 ) { نفخة واحدة } ( الحاقة : 13 ) وعلى هذا فقوله : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) إشارة إلى الوحدانية . وقوله تعالى : { وما أمرنا إلا واحدة } إلى الحشر فكأنه بين الأصل الأول والأصل الآخر بالآيات ثامنها : الإيجاد خلق والإعدام أمر ، يعني يقول للملائكة الغلاظ الشداد أهلكوا وافعلوا فلا يعصون الله ما أمرهم ولا يقفون الامتثال على إعادة الأمر مرة أخرى فأمره مرة واحدة يعقبه العدم والهلاك . وفيه لطيفة : وهي أن الله تعالى جعل الإيجاد الذي هو من الرحمة بيده ، والإهلاك يسلط عليه رسله وملائكته ، وجعل الموت بيد ملك الموت ولم يجعل الحياة بيد ملك ، وهذا مناسب لهذا الموضع لأنه بين النعمة بقوله : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) وبين قدرته على النقمة فقال : { وما أمرنا إلا واحدة } . { وإنا على ذهاب به لقادرون } ( المؤمنون : 18 ) وهو كقوله : { فإذا جاء أمرنا وفار التنور } ( المؤمنون : 27 ) عند العذاب ، وقوله تعالى : { فلما جاء أمرنا نجينا صالحا } ( هود : 66 ) وقوله تعالى : { فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها } ( هود : 82 ) وكما ذكر في هذه الحكايات العذاب بلفظ الأمر وبين الإهلاك به كذلك ههنا / ولا سيما إذا نظرت إلى ما تقدم من الحكايات ووجدتها عين تلك الحكايات يقوي هذا القول وكذلك قوله تعالى : { ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر } ( القمر : 51 ) يدل على صحة هذا القول تاسعها : في معنى اللمح بالبصر وجهان أحدهما : النظر بالعين يقال : لمحته ببصري كما يقال : نظرت إليه بعيني والباء حينئذ كما يذكر في الآيات فيقال : كتبت بالقلم ، واختار هذا المثال لأن النظر بالعين أسرع حركة توجد في الإنسان لأن العين وجد فيها أمور تعين على سرعة الحركة أحدها : قرب المحرك منها فإن المحرك العصبية ومنبتها الدماغ والعين في غاية القرب منه ثانيها : صغر حجمها فإنها لا تعصى على المحرك ولا تثقل عليه بخلاف العظام ثالثها : استدارة شكلها فإن دحرجة الكرة أسهل من دحرجة المربع والمثلث رابعها : كونها في رطوبة مخلوقة في العضو الذي هو موضعها وهذه الحكمة في أن المرئيات في غاية الكثرة بخلاف المأكولات والمسموعات والمقاصد التي تقصد بالأرجل والمذوقات ، فلولا سرعة حركة الآلة التي بها إدراك المبصرات لما وصل إلى الكل إلا بعد طول زمان وثانيهما : اللمح بالبصر معناه البرق يخطف بالبصر ويمر به سريعا والباء حينئذ للإلصاق لا للاستعانة كقوله : مررت به وذلك في غاية السرعة ، وقوله : { بالبصر } فيه فائدة وهي غاية السرعة فإنه لو قال : كلمح البرق حين برق ويبتدىء حركته من مكان وينتهي إلى مكان آخر في أقل زمان يفرض لصح ، لكن مع هذا فالقدر الذي مروره يكون بالبصر أقل من الذي يكون من مبتداه إلى منتهاه ، فقال : { كلمح } لا كما قيل : من المبدأ إلى المنتهى بل القدر الذي يمر بالبصر وهو غاية القلة ونهاية السرعة .
[ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ولقد أهلكنآ أشياعكم فهل من مدكر } . > 7 ! < < القمر : ( 51 ) ولقد أهلكنا أشياعكم . . . . . > > والأشياع الأشكال ، وقد ذكرنا أن هذا يدل على أن قوله : { وما أمرنا إلا واحدة } ( القمر : 50 ) تهديد بالإهلاك والثاني ظاهر . [ بم وقوله تعالى : ! 7 < { وكل شىء فعلوه فى الزبر } . > 7 ! < < القمر : ( 52 ) وكل شيء فعلوه . . . . . > > إشارة إلى أن الأمر غير مقتصر على إهلاكهم بل الإهلاك هو العاجل والعذاب الآجل الذي هو معد لهم على ما فعلوه ، مكتوب عليهم ، والزبر هي كتب الكتبة الذين قال تعالى فيهم : { كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين } ( الانفطار : 9 11 ) و : { فعلوه } صفة شيء والنكرة توصف بالجمل . [ بم وقوله تعالى : ! 7 < { وكل صغير وكبير مستطر } . > 7 ! < < القمر : ( 53 ) وكل صغير وكبير . . . . . > > تعميم للحكم أي ليست الكتابة مقتصرة على ما فعلوه بل ما فعله غيرهم أيضا مسطور فلا يخرج عن الكتب صغيرة ولا كبيرة ، وقد ذكرنا في قوله تعالى : { لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الارض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب } ( سبأ : 3 ) أن في قوله { أكبر } فائدة عظيمة وهي أن من يكتب حساب إنسان فإنما يكتبه في غالب الأمر لئلا ينسى فإذا جاء بالجملة العظيمة التي يأمن نسيانها ربما يترك كتابتها ويشتغل بكتابة ما يخاف نسيانه ، فلما قال : { ولا أكبر } أشار إلى الأمور العظام التي يؤمن من نسيانها أنها مكتوبة أي ليست كتابتنا مثل كتابتكم التي يكون المقصود منها الأمن من النسيان ، فكذلك نقول : ههنا وفي قوله : { ما لهاذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ( الكهف : 49 ) وفي جميع هذه المواضع قدم الصغيرة لأنها أليق بالتثبت عند الكتابة فيبتدىء بها حفظا عن النسيان في عادة الخلق فأجرى الله الذكر على عادتهم ، وهذا يؤيد ما ذكرنا من قبل أن كلا وإن كان نكرة يحسن الابتداء به للعموم وعدم الإبهام . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { إن المتقين فى جنات ونهر } . > 7 < القمر : ( 54 ) إن المتقين في . . . . . > > قد ذكرنا تفسير المتقين والجنات في سور منها : { الطور } وأما النهر ففيه قراءات فتح النون والهاء كحجر وهو اسم جنس ويقوم مقام الأنهار وهذا هو الظاهر الأصح وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لا شك أن كمال اللذة بالبستان أن يكون الإنسان فيه ، وليس من اللذة بالنهر أن يكون الإنسان فيه ، بل لذته أن يكون في الجنة عند النهر ، فما فمعنى قوله تعالى : { ونهر } ؟ نقول : قد أجبنا عن هذا في تفسير قوله تعالى : { إن المتقين فى جنات وعيون } ( الذاريات : 15 ) في سورة الذاريات ، وقلنا : المراد في خلال العيون ، وفيما بينها من المكان وكذلك في جنات لأن الجنة هي الأشجار التي تستر شعاع الشمس ، ولهذا قال تعالى : { فى ظلال وعيون } ( المرسلات : 41 ) . وإذا كانت الجنة هي الأشجار الساترة فالإنسان لا يكون في الأشجار وإنما يكون بينها أو خلالها ، فكذلك النهر ، ونزيد ههنا وجها آخر وهو أن المراد في جنات وعند نهر لكون المجاورة تحسن إطلاق اللفظ الذي لا يحسن إطلاقه عند عدم المجاورة كما قال : علفتها تبنا وماء باردا وقالوا : تقلدت سيفا ورمحا ، والماء لا يعلف والرمح لا يتقلد ولكن لمجاورة التبن والسيف حسن الإطلاق فكذلك هنا لم يأت في الثاني بما أتى به في الأول من كلمة في . المسألة الثانية : وحد النهر مع جمع الجنات وجمع الأنهار وفي كثير من المواضع كما في قوله تعالى : { تجرى من تحتها الانهار } ( البقرة : 25 ) إلى غيره من المواضع فما الحكمة فيه ؟ نقول : أما على الجواب الأول فنقول : لما بين أن معنى في نهر في خلال فلم يكن للسامع حاجة إلى سماع الأنهار ، لعلمه بأن النهر الواحد لا يكون له خلال . وأما في قوله تعالى : { تجرى من تحتها الانهار } فلو لم يجمع الأنهار لجاز أن يفهم أن في الجنات كلها نهرا واحدا كما في الدنيا فقد يكون نهر واحد ممتد جار في جنات كثيرة وأما على الثاني فنقول : الإنسان يكون في جنات لأنا بينا أن الجمع في جنات إشارة إلى سعتها وكثرة / أشجارها وتنوعها والتوحيد عندما قال : { مثل الجنة } ( محمد : 15 ) وقال : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ( التوبة : 111 ) لاتصال أشجارها ولعدم وقوع القيعان الخربة بينها ، وإذا علمت هذا فالإنسان في الدنيا إذا كان في بيت في دار وتلك الدار في محلة ، وتلك المحلة في مدينة ، يقال إنه في بلدة كذا ، وأما القرب فإذا كان الإنسان في الدنيا بين نهرين بحيث يكون قربه منهما على السواء يقال إنه جالس عند نهرين ، فإذا قرب من أحدهما يقال من عند أحد نهرين دون الآخر ، لكن في دار الدنيا لا يمكن أن يكون عند ثلاثة أنهار وإنما يمكن أن يكون عند نهرين ، والثالث منه أبعد من النهرين ، فهو في الحقيقة ليس يكون في زمان واحد عند أنهار والله تعالى يذكر أمر الآخرة على ما نفهمه في الدنيا ، فقال : عند نهر لما بينا أن قوله : { ونهر } وإن كان يقتضي في نهر لكن ذلك للمجاورة كما في تقلدت سيفا ورمحا ، وأما قوله : { تجرى من تحتها الانهار } فحقيقته مفهومة عندنا لأن الجنة الواحدة قد يجري فيها أنهار كثيرة أكثر من ثلاثة وأربعة ، فهذا ما فيه مع أن أواخر الآيات يحسن فيها التوحيد دون الجمع ، ويحتمل أن يقال و { نهر } التنكير للتعظيم . وفي الجنة نهر وهو أعظم الأنهر وأحسنها ، وهو الذي من الكوثر / ومن عين الرضوان وكان الحصول عنده شرفا وغبطه وكل أحد يكون له مقعد عنده وسائر الأنهار تجري في الجنة ويراها أهلها ولا يرون القاعد عندها فقال : { المتقين فى جنات ونهر } أي ذلك النهر الذي عنده مقاعد المؤمنين ، وفي قوله تعالى : { إن الله مبتليكم بنهر } ( البقرة : 249 ) لكونه غير معلوم لهم ، وفي هذا وجه حسن أيضا ولا يحتاج على الوجهين أن نقول : نهر في معنى الجمع لكونه اسم جنس .
المسألة الثالثة : قال ههنا : { فى } وقال في الذاريات : { جنات وعيون } ( الذاريات : 15 ) فما الفرق بينهما ؟ نقول : إنا إن قلنا في نهر معناه في خلال فالإنسان يمكن أن يكون في الدنيا في خلال عيون كثيرة تحيط به إذا كان على موضع مرتفع من الأرض والعيون تنفجر منه وتجري فتصير أنهارا عند الامتداد ولا يمكن أن يكون وفي خلال أنهار وإنما هي نهران فحسب ، وأما إن قلنا : إن المراد عند نهر فكذلك وإن قلنا : . . . أي عظيم عليه مقاعد ، فنقول : يكون ذلك النهر ممتدا وأصلا إلى كل واحد وله عنده مقعد عيون كثيرة تابعة ، فالنهر للتشريف والعيون للتفرج والتنزه مع أن النهر العظيم يجتمع مع العيون الكثيرة فكان النهر مع وحدته يقوم مقام العيون مع كثرتها وهذا كله مع النظر إلى أواخر الآيات ههنا وهناك يحسن ذكر لفظ الواحد ههنا والجمع هناك . المسألة الرابعة : قرىء : { فى جنات ونهر } على أنها جمع نهار إذ لا ليل هناك وعلى هذا فكلمة في حقيقة فيه فقوله : { في جنات } ظرف مكان ، وقوله : { ونهر } أي وفي نهر إشارة إلى ظرف زمان ، وقرىء { نهر } بسكون الهاء وضم النون على أنه جمع نهر كأسد في جمع أسد نقله الزمخشري ، ويحتمل أن يقال : نهر بضم الهاء جمع نهر كثمر في جمع ثمر . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فى مقعد صدق عند مليك مقتدر } . > 7 < القمر : ( 55 ) في مقعد صدق . . . . . > > / فيه مسائل : المسألة الأولى : { ونهر فى مقعد صدق } ، كيف مخرجه ؟ نقول : يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون على صورة بدل كما يقول القائل : فلان في بلدة كذا في دار كذا وعلى هذا يكون مقعد من جملة الجنات موضعا مختارا له مزية على مافي الجنات من المواضع وعلى هذا قوله : { عند مليك } لأنا بينا في أحد الوجوه أن المراد من قوله : { فى جنات ونهر } ( القمر : 54 ) في جنات عند نهر فقال : { فى مقعد صدق عند مليك مقتدر } ويحتمل أن يقال : { عند مليك } صفة مقعد صدق تقول درهم في ذمة ملىء خير من دينار في ذمة معسر ، وقليل عند أمين أفضل من كثير عند خائن فيكون صفة وإلا لما حسن جعله مبتدأ ثانيهما : أن يكون : { فى مقعد صدق } كالصفة لجنات ونهر أي في جنات ونهر موصوفين بأنهما في مقعد صدق ، تقول : وقفة في سبيل الله أفضل من كذا و : { عند مليك } صفة بعد صفة .
المسألة الثانية : قوله : { فى مقعد صدق } يدل على لبث لا يدل عليه المجلس ، وذلك لأن قعد وجلس ليسا على ما يظن أنهما بمعنى واحد لا فرق بينهما بل بينهما فرق ولكن لا يظهر إلا للبارع ، والفرق هو أن القعود جلوس فيه مكث حقيقة واقتضاء ، ويدل عليه وجوه الأول : هو أن الزمن يسمى مقعدا ولا يسمى مجلسا لطول المكث حقيقة ومنه سمي قواعد البيت والقواعد من النساء قواعد ولا يقال لهن : جوالس لعدم دلالة الجلوس على المكث الطويل فذكر القواعد في الموضعين لكونه مستقرا بين الدوام والثبات على حالة واحدة ويقال للمركوب من الإبل قعود لدوام اقتعاده اقتضاء ، وإن لم يكن حقيقة فهو لصونه عن الحمل واتخاذه للركوب كأنه وجد فيه نوع قعود دائم اقتضى ذلك ولم يرد للإجلاس الثاني : النظر إلى تقاليب الحروف فإنك إذا نظرت إلى ق ع د وقلبتها تجد معنى المكث في الكل فإذا قدمت القاف رأيت قعد وقدع بمعنى ومنه تقادع الفراش بمعنى تهافت ، وإذا قدمت العين رأيت عقد وعدق بمعنى المكث في غاية الظهور وفي عدق لخفاء يقال : أعدق بيدك الدلو في البئر إذا أمره بطلبه بعد وقوعه فيها والعودقة خشبة عليها كلاب يخرج معه الدلو الواقع في البئر ، وإذا قدمت الدال رأيت دقع ودعق والمكث في الدقع ظاهر والدقعاء هي التراب الملتصق بالأرض والفقر المدقع هو الذي يلصق صاحبه بالتراب . وفي دعق أيضا إذ الدعق مكان تطؤه الدواب بحوافرها فيكون صلبا أجزاؤه متداخل بعضها ببعض لا يتحرك شيء منها عن موضعه الوجه الثالث : الاستعمالات في القعود إذا اعتبرت ظهر ما ذكرنا قال تعالى : { لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر } ( النساء : 95 ) والمراد الذي لا يكون بعده اتباع وقال تعالى : { مقاعد للقتال } ( آل عمران : 121 ) مع أنه تعالى قال : { إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } ( الصف : 4 ) فأشار إلى الثبات العظيم . وقال تعالى : { إذا لقيتم فئة فاثبتوا } ( الأنفال : 45 ) فالمقاعد إذن هي المواضع التي يكون فيها المقاتل بئبات ومكث وإطلاق مقعدة على العضو الذي عليه القعود أيضا يدل عليه ، إذا عرفت هذا الفرق بين الجلوس والقعود حصل لك فوائد منها ههنا فإنه يدل على دوام المكث وطول اللبث ، ومنها في قوله تعالى : { عن اليمين وعن الشمال قعيد } ( ق : 17 ) فإن القعيد بمعنى الجليس والنديم ، ثم إذا عرف هذا وقيل للمفسرين الظاهرين فما الفائدة في اختيار لفظ القعيد يدل لفظ الجليس مع أن الجليس أشهر ؟ يكون جوابهم أن آخر الآيات من قوله : { حبل الوريد } ( ق: 16 ) { والدى عتيد } ( ق: 23 ) وقوله : { بجبار عنيد } ( هود : 59 ) يناسب القعيد ، ولا الجليس وإعجاز القرآن ليس في السجع ، وإذا نظرت إلى ما ذكر تبين لك فائدة جليلة معنوية حكمية في وضع اللفظ المناسب لأن القعيد دل على أنهما لا يفارقانه ويداومان الجلوس معه ، وهذا هو المعجز وذلك لأن الشاعر يختار اللفظ الفاسد لضرورة الشعر والسجع ويجعل المعنى تبعا للفظ ، والله تعالى بين الحكمة على ما ينبغي وجاء باللفظ على أحسن ما ينبغي ، وفائدة أخرى في قوله تعالى : { المؤمنون ياأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا } ( المجادلة : 11 ) فإن قوله : { فافسحوا } إشارة إلى الحركة ، وقوله : { فانشزوا } إشارة إلى ترك الجلوس فذكر المجلس إشارة إلى أن ذلك موضع جلوس فلا يجب ملازمته وليس بمقعد حتى لا يفارقونه .
المسألة الثالثة : { فى مقعد صدق } وجهان أحدهما : مقعد صدق ، أي صالح يقال : رجل صدق للصالح ورجل سوء للفاسد ، وقد ذكرناه في سورة : { إنا فتحنا } في قوله تعالى : { وظننتم ظن السوء } ( الفتح : 12 ) ، وثانيهما : الصدق المراد منه ضد الكذب ، وعلى هذا ففيه وجهان الأول : مقعد صدق من أخبر عنه وهو الله ورسوله الثاني : مقعد ناله من صدق فقال : بأن الله واحد وأن محمدا رسوله ، وحتمل أن يقال المراد أنه مقعد لا يوجد فيه كذب لأن الله تعالى صادق ويستحيل عليه الكذب ومن وصل إليه امتنع عليه الكذب لأن مظنة الكذب الجهل والواصل إليه ، يعلم الأشياء كما هي ويستغني بفضل الله عن أن يكذب ليستفيد بكذبه شيئا فهو مقعد صدق وكلمة { عند } قد عرفت معناها والمراد منه قرب المنزلة والشأن لا قرب المعنى والمكان ، وقوله تعالى : { مليك مقتدر } لأن القربة من الملوك لذيذة كلما كان الملك أشد اقتدارا كان المتقرب منه أشد التذاذا وفيه إشارة إلى مخالفة معنى القرب منه من معنى القرب من الملوك ، فإن الملوك يقربون من يكون ممن يحبونه وممن يرهبونه ، مخافة أن يعصوا عليه وينحازوا إلى عدوه فيغلبونه ، والله تعالى قال : { مقتدر } لا يقرب أحدا إلا بفضله . والحمد لله وصلاته على سيدنا محمد خير خلقه وآله وصحبه وسلامه . < > 1 ( سورة الرحمن ) 1 < > خمسون وخمس آيات مكية ! 7 < { الرحمان علم القرءان خلق الإنسان علمه البيان } . > 7 ! < < الرحمن : ( 1 ) الرحمن > > اعلم أولا أن مناسبة هذه السورة لما قبلها بوجهين أحدهما : أن الله تعالى افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على العزة والجبروت والهيبة وهو انشقاق القمر ، فإن من يقدر على شق القمر يقدر على هد الجبال وقد الرجال ، وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والرحموت وهو القرآن الكريم ، فإن شفاء القلوب بالصفاء عن الذنوب ثانيهما : أنه تعالى ذكر في السورة المتقدمة : { فكيف كان عذابى ونذر } ( القمر : 16 ) غير مرة ، وذكر في السورة : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ( الرحمن : 13 ) مرة بعد مرة لما بينا أن تلك السورة سورة إظهار الهيبة ، وهذه السورة سورة إظهار الرحمة ، ثم إن أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها حيث قال في آخر تلك السورة : { عند مليك مقتدر } ( القمر : 55 ) ، والاقتدار إشارة إلى الهيبة والعظمة وقال ههنا : { الرحمان } أي عزيز شديد منتقم مقتدر بالنسبة إلى الكفار والفجار ، رحمن منعم غافر للأبرار . ثم في التفسير مسائل : المسألة الأولى : في لفظ { الرحمان } أبحاث ، ولا يتبين بعضها إلا بعد البحث في كلمة الله فنقول :
المبحث الأول : من الناس من يقول : إن الله مع الألف واللام اسم علم لموجد الممكنات وعلى هذا فمنهم من قال : { الرحمان } أيضا اسم علم له وتمسك بقوله تعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى } ( الإسراء : 11 ) أي أيا ما منهما ، وجوز بعضهم قول القائل : يا الرحمن كما يجوز يا الله وتمسك بالآية وكل هذا ضعيف وبعضها أضعف من بعض ، أما قوله : الله مع الألف واللام اسم علم ففيه بعض الضعف وذلك لأنه لو كان كذلك لكانت الهمزة فيه أصلية ، فلا يجوز أن تجعل وصلية ، وكان يجب أن يقال : خلق الله كما يقال : علم أحمد وفهم إسماعيل ، بل الحق فيه أحد القولين : إما أن نقول : إله أو لاه اسم لموجد الممكنات اسم علم ، ثم استعمل مع الألف واللام كما في الفضل والعباس والحسن والخليل ، وعلى هذا فمن سمى غيره إلها فهو كمن يستعمل في مولود له فيقول لابنه محمد وأحمد وإن كان علمين لغيره قبله في أنه جائز لأن من سمى ابنه أحمد لم يكن له من الأمر المطاع / ما يمنع الغير عن التسمية به ولم يكن له الاحتجار وأخذ الاسم لنفسه أو لولده بخلاف الملك المطاع إذا استأثر لنفسه اسما لا يستجرىء أحد ممن تحت ولايته ما دام له الملك أن يسمى ولده أو نفسه بذلك الاسم خصوصا من يكون مملوكا لا يمكنه أن يسمي نفسه باسم الملك ولا أن يسمي ولده به ، والله تعالى ملك مطاع وكل من عداه تحت أمره فإذا استأثر لنفسه اسما لا يجوز للعبيد أن يتسموا بذلك الاسم ، فمن يسمى فقد تعدى فالمشركون في التسمية متعدون ، وفي المعنى ضالون وإما أن نقول : إله أو لاه اسم لمن يعبد والألف واللام للتعريف ، ولما امتنع المعنى عن غير الله امتنع الاسم ، فإن قيل : فلو سمى أحد ابنه به كان ينبغي أن يجوز ؟ قلنا : لا يجوز لأنه يوهم أنه اسم موضوع لذلك الابن لمعنى لا لكونه علما ، فإن قيل : تسمية الواحد بالكريم والودود جائزة قلنا : كل ما يكون حمله على العلم وعلى اسم لمعنى ملحوظ في اللفظ الذكرى لا يفضي إلى خلل يجوز ذلك فيه فيجوز تسمية الواحد بالكريم والودود ولا يجوز تسميته بالخالق ، والقديم لأن على تقدير حمله على أنه علم غير ملحوظ فيه المعنى يجوز ، وعلى تقدير حمله على أنه اسم لمعنى هو قائم به كالقدرة التي بها بقاء الخلق أو العدم / فلا يجوز لكن اسم المعبود من هذا القبيل فلا يجوز التسمية به ، فأحد هذين القولين حق وقولهم مع الألف واللام علم ليس بحق ، إذا عرفت البحث في الله فما يترتب عليه ، وهو أن الرحمن اسم على أضعف منه ، وتجويز يا الرحمن أضعف من الكل . البحث الثاني : الله والرحمن في حق الله تعالى كالاسم الأول والوصف الغالب الذي يصير كالاسم بعد الاسم الأول كما في قولنا : عمر الفاروق ، وعلى المرتضى وموسى الرضا ، وغير ذلك مما نجده في أسماء الخلفاء وأوصافهم المعرفة لهم التي كانت لهم وصفا وخرجت بكثرة الاستعمال عن الوصفية ، حتى إن الشخص وإن لم يتصف به أو فارقه الوصف يقال له ذلك كالعلم فإذن للرحمن اختصاص بالله تعالى ، كما أن لتلك الأوصاف اختصاصا بأولئك غير أن في تلك الأسماء والأوصاف جاز الوضع لما بينا حيث استوى الناس في الاقتدار والعظمة ، ولا يجوز في حق الله تعالى ، فإن قيل : إن من الناس من أطلق لفظ الرحمن على اليمامي ، نقول : هو كما أن من الناس من أطلق لفظ الإله على غير الله تعديا وكفرا ، نظرا إلى جوازه لغة وهو اعتقاد باطل .
البحث الثالث : لله تعالى رحمتان سابقة ولاحقة فالسابقة هي التي بها خلق الخلق واللاحقة هي التي أعطى بها الخلق بعد إيجاده إياهم من الرزق والفطنة وغير ذلك فهو تعالى بالنظر إلى الرحمة السابقة رحمن ، وبالنظر إلى اللاحقة رحيم ، ولهذا يقال : يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ، فهو رحمن ، لأنه خلق الخلق أولا برحمته ، فلما لم يوجد في غيره هذه الرحمة ولم يخلق أحد حدا لم يجز أن يقال لغيره : رحمن ، ولما تخلق الصالحون من عباده ببعض أخلاقه على قدر الطاقة البشرية ، وأطعم الجائع وكسا العاري ، وجد شيء من الرحمة اللاحقة التي بها الرزق والإعانة فجاز أن يقال له رحيم ، وقد ذكرنا هذا كله في تفسير سورة الفاتحة غير أنا أردنا أن يصير ما ذكرنا مضموما إلى ما ذكرناه هناك ، / فأعدناه ههنا لأن هذا كله كالتفصيل لما ذكرناه في الفاتحة . المسألة الثانية : { الرحمان } مبتدأ خبره الجملة الفعلية التي هي قوله : { علم القرءان } وقيل { الرحمان } ( خبر ) مبتدأ تقديره هو الرحمن ، ثم أتى بجملة بعد جملة فقال : { علم القرءان } والأول أصح ، وعلى القول الضعيف الرحمن آية . المسألة الثالثة : قوله تعالى : { علم القرءان } لا بد له من مفعول ثان فما ذلك ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : قيل : علم بمعنى جعله علامة أي هو علامة النبوة ومعجزة وهذا يناسب قوله تعالى : { وانشق القمر } ( القمر : 1 ) على ما بينا أنه ذكر في أول تلك السورة معجزة من باب الهيئة وهو أنه شق مالا يشقه أحد غيره ، وذكر في هذه السورة معجزة من باب الرحمة ، وهو أنه نشر من العلوم مالا ينشره غيره ، وهو ما في القرآن ، وعلى هذا الوجه من الجواب ففيه احتمال آخر ، وهو أنه جعله بحيث يعلم فهو كقوله : { ولقد يسرنا القرءان للذكر } ( القمر : 17 ) والتعليم على هذا الوجه مجاز . يقال : إن أنفق على متعلم وأعطى أجرة على تعليمة علمه وثانيهما : أن المفعول الثاني لا بد منه وهو جبريل وغيره من الملائكة علمهم القرآن ثم أنزله على عبده كما قال تعالى : { نزل به الروح الامين على قلبك } ( الشعراء : 193 ، 194 ) ويحتمل أن يقال : المفعول الثاني هو محمد صلى الله عليه وسلم ، وفيه إشارة إلى أن القرآن كلام الله تعالى لا كلام محمد ، وفيه وجه ثالث : وهو أنه تعالى علم القرآن الإنسان ، وهذا أقرب ليكون الإنعام أتم والسورة مفتتحة لبيان الأعم من النعم الشاملة . المسألة الرابعة : لم ترك المفعول الثاني ؟ نقول : إشارة إلى أن النعمة في تعميم التعليم لا في تعليم شخص دون شخص / يقال : فلان يطعم الطعام إشارة إلى كرمه ، ولا يبين من يطعمه .
المسألة الخامسة : ما معنى التعليم ؟ نقوله على قولنا له مفعول ثان إفادة العلم به ، فإن قيل : كيف يفهم قوله تعالى : { علم القرءان } مع قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله } ؟ ( آل عمران : 7 ) نقول : من لا يقف عند قوله : { إلا الله } ويعطف : { الراسخون } على الله عطف المفرد على المفرد لا يرد عليه هذا ، ومن يقف ويعطف قوله تعالى : { والرسخون في العلم } على قوله : { وما يعلم تأويله } عطف جملة على جملة يقول : إنه تعالى علم القرآن ، لأن من علم كتابا عظيما ووقع على ما فيه ، وفيه مواضع مشكلة فعلم ما في تلك المواضع بقدر الإمكان ، يقال : فلان يعلم الكتاب الفلاني ويتقنه بقدر وسعه ، وإن كان لم يعلم مراد صاحب الكتاب بيقين ، وكذلك القول في تعليم القرآن ، أو تقول : لا يعلم تأويله إلا الله وأما غيره فلا يعلم من تلقاء نفسه مالم يعلم ، فيكون إشارة إلى أن كتاب الله تعالى ليس كعيره من الكتب التي يستخرج ما فيها بقوة الذكاء والعلوم . ثم قال تعالى : { خلق الإنسان علمه البيان } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في وجه الترتيب وهو على وجهين أحدهما : ما ذكرنا أن المراد من علم علم الملائكة وتعليمه الملائكة قبل خلق الإنسان ، فعلم تعالى ملائكته المقربين القرآن حقيقة / يدل عليه قوله تعالى : { إنه لقرءان كريم فى كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون } ثم قال تعالى : { تنزيل من رب العالمين } ( الواقعة : 77 80 ) إشارة إلى تنزيله بعد تعليمه ، وعلى هذا ففي النظم حسن زائد وذلك من حيث إنه تعالى ذكر أمورا علوية وأمورا سفلية ، وكل علوي قابله بسفلي ، وقدم العلويات على السفليات إلى آخر الآيات ، فقال : { علم القرءان } إشارة إلى تعليم العلويين ، وقال : { علمه البيان } إشارة إلى تعليم السفليين ، وقال : { الشمس والقمر } ( القيامة : 9 ) في العلويات وقال في مقابلتهما من السفليات : { والنجم والشجر يسجدان } ( الرحمن : 6 ) . ثم قال تعالى : { والسماء رفعها } ( الرحمن : 7 ) وفي مقابلتها : { والارض وضعها } ( الرحمن : 10 ) ، وثانيهما : أن تقديم تعليم القرآن إشارة إلى كونه أتم نعمة وأعظم إنعاما ، ثم بين كيفية تعليم القرآن ، فقال : { خلق الإنسان علمه البيان } وهو كقول القائل : علمت فلانا الأدب حملته عليه ، وأنفقت عليه مالي ، فقوله : حملته وأنفقت بيان لما تقدم ، وإنما قدم ذلك لأنه الإنعام العظيم . المسألة الثانية : ما الفرق بين هذه السورة وسورة العلق ، حيث قال هناك : { اقرأ باسم ربك الذى خلق } ( العلق : 1 ) ثم قال : { وربك الاكرم الذى علمكم بالقلم } ( العلق : 3 ، 4 ) فقدم الخلق على التعليم ؟ نقول : في تلك السورة لم يصرح بتعليم القرآن فهو كالتعليم الذي ذكره في هذه السورة بقوله : { علمه البيان } بعد قوله : { خلق الإنسان } . المسألة الثالثة : ما المراد من الإنسان ؟ نقول : هو الجنس ، وقيل : المراد محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : المراد آدم والأول أصح نظرا إلى اللفظ في { خلق } ويدخل فيه محمد وآدم وغيرهما من الأنبياء .
المسألة الرابعة : ما البيان وكيف تعليمه ؟ نقول : من المفسرين من قال : البيان المنطق فعلمه ما ينطق به ويفهم غيره ما عنده ، فإن به يمتاز الإنسان عن غيره عن الحيوانات ، وقوله : { خلق الإنسان } إشارة إلى تقدير خلق جسمه الخاص / و { علمه البيان } إشارة إلى تميزه بالعلم عن غيره . وقد خرج ما ذكرنا أولا أن البيان هو القرآن وأعاده ليفصل ماذكره إجمالا بقوله تعالى : { علم القرءان } كما قلنا في المثال حيث يقول القائل : علمت فلانا الأدب حملته عليه ، وعلى هذا فالبيان مصدر أريد به ما فيه المصدر ، وإطلاق البيان بمعنى القرآن على القرآن في القرآن كثير ، قال تعالى : { هاذا بيان للناس } ( آل عمران : 138 ) وقد سمى الله تعالى القرآن فرقانا وبيانا والبيان فرقان بين الحق والباطل ، فصح إطلاق البيان ، وإرادة القرآن . المسألة الخامسة : كيف صرح بذكر المفعولين في علمه البيان ولم يصرح بهما في علم القرآن نقول : أما إن قلنا : إن المراد من قوله علم القرآن هو أنه علم الإنسان القرآن ، فنقول حذفه لعظم نعمة التعليم وقدم ذكره على من علمه وعلى بيان خلقه ، ثم فصل بيان كيفية تعليم القرآن ، فقال : { خلق الإنسان علمه } وقد بين ذلك ، وأما إن قلنا : المراد { علم القرءان } الملائكة فلأن المقصود تعديد النعم على الإنسان ومطالبته بالشكر ومنعه من التكذيب به ، وتعليمه للملائكة لا يظهر للإنسان أنه فائدة / راجعة إلى الإنسان وأما تعليم الإنسان فهي نعمة ظاهرة ، فقال : { علمه البيان } أي علم الإنسان تعديدا للنعم عليه ومثل هذا قال في : { اقرأ } قال مرة : { علم بالقلم } من غير بيان المعلم ، ثم قال مرة أخرى : { علم الإنسان لم يعلم } وهو البيان ، ويحتمل أن يتمسك بهذه الآية على أن اللغات توقيفية حصل العلم بها بتعليم الله . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان } . > 7 ! < < الرحمن : ( 5 ) الشمس والقمر بحسبان > > وفي الترتيب وجوه أحدها : هو أن الله تعالى لما ثبت كونه رحمن وأشار إلى ما هو شفاء ورحمة وهو القرآن ذكر نعمه وبدأ بخلق الإنسان فإنه نعمة جميع النعم به تتم ، ولولا وجوده لما انتفع بشيء ، ثم بين نعمة الإدراك بقوله : { علمه البيان } ( الرحمن : 4 ) وهو كالوجود إذ لولاه لما حصل النفع والانتفاع ، ثم ذكر من المعلومات نعمتين ظاهرتين هما أظهر أنواع النعم السماوية وهما الشمس والقمر ولولا الشمس لما زالت الظلمة ، ولولا القمر لفات كثير من النعم الظاهرة بخلاف غيرهما من الكواكب فإن نعمها لا تظهر لكل أحد مثل ما تظهر نعمتهما ، ثم بين كمال نفعهما في حركتهما بحساب لا يتغير ولو كانت الشمس ثابتة في موضع لما انتفع بها أحد ، ولو كان سيرها غير معلوم للخلق لما انتفعوا بالزراعات في أوقاتها وبناء الأمر على الفصول ، ثم بين في مقابلتهما نعمتين ظاهرتين من الأرض وهما النبات الذي لا ساق له والذي له ساق ، فإن الرزق أصله منه ، ولولا النبات لما كان للآدمي رزق إلا ما شاء الله ، وأصل النعم على الرزق الدار ، وإنما قلنا : النبات هو أصل الرزق لأن الرزق إما نباتي وإما حيواني كاللحم واللبن وغيرهما من أجزاء الحيوان ، ولولا النبات لما عاش الحيوان والنبات وهو الأصل وهو قسمان قائم على ساق كالحنطة والشعير والأشجار الكبار وأصول الثمار وغير قائم كالبقول المنبسطة على الأرض والحشيش والعشب الذي هو غذاء الحيوان ثانيها : هو أنه تعالى لما ذكر القرآن وكان هو كافيا لا يحتاج معه إلى دليل آخر قال بعده : { الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر } وغيرها من الآيات إشارة إلى أن بعض الناس إن تكن له النفس الزكية التي يغنيها الله بالدلائل التي في القرآن ، فله في الآفاق آيات منها الشمس والقمر ، وإنما اختارهما للذكر لأن حركتهما بحسبان تدل على فاعل مختار سخرهما على وجه مخصوص ، ولو اجتمع من في العالم من الطبيعيين والفلاسفة وغيرهم وتواطئوا أن يثبتوا حركتهما على الممر المعين على الصواب المعين والمقدار المعلوم في البطء والسرعة لما بلغ أحد مراده إلى أن يرجع إلى الحق / ويقول : حركهما الله تعالى كما أراد ، وذكر الأرض والسماء وغيرهما إشارة إلى ما ذكرنا من الدلائل العقلية المؤكدة لما في القرآن من الدلائل السمعية ثالثها : هو أنا ذكرنا أن هذه السورة مفتتحة بمعجزة دالة عليها من باب الهيئة فذكر معجزة القرآن بما يكون جوابا لمنكري النبوة على الوجه الذي نبهنا عليه ، وذلك هو أنه تعالى أنزل على نبيه الكتاب وأرسله إلى الناس بأشرف خطاب ، فقال : بعض المنكرين كيف يمكن نزول الجرم من السماء إلى الأرض وكيف يصعد ما حصل في الأرض إلى السماء ؟ فقال تعالى : { الشمس والقمر بحسبان } إشارة إلى ( أن ) حركتهما بمحرك مختار ليس بطبيعي وهم وافقونا فيه وقالوا : إن الحركة الدورية لا يمكن أن تكون طبيعية اختيارية فنقول : من حرك الشمس والقمر على الإستدارة أنزل الملائكة على الاستقامة ثم النجم والشجر يتحركان إلى فوق على الاستقامة مع أن الثقيل على مذهبكم لا يصعد إلى جهة فوق فذلك بقدرة الله تعالى وإرادته ، فكذلك حركة الملك جائزة مثل الفلك ، وأما قوله : { بحسبان } ففيه إشارة إلى الجواب عن قولهم : { عليه الذكر من بيننا بل } ( ص: 8 ) وذلك لأنه تعالى كما اختار لحركتهما ممرا معينا وصوبا معلوما ومقدارا مخصوصا كذلك اختار للملك وقتا معلوما وممرا معينا بفضله وفي التفسير مباحث :
الأول : ما الحكمة في تعريفه عما يرجع إلى الله تعالى حيث قال هما : { بحسبان } ولم يقل : حركهما الله بحسبان أو سخرهما أو أجراهما كما قال : { خلق الإنسان } وقال : { علمه البيان } ؟ ( الرحمن : 3 ، 4 ) نقول : فيه حكم منها أن يكون إشارة إلى أن خلق الإنسان وتعليمه البيان أتم وأعظم من خلق المنافع له من الرزق وغيره ، حيث صرح هناك بأنه فاعله وصانعه ولم يصرح هنا ، ومنها أن قوله : { الشمس والقمر } ههنا بمثل هذا في العظم يقول القائل : إني أعطيتك الألوف والمئات مرارا وحصل لك الآحاد والعشرات كثيرا وما شكرت ، ويكون معناه حصل لك مني ومن عطائي لكنه يخصص التصريح بالعطاء عند الكثير ، ومنها أنه لما بينا أن قوله : { الشمس والقمر } إشارة إلى دليل عقلي مؤكد السمعي ولم يقل : فعلت صريحا إشارة إلى أنه معقول إذا نظرت إليه عرفت أنه مني واعترفت به ، وأما السمعي فصرح بما يرجع إليه من الفعل الثاني : على أي وجه تعلق الباء من { بحسبان } ، نقول : هو بين من تفسيره والتفسير أيضا مر بيانه وخرج من وجه آخر ، فنقول : في الحسبان وجهان الأول : المشهور أن المراد الحساب يقال : حسب حسابا وحسبانا ، وعلى هذا فالباء للمصالحة تقول : قدمت بخير أي مع خير ومقرونا بخير فكذلك الشمس والقمر يجريان ومعهما حسابهما ومثله : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( الرعد : 8 ) ، { وكل شىء عنده بمقدار } ( الرعد : 8 ) ويحتمل أن تكون للاستعانة كما في قولك : بعون الله غلبت ، وبتوفيق الله حجت ، فكذلك يجريان بحسبان من الله والوجه الثاني : أن الحسبان هو الفلك تشبيها له بحسبان الرحا وهو ما يدور فيدير الحجر ، وعلى هذا فهو للاستعانة كما يقال : في الآلات كتبت بالقلم فهما يدوران بالفلك وهو كقوله تعالى : { وكل فى فلك يسبحون } ( يس : 40 ) ، الثالث : على الوجه المشهور هل كل واحد يجري بحسبان أو كلاهما بحسبان واحد ما المراد ؟ نقول : كلاهما محتمل فإن نظرنا إليهما فلكل واحد منهما حساب على حدة فهو / كقوله تعالى : { كل فى فلك } ( الأنبياء : 33 ) لا بمعنى أن الكل مجموع في فلك واحد وكقوله : { وكل شىء عنده بمقدار } ( الرعد : 8 ) وإن نظرنا إلى الله تعالى فللكل حساب واحد قدر الكل بتقدير حسبانهما بحساب ، مثاله من يقسم ميراث نفسه لكل واحد من الورثة نصيبا معلوما بحساب واحد ، ثم يختلف الأمر عندهم فيأخذ البعض السدس والبعض كذا والبعض كذا ، فكذلك الحساب الواحد . وأما قوله : { والنجم والشجر يسجدان } ففيه أيضا مباحث :
الأول : ما الحكمة في ذكر الجمل السابقة من غير واو عاطفة ، ومن هنا ذكرها بالواو العاطفة ؟ نقول ليتنوع الكلام نوعين ، وذلك لأن من بعد النعم على غيره تارة يذكر نسقا من غير حرف ، فيقول : فلان أنعم عليك كثيرا ، أغناك بعد فقر ، أعزك بعد ذل ، قواك بعد ضعف ، وأخرى يذكرها بحرف عاطف وذلك العاطف قد يكون واوا وقد يكون فاء وقد يكون ثم ، فيقول : فلان أكرمك وأنعم عليك وأحسن إليك ، ويقول : رباك فعلمك فأغناك ، ويقول : أعطاك ثم أغناك ثم أحوج الناس إليك ، فكذلك هنا ذكر التعديد بالنوعين جميعا ، فإن قيل : زده بيانا وبين الفرق بين النوعين في المعنى ، قلنا : الذي يقول بغير حرف كأنه يقصد به بيان النعم الكثيرة فيترك الحرف ليستوعب الكل من غير تطويل كلام ، ولهذا يكون ذلك النوع في أغلب الأمر عند مجاوزة النعم ثلاثا أو عندما تكون أكثر من نعمتين فإن ذكر ذلك عند نعمتين فيقول : فلان أعطاك المال وزوجك البنت ، فيكون في كلامه إشارة إلى نعم كثيرة وإنما اقتصر على النعمتين للأنموذج ، والذي يقول بحرف فكأنه يريد التنبيه على استقلال كل نعمة بنفسها / وإذهاب توهم البدل والتفسير ، فإن قول القائل : أنعم عليك أعطاك المال هو تفسير للأول فليس في كلامه ذكر نعمتين معا بخلاف ما إذا ذكر بحرف ، فإن قيل : إن كان الأمر على ما ذكرت فلو ذكر النعم الأول بالواو ثم عند تطويل الكلام في الآخر سردها سردا ، هل كان أقرب إلى البلاغة ؟ وورود كلامه تعالى عليه كفاه دليلا على أن ما ذكره الله تعالى أبلغ ، وله دليل تفصيلي ظاهر يبين ببحث وهو أن الكلام قد يشرع فيه المتكلم أولا على قصد الاختصار فيقتضي الحال التطويل ، إما لسائل يكثر السؤال ، وإما لطالب يطلب الزيادة للطف كلام المتكلم ، وإما لغيرهما من الأسباب وقد يشرع على قصد الإطناب والتفصيل ، فيعرض ما يقتضي الاقتصار على المقصود من شغل السامع أو المتكلم وغير ذلك مما جاء في كلام الآدميين ، نقول : كلام الله تعالى فوائده لعباده لا له ففي هذه السورة ابتدأ الأمر بالإشارة إلى بيان أتم النعم إذ هو المقصود ، فأتى بما يختص بالكثرة ، ثم إن الإنسان ليس بكامل العلم يعلم مراد المتكلم إذا كان الكلام من أبناء جنسه ، فكيف إذا كان الكلام كلام الله تعالى ، فبدأ الله به على الفائدة الأخرى وإذهاب توهم البدل والتفسير والنعي على أن كل واحد منها نعمة كاملة ، فإن قيل : إذا كان كذلك فما الحكمة في تخصيص العطف بهذا الكلام والابتداء به لا بما قبله ولا بما بعده ؟ قلنا : ليكون النوعان على السواء فذكر الثمانية من النعم كتعليم القرآن وخلق الإنسان وغير ذلك أربعا منها بغير واو وأربعا بواو ، / وأما قوله تعالى : { فيها فاكهة والنخل } ( الرحمن : 11 ) وقوله : { والحب ذو العصف } ( الرحمن : 12 ) فلبيان نعمة الأرض على التفصيل ثم في اختيار الثمانية لطيفة ، وهي أن السبعة عدد كامل والثمانية هي السبعة مع الزيادة فيكون فيه إشارة إلى أن نعم الله خارجة عن حد التعديد لما أن الزائد على الكمال لا يكون معينا مبينا ، فذكر الثمانية منها إشارة إلى بيان الزيادة على حد العدد لا لبيان الانحصار فيه .
المسألة الثانية : النجم ماذا ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : النبات الذي لا ساق له والثاني : نجم السماء والأول أظهر لأنه ذكره مع الشجر في مقابلة الشمس والقمر ذكر أرضين في مقابلة سماوين ، ولأن قوله : { يسجدان } يدل على أن المراد ليس نجم السماء لأن من فسر به قال : يسجد بالغروب ، وعلى هذا فالشمس والقمر أيضا كذلك يغربان ، فلا يبقى للاختصاص فائدة ، وأما إذا قلنا : هما أرضان فنقول : { يسجدان } بمعنى ظلالهما تسجد فيختص السجود بهما دون الشمس والقمر ، وفي سجودهما وجوه أحدها : ما ذكرنا من سجود الظلال ثانيها : خضوعهما لله تعالى وخروجهما من الأرض ودوامهما وثباتهما عليها بإذن الله تعالى ، فسخر الشمس والقمر بحركة مستديرة والنجم بحركة مستقيمة إلى فوق ، فشبه النبات في مكانها بالسجود لأن الساجد يثبت . ثالثها : حقيقة السجود توجد منهما وإن لم تكن مرئية كما يسمح كل منهما وإن لم يفقه كما قال تعالى : { ولاكن لا تفقهون تسبيحهم } ( الإسراء : 44 ) ، رابعها : السجود وضع الجبهة أو مقاديم الرأس على الأرض والنجم والشجر في الحقيقة رؤوسهما على الأرض وأرجلهما في الهواء ، لأن الرأس من الحيوان ما به شربه واغذاؤه ، وللنجم والشجر اغتذاؤهما وشربهما بأجذالهما ولأن الرأس لا تبقى بدونه الحياة والشجر والنجم لا يبقى شيء منهما ثابتا غضا عند وقوع الخلل في أصولهما ، ويبقى عند قطع فروعهما وأعاليهما ، وإنما يقال : للفروع رؤوس الأشجار ، لأن الرأس في الإنسان هو ما يلي جهة فوق فقيل لأعالي الشجر رؤوس ، إذا علمت هذا فالنجم والشجر رؤوسهما على الأرض دائما ، فهو سجودهما بالشبه لا بطريق الحقيقة . المسألة الثالثة : في تقديم النجم على الشجر موازنة لفظية للشمس والقمر وأمر معنوي ، وهو أن النجم في معنى السجود أدخل لما أنه ينبسط على الأرض كالساجد حقيقة ، كما أن الشمس في الحسبان أدخل ، لأن حساب سيرها أيسر عند المقومين من حساب سير القمر ، إذ ليس عند المقومين أصعب من تقويم القمر في حساب الزيج . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { والسمآء رفعها ووضع الميزان } . > 7 ! < < الرحمن : ( 7 ) والسماء رفعها ووضع . . . . .
> > ورفع السماء معلوم معنى ، ونصبها معلوم لفظا فإنها منصوبة بفعل يفسره قوله : { رفعها } كأنه تعالى قال : رفع السماء ، وقرىء { والسماء } بالرفع على الابتداء والعطف على الجملة الابتدائية التي هي قوله : { الشمس والقمر } ( الرحمن : 5 ) وأما وضع الميزان / فإشارة إلى العدل وفيه لطيفة وهي أنه تعالى بدأ أولا بالعلم ثم ذكر ما فيه أشرف أنواع العلوم وهو القرآن ، ثم ذكر العدل وذكر أخص الأمور له وهو الميزان ، وهو كقوله تعالى : { وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } ( الحديد : 25 ) ليعمل الناس بالكتاب ويفعلوا بالميزان ما يأمرهم به الكتاب فقوله : { علم القرءان } { ووضع الميزان } مثل : { وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } فإن قيل : العلم لا شك في كونه نعمة عظيمة ، وأما الميزان فما الذي فيه من النعم العظيمة التي بسببها يعد في الآلاء ؟ نقول : النفوس تأبى الغبن ولا يرضى أحد بأن يغلبه الآخر ولو في الشيء اليسير ، ويرى أن ذلك استهانة به فلا يتركه لخصمه لغلبة ، فلا أحد يذهب إلى أن خصمه يغلبه فلولا التبيين ثم التساوي لأوقع الشيطان بين الناس البغضاء كما وقع عند الجهل وزوال العقل والسكر ، فكما أن العقل والعلم صارا سببا لبقاء عمارة العالم ، فكذلك العدل في الحكمة سبب ، وأخص الأسباب الميزان فهو نعمة كاملة ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته لكثرته وسهولة الوصول إليه كالهواء والماء اللذين لا يتبين فضلهما إلا عند فقدهما . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { ألا تطغوا فى الميزان } . > 7 ! < < الرحمن : ( 8 ) ألا تطغوا في . . . . . > > وعلى هذا قيل : المراد من الميزان الأول العدل ووضعه شرعه كأنه قال : شرع الله العدل لئلا تطغوا في الميزان الذي هو آلة العدل ، هذا هو المنقول ، والأولى أن يعكس الأمر ، ويقال : الميزان الأول هو الآلة ، والثاني هو بمعنى المصدر ومعناه وضع الميزان لئلا تطغوا في الوزن أو بمعنى العدل وهو إعطاء كل مستحق حقه ، فكأنه قال : وضع الآلة لئلا تطغوا في إعطاء المستحقين حقوقهم . ويجوز إرادة المصدر من الميزان كإرادة الوثوق من الميثاق والوعد من الميعاد ، فإذن المراد من الميزان آلة الوزن . والوجه الثاني : ( أن ) ( أن ) مفسرة والتقدير شرع العدل ، أي لا تطغوا ، فيكون وضع الميزان بمعنى شرع العدل ، وإطلاق الوضع للشرع والميزان للعدل جائز ، ويحتمل أن يقال : وضع الميزان أي الوزن . وقوله : { ألا تطغوا فى الميزان } على هذا الوجه ، المراد منه الوزن ، فكأنه نهى عن الطغيان في الوزن ، والاتزان وإعادة الميزان بلفظه يدل على أن المراد منهما واحد ، فكأنه قال : ألا تطغوا فيه ، فإن قيل : لو كان المراد الوزن ، لقال : ألا تطغوا في الوزن ، نقول : لو قال في الوزن لظن أن النهي مختص بالوزن للغير لا بالاتزان للنفس ، فذكر بلفظ الآلة التي تشتمل على الأخذ والإعطاء ، وذلك لأن المعطي لو وزن ورجح رجحانا ظاهرا يكون قد أربى ، ولا سيما في الصرف وبيع المثل . ! 7 < { وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان } . > 7 < الرحمن : ( 9 ) وأقيموا الوزن بالقسط . . . . . > >
وقوله تعالى : { وأقيموا الوزن بالقسط } يدل على أن المراد من قوله : { ألا تطغوا فى الميزان } هو بمعنى لا تطغوا في الوزن ، لأن قوله : { وأقيموا الوزن } كالبيان لقوله : { ألا تطغوا فى الميزان } وهو الخروج عن إقامته بالعدل ، وقوله : { وأقيموا الوزن بالقسط } يحتمل وجهين / أحدهما : أقيموا بمعنى قوموا به كما في قوله تعالى : { وإذ أخذنا } ( البقرة : 43 ) أي قوموا بها دواما ، لأن الفعل تارة يعدى بحرف الجر ، وتارة بزيادة الهمزة ، تقول : أذهبه وذهب به ثانيها : أن يكون أقيموا بمعنى قوموا ، يقال : في العود أقمته وقومته ، والقسط العدل ، فإن قيل : كيف جاء قسط بمعنى جار لا بمعنى عدل ؟ نقول : القسط اسم ليس بمصدر ، والأسماء التي لا تكون مصادر إذا أتى بها آت أو وجدها موجد ، يقال فيها : أفعل بمعنى أثبت ، كما قال : فلان أطرف وأتحف وأعرف بمعنى جاء بطرفة وتحفة وعرف ، وتقول : أقبض السيف بمعنى أثبت له قبضة ، وأعلم الثوب بمعنى جعل له علما ، وأعلم بمعنى أثبت العلامة ، وكذا ألجم الفرس وأسرج ، فإذا أمر بالقسط أو أثبته فقد أقسط ، وهو بمعنى عدل ، وأما قسط فهو فعل من اسم ليس بمصدر ، والاسم إذا لم يكن مصدرا في الأصل ، ويورد عليه فعل فربما يغيره عما هو عليه في أصله ، مثاله الكتف إذا قلت كتفته كتافا فكأنك قلت : أخرجته عما كان عليه من الانتفاع وغيرته ، فإن معنى كتفته شددت كتفيه بعضهما إلى بعض فهو مكتوف ، فالكتف كالقسط صارا مصدرين عن اسم وصار الفعل معناه تغير عن الوجه الذي ينبغي أن يكون ، وعلى هذا لا يحتاج إلى أن يقال : القاسط والمقسط ليس أصلهما واحدا وكيف كان يمكن أن يقال : أقسط بمعنى أزال القسط ، كما يقال : أشكى بمعنى أزال الشكوى أو أعجم بمعنى أزال العجمة ، وهذا البحث فيه فائدة فإن قول القائل : فلان أقسط من فلان وقال الله تعالى : { ذالكم أقسط عند الله } ( البقرة : 282 ) والأصل في أفعل التفضيل أن يكون من الثلاثي المجرد تقول : أظلم وأعدل من ظالم وعادل ، فكذلك أقسط كان ينبغي أن يكون من قاسط ، ولم يكن كذلك ، لأنه على ما بينا الأصل القسط ، وقسط فعل فيه لا على الوجه ، والإقساط إزالة ذلك ، ورد القسط إلى أصله ، فصار أقسط موافقا للأصل ، وأفعل التفضيل يؤخذ مما هو أصل لا من الذي فرع عليه ، فيقال : أظلم من ظالم لا من متظلم وأعلم من عالم لا من معلم ، والحاصل أن الأقسط وإن كان نظرا إلى اللفظ ، كان ينبغي أن يكون من القاسط ، لكنه نظرا إلى المعنى ، يجب أن يكون من المقسط ، لأن المقسط أقرب من الأصل المشتق وهو القسط ، ولا كذلك الظالم والمظلم ، فإن الأظلم صار مشتقا من الظالم ، لأنه أقرب إلى الأصل لفظا ومعنى ، وكذلك العالم والمعلم والخبر والمخبر .
ثم قال : { ولا تخسروا الميزان } أي لا تنقصوا الموزون . والميزان ذكره الله تعالى ثلاث مرات كل مرة بمعنى آخر ، فالأول هو الآلة { ووضع الميزان } ( الرحمن : 7 ) ، والثاني بمعنى المصدر { ألا تطغوا فى الميزان } ( الرحمن : 8 ) أي الوزن ، والثالث للمفعول : { ولا تخسروا الميزان } أي الموزون ، وذكر الكل بلفظ الميزان لما بينا أن الميزان أشمل للفائدة وهو كالقرآن ذكره الله تعالى بمعنى المصدر في قوله تعالى : { فاتبع قرءانه } ( القيامة : 18 ) وبمعنى المقروء في قوله : { إن علينا جمعه وقرءانه } ( القيامة : 17 ) وبمعنى الكتاب الذي فيه المقروء في / قوله تعالى : { ولو أن قرانا سيرت به الجبال } ( الرعد : 31 ) فكأنه آلة ومحل له ، وفي قوله تعالى : { ولقد ءاتيناك سبعا من المثاني والقرءان } ( الحجر : 87 ) وفي كثير من المواضع ذكر القرآن لهذا الكتاب الكريم ، وبين القرآن والميزان مناسبة ، فإن القرآن فيه من العلم مالا يوجد في غيره من الكتب ، والميزان فيه من العدل مالا يوجد في غيره من الآلات ، فإن قيل : ما الفائدة في تقديم السماء على الفعل حيث قال : { والسماء رفعها } وتقديم الفعل على الميزان حيث قال : { ووضع الميزان } ( الرحمن : 7 ) نقول : قد ذكرنا مرارا أن في كل كلمة من كلمات الله فوائد لا يحيط بها علم البشر إلا ما ظهر والظاهر ههنا أنه تعالى لما عد النعم الثمانية كما بينا وكان بعضها أشد اختصاصا بالإنسان من بعض فما كان شديد الاختصاص بالإنسان قدم فيه الفعل ، كما بينا أن الإنسان يقول : أعطيتك الألوف وحصلت لك العشرات ، فلا يصرح في القليل بإسناد الفعل إلى نفسه ، وكذلك يقول : في النعم المختصة ، أعطيتك كذا ، وفي التشريك وصل إليك مما اقتسمتم بينكم كذا ، فيصرح بالإعطاء عند الاختصاص ، ولا يسند الفعل إلى نفسه عند التشريك ، فكذلك ههنا ذكر أمورا أربعة بتقديم الفعل ، قال تعالى : { علم القرءان خلق الإنسان علمه البيان } { ووضع الميزان } ( الرحمن : 7 ) وأمورا أربعة بتقديم الاسم ، قال تعالى : { والشمس والقمر والنجم والشجر والسماء رفعها والارض وضعها } ( الرحمن : 5 10 ) لما أن تعليم القرآن نفعه إلى الإنسان أعود ، وخلق الإنسان مختص به ، وتعليمه البيان كذلك ووضع الميزان ، كذلك لأنهم هم المنتفعون به الملائكة ، ولا غير الإنسان من الحيوانات ، وأما الشمس والقمر والنجم والشجر والسماء والأرض فينتفع به كل حيوان على وجه الأرض وتحت السماء . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { والا رض وضعها للا نام } . > 7 ! < < الرحمن : ( 10 ) والأرض وضعها للأنام > > في مباحث : الأول : هو أنه قد مر أن تقديم الاسم على الفعل كان في مواضع عدم الاختصاص وقوله تعالى : { للانام } يدل على الاختصاص ، فإن اللام لعود النفع نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : ما قيل : إن الأنام يجمع الإنسان وغيره من الحيوان ، فقوله { للانام } لا يوجب الاختصاص بالإنسان ثانيهما : أن الأرض موضوعة لكل ما عليها ، وإنما خص الإنسان بالذكر لأن انتفاعه بها أكثر فإنه ينتفع بها وبما فيها وبما عليها ، فقال { للانام } لكثرة انتفاع الأنام بها ، إذا قلنا إن الأنام هو الإنسان ، وإن قلنا إنه الخلق فالخلق يذكر ويراد به الإنسان في كثير من المواضع . ! 7 < { فيها فاكهة والنخل ذات الا كمام } . > 7 <
الرحمن : ( 11 ) فيها فاكهة والنخل . . . . . > > وقوله تعالى : { فيها فاكهة والنخل ذات الاكمام } إشارة إلى الأشجار ، وقوله : { والحب ذو العصف } ( الرحمن : 12 ) إشارة إلى النبات الذي ليس بشجر والفاكهة ما تطيب به النفس ، وهي فاعلة إما على طريقة : { عيشة راضية } ( الحاقة : 21 ) أي ذات رضى يرضى بها كل أحد ، وإما على تسمية الآلة بالفاعل يقال : راوية للقربة التي يروى بها العطشان ، وفيه معنى المبالغة كالراحلة لما يرحل عليه ، ثم صار اسما لبعض الثمار / وضعت أولا من غير اشتقاق ، والتنكير للتكثير ، أي كثيرة كما يقال لفلان مال أي عظيم ، وقد ذكرنا وجه دلالة التنكير على التعظيم وهو أن القائل : كأنه يشير إلى أنه عظيم لا يحيط به معرفة كل أحد فتنكيره إشارة إلى أنه خارج عن أن يعرف كنهه . وقوله تعالى : { والنخل ذات الاكمام } إشارة إلى النوع الآخر من الأشجار ، لأن الأشجار المثمرة أفضل الأشجار وهي منقسمة إلى أشجار ثمار هي فواكه لا يقتات بها وإلى أشجار ثمار هي قوت وقد يتفكه بها ، كما أن الفاكهة قد يقتات بها ، فإن الجائع إذا لم يجد غير الفواكه يتقوت بها ويأكل غير متفكه بها ، وفيه مباحث : الأول : ما الحكمة في تقديم الفاكهة على القوت ؟ نقول : هو باب الابتداء بالأدنى والارتقاء إلى الأعلى ، والفاكهة في النفع دون النخل الذي منه القوت ، والتفكه وهو دون الحب الذي عليه المدار في سائر المواضع ، وبه يتغذى الأنام في جميع البلاد ، فبدأ بالفاكهة ثم ذكر النخل ثم ذكر الحب الذي هو أتم نعمة لموافقته مزاج الإنسان ، ولهذا خلقه الله في سائر البلاد وخصص النخل بالبلاد الحارة . البحث الثاني : ما الحكمة في تنكير الفاكهة وتعريف النخل ؟ وجوابه من وجوه أحدها : أن القوت محتاج إليه في كل زمان متداول في كل حين وأوان فهو أعرف والفاكهة تكون في بعض الأزمان وعند بعض الأشخاص وثانيها : هو أن الفاكهة على ما بينا ما يتفكه به وتطيب به النفس وذلك عند كل أحد بحسب كل وقت شيء ، فمن غلب عليه حرارة وعطش ، يريد التفكه بالحامض وأمثاله ، ومن الناس من يريد التفكه بالحلو وأمثاله ، فالفاكهة غير متعينة فنكرها والنخل والحب معتادان معلومان فعرفهما وثالثها : النخل وحدها نعمة عظيمة تعلقت بها منافع كثيرة ، وأما الفاكهة فنوع منها كالخوخ والإجاص مثلا ليس فيه عظيم النعمة كما في النخل ، فقال : { فاكهة } بالتنكير ليدل على الكثرة وقد صرح بالكثرة في مواضع أخر فقال : { يدعون فيها بفاكهة كثيرة } ( ص: 51 ) وقال : { وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة } ( الواقعة : 32 ، 33 ) ، فالفاكهة ذكرها الله تعالى ووصفها بالكثرة صريحا وذكرها منكرة ، لتحمل على أنها موصوفة بالكثرة اللائقة بالنعمة في النوع الواحد منها بخلاف النخل . البحث الثالث : ما الحكمة في ذكر الفاكهة باسمها لا باسم أشجارها ، وذكر النخل باسمها لا باسم ثمرها ؟ نقول : قد تقدم بيانه في سورة : يس حيث قال تعالى : { من نخيل وأعناب } ( يس : 34 ) وهو أن شجرة العنب ، وهي الكرم بالنسبة إلى ثمرتها وهي العنب حقيرة ، وشجرة النخل بالنسبة إلى ثمرتها عظيمة ، وفيها من الفوائد الكثيرة على ماعرف من اتخاذ الظروف منها والانتفاع بجمارها وبالطلع والبسر والرطب وغير ذلك ، فثمرتها في أوقات مختلفة كأنها ثمرات مختلفة ، فهي أتم نعمة بالنسبة إلى الغير من الأشجار ، فذكر النخل باسمه وذكر الفاكهة دون أشجارها ، فإن فوائد أشجارها في عين ثمارها .
البحث الرابع : ما معنى : { ذات الاكمام } ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : الأكمام كل ما يغطي / جمع كم بضم الكاف ، ويدخل فيه لحاؤها وليفها ونواها والكل منتفع به ، كما أن النخل منتفع بها وأغصانها وقلبها الذي هو الجمار ثانيهما : الأكمام جمع كم بكسر الكاف وهو وعاء الطلع فإنه يكون أولا في وعاء فينشق ويخرج منه الطلع ، فإن قيل على الوجه الأول : { ذات الاكمام } في ذكرها فائدة لأنها إشارة إلى أنواع النعم ، وأما على الوجه الثاني فما فائدة ذكرها ؟ نقول : الإشارة إلى سهولة جمعها والانتفاع بها فإن النخلة شجرة عظيمة لا يمكن هزها لتسقط منها الثمرة فلا بد من قطف الشجرة فلو كان مثل الجميز الذي يقال : إنه يخرج من الشجرة متفرقا واحدة واحدة لصعب قطافها فقال : { ذات الاكمام } أي يكون في كم شيء كثير إذا أخذ عنقود واحد منه كفى رجلا واثنين كعناقيد العنب ، فانظر إليها فلو كان العنب حباتها في الأشجار متفرقة كالجميز والزعرور لم يمكن جمعه بالهز متى أريد جمعه ، فخلقه الله تعالى عناقيد مجتمعة ، كذلك الرطب فكونها { ذات الاكمام } من جملة إتمام الإنعام . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { والحب ذو العصف والريحان } . > 7 ! < < الرحمن : ( 12 ) والحب ذو العصف . . . . . > > اقتصر من الأشجار على النخل لأنها أعظمها ودخل في الحب القمح والشعير وكل حب يقتات به خبزا أو يؤدم به بينا أنه أخره في الذكر على سبيل الارتقاء درجة فدرجة فالحبوب أنفع من النخل وأعم وجودا في الأماكن . وقوله تعالى : { ذو العصف } فيه وجوه أحدها : التبن الذي تنتفع به دوابنا التي خلقت لنا ثانيها : أوراق النبات الذي له ساق الخارجة من جوانب الساق كأوراق السنبلة من أعلاها إلى أسفلها ثالثها : العصف هو ورق ما يؤكل فحسب والريحان فيه وجوه ، قيل : ما يشم وقيل : الورق ، وقيل : هو الريحان المعروف عندنا وبزره ينفع في الأدوية ، والأظهر أن رأسها كالزهر وهو أصل وجود المقصود ، فإن ذلك الزهر يتكون بذلك الحب وينعقد إلى أن يدرك فالعصف إشارة إلى ذلك الورق والريحان إلى ذلك الزهر ، وإنما ذكرهما لأنهما يؤولان إلى المقصود من أحدهما علف الدواب ، ومن الآخر دواء الإنسان ، وقرىء الريحان بالجر معطوفا على العصف ، وبالرفع عطفا على الحب وهذا يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون المراد من الريحان المشموم فيكون أمرا مغايرا للحب فيعطف عليه والثاني : أن يكون التقدير ذو الريحان بحذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه كما في : { واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) وهذا مناسب للمعنى الذي ذكرنا ، ليكون الريحان الذي ختم به أنواع النعم الأرضية أعز وأشرف ، ولو كان المراد من الريحان هو المعروف أو المشمومات لما حصل ذلك الترتيب ، وقرىء : { والريحان } ولا يقرأ : { والحب ذو العصف } ويعود الوجهان فيه . [ بم ثم قال تعالى : ! 7 < { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! < < الرحمن : ( 13 ) فبأي آلاء ربكما . . . . . > > وفيه مباحث :
الأول : الخطاب مع من ؟ نقول : فيه وجوه الأول : الإنس والجن وفيه ثلاثة أوجه / أحدها : يقال : الأنام اسم للجن والإنس وقد سبق ذكره ، فعاد الضمير إلى ما في الأنام من الجنس ثانيها : الأنام اسم الإنسان و الجان لما كان منويا وظهر من بعد بقوله : { وخلق الجان } ( الرحمن : 15 ) جاز عود الضمير إليه ، وكيف لا وقد جاز عود الضمير إلى المنوي ، وإن لم يذكر منه شيء ، تقول : لا أدري أيهما خير من زيد وعمرو ثالثها : أن يكون المخاطب في النية لا في اللفظ كأنه قال فبأي آلاء ربكما تكذبان أيها الثقلان الثاني : الذكر والأنثى . فعاد الضمير إليهما والخطاب معهما الثالث : فبأي آلاء ربك تكذب ، فبأي آلاء ربك تكذب ، بلفظ واحد والمراد التكرار للتأكيد الرابع : المراد العموم ، لكن العام يدخل فيه قسمان بهما ينحصر الكل ولا يبقى شيء من العام خارجا عنه فإنك إذا قلت : إنه تعالى خلق من يعقل ومن لا يعقل ، أو قلت : الله يعلم ما ظهر وما لم يظهر إلى غير ذلك من التقاسيم الحاصرة يلزم التعميم ، فكأنه قال : يا أيها القسمان : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } واعلم أن التقسيم الحاصر لا يخرج عن أمرين أصلا ولا يحصل الحصر إلا بهما ، فإن زاد فهناك قسمان قد طوى أحدهما في الآخر ، مثاله إذا قلت : اللون إما سواد وإما بياض ، وإما حمرة وإما صفرة وإما غيرها فكأنك قلت : اللون إما أسود وإما ليس بسواد أو إما بياض وإما ليس ببياض ، ثم الذي ليس ببياض إما حمرة وإما ليس بحمرة وكذلك إلى جملة التقسيمات ، فأشار إلى القسمين الحاصرين على أن ليس لأحد ولا لشيء أن ينكر نعم الله الخامس : التكذيب قد يكون بالقلب دون اللسان ، كما في المنافقين ، وقد يكون باللسان دون القلب كما في المعاندين وقد يكون بهما جميعا ، فالكذب لا يخرج عن أن يكون باللسان أو بالقلب فكأنه تعالى قال : يا أيها القلب واللسان فبأي آلاء ربكما تكذبان فإن النعم بلغت حدا لا يمكن المعاند أن يستمر على تكذيبها ، السادس : المكذب مكذب بالرسول والدلائل السمعية التي بالقرآن ومكذب بالعقل والبراهين والتي في الآفاق والأنفس فكأنه تعالى قال : يا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان ، وقد ظهرت آيات الرسالة فإن الرحمن علم القرآن ، وآيات الوحدانية فإنه تعالى خلق الإنسان وعلمه البيان ، ورفع السماء ووضع الأرض السابع : المكذب قد يكون مكذبا بالفعل وقد يكون التكذيب منه غير واقع بعد لكنه متوقع فالله تعالى قال : يا أيها المكذب تكذب وتتلبس بالكذب ، ويختلج في صدرك أنك تكذب ، { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ، وهذه الوجوه قريبة بعضها من بعض والظاهر منها الثقلان ، لذكرهما في الآيات من هذه السورة بقوله : { سنفرغ لكم أيها الثقلان } ( الرحمن : 31 ) ، وبقوله : { وما خلقت الجن والإنس } ( الرحمن : 33 ) وبقوله : { خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان } ( الرحمن : 14 ) إلى غير ذلك ، ( والزوجان ) لوروده في القرآن كثير والتعميم بإرادة نوعين حاصرين للجميع ، ويمكن أن يقال : التعميم أولى لأن المراد لو كان الإنس والجن اللذان خاطبهما بقوله : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ما كان يقول بعد خلق الإنسان ، بل كان يخاطب ويقول : خلقناك يا أيها الإنسان من صلصال وخلقناك يا أيها الجان أو يقول : خلقك يا أيها الإنسان / لأن الكلام صار خطابا معهما ، ولما قال الإنسان ، دل على أن المخاطب غيره وهو العموم فيصير كأنه قال : يا أيها الخلق والسامعون إنا خلقنا الإنسان من صلصال كالفخار / وخلقنا الجان من مارج من نار .
Preguntas
- ¿Qué es el tawhid, la creencia islámica en la unicidad de Dios?
- ¿Cuáles son los seis pilares de la fe (iman) en el islam?
- ¿Cuáles son las reglas del ayuno en Ramadán?
- ¿Qué enseña el islam sobre los alimentos halal y haram?
- ¿Qué enseñó el Profeta Muhammad (la paz sea con él) sobre el buen carácter?
- ¿Cuál es el significado de la sura al-Fatiha?
- ¿Qué enseña el Corán sobre la paciencia (sabr)?
- ¿Qué dice el Corán sobre el propósito de la vida?